أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج7

- السيد جواد شبر المزيد...
328 /
1

-

2

-

3

-

4

-

5

المقدمة

اجتازت الموسوعة بهذا الجزء ـ السابع ـ أشواطها السبعة وعبرت ثلاثة عشر قرنا بعد ما خبرت هذه القرون وسبرتها وسجلت بغيتها منها ، وكل شاردة وواردة عنها ، وكان ذلك بعد عناء مرير وصعوبات في أثناء المسير ، ولكني ما دمت لا أطلب الا وجه الله وخدمة الحق واعلاء كلمته فكل ما عانيته فهو هين ، وقد قيل : لا يتعب من يعمل بقلب راض ، وكان نصب عيني قول القائل :

ان ختم الله بغفرانه * * * فكل ما لاقيته سهل

يتضمن هذا الجزء شعراء القسم الثاني من القرن الثالث عشر الهجري وسنلتقي بعون الله ـ في الجزء الآتي ـ مع شعراء القرن الحالي وهو الرابع عشر وسيكون حديثنا عنهم أو عن أكثرهم دراية لا رواية وسنصور انطباعاتنا عنهم ونسجل آراءنا فيهم والله من وراء القصد.

المؤلف

6

-

7

قال رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز الحنبلي :

اجتمعت بملحدة المعرة ـ يعني أبا العلاء المعري ـ فقال لي : سمعت في مراثي الحسين بن علي رضي الله عنهما مرثية تكتب ، فقلت : قد قال بعض فلاحي بلادنا أبياتا تعجز عنها شيوخ تنوخ ، فقال : ما هي قلت قوله :

رأس ابن بنت محمد ووصيه * * * للمسلمين على قناة يرفع

والمسلمون بمنظر وبمسمع * * * لا جازع منهم ولا متفجع

أيقظت أجفانا وكنت لها كرى * * * وأنمت عينا لم تكن بك تهجع

كحلت بمصرعك العيون عماية * * * وأصم نعيك كل أذن تسمع

ما روضة الا تمنت أنها * * * لك مضجع ولخط قبرك موضع

فقال المعري : ما سمعت أرق من هذه (1)

____________

1 ـ تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون ص 208 ورواها ابن الاثير في الكامل وقد تقدمت هذه الابيات في الجزء الاول / 305 وأنها من شعر دعبل الخزاعي كما رواها الحموي في معجم الادباء.

8

أورد ابن عساكر في تاريخ دمشق (1) لبعض الشعراء قوله في الحسين (عليه السلام) :

لقد هد جسمي رزء آل محمد * * * وتلك الرزايا والخطوب عظام

وأبكت جفوني بالفرات مصارع * * * لآل النبي المصطفى وعظام

عظام بأكناف الفرات زكية * * * لهن علينا حرمة وذمام

فكم حرة مسبية فاطمية * * * وكم من كريم قد علاه حسام

لآل رسول الله صلت عليهم * * * ملائكة بيض الوجوه كرام

أفاطم أشجاني قتيل ذوي العلا * * * فشبت واني صادق لغلام

وأصبحت لا ألتذ طيب معيشة * * * كأن علي الطيبات حرام

يقولون لي صبرا جميلا وسلوة * * * وما لي الى الصبر الجميل مرام

فكيف اصطباري بعد آل محمد * * * وفي القلب منهم لوعة وسقام

____________

1 ـ ابن عساكر هو علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي المحدث الحافظ المشهور صاحب كتاب تاريخ دمشق ، توفي سنة 571 هـ بدمشق وحضر جنازته بالميدان للصلاة عليه الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن ايوب ودفن بمقبرة باب الصغير.

9

عثمان الهيتي

تركت الخيزرانة من يميني * * * وأكره أن أشاهدها أمامي

أأحمل عودة من خيزران * * * بها نكتت ثنايا ابن الامام

من نظم عثمان الهيتي كاتب الوالي في بغداد داوود باشا في حوالي سنة 1240.

جاء في كتاب ( شعراء بغداد وكتابها في أيام وزارة داود باشا والي بغداد ) ذلك في حدود سنة 1200 الى سنة 1246 للهجرة ، والكتاب تأليف عبدالقادر أفندي الخطيب الشهراباني. ان عثمان بيك كان والدا لوالي الموصل وهو محمد أمين باشا وان عثمان بيك كان عمره ثمانين عاما. وفي بعض الكتب ينسب هذا الشعر للشاعر عمر رمضان والله أعلم.

10

علي السيد سلمان

كان حيا 1233

أرى همما مكنونة لا يقلها * * * فضا هذه الاولى اتساعا ولا الاخرا

تقطع أمعاء الزمان بحملها * * * اذا ذكرت عندي خطوب بني الزهرا

بها طالبا وترا من الدهر لا أرى * * * شفاء له ما لا أزيل له الدهرا

أدك بها شم الجبال الى الثرى * * * وأبني لنا فيها على زحل قصرا

ستدري الليالي من أنا ولطالما * * * تجاهلن بي علما وأنكرنني خبرا

بها لست أرضى أن قيصر خادم * * * لدي ولا أرضى بذلك من كسرى

بسطوة من جبريل تحت لوائه * * * وقد جل ذا قدرا وما زاده قدرا

وصاحب موسى والمسيح وحوله * * * ملائكة الافلاك تنتظر الامرا

اذا ما رنا نحو السماء بطرفه * * * تمور بمن فيها السماء له ذعرا

ولو شاء نسفا للجبال لاصبحت * * * ولا شيء منها حيث شاء ولا قدرا

امام تولى كل آية مرسل * * * من الله منا فهو آيته الكبرى

امام يعيد الله شرعة جده * * * به غضة ايام دولته الغرا

كأن عليه التاج رصع وشيه * * * بضوء سنى المريخ نورا وبالشعرى

اذا ما رأى الرائي به الهدي والهدى * * * رأى من عظيم الامر ما يدهش الفكرا

11

به الدهر مبيض هدى واستنارة * * * على أهله والارض مشحونة ذكرا

متى يطرب الاسماع صوت بشيره * * * وأنى لسمعي قوله لكم البشرى

متى تقبل الرايات من أرض مكة * * * أمامهم نور يحيل الدجى فجرا

وأهتف ما بين الكتائب معلنا * * * بيال أبي آباؤكم قتلوا صبرا

دماؤكم طلت لديهم كدينكم * * * وفيئكم نهب ونسوتكم أسرى

وآلكم من عهد احمد بينهم * * * قلوبهم قرحى وأعينهم عبرى

وهم تركونا مطعما لسيوفهم * * * وهم غصبونا فيء آبائنا قهرا

الى م التمادي يا بن أكرم مرسل * * * وحتام فيها أنت متخذ سترا

ألم تر أن الظلم أسدل ليله * * * على الافق والاقطار قد ملئت كفرا

فما الصبر والبلوى تفاقم أمرها * * * فمن مقلة عبرا ومن كبد حرا

أما كان فعل القوم منك بكربلا * * * بمرئ أما كنت المحيط بها خبرا

أفي كل يوم فجعة بعد فجعة * * * لدى كربلا تذكارها يصدع الصخرا

الى كم لنا بألطف شنعاء ما رقت * * * لها عبرة الا ألمت بنا أخرى

وما فجعة بألطف الا تفاقمت * * * علينا ولم تبقي لسابقة ذكرى

فها كربلا هذا ذبيح كما ترى * * * وهذي وقاك الله مسلوبة خدرا

اذا لم يغث في سوحكم مستجيرها * * * فأين سواها المستجار ومن أحرى

يطل لديها من دماء ولاتكم * * * ألوف وما عدى وأنت بها أدرى

وكم من مصونات عفات تروعت * * * وكم من دم يجرى وكم حرة حسرى

وانت خبير بالرزايا وما جرى * * * من القوم مما لم يدع بعده صبرا

أجل ربما في الشرق والغرب من عما * * * عواديه لا تخشى أثاما ولا وزرا

مصائب أنستها بكر طرادها ـ * * * علينا وأن لا مستجار لنا ـ شمرا

ألم ترنا كشاف كل ملمة * * * نعاني الرزايا من غوائلهم غدرا

12

أحاطوا بنا من كل فج وأرهبوا * * * فما أضيق الغبرا وما أبعد الخضرا

يظهر من مجرى هذه الابيات ان القصيدة نظمت على اثر غارة الوهابيين سنة 1216 على كربلاء وانتهاكهم لقدسية حرم سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وسفك دماء الابرياء من رجال ونساء فثارت حمية هذا العلوي الغيور فاندفع مستجيرا بصاحب العصر الامام الغائب حجة آل محمد (صلوات الله عليه).

السيد علي آل السيد سلمان النجفي كان حيا سنة 1233. كذا ذكره صاحب الحصون ج 2 ص 453 فقال : كان فاضلا كاملا شاعرا بليغا أديبا معاصرا للشيخ محمد حسين ابن الشيح محمد علي الاعسم ، وكانا خليطين وبينهما مراسلات ومكاتبات ومن شعره يشكو دهره قوله :

وقائلة خفظ عليك فما الهوى * * * عقار ولكن قد تخيل شاربه

وما الدهر الا منجنونا بأهله * * * يرى فيه أنواع التقلب صاحبه

وما من فتى في الدهر الا وقد غدا * * * يسالمه طورا وطورا يحاربه

فكن رجلا ما خانه الصبر في الردى * * * كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه

وان كنت منه طالبا صفو مشرب * * * سفهت فأي الناس تصفو مشاربه

ديار بها لا انس لي غير أنني * * * يجاوبني فيها الصدى وأجاوبه

هجرت الحمى لا عن ملال وانما * * * يجاذبني عنه العنا وأجاذبه

____________

عن مجموعة للسيد مهدي الخراسان.

13

الشيخ احمد الدورقي

توفي سنة 1247

تلك الدماء أراقتها أمية بعد العلم * * * فاستوجبوا التخليد في النار

سيعرضون بيوم لا خلاق لهم * * * فيه وحاكمه الهادي عن الباري (1)

احمد بن محمد بن محسن بن علي بن محمد بن احمد الربعي المحسني الاحسائي الدورقي الفلاحي. قال الشيخ محمد حرز في ( معارف الرجال ) :

هو علامة زمانه ، محقق ورع ، زاهد عابد ، قال في وصفه سبطه الشيخ موسى : العالم العابد جامع شتاب المفاخر والمحامد ، الى آخر ما قال. وقال صاحب أنوار البدرين : وقفت له على رسالة حسنة في الجهر والاخفات بالبسملة والتسبيح في الاخيرتين وثالثة المغرب ورسالة في حجية ظواهر الكتاب الكريم وحواشي على تهذيب الاحكام وبعض الفوائد والنوادر ، ومن جملة تلك

____________

1 ـ أنوار البدرين.

14

الفوائد بخط سبطه الشيخ موسى فائدة تحريم الدم مما علم بالضرورة من الدين ولكن حيث قد شربه الحجام متبركا بدم النبي (ص) ولم يكن عالما بالتحريم على هذا الوجه لم يخطاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل جعل ذلك سببا لنجاته من النار ففيه دلالة على ما أشرنا اليه في بعض كتبنا ، ان الجاهل معذور وانما تكون المعصية معصية اذا قصد المخالفة.

توفي (قدس سره) سنة 1247 هـ سبع وأربعين ومائتين وألف هجرية وكان المترجم له من قبيلة آل محسن وهم بطن من ربيعة ابن نزار كان مسكنهم في المدينة المنورة الى سنة 1210 ولما وقعت حادثة عبدالعزيز وولده سعود وجار فيها على علماء الشيعة ومنهم الشيخ احمد هاجر الى الاحساء وأقام فيها ثلاث سنين تقريبا ، ثم توطن الدورق في أواخر عمره سنة 1214 وتوفي فيها سنة 1247 ، وترجم له السيد الامين في ( الاعيان ) وفي بعض ما قال : ولما كان شيخنا ومولانا المهذب العالم العامل الخبير بالبراهين والدلائل المتتبع العارف بالادلة والاقوال والرجال الشيخ احمد نجل الشيخ محسن الى آخر ما قال.

مؤلفاته : وقاية المكلف من سوء الموقف في الصلاة والعقائد الخمس. وكتاب منهل الصفا في الفقه استدلالي لم يتم ، وشرح النافع لم يتم ، ورسالة فيما يغفر من الذنوب وما لم يغفر الى غيرها.

وترجم له الشيخ محسن الطهراني في ( الذريعة ) ج 3 / 13 وج 16 / 90.

15

الشيخ صافي الطريحي

توفي حدود 1255

الاكل رزء في الانام له حد * * * ورزء بني الهادي الى الحشر يمتد

فلا زالت الارزاء تأتي وتنتهي * * * ورزؤهم غض متى ذكره يبدو

وكيف مصاب السبط يسلوه مؤمن * * * موال له في القلب قد أخلص الود

أأنساه اذ وافته بالزور كتبها * * * رسائل غدر ليس يحصرها عد

ان اقدم الينا فالجميع مساعد * * * وكل فتى منا لنصرك معتد

فلما أتاهم ضيعوا الحق بينهم * * * كأن لم يكن منهم له سبق الوعد

تجنب عنهم اذ بدا الغدر منهم * * * يسير بجد حين لا ينفع الجد

الى أن أتى أرض الطفوف فلم يسر * * * به فرس ما كان أتعبه جهد (1)

* * *

الشيخ صافي ابن الشيخ كاظم الطريحي من رجال العلم والفضل موسوم بالتقوى والصلاح ، كان معاصرا للشيخ جعفر الكبير ومن علماء ذلك العصر ، ذكره السيد في التكملة وقال :

____________

1 ـ عن مجموع الشيخ صافي بن سيف الدين الطريحي ، كان يسكن العتائق.

16

رأيت شهادته بوقفية بستان في سنة 1216 ونعته غيره بقوله : كان ; قوام الاسرة الطريحية ورئيسها وعيلمها ومن الاتقياء الافاضل والفقهاء الاماثل. وقال في ( الكرام البررة ) : والظاهر أنه من تلامذة السيد مهدي ابن السيد مير علي صاحب الرياض وكتب بخطه رسالة السيد مهدي في اصالة البراءة في الشك في الجزئية والشرطية ثم كتب تلميذه وهو الحاج مولى محمود التفريشي في سنة 1250 نسخة الرسالة عن خط الشيخ صافي مصرحا بأنه بعض مشائخه.

كان من العلماء الشعراء والفضلاء الادباء ، وقفت له على بعض المقاطيع والابيات في المواعظ في مجموع عيسى بن حسين كبة ـ مخطوط في مكتبة كاشف الغطاء رقم 79 قسم الادب. فمن شعره :

يا من يروم لنفسه أعلى الرتب * * * فاغنم علوما زانها حسن الادب

ودع المطامع كلها فلكم غدت * * * تزري بصاحبها وتدنيه العطب

توفي في حدود سنة 1250 هـ وأعقب ولدا واحدا وهو الشيخ حسين. أما هذا الولد فقد أعقب أربعة أولاد وهم : الشيخ جعفر وهو أكبرهم ، والشيخ علي الذي توفي في ( الشنافية ) ـ ناحية في الفرات الاوسط ، والشيخ صافي ، وكل من هؤلاء الثلاثة له أولاد. والرابع عباس قتل في كربلاء قبل أن يتزوج.

17

عبدالمحسن الملهوف

المتوفى 1260

جاء في شعراء القطيف : الاديب الفاضل عبد المحسن الملهوف من أفراد قبيلة في القطيف تعرف بهذا اللقب ، أديب شاعر وعبقري فذ ولو لم يكن مما يدل على ذلك الا هذه القصيدة العصماء لكفى بها فهو أحد الشعراء المجيدين والادباء الورعين في القرن الثالث عشر المزدهر بالعلم والادب. تغمده الله برحمته ترجم له صاحب انوار البدرين من شعره هذه الرائعة في الحسين (عليه السلام).

دعها تجدد عهدها بالوادي * * * وتمزق البيداء بالآساد

بل تذرع الفلوات تحسب أنها * * * قد وكلت بالذرع والتعداد

زيافة تهوى الذميل وشأنها * * * قطع المفاوز من ربى ووهاد

لا تستطيب الظل الا انها * * * تهوى شموس هجيرها الوقاد

لا تهتوي المرعى الخصيب ولا الى * * * الماء البرود تهش في الوراد

ما وكلت بالنجم الا واغتدت * * * تعطي المفاوز من وراها الحادي

ما أنكرت قفرا أتته ولا ادعت * * * عسرا ولا آلت من التبعادي

ولعت بقطع البيد حتى أنها * * * أمنت بمسراها على الاجياد

18

دعها العراق تؤم لا تشأم بها * * * وتجاف للاغوار والانجاد

فهناك مأوى الآملين بمربع * * * هي كعبة العافين والوفاد

ربع به جدث الحسين ونفس أحمد * * * والزكية والوصي الهادي

من حوله فئة تقاسمت الردى * * * من كل قرم أشوس ذواد

من كل من رضعت له العليا فمن * * * فياض مكرمة وغوث مناد

أو كل عالي همة لو شاء أن * * * يرقى رقى من فوق سبع شداد

أسد ضراغمة متى ما استصرخوا * * * لجلاء نازلة عدوا بعوادي

خطبوا الوغى مهر النفوس وزوجوا * * * البتار يوم الروع بالمياد

قوم متى وجدوا فخارا في الردى * * * ركضوا بأكباد اليه صوادي

في الجو كالانوا وكالاطواد في * * * البلوى وفي الاقدام كالآساد

حدث ولا حرج عليك فانما * * * تروى لنا متواتر الاسناد

فوبيعة وفوا لها وبنعمة * * * فازوا بها من واهب جواد

لو أنهم شاءوا البقاء بهذه * * * لم يتركوا وغدا من الاوغاد

ولو أنهم شاؤا القضا مدوا له * * * نظرا ورد بدهشة الارعاد

لكن تجردت النفوس وعافت * * * الاكدار وارتاحت الى الانداد

أفما علمت استشهدوا وتغابطوا * * * متقدما وأخيرهم للبادي

هذا بقرب العهد للمولى وذا * * * بالسبق للجنات والاخلاد

كانوا فرادى في الملا فاستشهدوا * * * طرأ كأنهم على ميعاد

فبكتهم العليا بدمع ثاكل * * * أنى وهم من أنجب الاولاد

وبقى الصبور على البلا وحمول * * * كل الابتلا لاسنة وحداد

بالنبل يرمي والرماح وبالظبا * * * بأحر أفئدة من الحقاد

وانصاع يخطب في الوغى بمحجة * * * بيضا على هام من الاشهاد

19

ورداه مسرود الحديد بكفه * * * لدن ومنبره سنام جواد

ما زجه في الجيش الا واغتدى * * * كالسيل صادفه غشاء الوادي

ومهند أدنى مواهبه الردى * * * في حالة الاصدار والايراد

ومثقف لدن وليس مقره * * * الا بساحة مهجة وفؤاد

يتدفع الجيش اللهام كأنه * * * يم خضم مد بالازبادي

فكأنه موسى ومخذمه العصى * * * بل أين موسى منه يوم جلاد

بطل تولع في النزال بنهبه * * * هام الكماة وخلسة الاكباد

يمحو لدائرة الصفوف بسيفه * * * محو المهندس فاسد الاعداد

حتى غدوا كالعصف تنسفه الصبا * * * فوق التلال وفي خفيض وهاد

ما زال هذا دأبه حتى انقضت * * * منه الحياة وآذنت بنفاد

فانهار كالطود الاشم على الثرى * * * جلت معانيه عن الاطواد

عدم النظير فما يمثل حاله * * * اذ مال عن ظهر الجواد العادي

ان قلت موسى حين خر سماله * * * أو قلت يحيى فاقه بجهاد

هذا استكن بدوحة حذرا وذا * * * لما أفاق بليت ظل يناد

لكنه متبتل لما قضى * * * فرضا هوى شكرا بغير تمادي

يوم ثوى فيه الحسين ويوم * * * عزرائيل يقبض طينة الاجساد

فدعوت مورى يا جبال تصدعي * * * وبحار غوري وأذني بنفاد

يا شمس فانخفضي ويا شهب اقلعي * * * وعليه يا بدر ادرع بحداد

وعليه يا سبع الشداد تهيلي * * * هد العماد وعلة الايجاد

لولا بقيته وخازن علمه السجاد * * * لا انبعثت صواعق عاد

واسمع بشاوية الضلوع مصيبة * * * الخفرات بعد كفيلهن بواد

أضحت كمرتاع القطا من بعدما * * * وقعت بوسط حبالة الصياد

20

قد المصاب قلوبها أو ما ترى * * * تهمي الدموع دما كسيل غوادي

فقدت أعزتها وجل مراتها * * * وملاذ هيبتها وخير سناد

لبست من الارزاء أبهى حلة * * * لكنها من صفرة وسواد

بأبي وبي أم الرزايا زينبا * * * مسجورة الاحشاء بالايقاد

تطوي الضلوع على لظى حراتها * * * مهما دعت نفثت كسقط زناد

تدعو الحسين وما لها من منعم * * * يا كافلي قدح المصاب فؤادي

أوهى قوى جلدي فبان تجلدي * * * أين التجلد والفقيد عمادي

سفن اصطباري قد غرقن بزاخر * * * من يم أحزاني وريح نكاد

وتعج تهتف في الذميل بعولة * * * عظمى تمزق قلب كل جماد

أمؤمل الجدوى بساحة ربعهم * * * خف القطين وجف زرع الوادي

يا ضيف بيت الجود أقفر ربعه * * * فاشدد رحالك واحتفظ بالزاد

قد كان كعبة أنعم واليوم لا * * * من عاكف فيها ولا من بادي

وترقرق الدمع الهتون تصونه * * * خجلا وخوف شماتة الحساد

فكأنها نظرت وراء زجاجة * * * كي تبصر القتلى على الابعاد

وتخط في وجه الفلا ببنانها * * * صونا لرفع الصوت بالانشاد

يا راكبا كوما تهش الى السرى * * * عزت عن الاشباه والاضداد

عرج لطيبة قاصدا جدثا به * * * سرالوجود ومظهر الارشاد

وقل السلام عليك من مزمل * * * مدثر بردى الفخار البادي

يا مظهر الاسلام جئتك مخبرا * * * ان الحسين رمي بسهم عناد

خلفته غرضا هناك ومركزا * * * وضريبة بل حلبة لطراد

والطيبات اللائي كنت تحوطها * * * أمست غنيمة غادر ومعادي

غرثى وعطشى غير أن شرابها * * * من دمعها والوجد أطيب زاد

21

الشيخ صالح التميمي

المتوفي 1261

وقد اقترح عليه نظم هذه القصيدة الوزير علي رضا باشا على أن تتضمن قصة مقتل الحسين (عليه السلام) (1).

أما ان تركى موبقات الجرائم * * * وتنزيه نفسي عن غوي وآثم

وأجعل لله العظيم وسيلة * * * بها لي خلاص من ذنوب عظائم

وأختم أيامي بتوبة تائب * * * يذود بها عقبى ندامة نادم

ومن لم يلم يوما على السوء نفسه * * * فلم تغنه يوما ملامة لائم

على أنني مستمطر غزر صيب * * * من العفو يهمي عن غزير المكارم

فكم بين منقاد الى شر ظالم * * * منيبا ومنقاد الى خير راحم

وان كنت ممن لا يفيء لتوبة * * * ولا لطريق الرشد يوما بشائم

سأمحو بدمعي في قتيل محرم * * * صحائف قد سودتها بالمحارم

قتيل تعفى كل رزء ورزؤه * * * جديد على الايام سامي المعالم

قتيل بكاه المصطفى وابن عمه * * * ( علي ) واجرى من دم دمع ( فاطم )

وقل بقتيل قد بكته السما دما * * * عبيطا فما قدر الدموع السواجم

____________

1 ـ ديوان التميمي.

22

وناحت عليه الجن حتى بدا لها * * * حنين تحاكيه رعود الغمائم

اذا ما سقى الله البلاد فلا سقى * * * معاهد كوفان بنوء المرازم

أتت كتبهم في طيهن كتائب * * * وما رقمت الا بسم الاراقم

لخير امام قام في الامر فانبرت * * * له نكبات أقعدت كل قائم

اذا ذكرت للطفل حل برأسه * * * بياض مشيب قبل شد التمائم

أن أقدم الينا يا بن أكرم من مشى * * * على قدم نم عربها والاعاجم

فكم لك أنصار لدينا وشيعة * * * رجالا كراما فوق خيل كرائم

فودع مأمون الرسالة وامتطي * * * متون المراسيل الهجان الرواسم

وجشمها ( نجد ) العراق تحفه * * * مصاليت حرب من ذوابة ( هاشم )

قساورة يوم القراع رماحهم * * * تكفلن أرزاق النسور القشاعم

مقلدة عن عزمها بصوارم * * * لدى الروع أمضى من حدود الصوارم

أشد نزالا من ليوث ضراغم * * * وأجرى نوالا من بحور خضارم

وأزهي وجوها من بدور كوامل * * * وأوفى ذماما من وفي الذمائم

يلبون من للحرب غير محارب * * * كما انه للسلم غير مسالم

كمي ينحيه عن الضيم معطس * * * عليه اباء الضيم ضربة لازم

ومد أخذت في ( نينوى ) منهم النوى * * * ولاحت بها للغدر بعض الملائم

غدا ضاحكا هذا وذا متبسما * * * سرورا وما ثغر المنون بباسم

وما سمعت أذني من الناس ذاهبا * * * الى الموت تعلوه مسرة قادم

كأنهم يوم ( الطفوف ) وللضبا * * * هنالك شغل شاغل بالجماجم

أجادل عاثت بالبغاث وانها * * * أشد انقضاضا من نجوم رواجم

23

لقد صبروا صبر الكرام وقد قضوا * * * على رغبة منهم حقوق المكارم

الى أن غدت أشلاؤهم في عراصها * * * كأشلاء قيس بين تبنا وجاسم (1)

فلهفي لمولاي الحسين وقد غدا * * * فريدا وحيدا في وطيس الملاحم

يرى قومه صرعى وينظر نسوة * * * تجلببن جلباب البكا والمآتم

هناك انتضى عضبا من الحزم قاطعا * * * وتلك خطوب لم تدع حزم حازم

أبوه علي أثبت الناس في اللقا * * * وأشجع ممن جاء من صلب آدم

يكر عليهم مثلما كر حيدر * * * على أهل بدر والنفير المزاحم

ولما أراد الله انفاذ أمره * * * بأطوع منقاد الى حكم حاكم

أتيح له سهم تبوأ نحره * * * تبوأ نحري ليته وغلاصمي

فهدت عروش الدين وانطمس الهدى * * * وأصبح ركن الحق واهي الدعائم

وأعظم خطب لا تقوم بحمله * * * متون الجبال الراسيات العظائم

عويل بنات المصطفى مذ أتى لها * * * جواد قتيل الطف دامي القوائم

فوا حر قلبي للنساء بحرقة * * * يحمن عليه في قلوب حوائم

____________

1 ـ ذكر الحموي في معجم البلدان : تبنى بالضم ثم السكون وفتح النون ، بلدة بحوران من أعمال دمشق قال النابغة :

فلا زال قبر بين تبنى وجاسم * * * عليه من الوسمي جود ووابل

24

ينحن كما ناح الحمام وبالبكا * * * لا غزر شجوا من نواح الحمائم

فيا وقعة كم كدرت من مشارب * * * لنا مثل ما قد رنقت من مطاعم

بني المصطفى ما عشت أو دمت سالما * * * فصبري على ما نابكم غير سالم

لكي لا تزول الارض عن مستقرها * * * والا فأنتم فوق هام النعائم

فلو أن لي حظ عظيم تقدمت * * * حياتي بعصر سالف متقادم

وصلت على أعدائكم بفوارس * * * أشداء في الهيجاء من آل ( دارم )

وان فات نصر السيف سوف أعينكم * * * بنظم كبا من دونه نظم ناظم

وما صالح ان لم تعينوه صالح * * * وما عد الا من بغاة المظالم

عليكم سلام الله ما هبت الصبا * * * وما حرك الاغصان مر النسائم

وللشيخ صالح التميمي :

ما بال جفني مغرم بسهاده * * * وغزير دمعي لم أفز بنفاده

لا في سعاد صبا فؤادي في الصبا * * * فأقول قلبي قد لها بسعاده

كلا ولا أطلال برقة منشد * * * برقت مدى الايام في انشاده

لكن مصارع فتية في كربلا * * * سلبت بسيف الحزن طيب رقاده

قتلى وفيهم من دؤابة ( هاشم ) * * * أسد سعى للموت في آساده

يا للرجال لطود ( أحمد ) مذ ثوى * * * قدما وريع الدين في أطواده

يا للرجال لنكبة ( الزهراء ) في * * * أبنائها والطهر في أولاده

أبكي القتيل أم النساء حواسرا * * * يندبنه ويلذن في ( سجاده )

أم أندب ( العباس ) لما أن مضى * * * والبر قد غص الفضا بصعاده

يبغي الوصول الى الفرات ودونها * * * بيض كساها فيلق بسواده

فأتى دوين الماء فاعتاق الردى * * * همم سمت للمجد فوق مراده

أبكي لمقطوع اليدين وقد قضى * * * ضمأ ونار الوجد ملء فؤاده

25

ألذاك أبكي أم ( سكينة ) اذ دعت * * * يا عمتا كهفي هوى بعماده

هذا أبي ملقى وأذيال الصبا * * * عزمت له ما سل من أبراده

يا آل بيت محمد حزني لكم * * * متحكم والهم من أوتاده

أنا ( صالح ) ان أنتم أنعمتم * * * بقبول ما قصرت في انشاده

وله أيضا :

ألا من مبلغ الشهداء أني * * * نهضت لشكر هم بعد القعود

رجال طلقوا الدنيا ومن ذا * * * صبا لطلاق كاعبة النهود

رأوا خمر الفناء الذ طعما * * * غداة الطف من طعم الخلود

دعاهم نجل فاطمة بيوم * * * يشيب لذكره رأس الوليد

دعاهم دعوة والحرب شبت * * * لظى من دونها ذات الوقود

فقل من سيد نادى عبيدا * * * عراة الذات من شيم العبيد

أسود بالهياج اذا المنايا * * * رمت ظفرا ونابا بالاسود

كأن رماحهم تتلو اليهم * * * لصدق الطعن أوفوا بالعقود

اذا ما هز عسال تصابوا * * * كما يصبى الى هز القدود

بنفسي والورى أفدي كراما * * * تجنب حزمهم نقض العهود

بنفسي والورى أفدي جسوما * * * مجزرة على حر الصعيد

بنفسي والورى أفدي رؤوسا * * * تشال على الرماح الى ( يزيد )

كأني يابن ( عوسجة ) ينادي * * * وريح الموت يلعب بالبنود

هلموا عانقوا بيض المواضي * * * ولا كعناقكم بيض الخدود

فليس يصافح الحوراء الا * * * فتى يهوى مصافحة الحديد

رأوا في كربلا يوما مشوما * * * ففازوا منه في يوم سعيد

وكدر عيشهم حرب فجادت * * * لهم عقباه في عيش رغيد

26

ألا يا سادتي حزني عليكم * * * نفي عن ناظري طيب الهجود

أحاذر أن يقال هل امتلأتي * * * فكان جوابها هل من مزيد

أعيذوا ( صالحا ) منها وكونوا * * * له شفعاء في يوم الخلود

منعتم من ورد الماء قسرا * * * وفزتم بالهنا وقت الورود

* * *

ابو سعيد الشيخ صالح بن درويش بن علي بن محمد حسين ابن زين العابدين الكاظمي النجفي الحلي البغدادي المعروف بالشيخ صالح التميمي الشاعر المشهور.

ولد في الكاظمية سنة 1218 وتوفي ببغداد لاربع عشرة ليلة بقيت من شعبان بعد الظهر سنة 1261 ودفن في الكاظمية ، كان من بيت علم وأدب ربي في حجر جده الشيخ علي الزيني الشهير في مطارحاته مع السيد بحر العلوم وغيره في النجف ، انتقل مع جده من الكاظمية الى النجف فأقام برهة ثم سكن الحلة وبقي بها مدة حتى استقدمه والي بغداد داود باشا. أقول : هو في عصره كأبي تمام في عصره. وقد تولى رئاسة ديوان الانشاء في بغداد سنة 1235 ، وله شعر كثير مدح به الامراء والاعيان والزعماء وله مؤلفات ذكرت بأسمائها وفي ديوانه المطبوع عدة مراسلات ومساجلات ، ورثاه العالم الشيخ ابراهيم صادق العاملي والشيخ عبد الحسين محي الدين وعبد الباقي العمري وأعقب ولدين : محمد سعيد ومحمد كاظم. وكتب عنه الدكتور محمد مهدي البصير في ( نهضة العراق الادبية في القرن التاسع عشر ) وجمع له مساجلاته ونوادره.

27

وقال عنه : أما صفاته فانها من أجمل وأفضل ما يتحلى به انسان ـ كان ; خفيف الطبع عذب الروح حلو المعاشرة حاضر النكتة غزير الحفظ واسع الرواية قيل له : كم تحفظ من بدائع الشعر وروائعه فأجاب : لو لا أن شيخي أبا تمام جمع محاسن الجاهليين والاسلاميين في حماسته المشهورة لجمعت أنا لكم من حفظي هذه الحماسة. وكان يجل أبا تمام كثيرا ويعجب به اعجابا شديدا ويعده اماما له ، والغريب انه رثاه على بعد ما بينهما من الزمن بقصيدة بليغة يقول فيها :

يا راكبا وجناء عيدية (1) * * * لم يترك الوخد لها من سنام

ان جئت للحدباء قف لي بها * * * وأبلغ أبا تمام عني السلام

وقل له بشراك يا خير من * * * سام القوافي الغر من نسل سام

فضلك أحياك كأن لم تبت * * * بالخلد هاتيك العظام العظام

ومن غرر الشعر قصيدته في الامام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وهذا المقطع الاول منها :

غاية المدح في علاك ابتداء * * * ليت شعري ما تصنع الشعراء

يا أخا المصطفى وخير ابن عم * * * وأمير ان عدت الامراء

ما نرى ما استطال الا تناهى * * * ومعاليك ما لهن انتهاء

فلك دائر اذا غاب جزء * * * من نواحيه أشرقت أجزاء

أو كبدر ما يعتريه خفاء * * * من غمام الا عراه انجلاء

يحذر البحر صولة الجزر لكن * * * غارة المد غارة شعواء

____________

1 ـ عيدية نسبة الى فحل شهير من فحول الابل.

28

ربما عالج من الرمل يحصى * * * لم يضق في رماله الاحصاء

يا صراطا الى الهدى مستقيما * * * وبه جاء للصدور الشفاء

بني الدين فاستقام ولولا * * * ضرب ماضيك ما استقام البناء

أنت للحق سلم ما لراق * * * يتأتى بغيره الارتقاء

معدن الناس كلها الارض لكن * * * أنت من جوهر وهم حصباء

شبه الشكل ليس يقضي التساوي * * * انما في الحقائق الاستواء

شرف الله فيك صلبا فصلبا * * * أزكياء نمتهم أزكياء

فكأن الاصلاب كانت بروجا * * * ومن الشمس عمهن البهاء

لم تلد هاشمية هاشميا * * * كعلي وكلهم نجباء

وضعته ببطن أول بيت * * * ذاك بيت بفخره الاكتفاء

أمر الناس بالمودة لكن * * * منهم أحسنوا ومنهم أساؤا

يا ابن عم النبي ليس ودادي * * * بوداد يكون فيه الرياء

فالورى فيك بين غال وقال * * * وموال وذو الصواب الولاء

وولائي ان بحت فيه بشيء * * * فبنفسي تخلفت أشياء

أتقي ملحدا وأخشى عدوا * * * يتمارى ومذهبي الاتقاء

وفرارا من نسبة لغلو * * * انما الكفر والغلو سواء

* * *

ذا مبيت الفراش يوم قريش * * * كفراش وانت فيه ضياء

فكأني أرى الصناديد منهم * * * وبايديهم سيوف ظماء

صاديات الى دم هو للما * * * ء طهور لو غيرته الدماء

دم من ساد في الانام جميعا * * * ولديه احرارها ادعياء

قصرت مذرأوك منهم خطاهم * * * ولديهم قد استبان الخطاء

شكر الله منك سعيا عظيما * * * قصرت عن بلوغه الاتقياء

29

عميت أعين عن الرشد منهم * * * وبذات الفقار زال العماء

يستغيثون في يغوث الى ان * * * منك قد حل في يغوث القضاء

لك طول على قريش بيوم * * * فيه طول وريحه نكباء

كم رجال اطلقتهم بعد أسر * * * أشنع الاسر أنهم طلقاء

يردع الخصم شاهدان حنين * * * بعد بدر لوقال هذا ادعاء

ان يوم النفير والعير يوم * * * هو في الدهر راية ولواء

سل وليدا وعتبة ما دعاهم * * * لفناء عدا عليه الفناء

30

السيد صدر الدين العاملي

المتوفي 1263

قال بمناسبة مولد الامام الحسين (عليه السلام) في الثالث من شهر شعبان :

فدت شهر شعبانها الاشهر * * * فمن بينها يمنه الاشهر

لثالثه في رقاب الانام * * * أياد لعمرك لا تنكر

وباب النجاة الامام الذي * * * ذنوب العباد به تغفر

وغصن الامامة فيه سما * * * جني هدايتها يثمر

وروض النبوة من نوره * * * سني ومن نوره مزهر

لتهن بميلاده شيعة * * * لهم طاب في حبه عنصر

غذاه النبي بابهامه * * * فما زال عن ريها يصدر

به الله رد على ( فطرس ) * * * مقاما به في السما يذكر

أكان من النصف مثل الحسين * * * شفيع الخلايق اذ تحشر

ومن هو ريحان قلب النبي * * * ثلاثا على الترب لا يقبر

تعادى عليه جموع ابن هند * * * بأسيافهم جهرة ينحر

بميلاده بشر المصطفى * * * وفي قتله حرب تستبشر

وما زال يؤلمه ان بكى * * * وكان بتسكيته يأمر

فكيف اذا ما رآه لقى * * * وفي الترب خديه قد عفروا

بنفسي الذي يستغيث العداة * * * ويدعو النصير فلا ينصر

31

السيد محمد ابن السيد صالح بن ابراهيم بن زين العابدين الموسوي ، المعروف بصدر الدين العاملي والمشتهر بهذا اللقب. عالم كبير وشاعر أديب. ولد في قرية جبشيت 21 ذي القعدة الحرام 1193 وجاء مع ابيه للعراق عام 1197 فعنى بتربيته ، والذكاء طافح عليه فقد كتب حاشية القطر وعمره سبع سنوات كذا ذكر البحاثة الطهراني في ( الكرام البررة ). وذكره صاحب الحصون ج 9 ص 336 فقال :

كان فاضلا عالما فقيها اصوليا محدثا متكلما ، له اليد الطولى في العلوم العقلية والنقلية حسن التقرير والتعبير ، اديبا شاعرا ، هاجر مع ابيه من جبل عامل في واقعة احمد باشا الجزار الى العراق وسكن النجف وتلمذ وتخرج على يد الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، وصار صهره على ابنته ، ثم هاجر بعد موت استاذه الى أصفهان ومكث فيها برهة من الزمان ثم رجع الى النجف. وتوفي بالنجف ليلة الجمعة رابع عشر شهر المحرم سنة 1263 ودفن في حجرة من حجر الصحن الشريف مما يلي الرأس يمين القبلة وخلف ثلاثة أولاد وعدة بنات وله جملة من المؤلفات منها كتاب كبير في الفقه ، وكتاب القسطاس المستقيم في الاصول ، وكتاب المستطرفات ، ومنظومة له في الرضاع ، وكتاب في النحو ورسالة في حجية الظن ورسالة في مسألة ذي الرأسين ، ورسالة في شرح مقبولة عمر بن حنظلة وله شعر كثير في العرفانيات ومدائح اهل البيت (صلوات الله عليهم) ومراثيهم فمن ذلك قوله في الامام امير المؤمنين :

32

علي بشطر صفات الاله * * * حبيت وفيك يدور الفلك

فلولا الغلو لكنت اقول * * * جميع صفات المهيمن لك

ولما أراد الآله المثال * * * لنفي المثيل له مثلك

فمن عالم الذر قبل الوجود * * * لقول بلى الله قد أهلك

وقد كنت علة خلق الورى * * * من الجن والانس حتى الملك

وعلمت جبريل رد الجواب * * * ولولاك في بحر قهر هلك

وذكره النقدي في ( الروض النضير ) فقال : كان من أعاظم علماء اواسط القرن الثالث عشر ، وكانت له الجامعية في علوم شتى والنصيب الوافر في الادب وله شعر لطيف ، وذكره الشيخ الطهراني في ( الكرام البررة ) نقلا عن ( التكملة ) للسيد الصدر فقال : كان من اعيان الفقهاء والمجتهدين تلميذ الشيخ الاكبر وصهره ، ووالده السيد صالح كان صهر الشيخ علي ابن الشيخ محي الدين بن علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين الشهيد الثاني ، رزقه الله من بنت الشيخ علي ، صاحب الترجمة واخيه السيد محمد علي. وذكره الحجة كاشف الغطاء محمد الحسين فقال : كان السيد الصدر جامعا لجميع الكمالات خصوصا كمال الادب الذي هو من اللازمات ، وقد كانت له فيها القدم الراسخة والنخوة الشامخة والسليقة العربية والنكات العجمية ، ويدلك على حسن مشربه ولطيف مسلكه مستهل قصيدته.

يعارضني في الشعر من لا أعارضه * * * وما انا الا البحر فاضت فوائضه

ترجم له صاحب شعراء الغري وقال : له شعر كثير ولكنه تلف

33

واليك قوله من قصيدته يمدح بها الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب

جاءت تجوب البيد سيارة * * * تهوي هوي المرمل الصارخ

الى علي وزعيم العلى * * * يوم الوغى والعلم الشامخ

الى السراة الانجبين الاولى * * * أحصوا فنون الشرف الباذخ

أولى المزايا الغر أعباؤها * * * ينوء فيها قلم الناسخ

قد أيقنوا منه بجزل الخطى * * * ان عليا ليس بالراضخ

34

السيد حيدر العطار

المتوفى 1265

أميم ذريني والبكاء فانني * * * عن العيد واللبس الجديد بمعزل

أميم أقلي عن ملامك واتركي * * * مقالة لا تهلك أسى وتجمل

لان سرك العيد الذي فيه زينة * * * لبعض اناس من ثياب ومن حلي

فقد عاد لي العيد الحداد بعودة * * * ألا فاعذريني يا أميم أو اعذلي

يذكرني فعل ابن هند وحزبه * * * يزيد وقد أنسى الورى فعل هر قل

فكم قد أطلوا من دم بمحرم * * * وكم حللوا ما لم يكن بمحلل

ولم يقنعوا حتى أصابوا ابن فاطم * * * بسهم أصاب الدين فانقض من عل

وخر على حر الثرى متبتلا * * * الى ربه أفديه من متبتل

ومذ كان للايجاد في الخلق علة * * * بكته البرايا آخرا بعد أول

وخضبت السبع السموات وجهها * * * بقاني دم من نحره المتسلسل

وذا العالم العلوي زلزل اذا قضى * * * كما العالم السفلي أي تزلزل

بنفسي وبي ملقى ثلاثا على الثرى * * * تهب عليه من جنوب وشمال

أبى رأسه الا العلى فسما على * * * ذرى ذابل يسمو على هام يذبل

بنفسي أباة الضيم من آل هاشم * * * تؤم الوغى ما بين لدن وفيصل

35

أداروا على قطب الفناء رحى القضا * * * فخاضوا المنايا أمثلا اثر أمثل

فبين طريح في الصعيد مجدل * * * وبين ذبيح بالدماء مزمل

ونادبة تدعو أبا الفضل تارة * * * وأخرى حسينا ندب ولهاء معول

أخي يا حسينا كنت غوثا وعصمة * * * كما كنت غيثا ثر في كل ممحل

أخي كنت للرواد أخصب مربع * * * كما كنت للوراد أعذب منهل

خليلي بيت الوحي شط حبيبه * * * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

وما قد جرى في كربلاء قضية * * * وليس لها الا أبو حسن علي

السيد حيدر ابن السيد ابراهيم العطار الحسني آية من آيات الدهر ومفخرة من مفاخر العصر ، عالم محقق ، وفقيه بارع ، لسان الحكماء والمتكلمين وصفوة الفقهاء والاصوليين ، وهو على جانب عظيم من الورع والتقوى والزهد والعبادة ورسوخ الايمان وطهارة القلب.

خلف آثارا قيمة وكتب عنه الكثير وأثنى عليه العلماء أحسن الثناء ، وممن ذكره شيخنا المحقق الطهراني في كتابه ( سعداء النفوس ) فقال : كان سيدا عالما فقيها جليلا مرجعا للخاص والعام ، غيورا في ذات الله مناظرا مع المبدعين والمخالفين.

وهو أعلى الله مقامه جد الاسرة الحيدرية واليه تنتسب هذه السلالة العلوية ، ولد ; سنة 1205 هـ وأقام في الكاظمية ردحا من الزمن ، ثم هاجر الى عاصمة العلم ـ النجف الاشرف ـ

36

وتتلمذ على أعلام زمانه وجهابذة عصره حتى حصل على رتبة عالية ودرجة رفيعة في العلم والاجتهاد كما استفاد منه جملة من أعلام الفضل ، أما مؤلفاته فهي آية في التحقيق والتدقيق وكلها تنطق بعلمه وكماله نذكر منها ما يلي :

1 ـ البارقة الحيدرية في نقض ما أبرمته الكشفية.

2 ـ العقائد الحيدرية في الحكمة النبوية.

3 ـ المجالس الحيدرية في النهضة الحسينية كتبه بخطه سنة 1260 هجرية (1).

4 ـ الصحيفة الحيدرية في الادعية والاسرار ، صنفها بطلب من محمد علي شاه القاجاري سلطان ايران.

5 ـ النفخ القدسية في بعض المسائل الكلامية ، صنفها تلبية لطلب ( هولاكوا ميرزا ) حفيد فتح علي شاه القاجاري.

6 ـ النفخة القدسية الثانية وهي في مباحث كلامية.

7 ـ مجموعة في الحكم والنوادر.

8 ـ رسالة في أصول الفقه.

9 ـ كتاب في المنطق.

10 ـ حاشية على كتاب التحقيق في الفقه والاصول لعمه آية الله الكبرى السيد أحمد البغدادي الشهير بالعطار.

____________

1 ـ مخطوط في حيازة الدكتور حسين محفوظ نسخة منه.

37

11 ـ تعليقه على منظومة في الرجال لعمه أيضا. وكل هذه المؤلفات مخطوطة وتوجد متفرقة عند ذريته.

12 ـ عمدة الزائر في الادعية والزيارات ، وقد طبع مرتين في النجف الاشف.

توفي أعلى الله مقامه سنة 1265 هـ وقيل أنه أخبر بأجله قبل حلوله. ودفن في رواق الحرم الكاظمي الشريف وأعقب سبعة من الاولاد كلهم علماء صلحاء أبرار أتقياء. ومن شعره في الامام الحسين :

محرم لا أهلا بوجهك من شهر * * * ولا بوركت أيام عشرك في الدهر

لانت المشوم المستطير على الورى * * * خطوبا وراميهم بقاصمة الظهر

ولا سيما عاشور من عشرك الذي * * * به غرق الاسلام في لجة الكفر

غداة رجال الله آل محمد * * * تذوق الردى ظلما بحرب بني صخر

فان أنسى لا أنسى الحسين بكربلا * * * وحيدا وقد دارت به عصبة الغدر

فما شد نحو القوم ألا تطايروا * * * تطاير أفراخ البغاث من الصقر

فوافاه سهم خارق في فؤاده * * * فخر صريعا لليدين وللنحر

ولا عجب من مثل شمر اذا اجترى * * * على الله واستهزا بشأن أولي الامر

وميز رأسا ساد للعرب مفخرا * * * ولا سيما كعب بن مرة والنضر

وشال به فوق السنان مكبرا * * * وقد قتل التكبير من حيث لا يدري

عذيري من صخر بن حرب وحربهم * * * بني أحمد ما ذنب أحمد من صخر

38

جزوه على اطلاقهم يوم فتحه * * * لمكة في أهليه بالقتل والاسر

عن السبي للنسوان يبكين حسرا * * * سوافر من فوق الجمال بلا ستر

ينادين يا جداه يا خير مرسل * * * أأنت عليم اننا اليوم في الاسر

لقد تركوا سبط النبي على الثرى * * * تريبا خضيبا شيبه بدم النحر

فذا رأسه فوق السنان كأنه * * * سنا البدر أو أبهى سناء من البدر

39

السيد جعفر القزويني

المتوفى 1265

قال يرثي الامام الحسين (عليه السلام) ويفتتحها بالنسيب :

ألما وان أصغى الغمام وألما * * * على طلل أقوى ونؤي تهدما

وعوجا على الرسم المحيل وأعربا * * * سؤالكما فيه وان كان أعجما

* * *

السيد جعفر بن الباقر بن احمد بن محمد الحسيني القزويني من مشاهير شعراء وأدباء عصره. ولد في النجف الاشرف ونشأ بها نشأة عالية وأخذ معلوماته عن مشاهير عصره وما اجتاز العقد الثاني حتى أصبح علما يشار اليه بالبنان ، ذكر صاحب الحصون ج 2 / 557 فقال : كان فاضلا كاملا أديبا لبيبا بليغا شاعرا ماهرا جوادا سخيا ذا همة عالية تخصص للنظم والمسلاجلات الادبية الى أن نبا به الدهر الخؤون وتراكمت عليه الديون فلم يسعه المكث في النجف ـ مسقط رأسه ـ فارتحل الى ( مسقط ) عاصمة عمان وكان معه عبده المسمى ( نصيب ) فأدركته منيته هناك فمات فيها سنة 1265 هـ فحملت جنازته الى النجف مع

40

عبده نصيب فدفن مع آبائه في مقبرتهم مقابل مقبرة آل الجواهر فرثاه فريق من الشعراء منهم السيد حيدر الحلي بقصيدة مطلعها :

كذا يلج الموت غاب الاسود * * * وتدفن رضوى ببطن اللحود

وممن رثاه وأرخ وفاته الشيخ ابراهيم قفطان.

قال السيد الامين في الاعيان (1) رأينا في مجلة الحضارة نقلا عن بعض مجاميع الفاضل الشبيبي انه كان أديبا نابها من أدباء العراق رحل الى مسقط وتوفي هناك بعيدا عن وطنه ، ولرحلته قصة مثيرة وقد استوحاها كل من رثاه ثم ذكر أن من مراثيه قصيدة من بحر يسمى المحدث وانها رويت في بعض مجاميع النجف للشيخ ابراهيم قفطان وفي بعضها للشيخ محسن آل الشيخ خضر ، وهذا ما وجد منها :

صوبت وصعدت النظرا * * * في الدار فلم أعرف أثرا

ولمية أطلال درست * * * أمست عبرا لمن اعتبرا

أبكي وأناشدها عمن * * * نالوا دهرا منها وطرا

يا دار قطينك أين سرى * * * فتجيب قطينك أين سرى

خشعت للبين فلست ترى * * * الا الارزاء بها زمرا

فعلمت بأن مؤملها * * * ألوى وتحققت الخبرا

يا مرتحلا عني ولكم * * * وهيت قوى وفصمت عرى

ومدير الطرف الى أهليه * * * وليس يرى منهم أثرا

يا مسعر دائي من داوى * * * داء في أحشاك استعرا

____________

1 ـ ج 18 / 443.

41

أجل ناداك لمسقطه * * * ولو اثاقلت لما ظفرا

لم لا واسيتك مضطهدا * * * لم لا سليتك مفتكرا

لم لا جاورت أنينك * * * منصدعا للغربة منكسرا

لم لا عالجتك معتلا * * * لم لا شاهدتك محتضرا

واماما فاق بلاغته * * * وحساما في الهيجا ذكرا

لك عهد في عنقي ما عشت * * * يبث مراثيك الغررا

وثراك ترصعه عيناي * * * عقيقا أحمر أو دررا

ولم يعقب سوى ولده السيد علي وابنته زوجة الميرزا جعفر القزويني وذكر صاحب الحصون جملة من شعره كما ذكره الشيخ المصلح الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في ( العبقات العنبرية في شعراء الجعفرية ).

فمن شعره يخاطب سلطان مسقط :

لما رماني الدهر بالنوب * * * الشدائد والهزاهز

وألان صعدتي التي * * * يعطي الجواهر بالجوائز

ودعاني الزمن الخؤن * * * صلبت وما لانت لغامز

قالت لي الآراء والفكر * * * بأهله ( هل من مبارز )

شرق وسل عن ماجد * * * الثواقب في الغرائز

فاذا بلغت الى ( سعيد ) * * * في ( عمان ) فلا تجاوز

واعلم بأن أبا هلال * * * عن مرادك غير عاجز

يوليك ما ترجو ولا * * * يثنيه عنه غمز غامز

فتعود مقضي الديون * * * الى العراق وأنت فائز

42

ويجيز ما ترجو ببذل * * * صادق الدفعات ناجز

وهكذا انتهت حياة هذا الشريف.

وما عتبي على الدنيا ولكن * * * على ابل حداها غير حادي

ويحق أن أستشهد بالشعر المنسوب للامام زين العابدين علي ابن الحسين ابن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) حيث يقول :

عتبت على الدنيا فقلت الى متى * * * أكابد هما بؤسه ليس ينجلي

أكل شريف من علي نجاره * * * يكون عليه الرزق غير محلل

فقالت نعم يا بن الحسين رميتكم * * * بسهم عناد يوم طلقني علي

وبالوقت الذي أعتب على الزمن يحق أن أبعث بقول السيد الشريف الرضي الى سلطان مسقط حيث يقول :

أخطأت في طلبي وأخطأ في * * * ردي ، ورد يدي بغير يد

فلا جعلن عقوبتي أبدا * * * أن لا أمد يدي الى أحد

فتكون أول زلة سبقت * * * مني وآخرها الى الابد

43

محمد الصحاف

كان حيا سنة 1270

بمدحكم الاقلام تفرح والحبر * * * وطرس به من حسن أوصافكم سطر

يفوز سواكم بالقوافي وانها * * * تفوز بكم اذ كان منكم لها فخر

فليلة قدر ليلتي بمديحكم * * * لاني اذا أحييتها يرفع القدر

أقول والقصيدة طويلة وكلها في رثاء سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين وقد جارى بها رائية الشيخ صالح العرندس التي تقدمت في جزء سابق مع ترجمته ، والقصيدة التي نظمها شاعرنا الصحاف ذكرها الاخ البحاثة علي الخاقاني في الجزء العاشر من ( شعرا الغري ) وفي أخرها :

أنا ألقن آل الرسول محمد * * * سليل حسين زانه منكم النجر

عليكم صلاة الله ما نار نير * * * بدا في رياض زاد نوارها القطر

* * *

السيد محمد بن علي المعروف بالصحاف. ذكره المحقق الطهراني في ( الكرام البررة ) فقال : نزيل سوق الشيوخ ، كان أديبا فاضلا شاعرا ، رأيت تقريضه اللطيف البليغ نظما ونثرا على ارجوزة ( تحفة النساك ) من نظم الشيخ طاهر الحجامي المتوفى بسوق الشيوخ سنة 1279 هـ وأولاده الى اليوم في سوق الشيوخ.

44

عبد العزيز الجشي

وفاته 1270

ألا هل لاجفان سهرن هجود * * * وهل للدموع الجاريات جمود

وهل راحل شطت به غربة النوى * * * فأوحشني بعد الفراق يعود

أأسهر ليلي أرقب النجم فيكم * * * عشاء وأنتم بالهناء رقود

وذكرني يوم انفرادي بينهم * * * مقاما به سبط النبي فريد

ألا بأبي أفديه فردا وقل ما * * * فديت ولو بالعالمين أجود

فوالهف نفسي للقتيل على ظما * * * وللسمر منه صادر وورود

فيا عرصات الطف أي أماجد * * * سموت بهم فليهنكن سعود

لئن شرفت أم القرى بالتي حوت * * * فأنتن فيكن الحسين شهيد

وان طاولتكن المدينة مفخرا * * * ففيكن أبناء وتلك جدود

فيا راكبا عيدية شأت الصبا * * * تساوى قريب عندها وبعيد

عداك البلا ، عج هكذا متنكبا * * * زرودا وان ألوت هناك زرود

بني هاشم يا للحفيظة نكست * * * على الرغم رايات لكم وبنود

رمتكم كما شاء القضاء أمية * * * ففر طليق بعدها وطريد

وثارت عليكم بعد أن طال مكثها * * * من الرعب أوغاد لها وحقود

ودع عنك نجوى أهل مكة وارتحل * * * فقد عز موجود وعز وجود

ووجه لتلقاء المدينة وجهها * * * مشيحا ففيها عدة وعديد

ولذ بضريح المصطفى قائلا له * * * حسين عن الورد المباح مذود

45

ألا يا رسول الله ما لك راقدا * * * وآلك في أرض الطفوف رقود

فخذها كما شاء الحزين شكاية * * * تكاد لها شم الرعان تميد

عشية ساقوهن أسرى وقيدوا * * * العليل فأودى بالعليل قيود

وقبل ثرى أعواد أحمد وارتحل * * * فأعواده حيث التنشق عود

ودعها على علاتها مستطيرة * * * لذا سيرها الوجاف فهي صمود

لعلي أراها بالغري مناخة * * * على جدث فيه الوصي وصيد

أبا حسن أنت المثير عجاجها * * * اذا اقترعت تحت العجاجة صيد

أغارت بقايا عبد شمس ونوفل * * * على الدين حتى بات وهو عميد

فيا هل تراها ان سيفك فللت * * * ضواربه يوم القراع جنود

وان الفتى القراض حطم صدره * * * ببدر وأحد عتبة ووليد

فلو كنت حيا يوم وقعة كربلا * * * رأت كيف تبدي حكمها وتعيد

عشية باتت من بنيك عصابة * * * وسايدها صلد بها وصعيد

لقى كأضاحي العيد لا عاد بعدهم * * * علي بلذات التنعم عيد

أترضى وانت الثاقب العزم غيرة * * * يلاحظها حسرى القناع يزيد

أمية كم هذا الغرور فما أتى * * * بمعشار عشر الفعل منك ثمود

وراءكم يوم يشيب لهوله * * * الرضيع فايعاد به ووعيد

قال صاحب أنوار البدرين : الشيخ عبد العزيز الجشي من شعراء القطيف الاديب الشاعر الشيخ عبد العزيز بن الحاج مهدي بن حسن بن يوسف بن محمد الجشي (قدس سره) البحراني القطيفي. كان له رحمه الله تعالى من الادب الحظ الوافر ومن الشعر والمعرفة النصيب الكامل له قصائد جيدة منها في رثاء الحسين (ع) تقرأ في المجالس الحسينية وله منظومة في الرد على النصارى ذكر فيها ما ذكره الشيخ سليمان آل عبد

46

الجبار ومتضمنة للادلة التي ذكرها في الرد على النصارى جيدة حسنة وقد اشتغل في العلوم الا ان الشعر والتجارة غلبا عليه فكان بهما موسوما ولم أعلم بتاريخ وفاته ضاعف الله حسناته. انتهى. ويقول الشيخ علي منصور في شعراء القطيف : كانت وفاته سنة 1270.

أقول وترجم له الشيخ الطهراني في ( الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة ) وسماه بـ ( السيد عبدالعزيز ) وهو خطأ مطبعي.

47

السيد محمد ابو الفلفل

1271

وذوو المروة والوفا أنصاره * * * لهم على الجيش اللهام زئير

طهرت نفوسهم لطيب أصولها * * * فعناصر طابت لهم وحجور

عشقوا العنا للدفع لا عشقوا الغنا * * * للنفع لكن أمضي المقدور

فتمثلت لهم القصور وما بهم ـ * * * لو لا تمثلت القصور ـ قصور

ما شاقهم للموت الا دعوة الـ * * * رحمن لا ولدانها والحور

بذلوا النفوس لنصره حتى قضوا * * * والخيل تردى والعجاج يثور

فغدا ربيب المكرمات يشق تيا * * * ر الحروب وعزمه مسجور

يدعو ألا أين النصير وما له * * * غير الارامل والعليل نصير

والكل يدعو يا حسين فصبية * * * وعقائل ومقاتل وعفير (1)

قال البحاثة المعاصر الشيخ علي منصور المرهون في كتابه ( شعراء القطيف ) السيد محمد الفلفل المتوفى سنة 1261 تقريبا.

هو السيد الشريف السيد محمد بن السيد مال الله ابن السيد

____________

1 ـ عن ( أنوار البدرين ).

48

محمد المعروف بـ ( الفلفل ) أحد أهالي قرية ( التوبي ) من القطيف ، نزيل كربلاء من المعاصرين للسيد كاظم الرشتي ومن المقربين اليه ، ذكره صاحب الدمعة الساكبة وأثبت له القصيدة الهائية التي أولها ( خلها تدمي من السير يداها ).

وآل الفلفل موجودون من خيار السادة يفتخرون بشاعرهم هذا ، أقول وروى له أبياته الشهيرة التي أولها :

وذوو المروة والوفا أنصاره * * * لهم على الجيش اللهام زئير

وقال : كان ; من الشعراء المجيدين المكثرين في مراثي الحسين (عليه السلام) وقال صاحب أنوار البدرين : لقد غلب شعره على منزلته العلمية فاشتهر بالادب. انتقل من القطيف للعراق فجاور جده الحسين (ع) حتى توافه الله ، وكان شديد الرقة واراقة الدموع على مصاب جده الشهيد. نقل الشيخ علي الحمامي نائحة أهل البيت المشهور بزهده وولائه لهم قال حدثني العالم الرباني الشيخ جعفر الشوشتري ، قال حدثني السيد محمد أبو الفلفل القطيفي قال : رأيت في المنام ليلة من الليالي كأن امرأة عليها آثار الهيبة والوقار قد جلست على غدير ماء وهي تئن وتبكي وبيدها قميص مضمخ بالدم تغسله وهي تردد هذا البيت ببكاء وزفير :

وكيف يطوف القلب مني بهجة * * * ومهجة قلبي بالطفوف غريب

قال السيد محمد فدنوت منها وسلمت عليها وسألتها فقالت : أما تعرفني أنا جدتك فاطمة الزهراء وهذا قميص ولدي الحسين

49

لا أفارقه أبدا. فانتبه السيد ونظم قصيدة وضمنها هذا البيت. فكان أول القصيدة ( أراك متى هبت صبا وجنوب ). وكان أبوه السيد مال الله من أهل العلم والفضل. انتهى.

أقول ربما حصل التباس بين سيدنا المترجم له وبين سميه ومعاصره السيد محمد بن مال الله بن معصوم لاتحاد الاسمين واسم الابوين والمسكن اذ هما في كربلاء يسكنان حتى ربما نسب البعض شعر هذا لهذا. أرجو الانتباه.

فمن شعر السيد محمد بن مال الله الملقب بالفلفل المتوفى 1261 ويقول صاحب الذريعة ان وفاته سنة 1277.

يا نفس عن فعل الخطايا فاقلعي * * * ذهب الشباب وأنت لم تتورع

لا تخدعنك زينة الدنيا فقد * * * غرت سواك بخدعة وتصنع

أو ما سمعت بذكر كسرى في الورى * * * وبذكر قيصر ذي الجنود وتبع

أين القرون وعادها وثمودها * * * قذفتهم الدنيا بقبح الموضع

أين الذين تمتعوا بنعيمها * * * وتمنعوا في كل حصن أمنع

أين الطواغيت الذين تنكبوا * * * بالظلم عن نهج الرشاد الاوسع

كم ظالم تحت التراب وهالك * * * لم يستطع رد الجواب ولا يعي

يا نفس ان شئت السلامة في غد * * * فعن القبايح والخطايا فاقلعي

وتوسلي عند الاله باحمد * * * وبآله فهم الرجا في المفزع

يا نفس من هذا الرقاد تنبهي * * * ان الحسين سليل فاطمة نعي

فتولعي وجدا له وتوجعي * * * وتلهفي وتأسفي وتفجعي

آه لها من وقعة قد أوقعت * * * في الدين أكبر فتة لم تنزع

آه لها من نكبة قد أردفت * * * بمصائب تبقى ليوم المجمع

50

قتل الحسين فيا سما ابكي دما * * * حزنا عليه ويا جبال تصدع

منعوه شرب الماء لا شربوا غدا * * * من كف والده البطين الانزع

مذ جائها يبدي الصهيل جواده * * * يشكو الظليمة ساكبا للادمع

يا أيها المهر المخضب بالدما * * * لا تقصدن خيم النساء الضيع

يا مهره قف لا تحم حول الخبا * * * رفقا بنسوته الكرام الهلع

اني أخاف بأن تروع قلوبها * * * وهي التي ما عودت بتروع

لهفي لتلك الناظرات حماتها * * * فوق الجنادل كالنجوم الطلع

والريح سافية على أبدانهم * * * فمقطع ثاو بجنب مبضع

ولزينب نوحا لفقد شقيقها * * * وتقول يا ابن الزاكيات الركع

اليوم أصبغ في عزاك ملابسي * * * سودا وأسكب هاطلات الادمع

اليوم شبوا نارهم في منزلي * * * وتناهبوا ما فيه حتى مقنعى

اليوم ساقوني بقيدي يا أخي * * * والضرب آلمني وأطفالي معي

لا راحم أشكو اليه أذيتي * * * لم ألف الا ظالما لم يخشع

حال الردى بيني وبينك يا أخي * * * لو كنت في الأحياء هالك موضعي

مسلوبة مضروبة مسحوبة * * * منهوبة حتى الخمار وبرقعي

وهلم خطب يوم قوض ضعنها * * * من كربلا في نسوة تبدي النعي

مروا بها لترى أعزة قومها * * * صرعى تكفنهم رياح الزوبع

فرأت أخاها جثة من غير ما * * * رأس فألقت نفسها بتلوع

فوق الحسين السبط حاضنة له * * * فنعته نعي الفاقدات الضيع

وتقول حان فراق شخصك يا أخي * * * من ذا لثاكلة وطفل مرضع

يا كافلي هل نظرة أشفي بها * * * قلبي وتطفي لوعة في أضلعي

أتبيت في الرمضا بلا كفن ولا * * * غسل ويهنى بعد فقدك مضجعي

حاشا وكلا يا كفيل أراملي * * * وذخيرتي في النايبات ومفزعي