منظومة في الرضاع

- السيد صدر الدين العاملي المزيد...
129 /
3

مقدمة المحقق

منظومة في الرضاع

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلوة و السلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد و آله الطاهرين سيّما بقيّة اللّه في الأرضين، روحي و أرواح العالمين له الفداء، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

أمّا بعد: فإنّ من أهمّ الأمور للحياة البشرية و إدارتها وجود القوانين الّتي تنظم سيرها و تدير شئونها، فإنّ لها بالفعل دورا فعّالا في توجيه الإنسان إلى الحياة العالية.

و لكنّه إذا كان منشئ تلك القوانين هو العقل البشري المحدود، فإنّ الإنسان لا يحصل على ما يؤمّن سعادته في عمود الزمان لقصور العقل عن إدراك المصالح و المفاسد.

و الوجدان خير شاهد على ذلك، فها هي القوانين الّتي اشتهرت في بعض المجتمعات، و كان أصحابها يدّعون أنّها تضمن للإنسان حقوقه، و توفّر له حاجاته، قد فشلت، و لم تجد في تأمين الإنسان، و لم يصل الإنسان تحت ظلّها إلى الاطمئنان و السكون و الراحة.

و أمّا القانون الإلهي فهو على خلاف ذلك: إذ اللّه خالق الإنسان، فهو الذي يعلم حاجاته و يعلم ما يصلحه و ما يفسده، فله الحكم و له الأمر وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ وَ نَعْلَمُ مٰا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. (1)

____________

(1) ق: 16.

4

و الذي يضم القوانين الإلهية هو الإسلام، و هي قوانين شاملة و مستوعبة، لكلّ الحاجات البشرية، و قد بيّنها الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للنّاس، و بيّنها بعده أهل بيته (عليهم السلام)- و أهل البيت أدرى بما فيه- و قد تكوّن بسبب بيان الرسول و أهل بيته القوانين الإلهية كمّ هائل من الروايات، يتناول مختلف مجالات الحياة، من عقائد و أخلاق و معاملات و اقتصاد و اجتماع، إلى غير ذلك.

و قد وجد علماء أتعبوا أنفسهم في استخلاص و استنتاج القوانين الإلهية التي ضمّتها روايات أهل البيت، و بذلوا جهدهم، و استفرغوا طاقاتهم في ذلك منذ حصول الغيبة الكبرى حتّى زماننا هذا.

و من الموضوعات التي عالجها الإسلام و جاء فيها بقوانينه، موضوع الرضاع و هو من الموضوعات التي أتعب العلماء أنفسهم فيها و قد صار معتركا للآراء.

«نسب المؤلف و مولده»

سيّد الفقهاء الكاملين و سند العلماء الراسخين، أفضل المتأخرين، و أكمل المتبحرين، نادرة الخلف و بقية السلف، ذو البيت العالي العماد و الحسب الرفيع الآباء و الأجداد، السيد صدر الدين صدر العاملي، و نسبه الشريف كما ينقله المحدّث القمي في منتهى الآمال- في حالات أولاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)-: 228، و السيد شرف الدين في البغية: 12.

هو السيد الشريف: محمد بن سيد صالح بن محمد بن إبراهيم شرف الدين بن زين العابدين بن نور الدين بن على بن نور الدين بن حسين بن محمّد بن حسين بن علي بن محمد بن أبي الحسن تاج الدين عباس بن محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن حمزة الصغير بن سعد اللّه بن حمزة الكبير بن محمد أبي السعادات ابن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن أبي الحسن

5

على بن عبد اللّه بن أبي الحسن محمد المحدث بن أبي الطيب طاهر بن الحسين القطعي بن موسى أبي سبحة بن إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).

ولد في ليلة 21 من ذي القعدة سنة 1193 في مزرعة لهم تدعى شد غيث (قريبا من قرية معركة من أعمال صور) فأنبته اللّه نباتا حسنا، و آزره بوابل متصل من لطفه و توفيقه و عنايته، فكان كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوىٰ عَلىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّٰاعَ. (1)

فاذا اساريره و هو في المهد تنطق بأسرار عمر و العلى، و تشرق بأنوار شيبة الحمد، حتّى كأنّه المعنى بقول القائل:

في المهد ينطق عن سعادة جده * * * أثر النجابة ساطع البرهان (2)

و أمّه الستّ بنت الشيخ على بن محيي الدين بن على بن محمد بن حسن (صاحب المعالم) بن زين الدين الشهيد الثاني. (3)

و أمّا أبوه: فهو السيّد السند و الركن المعتمد السيد صالح سبط شيخنا الأجل الشيخ الحرّ العاملي صاحب الوسائل.

فكان من أعلام العلماء في عصره انتهت إليه رئاسة الإمامية في البلاد الشامية، و كان كثير الاطلاع غزير الحفظ، واسع الرواية، و له في الطبّ و الرياضيات يد طولى و قدح معلى.

و كان زاهدا عابدا ملتزما بصوم رجب و شعبان من كلّ سنة، و صوم يوم الجمعة من كل أسبوع، و كان يعامل النوافل الراتبة معاملة الفرائض، فإذا فاته شيء منها لعذر

____________

(1) الفتح: 29.

(2) بغية الراغبين 1: 147.

(3) تكمله أمل الآمل: 431.

6

قضاه في أول أزمنة الإمكان.

كان تولده سنة اثنتين و عشرين و مائة بعد الألف، في قرية شحور من بلاد بشارة من بلاد جبل عامل، و أمّه بنت الشيخ الحر صاحب الوسائل. (1)

و قد هاجر من بلاد الشام الى النجف بسبب فتنة أحمد الجزّار في سنة 1197 و توفّى في النجف الأشرف في سنة 1217.

و والده السيد محمد بن السيد إبراهيم شرف الدين، وقف في عاملة على الفقيه العلامة أحمد بن الحسين بن أحمد بن سليمان العاملي النباطي و هاجر الى العراق سنة الثمانين بعد الألف، فأخذ العلم عن الشيخ حسام الدين بن الشيخ جمال الدين الطريحي النجفي، و وقف على غيره من أفاضل العلماء.

و توجّه إلى أصفهان للوقوف على أعلامها، و نال الخطوة بسلطانها الشاه عباس الثاني الصفوي، و تلمّذ على اعلم أعلامها الشيخ محمد باقر السبزواري- صاحب الذخيرة-، فآثره السبزواري و زوّجه كريمته رغبة فيه، و ولد له منها ولدان قضى الوباء عليهما و على أمهما سنة 1089.

و توفّى أستاذه السبزواري سنة تسعين بعد الألف، فاختلف السيد بعده إلى الفقيه العلامة الشيخ على بن محمد بن الحسن بن الشهيد الثاني- و كان يومئذ بأصفهان- فحمل عنه علما جمّا، و اجازه الشيخ إجازة عامّة.

و في سنة تسع و تسعين بعد الألف تشرف السيّد بزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) فرأى من استقبال العلماء و إقبالهم عليه ما هو اهله، و قرأ فيها على الشيخ الحرّ صاحب الوسائل و الأصل، و أجازه الشيخ إجازة مفصّلة، و زوّجه كريمته و هي أمّ الباقين من ذريته. (2)

____________

(1) تكمله أمل الآمل: 233.

(2) تكمله: 235- 236.

7

و ينبغي لنا أيضا ان نذكر مختصرا عن أجداده العلماء العاملين لكي نعرف علوّ نسب هذه الأسرة الكريمة، فمنهم:

الف)- السيد عز الدين حسين بن محمد: و كان من العلماء الأجلاء و الفقهاء العظماء، قراء على والد الشهيد الثاني، و على الشيخ شمس الدين محمد بن مكّي العاملي الشامي أحد شيوخ الشهيد الثاني، و كان السيد صهره، و وقف على جماعة آخرين من الفقهاء و الأصوليين.

و تزوّج الشهيد ابنته و أولدها بنتا، تزوجها تلميذه السيد على بن السيد حسين لأنها بنت عمته، فولدت له السيد محمد صاحب المدارك، و لهذا يعبّر عن الشهيد الثاني في المدارك بالجدّ. (1)

ب)- السيد نور الدين على الأول، المعروف بابن أبي الحسن و كان من تلامذة الشهيد الثاني و المجازين منه و كان متزوجا بزوجتين: الأولى: هي بنت الشهيد الثاني والدة صاحب المدارك (رحمه اللّه)، الثانية: هي الزوجة الثانية للشهيد الثاني، أم سيد نور الدين على المذكور، و قد تزوج بها بعد استشهاد زوجها. (2)

ج)- السيد نور الدين على الثاني ابن السيد نور الدين على الأول فهو أخ من الأب للسيد محمد صاحب المدارك و أخ من الأم للشيخ حسن صاحب المعالم، و كان من العلماء الكبار و له آثار و تصانيف عديدة و مات في 17 من ذي الحجة سنة 1068، و دفن في مقبرة أبي طالب.

د)- السيد زين الدين بن السيد نور الدين و أمّه كريمة العلامة الفقيه المتكلم الشيخ نجيب الدين على بن محمد بن مكي العاملي الجبعي، و كان من العلماء و الفضلاء، سكن مكة

____________

(1) تكمله: 174.

(2) تاريخ علمي و اجتماعى علماء أصفهان 1: 218.

8

المكرمة، و مات في سنة 1073 و دفن في مقبرة المعلّى إلى جنب أبيه. (1)

ه)- السيد شرف الدين إبراهيم بن السيد زين العابدين، و هو من العلماء العظام تلمّذ عند أبيه و بعض علماء عصره و أعمامه حتى وصل إلى مراتب عالية من العلم و الشهرة الكاملة بحيث أنّ بعض أعقابه الساكنين في العراق و الشام انتسبوا إليه و اشتهروا بآل شرف الدين و منهم العلّامة الفقيد السيد عبد الحسين شرف الدين. (2)

«نشأته و تطور علمه حتى الاجتهاد»

و في هذه البيئة نشأ آية من آيات اللّه سبحانه في صفاء النفس و لطافة الحسّ، و سمّوا المدارك و توقّد الذهن، عرفنا منه ذلك بخصائصه في نشأته، و حسبك أنّه غادر البلاد العاملية، و هو في السادسة من عمره الشريف (في فتنة أحمد الجزار) ثم لم يرجع إليها حتى لحق بربّه.

و قد كان مع ذلك يحدّث عن علمائها و زعمائها و عشائرها و أكابرها و بيوتاتها و أنساب ساداتها و عن زرعها و ضرعها و حقلها و بقلها، و ماشيتها و احراجها و عن أطوار أهلها و ازيائهم و سائر شئونهم.

و كان إذا زاره زائر أو اجتمع به منهم أحد، فإنّه يكلّمه بمصطلحهم لا يحزم ألفاظهم و لهجتهم، و لا تفوته أمثالهم السائرة في محاوراتهم.

على أنّها ليست ذات الشأن الأول من الخصائص المأثورة عنه، فقد كان يتردد قبل بلوغه الحلم إلى مجلس سيد الأمة، و بحر علوم الأئمة، المهدى الطباطبائي ليخوض عباب

____________

(1) تكمله: 224.

(2) تكمله: 72.

9

علومه، و يغوص على إسرارها.

و كان بحر العلوم قد انتخبه يومئذ فيمن انتخبهم من شيوخ العلماء و فحول الأدباء ليعرض درّته (المنظومة الفقهية) عليهم. و ناهيك بهذا دليلا على صفاء ذهنه و رواء طبعه، و لو لا بلوغه الغاية في ذلك ما كان بحر العلوم ليلزّه و هو ابن لبون مع البزل القناعيس و ما لزّه و إيّاهم في قرن إلّا لعلمه بأنّه يجلّي في حلباتهم كما يجلّون، و يجوز قصب السبق في مضامير العلم و الأدب كما يجوزون. (1)

ربّاه والده العلامة بحيث كتب حاشية على شرح القطر و هو ابن سبع سنين، و يذكر في أول رسالته في حجية الظن ما لفظه:

«وردت كربلاء سنة خمس و مأتين بعد الألف- و أنا ابن اثنتي عشرة سنة- فوجدت الأستاذ الأكبر محمد باقر بن محمد أكمل، مصرّا على حجية الظن المطلق.».

فيعلم من ذلك أنّه كان من أهل العلم بمشاكل مسائل الأصول و هو في سنّ الاثني عشر، و حدثني والدي (قدّس سرّه) أنّه استجاز السيد صاحب الرياض في السنة العاشرة بعد المائتين و الألف، فأجازه و صرّح فيما كتبه من الإجازة أنّه مجتهد في الأحكام من قبل أربع سنوات، فيكون حصول ملكة الاجتهاد له في سنّ ثلاث عشرة من عمره». (2)

____________

(1) بغية الراغبين 1: 147- 149.

(2) تكملة أمل الآمل: 236.

10

«أساتذته و مكانته العلمية و مشايخه»

وقف أوّلا في تحصيل العلوم على كلّ من أبيه المقدس، و الفقيه العلّامة الشيخ سليمان بن معتوق العاملي، فأفاضا عليه سجال العلوم. و بوأه من الثقافة مبوأ صدق، حتى لمع في حوزيتهما كوكبا، و سطع بدرا كاملا.

فانتشر فضله في العراق، انتشار الصبح في الآفاق، و انتجع بعد هذا جهابذة أهل النظر في عصره، الراسخين في العلم من كل طود ينحدر عنه السيل، و لا يرقى اليه الطير كالسيد محسن الأعرجي صاحب (المحصول) و الوافي و الشيخ أسد اللّه ابن الشيخ إسماعيل الكاظميني صاحب (المقابيس). و السيّد الشريف الأمير على الطباطبائي صاحب (الرياض) و السيّد الشريف الميرزا محمد مهدي الشهرستاني الحائري، و امام الكل في الكل السيد مهدي بحر العلوم- و قد علمت منزلة الصدر من نفسه منذ كان حدثا.

و عكف على مربية و مخرّجه الشيخ الأكبر كاشف الغطاء، و كان السيد صهره على كريمته و له منها ذرية طيّبة.

و حين رنّ صيت الميرزا القمي في الأقطار، و تجاوبت بصدا ذكره محافل النجف.

شدّ السيد اليه رحاله و هو في قم فجمع بخدمته شتات العلوم و عبّد مناهجها، و احكم قواعد الفقه و قوانين الأصول، فائزا بغنائمها.

و قرظ يومئذ كتاب (قوانين) بالبيتين السائرين المسجلين في فاتحته:

ليت ابن سينا درى إذ جاء مفتخرا * * * باسم الرئيس بتصنيف ل(قانون)

أنّ (الإشارات) و (القانون) قد جمعا * * * مع (الشفا) في مضامين (القوانين)

11

و كان ذهاب السيد إلى قم عام تشرفه باعتاب الإمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) و ذلك سنة 1226 قبل رحلته إلى أصفهان بسنة. (1)

أقول: و قد يستفاد من بعض التراجم ان السيد صدر الدين قد استفاد من بعض الأجلّاء الآخرين، مثل علم الأعلام الوحيد البهبهاني، حيث يقول السيد في رسالته في حجية الظن:

«و قد رأيته في كربلاء سنة خمس و مائتين و ألف قبل وفاته بسنة، و أنا ابن اثنتي عشرة سنة، و هو شيخ قد ناهز التسعين، و لم يكن فيما حدثني به شيخ الطائفة جعفر بن خضر و جماعة من ثقاة العلماء، قبل سنة الطاعون- و هي ستّ و ثمانين و مائة و ألف- أحد يذهب إلى أنّ الأصل الثانوي حجية الظن غيره».

كما كان يستفيد من محضر الأستاذ الفقيه السيد جواد بن محمد الحسيني العاملي الشقراوي مؤلف كتاب مفتاح الكرامة.

و قد استفاد أيضا من درس العلامة الفقيه الشيخ موسى بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء. (2)

و قال العلّامة السيد عبد الحسين شرف الدين في مكانته العلمية:

كان في النجف الأشرف على عهد أستاذه الشيخ الأكبر [كاشف الغطاء] يرشّح لمكانته من بعده، لكن نزوحه في حياة الشيخ إلى أصفهان و توطّنه فيها صرف الرئاسة العامة عنه.

على أنّ العلماء كافّة من معاصريه و المتأخرين عنه يبوؤونه مكانة المرجع العام في شرائع الإسلام، و قد تصافقوا على أنّه أصلها و محلّها، جلالة قدر، و عظم شأن، و علوّ

____________

(1) بغية الراغبين 1: 149- 150.

(2) تاريخ علمي و اجتماعى علماء أصفهان 1: 232- 235.

12

مكانة علما و عملا، و ورعا و زهدا، و هديا و رأيا، يعدّونه من أبطال العلم و أعلامه البارزين و لا سيّما في الفقه و الأصول و الحديث و الدراية و الرجال، و العلوم العربية بأسرها و الفنون الأدبية كلّها.

كان مقدّما في علوم القرآن، و أنساب العرب، و أخبار الماضين، و حوادث السنين، و له في العلوم العقلية و لا سيما الحكمة و الكلام مكانة سامية.

و قد جمع اللّه فيه علو الفهم، و قوة الحافظة، فكان إذا تلاعن لوح قلبه، رأيته يتلو عن لوح محفوظ، لا يفوته عند الحاجة شيء من آي الذكر الحكيم، و لا يغيب عنه شيء من السنن المأثورة و الحكم المسطورة، و لا تفوته دقيقة من ظرائف الكلام و لطائفة و نوادره و نكاته، يحفظ الكثير من مفردات اللغة، ممحصا لها، خبيرا في اشتقاقاتها.

و كان يقظ الفؤاد، ملتهب الذكاء، قوى الحجة، سديد البرهان، يتحرّى في رأيه القواعد و الأصول، و يتبع فيه أدلة المعقول و المنقول، فيترك خصمه معتقل اللسان، كأنّما أفرغ عليه ذنوبا.

له مواقف في بغداد شكرها اللّه له و رسوله و المؤمنون، و حسبك منها مناظراته و محاضراته مع فقيه الحنفية، و متكلم الأشاعرة، معاصره السيد صبغة اللّه، فقد أذاعها بريد الثناء، و رواها له لسان الحمد. (1)

و قال العلامة الصدر: حدّثني الشيخ الجليل صادق الأعسم النجفي: أنّ الشيخ محمد حسن صاحب (الجواهر) و الشيخ حسن ابن شيخ الطائفة الشيخ جعفر، كانا لما جاء السيد صدر الدين من أصفهان إلى النجف يعاملانه معاملة الأستاذ، و يجلسان بين يديه جلسة التلامذة، و هما يومئذ شيخا الإسلام في النجف و لعلهما ممن تلمّذ عليه.

قال: و كنت يوما عند الشيخ صاحب (الجواهر) فجاء السيد صدر الدين، فلمّا

____________

(1) بغية الراغبين 1: 159- 160.

13

أشرف علينا ركض الشيخ و استقبله و أخذ بابط السيد، حتّى جاء به و أجلسه في مكانه و جلس بين يديه، و في الأثناء جرى ذكر اختلاف الفقهاء، فأخذ السيّد يبيّن اختلاف مسالكهم في الفقه و شرع في بيان طبقاتهم من الصدر الأوّل إلى عصره و يبين اختلاف مسالك الفقهاء و اختلاف مبانيهم بما يبهر العقول حتى قال الشيخ صاحب (الجواهر) بعد ما خرج السيد، يا سبحان اللّه! السيّد جالس جميع طبقاتهم و بحث معهم و وقف على خصوصيات احذقتهم و مسالكهم. هذا و اللّه العجب العجائب، و نحن نعدّ أنفسنا من الفقهاء، هذا الفقيه المتبحّر! قال: و دخلت يوما في الصحن الشريف، فرأيت السيّد صدر الدين مقبلا، و الشيخ صاحب (الجواهر) آخذ بابط السيد و الشيخ حسن صاحب (أنوار الفقاهة) آخذ بابطه الأخر. لأنّ السيّد كان فيه أثر الفالج، و لا بدّ أن يأخذ أحد بابطه إذا مشى.

و هذا يدلّ على جلالة السيد في نظر الشيخين، و أنّه في نظرهما في مرتبة الأساتيذ الأعاظم، فان الشيخين لم يكن في النجف، بل في الدنيا يومئذ أجلّ منهما. (1)

قال في ترجمته في (روضات الجنات) و أمّا مشايخه الذين يروى عنهم بطريق الإجازة، فهم كثيرون جدّا، تنيف عدّتهم عن عشرة من الفقهاء و أعلاهم سندا والده السيد محمد، عن شيخه و أستاذه محمد بن الحسن الحرّ العاملي صاحب (الوسائل) و غيره، فإنّه (رحمه اللّه تعالى) يروى كتاب (الوسائل) بتمامه من هذا الطريق، و كذلك عن شيخه الشيخ سليمان العاملي عن السيد محمد المذكور. (2)

____________

(1) تكمله أمل الآمل 1: 235.

(2) بغية الراغبين 1: 151.

14

«مهارته في الشعر و الأدب»

كان السيد صدر الدين من أشهر الأدباء و الشعراء في زمانه، و قد نقل العلّامة الصدر في كتابه، يقول: «و حضر مجلس درس أستاذه السيد بحر العلوم (و كان عمره اثنى عشر سنة ه1205) و كان السيد مشغولا بنظم الدرّة في الفقه، فاختاره في عرض الدرّة عليه لمهارته في الآداب و فنونه». (1)

و يقول المحقق المهدوي: «ان العلّامة السيد مهدي بحر العلوم كان من اساتيد الشعر و الأدب و من أعضاء اللجنة الأدبية «معركة الخميس» و انتخابه لتلميذه الشاب لهذه المهمة، كان من جهة احترامه و تشويقه له و لوالده العلامة السيد صالح». (2)

و قال العلامة الصدر بعد ما صرح بثبوت ملكة الاجتهاد للسيّد في سنّ الثالثة عشرة من عمره: و هذا نظير ما يحكى عن العلامة الحلّي و الفاضل الهندي، و يفوقهما في صنعة الشعر و الأدب، فإنّي سمعت من شيخ الأدب الشيخ جابر الشاعر الكاظمي مخمس الهائية الأزدية، أنّ السيد صدر الدين كان أشعر من السيد الشريف الرّضي الذي هو أشعر قريش. (3)

و قال العلامة السيد شرف الدين: «و كان يرتجل الشعر ارتجالا، و يقتضبه اقتضابا، و لا يسهر عليه جفنا، و لا يكدر فيه طبعا، و لا يثبته في ديوان.

و من شعره هذه القصيدة في وصف رحلته إلى المشهد الرضوي على مشرفه السّلام،

____________

(1) تكمله أمل الأمل: 236.

(2) تاريخ علمي و اجتماعى علماء أصفهان 1: 261.

(3) تكمله: 236.

15

و هي من عزر الشعر:

أتتك استباقا تقدّ القفارا * * * سوابح تقدح في السير نارا

تثير مثار الحصى بالحصى * * * و تتبع باقي الغبار الغبارا

و هي طويلة. (1)

و قال العلامة الصدر: و الذي عثرت عليه من شعره بخطّه الشريف على ظهر بعض كتبه هذه الأبيات:

إلى على و زعيم اللوى * * * يوم الوغى و العلم الشامخ

أبى السراة الأنجبين الأولى * * * خصوا فنون الشرف الباذخ

اولى المزايا الغرا عباؤها * * * ينوء فيها قلم الناسخ

جاءت تجوب البيد سيارة * * * تهوى هوى المرتد الصارخ

قد أيقنوا منه بجزل الحصا * * * ان عليّا ليس بالواضح (2)

«سبب هجرته إلى أصفهان»

كان ذهابه إلى أصفهان سنة 1227 بعد زيارته المشهد الرضوي و إقامته في قم سنة أو أكثر، و إنّما أتاها لزيارة تربيه في الفضل، و صنويه في العلم و العمل الشيخ محمد تقى صاحب (هداية المسترشدين) و السيد محمد باقر الموسوي الشفتي.

و كان بينهما و بين السيد مودّة- على البعد- رسخت قواعدها و مصافاة- على النوى- توثقت عراها، فكانوا يتبادلون العواطف بالمواصلة، و يتبارون في بث الأشواق و

____________

(1) بغية الراغبين 1: 160.

(2) تكمله: 242.

16

الحنين بالمراسلة، و حين استخفته إليهما نزيه الشوق، وجدهما ظمئين إلى لقائه، و وجد أهل العلم كافة في صنوة اليه.

و قد أجمع الشيخ التقى و السيد باقر على أن يلتمسا من السيد توطّنه في أصفهان، و تبعهما على ذلك من سواهما من عالم و فاضل و أديب و تقى، و صمدوا إليه في ذلك، علما منهم بقوته في ذات اللّه، و مكانته في العلم و العمل و حسن أسلوبه في رفع منار الإسلام و تعظيم شعائر اللّه و نشر علوم آل محمد، و اذاعة هديهم و إحياء أمرهم (عليهم السلام). و حين رأى ان من تكليفه الشرعي ان لا يرد هذين الإمامين المخلصين للّه تعالى، و ان لا يخيب رجاء من تبعهما من المؤمنين أجابهم إلى ملتمسهم متوكلا على اللّه تعالى. (1)

و قد ذكر المحقق الفقيد المهدوي الأسباب التي من أجلها توطّن السيد صدر الدين في أصفهان بما يلي:

1- طلب أهالي أصفهان المحبّين للعلم منه بان يتوطن عندهم.

2- وجود الجوازات العلمية و المجامع الأدبية و العلماء الكبار و المجتهدين هناك.

3- وجود اثنين من بنات المرحوم جعفر كاشف الغطاء في أصفهان (أختان لامرأة السيد صدر الدين).

4- و أهم من ذلك كله، خوفه من مخالفيه في العراق من أهل السنّة في بغداد. (2)

____________

(1) بغية الراغبين 1: 151.

(2) تاريخ علمي و اجتماعى علماء أصفهان 1: 243.

17

«تلامذته و المجازين عنه»

ان العلّامة السيد صدر الدين كان من العلماء البارزين و الممتازين و مشارا اليه بالبنان من كل العلماء و المجتهدين في زمانه، خصوصا من حيث علمه و اطّلاعه و جامعيته في العلوم المختلفة و تبحّره في علم الرجال و الأدب و الشعر، كل ذلك يسبّب ان يجعل مجلس درسه من أحرّ الحوزات العلمية في أصفهان.

ففي الزمن الذي كان يعيش فيه السيد في أصفهان كانت تلك المدينة مركزا للحوزات العلمية، و أحد المراكز العلمية العالية في الدنيا، فقد وجد علماء كبار أمثال المحقق الكلباسي، و السيد حجة الإسلام شفتي و الحاج ملا على حكيم النوري. و عشرات الآخرين من العلماء و الفقهاء و المجتهدين و كل ذلك يعطى المركزية العلمية و الدينية لتلك البلدة و يجعلها محورا لتوجه الطلاب من أقصى نقاط الدنيا إليها لكسب الفيوضات المعنونية و الدينية.

مع ذلك كله: فما نتوقع، هو وجود أشخاص عديدين الذين استفادوا من هذا العالم الكبير، و كان من المفروض للتاريخ ان يسجل أسمائهم لنا، و لكننا لم نجد كثيرا بل وجدنا عددا قليلا، منهم:

1- العلامة الفقيه الرجالي ميرزا محمد باقر چهارسوقي (مكارم الآثار 1: 10).

2- السيد جعفر بن محمد أشرف الطباطبائي اليزدي النجفي (كرام البررة 1: 245).

3- العلامة الفقيه الشيخ محمد حسن بن محمد باقر الأصفهاني النجفي صاحب جواهر الكلام (تكملة: 238).

4- المرحوم السيد محمد حسن بن محمد تقي الموسوي الأصفهاني.

5- العلامة الفقيه الشيخ حسن بن شيخ الطائفة الشيخ جعفر النجفي صاحب كشف

18

الغطاء (تكملة: 238).

6- العلامة الفقيه الحاج ميرزا زين العابدين موسوي چهار سوقي (مكارم الآثار 1: 10).

7- المرحوم الحاج السيد شفيع جاپلقى مؤلف كتاب الروضة البهيّة (تكملة: 238).

8- المرحوم السيد عيسى بن محمد على العاملي ابن أخي السيد صدر الدين (تكملة).

9- العلامة الفقيه الأصولي المرحوم ملا محمد شريف العلماء المازندراني (تكملة:

238).

10- العلامة الجليل الحجة الباري الشيخ مرتضى الأنصاري (مكارم 1: 10، تكملة: 238).

11- السيد أبو الحسن هادي بن محمد على ابن أخ السيد صدر الدين (تكملة: 423، معارف الرجال 3: 224).

12- العلامة الفقيه ميرزا محمد هاشم چهار سوقي (مكارم 1: 10، تكمله: 237).

«سيرته و أخلاقه»

كان السيد صدر الدين عالما ربانيا لا تأخذه في اللّه لومة لائم، يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يقيم الحدود و الأحكام. و كان من أزهد أهل زمانه، لم يحظ من الدنيا بنائل و لم يخلف لأولاده غير الدار التي كان السيد حجة الإسلام شفتي قد اشتراها له و غير بعض الكتب لم يكن له عقار و لا قوى و لا أملاك، و كان كثير العيال و لم يغيّر وضعه الذي كان عليه في النجف منه حيث اللباس و المأكل.

و حدّثني الشيخ العالم عبد العالي الأصفهاني النجفي قال: كنت ليلة من ليالي شهر رمضان في حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) فجاء السيد صدر الدين إلى الحرم، و لمّا فرغ من الزيارة

19

جلس خلف الضريح المقدّس، فكنت قريبا منه، فشرع في دعاء السحر الذي رواه أبو حمزة: فو اللّه ما زاد على قوله «إلهي لا تؤدّبني بعقوبتك» و كرّرها و هو يبكي حتّى أغمي عليه و حملوه من الحرم و هو مغمى عليه.

كان (قدّس سرّه) غزير الدمعة كثير المناجاة، و رأيت له أبياتا في المناجاة يقول فيها:

رضاك رضاك لا جنات عدن * * * و هل عدن تطيب بلا رضاكا

(1) «زوجاته»

و قد تزوج السيد بعدة زوجات:

1- بنت العلامة الفقيد شيخ الطائفة الشيخ جعفر النجفي و هي أمّ أكثر أولاده.

2- بنت المرحوم السيد أبو الحسن خوشمزه الأصفهاني النجفي.

3- زوجة من مدينة يزد (تكملة: 237).

4- زوجة دائمية من أصفهان، و هي أمّ العلامة السيد إسماعيل الصدر.

«أولاده»

و قد عقب السيد سبعة من السادة الأشراف، مات اثنان منهم على عهده و لم يعقبا، و كانا من الفضل و الدين مثل أبيهما، أحدهما السيد محمد تقى و الثاني السيد علي، و كانت وفاتهما مصيبة عظيمة نكب بها أبوهما المقدس.

____________

(1) تكمله: 239- 240.

20

الثالث: السيد أبو الحسن الرابع: السيد حسين و هما و ان كانا من أهل الفضل و الزهد و العلم و لكن لم يحصلا على شهرة في المدارج العلمية مثل سائر أخواتهم.

الخامس: العلامة الفقيه السيد إسماعيل الصدر، من أعاظم العلماء و أكابر المراجع، اختص بالمجدد الشيرازي مدة حياته، هاجر إلى الحائر الشريف مروجا للدين و حافظا للعلماء و مساعدا للمشتغلين.، فكان من مراجع التقليد في أغلب الأطراف. (1)

السادس: السيد محمد على: و يعرف بآقا مجتهد، و أمّه بنت الشيخ الأكبر كاشف الغطاء، و قد كتب قبل بلوغه (البلاغ المبين في أحكام الصبيان و البالغين) و صرح أبوه و السيد حجة الإسلام شفتي باجتهاده قبل ذلك و كان لا يصرح باجتهاد أحد إلّا أن يبلغ أقصى ذراه. (2)

السابع: السيد أبو جعفر، و أمّه كريمة شيخ الطائفة الشيخ جعفر. ولد في أصفهان سنة 1252 و تلقى العلم عن أخيه آقا مجتهد و عن الشيخ محمد باقر النجفي الأصفهاني، و تزوج بكريمة السيد أسد اللّه بن السيد حجة الإسلام الشفتي و أخذ إجازة الاجتهاد منه. و قد خلف منها ثمانية أولاد:

أشهرهم و أعلمهم والدي المرحوم آية اللّه السيد حسين خادمي (رحمه اللّه).

____________

(1) نقباء البشر 1: 159.

(2) بغية الراغبين 1: 171، تكمله: 358.

21

«وفاته»

منى السيد في أواخر عمره بمصائب و نوائب، أمرضت جسمه فانحلته، و أضعفت قواه فاوهتها، و أصيب بفقد ولديه المبرزين في الفضل و الدين و الأخلاق السيد محمد تقى و السيد على، فهدّه موتهما، و أصبح صريعا على فراشه لا يستطيع النهوض، فرأى في المنام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول له: أنت في ضيافتي في النجف، ففهم انه يموت قريبا، فرغب في التشرف بأعتاب آبائه الطاهرين، رجأ أن تكون خاتمته في جوارهم و ان يطيب رمسه في قدسي تربتهم، فرحل منفردا إلى النجف سنة 1262 و ورد النجف و بقي قليلا، و توفّى في أول ليلة من شهر صفر و كانت ليلة الجمعة سنة 1263 (1) و صلّى عليه زعيم آل كاشف الغطاء يومئذ الفقيه الشيخ محمد بن على بن الشيخ جعفر، في خلائق كثيره و دفن في بعض حجرات الصحن الحيدري (عليه السلام).

«آثاره و تأليفاته»

و للسيّد تأليفات و آثار كثيرة:

1- «أثره العترة» في أبواب الفقه و هو كتاب استدلالي. (2)

2- «التعليقة على رجال أبي على» و كانت على هامش نسخته فدوّنها العلّامة

____________

(1) و قد نقل العلامة السيد شرف الدين تاريخ وفاته، ليلة الجمعة 14 المحرم الحرام سنة 1264، راجع: بغية الراغبين 1: 168.

(2) الأثرة بوزن عقدة هي البقية من العلم تؤثر.

22

السيد حسن الصدر و سمّاها ب«نكت الرجال على منتهى المقال» (تكملة: 242).

3- تعليقاته على كتاب «نقد الرجال» للمحقق العلامة مير مصطفى تفرشي، و هي موجودة على نسخته المخطوطة في مكتبة المرحوم آية اللّه حاج حسين خادمي (رحمه اللّه).

4- التعليقة على كتاب «التسهيل» في النحو، لأبي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه المعروف بابن مالك النحوي، المتوفى 672 (الذريعة 6: 39).

5- التعليقات على كتاب منتهى أمل الأريب من كلام مغني اللبيب، تأليف: الشيخ أحمد بن محمد بن على، المشهور ب«ابن ملّا حلبي» سنة 979 (الذريعة 6: 223). يقول صاحب الروضات: 93، قد رأيت المجلد الأوّل من شرح المغني لابن ملّا بخطّ المصنف و عليه حواش كثيرة من شيخنا العلامة السيد صدر الدين.

6- حاشيته على شرح القطر (قطر الندى) يقول العلامة الصدر: إنّه قد كتب هذه التعليقات عليه و هو ابن سبع سنين.

7- ديوان الإشعار، إنّ السيد صدر الدين كان من الشعراء الكبار و له أشعار و قصائد كثيرة (الذريعة 9: 603، الجزء الثاني).

8- «الرحلة» و هو اسم قصيدة رأييه له يخاطب فيها الإمام الثامن علي بن موسى (عليه السلام)، مطلعها:

أتتك استباقا تقد القفارا * * * سوابح تقدح في السير نارا

قال السيد محسن الأمين: بعد ما نقل ستة و ستين بيتا من القصيدة قد افتقد منها صفحة أو أكثر من وسطها، و يحتمل على هذا أنها كانت أكثر من مأة بيت، ثم قال: «و هي من عزر الشعر». (1)

9- «قرة العين» في النحو: يقول العلامة الصدر: «كتبها لبعض ولده و هي كتاب

____________

(1) أعيان الشيعة 45: 246.

23

جليل في بابه تفوق على المغني، كما نصّ على ذلك تلميذه الميرزا محمد هاشم في أول معدن الفوائد: قال: فإنّها مع صغر حجمها تفوق على المغني لابن هشام مع طوله و بسطه، فهذه الرسالة لا توافق إلّا فهم المنتهى» (1) و هي موجودة عندنا.

10- شرح مقبولة عمر بن حنظلة: و هو شرح في نهاية البسط متضمنة لقواعد شرعية و فقهية و فوائد رجالية (روضات الجنات: 333).

11- القسطاس المستقيم في أصول الفقه (الذريعة 17: 80، أعيان الشيعة 45:

245).

12- رسالة حجية المظنّة: يقول العلامة الطهراني: إنّها في ردّ دليل الانسداد، كما بحث حول موضوع (حجية الظن المطلق و حجيّة الظن الخاص) و هي موجودة في مكتبنا.

13- رسالة في أحوال ابن أبي عمير: يقول المحقق التنكابني أنّ نسخته موجودة عنده (قصص العلماء: 196).

14- رسالة في مسألة ذي الرأسين.

15- «عترة العترة» و هي مختصر كتابه الفقهي «أثره العترة». (2)

16- «قوت لا يموت» و هي رسالة عملية فارسية لمقلديه.

17- «المستطرفات» في الفروع الفقهية التي لم يتعرض لها الفقهاء.

18- «المجال في علم الرجال» و قد أحال إليه في رسالته «حجية الظن».

19- «رسالة في الوقف» لم تذكر هذه الرسالة في شيء من كتب التراجم التي ترجمت

____________

(1) تكمله أمل الآمال: 242.

(2) لفظ العترة حقيقة في القطعة من المسك الخالص، و هذا المعنى هو المراد من المضاف في هذا الاسم، و حقيقة أيضا في الذريّة، و هذا هو المراد من المضاف إليه، فيكون الكتاب على مقتضى هذا الاسم، قطعة من خالص مسك ذرّية رسول اللّه (ص).

24

للسيد و ربّما تكون بخط المؤلف و هي موجودة في مكتبة الرضوي برقم 13251.

20- «شرح منظومة الرضاع» و هي رسالتنا هذه:

«الكتاب الذي بين يديك و منهج التحقيق فيه»

لمّا كان بحث الرضاع من المباحث الفقهية الغامضة، فقد اهتمّ به الفقهاء حتّى ألّف أكثرهم رسالة فيه، و نقّحوا غوامض مسائله، و ممن ألّف في هذا البحث مترجمنا فقد ألّف فيه رسالة و هي الكتاب الذي بين يديك.

و هذه الرسالة كما سترى، تدلّ على مدى قوّة المصنف في الفقه و سعة اطّلاعه على الآراء و الانظار، و هي بالإضافة الى ذلك أوّل أثر فقهي يصدر من هذا الفقيه المتبحّر.

و قد حاولنا- قدر الإمكان- ان يكون متن الرسالة خاليا من الأخطاء، و من أجل ذلك، حاولنا ان نحصل على نسخة يمكننا ان نعتمد عليها، و من خلال كتب التراجم عرفنا أنّ المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي شرح هذه الرسالة فبحثنا عن هذا الشرح في أكثر المكتبات المعتبرة في إيران و لكن دون جدوى، و لكننا حصلنا على نسخ مختلفة الكتاب و هي:

1- النسخة الموجودة في مكتبة المرحوم آية اللّه الحاج آقا حسين خادمي، و هي من أحسن النسخ لقلة أخطائها و امتيازها عن النسخ الأخرى بوجود بعض الحواشي فيها و هي موقعه في نهايتها ب«منه ره» و لذا جعلنا هذه النسخة أصلا و رمزنا لها ب«خ».

2- النسخة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى التي تفضل المسؤولون في المكتبة علينا بالاستفادة منها- شكر اللّه لهم ذلك- و رمزنا لها ب«م».

3- النسخة المحفوظة في مكتبة المرحوم الصفائي الخوانساري (قدّس سرّه) و ارجوا له الرحمة و الغفران و علوّ الدرجة عند الرحمن، و رمزنا لها ب«س».

25

4- النسخة المحفوظة في مكتبة حجة الإسلام السيد محمد على روضاتي الذي تفضّل باعطائنا صورة منها، و هذه النسخة كثيرة الأخطاء و رزمنا لها ب«ر».

و جدير بالذكر أنّ والدي المرحوم آية اللّه حاج آقا حسين خادمي (رحمه اللّه) هو المشجّع على هذا العمل فإنّه كان معجبا بهذا الكتاب و بأسلوبه الفقهي من جدّة الأعلى (رحمه اللّه)، لذا اهدى ثواب هذا الجهد منّى إلى روحه و أرجو من اللّه ان يجعله راضيا عنّى و ان يلحقني بآبائي في الايمان حيث وعد اللّه تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمٰانٍ أَلْحَقْنٰا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ مٰا أَلَتْنٰاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ. (1)

و في الختام أقول: إنّى قد بذلت كل جهدي في الحصول على أصح النسخ، و في تحقيق العناوين من منابعها الأولية، و لكن جلّ من لا يخطئ، فإن الإنسان في معرض الخطأ، فإذا وجد خطأ فارجوا من الفضلاء و العلماء المعذرة و الإرشاد إلى الصواب، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

قم- سيّد محمد على خادمي

____________

(1) الطور: 21.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

[منظومة في الرضاع]

الحمد للّه الذي أدرّ أخلاف طوله بعموم فضله و خصوص عدله، و الصلاة على أفضل رسله و الخيرة المصطفين من أهله.

و بعد، فهذه منظومة في الرضاع، تعشّقها الطباع، و لا تمجّها الأسماع، أوردتها في ضمن ما يفتح مقفلها، و يحلّ مشكلها، و رجوت أن أودع بين دفّتي رقيمة تبصرة لرضيع الفقه، و تذكرة لفطيمه على غير دعة مكدّة و لا عدّة كتب ممدّة (1) بل غربة منغصه (2) و فرقه (3) مغصصة، و لا قوّة إلّا باللّه.

ان أحرز الرضاع شرطه نشر * * * تحريم تزويج و تحليل نظر

ما يحرم به النكاح: إمّا نسب، أو سبب، و النسب: مثل الأمومة و الأبوة و الخؤلة و العمومة.

أمّا السبب، فأقسام:

منها: ما لا يحلّ معه النظر، كاللعان، و اللواط، و إفضاء الصغيرة، و الزنا بذات البعل

____________

(1) ممددة- م.

(2) غربة الفقه- م، مبغضه- س.

(3) فرقة- م.

28

و نحو ذلك.

و منها: ما يحلّ معه النظر، و هو المصاهرة و الرضاع، لكن كلّا منهما: إمّا مؤبّد التحريم، كأمّ الزوجة و بنتها من رضاع، أو نسب مع الدخول بالأمّ، و زوجة كلّ من الأب أو الفحل و الابن، أو الرضيع على الآخر.

و إمّا غير مؤبّدة، كأخت الزوجة رضاعا أو نسبا، و ابنتها قبل الدخول بالأمّ.

و ابنتي أخيها و أختها كذلك الّا مع رضاها، فما لم يكن مؤبّد التحريم من مصاهرة أو رضاع لم يحلّ معه النظر من كل من الرجل و المرأة إلى الأخر سيان فيه و من التحريم و ما بعده، و امّا ما كان منهما مؤبد التحريم فالنظر فيه سائغ بلا خلاف. و ممّن حكى الإجماع على حلية النظر في الرضاع فخر المحققين في الإيضاح (1)، و حكى الفاضل الهندي (2) الاتّفاق عليه أيضا. و يدلّ عليه صحيحة عبيد بن زرارة قال:

«قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) انّا أهل بيت كبير فربّما كان الفرح و الحزن الذي يجمع فيه الرجال و النساء، فربما استحيت المرأة ان تكشف رأسها عند الرجل الذي بينها و بينه الرضاع و ربّما استحى الرجل ان ينظر الى ذلك فما الذي يحرم من الرضاع؟ قال: ما أنبتت اللحم و الدم.». (3)

و لو قلنا انه لا يجوز للرجل أن ينفرد بالأجنبية الّا و معهما ثالث جاز ان ينفرد هنا بمحرمة من الرضاع لكن الظاهر أن لا مستند للمنع الّا ما رواه العامّة عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«لا يخلونّ رجل بامرأة، فإنّ الشيطان ثالثهما». (4)

____________

(1) إيضاح الفوائد 3: 44.

(2) كشف اللثام 1: 4، السطر 12- 11.

(3) الوسائل 14: 287، باب الثاني، ح 18.

(4) المستدرك على الصحيحين 1: 114، مسند أحمد 1: 18 و 26.

29

و في انعتاق من يملك ينعتق * * * خلف و عندي انّه ليس برقّ

أجمع أصحابنا كافة على أنه ليس للرجل و لا المرأة ملك العمودين و لا للرجل ملك محارمه من النسب، فلو ملك الإنسان أباه أو امّه أو أحد ولده أو ملك الرجل أخته أو عمته أو نحوهما انعتقوا على المالك بمجرد الملك، و قد اختلفوا في الرضاع: فذهب الصدوق (1) و الشيخ (2) و ابن البراج (3) و ابن حمزة (4) و العلّامة (5) و كثير من المتأخرين إلى انّه لا يملك من الرضاع ما ينعتق من النسب.

و قال القديمان (6) و المفيد (7) و سلّار (8) و ابن إدريس (9) بجوازه على كراهيّة، لنا ما في صحيح عبيد بن زرارة:

«لا يملك أمّه من الرّضاعة و لا عمّته و لا خالته إذا ملكن عتقن. و لا يملك من النساء ذات رحم محرم. قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك؟ قال: نعم». (10)

و ما ورد في «المرأة ترضع مملوكها» ففي صحيحتي الحلبي و ابن سنان:

«تعتقه». (11)

____________

(1) المقنع: 468.

(2) النهاية، كتاب العتق: 540، الخلاف 6: 367، المسألة: 5.

(3) المهذب 2: 356.

(4) الوسيلة: 340.

(5) تحرير الأحكام 2: 77، المختلف 7: 44، المسألة 12.

(6) نقله عنهما العلامة في المختلف 7: 45.

(7) المقنعة: 544 و 599.

(8) المراسم: 176.

(9) السرائر 3: 8.

(10) الوسائل 13: 29، ح 1 و 2 من أبواب بيع الحيوان.

(11) الوسائل 13: 29، ح 3.

30

و في أخرى لابن سنان: «هو ابنها من الرضاع حرم عليها بيعه و أكل ثمنه». (1)

و في رواية عبد الرحمن: «تعتقه و هي كارهة» (2)، الى غير ذلك من الأخبار.

و في كثير من تلك الروايات يستدلّ (عليه السلام) بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (3)، و توضيحه أنّ التحريم لا يعقل تعلّقه بالأعيان، فيصرف الى المنافع، و منها: الاستمتاع و التملّك و الاستخدام.

و احتجّ الآخرون بروايات مشتركة في ضعف السند و في عدم الدلالة على موضع النزاع الّا روايتان عن الصادق (عليه السلام) إحداهما لابن سنان: «إذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فملكه فهو حرّ الّا ما كان من قبل الرضاع» (4)، و الأخرى للحلبي في بيع الامّ من الرضاعة: «قال: لا بأس بذلك إذا احتاج» (5) و في الأخبار الأول من صحة السند و كثرة العدد و موافقة الكتاب و السنّة المعلومة ما يقنع في الترجيح (6)، و عليه فيمتنع على الرضيع ملك المرضعة و الفحل و آبائهما و إن علوا كما أنّه يمتنع عليهم ملكه و ملك ولده و إن نزلوا من دون فرق في الآباء و الولد بين كونهم لرضاع أو نسب، و لو وطأ الرضيع مملوكة الفحل أو المرضعة أو أحد آبائهما لم يملكوا ولده منها، و كذا لو أرضعت تلك المملوكة بلبن الرضيع ولدا مملوكا لصيرورته ولدا له، و لو أولد الفحل جارية للرضيع (7) أو أرضعت بلبنه ولدا مملوكا للمرتضع عتق ان كان أنثى

____________

(1) الوسائل 14: 307، ح 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

(2) الوسائل 16: 14، باب 2 من أبواب العتق، ح 2.

(3) الوسائل 14: 282- 280، باب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

(4) التهذيب 8: 245/ 885، الاستبصار 4: 19/ 61.

(5) التهذيب 8: 245، ح 119- 118.

(6) الجواهر 24: 143.

(7) في «ر»: لرضيع.

31

لأنّها أخته بخلاف الذكر لأنّه أخوه، و كذا لو وطأ الرضيع جارية أخ لأحد (1) صاحبي اللبن لانّ ابنتها إمّا أبنت ابن أخ المالك أو أبنت ابن أخته، نعم لو أولدها ذكرا فولد الذكر أنثى عتقت و لو كانت الجارية لأخت صاحبي اللبن أو كان الواطى لجارية الرضيع (2) أعمامها أو أخوالها لم ينعتق شيء من ولدها أصلا، كلّ ذلك إذا كان الوطي عن تحليل و شرط المالك الرقّية و إلّا فالولد تابع لأشرف الأبوين و لو كان عن زنى فلا عتق مطلقا البتة إذ لا نسب بينهم شرعا.

و ليس في المحظور من محذور * * * أن يشتبه فيما عدا المحصور

المحصور المتضمن محظورا سواء كان المشتبه المحلّل أو المحظور كالنجس بالطاهر و الميتة بالمذكّى و بالعكس يغلّب فيه حكم الحظر من باب المقدّمة و دفعا للضرر المظنون و قد روى عنه (عليه السلام):

«ما اجتمع الحلال و الحرام إلّا غلب الحرام على الحلال» (3)، بخلاف غير المحصور، تفاديا (4) عن الجرح، و انّه ربّما أدّى الى اجتناب جميع ذلك النوع في الدنيا قاطبة، و هل يجب التجنّب مع تيسّر المقطوع بحلّه أم لا؟ الأشبه العدم.

و المرجع في تقدير الحصر و عدمه الى العرف، فما يعسر على الناظر بمجرّد النظر عدّه لو جمع على صعيد واحد ليس بمحصور كالألف و الألفين و المحصور ما عداه كالعشر و العشرين.

و بين الطرفين وسائط تلحق بأحدهما (5) بالظن، و ما وقع الشك فيه فالأصل

____________

(1) في «م»: جارية أحد.

(2) في «م»: أو.

(3) كنز العمال 3: 797/ 879.

(4) في «س»: تناديا.

(5) في «س»: بإحداهما.

32

وجوب الاجتناب، نعم يختلف الأمر بكميّة المشتبه، فالألف مثلا مع كون المشتبه مائة أو أكثر محصور و مع كونه واحدا أو خمسة ليس بمحصور.

و إذا عرفت ذلك: فلو اشتبه المحرم الرضاعي بالمحلّل أو بالعكس وجب الإمساك مع النحصار عن الجميع، بل عن اصولهنّ و فروعهنّ مع الاشتمال على ما يحرم أصوله كالعمّة و الخالة أو فروعه كالبنت، أو كلاهما كالجدّة إلّا في مثل ما إذا علم انّ هذه أجنبيّة مثلا، ثم قطع بكون أمّها أو بنتها في المحصورات، و لكن لا يعلم أيّها هي؟ و لو عقد على إحداهنّ قال المحقّق الثاني: انّه يقع باطلا، لثبوت المنع من جميعهنّ. قال: فلو زال اللبس بعد العقد و تبيّن انّ المعقود عليها غير المحرّم ففي الحكم بصحة النكاح حينئذ تردّد لسبق الحكم ببطلانه، و لأنّه وقع مع عدم اعتقاد العاقد صحته. (1)

و الحكم بالبطلان هنا نظير الحكم بالتنجّس الملاقي لأحد الإنائين المشتبهين بزعم انّهما محكوم بنجاستهما شرعا و هو لكثير من الفقهاء، و توضيحه فيما نحن فيه: أنّ الاشتباه قد صيّرهنّ بحكم المحارم في التحريم، و ذلك أمر زائد على مجرّد التكليف بالاجتناب و مقتضى القواعد استصحاب الطهارة في الملاقي لعدم القطع بقدح العارض فيها و استصحاب الحرمة السابقة على العقد فيما نحن فيه الى أن يتحقّق كون ذلك العارض قادحا أو لا من دون نحكم بصحّته من تلك الحيثيّة و لا بطلان و ان نحكم بعد زوال الاشتباه و انكشاف أنّ المنكوحة أجنبية بصحة ذلك العقد سواء قلنا بنجاسة الملاقي أو كونهنّ في حكم المحارم أم لا.

اللّهمّ إلّا أن يلتزم القائل بنجاسة الملاقي استصحاب النجاسة فيه بعد انكشاف ملاقاته للطاهر و هو بعيد جدّا.

ثم اعلم: أنّ هنا صورا أربعا:

لأنّ العقد إمّا أن يكون سابقا على العلم بالاختلاط أو لا، و الثاني إمّا أن يكون

____________

(1) جامع المقاصد 12: 199.

33

العاقد جاهلا بوجوب الاجتناب أو لا، و الثاني إمّا أن يكون مستحضرا للحكم عند الإيقاع أو لا، فان قلنا بأنّ النهي في المعاملات ممّا يقتضي الفساد، فلا مناص في الصورة الثالثة عن الحكم بالفساد، و امّا الأولى فالأظهر فيها الصحة لعدم توجّه النهى عند الإيقاع و أمّا مع عدم الحكم بالاقتضاء الفساد ففي الثالثة إشكال من جهة أخرى و هي انّه هل يشترط في صحة العقد اعتقاد كون المتعلق مما يقبل التأثير أم لا كما لو باع التركة مع الشكّ في موت المورّث أو ما في الزق مع الشكّ في كونه خلًّا أو خمرا؟ وجهان: أظهرهما الثاني، لعموم الأمر بالوفاء بالعقد (1) و ليس ذلك من التعليق في الإنشاء بل هو تنجيز بمعنى بعتكه على تقدير أنّه لي أو انّه خلّ لا إن كان خلًّا بعتكه، و حينئذ فلو تبيّن سبق الموت و كون المبيع خلًّا، حكم بصحة العقد.

و كيف كان: فحيثما حكمنا فيما نحن فيه بعدم بطلان العقد و كونه موقوفا على حصول الكاشف فلو عصى فأولدها لم يقطع على كون الولد لغيّة و إن علم الواطى الحكم، لعدم العلم بالزنا و لا لرشدة لأنّ الشبهة كونه ظانّا للحلّ لا مجرّد كونه غير عالم بما هو الواقع و حينئذ فلا يبعد الإقراع بينهنّ (2) فإن أخرجت القرعة كون الولد لرشدة جرت عليه أحكام النسب من الولاية و النفقة و التوارث و غيرها بل لا بعد في ثبوت المهر و النفقة لامّه أيضا و إن كنّا نمنعه من وطيها إذ لا يشترط في تحقّق الدخول بالزوجة العلم بكونها زوجة عنده و لا في وجوب النفقة إلّا انتفاء موانع التمكين من قبلها.

و لو (3) أرضعت زوجة له أو لأبيه من لبنه قبل القرعة، لم تحرم الراضعة استصحابا للحقوق و الحلّ مع الشكّ في قدح العارض، و هكذا الحكم في كلّ من شكّ في زوجيّتها إذا

____________

(1) المائدة: 1.

(2) في «ر»: بينهم.

(3) في «ر»: فلو.

34

أرضعت كما لو طلقت فاشتبهت و كذا لو أسلم عن أكثر من أربع فمات قبل الاختيار في وجه و نحو ذلك ثم الأقرب أنّه لا يقام على العاقد و الموطوئة حدّ المحرم و إن سوّينا فيه بين الرضاع و النسب و إن غلب المحرم، و كان المشتبه الأجنبيّة درأ للحد بالشبهة القائمة من الشكّ في المحرمية و احتمال الزوجيّة و احجاما عن التهجم على الدماء كما انّه لا شبهة في استحقاقه العقوبة في الجملة بالإقدام على المنكر، و لكن هل تبلغ حدّ الحدّ بناء على صيرورتهنّ في وجوب الاجتناب كالأجنبيّات، أم يعدّ مجرّد ذلك العقد شبهة دارئة؟ وجهان: أقويهما الثاني و لو قذفهما قاذف لم يكن عليه أكثر من التعزير لوجود الشبهة في الجانب الآخر.

و قد بقي هنا أمران: أحدهما أنّه هل يجوز الإتيان هنا على العدد الذي ليس بمحصور كاستباحتهنّ متعة أو بملك يمين، نظرا إلى أنّ الاشتباه قد نفى الحظر أم لا بدّ من استثناء ما يبقى معه احتمال تجنّب المحذور؟ وجهان: أشبههما الثاني (1) و عليه فلو نكح منهنّ الى أن بقي عدد محصور فهل يمنع حينئذ الجميع أم يستصحب الجواز الى أن تبقى واحدة؟ وجهان أيضا أوجههما الثاني و أحوطهما الأوّل.

و مثله لو مات منهنّ عدد بحيث بقي من في الحيوة محصورا.

و ثانيهما أنّه لا فرق في الملاقي للمشتبهين بين المحصور و غيره، فان جعلنا تحريم الأصول و الفروع بالسراية عمّا هما أصوله و فروعه حرمتا، و إن لم تكونا محصورتين و لا حرج (2)، إذ لا يمتنع أن يكون لكل من زيد و أبيه و جدّيه الف بنت بلا عسر في اجتناب زيد لجميعهنّ قطعا غير أن الأظهر كون التحريم لوقوع الاشتباه في الأصول و الفروع أنفسهما، و لو نقصا عما هما أصوله و فروعه كما لو اشتبهت الأخت في عشر و لخمس منهنّ

____________

(1) ظاهر النظم الأول لأنّ التأكيد بمن الزائدة بعد النفي يعطي أنّه لا محذور في صورة منه أصلا، فما في الشرح من العدول الثاني حادث بعده. (منه عفى عنه)

(2) جواب سؤال مقدر.

35

خمس بنات فحسب كفى في الاشتباه احتمال كون كل من الخمس أبنت أخت و إن لم يقطع على دخول المحرم فيهنّ بالفعل نظير ما لو مات سبع من العشر مثلا و في تجويز النكاح في الخمس الى ان يوجد الخمس الأخر (1) فينفسخن و يحرم نكاحهنّ ما لا يخفى من البعد.

و على هذا الوجه في التحريم فلو بلغ الأصول و الفروع عددا كثيرا فان كان بسبب تعدّد البطون مثل ان تشتبه الأخت في عشر و يلد العشر عشرين و العشرون ثلثين و هكذا فالظاهر تحريم الجميع و ان كانت الكثرة في طبقة واحدة كان يشبه أخوه أو أبوه في عشرين و يلد العشرون ألفين فالظاهر عدم التحريم.

و مورد التشبيه في المظاهرة * * * بمحرم الرضاع ذو مشاجرة

لا خلاف في وقوع الظهار مع التشبيه بالأمّ النسبيّة كما أنّه لا خلاف في عدم وقوعه مع التشبيه بمن لا يحرم مؤبّدا من رضاع أو نسب كأخت الزّوجة.

و انّما اختلفوا في ما عدا ذلك على أقوال:

الف: عدم الانعقاد في غير الأمّ النسبيّة و هو لابن إدريس (2) و المحقق (3) و قوّاه في الإيضاح. (4)

ب: انعقاده في الرّضاعية أيضا نقله في الكفاية. (5)

ج: انعقاده بكلّ محرم نسبيّ فقط اختاره ابن البرّاج. (6)

____________

(1) تجويز النكاح في الخمس الى أن يوجد الخمس الأخر لشيخنا المحقق الشيخ أحمد الأحسائي سمعته منه مشافهة في ليلة جرى الكلام بيننا في هذه المسألة. (منه عفى عنه)

(2) السرائر 2: 709.

(3) ليس في «م»: «و المحقق»، و هو الصحيح، لأنّ فتواه لا يطابق مع ما نسب اليه هنا.

(4) إيضاح الفوائد 3: 410.

(5) كفاية الأحكام: 211.

(6) المهذب 2: 299.

36

د: التعميم في كل محرّم برضاع أو نسب و هو للشيخين (1) و ابن الجنيد (2) و ابن حمزة (3) و اختاره في القواعد (4) و عليه الشهرة في الروضة (5) و الكفاية (6).

ه: التعميم فيما ذكر و في المصاهرة. (7)

احتجوا للأوّل: بصحيح سيف التمار عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يقول لامرأته أنت علىّ كظهر أختي (8) أو عمتي أو خالتي.

قال: فقال إنّما ذكر اللّه الأمّهات و انّ هذا الحرام». (9)

و أجاب العلّامة (قدّس سرّه): بأنّه لا يدلّ على عدم الوقوع بإحدى الدلالات (10) و ردّه ولده بأنّه لو لم يدلّ لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة أو السؤال (11) و الحق انّ سؤال الراوي إن كان عن حلية هذا الظهار و عدمها لما راى من تحريم ما عداه المدلول عليه بقوله عزّ اسمه وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً. (12)

كما فهم العلّامة بقرينة ظاهر الجواب إذ لم يجب (عليه السلام) بأنّه محرّم، فلا تأخير بيان البتة،

____________

(1) المقنعة: 523، النهاية: 524.

(2) نقله عنه العلامة في «المختلف» 7: 405، المسألة 61.

(3) الوسيلة: 334.

(4) قواعد الأحكام 2: 85.

(5) الروضة البهيّة 6: 126.

(6) كفاية الأحكام: 211.

(7) المختلف 7: 405.

(8) في «خ، س»: أمّي.

(9) الوسائل 15: 511، باب 4 من أبواب الظهار، ح 3.

(10) المختلف 7: 404.

(11) إيضاح الفوائد 3: 409.

(12) المجادلة: 2.

37

و إن كان عن وقوع الظّهار و عدمه كما فهم الفخر، التفاتا إلى ما هو الأغلب في العادة فلا بدّ من جعل قوله (عليه السلام): «و انّ هذا لحرام» كلاما مستقلا، و ما قبله دالّا على عدم الوقوع بالالتزام.

حجة الثاني: عموم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، و فيه انّ التحريم بالظهار سببه التشبيه بالنسب لا نفس النسب.

و يمكن الجواب بأخذ من فيه تعليلية نظير مِمّٰا خَطِيئٰاتِهِمْ أُغْرِقُوا (1)، اى بحرم بسبب الرضاع ما يحرم بسبب النسب، و التحريم في الظهار (2) بسبب النسب ثابت في الجملة إجماعا غير أنّ ذلك معنى مجازي لا يصار اليه الّا عن قرينة.

حجّة الثالث: أمّا على التعميم في النسب: فصحيحة جميل بن درّاج عن الصادق (عليه السلام) قال: «قلت له: الرّجل يقول لامرأته أنت علىّ كظهر عمّتي أو خالتي.

قال: هو الظهار». (3)

و بضميمة الإجماع على عدم الفرق في النسبيّات يتمّ المطلوب. و امّا (4) على نفى ما عداه من المحارم فكون الرّضاع و المصاهرة طارئان متجددان، إذ كانت الاستباحة بالعقد ممكنة سابقا فالتشبيه بهما أعم من التشبيه بالحالة الحاضرة أو السابقة عليها.

و يمكن التعليق له بصحيح سيف السابق (5) أيضا بادّعاء الملازمة بين تحريم الظهار نفسه و بين وقوعه نظرا الى كونه عند عدم التأثير لغوا فيكون كظهار الأجنبية و فيه منع عدم التحريم و لو كان لغوا بشاهد تحريم طلاق الحائض و النفساء مع كونه لغوا إجماعا.

____________

(1) نوح: 25.

(2) في «س»: الرضاع.

(3) الوسائل 15: 511، باب 4 من أبواب الظهار، ح 2، و فيه: «عمّته أو خالته».

(4) في «س»: و لنا.

(5) الوسائل 15: 511، باب 4 من أبواب الظهار، ح 3.

38

نعم هنا وجه أخر و هو أن يكون هذا في الصّحيح إشارة إلى القسم الذي يحرم بالتشبيه بما ذكره الراوي من المحارم بعد أن يفرض كون السؤال عن الوقوع أيضا.

حجّة الرابع: العموم المتقدّم و قد عرفت ما فيه، و خصوص صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام): «سألته عن الظهار فقال: هو من كلّ ذي محرم أمّا أو اختار أو عمّة أو خالة. الحديث» (1)، و اعترض بانّ المنساق (2) من المحرم إنّما هو الفرد الشائع أعنى النسبي، و يؤيّده التفسير بالأم و الأخت و العمة و الخالة مع كونها حقيقة فيه مجازا في الرّضاع.

و فيه انّ قوله (عليه السلام): «كلّ ذي محرم» عام و الذي يحمل على الإفراد الشائعة انّما هو المطلق و أمّا التفسير فان قلنا بكون العام مجازا في الباقي لم يتعيّن التخصيص هنا إذ لا بدّ من كون القرينة صارفة فلا يكفى كونها صالحة لذلك، و أمّا إذا لم نقل بالمجازية أمكن أن يقال بترجيح كونه مخصّصا لأن التأسيس خير من التوكيد.

فان قلت: انّ التأسيس ممكن من وجه أخر أيضا و هو حمل الامّ و من (3) بعدها على ما يشتمل الرّضاعية من باب عموم المجاز ليتطابق (4) المفسر و المفسر و تلك قرينة المجاز فيدور الأمر حينئذ بين كون التخصيص أرجح أو المجاز، قلت: لا معنى لما ذكرت إلّا تقوية العموم السّابق و التنصيص على عدم التخصيص منه و هو معنى التوكيد، و لو كان كلّ ما يراد منه معنى تأسيسا لزم أن لا يعدّ في التوكيد إلّا اللّغو (5) من الكلام.

لكن الحقّ أنّ التخصيص لا معنى له أعمّ من ان يقال بكون العامّ حقيقة في الباقي أو

____________

(1) «من أمّ أو أخت»، الوسائل 15: 511، باب 4 من أبواب الظهار، ح 1.

(2) المساق (م).

(3) في «س»: ما.

(4) في «ر»: ليطابق.

(5) في «س»: لغو الكلام.

39

مجازا إذ ليس المحرم النسبي منحصرا في الأربعة المذكورة، و لا قائل بقصر الحكم عليهنّ و انّما ذكرت على سبيل المثال، نعم يبقى المطالبة حينئذ بدليل التخصيص بالمحرم النسبي و الرّضاعي دون محرم المصاهرة.

و حجّة الخامس: ما ذكر في الرّابع و قد علمت أنّ الصحيح له انهض، و أمّا العموم فلا يتمّ له إلّا بعد ملاحظة أنّ التحريم تحريم من النسب أيضا، لأنّ أمّ الزوجة إنّما تحرم لكونها امّا لها من النسب، نظير اندراج تحريم زوجة كلّ من الفحل و الطّفل على الأخر بذلك العموم نفسه (1) كما سيأتي إن شاء اللّه.

فقد تبيّن من ذلك انّ التشبيه بالمحارم النسبيّة ممّا ينبغي القطع على وقوع الظهار به لنهوض الصحيحين (2) بل الثلاث (3) له و اعتضادها بالشّهرة و امّا من عداهنّ فالرجحان لدليل الخامس غير انّ الشهرة مع الرابع.

و الشكّ في كلّ من الشروط * * * محقّق للشك في المشروط

الشك امّا أن يقع في شرطية فينفى الى أن ينهض الدّليل على الثبوت كما تنفى السببيّة و المانعيّة لأنّ الأصل في كلّ شيء عدمه حتى يثبت و امّا في وجود ذلك الشرط و حصوله بعد ثبوت كونه شرطا و هو المقصود بالبحث هنا.

فنقول: لمّا كان الشرط مما يلزم من عدمه عدم المشروط و إلّا فليس بشرط، كان الشك في وجوده محقّقا للشك في وجود مشروطه، فلو شككنا في اتحاد الفحل أو في الأنوثة، كما لو ارتضع من الخنثى المشكل، أو في صحّة النكاح المستند (4) إليه الرضاع، أو في بلوغ

____________

(1) في «ر»: لنفسه.

(2) و هي صحيحتي: سيف التمار و جميل بن دراج و صحيحة زرارة المتقدمة، ص 36- 37- 38.

(3) في «س»: الثلاثة.

(4) في «ر»: المستدل.

40

النصاب، كأن يشك في تمام العدد أو كمال رضعة أو رضعات من النصاب، أو كمال الفاصلة أو اتحاد المرضعة، فقد وقع التعارض بين استصحاب حال الحلّ و استصحاب حال الحرمة، فإنّ السابق على الرضاع إمكان استباحتها بالعقد، و على العقد المنع من وطيها، فينتفى الأمران بانتفاء سببهما بعد التساقط، و تثبت الإباحة الأصلية. إذ لا يعقل ارتفاع النقيضين، و هذا يرجع بالآخرة إلى نفى المشروط بالشك في الشرط، لأنّ بقاء الحلّ مشروط باختلاف الفحل و الذكورة، و القصور عن النصاب و حصول التحريم مشروط بضدّ ذلك كلّه، فيتقابل الشك في شرطي الحلّ و الحرمة، ثم يسرى ذلك الى الشك في مشروطيهما، و نعني بالحلّ المستصحب ما جاء به عموم الكتاب و السنّة من الاذن مثل فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ (1)، وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ (2) و نظائرهما، فيعتضد بأصل الإباحة، لأنّها الأصل في المنافع و بأصل البراءة، لأنّ التحريم حكم شرعي فلا بدّ في الشغل من الدليل، و ان شئت أضفت إليهما، استصحاب حال الإجماع، لثبوت الحلّ قبل الرضاع فيستصحب الى موضع النزاع، مضافا إلى ذلك كله، ما حكى المحقق الثاني من عدم الخلاف في أنّ لبن الخنثى لا ينشر (3) و لو شككنا في وقوع الرضاع في الحولين زاد عمّا ذكر استصحاب (4) بقاء المدّة.

فيسقط بإحدى الثلاثة العاضدة، و يبقى اثنان، مع أنّ المدّة معلوم تاريخها فيحكم بكون المجهول هو المتأخر، لأنّ تقدّمه يقتضي تحقّقه في أزمنة تزيد على أزمنة تأخره، و الأصل عدم تلك الزيادة.

____________

(1) النساء: 3.

(2) النور: 32.

(3) جامع المقاصد 12: 202.

(4) في «س»: استصحابا.

41

و حينئذ فإن كان الشك في مجموع النصاب، و أنّه هل وقع في الحولين أم لا؟ فواضح، و ان كان الشك في خروج بعضه فحسب.

استدلّ على تأخر ذلك البعض بأصالة تأخر الحادث، لأنّ البعض هو المجهول تاريخه، و قد ترجّح الإباحة في الجميع بقوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (1) بعد قوله سبحانه وَ أُمَّهٰاتُكُمُ اللّٰاتِي أَرْضَعْنَكُمْ (2) فإنّ المراد من «ارضعتكم» الرضاع الجامع لشرائط التحريم و منها كونه في الحولين، و بعد تقابل الأصلين، لا يحكم بالاستجماع، و قد يرجح التحريم بانّ الناقل يقدّم (3) على المقرر، إذا تعارضا، لأنّ التأسيس خير، و بأنّه إذا اجتمع الحرام و الحلال غلب الحرام و بأنّ فيه دفعا للضّرر المظنون.

و الجواب: امّا عن الأوّل فبأنّ الناقل إنّما يرجّح في النصوص، لأنّ الحكم المقرّر معلوم بالعقل، بخلاف الناقل، و في الكلام لما فيه من الزيادة على التوكيد، كما يحمل الثاني في «رأيت رجلا رجلا» على المبالغة، و محصّل الأمر في المقامين أنّ بيان ما يجهله المخاطب اولى بالحكمة و ذلك في الأصلين غير ظاهر.

و امّا عن الثاني: فبأنّ التغليب لما ثبت تحريمه شرعا مثل المحظور المشتبه في محصور، و دعوى ثبوت التحريم فيما نحن فيه مع وجود المعارض، مصادرة على المطلوب.

و أمّا عن الثالث: فبأنّ الضرر إنما يكون في جانب الحرمة مظنونا، لو لم يوجد المعارض، أمّا معه فموهوم أو مشكوك، و في الموثق، عن أبي يحيى الخياط: «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أنّ ابني و أبنت أخي في حجري و أردت أن أزوّجها إيّاه. فقال

____________

(1) سورة النساء، الآية 24.

(2) النساء: 23.

(3) في «س، م»: يرجّح.

42

بعض أهلي: إنّا قد أرضعناهما. قال: فقال: كم؟ قلت: ما أدرى. قال: فارادني على أن أوقت. قال: قلت: ما أدرى. قال: فقال: زوّجه» (1)

و كلّما ينشر حظرا سابقا * * * ينشره بلا خلاف لا حقا

ما يمنع الناكح، إمّا ان يمنع سابقا على العقد فقط كإيقاب أخ المرأة أو ابنها أو أبيها، و امّا ان يمنع لا حقا فقط، كقذف الخرساء و الصمّاء، و كالإفضاء قبل التسع على رأى، و امّا ان يمنع سابقا و لا حقا كالكفر، فيمنع الكافر من المسلمة ابتداء، و لو ارتدّ المسلم، فان كان قبل الدخول أو عن فطرة (2) بطل النكاح حالًّا و إلّا وقف على انقضاء العدّة، و الرضاع من هذا القبيل. بلا خلاف كما حكى المحقق الثاني (3) و غيره (4)، فلو أرضعت أمّه أو أخته أو بنته أو غيرهنّ، ممّن لا يحلّ له النكاح في ولدها أو ولد صاحب اللّبن، صغيرة، فان كان الرضاع قبل النكاح امتنع العقد له عليها و إن كان بعده انفسخ و لم يسغ تجديده (5)

نشو الرضاع ان الى الوطي استند * * * وطيا به يمكن إلحاق الولد

قد علمت أنّ انتشار حرمة النكاح و حلّ النظر عن الرضاع إنّما يكون مع إحراز الشرط (6) و هو أمور.

منها استناده الى الوطئ الممكن معه إلحاق الولد شرعا، فكان هنا مقامان:

المقام الأوّل: كون اللبن عن وطئ و هو إجماع، كما حكى المحقق الثاني (7) و

____________

(1) الكافي 5: 445، ح 8، و فيه: «فأدرأنى».

(2) فطرته (م).

(3) جامع المقاصد 12: 233.

(4) راجع: جواهر الكلام 29: 324، و الحدائق 23: 412.

(5) في «س»: لم يسع تجديده منه.

(6) في «س»: مع جواز الشرط و عدمه.

(7) جامع المقاصد 12: 203.

43

صاحب المسالك (1)، و نعني بذلك كونه قد تكون عن المسيس قبلا أو دبرا، فلو درّ من قبل نفسه لم ينشر إجماعا، و لا فرق في ذلك بين كون اللبن لذات بعل أو أيّم، صغيرة أو كبيرة، و منه ما لو أرضع الرّجل بلبن نفسه لصدق الدرور، و عدم الاستناد إلى الوطئ، فلا ينشر بلا خلاف، كما حكى المحقق الثاني (2) أيضا، و يدلّ على ذلك ما سنذكره في اشتراط الانفصال من الاخبار.

و خرج أيضا باشتراط كون اللبن عن وطئ ما لو حملت عن مساحقة من سبقت بالمواقعة، أو عن اجتذاب النطفة من ثوب و نحوه، كما قد روى وقوعه في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام). (3)

و أعلم أنّه لا يشترط في الوطئ غيبوبة الحشفة كما يشترط في كفارة (4) الحيض و وجوب العدّة و صيرورة البكر ممّن يعتبر نطقها في النكاح و التمكّن من الرجعة في العدّة و شبه ذلك، بل يكفى هنا مجرّد المباشرة، و لو في خارج الفرج من دون ان يلتقي الختانان، فربما حملت البكر قبل الافتضاض، كما شوهد في عصرنا.

المقام الثاني: إمكان الإلحاق و هو في الوطئ الصحيح، أعنى ما سوى الزنى الصريح، فدخل ما كان عن نكاح دائم أو متعة أو ملك يمين أو تحليل أو غصب أو شبهة أو عكسها، فالشبهة وطئ لم يملك و لم يقترن به علم تحريمه، فيدخل وطئ الصبيّ و السكران و المجنون و شبه ذلك، و العكس كونه مملوكا و لم يقترن به علم تحليله، و ما ذكر من تسوية الشبهة بغيرها من أقسام الصحيح هو المعروف بين الأصحاب حتى لا نعلم قاطعاً منهم على

____________

(1) المسالك 7: 207.

(2) جامع المقاصد 12: 203.

(3) الوسائل 18: 426- 427، باب 3 من أبواب السحق، ح 1- 2- 3.

(4) في «م»: كفارات.

44

الخلاف، و ذلك لمساواتها له في سائر الأحكام، و لعموم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». (1)

و قد وقع لابن إدريس فيه نوع اضطراب، فحكم: بأنّ لبن الشبهة لا ينشر حرمة، معللا: «بأنّ الأصحاب لا يفصلون بينه و بين الفاسد إلّا في إلحاق الولد و رفع الحدّ فحسب».

ثم بعد ذلك قوى التحريم، ثم قال: «لي في ذلك نظر و تأمّل». (2)

و لعلّ الجنوح إلى عدم النشر فيه تمسّكا بالإباحة الأصليّة، و ما ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن لبن الفحل، فقال: هو ما أرضعت امرأتك من لبنك و لبن ولدك ولد امرأة أخرى» (3) و في صحيحة العجلّي: «كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من جارية أو غلام، فذلك الرضاع الذي قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» (4)، و سيأتيان قريبا إن شاء اللّه.

و جوابه: أنّ التمسّك بالأصل إنّما يصحّ فيما لا نعلم اندراجه في عمومات الرضاع، و لا شبهة في انعقاد النسب بها، فتندرج في عموم ما يحرم منه، و الأخذ بظاهر الإضافة في الصحيحين يستدعي خروج التحليل و الملك بل المنقطع أيضا و هو خلاف الإجماع، فلا بدّ من الاكتفاء بأدنى ملابسة، مثل شهادة اللّه، و كوكب الخرقاء.

و أمّا ما نسب إلى الأصحاب: من عدم الفصل بينها و بين الفاسد إلّا في إلحاق الولد و

____________

(1) الوسائل 14: 280، باب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الأحاديث 1- 10.

(2) السرائر 2: 552.

(3) الوسائل 14: 294، باب 6 من أبواب «ما يحرم بالرضاع»، ح 4.

(4) الوسائل 14: 293، باب 6 من أبواب «ما يحرم بالرضاع»، ح 1.

45

رفع الحدّ. فممنوع عليه بل لم يفصلوا بينهما و بين الصحيح إلّا ما ذهب قوم (1) من أنّ وطئ كلّ من الأمّ و البنت لشبهة لا ينشر الحرمة، فالترجيح لما عليه الجمهور، و ان كان الوقوف عند الشبهة أرجح.

ثم إنّ الشبهة ان عمّت من الطرفين فذاك، و إلّا فالنشر في حقّ من وقع به الإلحاق، أعنى المتّصف بالاشتباه من المتناكحين، و كذا القول في العضب، فلو عضب الرجل المرأة أو بالعكس الحق بالمعضوب منهما، و كان له اللبن، و لو عضبهما ثالث، كان الإلحاق بهما معا و اعلم: أنّ في تقييد الوطئ بإمكان الإلحاق، تنبيها على أنّ لبن البهيمة لا ينشر، و هو ممّا لا خلاف فيه عندنا، كما حكى المحقق الثاني (2) و صاحب المسالك (3).

و من خرافات العامّة ما حكى عن مالك (4): أنّ لبن البهيمة يتعلّق به التحريم بين

____________

(1) راجع الى الشرائع 2: 289، السرائر 2: 552.

(2) جامع المقاصد 12: 201- 202.

(3) المسالك 7: 209.

(4) و لقد حكى عنه المحقق الثاني في جامع المقاصد 12: 201- 202 بقوله:

«و عن مالك: أنّ لبن البهيمة يتعلّق به التحريم، و ذهب بعض الشافعية إلى تعلق التحريم بلبن الرجل».

و قد راجعنا الكتب الّتي يذكر فتاوى مالك فلم نجد ما نسب اليه المحقق الثاني. ففي المدونة الكبرى 2: 415: «قلت: أ رأيت لو انّ صبيين غذيا بلبن بهيمة من البهائم أ يكونان أخوين في قول مالك؟

قال: ما سمعت من مالك فيه شيئا، و لكنّي أرى أن لا تكون الحرمة في الرضاع إلّا في بنات آدم».

و قال الشيخ في الخلاف 5: 103، المسألة 71: إذ ارتضع مولود من لبن بهيمة شاة أو بقرة أو غيرهما، لم يتعلّق به تحريم بحال، و به قال جميع الفقهاء، و ذهب بعض السلف إلى أنّه يتعلق به التحريم فيصيران أخوين من الرضاعة، و ربما حكى ذلك عن مالك، و الصحيح، أنّه غيره بعض السلف».

و في كتاب الحاوي الكبير في شرح مختصر المزني 11: 375، يقول: «قال الشافعي: و لا يحرم لبن البهيمة إنّما يحرم لبن الآدميات.، قال الماوردي: إذا ارتضع رجلان من لبن بهيمة لم يصيرا أخوين، و لم يتعلق بلبنها تحريم، و قال بعض السلف، و أضيف ذلك الى مالك،- و قد أنكره أصحابه- انّ لبن البهيمة يحرم و يصيرا بلبنها أخوين استدلالا باجتماعهما على لبن واحد،

فوجب أن يصيرا به أخوين كلبن الادميّات».

46

المرتضعين منها، و عليه فلو اغتذى بلبنها حرم عليه أكلها، لأنّها أمّه. (1)

و لا يشترط في النشر إذن المولى في الإرضاع، و إن عصت الأمة بإتلاف ماله و لا الزوج و إن استلزم إرضاع الزوجة تعطيل بعض حقوقه لإطلاق النصوص و عدم التلازم بين التحريم عليهما و التحريم به.

مع الوقوع في حياة المرضعة * * * و وضع حمل لنصوص أربعة (2)

[شرائط الرضاع]

من شرائط الرضاع حياة المرضعة و وضع حملها،

فهنا مسألتان:

الأولى: الحياة، فلو أكمل الرضاع بعد وفاتها

لم ينشر حرمة على المشهور، كما في المسالك (3) و الكفاية (4) و غيرهما (5)، بل حكى العلامة (6) و الصيمري (7) الاتفاق

____________

(1) و في لفظة «أمّه» لطيفة إيهام، لا يخفى. (منه).

(2) أنكر بعض العلماء- و أظنّه المحقّق- وجود النصّ على اشتراط الوضع، و قال آخر،- و أظنّه المحقق الثاني- «كذلك في بالي الان» أنّ هنا رواية واحدة ضعيفة، لكن لا معارض لها، فيتعيّن العمل بها، فكذلك نبّه الناظم في أصل النظم على أنّه ثمّة نصوصا أربعة. (منه)

(3) المسالك 7: 233.

(4) كفاية الأحكام: 159.

(5) الجواهر 29: 295، الرسالة الرضاعية للمحقق الداماد: 107.

(6) التذكرة 2: 615، السطور 7 و 8 طبع القديم.

(7) تلخيص الخلاف 3: 112، المسألة 13: «قال الشيخ: لبن الميتة لا ينشر الحرمة و لو ارتضع أكثر الرضعات حال الحياة و تمامها بعد الوفاة لم ينشر الحرمة، و به قال الشافعي و قال مالك و أبو حنيفة و أصحابه: لبنها بعد وفاتها كلبنها في حياتها. و المعتمد قول الشيخ». و أنت ترى لا يوجد ادعاء الاتفاق منه على شيء

47

عليه، و مستندهم في ذلك ورود أكثر ما جاء في هذا الباب بلفظ الإرضاع و المنساق منه الاختيار، فلا يصدق بعد موتها مع أصل البراءة، و عموم قوله تعالى وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (1) و نحوه.

و ورود بعضها بغير لفظ الإرضاع كما في أَخَوٰاتُكُمْ مِنَ الرَّضٰاعَةِ (2) و «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (3) غير ضائر، لكونه مطلقا، فيحمل على الفرد الشائع، و إنّما لم نقل أنّه يحمل على المقيّد لعدم التنافي.

امّا وقوع النشر بالارتضاع من ثدي النائمة و نحوها ممّا لا يدخل تحت الإرضاع، فإن صدق عليه الشياع، ليدخل في الإفراد المعهودة، و الّا كفانا الإجماع، و إنّما لم ينبّه على الرضيع و إن كان مساويا في اشتراط الحياة للمرضعة، لأنّ الكلام في شرائط الرّضاع، و الظئر الميتة يصدق الارتضاع منها بخلاف الطفل الميّت، إذ لا يعقل فيه إرضاع و لا ارتضاع البتّة.

الثانية: الوضع، فلا نشر في لبن الحامل إن لم يكن عن ولادة سابقة

، على ذلك الحمل، وفاقا للتحرير (4) و النهاية (5) و حكى عن السرائر (6) و الخلاف (7) و الغنية (8)،

____________

(1) النساء: 24.

(2) النساء: 23.

(3) الوسائل 14: 280- 282.

(4) التحرير 2: 9، السطر 2.

(5) النهاية: 461.

(6) السرائر 2: 520.

(7) الخلاف 5: 108، المسألة 22 من كتاب الرضاع.

(8) الغنية: 336.

48

مدعين عليه الإجماع. و يدلّ عليه مضافا الى الأصل، قوله في صحيحة ابن سنان السابقة:

« [هو] ما أرضعت امرأتك من لبنك و لبن ولدك» (1) و في حسنة له أيضا: «ما أرضعت من لبن ولدك» (2) و موثقة يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة درّ لبنها من غير ولادة فأرضعت جارية و غلاما بذلك اللبن هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع؟ قال: لا». (3)

و رواية يعقوب بن شعيب: «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): امرأة درّ لبنها من غير ولادة، فأرضعت ذكرانا و أناثا، أ يحرم من ذلك ما يحرم من الرضاع؟ فقال لي:

لا». (4)

و عليه: فلو أرضعت الحامل ذكرا و أنثى لم يحرم الذّكر على المرضعة و لا الرّضيعة، و لو أرضعت بعض النصاب في الحمل و بعضه بعد الوضع، لم ينتشر الحرمة، و ان كان اللبن لفحل واحد، و عن المحقّق (5) و الشيخ في موضع من المبسوط (6) الاكتفاء بالحمل، و به قطع في القواعد (7)، و اختاره في المسالك (8) و الكفاية (9)، و لعلّ ذلك للتمسّك بإطلاق ما جاء في الرضاع، استضعافا لدلالة ما جاء في الاشتراط، لإمكان حمل الولد في الروايتين

____________

(1) الوسائل 14: 294، ح 4.

(2) الكافي 5: 440، ح 3.

(3) الكافي 5: 446، ح 12.

(4) الوسائل 14: 302، باب 10 من أبواب الرضاع، ح 2.

(5) الشرائع 2: 282.

(6) المبسوط 5: 308.

(7) قواعد الأحكام 2: 9، السطر الأخير.

(8) المسالك 7: 209.

(9) كفاية الأحكام: 158، السطر 30.

49

الأوليين و الولادة في الأخيرتين على ما يعمّ الحمل، أو ردّ الأخيرتين على ما يعمّ الحمل، أو ردّ الأخيرتين بضعف السند بالمعنى الأعم.

و الجواب: أمّا عن التعلق بالعموم، فلأنّ المطلق إنّما يحمل على المتعارف المعهود، و الرضاع في الحمل ليس بمعهود و لا متعارف، و منه يعرف صحّة ما قدّمناه من التمسك بالأصل. و أمّا عن تأويل المخصص، فبأنّه لا بدّ في الانصراف عن المعنى الحقيقي من وجود القرينة أو الدليل. و أمّا عن السّند فلو سلّم كون الموثّق من الضعيف فما فوق ما سمعت من الإجماع من مرجّح.

[وحدة الفحل لنشر الحرمة بالرضاع]

و وحدة الفحل بلا نزاع * * * للأصل و الاخبار و الإجماع

ممّا تفردت به الإماميّة اشتراط أن يتّحد الفحل في الرضاع و إجماعهم عليه محصّل و منقول عن التذكرة (1) و السرائر (2) و حكاه المحقق الثاني (3) و التقي المجلسي (4) و غيرهما، فاللبن مع عدم اتحاد الفحل عندهم ممّا لا حكم له، كلبن البهيمة، و الذي يدرّ بنفسه أو يرتضع بعد الحولين و شبه ذلك، و لا خلاف إلّا ما يحكى عن مجمع البيان (5) من عدم

____________

(1) التذكرة 2: 621، السطر 25.

حيث قال: «يشترط في الرضاع المحرّم أن يكون اللبن لفحل واحد عند علمائنا أجمع».

(2) السرائر 2: 553.

(3) جامع المقاصد 12: 223.

(4) الرسالة الرضاعية للمحقق المجلسي الأوّل، نسخة المخطوطة، الصفحة 70، الرقم 4995، مكتبة العلامة الفقيد آية اللّه مرعشى. حيث يقول بالفارسية ما ترجمته: «و العجب من الشيخ الطبرسي، حيث غفل عن كل ذلك، إلّا ان نحمل كلامه بأنّه كان في صدد بيان دلالة الآية،. و يدلّ على ذلك إجماع الأصحاب، فعلى هذا قول الطبرسي لا اعتبار به».

(5) مجمع البيان 2: 28، السطر 25 (الثانية).

50

الاشتراط، و عبارته ليست ظاهرة في ذلك (1)، و يقين الوفاق لا ينفى باحتمال الخلاف، لنا أمور:

الأوّل: التمسك بالأصل لعدم الدليل على الاقتناع بالأخوة من الأمّ كما ستعرف، و تقرير الأصل من وجوه:

أ)- أنّ الأصل في المنافع عدم الحظر، إلّا ان يعلم من الشرع، و هو المسمّى بالإباحة الأصليّة.

ب)- أصل عدم اشتغال الذمّة إلى ان تقوم عليه الحجّة و هو المسمى بالبراءة الأصلية.

ج)- أصل الإباحة المستفاد من خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (2) و نحوه.

د)- أصل البراءة المستفاد من: «لا تكليف إلّا بعد البيان» (3) و «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» (4) و شبه ذلك.

ه)- أنّ الحلّ قبل الرضاع إجماع فيستصحب حكمه إلى محلّ النزاع.

و)- القاعدة المحصّلة من عموم الكتاب، مثل فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ (5) و

____________

(1) في عبارة مجمع البيان طول، و الذي يظهر منه ان كلامه بين رضاع و نسب، لا بين رضاعين، فليدقق النظر في كلامه، لأنّه في بادى النظر يوهم ما نقله الجماعة عنه كالشهيدين و غيرهما (منه).

(2) البقرة: 29.

(3) لم نعثر عليه في الكتب المعتمدة.

(4) الوسائل 18: 119، ح 28.

(5) النساء: 3.

51

وَ أَنْكِحُوا الْأَيٰامىٰ مِنْكُمْ (1) و وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ (2) و نحو ذلك.

ز)- استصحاب النكاح عند تعقّبه بالرّضاع و استصحاب حقوق الزوجيّة من الطرفين فيثبت الحلّ قبل النكاح أيضا، إذ لا قائل بالفصل.

الثاني: الإجماع المتقدم ذكره. (3)

الثالث: تضافر الأخبار عن العترة الطاهرة (عليهم السلام). من ذلك صحيحة عبد اللّه بن سنان و حسنته: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن لبن الفحل، قال: هو ما أرضعت امرأتك من لبنك و لبن ولدك ولد امرأة أخرى فهو حرام». غير أنّها في الحسن بإسقاط «من لبنك» (4).

و صحيحة بريد العجلّي و حسنته أيضا عن الباقر (عليه السلام)، قال: «قلت: أ رأيت قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فسّر لي ذلك. فقال: كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أخرى من جارية أو غلام فذلك الرضاع الذي قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحدا بعد واحد من جارية أو غلام فإنّ ذلك رضاع ليس بالرضاع الذي قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». (5)

و صحيحة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يرضع من امرأة و هو غلام فهل يحلّ له أن يتزوج أختها لأمّها من الرضاعة؟ فقال: إن كانت المرأتان رضعتا من امرأة واحدة من لبن فحل واحد، فلا يحل؟ و إن كانت المرأتان رضعتا

____________

(1) النور: 32.

(2) النساء: 24.

(3) تقدم ادعاء الإجماع في ص 49.

(4) الوسائل 14: 294، ح 4.

(5) الكافي 5: 442، ح 9، الوسائل 14: 293، ح 1، بتفاوت يسير.

52

من امرأة واحدة من لبن فحلين، فلا بأس بذلك». (1)

و صحيحة مالك بن عطيّة: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتزوّج المرأة، فتلد منه، ثمّ ترضع من لبنها جارية أ يصلح لولده من غيرها أن يتزوج بتلك الجارية الّتي أرضعتها؟ قال: لا، هي بمنزلة الأخت من الرضاعة، لأنّ اللّبن لفحل واحد». (2)

و في رواية صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن (عليه السلام) بسند صحيح و آخر فيه جهالة:

«قلت: فأرضعت أمّي جارية بلبني. فقال: هي أختك من الرضاعة. قلت: فتحلّ لأخ لي من أمّي لم ترضعها أمّي بلبنه. قال: فالفحل واحد؟ قلت: نعم هو أخي لأبي و أمّي. قال: اللبن للفحل، صار أبوك أبوها، و أمّك أمّها». (3)

و نحوها رواية أخرى له بسند فيه جهالة أيضا. (4)

و موثقة عمار الساباطي: «قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غلام رضع من امرأة أ يحلّ له أن يتزوج أختها لأبيها من الرضاع؟ فقال: لا، فقد رضعا جميعا من لبن فحل واحد من امرأة واحدة. قال: فيتزوج أختها لأمّها من الرضاعة؟ قال:

فقال: لا بأس بذلك، إنّ أختها الّتي لم ترضعه كان فحلها غير فحل الّتي أرضعت الغلام، فاختلفت الفحلان فلا بأس». (5)

و رواية البزنطي بسند حسن و آخر ضعيف (6): «قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن

____________

(1) التهذيب 7: 331، ح 31، الاستبصار 3: 201، ح 8.

(2) الفقيه 3: 477، ح 4671.

(3) الكافي 5: 439، ح 7.

(4) الجهالة بسبب رواية الكليني عن محمد بن إسماعيل النيشابوري، و لا توثيق له. راجع معجم الرجال 15: 90.

(5) الوسائل 14: 294، باب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، ح 2.

(6) لعلّ ضعف الحديث يكون من جهة وجود سهل بن زياد في سند الكليني إلى البزنطي. راجع معجم الرجال.