اتحاف الفقهاء في تحقيق مسألة اختلاف القراءات والقرّاء

- الميرزا محسن آل عصفور المزيد...
102 /
1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الغنى الواسع ، والصلاة والسلام على من جعله للكمالات جامع ، وبالرسلاة الخاتمة صادع ، ويوم الحشر نعم شافع ، وفي عالم التكوين خير عابد وطائع ، محمد وآله الذين هم للدين اعلام طلائع ، وللحق روافع ، وللكفر موانع وللبغى والغى مقامع.

وبعد : فيقول الفقير لربه الغنى المجازي محسن بن حسين العصفوري البحراني هذا ما سمحت به الفكرة الشاردة وجادت به القريحة الفاترة والهمة الباردة والعزيمة الخامدة حول مسألة اختلاف القراءات والقراء في فرش لقرآن وقد سميته (اتحاف الفقهاء في تحقيق مسألة اختلاف القراءات والقراء) لما فيه من المطالب التي عزت عن تحقيقها المطولات وشحت عن بسطها المؤلفات وغفلت عن تناولها المصنفات والله عز اسمه اسأل ان يجعله لعبده قليل البضاعة وكثير التفريط والاضاعة ذخراً ليوم الفقر والفاقة انه نعم المولى ونعم الوكيل.

2

القراءة القرآنية في عصر الرسول الاكرم

جاء في حاشية الانوار النعمانية للبحاثة المحقق السيد محمد علي القاضي الطباطبائي ما نصه : قال عمدة الاخيار بين المحدث المتبحر شيخنا الحر العاملي صاحب الوسائل (ره) في رسالة كتبها في رد بعض معاصريه ما هذا لفظه الشريف بالفارسية : ( هر كسي كه تتبع اخبار وتفحص تواريخ وآثار نموده بعلم يقيني ميداند كه قرآن در غايت واعلا درجه تواتر بوده وآلاف صحباه حفظ ونقل مي كردند آن را ودر عهد رسول خدا (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموع ومؤلف بود .. ) (1).

وقال علم الهدى السيد المرتضى في المسائل الطرابلسيات :

ان القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له وانه كان يعرض على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتلى عليه وان جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وابي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة ختمات وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على انه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوث.

وقال البحاثة المتبحر السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي في كتابه اجوبة مسائل جار الله :

ان القرآن عندنا كان مجموعاً على عهد الوحي والنبوة مؤلفاً على ما هو عليه الآن وقد عرضه الصحابة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتلوه عليه من أوله الى آخره وكان جبرئيل (عليه السلام) يعارضه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن في كل عام مرة وقد عارضه به عام وفاته مرتين وهذا كله من الامور الضرورية لدى المحققين من علماء الامايمة ولا عبرة ببعض المجاهدين منهم كما لا عبرة بالحشوية من اهل السنة القائلين بتحريف القرآن والعياذ بالله ... لقوله تعالى ( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ).

____________

(1) الانوار النعمانية ج 2 ص 357 ط تبريز.

3

ومن عرف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حكمته البالغة ونبوته الخاتمة ونصحه لله ولكتابه ولعباده وعرف مبلغ نظره في العواقب الحتياطه على امته في مستقبلها يران من المحال عليه ان يترك القرآن منثوراً مبثوثاً حاشا هممه وعزائمه وحكمه المعجزة من ذلك وقد كان القرآن زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يطلق عليه الكتاب قال الله تعالى : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ).

وهذا يشعر بأنه كان مجموعاً ومكتوباً فان الفاظ القرآن اذا كانت محفوظة ولم تكن مكتوبة لا تسمى كتاباً وانما تسمى بذلك بعد الكتابة كما لا يخفى و ... صرح بهذا امام اهل البحث والتببع الشيخ .. الهندي ... ان القرآن الذي انزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين وهو ما في ايدي الناس ليس باكثر من ذلك وانه كان مجموعاً مؤلفاً في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحفظه ونقله الوف من الصحابة وجماعة من الصحابة كبعد الله بن مسعود وابي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي عدة ختمات (1).

أقول : وقد تظافر نقل ما يشهد بمضمون ذلك من طريق العامة أيضاً فمن ذلك ما افادة ابن سعد في طبقاته الكبرى تحت عنوان (ذكر من جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (2) حيث قال ما لفظه :

اخبرنا محمد بن يزيد الواسطي عن اسماعيل بن ابي خالد عن الشعبي قال جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ستة نفر : أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وابو الدرداء وزيد بن ثابت وسعد وابو زيد قال : وكان مجمّع بن جارية قد جمع القرآن الا سورتين او ثلاثاً وكان ابن مسعود قد أخذ بضعاً وتسعين سورة وتعلم بقية القرآن من مجمّع (3).

____________

(1) اجوبة مسائل جار الله ص 37 ـ 38. ط صيدا مطبعة العرفان.

(2) الطبقات الكبرى ج 2 ص 355.

(3) أقول وفي المجلد السادس ص 52 من الطبقات الكبرى قال ابن سعد عند

4

أخبرنا عبد الله بن نمير ومحمد بن عبيد الطنافسي والفضل بن دكين واسحاق بن يوسف الازرق عن زكرياء بن ابي زائدة واخبرنا محمد بن عبيد عن اسماعيل بن أبي خالد جميعاً عن عامر الشعبي قال : جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ستة رهط من الأنصار معاذ بن جبل وابي بن كعب وزيد بن ثابت وابو الدرداء وابو زيد وسعد بن عبيد قال : قد كان بقى على المجمّع بن جارية سورة أو سورتان حين قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

اخبرنا مسلم بن ابراهيم اخبرنا قرة بن خالد اخبرنا محمد بن سيرين قال : جمع القرآن على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ابي بن كعب وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان ونميم الداري.

اخبرنا مسلم بن ابراهيم اخبرنا قرة بن خالد قال : سمعت قتادة يقول قرأ القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وابو زيد قال : قلت من أبو زيد؟ قال : من عمومة أنس اخبرنا هوذة بن خليفة اخبرنا عوف عن محمد قال : قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمل ولم يجمع القرآن من أصحابه غير اربعة نفر كلهم من الانصار والخامس يختلف فيه والنفر الذين جمعوه من الانصار زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب والذي يختلف فيه تميم الداري.

اخبرنا عفان بن مسلم ، اخبرنا همام عن قتادة قال : قلت لأنس من جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال : أربعة كلهم من الأنصار : أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت ، ورجل من الأنصار : يقال له أبو زيد.

أخبرنا محمد بن عمر ، اخبرنا معمر عن قتاده عن أنس بن مالك قال : اخذ

____________

تعرضه لترجمة مجمع ما لفظه : مجمع بن جارية بن عامر بن مجمع بن العطاف بن ضبيعة بن زيد من بني عمرو بن عوف وهو الذي روى الكوفيون انه جمع القرآن على عهد النبي 9 الاسورة أو سورتين منه وتوفي في خلافة معاوية ابن ابي سفيان انتهى.

5

القرآن أربعة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد ابن ثابت وابو زيد.

أخبرنا أحمدبن محمد الازرقي ، أخبرنا مسلم بن خالد عن عبد الرحيم ابن عمر عن محمد بن كعب القرظي قال : جمع القرآن في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، خمسة من الانصار : معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وابي بن كعب وأبو أيوب وأبو الدرداء.

أخبرنا عارم بن الفضل ، أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد قال : جمع القرآن علىعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة : أبي بن كعب ومعاذ ابن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد. قال : واختلفوا في رجلين ، فقال بعضهم : عثمان وتميم الداري ، وقال بعضهم : عثمان وأبو الدرداء (1).

وروى الذهبي في سير اعلام النبلاء مرسلا عن ثابت البناني وثمامة عن انس انه قال : مات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يجمع القرآن غير اربعة : ابو الدرواء ومعاذ وزيد ابن ثابت وابو زيد (2).

واخرجه البخاري في صحيحه (9 / 47 ـ 48) في فضائل القرآن باب القراء من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وابن عساكر (13 / 370).

ومما رواه ايضاً الذهبي في سيره عن زكريا وابن ابي خالد عن الشعبي قال جمع القرآن على عهد رسول الله ستة وهم من الانصار معاذ وابو الدرداء وزيد وابو زيد وأبي وسعد بن عبيد (3).

واخرجه ابن عساكر (13 / 370) وقد تقدم عن ابن سعد من طريق محمد ابن يزيد الواسطي عن اسماعيل بن ابي خالد عن الشعبي.

____________

(1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 355 ـ 356.

(2) سير اعلام النبلاء ج 2 ص 339 ط بيروت سنة 1405 هـ.

(3) نفس المصدر السابق.

6

وذكر محمد بن اسحق في الفهرست ان الجماع للقرآن على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم علي بن ابي طالب (عليه السلام) وسعد بن عبيد بن النعمان بن عمرو بن زيد وابو الدرداء عويمر بن زيد ومعاذ بن جبل بن اوس وابو زيد ثابت بن زيد ابن النعمان وابي بن كعب بن قيس ملك امرؤ القيس وعبيد بن معاوية وزيد بن ثابت.

وروى الخوارزمي في مناقبه عن علي بن رياح قال : جمع القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن ابي طالب وابي بن كعب.

وكيف كان فالذي نستفيده في الجملة ان القرآن بتمام وكماله كان قد كتب على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبمحضره ومعاينته وتعاهده بكل اتقان وضبط ورعاية وما اشير فيما تقدم فهو من عدد جامعية اما من كتب ابعاضه واجزاءه مستقلة فالأرجح انهم كانوا يعدون بالآلاف وذلك ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في بدء عهد دولته الفتية في المدينة قد جعل فداء اطلاق سراح كل أسير من مشركي قريش تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.

ومما يمكن ان يقطع به ان كل واحد من اولئك المتتلمذين من المسلمين كان قد تولى تدريس وتعليم القراءة والكتابة لجمع آخر من المسلمين وهكذا اما يستفاد من الحث الاكيد والمبالغة الشديدة من قبل شخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الشأن لما له من الاهمية القصوى في ترسيخ جذور مبادئ القرآن واحكامه في نفوس معتنقيه ولما في الامية الشائعة في تلك الحقبة من الخطر العظيم والضرر الجسيم على مستقبل هذه الرسالة الخاتمة والبعثة المحمدية العالمية ولذلك كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يلقى على مسامع أصحابه المقربين ما كان ينزل به جبرئيل اليه نجوما حسب الوقائع والاحداث ثم يتأكد من ضبطهم واتقانهم له فينشر اولئك بعد ذلك ما حفظوه في أوساط الناس قاطبة ممن لم يشهد النزول ساعة الوحي من أهل مكة والمدينة ومن حولهم من الناس فلا يمضي يوم او يمان الاومانزل محفوظ في صدور كثيرين من الصحابة.

7

وكان وجوه الحفظة والقراء يعرضون عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن بين الفينة والاخرى ويختمونه عنده بل كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يمتحن ضبطهم واتقانهم له في اوقات مختلفة ليقف على كثب على مبلغ تعاهدهم وصيانتهم له هذا له هذا كله كان من قبله (صلى الله عليه وآله وسلم) لاضفاء الحصانة الكافية على الرسالة الخاتمة من دسائس ومؤامرات اعدى اعدائه المتمثلين باليهود في تلك الفترة الزمنية فهذا ما يحدثنا به الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ حيث يقول :

روى خارجة بن زيد عن أبيه قال اتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة وقد قرأت سبعة عشر سورة فقرأت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعجبه ذلك وقال : يا زيد تعلم لي كتابة يهود فاني ما آمنهم على كتابي قال : فحذقته في نصف شهر.

واخرج ابن سعد في طبقاته بسنده عن زيد بن ثابت انه قال : قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : انه يأتيني كتب من اناس لا احب ان يقرأها احد فهل تستطيع ان تعلم كتاب العبرانية او قال السريانية؟ فقلت : نعم! قال : فتعلمتها في سبع عشرة ليلة.

وكذا روى بسند آخر عنه انه قال : لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة قال لي : تعلم كتاب اليهود فاني والله ما آمن اليهود على كتابي قال : فتعلمته في أقل من نصف شهر (1).

عوامل اختلاف القراءة القرآنية بعد عصر الرسول الاكرم

هناك عوامل متعددة كان لها الأثر الأكبر في ايجاد الاختلاف بين المسلمين في قراءة القرآن بعد رحيل الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الى الرفيق الأعلى بامكاننا ان نوجزها بالنحو التالي.

(العامل الاول)

انحراف دفة الزعامة والخلاف الاسلامية ورفض

____________

(1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 358 ـ 359.

8

المستولين عليها الأخذ بالقرآن الذي خطه امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) والعمل بما يطابق القراءة التي دونها فيه والتي تلقاها من الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) التي نزل بها جبرئيل من عند الله جل وعلا.

روى الثقة الكليني في الكافي بسنده عن سالم بن سلمة عن الامام الصادق انه قال : فاذا قام القائم (عليه السلام) قرأ كتاب الله عزوجل على حده واخرج المصحف الذي كتبه علي ثم قال (عليه السلام) : أخرجه علي (عليه السلام) الى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم هذا كتاب الله عزوجل كما أنزله الله على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد جمعته من اللوحين فقالوا : هوذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه فقال أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا ابداً انما كان على ان اخبركم حين جمعته لتقرؤوه الحديث (1).

قال الشارح المازندراني : قوله (قد جمعته من اللوحين) اللوح كل صحيفة عريضة خشباً أو كتفاً وقد كانوا في صدر الاسلام يكتبون فيه لقلة القراطيس.

و(من) اما ابتدائية أو بمعنى (في) فعلى الأول كان مكتوباً قبل الجمع فيهما وعلى الثاني جمع فيهما (2) وقال العلامة المجلسي في مرآة العقول بعد نقل قوله (من اللوحين لعله (عليه السلام) في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كتبه على لوحين فجمع منها أو المراد لوح الخاطر ولوح الدفاتر أو المراد اللوح المحفوظ ولوح المحو والاثبات او الارضى والسماوى والله يعلم (3).

وروى علي بن ابراهيم في تفسيره باسناده عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال : ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي (عليه السلام) : يا علي القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة فانطلق علي

____________

(1)الكافي ج 2 باب النوادر رقم الحديث (23).

(2)شرح أصول الكافي للممولى محمد صالح المازندراني ج 11 ص 74 ط طهران.

(3)مرآة العقول في شرح اخبار آل الرسول ج 12 ص 523 ط طهران منشورات مكتبة ولي العصر (ع).

9

فجمعه في ثوب اصفر ثم ختم عليه في بيته وقال : لا ارتدي حتى أجمعه قال : كان الرجل ليأتيه فيخج اليه بغير رداء حتى جمعه قال وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لو ان الناس قرؤا القرآن كما أنزل ما اختلف اثنان.

وقال المحدث الخبير الحبر الثببيل السيد نعمة الله الجزائري في الانوار النعمانية : قد استفاض في الاخبار ان القرآن كما انزل لم يؤلفه الا امير المؤمنين (عليه السلام) بوصية من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فبقى بعد موته ستة اشهر مشتغلا بجمعه فلما جمعه كما انزل أتى به الى المتخلفين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لهم هذا كتاب الله كما أنزل فقال له عمر بن الخطاب لا حاجة بنا اليك ولا الى قرآنك عندنا قرآن كتبه عثمان فقال لهم علي (عليه السلام) لن تروه بعد هذا اليوم ولا يراه احد حتى يظهر ولدي المهدي (عليه السلام) ... (1).

(العامل الثاني)

ما حكاه ابن ابي الحديد في شرح النهج عن الشيخ ابي جعفر الاسكافي في كتابه المسمى بنقض العثمانية في جملة كلام له في الامامة :

و (قد تعلمون ان بعض الملك ربما احدثوا قولا أو ديناً لهوى فيحملون الناس على ذلك حتى لا يعرفوا غيره كنحو ما أخذ الناس الحجاج بن يوسف بقراءة عثمان وترك قراءة ابن مسعود وابي بن كعب وتوعد على ذلك سوى ما صنع هو وجبابرة بني أمية وطغاة بني مروان بولد علي (عليه السلام) وشيعته وانما كان سلطانه نحو عشرين سنة فما سنة مات الحجاج حتى اجتمع أهل العراق على قراءة عثمان ونشأ ابناؤهم ولا يعرفون غيرها لامساك لأباء فعنها وكف المعلمين عن تعليمها حتى لو قرأت قراءة عبد اله وأبى ما عرفوا ولظنوا بتأليفها الاستكراه والاستهجان لألف العادة وطول الجهالة لأنه اذا استولت على الرعية الغلبة وطالت عليهم ايام التسلط وشاعت فيهم المخافة وشملتهم التقية اتفقوا على التخاذل والتساكت فلا تزل الايام تأخذ من بصائرهم وتنقص من ضمائرهم حتى تصير البدعة

____________

(1) الانوار النعمانية ج 2 ص 360 ط تبريز.

10

التي احدثوا غامرة للسنة).

(العامل الثالث)

تعدد اللهجات ولغات القبائل العربية وذوذ بعضها : قال ابن جنى في كتاب الخصائص : (قرأ اعرابي بالمحرم كان أبي حاتم السجستاني (طيبى لهم وحسن مآت) فقال له : طوبى فقال : طيبى فعاد ابو حاتم يصلحها له مرة بعد اخرى قائلا : طوبى فقال الأعرابي طيبى فأصر أبو حاتم على اصلاحها بالواو والاعرابي يمتنع عن نطقها كما هي في القرآن ويستمر على لحنه طي طي فلم يؤثر فيه التلقين ولا ثنى طبعه عن التماس الخفة هزو لا تمرين) (1).

(العامل الرابع)

ما قيل ان أهل مصر ينطقون بالضاد مموجة بالدال المفخمة والطاء المهملة وخالفهم أهل العراق واهل الحجاز فانهم ينطقون بها رخوة شجرية ذات نفس وانتشار كما هو مقتضى مخرجها وهذا الخلاف ثابت على قديم الدهر وقد صنف في ذلك رسائل فالشيخ أبو علي سينا صنف رسالة رجح فها ضاد العراقيين والحجازيين فردّ عليه الشيخ المنصوري في رسالة الفها وكان فيما رد عليه قوله ان النطق بالضاد قريبة من الظاء.

ولا يخفى ما في قوله هذا من مخالفة طريق أهل السنة المتبعة ولعل السر في ذلك على ما قيل ان مصر والشامات لم يقطن فيهما امام معصوم مع اعراض الغالبية العظمى من اهلهما عن اهل بيت العصمة (عليهم السلام) وقد بلغ اسماعهم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)« انا أفصح من نطق بالضاد » فاخترعوا ما خترعوا ويدل على نقض مقولتهم واحدوثتهم تلك وجوه : (الاول) ان الضاد على ما يقولون حرف أشد شديد لانها كانت ممزوجة من شديدين الطاء والدال مع اجماعهم على انها من الحروف الرخوة وقد اعترف ببعضهم بأن ضادهم مخالفة لقواعدهم ولكنهم اخذوها عن مشايخهم.

(الثاني) ان الفقهاء من الفريقين تعرضوا لحكم من يبدل الضاد ظاء لان الصوت فيهما ملتبس فكانت شبيهة بالضاء قال را جزهم :

____________

(1) الخصائص ج 1 ص 77 ـ 78.

11

والضاء والضاد لقرب المخرج * * * قد يؤذنان بالتباس المنهاج

وقال الآخر :

ويكثر التباسه بالضاد * * * الاعلى الجهابذة النقاد

وقال السخاوي ميّز هجاء الضاد عن الظاء.

وقال الجزري :

والضاد باستطالة ومخرج * * * ميّز عن الظاء وكلها تجى

وقال ابن قاسم : اشتهد شبهة له وعسرت التفرقة بينهما واحتيج الى الرياضة التامة.

وقال المقدس : ان اهل مكة ومن والاها من الحجاز ينطقون بالضاد شبيهة بالظاء المعجمة والمخرج المنصوص عليه للضاد الشبيهة بالظاء لا الضاد الطائية وقد جعلت العرب في قوافى الشعر الضاد في مقابلة الظاء وقال الجعفري : والضاد أخو الظاء في كل الحالات في الاستطالة خولف الحرفان وقال الخليل : انها شجرية ولا يتأنى ذلك الا اذا كانت شبيهة بالضاء لان الضاد الطائية لا تمر بشجر الفم اعنى الاضراس بل من سقف الحلق اذا الاستطالة في الضاد الشامية انما هي في العراقية ومعنى الاستطالة انها تمتتد من حافة اللسان الى مخرج اللام من دن أن تضرب بسقف الحلق وقد نمقل شيخنا البهائي فيما نقل عنه ان ابا عمر وابو العلا وهما امامان في اللغة قالا : الضاد والظاء حرف واحد ولا فرق بينهما واقاما على ذلك أدلة وشواهد والغرض التقريب لا المافقة.

(الثالث) ان سيبويه بفيما حكى عنه قال : لولا الاطباق لكانت الطاء دالا واذا افخمت الدال صارتر ضاداً مصرية ومثله ابن الجزري في التمهيد قال : التاء اذا افخمت صارت طاءاً والضاد المصريؤة دالا مفخمة.

(الرابع) من صفات الضاد النفخ والتفشي ولا نفخ ولا تفشي في ضادهم ومعنى التفشي انتشار خروج الريح وانبساطه ومعنى النفخ خروج الريح ولا ريب ان

12

الضاد العراقية يخرج معها ريح منتشر.

(العامل الخامس)

تحكيم القراء المتأخرين عن عصر النبوة اذواقهم واجتهاداتهم واستحساناتهم ولذا قيل : انه كان احدهم اذا برع وتمهّر شرع للناس طريقاً في القراءة لا يرعف الا من قبله بحيث لم يكن معهوداً اصلا كما يشهد به تتبع كتب القراءة وما ابدعوه من الصفات والاداب والوظائف التي يمكن تحصيل القطع بعدم كونه معهودة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصلا وهذا فيما يتعلق بالتهيئة اللفظية لكلمات القرآن الكريم.

(العامل السادس)

خلو المصاحف والخط العربي عموماً من حركات الاعراب والتنقيط في تلك الفترة الزمنية.

(العامل السابع) غلبة الهوى وحب الدنيا على بعض القراء فاتخذوا قراءتهم بضاعة يتجرون بها في قصور الملوك ويرتزقون منها على موائد الخلفاء طمعاً في حطام الحياة ودراهمها ودنانيرها وزخارف الدنيا الفانية يحو كونه مادرت معائشهم ويختترعون ويبدعون فيه من الآداب والسنن والقواعد ما لم ينزل الله عزوجل به من سلطان طمعاً في عطية سنية وجائزة سخية.

واليك مثال واحد وهو شخص الكسائي نسوقه للاستشهاد به على ما ذكرناه والذي يعد أحد الوجوه البارزة من بين القراء السبعة المشهورين الذي صنفهم ابن مجاهد.

قال في شأنه ابو حاتم : « لم يكن لجميع الكوفيين عالم بالقرآن ولا كلام العرب ولولا ان الكسائي دنا من الخلفاء فرفعوا ذكره لم يكن شيئاً وعلمه مختلط بلا حجج ولا علل الاّ حكايات عن الاعراب مطرووحة لأنه كان يلقنهم ما يريد وهو على ذلك اعلم الكوفيين بالعربية والقرآن » (1). وقال الفراء : قدم سيبويه على البرامكة فعزم يحيى بن خالد ان يجمع بينه

____________

(1) مراتب النحويين ص 74.

13

وبين الكسائي وجعل لذلك يوماً فلما حضر تقدمت وابن الأحمر فدخل فاذا بمثال في صدر المجلس فقعد عليه يحيى ووقعد الى جانب المثال جعفر والفضل ومن حضر بحضورهم وحضر سيبويه فأقبل عليه الأحمر فساله عن مسألة فأجابه فيها سيبويه فقال له : أخطأتت ثم سأله عن ثانية وثالثة كل ذلك يقول له اخطأت فقال سيبويه : هذا سوء أدب.

فأقبلت عليه فقلت : ان في هذا الرجل حدة وعجلة ولكن ما تقول فيمن قال (هؤلاء أبون) و (مررت بأبين) كيف تقول على مثال ذلك من (وايت) أو (أويت) فأجاب فأخطأ فقلت له : اعد النظر .. ثلاث مرات تعجيب ولا تصيب (1) « فلما كثر عليه ذلك قال : لست اكلمكما او يحضر صاحبكما حتى اناظره فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال : اتسألني أم أسألك؟ فقال : بل سلني أنت فقال له الكسائي : كيف تقول : قد كنت اظن العقرب أشد لسعة من الزنبور (فاذا هو هي) أو (فاذا هو ياها)؟ فقال سيبويه (فاذا هو هي) ولا يجوز النصب فقال له الكسائي : لحنت. ثم سأله عن مسائل من هذا النوع : (خرجت فاذا عبد الله قائم) بالضم او (قائم) بالفتح؟.

فقال سيوبه في ذلك كله بالرفع دن النصب فقال الكسائي : ليس هذا من كلام العرب ، العرب ترفع في ذلك كله وتنصب فدفع سيبويه قوله فقال يحيى ابن خالد قد اختلفتما وانتما رئيسا بلديكما فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي هذه العرب في بابك قد جمعتهم من كل أوب ووفدت عليك من كل صقع وهم فصحاء الناس وقد قنع بهم أهل المصرين وسمع اهل الكوفة واهل البصرة منهم فيحضرون ويسألون فقال يحيى وجعفر : قد انصفت فأمر باحضارهم فدخلوا.

____________

(1) قال ابن هشام الانصاري بعد شرحه هذه المسالة : وليس هذا مما يخفى على سيبويه ولا على اصاغر الطلبة ولكنه كما قال ابو عثمان المازني : دخلت بغداد فألقيت على مسائل فكنت اجيب فيها على مذهب ويخطئونني على مذاهبهم وهكذا اتفق لسيبويه (رحمة الله (معنى اللبيب مادة اذا).

14

فهم : ابو فقعس وابو دثار وابو الجراح وابو ثروان فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه فتابعوا الكسائي وقالوا بقوله.

فقال سيبويه مرهم لينطقوا بها فان السنتهم لا تقوى عليه فامتنعوا.

ولم ينطقوا بالنصب وانما اكتفوا بقول : القول قول الكسائي.

وقد قيل اذ هؤلاء الاعراب رشوا فوافقوا الكسائي وقيل تملقوه ارضاء اللوزير.

ومما حكى ان الرشيد الخليفة العباسي سأل اليزيدي والكسائي عن قصر (الشراء) ومده فقال الكسائي مقصر لا غير وقال اليزيدي يقصر ويمد فقال الكسائي من اين لك؟ فقال اليزيدي : من المثل السائر : (لا يغتر بالحرة عام هدائها ولا بالامة عام شرائها فقال الكسائي : ما ظننت ان احداً يجهل مث لهذا فقال اليزيدي ما ظننت ان احداً يفتري بين يدي امير المؤمنين مثل هذا الخبر (1).

الى غير ذلك من الحكايات الكثير التي نقلت في بطون كتب الادب اللغة عن أحوال الكسائي ومسائلة التي يطول الاملاء بذكرها وكيف كان فاذا كان هذا شأنه وحاله فكيف يطمئن اليه في أخذ القراءة القرآنية عنه ويجعل احد السبعة التي ينبغي ان يعول عليها ويرتل كلام الله المجيد اناء الليل وأطراف النهار على وفقها وطبقها.

لكن المنصف تكفيه الاشارة والمكابر والمعاند لا يرتدع او يفقه ولو بألف عبارة.

(العمل الثامن)

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه كما صرح به العامة على ما تظاهر من طرقهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من انه قال : ( ان القرآن نزل على سبعة أحرف ) بل في بعضها ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينه أحداً عن الاختلاف في قراءة القرآن وانه قررهم بل صرح بجوازه ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : اقرأني جبرئيل على حرف فراجعته فزادني فلم أزل استريده ويزيدني حتى انتهى الى

____________

(1) المصباح المنير.

15

سبعة أحرف.

عن جامع الاصول لابن الاثير عن البخاري ومسلم ومالك وابي داود النسائي بأسانيدهم عن عمر بن الخطاب قال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستمعت لقراءته فاذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكدت أساوره (1) في الصلاة فتتربصت حتى سلم فلببته بردائه فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأها؟ فقال : أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت : كذبت فان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت : اني سمعت هذا يقرأ سروة الفرقان على حروف لم تقرأنيها!! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : كذلك انزلت ثم قال : اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التي اقرأنيها فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : كذلك انزلت ان هذا القرآن انزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه الحديث (2).

قال ابن الأثير بعد نقل بعد نقل الخبر : أخرجه الجماعة وقال الترمذي : هذا حديث صحيح وروى مسلم والترمذي وابو داود والنسائي في صحاحهم بل عن المشكاة وجامع الأصول جميعاً عن ابي بن كعب قال : كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأب قراءة انكرتها.

ثم دخل رجل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضيت الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت ان هذا قرأ قراءة انكرتها عليه فدخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فأمرهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقرآ فحسن شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا اذا كنت في الجاهلية فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما غشيني ضرب في صدرى وقال : يا أبي أرسل الى أن أقرأ القرآن على حرف فرددت اليه أن هون

____________

(1) يقال ساور فلاناً واثبة او وثب عليه.

(2) صحيح البخاري فضائل القرآن 5 ـ 27 ـ ومسند ابن حنبل ج 1 ص 24.

16

على امتي فرد الى الثانية اقرأ على حرفين فرددت اليه هوّن على امتي فردّ الى الثالثة اقرأ على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها فقلت : اللهم اغفر لامتي اللهم اغفر لامتي واخرت الثالثة ليوم يرغب الى الخلق كلهم حتى ابراهيم (عليه السلام) الخبر (1).

مما روى ايضاً من طرقهم ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : الكتب تنزل من السماء من باب واحد وان القرآن انزل من سبعة ابواب على سبعة احرف.

وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ايضاً انه لقى جبرئيل فقال : يا جبرئيل اني بعثت الى امة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لا يقرأ كتاباً قط فقال لي : يا محمد ان القرآن انزل على سبعة أحرف.

الى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي ليس للتعرض لها مزيدة ثمرة.

وقد صرح علماء أهل السنة ان سبب انزال القرآن على الأحرف السبعة التسهيل والتخفيف على الأمة وقد ادعى بعضهم تواتر أصل هذا الحديث الا انهم اختلفوا في معناه على ما يقرب من أربعين قولاً كما نص عليه جمع من محققي الشيعة الامامية.

فقيل ليس المعنى الحصر في السبعة لأن بعض الكلمات يقرأ على اكثر من سبعة اوجه وانما هو توسعة وتسهيل وقال الاكثر هو حصر للعدد في السبعة لأن الزيادة على السبعة في بعض الكلمات اما لا يثبت واما ان يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الاداء كما في المد والامالة ونحوهما.

واختلفوا ايضاً فقالت طائفة منهم المراد بالأحرف السبعة اللغات لما نقل عن ابن عباس انه قال : نزل القرآن على سبع لغات وهؤلاء قد اختلفوا فقال ابو عبيد ليس المراد ان كل كلمة تقرأ على سبع لغات بل اللغات السبعة مفرقة فيه فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن وبعضه بلغة اليمن وغيرهم وبعض هذه اللغات اسعد بها من بعض واكثر نصيباً وقال الفيرز آبادي في القاموس

____________

(1) صحيح مسلم 273 ومسند ابن حنبل ج 5 ص 127.

17

مثل ذلك وكذا عبد الرحيم صفي پور في كتابه منتهى الأرب في لغة العرب في مادة (ح ر ف) وابن الأثير في نهايته والطبري في تفسيره الا انه خالف بعدها بقوله سبعة السن من بين السن العرب التي يعجز عن احصائها وخالف بعض في تعيينها.

فقال : المراد بها خمس لغات في اكناف هوازن وهي سعد وثقيف وكنانة وهذيل وقريش ولغتان على جميع السنة العرب وقيل اللغات السبعة كلها من مضروهم سبع قبائل هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب واسد بن خزيمة وقريش وقال ابو حاتم السجستاني نزل القرآن بلغة هذيل وقريش وتيم الرباب والأزد وربيعة وهوازن وسعد بن بكر وقال ابن قتيبة : اللغات السبعة كلها في بطون قريش واحتج بقوله تعالى : ( وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ) والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قريشياً.

وبذلك جزم ابو علي الاهوازي ونقل ابو اسامة عن بعض شيوخهم انه نزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من الفصحاء ثم ابيح للعرب ان يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على خلافهم في الألفاظ ووالاعراب ولم يكلف احد منهم الانتقال من لغة الى لغة اخرى للمشقة.

ولما كان فيهم من الحمية وطلب تسهيل فهم المراد مع اتفاق المعنى وعلى هذا ينزل اختلافهم في القراءة وحكى امين الاسلام الطبرسي في مجمع البيان ان قوماً قالوا ان المراد بالأحرف اللغات مما لا يغير حكماً في تحليل ولا تحريم مثل هلم وأقبل وتعال قالوا او كانوا مخيرين في مبتدأ الاسلام في ان يقرأوا بمام شاؤوا ثم اجمعوا على اخذها واجماعهم حجة فصار ما اجمعوا عليه مانعاً مما اعرضوا عنه انتهى وقال ابن حجر ووتتمة ذلك ان يقال ان الاباحة المذكورة لم تقع بالتشهي اي ان كل احد يغير الكملة بمراد فها في لغته بل المراعى في ذلك السماع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويشير اليه قول كل من عمر وهشام في الحديث المذكور اقرأني

18

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن ثبت عن غير واحد من الصحابة انه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعاً له.

وقال الصحابي : الاحرف السبعة انما كانت في اول الامر لاختلاف لغات العرب ومشقة تكلمهم بلغة واحدة فلما كثر الناس واكلتب عادت الى قراءة واحدة وكيف كان فقد نسبه السفاقسي في غيث النفع الى معظم علمائهم وذهبت طائفة أخرى منهم الى ان المراد بالحرف وجه القراءة وبالسبعة الأحرف سبعة وجوه للقراءة قال ابن حجر : المراد ان القرآن نزل على سبعة أو جه يجوز ان يقرأ بكل وجه منها وليس المراد ان كل كلمة وجملة منه يقرأ على سبعة أوجه بل المراد ان غاية ما ينتهي اليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة سبعة فيقرأ الكلمة بوجه أو وجهين الى سبعة.

وقيل والّف ابو شامة كتاباً على ما حكاه السفاقسي عنه نفى فيه ان المراد منه ان تقرأ كل كلمة على سبعة أوجه اذ لا يوجد ذلك الا في كلمات يسيرة نحو آرجه وهيت وجبرئيل ونفى فيه ايضاً ان المراد هؤلاء القراء السبعة الشمهورين لان منها ما هو اجتهاد من المقري ومنها ما هو منقول بخبر الواحد وهذا هو رأي جماعة المحققين منهم.

وقيل اجمعوا على ان ليس المراد كما تقدمن ان كل لفظ منه يقرأ على سبعة أوجه بل هو غير ممكن بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه الا الشيء القليل مثل (عبد الطاغوت) ، و (لا تقل لهما اف).

وذهب طائفة ثالثة الى ان المراد من الحرف شيء مغاير وان السبعة الاحرف سبعة اشياء متغايرة قال ابن قتبيبة ألمراد من التغاير في الاحرف السبعة سبعة اشياء :

(الاول) ما يتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل : (ولا يضار كاتب ولا شهيد) بنصب الراء ورفعها.

(الثاني) ما يتغير بتغير الفعل مثل : (بعّد بين اسفارهم) و (باعد بين اسفارنا)

19

بصيغة الطلب والفعل الماضي.

(الثالث) ما يتغير بنقط بعض الحروف المهملة مثل ننشرها بالزاء والراي. (الرابع) ما يتبدل بابدال حرف قريب من مخرج الآخر مثل (طلح منضود) و (طلع منضود).

و (الخامسِ) ما يتغير بالتقدم والتأخر مثل و (جاءت سكرة الحق بالموت).

(السادس) ما يتغير بزيادة أو نقصان مثل : (والليل اذا يغشى والنهار اذا تجلى والذكر والانثى) هذا في النقصان واما في الزيادة فكما في قراءة من قرأ (وانذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين).

(السابع) ما يتعغر بابدال كلمة بكلمة كما في العهن المنفوش والصووف المنفوش.

ويقرب منه ما حكاه شيخ الطائفة ابو جعفر الطوسي في تفسير التبيان عن بعض علمائهم من ان المراد بالحرف هنا انما هي وجوه اختلافات سبعة وعددها بعد ذلك بقوله :

(أولهـا) اختلاف اعراب الكملة او حركة بنائها فلا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها نحو قوله : ( هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) (هود ـ 78) بالرفع والنصب و ( هل نجازي الا الكفور ) (سبأ ـ 17) بالنصب والنون و (هل يجازي الا الكفور) بالياء والرفع و (بالبخل) و (البخل) و (البخل) برفع برفع الباء ونصبها و ( ميسرة ) (البقرة ـ 28) و (ميسرة) بنصب السين ورفعها.

و (الثاني) الاختلاف في اعراب الكلمة وحركات بنائها مما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتابة مثل قوهل ( ربنا باعد بين اسفارنا ) (سبأ ـ 19) على الخبر (ربنا باعد) على الدعاء و ( اذ تلقونه بالسنتكم ) (النور ـ 15) بالتشديد وتلقونه بكسر اللام والتخفيف. و (الوجه الثالث) الاختلاف في حروف الكلمة دون اعرابها مما يغير معناها

20

ولا يزيل صورتها نحو قوله تعالى : ( كيف ننشزها ) (البقرة ـ 259) بالزاء المعجمة وبالراء الغير معجمة.

و (الرابع) الاختلاف في الكلمة مما يغير صورتها ولا يغير معناها نحو قوله : ( ان كانت الاصيحة واحدة ) (يس ـ 29) والازقية وكالوف المنفوش وكالعهن المنفوش (القارعة ـ 5).

(الخامس) الاختلاف في الحروف مما يزيل الصورة والمعنى نحو : ( طلح منضود ) وطلع (الواقعة ـ 29).

(السادس) الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو قوله ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) (ق ـ 19) ( وجاءت سكرة الحق بالموت ).

(السابع) الاختلاف بالزيادة والنقصان نحو قوله ( وما عملت ايديهم ) و ( ما عملته ) (يس ـ 35) باسقاط الهاء واثباتها ونحو قوله ( فان الله هو الغني الحميد ) ( وان الله الغني الحميد ) في سورة الحديد.

قال الشيخ الطائفة الطوسي (قده) بعد نقل الكلام المتقدم ما نصه وهذا الخبر ـ يعني حديث نزول القرآن على سبعة احرف ـ وان كان خبراً واحداً لا يجب العمل به فالوجه الأخير اصلح الوجون على ما روى عنهم (عليهم السلام) من جواز القراءة بما اختلف القراء فيه انتهى.

واعترض عليه المحقق الفاضل السيد البروجردي في تفسير بقوله :

لكنك قد سمعت تظافر اخبارنا على رد خبر نزوله على سبعة أحرف وعلى فرضه فمقتضاه نزوله على الوجوه السبعة واين هذا من جواز متابعتهم في قراءاتهم المختلفة التي ستسمع اختلافها (1).

وكذلك الفيض الكاشاني (قده) في الوافي بقوله : اما حمل الحديث على سبعة أوجه من القراءة ثم التكلف في تقسيم وجوه القراءة على هذا العدد كما

____________

(1) تفسير الصراط المستقيم ج 3 ص 96 ـ 97 ـ ط بيروت مؤسسة الوفاء.

21

نقله في مجمع البيان عن بعضهم فلا وجه له مع انه يكذبه ما رواه في الكافي باسناده عن زراره عن ابي جعفر (عليه السلام) قال : ان القرآن نزل من عند الواحد ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة .. الخ.

ثم قال بعد كلام له في البين : الظاهر ان الاختلاف المعتبر ما يسري من اللفظ الى المعنى مثل مالك وملك دون ما لا يجاوز اللفظ أو يجاوزه ولم يخل بالمعنى المقصود سواء كان بحسب اللغة مثل كفوءاً بالهمزة أو بالواو و مخففاً ومثقلاً أبو بحسب الصرف مثل يرتد ويرتدد أو بحسب النحو مثل : (لا يقبل منها) بالتاء والياء وما يسري الى المعنى ولم يخل بالمقصود مثل الريح والرياح للجنس والجمع فان في امثال هذه موسّع علينا القراءات المعروفة وعليه يحمل ما ورد عنهم من اختلاف القراءة في كلمة واحدة وما ورد ايضاً من تصويبهم القراءتين جميعاً أو يحمل على انهم (عليه السلام) لما لم يتمكنوا ان يحملوا الناس على القراءة الصحيحة جوّزوا القراءة بغيرها كما اشير اليه بقولهم (عليهم السلام) : اقرؤوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم وذلك كما جوّزوا قراءة أصل القرآن كما هو عند الناس دون ما هو محفوظ عندهم. وعلى التقديرين نحن في سعة منها جميعاً وقد اشتهر بين الفقهاء وجوب التزام عدم الخروج عن القراءات السبع أو العشر المعروفة لتواترها وشذوذ غيرها والحق ان المتواتر من القرآن اليوم ليس الا القدر المشتترك بين القراءات جميعاً دون خصوص آحادها اذ المقطوع به ليس الاذاك فان المتواتر لا يشتبه بغيره (1).

واما ابن الجزري فقد ذهب الى ان المراد من الاحرف السبعة بعد تتبعه وامعان النظر في نيف وثلاثين سنة على حد تعبيره ان القراءات صحيحها وشاذها وضعيفها ومنكرها يرجع اختلافها الى سبعة اوجه من الاختلاف لا يخرج عنها وذلك اما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة نحو البخل بأربعة ويحسب

____________

(1) الوافي ج 2 ص 272 ط قم مكتبة السيد المرعشي.

22

بوجهين او بتغير في المعنى فقط نحو (فتلقى آدم من ربه كلمات) واما في الحروف بتغير في المعنى لا في الصورة نحو (يتلو) و (تتلو) أو عكس ذلك ـ اي في الصورة لا في المعنى ـ نحو (بصطة) و (بسطة) أو بتغيرهما نحو (اشد منكم) و (منهم).

واما في التقديم والتأخير نحو (فيقتلون) و (ويقتلون) أوفي الزيادة والنقصان نحو (وأوصى) ، (ووصى) فهذه سبعة أوجه.

وقالت طائفة رابعة ان المراد بسبعة أحرف وجوه القراءة التي اختارها القراء وهي السبعة المشهورة وقال المطرزي في المغرب هذا أحسن الأقوال فيها وهو ظاهر كلام الباقلاني.

وقال محمد بن أبي صفرة : القراءات السبع التي يقرؤها الناس اليوم انما هي حرف واحد من تكلك الاحرف السبعة ويقرب منه قول مكي بن ابي طالب حيث قال هذه القراءات التي يقرأها الناس وصحت روايتها عن الائمة جزء من الاحرف السبعة التي نزل بها القرآن.

وقال طائفة خامسة انه قد انكر اكثر أهل العلم ان يكون معنى الاحرف اللغات واختلف هؤلاء على أقوال فقيل هي في المعاني يعنى انه نزل القرآن على سبعة اصناف من المعاني واحتج بحديث ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : (كان الكتاب الأول منزلا من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة ابواب على سبعة احرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وامثال) وردّ اولا بعدم ثبوت هذا الحديث من طريق معتبر وثانياً بان قوله زاجر وما بعده استيناف كلام آخر أي هو يعني القرآن زاجر لا تفسير للاحرف او تفسير للأبواب لا للأحرف يعني ان للقرآن سبعة ابواب من ابواب الكلام وقيل هي في اختلاف اللفظ واتحاد المعنى .. الخ الى آخره من الاقوال المضطربة والمتداعية كما سيأتي بيان ما فيها من الوهن والقصور الا اننا قد اطلنا في نقلها لقصد ايضاح ما فيها من الزيف وكشف تهافتها.

23

قال المحقق السيد البروجردي في تفسيره :

و ... ما يتوهم من ان المارد بها القراءات السبع المشتهرة في الازمنة المتأخرة وهو توهم فاسد نبه على فساده كثير من الخاصة والعامة .. بل صرحوا بان القراءات المتداولة بينهم في الاعصار المتقدمة كانت أزيد من عشرين وقد صنفوا فيها الكتب والتصانيف وان أول من اقتصر على السبعة هو ابن مجاهد وقد اعترضوا عليه في اختيار العدد والمعدحود بل حكى الاجماع عنهم فضلا عن غيرهم على فساد هذا التوهم ومنها غير ذلك من الأقوال الكثيرة المحكية عنهم على نحو أربعين قولا بل ربما يقال ان الخبر من المشكل الذي لا يدري معناه لأن الحرف يصدق لغة على حرف الهجاء وعلى الكلمة وعلى المعنى وعلى الجملة .. (1).

وقد روى في بعض المصنفات الحديثيّة للشيعة الامامية ما يتضمن نفس المعنى وذلك في روايتين رواهما رئيس المحدثين الصدوق (رض) في كتاب الخصال :

(الاولى) عن عيسى بن عبد الله الهاشمي عن أبيه عن آبائه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أتأني آت من الله فقال : ان الله يأمرك ان تقرأ القرآن على حرف واحد فقلت : يا ربّ وسع على امّتي فقال : ان الله يأمرك ان تقرأ القرآن على سبعة أحرف (2).

(الثانية) عن الامام الصادق (عليه السلام) حين قال له حمّاد : ان الأحاديث تختلف عنكم قال فقال (عليه السلام) : ان القرآن نزل على سبعة أحرف وادناها للامام ان يفتي على سبعة وجوه ثم قال : هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب (3).

أقول : ونجيب عنه بوجوه :

(الاول) موافقتها للاخبار العامية المتقدمة بصريح اللفظ والمعنى والحمل

____________

(1) تفسير الصراط المستقيم ج 3 ص 99.

(2) الخصال ج 2 ص 402 المذيل بالترجمة الفارسية.

(3) نفس المصدر السابق.

24

على التقية منن اظهر المصاديق التي صرح بها جمع من المحققين بل المشهور بينهم (1).

وقال السيد حسين البروجردي في تفسير الصراط المستقيم :

لا يخفى عليك ان هذه الأخبار لضعف سندها وقصور دلالتها وموافقتها للاخبار العامية المتقدمة بل جملة منها بعينها مروية عن طرقهم ومخالفتها لما يأتي مما هو أقوى سنداً واوضح دلالة لا تتنهض حجة لاثبات نزوله على الوجوه السبعة بحسب المادة أو الهيئة او اللغة انتهى (2).

وقال الفقيه الهمداني في مصباح الفقيه :

ان التمسك بالخبر المزبور لصحة القراءات وتواترها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير محله وكفاك شاهداً لذلك ما قيل من انه نقل اختلافهم في معناه الى ما يقرب من اربعين قولا انتهى (3).

وقال الشهيد الثاني في مسالك الافهام في باب المهر ما لفظه :

انه قد فسرها بعضهم بالقراءات السبع وليس بجيد لأن القراءات المتواترة لا تنحصر في السبعة بل ولا في العشرة كما حقق في محله واقتصروا على السبعة تبعاً لابن مجاهد حيث اقتصر عليها تبركاً بالحديث وفي اخبارنا ان السبعة ليست هي القراءات بل انواع التركيب من الأمر والنهي والقصص وغيهرا.

(الثاني) انها معارضة بما هو اقوى منها سنداً ومتناً ودلالة واستفاضة.

(الثالث) قصور دلالتها فلا تنهض حجة لاثبات نزوله على القراءات السبع للقراء السبعة الشمهورين وغير ذلك من المعاني المتقدمة كما سيأتي تفصيل القول فيه عما قريب.

(الرابع) على ما هو الارجح عندي والاقوى لدي من ان الرواية التي

____________

(1) نفس المصدر السابق

(2) تفسير الصراط المستقيم ج 3 ص 93.

(3) مصباح الفقيه ج 2 ص 274.

25

رواها الصدوق عن الامام الصادق (عليه السلام) والاخرى التي رواها عن امير المؤمنين (عليه السلام) غير منافية للروايات التي وردت في الباب من طرق الشيعة والتي تمنع من نزول القرآن على سبعة احرف بمعنى سبع قراءات او نحو ذلك فلا تجعل صفاً لصف مع امثال خبر الهاشمي ولا تنزل منزلتها الذي ينطبق عليه ما قدمنا ذكره من سهام النقض والابرام بل قصارى ما يمكن ان يفهم من تلك الروايات المنع من ارادة المعاني المتقدمة والتي ذهب جمع علماء العامة اليها وجعلوها ذريعة للعبث في سياق الفاظ القرآن وصورتها المادية وهيئتها العنصرية حتى وصلت الى الحالة التي انتهت اليها من الاختلاف والاضطراب.

واما خبر حماد المتقدم فانه مجمل لا يفهم المراد من معنى الحرف الذي ورد ذكره فيه بل هو أجنبي عنها فلابد أن يتتناوله بيان مستقل وتجعل الرواية التي رواها علم الهدى السيد المرتضى في كتاب المحكم والمتشابه والتي هي بمحل من الاعتبار مبينة وشارحة ومفصلة للمراد بالحرف الوارد في خبر حماد وانه معنى أجنبي وانشائي مستأنف وجعل جديد لا يتنافى مع أصول المذهب ومسائله مضافاً الى ما فيه من القرائن والشواهد اللفظية على هذه الدعوى وها نحن ننقلها من الكتاب المذكور بتمامها وكمالها ليتضح موضع الاستدلال منها مع ما هي عليه من جودة المنطوق وكثرة المحصول مع ما صدرها السيد المرتضى نفسه حيث قال قدس الله نفسه الزكية :

اعلموا رحمكم الله ان من لم يعرف من كتاب الله عزوجل الناسخ من المنسوخ والخاص من العام والمحكم من المتشابه والرخص من العزائم والمكي والمدني واسباب التنزيل والمبهم من القرآن في الفاظه المنقطة والمؤلفة وما فيه من علم القضاء والقدر والتقديم والتأخير والمبين والمعمى والظاهر والباطن والابتداء من الانتهاء والسؤال والجواب والقطع والوصل والمستثنى منه والجار فيه والصفة لما قبله مما يدل على بعده والمؤكد منه والمفصل وعزائمه ورخصه ومواضع فرائضه

26

واحكامه ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه الملحدون والموصول من الألفاظ والمحمول على ما قبله وعلى ما بعده فليس بعالم بالقرآن ولا هو من أهله ومتى ادعى معرفة هذه الاقسام مدع بغير دليل فهو كاذب مرتاب مفتر على الله الكذب ورسوله ومأواه جهنم وبئس المصير ولقد سال امير المؤمنين (عليه السلام) شيعته عن مثل هذا.

فقال : ان الله تعالى انزل القرآن على سبعة أحرف كل قسم منها كاف شاف وهي أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص ان في القرآن ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه وخاص وعام ومقدم ومؤخر ورخص وعزائم وحلال وحرام وفرائض واحكام ومنقطع معطوف ومنقطع غير معطوف وحرف مكان حرف.

ومنه ما لفظه خاص ومنه ما لفظه عام محتمل العموم ومنه ما لفظه واحد ومعناه جمع ومنه ما لفظه جمع ومعناه واحد ومنه ما لفظه ماض ومعناه مستقبل ومنه ما لفظه الخبر ومعناه حكاية عن قوم آخرين ومنه ما هو باق محرف عن جهته ومنه ما اهو على خلاف تنزيله ومنه ما تأويله في تنزيله ومنه ما تأويله مع تنزيله ومنه ما تأويله قبل تنزيله ومنه ما تأويله بعد تنزيله ومنه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة اخرى ومنه آيات نصفها منسوخ ونصفها متروك على حاله.

ومنه آيات مختلفة اللفظ متفقة المعنى ومنه آيات متفقة اللفظ مختلفة المعنى ومنه آيات فيها رخصة واطلاق بعد العزيمة لأن الله عزوجل يحب ان يؤخذ برخصه كما يؤخذ بعزائمه ومنه رخصة صابحها فيها بالخياران شاء اخذ بها وان شاء تركها ومنه رخص ظاهرها خلاف باطنها ومنه ما يعمل بظاهرها عند التقية ولا يعمل بباطنها مع التقية ومنه مخاطبة القوم والمعنى لآخرين ومنه مخاطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعناه واقع على امته ومنه ما لا يعرف تحريمه الا بتحليله ومنه ما تأليفه وتنزيله على غير ما انزل فيه.

ومنه رد من الله واحتجاج على جميع الملحدين والزنادقة والدهرية والثنوية القدرية والمجبرة وعبدة الاوثان وعبدة النيران ومنه احتجاج على

27

النصارى في المسيح (عليه السلام) ومنه الرد على اليهود ومنه الرد على من زعم ان الايمان لا يزيد ولا ينقص وان الكفر كذلك ومنه الرد على من زعم انه ليس بعد الموت وقبل القيامة ثواب وعقاب ومنه رد على من انكر فضل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جميع الخلق ومنه رد على من انكر الاسراء به ليلة المعراج ومنه رد على من أثبت الرؤية.

ومنه صفات الحق وابواب معاني الايمان ومنه وجوبه ووجوهه ومنه رد على من انكر الايمان والكفر والشرك والظلم والظلال ومنه رد على من وصف الله وحده ومنه رد على من انكر الرجعة ولم يعرف تأويلها.

ومنه رد على من زعم ان الله عزوجل لا يعلم الشيء حتى يكون ومنه رد على من لم يعرف الفرق بين المشيئة والارادة والقدرة في مواضع ومنه معرفة ما خاطب الله عزوجل به الائمة والمؤمنين ومنه اخبار خروج القائم منا ومنه ما بين الله فيه شرائع الاسلام وفرائض الاحكام والسبب في معنى بقاء الخلق ومعائشهم ووجوه ذلك.

ومنه اخبار الانبياء وشرائعهم وهلاك اممهم ومنه ما بين الله تعالى في مغازى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحروبه وفضائل اوصيائه وما يتعلق بذلك ويتصل به فكانت الشيعة اذا فرغت عن تكاليفها تسأله عن قسم قسم فيخبرها (1) .. الى ان قال في تفصيل تلك الاحرف السبعة بعد كلام طويل له في توضيح ما أجمله فيها تقدم من نقل كلامه عليه أفضل الصلاة والسلام فقال : (2).

[1] وأما ما فرضه سبحانه من الفرائض في كتابه : فدعائم الاسلام وهي خمس دعائم وعلى هذه الفرائض بنى الاسلام فجعل سبحانه لكل فريضة من هذه الفرائض اربعة حدود لا يسمع احد جهلها أولها الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الولاية وهي خاتتمتها والحافظة لجميع الفرائض والسنن.

فحدود الصلاة اربعة معرفة الوفت والتوجه الى القبلة والركوع والسجود

____________

(1) رسالة المحكم والمتشابه من ص 5 الى ص 9 ط حجري.

(2) نفس المصدر السابق ص 77.

28

وهذه عوام في جميع الناس العالم والعامل وما يتصل بها من جميع أفعال الصلاة والأذان والاقامة وغير ذلك ولما علم الله سبحانه ان العباد لا يستطيعون أن يؤدوا هذه الحدود كلها على حقايقها جعل منها فرائض وهي الأربعة المذكورة وجعل ما فيها من غير هذه الاربعة المذكورة من القراءة والدعاء والتسبيح والتكبير والأذان والاقامة وما شاكل ذلك سنة واجببة من أجلها عمل بها فهذا ذكر حدود الصلاة.

واما حدود الزكاة فأربعة أولها معرفة الوقت التي تجب فيه الزكاة والثاني القيمة والثالث الموضع التي توضع فيه الزكاة والرابع العدد فاما معرفة العدد والقيمة فانه يجب على الانسان ان يعلم كم يجب من الزكاة في الاموال التي فرضها الله تعالى من الابل والبقر والغنم والذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب فيجب ان يعرف كم يخرج من العدد والقيمة ويتبعها الوزن والكيل والمساحة فما كان من العدد فهو باب الابل والبقر والغنم واما المساحة فمن باب الأرضين والمياه وما كان من الكيل فهو من أبواب الحبوب التي هي من أقوات الناس في ذلك واما الوزن فمن الذهب والفضة وسائر ما يوزن من أبواب سلع التجارات مما لا يدخل فيه العدد ولا الكيل فاذا عرف الانسان ما يجب عليه في هذه الاشياء وعرف الموضع التي توضع فيه كان مؤدياً للزكاة على ما فرض الله تعالى.

واما حدود الصيام فاربعة حدود : أولها وثانيها اجتناب الاكل والشرب والثالث اجتناب القيء متعمداً والرابع الاغتماس في الماء وما يتصل بها وما يجري مجراها والسنن كلها واما حدود : الحج فأربعة وهي الاحرام والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والوقوف في الموقفين وما يتبعهما وما يتصل بها فمن ترك هذه الحدود وجب عليه الكفارة والاعادة واما حدود الوضوء للصلاة فغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين وما يتعلق بهما ويتصل سنة واجبة على من عرفها وقدر على فعلها.

29

واما حدود المستحق للامامة فمنها ان يعلم الامام المتولى عليه انه معصوم من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها لا يزل في الفتيا بولا يخطي في الجواب ولا يسهو ولا ينسي ولا يلهوه شيء من امور الدنيا.

والثاني ان يكون اعلم الناس بحلال الله وحرامه وضروب احكامه وامره ونهيه وجميع ما يحتاج الناس اليه ويتسغني عنهم والثالث يجب ان يكون اسخى الناس وان بخل الناس كلهم لانه ان استولى عليه الشح شح على ما في ايديه من اموال المسلمين والخامس العصمة من جميع الذنوب وبذلك يتميز عن المأمومين الذين هم غير معصومين لأنه لو لم يكن معصومأً لم يؤمن عليه ان يدخل فيها يدخل فيه الناس من موبقات الذنوب المهلكات والشهوات واللذات ولو ضل في هذه الاشياء لاحتاج الى من يقيم الحدود فيكون حينئذ اماماً مأموماً ولا يكون ان يكون الامام بهذه الصفة.

واما وجوب كونه اعلم اللناس فانه لولم يكن اعلم الناس لم يؤمن عليه تقلب الاحكام والحدود وتختلف عليه القضايا المشكلة فلا يجيب عنها او يجيب عنها بخلافها واما وجوب كونه اشجع الناس فلما قدمنا انه لا يجوز ان ينهزم فيبوء بغضب من الله تعالى وهذه لا يصح ان تكون صفة الامام.

واما وجوب كونه اسخى الناس فلما قدمنا وذلك لا يليق بالامام وقد جعل الله بهذه الاربعة دليلين أبان بهما المشكلات وهما الشمس والقمر اي النبي ووصية بلا فصل.

[2] واما الزجر في كتاب الله تعالى : فهو ما نهى الله سبحانه ووعد عليه بالعقاب لمن خالفه مثل قوله : (ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا) وقوله تعالى : (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن).

وقوله سبحانه : ( ولا تأكلوا الربا اضعافاً مضاعفة ) وقوله تعالى : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ) ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى.

30

[3] زاما الترغيب في كتاب الله تعالى : فقوله ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاماً محموداً ) وقوله ( من عمل صالحاً منن ذكر او انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم اجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) وقوله ( من عمل صالحاً من ذكر او انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) وقوله : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره ) وقوله تعالى : ( يا ايها الذين آمنوا هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله ) الآية وقوله : ( ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ) وأمثال ذلك كثير في كتاب الله.

[4] واما الترهيب في كتاب الله تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم ) الى قوله ( وولكن عذاب الله شديد ) وقوله عزوجل : ( واتقوا يوماً ترجعون فيه الى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) وقوله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ) الى آخر الآية وقوله ( ان اللذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ).

[5] واما الجدال ومعانيه في كتاب الله تعالى : فقوله تعالى : ( وان فريقاً من المؤمنين لكاذبون يجادلونك في الحق بعد ما تبين لهم كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون ) ولما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى بدر كان خروجه في طلب العدو وقال للصحابة : ان الله عزوجل وعدني ان اظفر بالعير او بقريش فخرجوا مع على هذا فلما اقبلت العير وامره الله بقتال قريش اخبر أصحابه فقال : ان قريشاً قد اقبلت وقد ووعدني الله سبحانه احدى الطائفتين انها لكم وامرني بقتال قريش.

قال : فجزعوا من ذلك وقالوا : يا رسول الله تعالى : ( واذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتؤدون ان غير ذات الشوكة تكون لكم ) الى قوله ( ويقطع دابر الكافرين ) وكقوله سبحانه ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشكتي

31

الى الله ) وقوله سبحانه ( وجادلهم بالتي هي احسن ) ومثل هذا [ كثير في كتاب الله تعالى.

[واما] الاحتجاج علىالملحدين وأصناف المشركين مثل قوله حكاية عن قول ابراهيم (عليه السلام) : ( الم تر الى الذي حاج ابراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ) الى آخر الاية وقوله سبحانه عن الانبياء في مجادلتهم لقومهم في سورة الاعراف وغيرها وقوله تعالى حكاية عن قوم نوح (عليه السلام) : ( يا نوح قد جادلتنا فاكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين ) ومثل هذا كثير موجود في مجادلة الامم للانبياء.

[6] واماما في كتاب الله تعالى من القصص عن الامم فانه ينقسم على ثلاثة اقسام : فمنه ما مضى فما حكاه الله تعالى فقال : نحن نقص عليك أحسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن) ومنه قول موسى لشعيب (فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين) ومنه ما انزل الله من ذكر شرائع الانبياء وقصصهم وقصص اممهم حكاية عن آدم الى نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليهم اجمعين.

وما الذي كان في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمنه ما انزل الله تعالى في مغازيه واصحابه وتوبيخهم ومدح من مدح منهم وذم من ذم منهم وما كان من خير وشر وقصة كل فريق منهم مثل ما قص من قصة غزاة بدر واحد وخيبر وحنين وغيرها من المواطن والحروب ومباهلة النصارى ومحاربة اليهود وغيره مما لو شرح لطال به الكتاب.

واما قصص ما يكون بعده مما أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) به وما لم يخبر والقيامة واشراطها وما يمكن من الثواب العقاب واشباه ذلك.

[7] واما ما في كتاب الله تعالى من ضرب الامثال مثل قوله تعالى : ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة) الى آخر الاية وقوله تعالى : مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا انفسهم) الاية وكقوله

32

الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) الى آخر الاية وانما ضرب الله سبحانه هذه الامثال للناس في كتابه ليعتبروا بها ويستبدلوا بها ما اراده منهم من الطاعة وهو كثير في كتاب تعالى اه (1).

(العامل التاسع)

اختلاف الرواة من جهات :

(الاولى) اختلافهم في الاصقاع والامصار وتفرقهم في المدن المتباعدة.

(الثانية) اختلافهم في المذهب فلم يكونوا في الاعتقاد على مذهب واحد بل كل طائفة منهم ان لم تقل كل واحد منهم كانت تدين بمذهب من المذاهب الاسلامية وهذا بطبيعة الحال يوجب الاختلاف في المبنى واصول التلقي والرواية.

(الثالثة) اختلافهم في النقل والرواية فكل واحد منهم كان ينقل في واضع خاصة من القرآن بخلاف ما ينقل الاخرون في روايتهم عن الصدر الاول والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالذات.

(الرابعة) اختلافهم في اغراض النقل فبعضهم ينقل بقصد الرواية وبعضهم للدراية وبعضهم للغيرة والحمية على الدين وبعضهم لنيل حطام الدنيا واشباع البطن وهكذا.

(العامل العاشر)

مجاورة المسلمين على حدود الدولة الاسلامية للاعاجم حيث شدة المخالطة لهم والتعامل معهم اديا الى شيوع اللحن على السنتهم لتداخل اللغة باقتضاء ضرورة التعايش والتجاور قال ابو نصر الفارابي في كتاب الالفاظ والحروف :

كانت قريش أجود العرب انتقاء الافصح من الالفاظ واسهلها على اللسان عند النطق واحسنها مسموعأً وأبينها عما في النفس والذين عنهم نقلت اللغة العربية وبهم اقتدى وعنهم أخذ السان العربي من بين قبائل العرب هم : قيس وتميم واسد فان هؤلاء هم الذي أخذ عنهم اكثر ما أخذ ومعظمه وعليهم اتكل في الغريب

____________

(1) رسالة المحكم والمتشابه لعلم الهدى السيد المرتضى ص 84 ط حجري.

33

و في الاعراب التصريف ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم وبالجملة فانه لم يؤخذ عن حضري لا عن سكان البرارري ممن كان يسكن اطراف بلادهم التي تجاور سائر الامم الذين حولهم :

لم يؤخذ من لخم ولا من جذام فانهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط ولا من قاعة ولا من غسان ولا من اياد فانهم كانوا مجاورين لأهل الشام واكثرهم نصارى يقرؤون بصلاتهم بغير العربية.

ولا من تغلب ولا النمر فانهم كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية.

ولا من بكر لانهم كانوا مجاورين للنبط والفرس.

ولا من عبد القيس لانهم كانوا من سكان البحرين مخالطين للهند والفرس.

ولا من أزدعمان لمخالطتهم للهند والفرس.

ولا من اهل اليمن اصلا لمخالطتهم للهند والحبشة ولولادة الحبشة فيهم.

ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وسكان الطائف لمخالطتهم تجار الامم المقيمين عندهم.

ولا من حاضرة الحجاز لان الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدؤوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا من غيرهم من الامم وفسدت السنتهم (1).

القراءات القرآنية في عهد ابي بكر

روى البخاري باسناده عن عبيد بن السباق ان زيد بن ثابت قال : أرسل ابوبكر مقتل (اي عقيب مقتل) اهل اليمامة فاذا عمر بن الخطاب عنده قال ابو بكر : ان عمر أتاني فقال : ان القتل قد استحر (اي كثر واشتد) يوم اليمامة بقراء القرآن واني اخشى ان بستحر القتل بالقراء المواطن فيذهب كثير من القرآن واني أرى ان تأمر بجمع القرآن قلت لعمر : كيف تفعل ما لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

____________

(1) الاقتراح للسيوطي ص 22 نقلا عن كتاب الفارابي (الالفاظ والحروف).

34

قال عمر : هذا والله خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في الذي رأى عمر قال زيد : قال ابو بكر : انك رجل شاب عاقل لانتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان اثقل على مما أمرني به من جمع القرآن قلت : كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال : هو واله خير فلم يزل ابوبكر يراجعني حتى شرح اله صدري للذي شرح له صدر ابي بكر وعمر فتتبعت القرآن اجمعه من العسب (1) واللخاف (2) وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع ابي خزيمة الانصاري لم اجدها مع غيره « لقد جاء كم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص » حتى خاتمة براءة.

فكانت الصحف عند ابي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر حتى توفاه الله تعالى ثم عند حفصة بنت عمر.

أقول : لا يخفى على الفطن النبيه ما في هذه الرواية من التهافت.

(اما اولا) فلمخالتفها لما تقدم ذكره حيث تم التعرض لمن جمع القرآن في عصر النبوة فضلا عمن دوّنه وهم من الكثرة بما لا يدع مجالا للشك فيه.

(واما ثانياً) في قوله (كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)) حيث دل على نقض صريح لمقام النبوة الخاتمة وهو نظير ما حيك ضد شخصيّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من انه لم يعرف بنبوته لولا اخبار ورقة بننوفل بتوسط زوجته خديجه (رض) فالرسول الاكرم صاحب الرسالة الخاتمة والتي شرعت لكافة الاجيال وللعالمين الى قيام الساعة لا يدوّن قرآنه ويرجع الفضل في ذلك لغيره وبعد زمنه يا سبحان الله وكيف كان فبطلانه مما شهد به الوجدان مؤيداً بالعيان فضلا عن اقامة البرهان وتمام التحقيق في هذه المقام سنودعه في كابنا (كنز القراء) ان شاء الله تعالى

____________

(1) جمع عسيب وهو جريد من النخل.

(2) جمع لخفة وهي حجارة بياض رقاق.

35

(واما ثالثاً) ما جاء فيه في قوله (قد كنت تكتب الوحي لرسول الله) فاذا كان زيد كاتباً للوحي فكيف يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفعله ولم يأمر به.

(واما رابعاً) اذا كان القرآن قد جمع ي عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حسبما تقدم بيانه فلماذا لم يعتمد أو يشار ولو الى نسخة من تلك النسخ المجموعة.

(واما الخامس) فما هو الدليل على ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأمر كتاب الوحي بكتابة القرآن على العسيب واللخاف على الرغم من وجود الرق والورق وهو زعيم الدولة يومذاك وقائدها ووفرة الامكانات في يده وتحت امرته لكي يأتي من يوجه جمع أبي بكر بأنه كان اول جمع للقرآن على الورق وفي مصحف واحد وكان القرآن في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مجموعاً مكتوبأ مفرقاً على العسيب واللخاف.

(واما سادساً) فلماذا يغفل أي ذك لأمير المؤمنين علي بن طالب وحواري رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من امثل سلمان وابي ذر والمقداد في هذا الموضوع المهم الم يكونوا من حفاظه وكتابه وحملته واعيان قرائه؟!!.

القرءات القرآنية في عهد عمر بن الخطاب

قال ابن سعد في طبقاته :

أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس ، حدثني سليمان بن بلال عن سعد بن اسحاق بن كعب بن عجرة عن محمد بن كعب القرظي قال :

جمع القرآن في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، خمسة من الانصار معاذ بن جبل وعبادة بن صامت وابي بن كعب وأبو أيوب الدرداء ، فلما كان زمن عمر بن الخطاب كتب اليه يزيد بن ابي سفيان : ان أهل الشام قد كثروا وربلوا وملؤوا المدائن واحتاجوا الى من يعلمهم القرآن ويفقههم فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم ، فدعا عمر اولئك الخمسة فقال لهم : ان اخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين ، فأعينوني رحمكم

36

الله بثلاثة منكم ، ان أجبتم فاستهموا وان انتدت ثلاثة منكم فليخرجوا ، فقالوا ما كنا لنتساهم ، هذا شيخ كبير لأبي ايوب وأما هذا فسقيم لأبي بن كعب ، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء.

فقال عمر : ابدؤوا بحمص فانكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة ، منهم من يلقن فاذا رأيتم ذلك فوجهوا اليه طائفة من الناس فاذا رضيتم منهم فليقم بها واحد وليخرج واحد الى دمشق والآخر الى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى اذا رضوا من الناس أقام بها عبادة وخرج أبو الدرداء الى دمشق ومعاذ الى فلسطين ، وأما معاذ فمات عام طاعون عمواس ، وأما عبادة فصار بعد الى فلسطين فمات بها ، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات (1).

أقول : ولا يخفي ما في هذا الخبر ايضاً ومخالفته للخبر المتقدم الحاكي لجمع ابي بكر للقرآن باشارة من عمر فاذا كان اولئك الخمسة من الانصار قد جمعوا القرآن في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم العمدة في ضبطه وتدوينه وجمعه وتأليفه فأي خطر خيف منه على القرآن من جراء اشتداد القتل بقرائه في اليمامة واذا كانوا على قيد الحياة في زمن عمرو كان لهم من الصيت ولاشهرة ما دفع عمر لارسال بعضهم للشام فما هو المانع من الاعتماد عليهم في زمن أبي بكر بدلاً من زيد بن ثابت على الرغم من صغر سنه وحداثة عهده قياساً باولئك.

بل لماذا لم يعول على ما جمعوه اذ مع وجوده لا يكون هناك خطراً على بقاء القرآن يضاف الى ذلك انه لم ينقل ان ما جمعه اولئك كان بينه اختلاف فيما بينهم فيه بل لم ينكر على أحد منهم في آية تفرد بها على من سواء في تدوينها وضبطها بل لم ينقل عنهم ادنى من ذلك كاختلاف في هيئة كلمة أو حركة اعراب.

ولا يخفى على كل من له ذرة نباهة وعقل يعقل به وفكر يعي به ان ما روى

____________

(1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 356 ـ 357.

37

عن ابي بكر في طريقه جمعه للقرآن على حد تعبير السيوطي في الاتقان عن مغازي موسى بن عقبة عن ابي شهاب قال : لما اصيب المسلمون باليمامة فزع ابو بكر وخاف ان يذهب من القرآن طائفة فاقبل الناس بما كان معهم وعندهم حتى جمع على عهد ابي بكر في الورق فكان ابو بكر أول من جمع القرآن في المصحف ثم اعلن عمر في المدينة بأن ياتي كل من تلقى شيئاً من القرآن من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال ابو بكر لعمر وزيد : اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على كتاب الله فاكتباه.

لس له اي قيمة تاريخية واي اعتبار علمي لما في من التهافت والتناقض والنقض والاضطراب بحد لم يدع مجالا لامكان الاخذ به بعين الاعتبار.

وخلاصة القول في المقام ان الورايات الواردة في كتب اهل السنة حول هذا الموضوع بلغت من الاضطراب والتناقض حداً يقطع بسقوطها جميعاً من دون حاجة بنا الى الاستدلال بشواهد خارجة عن دائرتها لنقضها وردها.

القرءات القرآنية في عهد عثمان بن عفان

وى الذهبي في سير اعلام النبلاء عن عامر الشعبي قال : ولم يجمع احد من الخلفاء من الصحابة القرآن غير عثمان. (1)

وقال ابن سعد في طبقاته الكبرى اخبرنا محمد بن عمر اخبرنا ابو بكر ابن عبد الله بن ابي سبرة عن مسلم بن يسار عن ابن مرسامولي لقريش قال : عثمان بن عفان جمع القرآن في خلافة عمر. (2)

أقول : وقد وقع في هذا الموضوع ايضاً من الاضطراب نظيرها تقدم.

وحكى ابو عبد الله الزنجاني في تاريخ القرآن عن البخاري وصاحب الفهرست انهما قالا : حدثنا ابراهيم قال حدثنا ابن شهاب ان انس بن مالك حدثه ان حذيفة

____________

(1) سير الاعلام النبلاء ج 2 ص 340.

(2) الطبقات الكبرى ج 2 ص 356.

38

ابن اليمان قدم على عثمان ـ (في الفهرست وكان بالعراق) ـ وكان يغازي اهل الشام في فتح ارمينة واذربيجان مع أهل العراق فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان يا امير المؤمنين ادرك هذه الامة قبل ان يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فارسل عثمان الى حفصة ان أرسلي الينا بالمصحف ثم نردها اليك فأرسلت حفصة الى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.

وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : اذا اختلفهم انتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فانما انزل بلسانهم.

وخرج ابن ابي داود من طريق محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال : لما أراد عثمان ان يكتب المصحف جمع له اثني عشر رجلا من قريش والانصار فبعثوا الى الربعة (1) التي في بيت عمر فجئ بها وكان عثمان يتعاهدهم اذ تداروا (2) في شيء اخروه قال محمد : فظننت انما كان يؤخرونه لينظروا احدثهم عهداً بالعرضة الاخيرة فيكتبونه على قوله.

وقال ابن حجر : فاتفق رأي الصحابة على ان كتبوا ما تحقق انه قرآن في العرضة الأخيرة وتركوا ما سوى ذلك.

ويدل على قول ابن حجر ذيل حديث البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت قال : فقدت آية من الاحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت اسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع ابي خزيمة بن ثابت الانصاري « من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه » فألحقناها في سورتها في المصحف (3).

أقول : ولقائل ان يقول من اين ذلك المصحف لحفصة ومن اعطاها اياه

____________

(1) يقال فتح العطار ربعته وهي جونة الطيب وبها سميت ربعة المصحف.

(2) داورت الامور طلبت وجوه مأتاها.

(3) تاريخ القرآن لابي عبد الله الزنجاني ص 43 ـ 44.

39

وما هي قيمته الاعتبارية لكي يرسل عثمان اليها في طلبه وتدفعه له بشرط ارجاعه فيرجعه بعد استنساخه وكأنه ملك لها فاذا كان هو القرآن الذي جمعه ابوبكر برأي عمر على حد دعوى ما تقدم وانه وصل الى يد عمر بالوصاية فاللائق بل اللازم ان ينقل الى يد عثمان بعد وفاة عمر اذ لاداعي لايداعه في يد حفصة لأنها لم تكن خليفة للمسلمين ولم تكن من قرائه ومقرئيه فيحتاج الى ابقائه عندها.

واذا كان مصحف حفصة غير مادون في عصرابي بكر فلما لم يحدثنا التاريخ عن أصله وفصله يضاف الى ذلك كله ان ذلك المصحف على الاحتمالين من كونه مصحف ابي بكر او حفصة كان على درجة من الاعتبار والاستناد فليس هناك داع اصلا الى تجشم عناء جمعه مرة اخرى بعد ان ثبت انه تم تدوينه على أيد امينه وتحت اشراف ورعاية من لا يشك في امره وعمله وضبطه ودقته وانه تم استنساخه في عهد يقرب من عهد الرسالة لما لا يؤخذ ويستنسخ ويجعل حجة يعول عليه وفيصلا ينتهي اليه.

واذا عرفنا مما سبق ان عثمان بن عفان من كتاب الوحي لما لم يكتبه بنفسه ويضبطه حسبما سمعته اذناه من الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحسبما افاده من مصدر الوحي والرسالة وقد اشرنا في صدر حديثنا في اول هذا المقام الى حديثين يدلان على كونه ممن جمع القرآن بل أول من جمعه من الخلفاء ولمرتين على حدّ تعبيرهما أولاهما في زمن عمر ولم ينقل له على شاهد والثاني في عهده وفترة خلافته بل ربما يضاف اليها زمن الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل ذلك مخدوش وقابل للطعن والتزييف.

وقيل : ولما نسخوا الصحف في المصاحف ردها عثمان الى حفصة ونسخوا اربعة مصاحف وابقى عنده واحداً منها وأرسل عثمان الثلاثة للبصرة والكوفة والشام وعين زيد بن ثابت ان يقرأ بالمدني وبعث عامر بن قيس مع البصري وابا عبد الرحمن عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي مع الكوفي والمغيرة ابن شهاب

40

مع الشامي وقرأ كل مصر بما في مصحفه.

وحكى السيد علي بن محمد المعروف بابن طاووس في كتابه سعد السعود عن كتاب ابي جعفر بن منصور ورواية محمد بن زيد بن مروان في اختلاف المصاحف ان القرآن جمعه على عهد ابي بكر زيد بن ثابت وخالفه في ذلك أبي وعبد الله ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ثم عاد عثمان فجمع المصحف برأي مولانا امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) واخذ عثمان مصحف ابي وعبد الله بن مسعود وسالم مولى ابي حذيفة فغسلها وكتب عثمان مصحفاً لنسفه ومصحفاً لأهل المدينة ومصحفاً لأهل مكّة ومصحفاً لأهل الكوفة ومصحفاً لأهل البصرة ومصحفاً لأهل الشام. ومصحف الشام رآه ابن فضل الله العمري في اواسط القرن ثامن الهجري يقول في وصف مسجد دمشق : والى جانبه الأيسر المصحف العثماني بخط أمير المؤمنين عثمان بن عفان.

أقول : انظر الى هذه النقول التي لا يمكن التوفيق بين أحدها بوجه من وجوه المعقول وقد ورد في جملة من كتب التاريخ ان عثمان بن عفان قام بحرق جميع المصاحف التي كانت في عهده ولم يستثن الا مصحف حفصة حيث اعاده اليها كما تقدم بعد استنساخه ويرد عليه :

(أولا) : اذا كان الأصل نسخة حفصة وهي كاملة فلا معنى لعد عثمان جامعاً للقرآن.

(ثانياً) : اذا قام عثمان بتغيير بعض الايات في النسخة التي نقلها عن مصحف حفصة فعمله هذا لا يخلو من احد امرين اما ان يكون عمله هذا تحريفا للقرآن او اصلاحا له فان كان الأول فلا ريب ولا شبهة في شناعة فعله قبح صنيعه واذا كان الثاني فلابد له ان يعامل مصحف حفصة بما صنعه في بقية المصاحف لانه مصحف وفيه اخطاء فيجب ان يقضى عليه لاحكام القرآن وصونه عن كل تحريف

41

وكذلك لو اخذنا بعين الاعتبار هذا الأمر لتوجه النقض على ابي بكر وعمر ونسبتهما الى الجهل وعدم الامانة.

(ثالثاً) ان العهد لازال قريبا بعصر النبوة واذا سلمنا بدعوى ان القرآن كان مكتوباً على العسيب واللخاف فلما لا يرجع اليها مباشرة ويعول عليها لانها عبارة عن الخطوط الاولى التي دونت باشراف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومحضره.

(رابعاً) ان كان عثمان بن عفان من كتاب الوحي لماذا لم يأت بما كتبه وخطته يده في زمن امتهانه مهنة كتابة ما يوحى الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منه فاين ذهب يا ترى!!؟

(خامساً) ان كان القرآن كتاباً مقدساً ونص في جملة آياته على وجوب احترامه وتقديسه والعمل به وكذا دلت السنة النبوية فلماذا تنتهك قدسية القرآن بحرقة واذا كان عثمان غيوراً على القرآن لما لم يعمل باحكامه ووزع العالم الاسلامي بين بني عمومته وابناء ارومته فعاثوا في الارض الفساد ومزقوا كل حرمة شر ممزق وهتكوا الحقوق وبذروا اموال بيت المال في اشباع نهم شهواتهم من دون انكار حتى كثرت الشكايا منهم فلم يأبه بذلك ولم يقابلهم باذن صاغية فاجتمعوا عليه وقتلوه في داره.

واذا كان لتلك النسخ التي بعث بها الى الامصار وجود فلما لم ينقل عنها مؤرخ من مؤرخي التاريخ على الرغم من وفرتهم وانتشارهم وسياحتهم سوى ابن فضل الله العمري وفي القرن الثامن الهجري وكأن لأرض قد خليت في تلك الفترة الزمنية المتمادية ممن في يده دواة وقلم وكذا بعد تلك الفترة الى يومنا هذا.

وخلاصة ما نصل اليه انّ اكثر الاحاديث الواردة في هذا الشأن من الموضوعات مبالغ فيها حاكها خلفاء بني أيمة ومن بعدهم بنو العباس خدمة لاغراضهم لاخاصة ولاسدال الستار على الشنائع التي عرفت عمن نسبت اليه والاعمال المزرية التي صدرت عنهم.

42

مواصفات المصحف العثماني

قال الباجي في المحكي عنه : لا سبيل الى تغيير حرف من تكلك الحروف التي في هذا المصحف لأن عثمان والصحابة حرقوا المصاحف الاولى ما سوى هذا المصحف ولو كان فيها شيئاً من بقية تلك الحروف الت انزل عليها القرآن لم يحرقوه وايضاً حرقوها لانها كانت على غير ترتيب هذا المصحف المتفق على ترتيبه.

أقول : ومعنى كلامه هذا ان أول من رتب القرآن بالنحو المتعارف عليه اليوم بيننا هو عثمان بن عفان وهو امر باطل قطعاً لانه لا سبيل له الى ذلك بل هو امر توقيفي ثبت النص عليه من الباري جل وعلا في قوله في سورة القيامة : « لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه وقرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه » كما انه ورد ان القرآن نزل جملة واحدة في ليلة القدر الى سماء الدنيا وانه نزل بعد ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نجوماً او منجماً بحسب الوقائع والاحداث وكان يخبر الناس بمواضع الآيات واحدة تلو الاخرى كما كان يأمرهم بمواضع السور وترتيبها وكان ينظم ذلك كله كما يتلقاه من الوحي ويأمر بضبطه واثباته.

قال المحدث الماهر السيد نعمة الله الجزائري في كتابه الانوار النعمانية : ترى قواعده (اي قواعد خط المصحف العثماني) تخالل قواعد العربية مثل كتابة الالف بعد واو المفرد وعدمها بعد واو الجمع وغير ذلك وسموه رسم الخط القرآني ولم يعلموا انه من عدم اطلاع عثمان على قواعد العربية والخط. (1).

وقد عبّر عنها السدي حسين البروجردي في تفسيره : بالاغلاط العثمانية في المصاحف السبعة وهي التي بعث بها الى الامصار (2).

____________

(1) الانوار النعمانية ج 2 ص 361 ط تبريز.

(2) تفسير الصراط المستقيم ج 3 ص 113 ط بيروت مؤسسة الوفاء.

43

وقال الفقيه الهمداني في مصباحه :

كانت المصاحف العثمانية عارية عن الاعراب والنقط مع ما فيها من التباس بعض الكلمات ببعض بحسب رسم خطه كملك ومالك ولذا اشتهر عنهم ان كلامنهم كان يخطي الآخر ولا يجوز الرجوع الى الاخر. (1).

أقول : ولذا فما قيل من ان خط المصحف العثماني خط توقيفي تعبدي لا وجه له ولا دليل عليه ولا مؤيد له وقد شاهدنا كثيراً من الايرانيين يتعذر عليهم قراءته بالنحو الذي كتب عليه بل يكثر لحنهم في قراءته اذا لم يكونوا قد اتقنوا قراءته على استاد عارف ضابط فهو من أسباب اللحن الواب تنزيه القرآن عنه وتعريته من وصمة اعواره وابهامه والخصوص في عصرنا هذا عصر المدنية والازدهار والرقى الحضاري والتقنية العالية والمؤمل من علماء أهل السنة وكذلك علماء الشيعة في جميع حواضرهم العلمية اعادة النظر في هذا الأمر المهم والاسهام في عرض الفاظه وحركات اعرابه بحلة قشيبة تبتني على قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن وضوابطها الاملائية البديعة.

تاريخ القراءات القرآنية بعد زمن عثمان

(القرن الثاني)

قال مكي بن ابي طاب : وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة ابي عمرو ويعقوب وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم وبالشام على قراءة ابن عامر وبمكة على قراءة ابن كثير وبالمدينة على قراءة نافع واستمروا على ذلك.

(القرن الثالث)

وفيه اتسع الخرق وقل الضبط وتصدى فيه بعض ائمة الاقراء لضبطه ما بلغه

____________

(1) مصباح الفقيه ج 2 ص 274 ط ايران.

44

من القراءات فكان أول من جمع القراءات في كتاب ابو عبيد القاسم بن سلام توفي سنة 224 هـ.

قال ابن حجر في المحكى عنه : ذكر ابو عبيد في كتابه خمسة عشر رجلاً من كل مصر ثلاثة انفس فذكر من مكة ابن كثير وابن محيصن وحميد الاعرج ومن اهل المدينة ابا جعفر وشيبة ونافعاً ومن أهل البصرة ابا عمرو وعيسى ابن عمر وعبد الله بن ابي اسحاق ومن اهل الكوفة يحيى بن وثاب وعاصماً والأعمش ومن اهل الشام عبد اله بن عامر ويحيى بن الحرث وذهب عني اسم الثالث ولم يذكر في الكوفيين حمزة ولا الكسائي بل قال ان جمهور اهل الكوفة بعد الثلاثة صاروا الى قراءة حمزة ولم يجتمع عليه جماعتهم قال واما الكسائي فكان يتجزى القراءات فأخذ من قراءة الكوفيين بعضاً وترك بعضاً ..

ثم اعقب ابا عبيد القاسم جمع منهم.

1 ـ القاضي اسماعيل بن اسحاق المالكي صاحب قالون الف كتاباً في القراءات وجمع فيه قراءة عشرين قارئاً منهم القراء السبعة المشهورين توفي سنة 282 هـ.

2 ـ ابو حاتم السجستاني وقد صنف كتاباً في القراءت ذكر فيه اكثر من عشرين رجلاً ولم يذكر فيهم ابن عامر ولا حمزة ولا الكسائي.

3 ـ ابو جعفر محمد بن حرير الطبري جمع كتاباً كاملا سماه الجامع فيه اثنان وعشرون قراءة توفي سنة 310 هـ.

4 ـ ابو بكر محمد بن احمد بن عمر الداجوني جمع كتاباً في القراءات فيه عشر قراءات وجعل الطبري المتقدم احدهم توفي سنة 320 هـ.

5 ـ جبير المكي وقد صنف كتاباً في القراءات فاقتصر على خمسة اقتصر من كل مصر اماماً وانما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي ارسلها عثمان الى هذه الامصار كانت خمسة حيث انه لم يصله خبر لمصحفي البحرين واليمن.

45

(القرن الرابع)

وكان في طليعة مدوني تلك الفترة وصدرهم ورئيسهم ابو بكر احمد بن موسى ابن العباس بن مجاهد وجه القراء في عصره وهو أول من اقتصر على قراءة القراء السبعة المشهورين فقط توفي سنة 324 هـ.

وقيل ان السبب الذي دعا وحث ابن مجاهد على تسبيع القراءات هو مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من غير البحرين واليمن قاريين كمل بهما العدد فصادف ذلك العدد الذي ورد الخبر به وهو أن القرآن انزل على سبعة احرف فوقع ذلك لمن لم يعرف اصل المسألة ولم يكن له فطنة فظن ان المراد بالاحرف السبعة القراءات السبع ولاسيما قد كثر استعمالهم الحرف في موضع القراءة فقالوا قرأ بحرف نافع وبحرف بن كثير فتأكد الظن بذلك وليس الأمر كما ظنه وكان من اجتهاداته على رأس الثلاثمائة من الهجرة ان اثبت اسم الكسائي وحذف يعقوب.

قال مكي بن ابي طالب : والسبب في الاقتصار على السبعة مع ان في ائمة القراءة من هو أجل منهم قدراً واكثر منهم عدداً ان الرواة عن الائمة كانوا كثيراً جداً فلما تقاصرت الهمم به اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وينضبط القراءة به فنظروا الى من اشتهر بالتثقة والامانة وطول العمر في ملازمة القراءة والاتفاق على الاخذ عنه فافردوا من كل مصر اماماً واحداً ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الائمة الجحدري وابي جعفر وشيبة وغيرهم.

(القرن الخامس)

فويه أخذ الناس يؤلفون في القراءات انواع التأليفات المشتملة على القراءات العشر والاكثر منها والأقل. (1)

____________

(1) راجع كتاب القراءات القرآنية للفضلي.

46

عقيدة الشيعة الامامية الاثنا عشرية

في تواتر أصل القرآن الكريم

قال رئيس المحدثين وقطب رحى الحديث الشيخ الصدوق ابو جعفر محمد ابن علي بن بابويه القمي في رسالة الاعتقادات تحت عنوان : الاعتقاد في مبلغ القرآن : اعتقادنا ان القرآن الذي انزله الله تعالى على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و ما بين الدفتين وما في ايدي الناس ليس باكثر من ذلك ومبلغ سوره عند الناس مائة واربعة عشر سورة وعندنا والضحى والم نشرح سورة واحدهولايلاف والم تر كيف سورة واحدة ومن نسب الينا انا نقول انه اكثر من ذلك فهو كاذب (1).

وقال تحت عنوان آخر : باب الاعتقاد في القرآن :

اعتقادنا في القرآن انه كلام الله ووحيه وتنزيله وكتابه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم وانه القصص الحق وانه لقول فصل وما هو بالهزل وان الله تبارك وتعالى محدثه ومنزله وربه وحافظه والمتكلم به (2).

وقا لالشيخ الاجل المفيد في كتاب اوائل المقالات في المذاهب والمختارات : واتفقوا (اي الامامية) على ان ائمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(3) قال جماعة من أهل الامامة انه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف امير المؤمنين (عليه السلام) من تأويل وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله وذلك كان ثابتاً منزلا وان لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن

____________

(1) كتاب الاعتقادات ط قم مركز نشر كتاب ص 92.

(2) نفس المصدر السابق ص 93.

(3) اوائل المقالات في المذاهب والمختارات ص 52 ط تبريز سنة 1371 هـ.

47

المعجز .. وهذا ليس فيه من اهل التفسير اختلاف ... واليه أميل .. واما الزيادة فيه فمقطوع على فسادها من وجه ويجوز صحتها من وجه فالوجه الذي اقطع على فساده ان يمكن لاحد من الخلق زيادة مقدار سورة فيه على حد يلتبس به عند أحد من الفصحاء.

واما الوجه المجوز فهو ان يزاد فيه الكلمة والكلمتان والحرف والحرفان وما اشبه ذلك مما لا يبلغ حد الاعجاز ويكون ملتبساًعند اكثر الفصحاء بكلم القرآن غير انه لابد متى وقع ذلك من ان يدل الله عليه ويوضح لعباده عنالحق فيه ولست اقطع على كون ذلك بل أميل الى عدمه وسلامة القرآن عنه ومعي بذلك حديث عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) ... ذهب اليه جماعة من متكلمي الامامية وأهل الفقه منهم والاعتبار (1).

وقال في موضع آخر تحت عنوان (القول في نسخ القرآن بالسنة) :

أقول : ان القرآن ينسخ بعضه بعضاً ولا ينسخ شيئاً منه السنة بل تنسخ السنة به كما تنسخ السنة بمثلها ... والقول بأن السنة لا تنسخ القرآن مذهب اكثر الشيعة ... (2)

وقال علم الهدى السيد المرتضى في المسائل الطرابلسيات : ان العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب الشمهورة واشعار العرب المسطورة فان العناية اشتدّت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت حداً لا تبلغه فيما ذكرناه لان القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والاحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من اعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز ان يكون مغيراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد.

وقال ايضاً قدس الله روحه : ان العلم بتفصيل القرآن وابعاضه في صحة نقله

____________

(1) نفس المصدر السابق ص 94.

(2) نفس المصدر السابق ص 141.

48

كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمزني فان اهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو ان مدخلا ادخل في كتاب سيبويه باباً من النحو ليس من الكتاب لعرف وميّز وعلم انه ملحق وليس من اصل الكتاب وكذلك القول في كتاب المزني ومعلوم ان العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء ... وان من خالف في ذلك من الامايمة والحشوية لا يعتد بخلافهم فان الخلاف في ذلك مضاف الى قوم من اصحاب الحديث نقلوا اخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع الى مثلها عن المعلوم المقطوع على صحته ..

وأضاف الحكيم المتاله الفيض الكاشاني بعد حكاية الكلام المتقدم عن السيد المرتضى معقباً اياه بقوله في تفسيره :

لقائل ان يكون كما ان الدواعي كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين الموصية المغيرين للخلافه لتضمنه ما يضاد رأيهم وهواهم والتغيير فيه ان وقع فانما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الان والضبط الشديد انما كان بعد ذلك فلا تنافي بينهما بل لقائل ان يقول انه ما تغير في نفسه وانما التغيير في كتابتهم اياه وتلفظهم به فانهم ما حرفوه الا عند نسخهم من الاصل وبقى الاصل على ما هو عليه عند أهله وهم العلماء به فما هو عند العلماء به ليس بمحرف وانما المحرف ما اظهروه لاتباعهم .. (1).

وقال في موضع آخر من التفسير المذكور في ذيل قوله تعالى : (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) (الحجر ـ 10).

(انا نحن نزلنا الذكر) رد لانكارهم واستهزائهم ولذلك اكد من وجوه (وانا له لحافظون) من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان (2).

____________

(1) الصافي في تفسير القرآن ج 1 ص 35 ط طهران.

(2) نفس المصدر السابق ص 898.

49

وقال أمين الاسلام الشيخ الطبرسي في تفسير جوامع الجامع :

هذا رد لانكارهم واستهزائهم في قولهم (يا ايها الذي نزل عليه الذكر) ولذلك قال (انا نحن) فأكد عليهم انه هو المنزل للقرآن على القطع والثبات وانه حافظه من كل زيادة ونقصان وتغيير وتحريف بخلاف الكتب المتقدمة فانه لم يتول حفظها وانما استحفظها الربانيين ولم يكل القرآن الى غير حفظه (1).

وقال شيخ الطائفة ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب تمهيد الاصول في علم الكلام : لنا في تصحيح نبوته (عليه السلام) طريقان احدهما الاستدلال بهذا القرآن الموجود معنا والثاني الاستدلال بباقي معجزاته (عليه السلام) ... والاستدلال بالقرآن لا يتم الا بعد بيان خمسة اشياء :

(أحدها) ظهوره بمكة وادعاؤه انه مبعوث الى الخلق رسول اليهم.

(وثانيها) وتحديه العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يده وادعاؤه ان الله تعالى انزله عليه وخصه به.

(وثالثها) ان العرب مع طول المدة لم يعارضوه.

(ورابعها) انهم لم يعارضون للتعذر والعجز.

(وخامسها) ان هذا التعذر خارق للعادة فاذا ثبت ذلك فاما ان يكون القرآن نفسه معجزاً خارقاً للعادة بفصاحته ولذلك لم يعارضوه اولان الله تعالى صرفهم عن معارضته ولولا الصرف لعارضوه وأي الامرين ثبت صحت نبوته (عليه السلام) لانه تعالى لا يصدق كذابا ولا يخرق العادة لمبطل اما ظهوره بمكة ودعاؤه الى نفسه فلا شبهة فيه بل ظهوره معلوم ضرورة لا ينكره عاقل وظهور هذا القرآن على يده ايضاً معلوم ضرورة مثل ذلك والشك في احدهما كالشك في الاخر وليس لاحد ان يقول كيف تدعون العلم الضروري والامامية تدعى تغيراً في القرآن الموجود ونقصاناً وكذلك جماعة من اصحاب الحديث.

قلنا العلم بنبوته عليه وآله السلام لا يفتقر الى العلم بان هذا القرآن الموجود

____________

(1) جوامع الجامع تفسير القرآن ج 1 ص 791 ط بيروت دار الاضواء.

50

بيننا هو الذي وقع التحدي به بعينه لان مع الشك في ذلك نعلم صحة النبوة لان من المعلوم الذي لا يشك انه (عليه السلام) تحدى العرب بكلام ذكر انه كلام ربه تعالى وان ملكاً انزله عليه وخصه به ومعلوم انهم لم يعارضوه لتعذرها عليهم.

وهذا كاف في العلم بنبوته عليه وآله السلام ودلالة على صدقه لان ذلك الكلام الذي تعذر عليهم معارضته لا يخلو ان يكون وجه تعذرها فرط فصاحته التي خرقت العادة أولانه تعالى صرفهم عن المعارضة وكلا الأمرين يدلان على صحة نبوته عليه وآله السلام نصرنا صحة نقل القرآن أولم ننصره على انه لا خلاف ان هذا الذي معنا هو القرآن الذي انزله الله تعالى وانما الخلاف في انه هل كان زائداً عليه أولا وذلك لا يحتاج اليه في العلم بنبوته لان التحدى حاصل بسورة منه فضلا عن جميعه على انه (اي علم الهدى السيد المرتضى) دل على فسادقول من خالفه في ذلك في المسألة الطرابلسية وجملة منه في الذخيرة بما لا مزيد عليه ولا حاجة بنا هنا الى ذكره (1).

القراءة التي نزل القرآن على وفقها

ورووا من طرقهم عدة روايات.

فمن ذلك ما رواه علي بن ابراهيم القمي في تفسيره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)انه قال : لو انّ الناس قرؤا القرآن كما انزل ما اختلف اثنان (2).

ومن ذلك ما رواه الثقة الكليني عن الامام الرضا (عليه السلام) :

ان القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة (3) وكذا ما رواه عن الفضل بن يسار قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : ان الناس

____________

(1) تمهيد الاصول في علم الاصول ص 325 ـ 326 ط طهران جامعة طهران.

(2) شرح املا محمد صالح المازندراني على الكافي ج 11 ص 11 ط طهران.

(3) منبع الحياة ص 71 ط بيروت.