أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج6

- السيد جواد شبر المزيد...
336 /
1

-

2

-

3

-

4

-

5

-

6

دعاء وثناء

انهالت علينا مجموعة من رسائل الأصدقاء الأعلام وفيها عواطف صورت عن طريق النقد والتقريظ ، آثرنا إرجاء نشرها. واعتزازاً بواحدة من هذه الرسائل هي ما تفضل به سيدي الوالد (قدس سره) فكتب دعاء ضمنه الثناء ، وإني اعتبرها ذكرى له بها تذكرة وإليكم النص :

ولدي السيد جواد :

أملي من الأولاد ، وذخري من أفلاذ الأكباد ، مفخرة الأعواد ، ولدي الجواد ، دام مثالاً للصلاح والسداد ، ومحفوظاً برب العباد.

ها هي هديتك الثمينة ، عليها الإهداء بيدك الأمينة ، وهو الجزء الرابع من موسوعة ( أدب الطف أو شعراء الحسين ) وها أنا أقرأه بإمعان وأقف عند مدلوله ومنقوله ، وأتمشى مع أبوابه وفصوله ، فجزاك الله خير جزاء المحسنين ، على ما أسديت من خدمة لسادتنا الميامين الهداة المهديين ، وفي طليعتها بل على جبهتها تلمع الأشعة من أنوار الحسين أبي الأئمة التسعة.

يسرني أن أراك أرتقيت مرتقي يصعب على غيرك ارتقاؤه ، وتسنمت منبراً لا يليق لغيرك اعتلاؤه ، إذ أن هذا المجهود لا ينال بغير السهر والتعب ، والإحاطة ، بدواوين العرب ، فمرحى لك مرحى لقد استخرجت منها اللباب ، وأتيتنا بما لد وطاب ، فطب نفساً ، وقر عيناً ، فعملك مذكور مشكور ، وباق مع الدهور.

وكل ما أتمناه لموسوعتك ، وأوصيك بمتابعته ومواصلته ، هو التصميم على إكمالها دون ملل وضجر ، إذ قل ما يحرم الصبور الظفر.

« وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ».

3 شهر رجب 1393

والدكم

علي شبر الحسيني

7

تقديم

ما أكثر ما تقع عليه العين من الشعر في الدواوين المنتشرة وفي الكتب النادرة من المطبوعة والمخطوطة ، ولما كان هدفنا وموضوعنا من موسوعتنا هذه هو الشعر المقول في أهل البيت (عليهم السلام) وبالأخص الإمام الحسين (عليه السلام) إذ تعني بشعراء الحسين خاصة الذين تحسسوا بنهضة وأشادوا بثورته وما أكثر هؤلاء وقد قيل ـ والحق فيما قيل ـ إنه رثي بكل لسان في كل جيل وفي كل عصر بمختلف اللغات وعلى جميع الألسن فإن يوم الحسين الخالد استخدم المشاعر وشحذ الأذهان واستهوى القلوب.

أما العقبة التي تواجه موسوعتنا ( أدب الطف ) فهي الكثرة من هؤلاء الشعراء فليس من السهل الوقوف على تراجمهم ومعرفة أسمائهم أو العصور التي عاشوا فيها ، سيما وهم ليسوا من قطر واحد أو من دين واحد فقد نظم في يوم الحسين المسلم وغير المسلم واحتفل بيومه كل إنسان وكل من يحب الخير للانسان ذلك لأن هدف الحسين لم يك هدفاً خاصاً يقتصر على طائفة دون طائفة أو على أمة دون أمة بل الحسين للجميع ولكل من يتحسس بالإباء والكرامة والنخوة والشهامة ولكل من يكره الجور والطغيان والظلم والعدوان. يقول الأديب المسيحي بولس سلامة في ملحمته ( عيد الغدير ) :

8

سيكون الدم الزكي لواءاً * * * لشعوب تحاول استقلالا

وهذا هو الجزء السادس من ( أدب الطف ) يتضمن القسم الأول من شعراء القرن الثالث عشر وتتلوه أجزاء نستمد العون من الله وحده لإنجازها ، وإن الله مع من أحسن عملا.

المؤلف

9

السيد احمد علي خان

المتوفي قبل سنة 1168

هي الطفوف فطف سبعاً بمغناها * * * فما لبكة معنى دون معناها

أرض ولكنما السبع الشداد لها * * * دانت وطأطأ أعلاها لأدناها

هي المباركة الميمون جانبها * * * ما طور سيناء إلا طور سيناها

وصفوة الأرض أصفى الخلق حل بها * * * صفاه ذو العرش إكراماً وصفاها

منزه في المزايا عن مشابهة * * * ونزهت عن شبيه في مزاياها

وكيف لا وهي أرض ضمنت جثثاً * * * ما كان ذا الكون ـ لا والله ـ لولاها

فيها الحسين وفتيان له بذلوا * * * في الله أي نفوس كان زكاها

إذ القنا بينهم كالرسل بينهم * * * والبيض تمضي مواضيها قضاياها

أنسى الحسين وسمر الخط تشجره * * * إذاً فما انتفعت نفسي بذكراها

أنساه يخطب أحزاب الضلال وقد * * * أصمها الشرك والشيطان أعماها

فحين أعذر أعطى البيض حاجتها * * * والسمر في دم أهل الغي رواها

إن كر فرت كأسراب القطا هرباً * * * حتى تعثر أولاها بأخراها

فلت حدود سيوف الهند ما صنعت * * * كأنه ما قراها يوم هيجاها

ولم تكن كفه هزت مواضيها * * * ولم يكن كلما استسقته أسقاها

لو عاينت يومه عينا أبي حسن * * * قضى مآرب حق قد تمناها

أو كان يشهده في كربلا حسن * * * رأت أمية منه سوء عقباها

10

يا باذل النفس في الله العظيم ولولا * * * الله بارؤها ما كان أغلاها

الأرض بعدك نظت ثوب زينتها * * * وجداً وشوه بعد الحسن مرآها

والشمس لولا قضاء الله ما طلعت * * * حزناً عليك ولا كنا رأيناها

تبكي عليك بقان في مدامعها * * * وما بكت غير أن الله أبكاها

واهتزت السبع والعرش العظيم ولولا * * * الله أصبحت العلياء سفلاها

الإنس تبكي رزاياك التي عظمت * * * والجن تحت طباق الأرض تنعاها

رزية حل في الإسلام موقعها * * * تنسى الرزايا ولكن ليس تنساها

وكيف تنسى مصاباً قد أصيب به * * * الطهر الوصى وقلب المصطفى طاها

خطب دهى البضعة الزهراء حين دهى * * * رزء جرت بنجيع منه عيناها

فأي قلب لهذا غير منفطر * * * وجداً فذلك أشجاها وأقساها

آل النبي على الأقتاب عارية * * * كيما يسر يزيد عند رؤياها

ورأس أكرم خلق الله يرفعه * * * على السنان سنان وهو أشقاها

فياله من مصاب عم فادحه * * * كل البرية أقصاها وأدناها

تبكي له أنبياء الله موجعة * * * وما بكت لعظيم من رزاياها

وتستهيج له الأملاك باكية * * * وما البكاء لشيء من سجاياها

فأي عذر لعين لم تجد بدم * * * لو جف من جريان الدمع جفناها

تالله تبكي رزايا الطف ما خطرت * * * وكلما يقرع الأسماع ذكراها

تبكي مصارع آل الله لا برحت * * * عليهم من صلاة الله أزكاها

حتى يقوم بأمر الله قائمنا * * * فنشحذن سيوفاً قد غمدناها

بقية الله من بالسيف يملؤها * * * عدلا كما ملئت جوراً ثناياها

إليك يا ابن رسول الله سائرة * * * من القوافي ترجي منك قرباها

بايعت مجدك فيها وهي واثقة * * * أن لا ترد إذا مدت بيمناها

وأشهد الله أني سلم من سلمت * * * لكم مودته حرب لمن تاها

برئت من معشر عمي بصائرها * * * والت أناساً إله العرش عاداها

ولا تزال على الأيام باقية * * * عليكم من صلاة الله أسناها

11

جاء في الذريعة ـ قسم الديوان ـ :

السيد أحمد بن السيد مطلب بن عليخان بن خلف بن عبدالمطلب المشعشي الحويزي.

كان معاصراً للسيد عبد الله بن نور الدين بن نعمة الله الجزائري. وكان عالماً ورعاً أديباً لم يتداخل في شيء من أمر أخوته ولاة الحويزة. وفي جواب مسائله كتب السيد عبد الله ( الذخيرة الأبدية ) كما كتب السيد عبد الله ( كاشفة الحال في علم القبلة والزوال ) باسم أخيه السيد علي خان الصغير ابن مطلب بن عليخان بن خلف. وترجمه السيد عبد الله في أجازته الكبيرة التي كتبها سنة 1168 ويظهر منها وفاته قبل التاريخ.

وقال السيد الأمين في الأعيان : السيد أحمد بن خلف بن المطلب بن حيدر الموسوي المشعشي ، أخو السيد علي خان حاكم الحويزة.

عالم ورع كامل أديب زاهد ، لم يدخل في شيء من أمر أخوته وعصبته ولاة الحويزة بل كان يمتنع من أخذ جوائزهم ويكتفي بغلة زرعه ، جاور أئمة العراق (عليهم السلام) إلى أن مات في المشاهد المشرفة ، له مسائل أجاب عنها السيد عبد الله بن نور الدين الجزائري. وله ديوان شعر.

12

الشيخ يوسف البحراني

المتوفي سنة 1186 هـ

برق تألق بالحمى لحماتها * * * أم لامع الأنوار في وجناتها (1)

وعبير ند عطر الأكوان أم * * * ذا عنبر أهدته من نفحاتها

أكريمة الحسين هل من زورة * * * تشفي المعنى من عنا حسراتها

شاب العذار ولم تشوبوا هجركم * * * منها بشيء لا ولا بعداتها

جودوا ولو بالطيف إن خيالكم * * * يطفي من الاحشا لظى لهباتها

قم يا خليل فخل عن تذكارهم * * * واحبس سخين الدمع من عبراتها

ياهل رأيت متيماً تمت له * * * في هذه الدنيا سوى نكباتها

وأعد علي حديث وقعة نينوى * * * ولواعج الأشجان في ساحاتها

لله أية وقعة لمحمد * * * في كربلا أربت على وقعاتها

ضربت عران الذل في أنف الهدى * * * فغداً يقاد به بنو قاداتها

لله من يوم به قد نكست * * * تلك الكماة الصيد عن صهواتها

____________

1 ـ عن أنيس المسافر ج 2 ص 51 للشيخ يوسف البحراني.

13

لله أنصار هناك وفتية * * * سادت بما حفظته في سادتها

فوق الخيول تخالها كأهلة * * * وبدور حسن لجن في هالاتها

وإذا سطت تخشى الأسود لكرها * * * في الحرب من وثباتها وثباتها

شربت بكأس الحتف حين بدا لها * * * في نصر خيرتها سنا خيراتها

الجسم منها بالعراء وروحها * * * في سندس الفردوس من جناتها

نفسي لآل محمد في كربلا * * * محروقة الأحشاء من كرباتها

ترنو الفرات بغلة لا تنطفي * * * عطشاً وما ذاقت لطعم فراتها

أطفالها غرثى أضر بها الطوى * * * وهداتها صرعى على وهداتها

يا حسرة لا تنقضي ومصيبة * * * تترقص الأحشاء من زفراتها

دار النبي بلاقع من أهلها * * * للبوم نوح في فنا عرصاتها

تبكي معالمها لفقد علومها * * * أسفاً وحسن صلاتها وصلاتها

وديار حرب بالملاهي والغنا * * * قد شيدت وبها شدا قيناتها

معمورة بخمورها وفجورها * * * وبغاتها نشوى على نغماتها

وحريم آل محمد مسبية * * * بين العدى تقتاد في فلواتها

نفسي لزينب والسبايا حسرا * * * تبكي ومنظرها إلى أخواتها

تستعطف القوم اللئام فلا ترى * * * إلا وجيع الضرب من شفراتها

فلذاك خاطبت الزمان وأهله * * * بشكاية الشعراء في ابياتها

قد قلت للزمن المضر باهله * * * ومغير السادات عن عاداتها

إن كان عندك يا زمان بقية * * * مما تهين بها الكرام فهاتها

يا للرجال لوقعة ما مثلها * * * أذكت بقلب المصطفى جذواتها

يا للرجال لعصبة علوية * * * تبعت أمية بعد فقد حماتها

من مخبر الزهراء أن حسينها * * * طعم الردى والعز من سادتها

14

أترى درت أن الحسين على الثرى * * * بين الورى عار على تلعاتها

ورؤوس أبناها على سمر القنا * * * وبناتها تهدى إلى شاماتها

يا فاطم الزهراء قومي واندبي * * * أسراك في أشراك ذل عداتها

يا عين جودي بالبكاء وساعدي * * * ست النساء على مصاب بناتها

نفس تذوب وحسرة لا تنقضي * * * وجوى عراها مد في سنواتها

هذي المصائب لا يداوى جرحها * * * إلا بسكب الدمع من عبراتها

إني إذا هل الحرم هاج لي * * * حزناً يذيق النفس طعم مماتها

يا يوم عاشوراء كم لك لوعة * * * تتفتت الأكباد من صدماتها

يا أمة ضاعت حقوق نببها * * * وبنيه بين طغاتها وبغاتها

في أي دين يا أمية حللت * * * لكم دماء من ذوى قرباتها

زعمت بأن الدين حلل قتلها * * * أو ليس هذا الدين من أبياتها

ضربت بسيف محمد أبناءه * * * ورأت له الأغماد من هاماتها

فمتى إمام العصر يظهر في الورى * * * يحيي الشريعة بعد طول مماتها

ومتى نرى الرايات تشرق نورها * * * وكتائب الأملاك في خدماتها

يا سعد حظي في الورى إن ساعد * * * التوفيق في نصري لدين هداتها

لأري العدى طعم الردى بصوارم * * * ولأروين الأرض من هاماتها

يا رب عجل نصره وانصربه * * * أشياعه اللهفا وخذ ثاراتبا

يا سادة قرنت سجايا جهودها * * * لوجودها فالنجح من عاداتها

واليتكم وبرئت من أعدائكم * * * أبغي بذاك الفوز في درجاتها

ما لابن أحمد يوسف لذنوبه * * * إلا كم يرجوه في شداتها

وإليكم أهدي عروساً غادة * * * في الحسن قد فاقت على غاداتها

قد زفها والمهر حسن قبولكم * * * يا سادتي والعفو عن زلاتها

وعلى النبي وآله صلواته * * * ما غرد القمري في باناتها

15

الشيخ يوسف البحراني

الفقيه الكبير والمحدث الشهير ، ناشر راية العلم ذو اليراع الجوال في مختلف العلوم.

هو يوسف بن أحمد بن ابراهيم بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عصفور الدرازي البحراني ، صاحب الحدائق. توفي بكربلاء ظهر يوم السبت 4 ربيع الأول سنة 1186 ـ من أفاضل علمائنا المتأخرين ، جيد الذهن ، معتدل السليقة ، بارع في الفقه والحديث ، قال في حقه أبو علي صاحب الرجال : عالم فاضل متبحر ماهر محدث ورع عابد صدوق دين من أجله مشايخنا المعاصرين وأفاضل علمائنا المتبحرين.

كان أبوه الشيخ أحمد من أجلة تلامذة شيخنا الشيخ سليمان الماحوزي وكان عالماً فاضلاً محققاً مدققا مجتهداً صرفا كثير التشنيع على الإخباريين كما صرح به ولده شيخنا المذكور في إجازته الكبيرة ، وكان هو (قدس سره) أولاً إخبارياً صرفا ثم رجع إلى الطريقة الوسطى وكان يقول إنها طريقة العلامة المجلسي صاحب البحار انتهى.

وترجم له السيد الخوانساري في روضات الجنات فأثنى عليه ثناءاً عاطراً وقال في ترجمة نفسه في اجازته الكبيرة أنه ولد في السنة السابعة بعد المائة والألف في قرية الماحوز بالبحرين ، واشتغل وهو صبي على والده طاب ثراه ثم على العالم العلامة الشيخ حسن الماحوزي ، واشتغل أيضاً على الشيخ أحمد بن عبد الله البلادي وغيرهما. ودفن في الرواق عند رجلي سيد الشهداء مما يقرب من الشباك المبوب المقابل لقبور الشهداء.

له مؤلفات نافعة نذكر في مقدمتها موسوعة ( الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ) طبع أخيراً بمطابع النجف.

16

2 ـ الدرر النجفية.

3 ـ سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد رد به على شرح النهج.

4 ـ الشهاب الثاقب في معنى الناصب.

5 ـ جليس الحاضر وأنيس المسافر المعروف بـ ( الكشكول ).

6 ـ الأربعون حديثاً في مناقب أميرالمؤمنين (عليه السلام) ، استخرجها من كتب أبناء السنة والجماعة.

7 ـ لؤلؤة البحرين في الإجازة لقرتي العينين ، وهي إجازة كبيرة مبسوطة كتبها لابني أخويه الشيخ حسين ابن الشيخ محمد والشيخ خلف ابن الشيخ عبد علي وكتب العلامة المعاصر السيد عبدالعزيز الحيدري له ترجمة ضافية أثبتها في مقدمة ( الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة ) المطبوع جديداً بمطابع النجف وعدد له 45 مؤلفاً. وفي الكشكول كثير من الروائع والأدب والمنثور والمنظوم وله مراسلات أدبية مع أحبائه وإخوانه منها قصيدتان بعثهما إلى اخوته يشكو إليهم ما ألم به من حوادث وكوارث ، وله تخميس لقصيدة مطولة بعث بها إليه أحد إخوانه. وقصيدة يمدح بها الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) حين جاء للعراق زائراً عام 1156. ودع الحياة عن عمر ناهز الثمانين كرسه لخدمة العلم والدين وفي تدوين الفقه وتبويبه وفروعه وأصوله وقضاه في جمع شتات أحاديث أئمة بيت الوحي (صلوات الله وسلامه عليهم)

لبى نداء ربه بعد زعامة دينية امتدت زهاء عشرين سنة وهرعت كربلاء لتشييعه ودفن بالحائر الشريف في الرواق الحسيني الأطهر عند رجلي الشهداء وأقيمت له الفواتح في كربلاء المشرفة وسائر البلاد الشيعية ، وأول من أقام له الفاتحة تلميذه الأكبر آية الله السيد محمد مهدي بحر العلوم.

17

ممن رثاه السيد محمد الشهير بالزيني مؤرخاً عام وفاته في قصيدة مطلعها :

ما عذر عين بالدما لا تذرف * * * وحشاشة بلظى الأسى لا تتلف

واليوم قد أودى الإمام العالم * * * العلم التقي أبو المفاخر يوسف

درست مدارس فضله ولكم بها * * * كانت معارف دين أحمد تعرف

ما أنت إلا بحر علم طافح * * * قد كانت العلماء منه تغرف

وفيها يقول :

يا قبر يوسف كيف أوعيت العلى * * * وكنفت في جنبيك ما لا يكنف

قامت عليه نوائح من كتبه * * * تشكو الظليمة بعده وتأسف

كحدائق العلم التي من زهرها * * * كانت أنامل ذي البصائر تقطف

قد غبت عن عين الانام فكلنا * * * يعقوب حزن غاب عنه يوسف

فقضيت واحد ذا الزمان فأرخوا * * * قد حن قلب الدين بعدك يوسف

18

علي بن ماجد الجد حفصي

المتوفى 1208

ما للعيون جفت لذيذ رقادها * * * عبراء إلف بكائها وسهادها

تذري دموعاً في الخدود كأنما * * * مدت مياه البحر من امدادها

ويقول فيها :

لي مهجة كالنار إلا أنها * * * بمدامعي تزداد في إيقادها

صيرت مني الدمع أعذب مائها * * * ولواعج الأشجان أطيب زادها

أسفا على فتيان حق جرعت * * * بالطف كأس الحتف من اضدادها

أفديهم من فتية علوية * * * قد جاهدت في الله حق جهادها

شغفت بذكر الله حتى أنها * * * لم تخل يوم الحرب من أورادها

المجد من أقرانها والفخر من * * * أخدانها والسحب من وفادها

والخير مابين الورى من جودها * * * ومحمد المختار من أجدادها

لهفي لهم والبيض تورد منهم * * * فتعود حمراً من دما أجسادها

قد أشرقت بهم الطفوف كأنما * * * خرت نجوم الأرض بين وهادها

يا للرجال لعصبة أموية * * * أطفت بأيديها سراج رشادها

لله كم أجرت لأحمد عبرة * * * قد أخمدت منها لظى أحقادها

19

تباً لها تركت حبيب محمد * * * فوق الصعيد يجود تحت جيادها

صدته عن ورد الفرات وقلبه * * * صاد وكل الوحش من ورادها

قد أغضبت فيه الإله ورجحت * * * إرضاء نفس يزيدها وزيادها

تالله لو علمت ظبا الأعدا به * * * منعتهم التجريد من أغمادها

والضمر لو علمت رأت إصدارها * * * عنه ولو غصبت على إيرادها

وبكت له العليا أسى وتعوضت * * * أجفانها عن غمضها بسهادها

نفسي فداه وما فداي بنافع * * * من أدركت منه العداة مرادها

ملقى على حر الصعيد ورأسه * * * قد صعدته القوم فوق صعادها

يسرى به ظلماً أمام نسائه * * * ونساؤه حسرى بذل قيادها

أين البتولة فاطم الزهراء ترى * * * مافي الزمان جرى على أولادها

أترى درت أن العدى من بعدها * * * أصمت بأسهمها صميم فؤادها

ذكره الشيخ أغا بزرك الطهراني في الذريعة ـ قسم الديوان ـ فقال :

ديوان السيد علي بن ماجد الجد حفصي ، المتوفي 1208 هـ الموجودة مراثية في مجموعة دونها الشيخ لطف الله بن علي الجد حفصي في سنة 1201 أقول وفي المجموعة كثير من شعره ومنه قصيدته التي تحتوي على 67 بيتاً وأولها :

تجف جفون السحب والدمع جائد * * * ويخمد وقد النار والقلب واقد

وأخرى تتكون من 58 بيتاً وأولها :

ألا من لصب قلبه منه واجب * * * مباح لديه الوجد والندب واجب

20

علي بن حبيب الخطي

أنفحة مسك أذفر شيب بالند * * * تنشقت أم ريح الطفوف على البعد

فيانسمة أهدت إلينا تضوعاً * * * ورائحة تزرى برائحة الورد

رويداً رعاك الله حركت ساكناً * * * بقلبي وأورتني بقلبي لظى وجدي

فما حال سبط المصطفى وحبيبه * * * وقرة عين المرتضى الجوهر الفرد

أجاب لسان الحال ما حال سيد * * * رعيته خانته في العهد والوعد

سأقضي حياتي زفرة بعد زفرة * * * عليه ولكن التزفر لا يجدي

بنفسي نفس البضعة الطهر فاطم * * * على الأرض مرضوض الأضالع بالجرد

فقل لابن سعد بعد تسعين تشتري العمى * * * بالهدى يا ويك والنحس بالسعد (1)

أتطفي سنا الاسلام ما أنت في الورى * * * فتى سادس الإسلام بل شر مرتد

وفي آخرها :

فتى ابن حبيب قاصر عن مديحكم * * * ولكن من وجدي بذلت لكم وجدي (2)

____________

1 ـ يظن البعض أن عمر بن سعد بن أبي وقاص كان متقدماً في السن وأنه عاش وعمر كما في هذا البيت ( فقل لابن سعد بعد تسعين تشتري ) والحقيقة أنه قتل وهو في سن الثلاثين أو الأربعين لأنه ولد يوم موت عمر بن الخطاب ولذا سموه بعمر إذن يكون عمره يوم تولى قيادة الجيش لحرب الحسين (ع) ستة وثلاثين سنة فقط.

2 ـ عن مخطوط الشيخ لطف الله الجد حفصي.

21

والقصيدة تزيد على الستين بيتاً. وله قصيدة أيضاً في مجموعة الشيخ لطف الله ، وأولها :

إنهض إلى أم القرى ومناتها * * * وبطيبة طف بي على عرصاتها

وهي أكثر من سبعين بيتاً.

وله أيضاً :

أسير الهوى ما بال ثغرك مفترا * * * أراك بما أولاك مولاك مغتراً

وتختال في ثوب الشبيبة مائساً * * * وتطرب في تذكار غادتك الغرا

فدع ذكر من تهوى ولا تطع الهوى * * * أما سمعت أذناك بالوقعة الكبرى

أيصبح منك السن ياويك باسماً * * * سروراً وتبكي عين فاطمة الزهراء

ألا اطلق عنان العيس واعنف بسيرها * * * وإن جئت وادي الطف قف نبك من ذكرى

هناك ترى من نور العرش باسمه * * * له كبد حرى وفي بردة حمرا

تحتوي على 56 بيتاً نقلنا منها هذا المقطع.

22

السيد علي السيد احمد

بكى بقاني دمه والمدمع * * * صب لذكر دمنة ومريع

لم يبق فيها من يجيب داعياً * * * ولا يلبي ناشداً ولا يعي

غير اثاف جثم ودونها * * * نوء وأشلا وتد ومخدع

فما البكا وما العنا وما الشجى * * * وما الضنا على الذي لم ينفع

هلم هات كلما ادخرته * * * من مدمع ومن دم وابك معي

على الحسين المستضام والإمام * * * بن الإمام الألمعي اللوذعي

السيد السميدع ابن السيد * * * السميدع ابن السيد السميدع

الأروع المبجل المعظم المكرم * * * الممجد ابن الأروع

واذكر عظيم رزئه فإنه * * * بمثله كل الورى لم تسمع

قضى ظماً مع صحبه بكربلا * * * ودون السلسبيل المترع

وفي آخرها :

آل النبي حبكم قد انحنت * * * عليه ـ مذ كونت ـ عوج أضلعي

إذ حبكم وبغضكم بين الورى * * * علامة للنصب والتشيع

وأنتم يوم الحساب عدتي * * * لشدتي ومأمني لمفزعي

وهاكم عذراء من نجلكم * * * بغير وشي الحب لم تلفع

تحجبت من البها ببرقع * * * وهي لقلب الخصم قلب البرقع

23

ولي وآبائي وللرحم اشفعوا * * * إذ غيركم يوم القضا لم يشفع

عليكم الرحمن صل ما اكتسى * * * روض الربيع نسج أيدي الهمع (1)

وفي مجموعة حسينية في مكتبة الامام الصادق العامة في حسينية آل الحيدري بمدينة الكاظمية على مشرفها أفضل التحية ، والمجموعة في قسم المخطوطات ـ رقم 75 تحتوي على جملة قصائد لشعراء قدماء كلهم من القرن الثاني عشر الهجري ، أو قبل ذلك. وقد جاء في آخرها :

وقد فرغت من تحرير هذه المجموعة في مراثي سيدنا ومولانا وإمامنا أبي عبدالله الحسين (عليه السلام). في يوم السابع من شهر جمادي الثانية من شهور سنة 1242. وأنا العبد الجاني محمد شفيع بن محمد بن مير بن عبدالجميل الحسيني غفر الله لهم.

____________

1 ـ عن مجموعة المراثي الحسينية بخط محمد شفيع بن محمد بن مير الحسيني سنة 1242 مخطوطة مكتبة الامام الصادق العامة بالكاظمية حسينية آل الحيدري رقم « 7 ».

24

السيد محمد الشاخوري

أهاجك ربع دارس وطلول * * * ترحل منها للفراق خليل (1)

فبت كئيباً ساهر الطرف باكياً * * * ودمعك بعد الظاغنين هطول

إذا مر ذكر البان ظلت لبينه * * * دموعك في صحن الخدود تسيل

وتشتاق آرام النقا ولطالما * * * عراك لذكراها أسى ونحول

أما قد بدا شيب العذار وإنه * * * لعمري على قرب الرحيل دليل

أتخدعك الدنيا بريب غرورها * * * وأنت لثقل الحادثات حمول

وتستعب اللذات فيها وصفوها * * * قليل وأما خطبها فجليل

فإياك والدنيا الغرور فكم بها * * * لعمري عزيز صار وهو ذليل

أتاحت لآل المصطفى جمرة الردى * * * وليس لهم في العالمين مثيل

فهم بين مسجون قضى في حديده * * * وآخر مسموم وذاك قتيل

وأعظم شيء أورث القلب حسرة * * * ووجداً مدى الأيام ليس يزول

مصاب بأرض الطف قد جل خطبه * * * فكم قمر فيه عراه أفول

____________

1 ـ عن مجموعة الشيخ لطف الله.

25

غداة قضت من آل احمد عصبة * * * لدى الطف شبان لهم وكهول

أناخت بأرض الغاضريات بدنهم * * * لهم في ثراها مضجع ومقيل

قضوا ظمأ ما بردوا غلة الظما * * * وللوحش من ماء الفرات نهول

ومن بينهم ريحانة الطهر أحمد * * * عفير على حر التراب جديل

له جسد أودت به شفر الضبا * * * لقى ودم الأوداج منه يسيل

كست جسمه يوم الطفوف سنابك * * * بعثيرها في البيد وهي تجول

وحاكت له ريح الصبا بهبوبها * * * قميص رغام بالدماء غسيل

على لذة الأيام من بعده العفا * * * فما بعده الصبر الجميل جميل

لحى الله عينا تذخر الدمع بعده * * * ونفساً إلى قرب السلو تميل

فيا قلب ذب من شدة الوجد والأسى * * * ويا عين سحي فالمصاب جليل

بنات رسول الله تسبى حواسراً * * * لهن على فقد الحسين عويل

وتبرز من تلك الخدود لواغبا * * * وليس لها بعد الحسين كفيل

سوافر لا ستر يغطي رؤوسها * * * تنوح ودمع المقلتين همول

نوادب من وجد يكاد لنوحها * * * تذوب الرواسي حرقة وتزول

يسير بها في أعنف السير سائق * * * ويزجرها حاد هناك عجول

ينادين يا جداه بعدك أظهرت * * * علينا حقود جمة وذهول

وصالت علينا عصبة أموية * * * نغول نمتها بالسفاح نغول

أيا جد أضحى السبط ملقى على الثرى * * * تجر عليه للرياح ذيول

قضى ظمأ والماء جار ودونه * * * حدود سيوف لمع ونصول

وساقوا إمام العصر يا جد بينهم * * * أسيراً يقاسي الضر وهو عليل

أضر به السير الشديد وسورة * * * الحديد وقيد في اليدين ثقيل

أولي الوحي يا من حبهم لوليهم * * * أمان ، وعن حر الجحيم مقيل

فإن لم تقيلوا نجلكم من ذنوبه * * * فليس اليه في النجاة سبيل

أيشقي ويبقى أحمد في ذنوبه * * * وأنتم ظلال للأنام ظليل

26

الملا كاظم الأزري

المتوفى 1211

من روائعه في الإمام الحسين (ع) :

إن كنت في سنة من غارة الزمن * * * فانظر لنفسك واستيقظ من الوسن

ليس الزمان بمأمون على أحد * * * هيهات أن تسكن الدنيا إلى سكن

لا تنفق النفس إلا في بلوغ مني * * * فبائع النفس فيها غير ذي غبن

ودع مصابحة الدنيا فليس بها * * * إلا مفارقة السكان للسكن

وكيف يحمد للدنيا صنيع يد * * * وغاية البشر فيها غاية الحزن

هي الليالي تراها غير خائنة * * * الا بكل كريم الطبع لم يخن

الا تذكرت اياما بها ظعنت * * * للفاطميين اظعان عن الوطن

ايام طل من المختار اي دم * * * وادميت اي عين من أبي حسن

أعزز بناصر دين الله منفردا * * * في مجمع من بني عبادة الوثن

يوصي الأحبة ان لا تقبضوا أبدا * * * إلا على الدين في سر وفي علن

وان جرى أحد الأقدار فاصطبروا * * * فالصبر في القدر الجاري من الفطن

ثم انثنى للأعادي لا يرى حكما * * * إلا الذي لم يدع رأسا على بدن

سقيا لهمته ما كان أكرمها * * * في سقي ماضي المواضي من دم هتن

وللظبى نغمات في رؤوسهم * * * كأنها الطير قد غنت على فنن

27

يا جيرة الغي ان انكرتم شرفي * * * فإن واعية الهيجاء تعرفني

لا تفخروا بجنود لا عداد لها * * * ان الفخار بغير السيف لم يكن

ومذرقى نبر الهيجاء اسمعها * * * مواعظا من فروض الطعن والسنن

لله موعظة الخطي كم وقعت * * * من آل سفيان في قلب وفي اذن

كأن أسيافه اذ تستهل دماً * * * صفائح البرق حلت عقدة المزن

لله حملته لو صادفت فلكا * * * لخر هيكله الأعلى على الذقن

يفري الجيوش بسيف غير ذي ثقة * * * على النفوس ورمح غير مؤتمن

وعزمة في عرى الأقدار نافذة * * * لو لاقت الموت قادته بلا رسن

حق إذا لم تصب منه العدى غرضا * * * رموه بالنبل عن موتورة الضغن

فانقض عن مهره كالشمس عن فلك * * * فغاب صبح الهدى في الفاحم الدجن

قل للمقادير قد ابدعت حادثة * * * غريبة الشكل ما كانت ولم تكن

امثل شمر اذل الله جبهته * * * يلقى حسيناً بذاك الملتقى الخشن

واحسرة الدين والدنيا على قمر * * * يشكوا الخسوف من العسالة اللدن

يا سيدا كان بدء المكرمات به * * * والشمس تبدأ بالأعلى من القنن

من يكنز اليوم من علم ومن كرم * * * كنزا سواك عليه غير مؤتمن

هيهات إن الندى والعلم قد دفنا * * * ولا مزية بعد الروح للبدن

لقد هوت من نزار كل راسية * * * كانت لابنية الأمجاد كالركن

لله صخرة وادي الطف ما صدعت * * * إلا جواهر كانت حلية الزمن

خطب ترى العالم العلوي لان له * * * ما العذر للعالم السفلي لم يلن

من المعزي حمى الإسلام في ملك * * * من بعده حرم الإسلام لم يصن

يهينك يا كربلا وشي ظفرت به * * * من صنعة لامن لايمن صنعة اليمن

لله فخرك ما في جيدة عطل * * * ولا بمرآته الأدنى من الدرن

كم خر في تربك النوري بدر تقى * * * لولاه عاطلة الإسلام لم تزن

حي من الشوس معتاد وليدهم * * * على رضاع دم الأبطال لا اللبن

يجول في مشرق الدنيا ومغربها * * * نداهم جولان القرط في الأذن

28

من مبلغ سوق ذاك اليوم ان به * * * جواهر القدس قد بيعت بلا ثمن

قل للمكارم موتي موت ذي ظمأ * * * فقد تبدل ذاك العذب بالأجن

لقد اطلت على الإسلام نائبة * * * كقتل هابيل كانت فتنة الفتن

أقول والنفس مرخاة ازمتها * * * يقودها الوجد من سهل إلى حزن

مهلا فقد قربت أوقاف منتظر * * * من عهد آدم منصور على الزمن

كشاف مظلمة خواض ملحمة * * * فياض مكرمة فكاك مرتهن

قرم يقلد حتى الوحش منته * * * وابن النجابة مطبوع على المنن

صباح مشرقها مصباح مغربها * * * مزيل محنتها من كل ممتحن

أغر لا يتجلى نور سؤدده * * * ألا بروض من الدين الحنيف جني

تسعى إلى المرتقى الأعلى به همم * * * لا تحتذي منه إلا قنة القنن

يسطو بسيفين من بأس ومن كرم * * * يستأصلان عروق البخل والجبن

يا من نجاة بني الدنيا بحبهم * * * كأنها البحر لم يركب بلا سفن

طوبى لحظ محبيكم لقد حصلوا * * * على نصيب بقرن الشمس مقترن

هل تزدري بي آثامي ولي وله * * * بكم إلى درجات العرش يرفعني

أرجوكم ورجاء الأكرمين عني * * * حياً وبعد اندراج الجسم في الكفن

يا من بقدرهم الاعلى علت مدحي * * * والدر يحسن منظوماً على الحسن

فها كم من شجي البال مغرمة * * * عذراء ترفل في ثوب من الشجن

جاءت تهادى من الأزري حالية * * * من اجتلى حسنها الفنان يفتتن

ثم الصلاة عليكم ما بدا قمر * * * فانجاب عنه حجاب الغارب الدجن

29

الملا كاظم الازري

والمشهور بـ ملا كاظم بن محمد بن مهدي الأزري البغدادي يسكن بغداد ومدرسة النجف ، صريحاً في الرأي قوي الحجة مهيباً في المطلع ، وكان يتمتع بمكانة سامية في كافه الأوساط الأدبية ، ولدى جميع الطبقات الشعبية ، لم يكن في بغداد أشعر منه منذ نهاية العصر العباسي حتى عهده الذهبي وعاصر من العلماء الأعاظم : السيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي ، والشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي الكبير ، واتصل بالبيوت الشريفة ونادمهم وتروى له نوادر كثيرة منها أن ابن الراوي قال له يوماً في إحدى.

الندوات الأدبية : بلغني عنك انك مجنون ، فأجابه الأزري : وبلغني عنك انك مأفون ، فان صدق الراوي ففي وفيك ، وإن كذب الراوي فلعنة الله على الراوي. ومنها انه قدم النجف الأشرف فاجتمع عليه الأدباء والعلماء ومنهم السيد صادق الفحام واستنشدوه فأنشد من شعره فلم يوفه السيد جعفر حقه بالإستحسان والاجادة ، وما زاد على كلمة : موزون ـ فأنشأ الأزري :

عرضت در نظامي عند من جهلوا * * * فضيعوا في ضلام الجهل موقعة

فلم أزل لائماً نفسي أعاتبها * * * من باع دراً على الفحام ضيعه

جاء لقب الأزري من جدهم وهو محمد بن مراد بن المهدي بن إبراهيم بن عبدالصمد بن علي التميمي البغدادي المتوفى في سنة 1162 وهو الذي لقب بالأزري لأنه كان يتعاطى بيع الأزر المنسوجة من القطن والصوف.

30

وقد نبغ من هذه الأسرة في العلم والأدب عدد ليس بالقليل ، وأول لامع منهم هو الشيخ كاظم ، فالشيخ محمد رضا ، فالشيخ يوسف الأول ، فالشيخ مسعود ، فالشيخ مهدي ، فالمترجم له.

قال السيد الأمين في الأعيان ج 43 ص 101 : بيت الأزري بيت أدب وعلم وثراء. ويظهر من ورقة الوقف المشهور الآن بوقف بيت الأزري وبعض الحجج الشرعية القديمة أن أسرة هذا البيت كانت تقطن بغداد منذ أكثر من ثلاثة قرون ، اما ما قبل ذلك فلا يعلم عنها شيء. وقد اشتهر من بين أفرادها علمان هما الشيخ كاظم والشيخ محمد رضا.

( نشأة المترجم وحياته )

ولد الشيخ كاظم الازري في بغداد سنة 1143 على الأصح ولم تزل داره التي ولد فيها قائمة في محلة ( رأس القرية ) من بغداد وهي من جملة أوقاف والده التي وقفها عليه وعلى إخوته سنة 1159. وبقي في طفولته مقعداً سبع سنوات ثم مشى.

درس العلوم العربية ومقداراً غير قليل من الفقه والأصول على فضلاء عصره ولكنه ولع بالأدب وانقطع عن متابعة الدرس. وأخذ ينظم الشعر ولم يبلغ العشرين عاماً. كان سريع الخاطر حاضر النكتة وقاد الذهن قوي الذاكرة كما كان محترم الجانب لدى العلماء والوجهاء من أبناء عصره حتى ان السيد مهدي بحر العلوم كان يقدمه على كثيرين من العلماء لبراعته في المناظرة ولطول باعه في التفسير والحديث ولاطلاعه الواسع على التاريخ والسير ، وكان قصير القامة مع سمنة فيه ، لا يفارقه السلاح ليلاً ونهاراً خشية على نفسه من اعدائه. وفي

31

سنة الف وماية ونيف وستين من الهجرة حج بيت الله الحرام. وله في حجه قصيدة مطلعها :

انخ المطي فقد وفدت على الحمى * * * والثم ثراه محييا ومسلما

ثم عظم بعدئذ اتصاله بالحاج سليمان بك الشاوي الحميري الذي كانت له الرئاسة المطلقة والكلمة النافذة في بغداد.

وكان الحاج سليمان بك يقدر فضله ويأنس بأدبه الجم ولم يزل يحمي جانبه ويدافع عنه إلى أن توفاه الله. وكانت وفاته حسب المشهور في سنة 1212 ودفن في مقبرة أسرته في الكاظمية غير أن الحجر الذي وجد في داخل السرداب يدل على أن تاريخ وفاته سنة 1201 والله أعلم (1).

( ادبه وشعره )

استقبل الناس شعر الشيخ كاظم الأزري كفصل الربيع من السنة نسيمه المنعش وأزهاره العبقة. جاء بعد شتاء مجهد طويل لأنه جمع بين جزالة اللفظ وجمال الأسلوب ورصانة التركيب وحسن الديباجة. وفيه جاذبية ، فالذي يقرأ قصيدة من شعره لا يتركها حتى ينتهي منها وفيه نشوة كالراح تدفع شاربها إلى المزيد منها ليزداد نشوة وسروراً. وأكثر الخبراء بالأدب يعدون الشيخ كاظم الأزري في طليعة شعراء العراق وذلك في بعض مناحيه الشعرية ، ومن فحولهم

____________

1 ـ قال الشيخ الطهراني في ( الذريعة ) قسم الديوان : كانت وفاة الشيخ كاظم الأزري 1 ج 1 سنة 1211 ـ والمدفون بالكاظمية تجاه المقبرة المنسوبة الى الشريف المرتضى ، كما وجد بها على لوحة قبره.

أقول : المقبرة تسمى بمقبرة المرتضى نسبة الى ابراهيم المرتضى ابن الامام الكاظم (ع).

32

البارزين في المناحي الآخرى. ويصعب التمييز بين قصائده من ناحية السلاسة والطلاوة والرقة والانسجام وهو صاحب الهائية التي تنوف على أكثر من خمسمائة بيت ويعرفها الناس بقرآن الشعر وبالملحمة الكبرى وهذه القصيدة الفذة في بابها هي صدى نفسه الكبيرة الخصب الممرع طبعت على حدة مع تخميسها للشيخ جابر الكاظمي (1). أما ديوانه فقد عني السيد رشيد السعدي بطبعة سنة 1320. وتلاقفته الأيدي بوقته ولا زال الناس يتطلبونه ويستنسخونه. على أن الديوان لم يستوعب شعره كله بل لايزال عند بعض الحريصين على الأدب قسم منه غير مطبوع. وفي تتمة أمل الآمل : كان فاضلاً متكلماً حكيماً أديباً شاعراً مفلقاً تقدم على جميع شعراء عصره وقال في « التتمة » عن القصيدة الهائية : كانت تزيد على ألف بيت أكلت الأرضة جملة منها كانت النسخة موضوعة في دولاب خوفاً عليها ولما أخرجوها وجدوا جملة منها قد تلف فقدموها إلى السيد صدر الدين العاملي فأخرج منها هذا الموجود اليوم الذي خمسه الشيخ جابر.

وإليك نبذة صغيرة من شعره الذي أصبح يدور على الألسن كالأمثال السائرة : منها قوله :

وما أسفي على الدنيا ولكن * * * على ابل حداها غير حاد

وقوله :

وقد تأتي الخديعة من صديق * * * كما تأتي النصيحة من معاد

____________

1 ـ قال الشيخ محمد محرز الدين في ( معارف الرجال ) جاء في هدية الأحباب ، عن شيخ الفقهاء صاحب كتاب ( جواهر الكلام ) انه كان يتمنى أن تكون القصيدة الأزرية في صحيفة أعماله ، وكتاب الجواهر في صحيفة أعمال الأزري.

33

وقوله :

إن من كان همه في المعالي * * * هجر الظل واستظل الهجيرا

وقوله :

لا تعجبا لفساد كل صحيحة * * * فالناس في زمن كجلد الأجرب

وقوله :

لا تنوحي إلا علي لديهم * * * ما على كل من يموت يناح

وقوله :

ولسوف يدرك كل باغ بغيه * * * المرء ينسى والزمان يؤرخ

وقوله :

ذريتي أذق حر الزمان وبرده * * * فلا خير فيمن عاقة الحر والبرد

وقوله :

فتيقظ إذا رأيت عيون * * * الحظ يقظى ونم إذا الحظ ناما

وقوله :

ولو كان في الجبن استراحة أهله * * * لما سهرت عين القطا وغفى الرند

أما ملحمته الشهيرة التي استهلها بقوله :

لمن الشمس في قباب قباها * * * شف جسم الدجى بروح ضياها

فقد تضمنت كثيراً من الأمثال والروائع وهي من أروع ما قيل في مدح الرسول الأعظم وعترته الطيبين وهي على جانب كبير من الجزالة والبلاغة وقوة

34

الاحتجاج وقد طبعت غير مرة مع تخميسها ، بالحروف الحجرية أولاً ثم أعيدت مرة بعد مرة.

أقول وان والديوان المشار إليه فيه اغلاط كثيرة وجملة من الأشعار منسوبة له ولم تصح هذه النسبة كالبيتين الواردتين في ديوانه ـ حرف الراء ص 125.

قالوا حبيبك ملسوع فقلت لهم * * * من عقرب الصدغ أم من حية الشعر

قالوا بلى من أفاعي الأرض قلت لهم * * * فكيف ترقى أفاعي الأرض للقمر

وقد أثبتهما الحافظ الدميري في ( حياة الحيوان ) قبل أن يولد الأزري بقرون وذلك في مادة ( العقرب ) ولا يخفى ان وفاة الدميري كانت لسنة 808 ولم يذكر الدميري صاحبهما بل جاء بهما على سبيل الاستشهاد فقال :

وإليك جملة من روائع الأزري في الإمام الحسين (ع) :

هي المعالم ابلتها يد الغير * * * وصارم الدهر لا ينفك ذا أثر

يا سعد دع عنك دعوى الحب ناحية * * * وخلني وسؤال الارسم الدثر

أين الأولى كان اشراق الزمان بهم * * * اشراق ناحية الآكام بالزهر

جار الزمان عليهم غير مكترث * * * وأي حر عليه الدهر لم يجر

وكم تلاعب بالأمجاد حادثة * * * كما تلاعبت الغلمان بالأكر

لا حبذا فلك دارت دوائره * * * على الكرام فلم تترك ولم تذر

وان ينل منك مقدار فلا عجب * * * هل ابن آدم الا عرضة الخطر

وكيف تأمن من مكر الزمان يدا * * * خانت بآل علي خيرة الخير

أفدي القروم الأولى سارت ركائبهم * * * والموت خلفهم يسري على الأثر

ما أبرقت في الوغى يوماً سيوفهم * * * إلا وفاض سحاب الهام بالمطر

يسطو بكل هلال كل بدر دجى * * * بجنح ليل من الهيجاء معتكر

هم الاسود ولكن الوغى اجم * * * ولا مخالب غير البيض والسمر

35

ثاروا ولولا قضاء الله يمسكهم * * * لم يتركوا لبني سفيان من أثر

أبدوا وقائع تنسي ذكر غيرهم * * * والوخز بالسمر ينسي الوخز بالأبر

غر المفارق والأخلاق قد رفلوا * * * من المحامد في أسنى من الحبر

لله من في فيافي كربلاء ثووا * * * وعندهم علم ما يجري من القدر

سل كربلا كم حوت منهم بدور دجى * * * كأنها فلك للأنجم الزهر

لم أنس حامية الاسلام منفردا * * * صفر الأنامل من حام ومنتصر

رأى قنا الدين من بعد استقامتها * * * مغموزة وعليها صدع منكسر

فقام يجمع شملا غير مجتمع * * * منها ويجبر كسراً غير منجبر

لم انسه وهو خواض عجاجتها * * * يشق بالسيف منها سورة السور

كم طعنة تتلظى من أنامله * * * كالبرق يقدح من عود الحيا النضر

وضربة تتجلى من بوارقه * * * كالشمس طالعة من جانبي نهر

وواحد الدهر قد نابته واحدة * * * من النوائب كانت عبرة العبر

من آل أحمد لم تترك سوابقه * * * في كل آونة فخراً لمفتخر

اذا نضى بردة التشكيل عنه تجد * * * لاهوت قدس تردى هيكل البشر

ما مسه الخطب الا مس مختبر * * * فما رأى منه إلا اشرف الخبر

فأقبل النصر يسعى نحوه عجلا * * * مسعى غلام إلى مولاه مبتدر

فأصدر النصر لم يطمع بمورده * * * فعاد حيران بين الورد والصدر

يا من تساق المنايا طوع راحته * * * موقوفة بين قوليه خذي وذري

لله رمحك اذ ناجى نفوسهم * * * بصادق الطعن دون الكاذب الأشر

يا ابن النبيين ما للعلم من وطن * * * الا لديك وما للحلم من وطر

يا نيرا راق مرآه ومخبره * * * فكان للدهر ملء السمع والبصر

لاقاك منفرداً أقصى جموعهم * * * فكنت أقدر من ليث على حمر

صالوا وصلت ولكن أين منك هم * * * ألنقش في الرمل غير النقش في الحجر

لم تدع آجالهم إلا وكان لهم * * * جواب مصغ لأمر السيف مؤتمر

حتى دعتك من الأقدار أشرفها * * * إلى جوار عزيز الملك مقتدر

36

فكنت أسرع من لبى لدعوته * * * حاشاك من فشل فيها ومن خور

إن يقتلوك فلا عن فقد معرفة * * * الشمس معروفة بالعين والأثر

لم يطلبوك بثار أنت صاحبه * * * ثار لعمرك لو لا الله لم يثر

أي المحاجر لا تبكي عليك دما * * * ابكيت والله حتى محجر الحجر

لهفي لرأسك والخطار يرفعه * * * قسرا فيطرق رأس المجد والخطر

قد كنت في مشرق الدنيا ومغربها * * * كالحمد لم تغن عنها سائر السور

ما انصفتك الظبى يا شمس دارتها * * * إذ قابلتك بوجه غير مستتر

ولا رعتك القنا يا ليث غابتها * * * إذ لم تذب لحياء منك أو حذر

كم خضت فيها بيوم الروع معمعة * * * ينبو بها غرب حد الصارم الذكر

فعاد خصمك والخذلان يتبعه * * * وعدت ترفل في برد من الظفر

اين الظبي والقنا مما خصصت به * * * لولا سهام اراشتها يد القدر

أما درى الدهر مذوافاك مقتنصاً * * * بأن طائره لولاك لم يطر

يا صفقة (1) الدين لم تنفق بضاعتها (2) * * * في كربلاء ولم تربح سوى الضرر

وموسما للوغى في كربلاء جرى * * * ببيعة فاز فيها كل متجر

أنظر إلى الدهر قد شلت أنامله * * * والعلم ذو مقلة مكفوفة البصر

وأصبحت عرصات العلم دارسة * * * كأنها الشجر الخالي من الثمر

يادهر حسبك ما أبديت من غير (3) * * * أين الأسود أسود الله من مضر

أمسى الهدى والندى يستصر خان لهم (4) * * * والقوم لم يصبحوا إلا على سفر

يا دهر مالك ترمي كل ذي خطر * * * عن المناكب بعد العز في الحفر

جررت آل علي في القيود فهل * * * للقوم عندك ذنب غير مغتفر

تركت كل كمي من ليوثهم * * * فرائساً (5) بين ناب الكلب والظفر

____________

1 ـ واصفقة خ ل

2 ـ بضاعته خ ل.

3 ـ عبر خ ل.

4 ـ بهم خ ل.

5 ـ فريسة خ ل.

37

أما ترى علم الاسلام بعدهم * * * والكفر ما بين مطوي ومنتشر

من ذاكر لبنات المصطفى مقلا * * * قد ولكتها يد الضراء بالسهر

وكيف أسلو لآل الله أفئدة * * * يعار منها جناح الطائر الذعر

هذى نجائب للهادي تقلقلها * * * ايدي النجائب من بدو ومن حضر

وهذه حرمات الله تهتكها * * * خزر الحواجب هتك النوب والخزر

لم انس من عترة الهادي جحاجحة * * * يسقون من كدر يكسون من عفر

قد غير الطعن منهم كل جارحة * * * الا المكارم في أمن من الغير

هم الأشاوس تمضي كل آونة * * * وذكرهم غرة في جبهة السير

من المعزي نبي الله في ملأ * * * كانوا بمنزلة الأرواح للصور

أن يتركوا زينة الدنيا فانهم * * * من حضرة الملك الأعلى على سرر

وان أبوا لذة الأولى مكدرة * * * فقد صفت لهم الأخرى من الكدر

انى تصيب الليالي بعدهم غرضاً * * * والقوس خالية من ذلك الوتر

بني أمية لا تسري الظنون بكم * * * فان للثأر ليثا من بني مضر

سيفا من الله لم تفلل مضاربه * * * يبري الذي هو من دين الإله بري

كم حرمة هتكت فيكم لفاطمة * * * وكم دم عندكم للمصطفى هدر

أين المفر بني سفيان من أسد * * * لو صاح بالفلك الدوار لم يدر

مؤيد العز يستسقى الرشاد به * * * انواء عز بلطف الله منهمر

وينزل الملأ الأعلى لخدمته * * * موصولة زمر الأملاك بالزمر

يا غاية الدين والدنيا وبدءهما * * * وعصمة النفر العاصين من سقر

ليست مصيبتكم هذي التي وردت * * * كدراء أول مشروب لكم كدر

لقد صبرتم على أمثالها كرماً * * * والله غير مضيع أجر مصطبر

فهاكم يا غياث الله مرثية * * * من عبد عبدكم المعروف بالأزري

يرجو الاغاثة منكم يوم محشره * * * وأنتم خير مدخور لمدخر

سمي كاظمكم اهدى لكم مدحاً * * * اصفى من الدر بل أنقى من الدرر

حييتم بصلاة الله ما حييت * * * يذكركم صفحات الصحف والزبر

38

السيد سليمان الكبير

سرت تطوي الوهاد إلى الروابي * * * ولا تهوى الهشيم ولا الجوابي

نفور من بنات العيس تفري * * * مهامه دونها شيب الغراب

تعير الريح اخفاقاً خفاقاً * * * وتغني بالسراب عن الشراب

تريك الجيد قائمة فتلقى * * * على خمس تسير من الهباب

تلوح على الربي نسراً وتهوي * * * هوي المصلتات إلى الرقاب

تمر على الحزون كومض برق * * * تألق بين مركوم السحاب

تخال ذميلها في السهل سرباً * * * من الكدري فر من العقاب

وإن وخدت بجرعاء وتلع * * * تلوت بينها مثل الحباب

تسيح على الفيافي القفر تطوي * * * مفاوز عاريات من ذئاب

تراها إن حدوت لها ظليماً * * * تذعر بين هاتيك الشعاب

تعير الريم لفتتها وتضوي * * * بأعضاد من التبر المذاب

فإن تشنق لها خرمت أو أن * * * لها أسلست تهوى في العذاب

فدعها والمسير فحيث تهوى * * * طلاب دونه أعلى الطلاب

إلى ظل الإله وسر قدس * * * تلألأ من ذرى أعلى الحجاب

إلى البطل الكمي وبحر جود * * * سواحله الندى دون العباب

إلى علم الهدى ومنار فضل * * * إلى بحر الندى فصل الخطاب

39

إلى نور العلي ومن لديه * * * علي وهو في أم الكتاب

صراط مسقيم بل حكيم * * * بأمر الله في يوم الحساب

قسيم النار والجنات بين * * * الخلائق كلها يوم المئاب

إلى من قال فيه الله بلغ * * * لأحمد بعد تعظيم العتاب

وإلا لم تكن بلغت عني * * * ولم تك سامعاً فيه جوابي

فقام له بها بغدير خم * * * خطيباً معلناً صوت الخطاب

ألا من كنت مولاه فهذا * * * له مولى ينوب بكم منابي

فوالي من يواليه وعادي * * * معاديه ومن لعداه صابي

بأمر الله قوموا بايعوه * * * على نهج الهداية والصواب

فبايعه الجميع وما تأنى * * * شريف أو دني أو صحابي

فمنهم مؤمن سراً وجهراً * * * ومنهم من ينافق في ارتياب

ومنهم من أبى ويقول جهراً * * * نبيكم بها أضحى يحابي

فلما كذبوا المختار فيها * * * هوى النجمان يا لك من عجاب

فبرهانان ذانك من إلهي * * * لحيدرة فأيهما المحابي

أمن في داره أمسى منيراً * * * أم الهاوي لتعجيل العذاب

ومن أفق السما قد خر نجم * * * على الشيطان يهوي كالشهاب

لذلك أنزل الرحمن فيه * * * لسورة سائل سوء العذاب

له الآيات في الآيات تتلى * * * بمحكمها وتأويل الصواب

كيوم أكمل الإسلام فيه * * * ونعمته تتم بلا ذهاب

معاجز حارت الأوهام فيها * * * فلا تحصى بعد أو حساب

وأن المصطفى للعلم دار * * * وحيدر سورها بل خير باب

وكلهم أحمداً جمل وضب * * * وخاطب حيدراً خرس الذياب

وثعباناً وليثاً ثم موتى * * * رماماً قد بلوا تحت التراب

وشق البدر للهادي وردت * * * ذكاء للوصي المستطاب

40

حسام الله خافض كل رفع * * * من الاشراك من بعد انتصاب

صفاتك معجزات معجزات * * * ذوي الألباب توقع في ارتياب

متى راموا حقايقها يضلوا * * * عن التوحيد في تيه التصابي

وان يجهلها أبداً ضلالاً * * * عن الاسلام بل أي انقلاب

ألا يامحنة الألباب أنى * * * بحدك ذو ذكاء فيك صابي

فيالك محنة للخلق عظمى * * * ورحمتها ويالك من عذاب

وصاعقة على الأبطال تهوي * * * من الآفاق طوراً كالعقاب

وطوراً تحصب الفرسان حصباً * * * مبيراً في الذهاب وفي الإياب

بذلت لأحمد نفساً تسامت * * * وحزت ببذلها كل الثواب

جزاك الله عنه كل خير * * * أبا الحسنين من حصن مهاب

أبا الحسنين يانعم المنادى * * * إذا دهم المصاب على المصاب

يعز عليك لو تلقى حسيناً * * * رميلاً فوقه يجثو الضبابي

قتيلاً ظامياً والماء أضحى * * * مباحاً للذئاب وللكلاب

غسيلاً بالدماء لقاً جريحاً * * * على الرمضاء ووايلاه كابي

ولو شاهدت يا مولاي لما * * * دهى نسوانه هول المصاب

برزن من الخيام مهتكات * * * نوادب بعد صون واحتجاب

تخال نساءه لما تبدت * * * شموساً قد برزن من الحجاب

وكل نادب واعظم كربي * * * وواذلاه واطول اكتئابي

ثواكل لا تجف لها دموع * * * محسرة على حسر الركاب

فذي تنعى عليه بلا قناع * * * وذي تبكي عليه بلا نقاب

وهذي نادب واطول حزني * * * ووجدي باحتراق وانتحاب

سبايا بين شر الناس تسري * * * على قتب مسلبة الثياب

بنات محمد أضحت أسارى * * * حيارى بعد سبي واستلاب

41

ورأس رئيسها في الرمح يتلو * * * أمام الركب آيات الكتاب

فوا لهفاً لذاك الشيب أضحى * * * يعوض بالدماء عن الخضاب

ألا أين الرسول يرى يزيداً * * * ينادي الخمر يقرع خير ناب

تمثل نادباً أرجاس حرب * * * طروباً في مجاوبة الغراب

ألا يا ليت أشياخي ببدر * * * لذي الثارات قد شهدوا طلابي

فيارب من اللعنات ضاعف * * * عليه ما على أهل الدباب

ومن آذى الرسول وسن ظلماً * * * على القربى وعظم للعذاب

وأول ظالم فابدأ بلعن * * * وآخر تابع من كل باب

فمنكم سادتي وبكم إليكم * * * ثوابي واحتجابي وانتسابي

عددت ولاءكم ذخري لحشري * * * وحسبي فيه في يوم الحساب

إليكم من سليمان عروساً * * * برأي الشيب في سن الشباب

فيامن حبهم فخري وذخري * * * ولاؤهم ومدحهم اكتسابي

عليكم سلم الباري وصلى * * * بعد الرمل مع قطر السحاب (1)

____________

1 ـ عن الرائق ج 2 ص 412.

42

السيد سليمان الكبير

السيد سليمان الكبير المزيدي توفي ليلة الأحد 24 جمادى الثانية 1211 أبو داود ويكنى بأبي عبدالله أيضاً ـ سليمان بن داود بن حيدر بن أحمد بن محمود بن شهاب وينتهي نسبه إلى الحسين ذي الدمعة ابن زيد الشهيد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وكان جده الأعلى أحمد يعرف بالمزيدي لأنه يسكن قرية الميزيدة المنسوبة لآل مزيد ـ أمراء الحلة وتوفي ودفن فيها وقبره معروف يزار ، وأما ولده حيدر بن أحمد ـ جد صاحب الترجمة ـ فكان مرجعاً لسكانها ومن جاورها من تلك الأطراف والنواحي ويلقب بـ ( الشرع ) وهو لقب تطلقه العامة على من يتصدى لاستماع المرافعات بين الخصوم ونشر الأحكام الدينية ، وله في المزيدية مسجد وآثار لا تزال تنسب إليه ، ولذريته فيها اقطاع وضياع تعرف باسم آل شهاب ـ الجد الخامس للمترجم ـ وكان السيد المترجم يعرف بالمزيدي إيضاً ، ولاشتهاره بإتقان علم الطب وتأليفه فيه لقب بالحكيم أيضاً ونبغ من هذه الأسرة عدد ليس بالقليل في الفضل والأدب ومن مشاهيرهم ولده الحسين وحفيده السيد مهدي والسيد سليمان وولده السليمان حيدر الشهير وغيرهم.

وقد ألف نجل المترجم السيد داود كتاباً في سيرة والده قال فيه :

ولد السيد سليمان في النجف الأشرف عام 1141 ونشأ فيها وأخذ العلم عن علمائها حتى اشتهر بعلمي الأديان والأبدان ثم انتقل إلى الحلة سنة 1175.

قال الشيخ اليعقوبي في البابليات : وقد عثرت على قصائد في مدح آل

43

البيت للسيد المترجم لم يثبت منها ولده في ترجمة أبيه بيتاً واحداً وهي مثبتة في كتاب ( الرائق ) بخط معاصره العالم الأديب السيد أحمد العطار المتوفى سنة 1215 هـ تحت عنوان : ـ مما قاله السيد سليمان ابن السيد داود أيده الله تعالى ـ الأولى في رثاء الحسين مطلعها :

سرت تطوي الوهاد إلى الروابي * * * ولا تهوى الهشيم ولا الجوابي

وهي 80 بيتاً.

والثانية في مدح أميرالمؤمنين (عليه السلام) وهي 72 بيتاً ، ومطلعها :

حارت بكنه صفاتك الأفهام * * * وتعذر الإدرا والإلهام

والثالثة في مدحه (عليه السلام) وهي 56 بيتاً وإليك المختار منها :

ظهور المعالي في ظهور النجائب * * * ونيل الأماني بعد طي السباسب

فدع دار ضيم دب فيك اهتضامها * * * كما دب في الملسوع سم العقارب

ولا تأس بعد الخسف يوم فراقها * * * ( على مثلها من أربع وملاعب ) (1)

متى تملك السلوان بين ظبائها * * * إذا نظرت عيناك بيض الترائب

وليس أسود الغاب عند افتراسها * * * لشلوك يوماً مثل سود الذوائب

إذا ظعنت تلك الظعائن خلتها * * * بدورا تجلى فوق تلك الركائب

وتهزأ بالغصن الرتيب إذا انثنت * * * وإن سفرت أزرت بنور الكواكب

أحادي السرى رفقاً بمهجة واله * * * تناهبها في السير أيدي النجائب

فما لي إلا عظم شوقي مطية * * * ولازاد لي غير الدموع السواكب

وعج بي على أطلال دار عهدتها * * * معاهد جود يوم بخل السحائب

ديار بها كم شيد للمجد ركنه * * * بسمر القنا والماضيات القواضب

ربوع يحير الوافدين ربيعها * * * سحائب جود عند بذل الرغائب

مهابط وحي أقفرت وتنكرت * * * معالمها من فادحات المصائب

* * *

____________

1 ـ مطلع قصيدة لأبي تمام.

44

لقد أوجبت آي الكتاب ودادهم * * * وود سواهم لوزكا غير واجب

بهم من علي آية الله آية * * * فحازوا به في الفحر أعلى المراتب

هو الآية الكبرى إمام ذوي النهى * * * هو العروة الوثقى رقى أي غارب

فلو لم يكن خير الورى وإمامها * * * لما جاز أن يرقى خيار المناكب

ولو لم يكن مولى الورى مثل حيدر * * * ( فما هو إلا حجة للنواصب ) (1)

فإن قلت نفس المصطفى كنت صادقا * * * ولو قلت عين الله لست بكاذب

ولم ير في يوم الوغى غير ضاحك * * * ولم يقف يوم الروع آثار هارب

فيا خيرة الله العلي ومن له * * * مناسم مجد فوق أعلى الكواكب

ويا من كتاب الله جاء مؤكداً * * * مودته في حفظ ود الأقارب

وفي ( هل أتى ) ( النجم ) جاء مديحه * * * وفي ( العاديات ) الغر بين الكتائب

ويا خير يدعى لدفع ملمة * * * ويا خير من يدعى لدفع النوائب

أياجد من أرجو ومثلك موئلي * * * ولست لأهوال الزمان بهائب

تدارك أبا السبطين نجلك انه * * * يناجيك فيها يا سليل الأطائب

فخذها أبا الأطهار نفثة مغرم * * * قليل اصطبار عند وقع المصائب

فواعجباً هل كيف ترضى بأنني * * * أضام وأنتم عدتي لمآربي

شكوت وما حالي عليك بغامض * * * ولا أنافي الجلى سواك بنادب

وحاشاك أن تبقي عليك لمادح * * * حقوقاً وقد سدت علي مذاهبي

وله قصيدة في مدحه (عليه السلام) التزم فيها أن تكون جميع حروفها مهملة.

هو المسك أو رسم الإمام له عطر * * * هو السر سر الله ولعالم الصدر

إمام همام ساد حلماً على الورى * * * وصهر رسول الله مولى له الأمر

____________

1 ـ عجر بيت للمتنبي.

45

وقد طارح جماعة من شعراء عصره كالنحويين والشيخ أحمد بن حمد الله والشيخ درويش التميمي ـ والد الشاعر الشهير الشيخ صالح التميمي وابن الخلفة والفحام والسيد شريف بن فلاح الكاظمي صاحب القصيدة الكرارية.

فمن قصيدة لمحمد بن الخلفة يمدحه فيها :

يا سائلا عن سيد فاق الورى * * * بفواضل الحسنات والاحسان

هذا سليمان بن داود الذي * * * كم فيه للمجد الأثيل معاني

يرجى ويحذر في القراع وفي القرى * * * في يوم مسغبة ويوم طعان

آثاره :

قال ولده داود : ـ أتقن العلوم وبرع في الطب والأدب وصنف بكل علم وفن كتاباً. قلت : ولم يذكر اسم كتاب منها بيد أني عثرت على رسالة له صغيرة الحجيم كبيرة الفائدة سماها « خلاصة الإعراب » رتبها على مقدمة وفصول أربعة وخاتمة من أحسن ما كتب في العربية على أوجز طرز وأسهل أسلوب مدرسي ، رأيتها بخطه الجميل ويظهر أنه كتبها لجماعة من تلاميذه وكنى نفسه في أولها بأبي عبدالله سليمان بن داود الحسيني ونسبها شيخنا في الجزء 7 من الذريعة إلى حفيده سليمان الصغير الذي شارك جده المترجم في الاسم دون الكنية ولعل بقية آثاره تلفت في حوادث الحلة الأخيرة :

وفاته :

توفاه الله إليه ليلة الأحد الـ 24 من جمادى الثانية سنة 1211 بالسكتة القلبية وحمل جثمانه إلى النجف في موكب مهيب مشى فيه مئات الرجال من أشراف الحلة وصلى عليه إمام الطائفة يومئذ السيد محمد مهدي بحر العلوم ودفن عند إيوان العلماء مقابل مسجد عمران وكان لنعيه صدى في الأوساط العلمية

46

والأدبية ورثاه عامة الأدبا البلدين النجف والحلة فمنهم العلامة الشهير الشيخ محمد علي الأعسم بقصيدتين مطلع الأولى :

خطوب دهتني أضرمت نار أشجاني * * * وأغرت بإرسال المدامع أجفاني

ويقول في آخرها مؤرخاً عام وفاته :

وإذ عطلت منه المدارس أرخوا * * * تعطل درس العلم بعد سليمان

ومطلع الثانية :

لقد تضعضع ركن المجد وانهدما * * * واليوم ثلم من الاسلام قد ثلما

ومنهم الشيخ يونس بن الشيخ خضر ـ وهو ممن قرأ عليه ـ فقد رثاه بقصيدة مطلعها :

ألا ما لشمل المجد أضحى مبددا * * * فأورثنا حزناً طويلاً مدى المدى

ومنهم العالم الفاضل الشيخ حسن نصار بقصيدة مطلعها :

لم تبك عيني مدى الأيام مفقودا * * * إلا التقي سليمان بن داودا

ومنهم محمد بن اسماعيل بن الخلفة بقصيدة مطلعها :

بمن سرى الركب يفري مهمة البيد * * * وخداً ومخترق صم الجلاميد

ومنهم العالم الجليل الشيخ مسلم بن عقيل الجصاني بقصيدة مطلعها :

الدهر لا يبرح خوانا * * * ياطالما فرق إخوانا

ومنهم الملا حسين جاوش ومطلع قصيدته :

ألا خلياني يا خليلي من نجد * * * وتذكار سعدي في حمى بانة السعد

47

وابلغ من رثاه العالم الأديب الشيخ محمد رضا النحوي بقصيدة بليغة قال فيها :

ألما على دار النبوة وانشدا * * * بها من قضى لما قضى الدين والهدى

ألما معي نخلع رداء الحيا أسىً * * * على فقد من بالمكرمات قد ارتدى

( سليمان ) هذا العصر ( آصف ) عرشه * * * و ( لقمانه ) إن جار دهر أو اعتدى

صحبت له والعيش شهب سنونه * * * خلائق تحكي الروض باكرة الندى

فكان إذا صال الردى لي جنة * * * يرد الردى عني وعضباً مجرداً

وكان سميري في الدجى كلما زقا * * * صدى ونميري كلما كضني صدى

فلو كان يفدى بالنفس فديته * * * ولكن صرف الدهر لا يقبل الفدا

تباين دمعي في رثاه ومقولي * * * وإن كان كل عن جوى قد تصعدا

فهذا جرى مثل الجمان منظما * * * وذاك وهي مثل العتيق مبددا

فكنا لعمري ( مالكاً ) (1) و ( متمما ) * * * وأصبحت ( شماخا ) (2) وكان ( مزردا ) (3)

____________

1 ـ مالك بن نويرة التميمي فارس شاعر صحابي. وفي أمثالهم :

فتى ولا كمالك. قتله خالد بن الوليد سنة 12 هـ ومتمم أخوه شاعر فحل وأشهر شعره رثاؤه لأخيه مالك.

2 ـ لقب معقل بن ضرار المازني الذبياني : شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والاسلام وهو من طبقة لبيد والنابغة ، وكان أرجز الناس على البديهة ، شهد القادسيه : وتوفي في ( موقان ) سنة 22 هـ.

3 ـ والمزرد : لقب أبيه ضرار.

48

السيد مهدي بحر العلوم

المتوفى 1212

سعد الفائزون بالنصر يوماً * * * عز فيه النصير لابن البتول

أحسنوا صحبة الحسين وفازوا * * * أحسن الفوز بالحباء الجزيل

صبروا للنزال ضحوة يوم * * * ثم باتوا بمنزل مأهول

وأصيبوا بقرب ورد ظماء * * * فأصابوا الورود في سلسبيل

أبدلوا عن حرور يوم تقضى * * * جنة الخلد تحت ظل ظليل

سبقوا في المجال سبقاً بعيداً * * * وبقينا نجول في التأميل

ضيعوا عترة النبي وأمسوا * * * وهم بين قاتل وخذول

وقال :

الدين من بعدهم أقوت مرابعه * * * والشرع من بعدهم غارت شرايعه

____________

عن الديوان المخطوط بخط السيد محمد صادق بحر العلوم ـ مكتبة الامام الحكيم العامة النجف رقم 388.

49

قد اشتفى الكفر بالإسلام مذ رحلوا * * * والبغي بالحق لما راح صادعه

ودائع المصطفى أوصى بحفظهم * * * فضيعوها فلم تحفظ ودائعه

صنائع الله بدأ والأنام لهم * * * صنايع شد ما لاقت صنايعه

أزال أول أهل الغي أولهم * * * عن موضع فيه رب العرش واضعه

وزاد ما ضعضع الاسلام وانصدعت * * * منه دعائم دين الله تابعه

كمين جيش بدا يوم الطفوف ومن * * * يوم السقيفة قد لاحت طلايعه

يا رمية قد أصابت وهي مخطية * * * من بعد خمسين قد شطت مرابعه

وفجعة ما لها في الدهر ثانية * * * هانت لديها وإن جلت فجائعه

كل الرزايا وإن جلت وقائعها * * * تنسى سوى الطف لا تنسى وقائعه

وقال :

هذا مصاب الذي جبريل خادمه * * * ناغاه في المهد إذ نيطت تمائمه

هذا مصاب الشهيد المستضام ومن * * * فوق السموات قد قامت مآتمه

سبط النبي أبي الأطهار والده * * * الكرار مولى أقام الدين صارمه

صنو الزكي جنى قلب البتول له * * * أقسومة ليس فيها من يقاسمه

مطهر ليس يغشى الريب ساحته * * * وكيف يغشى من الرحمن عاصمه

لله طهر تولى الله عصمته * * * أراده رجس عظيمات جرائمه

لله مجد سما الأفلاك رفعته * * * ماد العلا عندما مادت دعائمه

ضيف ألم بأرض وردها شرع * * * قضى بها وهو ظامي القلب حائمه

لهفي على ماجد أربت أنامله * * * على السحاب غدا سقياه خاتمه

50

وقال :

لله مرتضع لم يرتضع أبداً * * * من ثدي أنثى ومن طاها مراضعه

يعطيه إبهامه آنا وآونة * * * لسانه فاستوت منه طبايعه

سر به خصه باريه إذ جمعت * * * وأودعت فيه عن أمر ودايعه

غرس سقاه رسول الله من يده * * * وطاب من بعد طيب الأصل فارعه

ذوت بواسقه إذ أظمأوه فلم * * * يقطف من الثمر المطلول يانعه

عدت عليه يد الجانين فانقطعت * * * عن مجتنى نبعه الزاكي منافعه

قضى على ظمأ والماء قد منعت * * * بمشرعات القنا عنه مشارعه

هموا بإطفاء نور الله واجتهدوا * * * في وضع قدر من الرحمن رافعه

لم أنسه إذ ينادي بالطغاة وقد * * * تجمعوا حوله والكل سامعه

ترجون جدي شفيعاً وهو خصمكم * * * ويل لمن خصمه في الحشر شافعه