كتاب المكاسب - ج10

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
420 /
5

الإهداء

6

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

سيدي ... أبا صالح. يا ولي العصر.

هذه جهودي بين يديك متواضعة بذلتها في سبيل تخليد فقه (أئمة أهل البيت) و هم آباؤك و أجدادك الطاهرون عليهم الصلاة و السلام في سبيل إحياء تراثنا العلمي الأصيل: أهديها إليك ...

يا حافظ الشريعة يا من يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا فأنت أولى بها ممن سواك، و لا أراها متناسبة و ذلك المقام الرفيع.

و أراني مقصرا و قاصرا غير أن الهدايا على قدر مهديها.

فتفضل عليّ يا سيدي (عجل اللّه تعالى لك الفرج) بالقبول، فانه غاية المأمول.

عبدك الراجي السيّد محمّد كلانتر

7

[تتمة] كتاب البيع

[تتمة الكلام في شروط المتعاقدين]

[تتمة مسألة من شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين أو مأذونين من المالك أو الشارع]

[تتمة الكلام في عقد الفضولي]

[تتمة مسائل متفرقة]

8

اشتراط الاسلام في من يشتري العبد المسلم

9

[مسألة اشتراط الإسلام في من يشتري العبد المسلم]

[المشهور عدم صحة نقل العبد المسلم إلى الكافر]

(مسألة) يشترط في من ينتقل إليه العبد المسلم ثمنا (1) أو مثمنا أن يكون مسلما، فلا (2) يصح نقله إلى الكافر عند أكثر علمائنا كما في التذكرة، بل عن الغنية عليه (3) الاجماع.

خلافا للمحكي في التذكرة عن بعض علمائنا.

و سيأتي عبارة الاسكافي في المصحف.

و استدل للمشهور تارة (4): بأن الكافر يمنع من استدامته، لأنه لو ملكه قهرا بارث، أو أسلم (5) في ملكه بيع عليه فيمنع من ابتدائه كالنكاح (6).

____________

(1) أي سواء وقع العبد في المعاوضة ثمنا كما لو اشتري به شيئا أم وقع مثمنا كما لو بيع.

(2) الفاء تفريع على الاشتراط المذكور أي فبناء على ذلك لا يصح انتقال العبد المسلم إلى الكافر.

(3) أي على كون المنتقل إليه و هو المشتري قام اجماع الامامية على اسلامه.

(4) و هو أنه لا بدّ من اسلام من ينتقل إليه العبد المسلم.

(5) أي أو اسلم العبد في ملك الكافر فهنا يجبر الكافر على بيع العبد المسلم.

(6) أي كما أن نكاح الكافر بالمسلمة ممنوع ابتداء، و استدامة كما لو ارتد الزوج المسلم، فان الزوجة هنا يمنع بقاؤها على نكاحها بعد ارتداد الزوج، كذلك يمنع بيع العبد المسلم على الكافر ابتداء و استدامة.

10

و اخرى بأن الاسترقاق سبيل على المؤمن فينتفي، بقوله تعالى:

«وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (1).

و بالنبوي المرسل في كتب أصحابنا المنجبر بعملهم و استدلالهم به في موارد متعددة حتى في عدم جواز علو بناء الكافر على بناء المسلم، بل عدم جواز مساواته: و هو قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم):

الاسلام يعلو و لا يعلى عليه (2).

و من المعلوم أن ما نحن (3) فيه أولى بالاستدلال عليه به.

لكن الانصاف أنه لو أغمض النظر عن دعوى الاجماع المعتضدة بالشهرة، و اشتهار التمسك بالآية حتى اسند في كنز العرفان الى الفقهاء و في غيره الى أصحابنا: لم يكن ما ذكروه من الأدلة (4) خاليا عن الاشكال في الدلالة.

____________

(1) النساء: الآية 140.

(2) (وسائل الشيعة). الجزء 17. ص 376. الباب 1.

الحديث 11.

(3) و هو بيع العبد المسلم من الكافر.

خلاصته أن الاستدلال بالحديث المشهور على عدم جواز بيع العبد المسلم أولى من الاستدلال به على عدم جواز علوّ بناء الكافر عن بناء المسلم، أو مساواته له، حيث إن في تسلط الكافر على المسلم في صورة شرائه امر بديهي تتعلق أوامره و نواهيه به فيتحقق السبيل و الاستعلاء الحقيقي.

(4) و هي الآية و الحديث النبوي المشهور، و قياس الابتداء بالاستدامة.

11

أما (1) حكاية قياس الابتداء على الاستدامة فغاية توجيهه (2) أن المستفاد من منع الشارع عن استدامته عدم رضاه باصل وجوده حدوثا (3) و بقاء (4) من غير مدخلية لخصوص البقاء كما لو أمر المولى باخراج أحد من الدار، أو بازالة النجاسة عن المسجد، فانه يفهم من ذلك عدم جواز الادخال.

لكن (5) يرد عليه أن هذا إنما يقتضي عدم كون الرضا (6) بالحدوث على نهج عدم الرضا بالبقاء.

و من المعلوم أن عدم رضاه بالبقاء مجرد تكليف بعدم ابقائه و باخراجه عن ملكه، و ليس معناه عدم امضاء الشارع بقاءه (7)

____________

(1) من هنا شرع في رد الأدلة المذكورة على عدم جواز بيع العبد المسلم من الكافر.

(2) أي توجيه منع استدامة بقاء عبد مسلم تحت يد الكافر حتى يستفاد من هذه الاستدامة منع بيع العبد المسلم من الكافر ابتداء.

و جملة أن المستفاد بيان لكيفية منع الاستدامة.

(3) كما في الابتداء.

(4) كما في الاستدامة.

(5) من هنا يروم الشيخ أن يناقش قياس المنع من البيع ابتداء بمنعه استدامة.

أي يرد على الاستدلال بمنع الاستدامة بعدم رضا الشارع باصل وجوده حدوثا و بقاء.

و قد ذكر الايراد الشيخ في المتن فلا نعيده.

(6) أي رضا الشارع.

(7) أي بقاء العبد في ملكه.

12

حتى يكون العبد المسلم خارجا بنفسه شرعا عن ملك الكافر فيكون عدم رضاه بالادخال (1) على هذا الوجه (2).

فلا يدل (3) على عدم امضائه لدخوله في ملكه، ليثبت بذلك الفساد.

و الحاصل أن دلالة النهي عن الادخال في الملك تابعة لدلالة النهي عن الابقاء في الدلالة على امضاء الشارع، لآثار المنهي عنه و عدمه و المفروض انتفاء الدلالة في المتبوع (4).

و مما ذكرنا (5) يندفع التمسك للمطلب (6) بالنص الوارد في عبد كافر أسلم.

فقال امير المؤمنين (عليه السلام): اذهبوا فبيعوه من المسلمين

____________

(1) أي ابتداء.

(2) أي وجه استدامة بقاء العبد المسلم تحت يد الكافر.

(3) أي وجه استدامة بقاء العبد المسلم لا يدل على عدم امضاء الشارع دخول العبد المسلم في ملك الكافر ابتداء حتى يدل عدم الدخول على فساد البيع و بطلانه.

(4) و هو الابقاء.

(5) و هو منع قياس الابتداء بالاستدامة.

(6) و هو عدم جواز نقل العبد المسلم إلى الكافر.

13

و ادفعوا ثمنه إلى صاحبه، و لا تقروه عنده (1)، بناء (2) على أن تخصيص البيع بالمسلمين في مقام البيان و الاحتراز يدل على المنع من بيعه من الكافر فيفسد.

توضيح الاندفاع (3) أن التخصيص بالمسلمين إنما هو من جهة أن الداعي على الأمر بالبيع هي إزالة ملك الكافر، و النهي عن ابقائه عنده و هي (4) لا تحصل بنقله إلى كافر آخر فليس تخصيص المامور به (5) لاختصاص مورد الصحة به، بل لأن الغرض من الأمر لا يحصل إلا به (6) فافهم (7).

____________

(1) (وسائل الشيعة) الجزء 16. ص 69. الباب 73. الحديث 1.

و الشاهد في جملة: فبيعوه من المسلمين.

و جملة: و لا تقروه عنده، فانهما تدلان على المطلب: و هو عدم جواز نقل العبد المسلم إلى الكافر.

(2) أي تقييد البيع بالمسلمين لاجل الاحتراز عن بيعه من الكفار و لأجل أن بيعه من الكافر فاسد و مفسد للعقد.

(3) خلاصة الاندفاع: أن البيع من المسلمين ليس لأجل اختصاص البيع بهم فقط، و أن الصحة منحصرة فيهم لا غير.

بل لأجل أن الغرض و هي ازالة ملك الكافر عن العبد المسلم لا تحصل إلا بالبيع من المسلمين.

(4) أي الازالة كما عرفت.

(5) و هو بيع العبد المسلم من المسلمين كما عرفت.

(6) أي ببيع العبد المسلم من المسلمين كما عرفت.

(7) لعل الأمر بالتفهم لأجل أن وجوب ازالة ملك الكافر عن العبد المسلم لا يحصل إلا ببيعه من المسلمين.

14

و أما الآية (1) فباب الخدشة فيها واسع.

تارة من جهة دلالتها في نفسها و لو بقرينة سياقها الآبي عن التخصيص

____________

(1) من هنا أخذ الشيخ- (قدس سره)- في الرد على الآية الكريمة و هو قوله تعالى: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا المستدل بها على عدم صحة نقل العبد المسلم من الكافر.

و يريد أن يخدش فيها فقال: و أما الآية فمجال الخدشة فيها وسع فخدش فيها ثلاث خدشات:

(الأولى) في كون الآية غير قابلة للتخصيص فلا بد من حملها على معنى حتى لا يلزم التخصيص: إذ لو لا الحمل للزم التخصيص.

أما كونها غير قابلة للتخصيص و إن كان عدم القابلية من ناحية السياق فلأن كلمة لن في قوله تعالى: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا لنفي الأبد أي لا يمكن و لا يكون السبيل و السلطة للكافر على المؤمنين أبدا.

و إذا كانت كلمة (لن) لنفي الأبد فلا تكون الآية قابلة للتخصيص.

مع أنا نرى بالعيان تملك الكافر المؤمن بالارث ابتداء، و تملكه له استدامة كما لو كان المولى و العبد كافرين فاسلم العبد، أو كانا مسلمين فارتد المولى.

ففي تملك الكافر المؤمن بالارث تثبت الملكية الابتدائية، و باسلام العبد، أو ارتداد المولى تثبت استدامة الملكية.

فعلى كلتا الحالتين يثبت السبيل للكافر على المؤمن و إذا ثبت السبيل فقد خصصت الآية الكريمة.

مع أنها بذاتها مع قطع النظر عن التفسير و لو بقرينة سياق الآية لا تدل على التخصيص، فهي آبية عن ذلك.

15

فلا بد من حملها على معنى لا يتحقق فيه تخصيص، أو بقرينة (1) ما قبلها الدالة على إرادة نفي الجعل في الآخرة.

و أخرى (2) من حيث تفسيرها في بعض الأخبار بنفي الحجة للكفار على المؤمنين: و هو ما روي في العيون عن ابي الحسن (عليه السلام) ردا على من زعم أن المراد بها نفي تقدير اللّه سبحانه بمقتضى الأسباب العادية تسلط الكفار على المؤمنين حتى أنكروا لهذا المعنى الفاسد الذي لا يتوهمه ذو مسكة أن الحسين بن علي (عليهما السلام) لم يقتل

____________

(1) أي الآية الكريمة لا تدل على التخصيص و لو بقرينة ما قبلها الدالة تلك القرينة على أن المراد من النفي من كلمة لن نفي الجعل في الآخرة، أي الكافر ليس له سبيل و سلطة على المؤمن في الآخرة.

(2) أي (الخدشة الثانية) في تفسير الآية، حيث إنها فسرت كما في الحديث بأن المراد من النفي نفي الحجة للكافر على المؤمنين أي الكافر عند احتجاجه مع المؤمن ليس له حجة و دليل حتى يتمكن به الاستعلاء و السبيل على المؤمن فلا تدل الآية على الحكم التشريعي:

و هو عدم تملك الكافر العبد المسلم.

و بنفي الحجة للكافر على المؤمن استدل بعض على عدم قتل (الامام الحسين) عليه الصلاة و السلام: ببيان أن الكافر ليس له حجة على قتله، لأن اللّه سبحانه و تعالى لم يقدر تسلط الكافر على المؤمنين و الحسين (عليه السلام) هو المثل الأعلى للايمان فعليه فقد شبه للكفار كما شبه عيسى بن مريم (عليه السلام) لليهود.

و قد ردّ هذه المقالة الفاسدة الامام ابو الحسن الرضا (عليه السلام) أليك نص الحديث:

قيل له يعني الرضا (عليه السلام): إن في سواد الكوفة قوما-

16

بل شبه لهم و رفع كعيسى على نبينا و آله و (عليهم السلام):

و تعميم الحجة (1) على معنى يشمل الملكية.

و تعميم الجعل (2) على وجه يشمل الاحتجاج و الاستيلاء لا يخلو عن تكلف.

____________

- يزعمون أن الحسين بن علي (عليهما السلام) لم يقتل، و أنه ألقي شبهه على حنظلة بن اسعد الشامي، و أنه رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم (عليه السلام) و يحتجون بهذه الآية وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.

فقال: كذبوا عليهم غضب اللّه و لعنته، و كفروا بتكذيبهم النبي (صلى اللّه عليه و آله) في إخباره بأن الحسين (عليه السلام) سيقتل و اللّه لقد قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) و قتل من كان خيرا من الحسين (عليه السلام) امير المؤمنين و الحسن بن علي (عليهما السلام)، و ما منا إلا مقتول و اني و اللّه لمقتول بالسم باغتيال من يغتالني.

راجع (عيون أخبار الرضا) طبعة (طهران) عام 1377.

الجزء 2. ص 203.

(1) إشكال من الشيخ على من عمّم الحجة التي اريدت من نفي الجعل أي لو عممت الحجة المفسرة بها كلمة الجعل حسب تفسير الحديث لها بحيث تشمل الملكية كما زعم هذا التعميم بعض لا يخلو عن تكلف، لأن التملك إنشاء، و نفي الحجة إخبار فالجمع بينهما جمع بين المتناقضين.

بالإضافة إلى أنه يلزم تعدد الوضع و الاصل عدمه.

(2) هذا إشكال آخر من الشيخ على من عمم الجعل الوارد في الآية الكريمة و اراد منه معنى عاما يشمل الحجة و الاستيلاء.

و الاشكال نفس الاشكال الوارد في تعميم الجعل بمعنى يشمل الاحتجاج و الملكية.

17

و ثالثة (1) من حيث تعارض عموم الآية مع عموم ما دل على صحة البيع، و وجوب الوفاء بالعقود، و حل اكل المال بالتجارة، و تسلط الناس على أموالهم، و حكومة (2) الآية عليها غير معلومة و اباء (3)

____________

(1) (اى الخدشة الثالثة).

و خلاصة هذه الخدشة: أن عموم الآية معارض بالعمومات الموجودة مثل: قوله تعالى: و احل اللّه البيع.

و قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

و قوله تعالى: إلا أن تكون تجارة عن تراض.

و قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم): إن الناس مسلطون على أموالهم فعند التعارض تسقط الآية عن الحجية.

(2) دفع و هم.

حاصل الوهم أن الآية حاكمة على العمومات المذكورة فتكون العمومات محكومة و الآية حاكمة اذا تكون حجة يصح الاستدلال بها على المدعى.

فاجاب الشيخ أن حكومة الآية على العمومات غير معلومة لأن الحكومة لا تحتاج إلا إلى كون احد الدليلين ناظرا إلى الآخر:

بأن يتعرض دليل الحاكم إلى عقد وضع المحكوم، أو حمله، و معلوم أن الآية كذلك بالنسبة إلى العمومات.

(3) دفع و هم آخر:

و حاصل الوهم: أن مجرد التعارض، و عدم حكومة احداهما على الأخرى لا يفيد في إسقاط الاستدلال بالآية على فساد بيع العبد المسلم من الكافر ثم الحكم بصحة البيع كما هو المقصود من الخدشة الثالثة-

18

سياق الآية عن التخصيص مع (1) وجوب الالتزام به في طرف الاستدامة، و في كثير (2) من الفروع في الابتداء يقرّب (3) تفسير

____________

- بل لا بد من القول بتقديم الآية و حكومتها على العمومات المذكورة و لو تنازلنا عن ذلك و قلنا بعدم الحكومة فلا بد من القول بالتساوي بين الأدلة الدالة على صحة بيع العبد المسلم من الكافر، و بين العمومات المذكورة.

و من المعلوم أن التساوي موجب للتساقط، و الرجوع إلى الاصل

و خلاصة الدفع: أن سياق الآية آب عن التخصيص و هذا الاباء مما يقرب تفسير السبيل الواقع في الآية بمعنى لا يشمل الملكية: بأن يراد من السبيل السلطنة أي لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سلطنة فحينئذ تتحقق الملكية، و لكن السلطنة لا تتحقق.

بل يكون الكافر محجورا عليه، و مجبورا على بيع العبد المسلم:

(1) أي و إن نقول بإباء الآية الكريمة عن التخصيص، لكن مع ذلك كله نلتزم بالتخصيص وجوبا في طرف استدامة تملك الكافر العبد المسلم كما عرفت في الهامش 1 ص 14 عند قولنا: و باسلام العبد، أو ارتداد المولى.

(2) أي و كذا القول بتخصيص الآية مما لا بدّ منه في كثير من الفروع الفقهية كما في تملك الكافر العبد المسلم بالارث ابتداء قهرا، أو غير قهر كما في بيع العبد المسلم على من ينعتق عليه.

و كما فيما لو قال الكافر للمسلم: اعتق عبدك عني، بناء على تملكه له آنا ما.

و كما لو بيع العبد على الكافر و اشترط عتقه.

و قد عرفت ذلك عند قولنا في الهامش 1 ص 14: مع أنا نرى بالعيان.

(3) جملة يقرب مع الفاعل مرفوعة محلا خبر للمبتدإ المتقدم-

19

السبيل بما لا يشمل الملكية: بأن يراد من السبيل السلطنة فيحكم بتحقق الملك، و عدم تحقق السلطنة، بل يكون محجورا عليه مجبورا على بيعه.

و هذا (1) و إن اقتضى التقييد في اطلاق ما دل على استقلال الناس في أموالهم، و عدم حجرهم بها.

لكنه مع ملاحظة وقوع مثله كثيرا في موارد الحجر على المالك أهون من ارتكاب التخصيص في الآية المسوقة لبيان أن الجعل شيء لم يكن و لن يكون، و أن نفي الجعل ناش عن احترام المؤمن الذي لا يقيد بحال، دون حال.

هذا (2) مضافا (3) إلى أن استصحاب الصحة في بعض المقامات

____________

- و هو قوله: و اباء سياق الآية.

(1) أي و تحقق الملك و عدم تحقق السلطنة.

هذا دفع وهم.

حاصل الوهم: أن تحقق الملكية بدون تحقق السلطنة و إن كان ظاهره سلامة الآية من التخصيص.

لكن لازمه تقييد الاطلاق الوارد في قوله (صلى اللّه عليه و آله):

الناس مسلطون على أموالهم، و عدم كونهم محجورين في أموالهم و مجبورين على بيعها.

فاجاب الشيخ بما حاصله: أنه لو دار الأمر بين التخصيص و التقييد فالتقييد أولى من التخصيص، لكثرة ما ورد من تقييد هذا الاطلاق كحجر المالك، لصغر، أو جنون، أو سفه، أو فلس، أو زمن فالتقييد أهون من التخصيص.

(2) أي خذ ما تلوناه عليك حول تخصيص الآية، و عدمه.

(3) أي و لنا بالإضافة إلى ما ذكرناه: من الأدلة الدالة على صحة-

20

يقتضي الصحة كما (1) إذا كان الكافر مسبوقا بالاسلام، بناء على شمول الحكم لمن كفر عن الاسلام، أو كان (2) العبد مسبوقا بالكفر فيثبت (3) في غيره بعدم الفصل.

و لا يعارضه (4) أصالة الفساد في غير هذه الموارد، لأن استصحاب

____________

- بيع العبد المسلم من الكافر دليل آخر على الصحة، و هو الاستصحاب

(1) مثال للاستصحاب فيما إذا كان المشتري كافرا و العبد مسلما فرض المسألة هكذا:

كان شخص مسلما ثم ارتد فقبل اسلامه كان يصح البيع منه و بعد الارتداد نشك في الصحة فنجري الصحة السابقة.

(2) هذا مثال آخر للاستصحاب.

فرض المسألة هكذا:

كان عبد كافرا فاسلم فقبل اسلامه كان يصح بيعه من الكافر و بعد اسلامه نشك في بيعه منه فنجري الصحة السابقة و هي الاستصحاب.

(3) أي جواز صحة بيع العبد المسلم من الكافر في غير مورد الاستصحاب، لعدم القول بالفصل بين الاستصحاب و غيره.

(4) أي و لا يعارض هذا الاستصحاب أصالة الفساد و هو الاستصحاب لأن استصحاب الصحة مقدم على استصحاب الفساد، لأن ذاك موضوعي يشمل خصوص هذا الفرد، و هذا حكمي، و الموضوعي مقدم على الحكمي.

و أما كيفية استصحاب الفساد فهو أن النقل و الانتقال قبل اجراء الصيغة كان فاسدا، و بعد اجراء الصيغة نشك في صحة بيع العبد المسلم من الكافر فنجري استصحاب الفساد.

21

الصحة مقدم عليها، فتأمل (1) ثم إن الظاهر أنه لا فرق بين البيع و أنواع التمليكات كالهبة و الوصية (2).

[تمليك منافع المسلم من الكافر]

و أما تمليك المنافع (3) ففي الجواز مطلقا كما يظهر من التذكرة و مقرب النهاية.

بل ظاهر المحكي عن الخلاف.

أو مع وقوع الاجارة على الذمة (4) كما عن الحواشي، و جامع المقاصد و المسالك.

أو مع كون المسلم الأجير حرا كما عن ظاهر الدروس.

____________

(1) وجه التأمل أن الموضوع في الاستصحاب لا بدّ أن يكون متحدا و هنا صار متعددا، لتبدل الموضوع، لأن من كان يجوز في حقه شراء العبد المسلم إنما هو عنوان كونه مسلما و قد زال و تبدل بعنوان الكافر فاختلف الموضوع فلا مجال لجريان الاستصحاب.

و كذلك العبد الذي يجوز بيعه من الكافر إنما هو الكفر و قد زال العنوان و تبدل الكفر و اصبح العبد مسلما فاختلف الموضوع فلا مجال لجريان الاستصحاب.

(2) فكل ما قلناه في البيع من الجواز، أو عدمه يأتي في الهبة و الوصية.

(3) أي تمليك منافع المسلم من الكافر: بأن يؤجر المسلم نفسه له، أو يؤجر المولى عبده المسلم من الكافر، لقضاء أعماله فهل يجوز أو لا يجوز؟

ثم إن المنافع أعم من كونها بنحو الاجارة، أو بنحو الصلح أو بنحو الاعارة.

(4) بأن تكون الاجارة كليا، لا شخصيا.

22

أو المنع مطلقا كما هو ظاهر القواعد، و محكي الايضاح أقوال:

أظهرها الثاني (1)، فانه (2) كالدين ليس ذلك سبيلا فيجوز.

و لا فرق (3) بين الحر و العبد كما هو ظاهر اطلاق كثير كالتذكرة و حواشي الشهيد، و جامع المقاصد.

____________

(1) و هو وقوع الاجارة على الذمة: بأن تكون كليا، لا شخصيا كما عرفت.

(2) تعليل لكون الثاني أقوى الأقوال:

و خلاصته: أن الاجارة اذا وقعت كليا يجوز تمليكها من الكافر لأنها حينئذ كالدين، لعدم كون الاقراض له سبيلا على المؤمن.

فكما أنه يجوز إقراض الكافر، كذلك يجوز تمليكه المنافع اذا كانت كلية.

و لا يخفى جواز كون الاجارة شخصية.

و يمكن الاستدلال لها بما ورد أن (الامام امير المؤمنين) عليه الصلاة و السلام آجر نفسه لليهودي في استقاء بستانه من البئر بالدلاء إزاء مقدار من التمر.

و كذا بما ورد من أن (الصديقة الطاهرة) (صلوات اللّه عليها) غزلت مقدارا من الصوف لليهودي.

اللهم إلا أن يقال: إن الاجارة لم تكن شخصية، لأنها أعم من وقوعها مباشرة، أو تسبيبا، و إن وقعت في الخارج عن شخص الامام عليه الصلاة و السلام، لأن فعله لا يدل على أن اليهودي اشترط معه (عليه السلام) القيام بالعمل مباشرة حتى يلزم استيلاؤه و سلطته على الامام، لتشمله الآية الكريمة.

(3) اي في الاجارة من الكافر بين أن يكون الاجير حرا، أو عبدا.

23

بل ظاهر المحكي عن الخلاف نفي الخلاف فيه، حيث قال فيه:

اذا استأجر كافر مسلما (1) بعمل في الذمة صح بلا خلاف:

و اذا استأجره مدة من الزمان شهرا، أو سنة، ليعمل عملا صح أيضا عندنا (2) انتهى.

و ادعى في الايضاح أنه لم ينقل من الامة فرق بين الدين، و بين الثابت في الذمة بالاستئجار.

خلافا للقواعد، و ظاهر الايضاح فالمنع مطلقا، لكونه سبيلا.

و ظاهر الدروس التفصيل بين العبد و الحر فيجوز في الثاني، دون الأول، حيث ذكر بعد أن منع اجارة العبد المسلم للكافر مطلقا قال: و جوّزها الفاضل.

و الظاهر أنه اراد اجارة الحر المسلم، انتهى.

و فيه نظر، لأن ظاهر الفاضل في التذكرة جواز اجارة العبد المسلم مطلقا و لو كانت على العين.

نعم يمكن توجيه الفرق (3) بأن يد المستأجر على الملك الذي ملّك منفعته.

بخلاف الحر، فانه لا تثبت للمستأجر يد عليه، و لا على منفعته.

خصوصا لو قلنا بأن اجارة الحر تمليك الانتفاع، لا المنفعة فتأمل (4).

____________

(1) فكلمة مسلما تشمل الحر و العبد.

(2) بناء على أن الاجارة هنا أعم من التسبيب و المباشرة فتكون الاجارة هنا أيضا كلية.

(3) أي بين الحر و العبد، و الباء في بأن بيان للفرق بين الحر و العبد.

(4) للامر بالتأمل احتمالان:-

24

[ارتهان العبد المسلم عند الكافر]

و أما الارتهان عند الكافر ففي جوازه مطلقا كما عن ظاهر نهاية الأحكام.

أو المنع كما في القواعد و الايضاح.

أو التفصيل بين ما لم يكن تحت يد الكافر كما اذا وضعناه عند مسلم كما عن ظاهر المبسوط و القواعد و الايضاح في كتاب الرهن و الدروس و جامع المقاصد و المسالك، أو التردد كما في التذكرة وجوه.

أقواها الثالث (1)، لأن استحقاق الكافر لكون المسلم في يده سبيل

____________

- (الاول): كونه اشارة الى وهن الفرق بين الحر و العبد:

في أن الحر يجوز تمليك منفعته من الكافر، لعدم ثبوت يد عليه.

بخلاف العبد، فانه لا يجوز تمليك منفعته منه، لثبوت اليد عليه.

و خلاصة الوهن: أنه إن اريد من اليد الثابتة على الملك الذي ملّكت منفعته مجرد السلطنة فهذه السلطنة بعينها موجودة في الحر الاجير للعمل بشخصه و مباشرة، لأنه تصدق هنا سلطنة المستأجر على استيفاء المنفعة من شخص الاجير، و الزامه بذلك.

و إن اريد من اليد الثابتة على الملك الذي يملك الكافر منفعته آثار الضمان على هذه اليد لو تلفت العين التي هي تحت يدي الكافر فهذا مما لا مدخل له في تحقق معنى السبيل و السلطنة.

(الثاني): كونه اشارة إلى عدم الفرق بين تمليك الانتفاع و تمليك المنفعة كما افاده القائل بجواز تمليك منفعة الحر من الكافر:

بأن اجارة الحر تمليك الانتفاع، لا المنفعة، لاستواء كلا التمليكين في تحقق معنى السلطنة على الاستيفاء.

(1) و هو القول بالتفصيل، فان ارتهان العبد المسلم من الكافر و ابقاؤه عند مسلم لا يصدق عليه السبيل و السلطنة، اذ وضعه-

25

بخلاف استحقاقه لاخذ حقه من ثمنه:

[إعارة العبد المسلم و إيداعه من الكافر]

و أما اعارته من كافر فلا يبعد المنع، وفاقا لعارية القواعد و جامع المقاصد و المسالك.

بل عن حواشي الشهيد (رحمه اللّه) أن الاعارة و الايداع أقوى منعا من الارتهان.

و هو حسن في العارية (1)، لأنها تسليط على الانتفاع فيكون سبيلا و علوا، و محل نظر في الوديعة، لأن التسليط على الحفظ و جعل نظره إليه مشترك بين الرهن و الوديعة، مع زيادة في الرهن التي قيل من اجلها بالمنع. و هي (2) التسلط على منع المالك عن التصرف فيه إلا باذنه، و تسلطه على الزام المالك ببيعه.

و قد صرح في التذكرة بالجواز في كليهما (3).

و مما ذكرنا (4) يظهر عدم صحة وقف الكافر عبده المسلم على أهل ملته.

____________

- عند مسلم طريق لاخذ حق الكافر من المدين لو انكر، أو ماطل في الاداء.

بخلاف تسليمه له و وضعه عنده، فانه يصدق عليه السبيل.

(1) أي لا في الايداع، فان في الايداع لا يصدق السبيل و السلطنة عليه حتى تشمله الآية الكريمة.

(2) أي تلك الزيادة هو تسلط الكافر على المنع من تصرفه في المرهون لو أراد التصرف فيه، فهذه الزيادة هي المانعة من ارتهان العبد المسلم من الكافر.

(3) أي في العارية و الوديعة.

(4) و هو عدم جواز اعارة العبد المسلم من الكافر، لأنها تسليط على الانتفاع فيكون سبيلا و علوا.

26

[الظاهر من الكافر]

ثم إن الظاهر من الكافر كلّ من حكم بنجاسته و لو انتحل الاسلام كالنواصب و الغلاة و المرتد.

غاية الأمر عدم وجود هذه الأفراد في زمان نزول الآية، و لذا (1) استدل الحنفية بالآية على ما حكي عنهم بحصول البينونة بارتداد الزوج.

و هل يلحق بذلك (2) أطفال الكفار؟

فيه إشكال.

و يعم المسلم المخالف (3)، لأنه مسلم فيعلو و لا يعلى عليه.

و المؤمن (4) في زمان نزول آية نفي السبيل لم يرد به إلا المقر بالشهادتين

____________

(1) أي و لاجل أن المراد من الكافر كل من حكم بنجاسته و لو انتحل الاسلام.

(2) أي و هل يلحق أطفال الكفار بالكفار: في عدم تمليك منفعة العبد المسلم، و عدم جواز بيعه، و عدم جواز ارتهانه، و عدم جواز اعارته منهم، أو لا يلحق؟

(3) في عدم جواز بيعه، و تمليك منفعته، و ارتهانه، و اعارته من الكافر فيصدق عليه العلو و الاستعلاء لو بيع، أو رهن، أو اعير أو ملكت منفعته من الكافر.

(4) دفع وهم.

حاصل الوهم: أن الآية تصرح بالإيمان في قوله تعالى: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.

ففرق بين الايمان و الاسلام، اذ المؤمن من يعترف بالتوحيد و النبوة و الامامة.

بخلاف المسلم، فانه المعترف بالتوحيد و النبوة، فبينهما عموم و خصوص مطلق، إذ كل مؤمن مسلم، و ليس كل مسلم مؤمن.

-

27

و نفيه (1) عن الأعراب الذين قالوا آمنّا بقوله تعالى: و لما يدخل الايمان في قلوبكم إنما (2) كان لعدم اعتقادهم بما أقروا به، فالمراد بالاسلام هنا أن يسلّم نفسه للّه و رسوله في الظاهر، لا الباطن.

بل قوله تعالى: و لما يدخل الايمان في قلوبكم دل على أن ما جرى على ألسنتهم من الاقرار بالشهادتين كان ايمانا في خارج القلب.

و الحاصل أن الاسلام و الايمان في زمان الآية كانا بمعنى واحد.

و أما ما دل على كفر المخالف بواسطة انكار الولاية فهو لا يقاوم بظاهره، لما دل على جريان جميع أحكام الاسلام عليهم: من التناكح و التوارث، و حقن الدماء، و عصمة الأموال، و أن الاسلام ما عليه جمهور الناس.

ففي رواية حمران بن أعين قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:

____________

- فأجاب (قدس سره): أن المراد بالمؤمن في الآية المباركة التي اريد منها نفي السبيل عليه هو المقر بالشهادتين فقط، لا من كان معترفا بالامامة زائدة على ذلك.

(1) دفع وهم

و خلاصة الوهم: أنه لو كان المراد من المؤمن هو المقر بالشهادتين فقط فلما ذا نفي الايمان عن الأعراب في قوله تعالى:

و قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا؟

(2) جواب عن الوهم المذكور

حاصله: أن نفي الايمان عن الأعراب إنما كان لأجل عدم اعتقادهم قلبا بما اعترفوا به، لا لأجل الفرق بين الايمان و الاسلام.

(3) أي في باب بيع العبد المسلم من الكافر، و تمليك منفعته و اعارته.

28

الايمان ما استقر في القلب، و أفضى به إلى اللّه عز و جل و صدقه العمل بالطاعة للّه و التسليم لأمره.

و الاسلام ما ظهر من قول، أو فعل و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها.

و به حقنت الدماء، و عليه جرت المواريث، و جاز النكاح و اجتمعوا على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج فخرجوا بذلك من الكفر و اضيفوا إلى الايمان إلى أن قال:

فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل و الأحكام و الحدود و غير ذلك؟

قال: لا، بل هما بجريان في ذلك مجرى واحد.

و لكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما، و ما يتقربان به إلى اللّه عز و جل (1).

[بيع العبد المؤمن من المخالف]

و من جميع ما ذكرنا ظهر أنه لا بأس ببيع المسلم من المخالف و لو كان جارية إلا إذا قلنا بحرمة تزويج المؤمنة من المخالف، لأخبار دلت على ذلك (2)،

____________

(1) هذا بعض الحديث و تمامه مذكور في الكافي.

راجع (اصول الكافي). الجزء 2. ص 26. الحديث 5 طباعة المطبعة الحيدرية.

(2) أي على تحريم تزويج المؤمنة بالمخالف.

راجع (وسائل الشيعة). الجزء 14. ص 424. الباب 10 الأحاديث:

إليك نص الحديث الخامس:

عن الفضيل بن اليسار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن نكاح الناصب.

-

29

فان فحواها (1) يدل على المنع من بيع الجارية المؤمنة.

____________

- فقال: لا و اللّه ما يحل.

قال فضيل: ثم سالته مرة أخرى. فقلت: جعلت فداك ما تقول في نكاحهم؟

قال: و المرأة عارفة.

قلت: عارفة.

قال: إن العارفة لا توضع إلا عند عارف.

و إليك نص الحديث الرابع:

عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

إن لامرأتي اختا عارفة على رأينا، و ليس على رأينا بالبصيرة إلا قليل فازوجها ممن لا يرى رأينا؟

قال: لا، و لا نعمة إن اللّه عز و جل يقول:

فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هنّ حل لهم و لا هم يحلون لهن (1).

فالحديثان هذان، و ما ذكر في المصدر تدل على حرمة التزويج من المخالف، و بمفهومها يستدل على حرمة بيع الجارية المؤمنة من المخالف بطريق أولى.

بيان ذلك أن تسليط المخالف على المؤمنة إنما هو على البضع فقط فاذا كان هذا التسليط محرما بالزواج فبطريق أولى يكون التسليط على المؤمنة من الكافر بالشراء محرما، لأن تسليطه عليها يكون تسليطا حقيقيا و على كل جوانبها الحيانية بحيث للمولى امرها بكل شيء و نهيها عن كل شيء، فيتحقق السبيل و هو منفي.

(1) أي مفهوم تلك الأخبار يدل على منع بيع الجارية المؤمنة

____________

(1) الممتحنة: الآية 10.

30

لكن الأقوى عدم التحريم (1).

[موارد جواز تملك الكافر للعبد المسلم]

ثم إنه قد استثنى من عدم جواز تملك الكافر للعبد المسلم مواضع:

[منها: ما إذا كان الشراء مستعقبا للانعتاق]

(منها) (2): ما إذا كان الشراء مستعقبا للانعتاق بأن يكون (3) ممن ينعتق على الكافر قهرا واقعا كالأقارب، أو ظاهرا (4) كمن أقر بحرية مسلم ثم اشتراه.

أو بأن (5) يقول الكافر للمسلم: اعتق عبدك عني بكذا فاعتقه (6) ذكر ذلك العلامة في التذكرة و تبعه جامع المقاصد و المسالك، و الوجه (7) في الاول واضح، وفاقا للمحكي عن الفقيه و النهاية و السرائر مدعيا

____________

بالمخالف كما عرفت.

(1) أي عدم تحريم تزويج المؤمنة بالمخالف.

(2) أي من تلك المواضع المستثناة.

من هنا أخذ الشيخ في ذكر المواضع المستثناة.

(3) هذا أول موضع قد استثني من عدم جواز تملك الكافر العبد المسلم.

(4) هذا هو الموضع الثاني.

(5) هذا هو الموضع الثالث.

(6) ففي هذه الموارد الثلاث يملك الكافر العبد المسلم.

و الشيخ (قدس سره) يشير إلى كل واحد من هذه الموارد الثلاث.

و نحن نذكرها تحت رقمها الخاص.

(7) أي العلة في تملك الكافر العبد المسلم في القسم الاول:

و هو انعتاق من ينعتق على الكافر قهرا واقعا كالأقارب واضحة حيث إن العتق متوقف على الملك في قوله (صلى اللّه عليه و آله):

لا عتق إلا في ملك.-

31

عليه الاجماع و المتأخرين كافة، فان (1) مجرد الملكية غير المستقرة لا يعد سبيلا، بل (2) لم تعتبر الملكية إلا مقدمة للانعتاق.

خلافا للمحكي عن المبسوط و القاضي فمنعاه (3)، لأن الكافر لا يملك حتى ينعتق، لأن التملك بمجرده سبيل، و السيادة علو، إلا (4) أن الانصاف أن السلطنة غير متحققة في الخارج، و مجرد الاقدام (5) على شرائه لينعتق منّة من الكافر على المسلم، لكنها غير منفية.

و أما الثاني (6) فيشكل بالعلم بفساد البيع على تقديري الصدق

____________

- فهنا يملك الكافر من ينعتق عليه قهرا آنا ما حتى يصح عتقه.

(1) تعليل للملكية الآنية في أنها ليست بسبيل.

أي و هذه الملكية الآنية المجردة عن الملكية المستقرة الثابتة لا يطلق عليها السبيل و السلطنة.

(2) هذا في الواقع إضراب عن الملكية الحاصلة للكافر.

(3) أي تملك الكافر لمن ينعتق عليه قهرا.

(4) هذا رأي الشيخ حول موضوع تملك الكافر من ينعتق عليه.

و خلاصته: أن سلطنة الكافر على المؤمن بمجرد تملكه له آنا ما غير ثابتة و غير واقعة في الخارج فلا تتحقق بهذه المدة الوجيزة التي يمكن أن يقال: إنها خارجة عن الأزمان و داخلة في الأعدام فلا تشمل الآية الكريمة هذه الملكية الآنية حتى يستدل بها على نفيها.

(5) أي مجرد إقدام الكافر على شراء من ينعتق عليه و إن كان يعد منة من الكافر على المؤمن، لكن هذه المنة لا تكون منفية بالآية الكريمة حتى يستدل بها على عدم جواز تملك الكافر العبد المؤمن.

(6) و هو انعتاق العبد المسلم على الكافر قهرا، لكنه بحسب الظاهر لا الواقع لو أقر الكافر بحرية مسلم ثم اشتراه.

-

32

و الكذب، لثبوت الخلل إما في المبيع، لكونه حرا، أو في المشتري لكونه كافرا، فلا تتصور صورة صحيحة لشراء من أقر بانعتاقه إلا أن تمنع اعتبار مثل هذا العلم الاجمالي (1) فتأمل (2).

____________

- فهنا نقول بتملكه له آنا ما ثم ينعتق عليه قهرا ظاهرا.

لكن هذا التملك مشكل: للعلم الاجمالي بفساد البيع، سواء أ كان المقر صادقا في مقالته: إنه حرام كاذبا.

و منشأ هذا العلم الاجمالي هو ثبوت الخلل إما في جانب المبيع لكونه حرا حسب اعتراف المقر، و الحر لا يباع.

و إما في جانب المشتري، لكونه كافرا، و الكافر لا يملك العبد المسلم.

فعلى كل لا تتصور صورة صحيحة في شراء من أقر بانعتاقه.

(1) هذا بناء على ما ذهب إليه صاحب الحدائق (قدس سره):

من اعتباره في تفسير العلم الاجمالي تعلق العلم بالخطاب التفصيلي و أن الاجمال لا بدّ أن يكون في مورده كما في العلم بنجاسة أحد الإناءين فان المعلوم و هو خطاب اجتنب عن النجس تفصيلي من حيث الحكم المتعلق.

و أما إذا تعلق العلم الاجمالي بالخطاب المردد بين الخطابين كما في العلم الاجمالي بأن أحد الإناءين إما فيه الخمر، أو أنه غصب فلا تأثير لهذا العلم.

و ما نحن فيه من قبيل العلم الاجمالي بالخطاب المردد بين الخطابين:

و هو أنه لا يجوز شراء الحر، و لا يملك الكافر العبد المسلم.

(2) لعل الأمر بالتأمل اشارة إلى عدم الفرق بين تعلق العلم الاجمالي بالخطاب التفصيلي، أو بالخطاب المردد بين الخطابين.-

33

و أما الثالث (1) فالمحكي عن المبسوط و الخلاف التصريح بالمنع (2) لما (3) ذكر في الأول.

[منها: ما لو اشترط البائع عتقه]

(و منها) (4): ما لو اشترط البائع عتقه، فان الجواز هنا محكي عن الدروس و الروضة.

و فيه (5) نظر، فان ملكيته قبل الاعتاق سبيل و علو.

____________

- فمبنى صاحب الحدائق غير مرضي عند الشيخ، و لذا عقد لذلك تنبيها في (الرسائل).

فمن أراد الاطلاع فعليه بمراجعة كتابه (فرائد الأصول) الشهير ب: (الرسائل).

(1) و هو قول الكافر للمسلم: اعتق عبدك عني.

(2) أي يمنع تملك الكافر العبد المسلم آنا ما حتى يصح عتقه.

(3) أي علة المنع في القسم الثالث هي العلة المذكورة في القسم الأول عن الشيخ في المبسوط بقوله في ص 31: خلافا للمحكي عن المبسوط و القاضي فمنعاه، لأن الكافر لا يملك حتى ينعتق، لأن التملك بمجرده سبيل، و السيادة علو.

فهنا يكون تملك الكافر العبد المسلم أنا ما سبيل و علو.

(4) أي و من الموارد المستثناة من عدم جواز تملك الكافر العبد المسلم.

(5) أي و فيما افيد في الدروس و الروضة: من جواز بيع العبد المسلم على الكافر مشترطا عتقه نظر و إشكال.

و خلاصة وجه النظر: أن تملك الكافر العبد المسلم و لو آنا ما سبيل و علو، و مجرد اعتاقه لا يوجب نفي السبيل عن الكافر على المسلم بل السبيل ثابت و مستقر فتشمله الآية الكريمة: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ-

34

بل التحقيق أنه لا فرق بين هذا، و بين اجباره على بيعه في عدم انتفاء السبيل بمجرد ذلك.

و الحاصل أن السبيل (1) فيه ثلاثة احتمالات كما عن حواشي الشهيد

مجرد (2) الملك و يترتب عليه (3) عدم استثناء ما عدا صورة

____________

- على المؤمنين سبيلا، فتدل على فساد البيع الذي هو الحكم الوضعي بالإضافة على دلالتها على الحكم التكليفي الذي هي الحرمة.

(1) أي السبيل في الآية الكريمة المنفي في حق الكافر له ثلاثة احتمالات:

(2) هذا هو الاحتمال الأول:

و خلاصته: أنه يحتمل أن يكون المراد من نفي السبيل نفي الملكية المجردة عن الاستقرار، و غير الاستقرار، أي الكافر لا يملك العبد المسلم بأي نحو من الأنحاء لا بنحو الاستقرار، و لا بنحو غيره و إن اشترط عتقه، إذ الاشتراط لا يكون مبررا لتملكه.

(3) أي على الاحتمال الأول يترتب عدم استثناء الصورة الأولى:

و هي انعتاق من ينعتق على الكافر قهرا و واقعا، و الصورة الثالثة و هي قول الكافر للمسلم: اعتق عبدك عني، فان في هاتين الصورتين تحصل الملكية للكافر و إن كانت آنا ما، لأنك عرفت أن المراد من السبيل هو مجرد الملكية و قد حصلت هنا فهاتان غير مستثناة من الاحتمال الأول.

و أما الصورة الثانية: و هي اقرار الكافر بحرية المسلم الذي اشتراه فهي مستثناة عن الاحتمال الأول، لعدم حصول الملك في الحر أصلا فلا مفهوم له حتى تشمله الآية الكريمة، للعلم الاجمالي بفساد البيع لا محالة إما في المبيع، لكونه حرا، و إما في المشتري، لكونه كافرا.

35

الاقرار بالحرية، و بالملك (1) المستقر و لو بالقابلية كشروط العتق و يترتب عليه (2) عدم استثناء ما عدا صورة اشتراط العتق.

و المستقر (3) فعلا و يترتب عليه (4) استثناء الجميع، و خير (5)

____________

(1) هذا هو الاحتمال الثاني لمعنى السبيل أي المراد من السبيل المنفي في حق الكافر هي الملكية المستقرة الثابتة: بمعنى أن الكافر لا يملك الملكية المستقرة الثابتة و إن كانت هذه الملكية تحصل باشتراط العتق و لو بالقابلية.

(2) أي و على الاحتمال الثاني يترتب عدم استثناء الصور الثلاث:

و هي صور الانعتاق القهري كالأقارب المذكورة في ص 30.

و صورة الاعتراف بحرية مسلم ثم شراؤه المذكورة في ص 30.

و صورة قول الكافر للمسلم: اعتق عبدك عني المذكورة في ص 30.

فان في هذه الصور تستقر الملكية و لو كانت بالقابلية فتشملها آية وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.

و أما صورة اشتراط العتق فلا تشملها الآية الكريمة فلا سبيل هناك.

(3) هذا هو الاحتمال الثالث لمعنى السبيل أي المراد من السبيل المنفي في حق الكافر الملكية المستقرة الفعلية: بمعنى أن الكافر لا يملك الملكية المستقرة الفعلية.

(4) أي و على الاحتمال الثالث يترتب استثناء جميع الصور الثلاث المذكورة، و الصورة الرابعة: و هي اشتراط العتق، حيث إنه لا ملكية مستقرة فعلا في الصور الأربع حتى تشملها الآية الكريمة.

(5) هذا مختار الشيخ في المعاني المحتملة للسبيل المنفي في الآية الكريمة أي خير المعاني المذكورة للسبيل هو الاحتمال الثاني: و هي الملكية المستقرة و لو بالقابلية: فالآية إنما تنفي مثل هذه الملكية، لا الملكية-

36

الأمور أوسطها:

[حكم تملك الكافر للمسلم قهرا]

ثم إن ما ذكرنا كله (1) حكم ابتداء تملك الكافر المسلم اختيارا.

أما التملك القهري فيجوز ابتداء (2) كما لو ورثه (3) الكافر من كافر أجبر (4) على البيع فمات (5) قبله، فانه (6) لا ينعتق عليه و لا على الكافر الميت (7)، لأصالة بقاء رقيته بعد تعارض دليل نفي السبيل، و عموم أدلة الارث (8).

لكن لا يثبت بها (9) أصل تملك الكافر

____________

- المجردة، و لا الملكية المستقرة فعلا، أي لا يملك الكافر العبد المسلم بنحو الملكية المستقرة.

و أما مجرد الملكية، أو الملكية المستقرة فعلا، لا بنحو الاستدامة فهو غير منفي، إذ ليس هو سبيل حتى تشمله الآية.

(1) من عدم تملك الكافر العبد المسلم بأي نحو من أنحاء الملكية.

(2) أي لا استدامة، فانها لا تجوز.

(3) أي ورث الكافر العبد المسلم.

(4) أي الكافر المورّث.

(5) أي الكافر المورّث المحبر على البيع لو مات قبل بيع العبد المسلم.

(6) أي العبد المسلم لا ينعتق على الوارث الكافر بموت مولاه الكافر الذي اجبر على البيع فمات قبل البيع.

(7) و هو المورّث الذي اجبر على البيع فمات قبل البيع.

(8) فاذا تعارضا تساقطا، لعدم ترجيح احدهما على الآخر فلا حكومة لهذه على ذيك، و لا لذيك على هذه.

(9) أي بأدلة الارث لا يثبت أصل تملك الكافر حتى يقدم تملكه على نفي السبيل، لعدم حكومتها على أدلة نفي السبيل كما عرفت.

37

فيحتمل (1) أن ينتقل إلى الامام (عليه السلام).

بل هو (2) مقتضى الجمع بين الأدلة، ضرورة أنه إذا نفي (3) إرث الكافر بآية نفي السبيل كان الميت بالنسبة إلى هذا المال ممن لا وارث له فيرثه الامام (عليه السلام).

و بهذا التقرير (4) يندفع ما يقال: إن إرث الامام مناف لعموم أدلة ترتيب طبقات الارث (5)

____________

(1) الفاء هنا تفريع على ما أفاده: من تعارض دليل نفي السبيل و عموم أدلة الارث و تساقطهما، لعدم حكومة أحدهما على الآخر.

و من عدم ثبوت أصل تملك الكافر بأدلة الارث أي ففي ضوء ما ذكرنا يحتمل انتقال العبد المسلم الذي كان عند الكافر المجبر على البيع فمات قبل البيع إلى الامام (عليه السلام)، لأنه وارث من لا وارث له، و الكافر المجبر على البيع و لم يبع لموته لا وارث له.

(2) أي انتقال العبد المسلم إلى الامام (عليه السلام) هو مقتضى الجمع بين أدلة نفي السبيل للكافر على المؤمن، و بين أدلة الارث.

هذا بناء على عدم حكومة أدلة نفي السبيل على أدلة الارث.

(3) هذا بناء على حكومة أدلة نفي السبيل على أدلة الارث.

(4) و هو بناء على حكومة أدلة نفي السبيل على أدلة الارث.

(5) حيث إن طبقات الارث مترتبة لا تتقدم طبقة مع وجود الطبقة المتقدمة، لأن موجبات الارث و أسبابه ثلاثة:

(الأول): النسب و هذا له ثلاث طبقات:

(الأولى): الأبوان و الأولاد.

(الثانية): الأجداد و الجدات، سواء أ كانت لأب أم لأم و إن علوا.-

38

توضيح الاندفاع أنه إذا كان مقتضى نفي السبيل عدم إرث الكافر فيتحقق نفي الوارث الذي هو مورد إرث الامام (عليه السلام) فان الممنوع (1) من الارث لغير الوارث.

فالعمدة في المسألة (2) ظهور الاتفاق المدعى صريحا في جامع المقاصد.

____________

- و الاخوة و الأخوات و إن نزلوا، سواء أ كانوا لأب أم لأم و أولادهم و إن نزلوا.

(الثالثة): الأعمام و العمات، و الأخوال و الخالات و إن علوا و أولادهم و إن نزلوا.

(الثاني): الزوجية و بها يرث الزوجان كل من الآخر.

(الثالث): الولاء: و هو على ثلاث مراتب:

ولاء العتق، ثم ولاء ضامن الجريرة، ثم ولاء الامامة.

هذه هي الطبقات المتعينة في الارث لا يجوز لطبقة أن تتقدم على الأخرى مع وجود الطبقة المتقدمة.

ففيما نحن فيه كيف يكون العبد المسلم بعد موت مولاه الذي أجبر على البيع و مات قبل البيع للامام، مع وجود الوارث له و هو الكافر الآخر الذي هو مقدم على الامام (عليه السلام) طبقة.

و قد ذكر الشيخ الجواب عن الاشكال بقوله: و بهذا التقرير يندفع ما يقال، و بقوله: توضيح الاندفاع.

(1) الذي هو الكافر هنا، حيث إنه بواسطة اسلام العبد يمنع عن الارث فالامام مقدم عليه.

(2) أي مسألة تملك الكافر العبد المسلم بالملك القهري فالاتفاق حاصل على إرث الكافر العبد المسلم.-

39

ثم هل يلحق بالارث كل ملك قهري، أو لا يلحق، أو يفرق بين ما كان سببه اختياريا (1) أو غيره (2).

وجوه خيرها أوسطها (3) ثم أخيرها (4).

[عدم استقرار المسلم على ملك الكافر و وجوب بيعه عليه]

ثم إنه لا إشكال و لا خلاف في أنه لا يقر المسلم على ملك الكافر.

بل يجب بيعه عليه، لقوله (عليه السلام) في عبد كافر أسلم:

____________

- قال المحقق الثاني في أثناء شرح قول العلامة: إلا اباه و من ينعتق عليه:

لأن اللّه تعالى نفى جعل السبيل للكافر على المسلمين فلو أراد به مطلق ما يترتب على الملك لامتنع إرث الكافر العبد المسلم من كافر آخر و التالي باطل اتفاقا، انتهى كلام صاحب جامع المقاصد.

و المراد من بطلان التالي هو امتناع إرث الكافر العبد المسلم من كافر آخر فهذا البطلان حاصل من اتفاق الفقهاء.

(1) السبب الاختياري هو الفسخ الحاصل بالخيار المجعول من قبل المتعاقدين في العقد، فان كل خيار يجعل في متن العقد و ضمنه من قبل المتعاقدين هو سبب اختياري للفسخ جاء من قبل المتعاقدين فهنا لا يلحق السبب الاختياري بالارث القهري.

(2) السبب غير الاختياري هو الفسخ الحاصل من قبل احد الخيارات المجعولة من قبل الشارع كخيار الغبن و المجلس، و العيب، و الرؤية فان الخيار حاصل بالبيع، و الخيار في المقام غير اختياري، لأنه مجعول من قبل الشارع، فهنا يلحق السبب غير الاختياري بالارث القهري

(3) و هو عدم الحاق كل ملك قهري بالارث.

(4) و هو التفريق بين السبب الاختياري و غير الاختياري.

40

اذهبوا فبيعوه من المسلمين و ادفعوا إليه ثمنه و لا تقروه عنده (1).

و منه (2) يعلم أنه لو لم يبعه باعه الحاكم.

و يحتمل أن يكون ولاية البيع للحاكم مطلقا (3) لكون (4) المالك غير قابل للسلطنة على هذا المال، غاية الامر أنه دل النص و الفتوى (5)

____________

(1) (وسائل الشيعة) الجزء 16. ص 69. الباب 73. الحديث 1

(2) أي و من هذا الحديث الآمر بالبيع في قوله (عليه السلام):

اذهبوا فبيعوه من المسلمين يعلم أن الكافر لو لم يبع العبد المسلم باعه الحاكم الشرعي: و هو الفقيه الجامع لشرائط الافتاء.

(3) أي سواء امتنع الكافر عن بيع العبد المسلم أم لم يمتنع، فللفقيه الحكومة في البيع أي وقت شاء و أراد.

(4) تعليل لاحتمال كون ولاية الفقيه مطلقة لا تقييد فيها بصورة امتناع الكافر عن بيع العبد المسلم.

و هناك اطلاق يؤيد عدم قابلية الكافر للسلطنة على المال و هو العبد المسلم.

و ذاك الاطلاق هو الأمر بالبيع في الحديث في قوله (عليه السلام):

اذهبوا فبيعوه، فان الأمر هنا مطلق لا تقييد فيه بصورة امتناع الكافر عن بيع العبد، بل البيع لازم سواء امتنع الكافر أم لم يمتنع فيؤيد عدم القابلية.

(5) أي النص و فتوى فقهاء الامامية دلّا على أن الكافر يملك العبد المسلم.

و المراد من النص ما ذكرناه في الهامش 4 في قوله (عليه السلام):

فبيعوه، فان البيع فرع التملك.

و المراد من الفتوى فتوى فقهاء الامامية (رضوان اللّه عليهم)-

41

على تملكه له، و لذا (1) ذكر أنه يباع عليه.

بل صرح فخر الدين (رحمه اللّه) في الايضاح بزوال ملك السيد عنه و يبقى له حق استيفاء الثمن منه و هو (2) مخالف لظاهر النص و الفتوى كما عرفت، و كيف كان (3) فاذا تولاه (4) المالك بنفسه فالظاهر أنه لا خيار له (5) و لا عليه (6)،

____________

- باتفاقهم على أن الكافر يملك بالملك القهري كالارث.

(1) تعليل لعدم قابلية الكافر للسلطنة على العبد المسلم.

و ليس تعليلا لدلالة النص و الفتوى على تملك الكافر العبد المسلم كما قد يتوهم أي و لاجل عدم تملك الكافر للعبد المسلم ذكر فقهاء الامامية (رضوان اللّه عليهم) أن العبد المسلم يباع على المسلمين قهرا و جبرا على المالك الكافر.

(2) أي زوال الملك عن السيد الكافر كما افاده فخر المحققين مخالف للنص، و فتوى الفقهاء المشار إليهما في ص 40 على تملك الكافر.

(3) أي سواء قلنا تملك الكافر أم لا.

(4) أي إذا تولى الكافر المالك بيع العبد المسلم بنفسه مباشرة.

(5) أي لا خيار لهذا الكافر المالك الذي باشر البيع بنفسه مطلقا حتى خيار الحيوان.

و كذا ليس للحاكم الشرعي جعل الخيار للكافر المالك لو تولى الحاكم بيع العبد المسلم بنفسه.

(6) أي و كذا ليس للمشتري المسلم جعل الخيار لنفسه لو اشترى العبد المسلم من الكافر: بأن اشترط مع الكافر المالك أن له الخيار خلال شهر، أو شهرين مثلا، فهذا الخيار يكون على الكافر و في ضرره.

42

وفاقا للمحكي عن الحواشي (1) في خيار المجلس و الشرط، لأنه (2) إحداث ملك فينتفي، لعموم نفي السبيل، لتقديمه (3) على أدلة الخيار كما يقدم (4) على أدلة البيع.

و يمكن أن يبتنى (5) على أن الزائل العائد كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد.

____________

(1) أي حواشي الشهيد الأول على القواعد للعلامة.

(2) هذا تعليل لعدم خيار للكافر، و لا عليه لو باشر الكافر البيع بنفسه و تولاه.

و خلاصته: أن جعل الخيار له و عليه يستلزم لرجوع الملك:

و هو إحداث ملك جديد، فتنتفي هذه الملكية الجديدة المستحدثة بعموم نفي السبيل في قوله تعالى: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا حيث إن نفي السبيل عام يشمل حتى الملكية المستحدثة فضلا عن الملكية المستقرة.

(3) تعليل لعموم نفي السبيل.

و خلاصته: أن عموم النفي لاجل تقديم دليله على أدلة الخيار من باب الحكومة كما افاد هذه الحكومة الشيخ في ص 37 بقوله:

ضرورة أنه اذا نفي إرث الكافر بآية نفي السبيل.

(4) تنظير لتقديم أدلة نفي السبيل على أدلة الخيار أي كما تقدم أدلة نفي السبيل على أدلة البيع فيما لو بيع العبد المسلم على الكافر مع أدلة البيع: و هي

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ، و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ، و إنّ الناس مسلطون على أموالهم، فانها عامة تشمل حتى البيع على الكافر.

(5) بصيغة المذكر المجهول أي يبتنى الخيار للكافر، و عدم الخيار له-

43

فان قلنا: بالأول ثبت الخيار، و لأن فسخ العقد يجعل الملكية السابقة كأن لم تزل و قد امضاها الشارع و أمر بازالتها، بخلاف ما لو كانت الملكية الحاصلة غير السابقة، فان الشارع لم يمضها.

لكن (1) هذا المبنى ليس بشيء، لوجوب (2) الاقتصار في تخصيص نفي السبيل على المتيقن.

____________

- على القول بأن الملكية الزائلة العائدة بالخيار لو اختير الفسخ هل هي كالملكية غير الزائلة، أو كالملكية غير العائدة؟

فان قلنا: إن الملكية الزائلة بالبيع، و التي تعود بواسطة الخيار كالتي لا تزول فيثبت الخيار، لعدم إحداث ملك جديد حتى ينتفي بالسبيل، لأن فسخ العقد يجعل الملكية السابقة كالتي لا تزول أبدا و هي ممضاة من قبل الشارع و أمر بازالتها بواسطة البيع.

و إن قلنا: إن الملكية الزائلة بالبيع، و العائدة بالخيار كالملكية غير الزائلة فلا يثبت الخيار، لعدم إمضاء الشارع لمثل هذه الملكية فنفي السبيل يشمله.

(1) هذا رأي الشيخ حول المبنى المذكور.

و خلاصته: أن ابتناء ثبوت الخيار على الملكية التي لا تزول، و عدم ثبوت الخيار على الملكية الزائلة ليس بحق و صحيح.

(2) تعليل لعدم صحة المبنى المذكور.

و خلاصته: أن نفي السبيل عام يشمل حتى الملكية التي لا تزول فلا يثبت الخيار.

فليس إذا قابلا للتخصيص، فان كان لا بدّ من التخصيص فيجب الاقتصار على المتيقن: و هو ثبوت الملكية القهرية الابتدائية للكافر فقط كالارث.-

44

نعم يحكم (1) بالارش لو كان العبد، أو ثمنه معيبا.

و يشكل (2) في الخيارات الناشئة عن الضرر من (3) جهة قوة أدلة نفي الضرر فلا يبعد الحكم بثبوت الخيار للمسلم (4) المتضرر من لزوم (5) البيع.

بخلاف ما لو تضرر الكافر، فان هذا الضرر إنما حصل من كفره الموجب (6)، لعدم قابلية تملك المسلم إلا فيما خرج بالنص (7).

و يظهر مما (8) ذكرنا حكم الرجوع

____________

- و أما الملكية العائدة للكافر بالخيار فلا تثبت له، لأنها مغايرة لنفي السبيل الدال على عموم عدم تملك الكافر فيبقى العموم بعد هذا التخصيص على عموميته، و سالما عن التخصيص.

(1) أي للكافر بعد أن اشترى العبد لو كان معيبا، حيث إن الأرش جزء من الثمن المدفوع إلى البائع فهو بدل عن النقيصة الحاصلة في الثمن فلا بد من اعطائه لصاحب الثمن و هو الكافر.

(2) أي ثبوت الارش في الخيارات الناشئة عن الضرر مشكل.

(3) كلمة من تعليل لوجه الاشكال و قد ذكره الشيخ.

(4) لو كان هو البائع للكافر.

(5) لو قلنا بنفوذ البيع و لزومه، فانه حينئذ يكون البائع المسلم متضررا لو لم نقل بثبوت الخيار له.

(6) بالجر صفة لكفره أي الضرر حصل من كفر الكافر، لا من قبل الشارع حتى يتدارك بالارش فهو اقدم على هذا الضرر باختياره الكفر.

(7) كما في التملك القهري الحاصل من الارث مثلا.

(8) من عدم ثبوت الخيار للكافر، و أنه ليس له الرجوع في الهبة الجائزة، و له اخذ الارش لو ظهر معيبا.

45

في العقد الجائز كالهبة (1).

و خالف في ذلك (2) كله جامع المقاصد فحكم بثبوت الخيار، و الرد بالعيب تبعا للدروس.

قال: (3) لأن العقد لا يخرج عن مقتضاه (4) بكون (5) المبيع عبدا مسلما لكافر، لانتفاء المقتضي (6)، لأن نفي السبيل لو اقتضى ذلك (7)

____________

(1) أي ليس للكافر حق الرجوع في الهبة لو وهب العبد المسلم الى شخص، لعين الملاك الموجود في العقود اللازمة.

(2) أي في عدم ثبوت الخيار للكافر، و عدم جواز رجوعه في الهبة الجائزة، و في اخذ الارش.

بل قال بثبوت الخيار، و جواز الرجوع في الهبة الجائزة، و له الرد في المبيع اذا كان بعيدا، لا انه يجوز له اخذ الارش.

(3) أي صاحب جامع المقاصد.

(4) مقتضى العقد هو جواز الرد بالعيب، فهذا المقتضى لا يرفع اليد عنه بسبب كون المبيع عبدا مسلما لكافر، و بمجرده.

بل العقد يعمل عمله فيجوز للمشتري رد العبد إلى البائع الكافر لو ظهر معيبا، لا أنه يأخذ الارش في مقابل العيب و النقيصة.

(5) الباء هنا سببية لخروج العقد عن مقتضاه أي مجرد كون المبيع عبدا مسلما لكافر لا يكون سببا لرفع اليد عن مقتضى العقد كما عرفت

(6) أي لانتفاء المقتضي لخروج العقد عن مقتضاه و قد عرفت أن مجرد كون المبيع عبدا مسلما لكافر لا يكون سببا لرفع اليد عن مقتضى العقد، و لا مقتضيا له.

(7) أي رفع اليد عن مقتضى العقد و مفهومه.

46

لاقتضى خروجه عن ملكه (1).

فعلى (2) هذا لو كان المبيع معاطاة فهي على حكمها.

و لو اخرجه (3) عن ملكه بالهبة جرت فيه أحكامها.

نعم (4) لا يبعد أن يقال: للحاكم إلزامه باسقاط نحو خيار المجلس

____________

(1) و اللازم و هو خروج العبد عن ملك الكافر باطل، لاتفاق الفقهاء على تملكه له، و لورود النص المشار إليه في ص 40 كما عرفت و كذا الملزوم: و هو خروج العقد عن مقتضاه: و هو جواز الرد بالعيب كما عرفت.

(2) الفاء تفريع على ما أفاده: من عدم خروج العقد عن مقتضاه إذ لو خرج لخرج عن ملكه، و اللازم باطل و كذا الملزوم أي ففي ضوء ما ذكرناه لو كان المبيع وقع بالبيع المعاطاتي فتجري فيه أحكام المعاطاة: من جواز التراد ما دامت العينان باقيتين كما عرفت تفصيل ذلك في الجزء السادس من المكاسب من ص 285 الى ص 327 فراجع

(3) هذا تفريع آخر على ما أفاده: من عدم خروج العقد عن مقتضاه أي ففي ضوء ما ذكرناه فلو اخرج الكافر العبد المسلم عن ملكه بالهبة جرت فيها أحكام الهبة: من كونها إذا كانت بذي رحم فلا يجوز الرجوع فيها، و كذا إذا كانت معوضة.

و أما إذا كانت غير معوضة، و بغير ذي رحم فيجوز فيها الرجوع قبل التصرف، لا بعده.

(4) هذا كلام صاحب جامع المقاصد و استدراك عما أفاده: من ثبوت الخيار و الرد للكافر.

و خلاصة الاستدراك: أن للحاكم الشرعي إسقاط حق الخيار للكافر في خيار المجلس.

47

أو مطالبته (1) بسبب ناقل يمنع الرجوع و لم يلزم منه (2) تخسير للمال، انتهى (3).

و فيما ذكره (4) نظر، لأن نفي السبيل لا يخرج منه إلا الملك

____________

(1) أي و كذا للحاكم الشرعي حق مطالبة الكافر بايجاد سبب ناقل لثمن العبد على نحو يمنع الكافر من الرجوع إلى الثمن: بأن يلزمه ببيع لازم، أو هبة معوضة بحيث يخرج عن ملكه.

(2) أي إذا لا يلزم من مطالبة الحاكم الشرعي الكافر بتهيئة أسباب نقل الثمن ضرر يتوجه نحو الكافر كأن يباع العبد بثمن بخس جدا، فانه في هذه الصورة تتوجه خسارة نحوه فلا يجوز، فحق مطالبة الحاكم للكافر بنقل الكافر مقيد بقيد عدم التخسير.

(3) أي ما أفاده صاحب جامع المقاصد في هذا المقام.

(4) من هنا أخذ الشيخ في الرد على ما أفاده المحقق الثاني أي و فيما أفاده نظر.

و خلاصته: أن عروض التخصيص و هي الملكية القهرية الابتدائية للكافر على العام: و هو أن نفي السبيل للكافر على المؤمنين لا يوجب سقوط حجية العام في بقية أفراده.

بل العام باق على عمومه بعد هذا التخصيص فنتمسك به و نحكم بعدم تملك الكافر العبد المسلم بالخيار، لا له، و لا عليه، لأنه إحداث ملك جديد.

فما أفاده المحقق الثاني: من أن العقد لا يخرج من مقتضاه: و هو جواز الرد و الفسخ بالخيار، لأنه لو قلنا بالخروج يلزم خروج العبد عن ملكه، و خروجه عن ملكه باطل فكذا الملزوم: و هو خروج العقد عن مقتضاه: غير مقيد.

48

الابتدائي (1)، و خروجه (2) لا يستلزم خروج عود الملك إليه بالفسخ.

و استلزام (3) البيع للخيارات ليس (4) عقليا، بل تابع لدليله الذي هو أضعف من دليل صحة العقد الذي خص بنفي السبيل.

____________

(1) أي الابتدائي القهري كالارث، لا الثابت بالخيار كما عرفت.

(2) أي خروج الملك الابتدائي القهري عن عموم نفي السبيل لا يكون مستلزما لخروج الملك العائد بالخيار عن عموم نفي السبيل حيث إن العموم كما عرفت بعد التخصيص باق على عمومه.

(3) دفع وهم

حاصل الوهم: أن الخيار من لوازم البيع فكلما صدق البيع صدق الخيار، و هذه الملازمة عامة تشمل حتى بيع الكافر العبد المسلم فله الخيار، و عليه الخيار.

(4) هذا جواب الشيخ (قدس سره) عن التوهم.

و خلاصته: أن هذه الملازمة ليست عقلية حتى يقال: كلما صدق البيع صدق الخيار فيثبت الخيار للكافر فتثبت له الملكية بالخيار.

بل استلزام البيع للخيار تابع لدليل الخيار.

و من الواضح أن دليل الخيار أضعف من دليل صحة العقد الذي خص بدليل نفي السبيل، فدليل نفي السبيل حاكم عليه و قد خرجت عن عموم نفي السبيل الملكية القهرية الابتدائية كالارث كما علمت.

و أما الملكية المستحدثة بالخيار فلا تخرج عن عموم نفي السبيل بل العموم باق على عمومه فلا تعارض بين الدليلين:

دليل الخيار، و دليل نفي السبيل حتى يتساقطا فيقال بتملك الكافر العبد المسلم بالخيار.

49

فهذا (1) أولى بالتخصيص به.

مع (2) أنه على تقدير المقاومة يرجع إلى أصالة الملك، و عدم

____________

(1) أي دليل الخيار أولى بتخصيصه بآية نفي السبيل من تخصيص دليل صحة العقد بدليل نفي السبيل.

فتحصل من مجموع ما ذكر أنه لا تعارض بين دليل الخيار، و دليل نفي السبيل حتى يتساقطا.

بل دليل نفي السبيل مقدم و حاكم على دليل الخيار، فلا يثبت ملك جديد للكافر بالخيار.

(2) من هنا يروم الشيخ أن ينكر الخيار للكافر بتيا و إن قيل بمعارضة دليل الخيار لدليل نفي السبيل.

و خلاصته: أنه على فرض مقاومة دليل الخيار لدليل النفي و معارضته له، و عدم كون دليل النفي حاكما عليه، و تساقطهما عند التعارض: يرجع حينئذ إلى أصالة بقاء الملك، و عدم زواله بالفسخ و الرجوع.

بعبارة اخرى أنه عند الفسخ و الرجوع نشك في زوال الملك فنستصحب الملكية السابقة فلا مجال للخيار حتى تأتي الملكية الحادثة بسببه، بل الملكية السابقة القهرية الابتدائية تعود بسبب الاستصحاب.

(لا يقال): إنه كما يقع التعارض بين دليل نفي السبيل، و بين دليل الخيار.

كذلك يقع التعارض بين دليل نفي السبيل، و بين دليل صحة العقد و بين أدلة الارث فيتساقطان فاذا تساقطا فلا يبقى مجال لسببية العقد للملك حتى تستصحب الملكية السابقة عند الفسخ و الرجوع فيرجع إلى أصالة الفساد.-

50

زواله بالفسخ و الرجوع، فتأمل (1).

____________

- (فانه يقال): إنك قد عرفت أن الملك القهري الابتدائي قد خرج عن عموم آية نفي السبيل.

فنفي السبيل قد خصص بهذا فلا يكون التملك القهري منفيا فيملك الكافر قهرا بالارث فعند الفسخ و الرجوع نشك في زوال الملكية السابقة الثابتة له بالارث فنستصحبها.

إذا لا منافاة بين بيع الكافر عبده المسلم من مسلم.

و بين نفي السبيل فيصح بيعه منه فيرجع بعد الفسخ إلى أصالة بقاء الملك كما عرفت، لا إلى أصالة الفساد.

(1) الأمر بالتأمل له احتمالان:

(الأول): أن المقاومة المذكورة، و معارضة دليل الخيار لدليل نفي السبيل مبنية على عدم حكومة دليل نفي السبيل على دليل الخيار و مع هذا البناء لا يكون دليل النفي حاكما على أدلة صحة العقد، و على أدلة الارث فيقع التعارض بين دليل النفي، و دليل صحة العقد، و دليل الارث فيتساقطان فيرجع إلى أصالة الفساد.

فلا مجال لاستصحاب الملكية كما عرفت في الهامش 2 ص 49 عند قولنا: فاذا تساقطا فلا يبقى مجال لسببية العقد للملك حتى تستصحب الملكية السابقة.

و قد عرفت الجواب عن هذا الاشكال عند قولنا: فانه يقال:

(الثاني): كون الأمر بالتأمل إشارة إلى الوهن الحاصل مما ذكره:

من أن دليل صحة العقد مخصص بدليل نفي السبيل، لأنه على فرض التخصيص به، و عدم الفرق بين دليل صحة العقد، و بين دليل الانتقال بالارث: يلزم ارتفاع موضوع الخيار في مسألة بيع الكافر-

51

و أما (1) ما ذكره أخيرا بقوله: لا يبعد ففيه أن الزامه بما ذكر ليس بأولى من الحكم بعدم جواز الرجوع فيكون (2) خروج المسلم من ملك الكافر إلى ملك المسلم بمنزلة التصرف المانع من الفسخ و الرجوع.

و مما ذكرنا (3) يظهر أن ما ذكره

____________

- العبد المسلم، لأن البحث عن ثبوت الخيار عند بيع الكافر العبد المسلم من المسلم فرع تملكه له و قد فرض أن أدلة الانتقال خصصت بنفي السبيل.

(1) هذا رد على الاستدراك الذي افاده صاحب جامع المقاصد بقوله في ص 46: نعم لا يبعد أن يقال للحاكم الزامه.

و خلاصته: أنه لا داعي لهذا الاستدراك بعد الالتزام بعدم الخيار للكافر مطلقا، لا خيار المجلس، و لا غيره: من بقية الخيارات من البداية حتى لا نحتاج إلى هذا الاستدراك، و القول بإلزام الحاكم للكافر باسقاطه خيار المجلس، أو مطالبة الحاكم الكافر بسبب ناقل يمنعه عن الرجوع إلى المبيع.

فالزام الحاكم الكافر بما ذكر ليس بأولى من التزامنا من البداية بعدم جواز الرجوع للكافر إذا كان الخيار له، أو للمشتري إذا كان الخيار على الكافر.

(2) الفاء تفريع على ما أفاده: من أن الزام الحاكم الكافر باسقاط الخيار ليس بأولى من التزامنا بعدم جواز الرجوع من البداية أي ففي ضوء ما ذكرنا يكون خروج العبد المسلم عن ملك الكافر إلى ملك المسلم بمنزلة التصرف المانع من الفسخ و الرجوع.

(3) و هو: أن الزام الحاكم الكافر بما ذكر ليس بأولى من التزامنا من البداية بعدم جواز الرجوع و الفسخ.

52

في القواعد: من (1) قوله (رحمه اللّه):

و لو باعه لمسلم بثوب ثم وجد في الثمن عيبا جاز رد الثمن.

و هل يسترد العبد، أو القيمة (2)؟ فيه (3) نظر.

ينشأ (4) من (5) كون الاسترداد تملكا للمسلم اختيارا.

____________

(1) كلمة من بيان لما ذكره العلامة (قدس سره) في القواعد.

(2) أي بعد أن وجد الكافر في الثمن و هو الثوب عيبا.

(3) هذا كلام العلامة أي في جواز استرداد العبد، أو قيمته إذا وجد الكافر في الثوب الذي وقع ثمنا عيبا نظر و إشكال.

(4) أي هذا النظر و الاشكال ناش من احد الأمرين لا محالة:

(5) هذا هو الأمر الأول، و هو دليل عدم الخيار للكافر.

و خلاصته: أن القول بالاسترداد و الرجوع دليل على تملك الكافر العبد المسلم اختيارا، لا قهرا و قد علمت في ص 36: أن القدر المتيقن من خروج تملك الكافر العبد المسلم عن عموم دليل نفي السبيل هو التملك القهري الابتدائي كالارث.

و أما التملك الاختياري الحاصل بالخيار فلا يخرج عن العموم المذكور، بل العموم باق على عمومه فيشمله.

و لا يخفى أن المحقق الكركي في شرحه على القواعد اورد إشكالا على ما أفاده العلامة: من التملك الاختياري.

و خلاصته: أنه في صورة رد الكافر الثمن المعين المعيب ينفسخ العقد قهرا فيعود العبد إلى الكافر، لامتناع بقاء الملك بلا مالك و لامتناع كون الثمن و المثمن للمشتري المسلم إذا لم نقل برجوع العبد المسلم إلى الكافر، فاذا رجع العبد إلى الكافر أصبح تملك الكافر العبد المسلم تملكا قهريا كالارث، لا اختياريا.-

53

و من (1) كون الرد بالعيب موضوعا على القهر كالارث، انتهى (2) محل (3) تأمل.

إلا (4) أن يقال: إن مقتضى الجمع بين أدلة الخيار، و نفي السبيل ثبوت الخيار و الحكم بالقيمة (5) فيكون نفي السبيل مانعا شرعيا من استرداد المثمن كنقل (6) المبيع في زمن الخيار.

____________

- و لا يخفى أن الشيخ (قدس سره) أجاب عن هذا الاشكال بقوله في ص 51: و أما ما ذكره أخيرا بقوله: و لا يبعد.

و قد عرفت شرحه في الهامش 1 ص 51 عند قولنا: و خلاصته أنه لا داعي لهذا الاستدراك.

(1) هذا هو الأمر الثاني و هو دليل ثبوت الخيار للكافر.

و خلاصته: أن رد المعيب أمر قهري وضعه الشارع فالخيار من لوازم هذا الوضع فهو كالارث.

(2) أي ما أفاده العلامة (قدس سره) في القواعد.

(3) بالرفع خبر لاسم إن في قوله في ص 51: يظهر أن ما ذكره أي ما ذكره في القواعد: من جواز رد الثمن محل تأمل، لأنه يدل على ثبوت الخيار للكافر.

و قد عرفت عدم ثبوته له عند قوله في ص 51: ففيه أن الزامه بما ذكر.

(4) استثناء عما أفاده: من عدم ثبوت الخيار للكافر.

(5) أي بقيمة العبد، لا باسترداد شخصه، لأن نفي السبيل يكون مانعا شرعيا عن استرداد شخص العبد الذي هو المثمن.

(6) تنظير لكون نفي السبيل مانعا شرعيا عن استرداد العبد أي كما أن نقل المبيع في زمن الخيار مانع شرعي عن استرداد العين.

54

و كالتلف (1) الذي هو مانع عقلي.

و هو (2) حسن إن لم يحصل السبيل بمجرد استحقاق الكافر للمسلم المنكشف (3) باستحقاق بدله، و لذا (4) حكموا بسقوط الخيار في من ينعتق على المشتري، فتأمل (5).

[مسألة: المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر]

(مسألة) المشهور عدم جواز نقل المصحف إلى الكافر ذكره الشيخ، و المحقق في الجهاد و العلامة في كتبه و جمهور من تأخر عنه.

و عن الاسكافي أنه قال: و لا اختار أن برهن الكافر مصحفا أو ما يجب على المسلم تعظيمه، و لا صغيرا من الأطفال، انتهى.

و استدلوا عليه (6) بوجوب احترام المصحف.

____________

(1) تنظير ثان لكون نفي السبيل مانعا شرعيا عن استرداد المثمن أي كما أن تلف السماوي مانع عقلي عن استرداد العين لو بيعت و تلفت.

(2) أي هذا الاستثناء حسن إذا لم نقل: إن استحقاق البدل الذي هي قيمة العبد كاشف عن استحقاق المبدل و هو العبد، لأنه إذا قلنا بذلك فقد حصل السبيل و هو الاستعلاء و العلو من الكافر على المؤمن و هو منفي بالآية.

(3) أي هذا الاستحقاق كما عرفت.

(4) أي و لأجل أن استحقاق البدل كاشف عن استحقاق المبدل و متفرق عليه حكم الفقهاء بسقوط الخيار للكافر المشتري إذا اشترى من ينعتق عليه كعمودية.

(5) اشارة إلى عدم صدق السبيل للكافر بمجرد استحقاقه البدل الكاشف عن استحقاق المبدل.

(6) أي على عدم جواز نقل المصحف الكريم إلى الكافر.

ثم لا يخفى عليك أن عنوان هذا المقام عنوان تملك الكافر القرآن-