أعلام الدين في صفات المؤمنين

- الحسن الديلمي المزيد...
532 /
7

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين ، محمدوآله الطيبين الطاهرين.

وبعد :

فإن الاسلام دين اللّه الخاتم ، وشريعته الأخيرة للبشرية جمعاء في كافة أقطارها ، على مدى عصورها وأزمانها ، وقد جاء هذا الدين لينقذ البشرية من الجهل ، ويُخرجها من ظلماته إلى نور العلم والهدى ، فكان الحثُ على العلم وبيان قيمة العلماء من المعالم البارزة في القرآن الكريم وكلام أئمة الدين.

وقد ورد في القرآن الكريم ما يزيد على 750 اية في العلم ومشتقّاته ، من مدح العلماء ، وحثٌ على طلب العلم ، وبيانٍ لأهمية العلم في حياة الانسان ، ويكفيك منها قوله تعالى : « قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ » (1) وقوله تعالى : « إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ » (2) أما ما أثِر عن النبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين ـ (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) ـ في هذا الباب فهو أكثرمن أن يُحصر ، وما على طالبه إلاّ أن يمدّ يده إلى أقرب كتاب حديثي إليه فسيجد

____________

(1) الزمر 39 : 9.

(2) فاطر 35 : 28.

8

فيه فصلاً بل فصولاً في الاشادة بالعلم والعلماء ، وسيمرّ عليك في أثناء هذا الكتاب من ذلك الشيء الكثير.

هذا في اهتمام قادة الاسلام بالعلم بجميع شعبه وفنونه.

أمَا علم الحديث الشريف فهو علم إسلامي بحت نشأ ونما وآتى اُكله ليحفظ لنا أقوال المعصومين (عليهم السلام) التي هي بيان وتفسير للقران الكريم ، وهدى إلى سعادة الدنيا والاخرة ، فيها جميع ما يحتاجه الانسان لتكميل نفسه وعمارة دنياه وسعادة أخراه.

ولهذا العلم الشريف. في المكتبة الآسلامية سهم كبير ومكان عال ، فالعلوم الاُخرى من تفسير وفقه وعقائد و ... تعتمد عليه وتستمدّ منه ، فهو الصدر الأول للمفسر والفقيه والمتكلّم والعارف ...

وهوعلم تتميز به الاُمة الاسلامية عن بقيَة الأمم ، حيث حفظ هذا العلم الشريف جميع كلام النبي الأكرم وآل بيته الطاهرين وإخبارهم عن الله تعالى وما يتعلق بسيرهم وحياتهم ، وحفظ لنا ـ إضافة إلى هذا ـ الصحيح من كلام الأنبياء السابقين (عليهم السلام) ... مما لا نجده عند أتباع الديانات الاخرى.

وقد أتعب علماء المسلمين أنفسهم في نقل الحديث الشريف وحفظ أسانيده ، ووضعوا له علماً مستقلاً يضبط أصوله وفروعه أسموه علم دراية الحديث.

وكان أن نبغ عباقرة ثقات حفظوا هذا العلم للأمة ، وكان منهم من يحفظ مئات الألوف من الأحاديث بأسانيدها ، ودونوا الكتب المهمَة الضخمة فيه ، فوصلت إلينا مكتبة فاخرة من كتب الحديث الشريف.

من هذه الكتب التي وصلت إلى أيدينا كتاب « أعلام الدين » وهوكتاب جامع في طائفة مفيدة قيمة من الحديث الشريف ، وقد بناه مؤ لفه على أبواب وفصول ، ذكر في كل باب وفصل منها مجموعة من الأحاديث الشريفة.

وأليك عرضاً موجزاً للكتاب ، وهو عرض مختصر لا يغني عن مطالعة الكتاب والاستفادة من غرر أحاديثه الكريمة.

بدأ المؤلف كتابه بفصل في المؤمن وما خصه الله وحباه من كريم لطفه

9

وجزيل مننه وإحسانه ، وأن التارك للدنيا الزاهد فيها مثله كمثل الشمعة التي تحرق نفسها لتضيء الدرب للآخرين.

وأتبعه بفصل عن الدليل على حدوث الانسان وإثبات محدثه ، استدل فيه بدليل الخلقة وغيره من الأدلة على إثبات الخالق تعالى ، وفَرع عليه وجوب الشكرعلى النعمة ، وفسر الشكر بانه الاعتراف بالنعمة مع تعظيم منعمها ، ومن أولى من الله تعالى بالشكرعلى نعمه الوافرة؟!

ثم ساق لنا كتاب (البراهان على ثبوت الايمان) لأبي الصلاح التقي بن نجم بن عبيدالله الحلي ، وهذا من مميزات الكتاب حيث حفظ لنا نسخة من هذا الكتاب الذي تخلو فهارس المكتبات المخطوطة ـ في حدود اطلاعنا ـ عن نسخة منه.

وأتبعه بالخطبة الخالية من الألف المنقولة عن أميرالمؤمنين (عليه السلام).

وعقبها بفصل في فضل العلم والعلماء ، يذكر فيه نصيحة الامام أميرالمؤمنين (عليه السلام) الطويلة لكميل التي يقول في فقرة منها :

« يا كميل ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الانفاق ، وصنيع المال يزول بزواله ».

ثم يتحدث عن أهمية القرآن في حياة المسلمين فيذكر : قوله (عليه السلام) : « قراءة القران أفضل من الذكر ، والذكر أفضل من الصدقة ، والصدقة أفضل من الصيام ، والصوم جُنة من النار ».

ثم يتطرق إلى صفات المؤمن وخلاله الحسنة فيذكرأحاديث منها :

قال أبوعبداللّه (عليه السلام) : « من سرته حسنته ، وساءته سيئته فهو مؤمن ».

وفي الكتاب من المواعظ والحكم الشيء الكثير ، والتذكير بما حرم الله ، والأمر بغض الأبصار ، والخضوع في العبادة والتواضع.

وفيه ذكر صفات المؤمنين وكيف أنّ قلوبهم خاشعة وأبدانهم طيّعة في عبادة رب العالمين.

وذكر أوصاف شيعة علي المرتضى ، وكيف أن شفاههم ذابلة ، ووجوهم

10

مصفرة من خشية الله ، وألوانهم متغيرة ، وبطونهم خميصة « اتخذوا الأرض فراشاً ، والتراب بساطاً ، والماء طيباً ، والقرآن شعاراً ، والدعاء دثاراُ ».

وأتبعه بفصل من الأدب والخلق الرفيع ومكارم الأخلاق ، ولم ينس الغنى والفقر والأرزاق ، فعقد لها فصولاً.

أعقبها بفصل في ذكر الموت والقتل ، والفرق بينهما.

وجاء بعده بفصل في كلام أميرالمؤمنين (عليه السلام) في الاخوان وآداب الاخوة في الايمان.

وفصل مما ورد في ذكر الظلم.

وذكر وصية النبي لأبي ذر ، وهي وصية مفصلة مطوَلة ، وفيما أنزل الله على عيسى بن مريم (عليه السلام) من الوعظ. وهما من نوادر النصوص التى تستحق التدبر والاعتبار بها.

ورجع فذكر فصلاً مفصّلاً في ذكر حقوق الاخوان من أحاديثه.

ولم يهمل العبادة التي فيها تهذيب النفس وتكميلها وتحليتها بالفضائل ، فعقد فصلاً في قيام الليل والترغيب فيه.

ولم يهمل المؤلف أقوال الحكماء والمؤمنين الصادقين ، ومواقفهم البطولية في مجابهة طواغيت زمانهم ، فقد روى لنا من حكمة لقمان وصيته لولده تلك الوصيّة الخالدة المعروفة.

وروى لنا موقف خالد بن معمر لما سأله معاوية : على ما أحببت علياً؟قال : على ثلاث خصال : على حلمه إذا غضب ، وعلى صدقه إذا قال ، وعلى عدله إذا ولي.

وكانت للشعر الحكمي والعرفاني عند الديلمي منزلة سامية ، فقد ذكر المؤلف من هذه الأشعار مجموعة طريفة.

وذكر مواعظ بعض العلماء للحكام ، كما روى لنا كتاب الحسن البصرى إلى عمر بن عبدالعزيز.

ويذكر مآل المؤمنين الصالحين إلى الجنة والسعادة الأخروية حيث الحور

11

والولدان المخلدون ، والأنهار الجارية ، ومنابر الياقوت الأحمر في خيام اللؤلؤ الرطب ...

ويعقبه بقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : « فيا عجباً لمن يطلب الدنيا بذل النفوس والتعب ، ولا يطلب الآخرة بعز النفوس والراحة؟! »

ويعقد بابأ مهشاً في حسن الظن باللّه تعالى جاء فيه الحديث القدسي الشريف : « أنا عند ظن عبدي بي ، فلا يظن بي إلآ خيراً ».

ويعرج على قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) : « من حفظ عنّي أربعين حديثاً حشره الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ».

ويستطرد بذكر الأربعين حديثاً المعروفة بالأربعين الودعانية لابن ودعان الموصلي.

وللأسماء الالهية الحسنى مكانها الشامخ في الكتاب ، استهلّها المؤلف بالحديث النبويَ الشريف : « إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها ودعا بها دخل الجنة ».

ثمَ يذكر فضائل قراءة القرآن الكريم وثواب تلاَوته ، ويستطرد في فضائل السور الكريمة سورة سورة.

ولآل البيت (عليهم السلام) النصيب الأوفر ، حيث روى المؤلف عدة أحاديث في فضلهم ومكانتهم العليا عند الله تعالى.

وذكر المؤلف الخواتيم والفصوص فعقد لها فصلا ذكرفيه فضل التختّم بالفيروزج والياقوت والعقيق وأشباه ذلك.

وعقد فصلا لذكر الموت وما بعد الموت ، ساق فيه الأحاديث المبشرة للمؤمن والرادعة عن المعاصي ، والتي فيها أوصاف أهوال الموت والقبروالحساب ...

وذكر الدعاء وأهميته في الدين الاسلامي وكونه من العبادة ، فذكرأحاديث كثيرة منها ، قوله (عليه السلام) : « ادعوا الله وأنتم موقنون بالاجابة ، وإعلموا

12

أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل ».

وختم كتابه بنصائح قيمة للقارئ اللبيب ، وهي خلاصة معاناة المؤَلف في حياة زاهدة تقية مؤمنة.

ومن ميزات الكتاب انفراده بأحاديث لم يعثر عليها في الكتب الروائية الموجودة ، نقلها صاحب البحار عن كتابنا هذا.

ترجمة المؤلف

إسمه واسم أبيه :

إتَفقت المصادر المترجمة له على أنَ اسمِه (الحسن) ولكنّها اختلفت اختلافاً شديداً في اسم أبيه ، قال صاحب أعيان الشيعة في ترجمته : اقتصر بعضهم في اسم أبيه على أبي الحسن ، وبعضهم سماه محمداً ولم يذكر أبا الحسن ، وبعض قال : الحسن بن أبي الحسن محمّد ، فجعل كنية أبيه أبا الحسن واسمه محمداً ، وبعضهم قال : الحسن بن أبي الحسن بن محمد.

وعنونه في الرياض مرّة الحسن بن أبي الحسن محمد ، واُخرى الحسن بن أبي الحسن بن محمد.

وعنونه صاحب أمل الامل : الحسن بن محمد الديلمي.

قال صاحب الرياض : لعله كان في نسخة صاحب الأمل لفظة (ابن) بعد أبي الحسن ساقطة فظن أن أبا الحسن كنية والده محمد ، فأسقط الكنية رأساً ، ولعله سهو.

وأقول : هذا تخرص على الغيب.

وقال السيد الأمين أيضاً : وفي صدر نسخ إرشاده ، وكذا في بعض المواضع منه : الحسن بن محمد الديلمي.

أقول : الصواب أنه الحسن بن أبي الحسن محمد ، وأبوالحسن كنية أبيه واسم أبيه محمد. أما محمد بن أبي الحسن بن محمد فزيادة (ابن) قبل محمد من سهو النساخ ، ومثله يقع كثيراً ، فحين يرى الناظر الحسن بن أبي الحسن محمد ،

13

يسبق إلى ذهنه زيادة ابن قبل محمد.

انتهى ما ذكره السيد الامين في ج 5 : 250 من أعيان الشيعة.

وعاد في ج 4 : 629 قائلاً : الحسن بن أبي الحسن الديلمي يأتي بعنوان الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي.

وكرره في 4 : 629 أيضاً قائلاً : الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي يأتي في ترجمة الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي ، احتمال أن يكون أبوالحسن كنية والده واسمه ، وأن يكون محمد اسم جده ، فراجع.

هذا مجمل القول في اختلافهم في اسم أبيه.

والذي نطمئنَ إليه ما جاء في أعلام الدين نفسه ص 97 حيث يقول ما نصٌه : « يقول العبد الفقير إلى رحمه اللّه وعفوه ، الحسن بن علي بن محمد بن الديلمي تغمَده اللّه برحمته ومسامحته وغفرانه ، جامع هذا المجموع ... »

وهذا ما يحل المشكلة في اسم أبيه ، حيث صرَح بأن اسم والده « علي » وعلي يكنى أبا الحسن كما هو معروف ، فيكون محمد جداً له.

فالمحصل أن مؤلفنا هو الحسن بن أبي الحسن علي بن محمد بن الديلمي.

القول في طبقته وعصره

ينقسم العلماء في تحديد طبقة المترجم له إلى قسمين :

الأول : يرى أنه من المتقدّمين على الشيخ المفيد أو من معاصريه ، وهو ما ذهب إليه صاحب الرياض (1) ، ونقله عنه السيد الأمين في الأعيان (2) ، ويستند هذا الرأي إلى ما يلي :

1 ـ إن الكراجكي في كنز الفوائد ، وشرف الدين النجفي في تأويل الايات الباهرة ، نسبا كتاب التفسير إلى الحسن بن أبي الحسن الديلمي ، ونقلا عنه بعض الأخبار (3) ، وبما أن الكراجكي قد تُوفي سنة 449 هـ ، فمن الطبيعي أن يكون من

____________

(1) رياض العلماء 1 : 338.

(2) أعيان الشيعة : 250.

(3) رياض العلماء 1 : 339.

14

نقل عنه الكراجكي متقدما طبقة عليه.

2 ـ قول صاحب الرياض بأنَه رأى « في كتب من تقدم على العلاّمة بكثير روايته عن كتاب حسن بن أبي الحسن الديلمي ، ومنهم ابن شهرآشوب في المناقب ، وابن جني في البحث » (1).

ومع هذا فإنَ صاحب الرياض لا يخفي تردده حول هذا الرأي ، لقوّة أدلة الرأي الاخر (2) الذيَ سنذكره بعد قليل ، مع العلم أن ما ذكر صاحب الرياض أوجدَ حيرة بدتْ واضحة في كلام من بحث حول طبقة المترجم له ، حتَى ان السيد الأمين صرَح في الأعيان قائلاً : « ومع ذلك فالظاهر انه لا يرتفع الاشكال ، فإن تأريخ (673) لا يكاد يجتمع مع تاريخ (841) وكذلك تأريخ (413) لا يكاد يجتمع مع تأريخ (588) إلا أن يُلتزم بأن معاصرته لبعض من ذكر غير صواب ، والله أعلم » (3)

وقبل أن نتطرق إلى أدلة القائلين بالرأي الآخر ـ الذين لم يتطرقوا للجواب على ما ذكره صاحب الرياض ـ نرى لزاما علينا أن نبيَن بعض الحقائق حول كلام صاحب الرياض ، لعلها تكون بمثابة الخطوة الاُولى في الطريق الموصل إلى ما نركن إليه من َرأي ، مستهدفين بذلك الحقيقة في طرح الإشكال والجواب عليه ، فنقول :

1 ـ لم نعثر في كتاب « كنز الفوائد » للكراجكي ـ وعندنا منه نسخة مطبوعة على الحجر مقابلة مع نسخة مخطوطة ثمينة ، كتبت سنة 677 هـ ، موجودة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد المقدسة ـ على أيّ أثر للحسن بن أبي الحسن الديلمي أو أحد كتبه!

2 ـ إذن ، كيف ذكر صاحب الرياض ذلك؟! وهل يوجد تبرير مقنع يمكننها من خلال تبنيه حلّ الاشكال؟ وللجواب على هذه الأسئلة وغيرها نطرح ما يلي :

____________

(1) رياض العلماء 1 : 340.

(2) رياض العلماء 1 : 340.

(3) أعيان الشيعة 5 : 250.

15

ليس من شك أن كتاب « بحارألأنوار » لشيخ الإسلام العلامة المجلسي (ت 1110 هـ) يعتبر من أهم الموسوعات ألحديثية التي جمعت التراث الروائي ، فصانته بذلك من الضياع ، وحفظته من التلف ، فكان أن اعتمد العلامة المجلسي ـ (رضوان الله عليه) ـ على مجموعة كبيرة من كتب الرواية والحديث ذكرها في مقدمة كتابه الكبير ، وقد استخدم طريقة الرموز في الاشارة للكتب التي نقل عنها ، فرمز لكتاب الخصال بـ « ل » وللكافي بـ « كا » ولأمالي إلمفيد بـ « جا » وهكذا ... ، ولم يذكر لطائفة صغيرهّ من الكتب رمزاً ما ، بل صرح بأسمائها حين نقل عنها.

ومن الكتب التي اعتمدها المجلسي ونقل عنها ، كتاباً « كنز جامع الفوائد » و « تأويل الآيات الظاهرة » ، ورمز لهما معا بـ « كنز » لكون أحدهما مأخوذاً عن الآخر (1).

وكتاب « تأويل الآيات الظاهر في فضائل العترة الطاهرة » للسيد شرف الدين علي الحسيني الاسترابادي الغروي تلميذ المحقق الكركي الذيَ توفي سنة 940 هـ ، جمع فيه تأويل الآيات التي تتضمن مدح أهل البيت (عليهم السلام) ومدح أوليائهم وذم أعدائهم من طرقنا وطرق أهل السنة (2) وينقل فيه عن عدة مصادر ، منها مارواه الحسن بن أبي الحسن الديلمي (3).

وكتاب « كنز جامع الفوائد ودافع المعاند » ، هو للشيخ علم بن سيف بن منصور النجفي الحلّي ، انتخبه واختصر في سنة 937 هـ من كتاب « تأويل الايات ألظاهرة » الانف ألذكر. ولذا فقد أشار العلآمة المجلسي لهما برمز « كنز » ، باعتبار أن أحدهما منقول عن الآخر.

ولعل هناك من يتوهم أن رمز « كنز » هو لكتاب « كنز الفوائد » للكراجكي ، فينقل النصوص عن كتاب بحار الأنوار وينسبها لكتاب « كنزألفوائد » كما حصل لبعض علمائنا (رضوان اللّه عليهم) ، فلعل ما ذكره صاحب

____________

(1) بحارالأنوار 1 : 47.

(2) الذ ريعة 3 : 304 / 1130.

(3) اُنظر تأويل الآيات : 92 ب ، 101 أ ، 115 ب ، 118 ب.

16

الرياض من قوله : « نسب الكراجكي في كنز الفوائد وصاحب كتاب تأويل الآيات الباهرة في العترة الطاهرة كتاب التفسير إلى الحسن بن أبي الحسن الديلمي ويروي عنه بعض الأخبار في أواخر كتابه » (1) هو من هذا القبيل ، أي أنه رأى ما نقله العلآمة المجلسي عن هذين الكتابين برمز « كنز » فتبادر إلى ذهنه أن هذه النصوص منقولة عن كتاب « كنز الفوائد » للكراجكي.

ويدعم هذا الاحتمال ذكر صاحب الرياض لكتاب « تأويل الايات » بضميمة كتاب « كنزالفوائد » ، ممَا يؤكد أنه ـ (رضوان الله عليه) ـ استند في كلامه هذا على ما راه في كتاب « بحارالأنوار ». والله العالم.

وعلى هذا نكون قد دفعنا إشكال صاحب الرياض ، وأزلنا بذلك عقبة كأداء أمام تعيين طبقة المترجم له ، إذ لا ضيرأن يكون قد نقل عنه أمثال الشيخ شرف الدين النجفي ، وهو تلميذ المحقق الكركي المتوفى سنة 940 هـ.

3 ـ وأما تعقيبنا على كلام صاحب الرياض بأنه رأى « في كتب من تقدم على العلآمة بكثير روايته عن كتاب حسن بن أبي الحسن الديلمي ، ومنهم ابن شهرآشرب في المناقب ، وابن جني في البحث » هو أننا لم نجد في كتاب « مناقب آل أبي طالب » لابن شهرآشوب المازندراني أي إشارة لكتاب الحسن بن أبي الحسن الديلمي هذا! هذا من جهة ، ومن جهة اُخرى فمن البعيد أن ينقل ابن جني ـ وهو العالم اللغوي النحوي ـ عن الحسن بن أبي الحسن الديلمي ـ على فرض كونه متقدماً عليه ـ وهو رجل الحكمة والموعظة والحديث (2).

وبعد هذا العرض الموجز لأدلة القائلين بالرأي الاول والتعقيب عليها نتطرق الآن للرأي الثاني.

الرأي الثاني : يرى القائلون به أنَ المترجم له كان معاصراً للعلآمة الحلي

____________

(1) رياض العلماء 1 : 339.

(2) اُنظر ترجمة ابن جني وذكر تصانيفه في إنباه الرواة على أنباه النحاة 2 : 335 ـ 340.

17

( 726 هـ ) ، أو الشهيد الأول (786 هـ) أو متأخراً عنهما بقليل ، وأنه معاصر لفخر المحققين ابن العلاٌمة الحلي المتوفى سنة (771 هـ) أي إنّه من أعلام المائة الثامنة ، وهو ما ذهب اليه السيد الخوانساري (1) والشيخ آقا بزرك الطهراني (2) ، وحاجي خليفة (3).

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى ما يلي :

1 ـ إن الديلمي نقل في الجزء الأول من إرشاد القلوب عن كتاب ورّام (4) ، فهو متأخر عن الشيخ ورام المتوفى سنة 605 هـ قطعاً.

2 ـ أنّه نقل في الجزء الثاني من إرشاد القلوب عن كتاب « الألفين » للعلامة (5) المتوفّى سنة 726 هـ ، فيكون متأخراً عنه أيضاً ، أو معاصراً له.

3 ـ إن المترجم له قال في كتابه « غرر الأخبار » ما لفظه : « وفي كتاب العيون والمحاسن للشيخ المفيد ... وقال بعد ذكرما جرى من بني اُمية ثمّ من بني العباس على المسلمين ، بتأثير اختلاف ملوك المسلمين شرقاً وغرباً في ضعف الاسلام وتقوية الكفّار ـ إلى قوله ـ فالكفار اليوم دون المائة سنة قد أباحوا المسلمين قتلا ونهبا » (6).

فيظهر من هذا النص أنه ألف كتابه المذكور بعد أَنقراض دولة بني العباس في سنة 656 هـ بما يقرب من مائة سنة ، أي في أواسط المائة الثامنة.

4 ـ إنّ الشيخ ابن فهد الحلّي المتوفّى سنة 841 نقل في كتابه عدة الداعي عن المترجم له بعنوان الحسن بن أبي الحسن الديلمي ، فهو متقدم عليه قطعا.

وعلى هذا يمكن حصر طبقة المترجم له ، والفترة التي عاش فيها من ما بعد سنة 726 هـ إلى ما قبل سنة 841 هـ تقريبا ، وهذا الاحتمال أقرب للواقع ـ كما

____________

(1) روضات الجنات 291 : 2.

(2) الذريعة 16 : 56 / 256.

(3) هدية العارفين 5 : 387 ، وهو الوحيد الذي صرح بأن الديلمي « كان حياً في حدود سنة 760 هـ ».

(4) إرشاد القلوب 1 : 173.

(5) إرشاد القلوب 2 : 251.

(6) الذريعة 11 : 9 / 256.

18

نرى ـ من خلال ما تقدّم.

أقوال العلماء فيه :

1 ـ الشيخ الحر العاملي في أمل الآمل 2 : 77 / 211 : « كان فاضلاً محدثا صالحاً ».

2 ـ العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار 1 : 16 بعد ذكر مؤّلفاته : « كلّها للشيخ العارف أبي محمد الحسن بن محمد الديلمي ».

وفي ج 1 : 33 ، بعد ذكر كتابي أعلام الدين ، وغرر الأخبار : « وإن كان يظهر من الجميع ونقل الأكابر عنهما جلالة مؤلفهما ».

3 ـ الميرزا عبداللّه أفندي في رياض العلماء 1 : 338 : « الشيخ العارف أبومحمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي قدس اللّه سره : العالم المحدّث الجليل المعروف بالديلمي ».

4 ـ السيد الخوانساري في روضات الجنات 2 : 291 : « العالم العارف الوجيه أبو محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي ، الواعظ المعروف الذي هو بكلّ جميل موصوف ... وبالجملة فهذا الشيخ من كبراء أصحابنا المحدّثين ».

5 ـ السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة 5 : 250 : « هو عالم عارف عامل محدّث كامل وجيه ، من كبار أصحابنا الفضلاء في الفقه والحديث والعرفان ، والمغازي والسير ».

6 ـ الشيخ عباس القمّي في الكنى وألألقاب 2 : 212 : « أبومحمد الحسن ابن أبي الحسن محمد الديلمي الشيخ المحدّث الوجيه النبيه ».

وقال في هدية الأحباب ص 137 : « الديلمي شيخ محدّث وجيه نبيه ».

7 ـ حاجي خليفة في هدية العارفين 287 : 5 : « الديلمي ـ حسن بن أبي الحسن محمد الديلمي الشيعي ، أبومحمد الواعظ ، كان حياً في حدود سنة 760 هـ ».

8 ـ إسماعيل باشا في إيضاح المكنون 3 : 62 ، بعد ذكر كتاب الارشاد :

19

« للشيخ أبي محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي الواعظ الشيعي ».

الديلمي والغربة :

سيرى القارئ في (منهجيّة المؤلف) أنّ الديلمي ; مضطرب النفس في كتابه أعلام الدين ، يعتمد على ذإكرته في نقل الأحاديث ، قليل الكتب حيث ينقل النصوص المضبوطة عن كتابين أو ثلاثة منها مجموعة ورام.

هذه الظاهرة سببها ـ فيما يظهر أبتلاؤه بالغربة والوحدة وضيق ذات اليد ، وهي حالة يبتلى بها العارفون المخلصون الزاهدون في الدنيا ، العاملون في سبيل عمارة اُخراهم ولو أضرّ ذلك بدنياهم.

وقد تنبأ له والده بهذا المستقبل.

قال المؤلف ; في أعلام الدين ص 326 بعد ذكر عدّة آيات قرآنية في الموالاة في اللّه والمعاداة فيه عزّوجل :

« يقسم باللّه ـ جلّ جلاله ـ مملي هذا الكتاب : إنّ أوثق وأنجح ما توخيته فيما بيني وبين الله عزّ وجل ، بعد المعرفة والولاية هذا المعنى ، ولقد فعل الله تعالى معي به كلّ خير ، وإن كان أكسبني العداوة من الناس ، فقد ألبسني ثوب الولاية للّه تعالى ، لأنّ اللّه تعالى علِمَ منّي مراعاة هذا الأمر صغيراً وكبيراً ، وما عرفني به معرفة صحيحة غير والدي ; فإنّه قال لي يوماً من الأيّام : يا ولدي ، أنت تريد الأشياء بيضاء نقية خالية من الغش من كلّ الناس ، وهذا أمر ما صحّ منهم للّه ولا لرسوله ، ولا لأمير المؤمنين ، ولا لأولاده الأئمة (عليهم السلام) ، فإذاً تعيش فريداً وحيداً غريباً فقيراً ، وكان الأمر كما قال ، ولست بحمداللّه بندمان على مافات ، حيث كان في ذلك حفاظ جنب اللّه تعالى ، وكفى به حسيبا ونصيراً ».

وقد صدقت نبوءة والده فيه ، فإنّه لما خبر الناس والمجتمعات التي يحكمها الطواغيت وعرفها عن كثب ، وجدها تجمّعات لذئاب في أبدان بشريّة لا يرعون لعهد ـ إلهي ولا إنساني ـ إلاّ « ولا ذمّة ؛ فآثر وحشة الانزواء وغربة الانطواء على الذات على مخالطة تلك الذئاب الكاسرة ... خوفاً على ما حصّله من تزكية نفسه

20

وتكميلها.

فعاش فريدا وحيدا غريباً فقيرا كما تنبأ له والده ، وكما أخبرنا هو في أول صفحة من كتابه حيث قال :

« إنّني حيث بليت بدار الغربة ، وفقد الأنيس الصالح في الوحشة ، وحملتني معرفة الناس على الوحدة ، خفت على ما عساه حفظته من الاداب الدينيّة والعلوم العلوية ـ وهو قليل من كثير ويسير من كبير أن يشذ عن خاطري ، ويزول عن ناظري ـ لعدم المذاكر ـ أثبت ماسنح لي إيراده ... ».

ساعد اللّه العارفين على ما يلقونه من أقوامهم ، وآنس وحشة غربتهم في ديارهم ، وكان اللّه لهم ...

شعره :

لمؤلفنا شعر يتسم بالنصيحة والوعظ والارشاد على طريقة شعر الزهاد والعارفين ، من هذا الشعر ما عثرنا عليه في مؤلفاته التي اطّلعنا عليها.

قال في أعلام الدين ص 332 بعد أن روى حديثاً عن خليفة بن حصين ، شعراً في معناه :

تخيٌر قرينآ من فعالِكَ صالحاً * * * يُنعِتكَ على هول القيامةِ والقّبرِ

ويسعى به نوراً لديك ورحمة * * * تعمٌكَ يومَ الروعِ في عرصةِ الحشرِِ

وتأتي به يوم التغابُن آمنآَ * * * أمانك في يمناكَ من روعةِ النشرِِ

فمَا يصحب الانسانَ من جل ماله * * * سوى صالح الأعمال أو خالص البرّ

بهذا أتى ألتنزيلُ في كلِّ سورة * * * يفصّلُها ربُّ الخلائق في الذكرِِ

وفي سُنَّة المبعوث للناسِ رحمة * * * سلامٌ عليه بالعشيِ وفي الفجرِ

حديثٌ رواه ابنُ الحصينِ خليفةٌ * * * يحدثه قيس بنُ عاصم ذو الوفرِ

* * *

وفي إرشاد القلوب ص 113 ، قال المصنف :

لا تنسوا الموتَ في غمٍّ ولا فرح * * * والأرضُ ذئبٌ وعزرائيلُ قصّاب

* * *

21

وفيه ص 127 ، قال المصنف :

صبرتُ ولم اطلِعْ هواي على صبري * * * وأخفيتُ ما بي منك عن موضعِ الصبر

مخافة أن يشكوا ضميري صبابتي * * * إلى دمعتي سرّاً فيجري ولا أدريَ

مؤلفاته :

1 ـ إرشاد القلوب إلى الصواب المنجي من عمل به من أليم العقاب :

وهو من أشهر مؤلفاته ، ويعرف بإرشاد الديلمي ، نقل عنه العلاّمة المجلسي في كتابه الكبير بحارالأنوار ، وقال عنه : « وكتاب إرشاد القلوب كتاب لطيف مشتمل على أخبار متينة غريبة » (1).

واعتمده الشيخ الحرّ في موسوعته وسائل الشيعة ، وعنونه في الفائدة الرابعة من خاتمة الكتاب بعد أن قال : « الفائدة الرابعة : في ذكر الكتب التي نقلت منها أحاديث هذا الكتاب ، وشهد بصحتها مؤلّفوها وغيرهم ، وقامت القرائن على ثبوتها ، وتواترت عن مؤلفيها أو علمت صحة نسبتها إليهم وقامت بحيثٌ لم يبق فيها شكّ ولا ريب ، كوجودها بخطوط أكابر العلماء ، وتكرّر ذكرها في مصنّفاتهم ، وشهادتهم بنسبتها ، وموافقة مضامينها لروايات الكتب المتواترة ، أو نقلها بخبر واحد محفوف بالقرينة ، وغير ذلك وهي (2) : ... كتاب الارشاد للديلمي الحسن بن محمد » (3).

وقال عنه الشيخ آقا بزرك الطهراني : « وهو كتاب جليل قرظه السيدعلي صدر الدين المدني المتوفى سنة 1120 برباعيتين ، إحداهما :

إذا ضلّت قلوب عن هداها * * * فلم تدرِالعقابَ من الثوابِ

فأرشِدْها جزاك اللّهُ خيرأ * * * بإرشاد القلوبِ إلى الصوابِ

____________

(1) بحار الأنوار 1 : 33.

(2) وسائل الشيعة 20 : 43.

(3) وسائل الشيعة 20 : 36.

22

وثانيتهما :

هذا كتابٌ في معانيه حسَنْ * * * للديلمي أبي محمدٍ الحَسَنْ

أشهى إن المضنى العليلِ من الشفا * * * وألذّ للعينين من غمضِ الوسن (1)

وذكره إسماعيل باشا في إيضاح المكنون قائلاً : « إرشاد القلوب إلى الصواب المنجي مَن عمل به من أليم العقاب ، للشيخ أبي محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي ، الواعظ الشيعي » (2).

وقال السيد الخوانساري في الروضات : « وله كتب ومصنّفات منها كتاب إرشاد ألقلوب ، في مجلّدين ، رأيت منه نسخاً كثيرة ، وينقل عنه صاحب الوسائل والبحار كثيراً ، معتمدين عليه » (3).

يقع الكتاب في مجلدين ، المجلد الأول في المواعظ والنصائح ونحوها ، والمجلّد الثاني في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام).

قال الشيخ الحر بعد الثناء على المؤلف : « له كتاب إرشاد القلوب مجلدان » (4).

وقد شكّك صاحب الرياض في نسبة المجلّد الثاني من الكتاب للديلمي وقال : « وبالجملة المجلّد الثاني من كتاب إرشاده كثيراً ما يشتبه الحال فيه ، بل لا يعلم الأكثر أنه المجلد الثاني من ذلك الكتاب » (5).

وقال السيد الخوانساري : « إلاّ أنّ في كون المجلد الثاني منه المخصوص بأخبار المناقب تصنيفا له أو جزءاً من الكتاب نظراً بيّناً ، حيث ان وضعه كما أستفيد لنا من خطبته على خمس وخمسين باباً كما في الحكم والمواعظ ، فبتمام المجلّد الأول تتصرّم عدّة الأبواب ، مضافاً إلى أنّ في الثاني توجد نقل أبيات في المناقب

____________

(1) الذريعة 1 : 517 / 2527.

(2) إيضاح المكنون 3 : 62.

(3) روضات الجنات 2 : 291.

(4) أمل الامل 2 : 77 / 211.

(5) رياض العلماء 1 : 340.

23

عن الحافظ رجب البرسي مع أنّه من علماء المائة التاسعة » (1).

وقال السيد الأمين بعد ذكره قول الميرزا الأفنديَ والسيد الخوانساري : « يرشد إليه ما ستعرف من أسمه الدالّ على أنه في المواعظ خاصة » (2).

نقول : أمّا ما ذهب إليه السيد الخوانساري (قدس سره) من أنّه استفاد من خطبة الكتاب أنّه صنف على خمس وخمسين باباً كلّها في الحكم والمواعظ ، وأنّ عدة الأبواب تتصرٌم بتمام المجلد الأول ـ يندفع إذا عرفنا أنّ عدة إلأبواب قبل الجزء الثاني أربعة وخمسين باباً ـ على ما في النسخة المطبوعة من الكتاب ـ وأنّ الجزء الثاني بمثابة الباب الخامس والخمسين من الكتاب ، وفي نهاية الجزء الأول من الكتاب ما لفظه : « تمّ الجزء الأول من كتاب إرشاد القلوب ...

ويليله الجزء الثاني الباب الخامس والخمسون والأخير ، وفيه فضائل الإمام علي (عليه السلام) ومناقبه وغزواته » (3).

وأما قوله (قدس سره) « كلّها في الحكم والمواعظ » فلم نجد في خطبة الكتاب ما يدل على هذه « الكلية ».

وأمّاما في الأعيان من الاسترشاد باسم الكتاب على أنّه في المواعظ خاصة ، مندفع أيضاً ، اذ أنّ اسم الكتاب هو « إرشاد القلوب إلى الصواب المنجي مَن عمل به من أليم العقاب » لا يوحي كونه من المواعظ خاصة ، وأنّ ما في الجزءالثاني من الكتاب يندرج تحت هذا العنوان ، لأن التذكير بفضائل أميرالمؤمنين (عليه السلام) من فواضل الأمور ، أليس هو المحجة البيضاء والصراط المستقيم؟!أليس حبّه جُنّه من النار وأمانآَ من العذاب؟! وهل نجاة ترجى بدون التمسك بولايته (عليه السلام)؟!

نعم ، هناك بعض الإشكالات التي يمكن الاعتماد عليها في التشكيك في نسبة الكتاب للديلمي منها :

____________

(1) روضات الجنات 2 : 291.

(2) أعيان الشيعة 5 : 250.

(3) إرشاد القلوب : 260.

24

1 ـ ذكر في ص 298 من الجزء الثاني حديثاً مرفوعاً إلى الشيخ المفيد إلى سليم بن قيس الهلالي ، وقال بعده :

« وذكره المجلسي ; في المجلّد التاسع من كتاب بحار الأنوار والسيد البحراني في كتاب مدينة المعاجز بتغيير ما ، فمن أراده فليراجعهما ».

وهذا النص صريح في أنّ مصنّف الكتاب هو من علماء القرن الحادي عشر الهجري ـ على أقل تقدير ـ إذا لم يكن من علماء القرن الثاني عشر ، باعتبار وفاة العلامة المجلسي سنة. 1110هـ.

نعم ، قد يقال : إنّ هذه العبارة مقحمة سهواً من قبل ناشر النسخة المطبوعة للكتاب من هوامش النسخة الخطوطة ، أَو ما شابه ذلك ، باعتبار إقرار الشيخ الحر المتوفى سنة 1104 هـ في أمل الامل بكون الكتاب مجلّدين.

2 ـ لا يوجد في الجزء الثاني من الكتاب ما يدلّ على كونه للديلمي ، مع العلم أنّ الجزء الأول من الكتاب يحتوي على عدّة عبارات تؤكّد نسبة الكتاب للمصنّف ، مثل عبارة « يقول العبد الفقير إلى رحمة اللّه ورضوانه الحسن بن محمد الديلمي تغمده الله برحمته » وغيرها ، وخلوّ الجزء الثاني منها ، يعتبر تبايناً واضحاً في الشكل العام للكتاب.

ومن مظاهر الاهتمام بالكتاب ، تلخيصه من قبل الشيخ شرف الدين البحراني. قال الشيخ الطهراني : « تلخيص إرشاد القلوب تأليف الديلمي ، للشيخ شرف الدين يحيى بن عزالدين حسين بن عشيرة بن ناصر البحراني نزيل يزد ، ونائب أستاذه المحقق الكركي كما حُكي عن الرياض » (1).

أنظر « أمل الآمل 1 : 338 ، بحار الأنوار1 : 16 ، 33 ، رياض العلماء 1 : 339 ، روضات الجنات 2 : 291 ، هدية العارفين 5 : 287 ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 1 : 517 / 2527 ، الحقائق الراهنة : 38 إيضاح المكنون 3 : 62 ، الكنى والألقاب 2 : 213 ، هدية الأحباب : 137 ، أعيان الشيعة 5 : 251 ».

____________

(1) الذريعة 4 : 419 / 1849.

25

2 ـ الأربعون حديثاً

: ذكره الشيخ أقا بزرك الطهراني في الذريعة ، قال : « قال الفاضل المعاصر الشيخ علي أكبر البجنوردي : إنّه كانت عندي نسخة منه وتلفت ، وكان أوّل أحاديثه حديث جنود العقل والجهل ، وثالثها حديث الغدير » (1).

3 ـ غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب الأطهار

: ذكره الشيخ اقا بزرك الطهراني في الذريعة وقال : « ينقل عنه المجلسي في أول البحار ، وأيضاً ينقل عن الغرر المولى محمد حسين الكوهرودي المعاصر المتوفّى بالكاظمية في 1314 هـ في تأليفاته كثيراً ، منها حديث الكساء بالترتيب الموجود في منتخب الطريحي باختلاف يسير جدّاً ، بأسانيد عديدة.

أقول : رأيت عند السيد اقا بزرك التستري نسخة من الغرر مخرومة ، وفي عدة مواضع من أواسطه : يقول العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى ورضوانه الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي ـ إلى قوله ـ وفي كتاب العيون والمحاسن للشيخ المفيد ....

وقال بعد ذكر ما جرى من بني أميّة ثمّ بني العباس على المسلمين ، بتأثير اختلاف ملوك المسلمين شرقا وغربا في ضعف الاسلام وتقوية الكفار ـ إلى قوله ـ فالكفار اليوم دون المائة سنة قد أباحوا المسلمين قتلاً ونهباً فيظهرمنه أنّه (ألّفه) بعد مائة سنة من انقراض بني العباس في 656 هـ » (2).

وعقب السيد محسن الأمين بعد ذكره كلام الشيخ الطهراني قائلاً : « واستفاد من ذلك أنّ تأليف غرر الأخبار كان بعد انقراض دولة بني العباس بما يقرب من مائة سنة ، فيكون في أواسط المائة الثامنة ، وسواء أدلّ كلامه على ذلك أو لم يدلّ ، فهو يدل على أنّ تأليفه كان بعد انقراض دولة بني العباس ، ويكون بعد أواسط المائة السابعة » (3).

وقال الشيخ الطهراني : « وينقل في الغررأيضاً عن كتاب « نزهة

____________

(1) الذريعة 1 : 414 / 3144 ، أعيان الشيعة 5 : 251.

(2) الذريعة 16 : 36 / 156.

(3) روضات الجنات 5 : 250.

26

السامع » الملقب بـ (المحبوبي) جملة من مطاعن معاوية وفضائحه ، وينقل فيه أيضاً عن كتاب « السقيفة » رواية أبي صالح السليل أحمد بن عيسى ، وفي بعض مواضعه عن صاحب كتاب « السقيفه » أبو صالح السليل.

وذكره الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب قائلاً : « وله كتاب غرر الأخبار ودرر الآثار ... قيل : إنّ حديث الكساء المشهور الذي يعد من متفردات منتخب الطريحي موجود في غرر هذا الشيخ » (1).

وعنونه السيد محسن الأمين في جملة مؤلفات الديلمي قائلاً : « غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب الأطهار ، وحديث الكساء المشهور المذكور في منتخب الطريحي مذكور فيه ، وقيل : إنّه يظهر منه أنّه ألّفه في أواسط المائة الثامنة » (2).

والكتاب لا يزال مخطوطاً ، توجد نسخة منه في مكتبة جامعة طهران.

اُنظر « رياض العلماء 1 : 339 ، بحارالأنوار 1 : 16 ، 33 ، الذريعة 16 : 36 / 156 ، الحقائق الراهنة : 38 ، روضات الجنات 2 : 292 ، أعيان الشيعة 5 : 251 ، الكنى والألقاب 2 : 213 ، هدية الأحباب : 137 ، هدية العارفين5 : 287 ».

4 ـ أعلام الدين في صفات المؤمنين

: وهو الكتاب الذي بين يديك ويعتبر من الكتب المهمة للديلمي ، نقل فيه تمام كتاب « البرهان على ثبوت الايمان » لأبي الصلاح الحلبي ، ويحتوي الكتاب على مواعظ أخلاقيّة ونوادر أدبيّة ، اعتمده جمعمن أصحاب الموسوعات الروائية كالعلاّمة المجلسي في كتابه الجليل « بحارالأنوار » ، وخاتمة المحدّثين الشيخ النوري في « مستدرك الوسائل » حيث نقل عنه بتوسط كتاب « بحارالأنوار » لعدم توفر نسخة الكتاب لديه.

قال الشيخ النوري : « وأمّا ما نقلنا عنه بتوسّط كتاب « بحارالأنوار » فهو ..... كتاب أعلام الدين في صفات المؤمنين للشيخ العارف أبي محمد الحسن

____________

(1) الكنى والألقاب 2 : 213.

(2) أعيان الشيعة 5 : 252.

27

ابن محمد الديلمي » (1).

وعنونه الشيخ اقا بزرك الطهراني في الذريعة ، وقال : « والأعلام هذا من مآخذ بحارالأنوار ، كما ذكره العلاّمة المجلسي ، وينقل عنه فيه ، وكذا ينقل عنه الأمير محمد أشرف في فضائل السادات المطبوع » (2).

وذكره إسماعيل باشا في إيضاح المكنون قائلاَ : « أعلام الدين في صفات المؤمنين للحسن بن محمد الواعظ الشيعي » (3).

اُنظر » رياض العلماء 1 : 339 ، بحار الأنوار 1 : 16 ، 33 ، أعيان الشيعة 5 : 251 ، روضات ، الجنات 2 : 292 ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 2 : 238 / 949 ، الحقائق الراهنة : 38 ، هدية العارفين 5 : 287 ، إيضاح المكنون3 : 102 ، الكنى والألقاب 2 : 213 ، مستدرك الوسائل 3 : 291 ».

منهج التأليف :

تُشكّل صفة الوعظ والإرشاد وألنصيحة ميزة أساسية لمنهجية الديلمي في صياغة مصنّفاته ، وتتجلّى بوضوح من خلال نظرة سريعة في كتابيه : « إرشادألقلوب » و « أعلام الدين » ، حتى أنّها تُمثّل في قاموس ما يعتقده سببآَ لتأليف كتبه ، وعلّة لتحرير مصنّفاته ، كما صرّح ـ (رضوان الله عليه) ـ في مقدمة كتابه « أعلام الدين » قائلاً في سبب تأليفه : « ليكون لي تذكرة وعدة ، ولمن يقف عليه بعدي تبصرة وعبرة ».

ولتسليط الضوء على هذا الجانب المهم من ثقافة المؤلف ـ (رضوان الله عليه) ـ نرى لزاماً علينا أن نتحدث عن كتابه « أعلام الدين في صفات ألمؤمنين » وما استنتجناه في مسيرة تحقيقه من ملاحظات وحقائق ، قد تمثل بمجموعها خطوطآَ عريضة وثابتة لمنهج المؤلف ، لا في كتابه المذكورفحسب ، بل يتعداه إلى

____________

(1) مستدرك الوسائل 3 : 291.

(2) الذريعة 2 : 239.

(3) 1ايضاح المكنون 3 : 152.

28

بقية مصنفاته.

يقولَ الديلمي في مقدمة كتابه « أعلام الدين » : « فأوّل ما أبدأ به ذكرالمعارف بالله تعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحججه من بعده ، وما يجوزعليه وعليهم وما لا يجوز ، ثمّ أثنّي بذكر فضل العالم والعلوم ، وما يتبع ذلك من العلوم الدينيّة والآداب الدنيائية ، ولمْ ألتزم ذكرسندها لشهرتها عند العلماء في كتبها ألمصنفةّ المرويّة عن مشايخنا ـ رحمهم الله تعالى ـ وأحلت في ذلك على كتبهم وأسانيدهم ، إلاٌ ما شذٌ عنٌي من ذلك فلمْ أذكر إلا فصّ القول.

وسمّيت هذا الكتاب كتاب (أعلام الدين في صفات المؤمنين وكنز علوم العارفين) فحقّ على من وقف عليه ، واستفاد به ، أن يدعو لمصنّفه ، ويترحّم عليه ، ويدع الهوى والميل في إعابة شيء منه ، فإنّه يشتمل على ترك الدنيا والرغبة في الآخرة ، حسب ما يأتي ذكره وتفصيله ».

ومن هذا ألنصّ نستنتج اُموراً عِدّة ، من أهمّها أنّ المؤلّف لم يلتزم بذكر أسانيد الروايات والأحاديث التي نقلها في كتابه مكتفياً بالإحالة إلى مصادرالروايات ، ومن هذا المنطلق نستعرض عدّة نقاط ترتبط ارتباطاً وثيقآَ بما ذكره المؤلّف ، من خلال دراسة استقرائية لفصول الكتاب ، وهي :

1 ـ إنّ المؤلّف دمج بين بعض خطب الامام علي بن أبي طالب (عليها السلام) ، حتّى ظهر النصّ وكأنّه خطبة واحدة ، وبعد الرجوع إلى « نهج البلاغة » تمكنّا من تقطيع النص مع الإشارة إلى ذلك في هامش الكتاب ، راجع ص 63 و 65.

2 ـ نقل المؤلّف بعض الأحاديث تتصدّرها عبارة « وبهذا الإسناد » وهي عين العبارة الموجودة في مصدر الرواية ، كـ « ثواب الأعمال » مثلاً إلاّ أنّ نقل الحديث من مصدره بضميمة هذه العبارة من دون ألإشارة يورث وهماً سندياً ، وهوأن مرجع العبارة هو الحديث السابق في نفس كتاب أعلام الدين كما لا يخفى ، فضطررنا للإشارة للسند ألمقصود في هامش الكتاب ، راجع ص 110 و 114.

3 ـ نقل المؤلف مقاطع مطوّلة من الأحاديث والأقوال والنوادر والأشعار

29

من كتب معيّنة بصورة متسلسلة ، كماحصل في ص 189 لي ـ مايليها حيث نقل عن مجموعة ورأم وأمالي الطوسي والكافي ، حتى أنّه نقل فصولاً كاملة عن كتاب كنز الفوائد للكراجكي كما في ص 157 إلى ص 186.

4 ـ أورد المصنف كتاب « البرهان على ثبوت الإيمان » لأبي الصلاح الحلبي بتمامه ، ولم نعثر على أيّ نسخة للكتاب إلاّ ما نقله الديلمي في أعلام الدين ، ممّا يعطي كتابنا هذا أهمّية خاصة لا تخفى على ذي بصيرة.

كما أورد المصنّف أيضاً « الأربعون الودعانية » بكاملها ، وهي أربعون حديثاً رواها ابن ودعان الموصلي ، راجع ص 331.

5 ـ ذكر المصنف كلاماً بمقدارعِدة صفحات ، بعد قوله : « يقول العبد الفقير ... جامع هذا الكتاب » وبعد التتبّع وجدنا مجمل هذه النصوص بعينها تارة ، وباختلاف يسير تارة أخرى ، في كتاب « تنبيه الخواطر » للشيخ ورّام المتوفى سنة 605 هـ ، راجع ص 240 ـ 344 ، وص 253 وقد أشرنا في هامش الصفحات المذكورة إلى هذا الأمر فتأمل!

6 ـ نقل المؤلّف نصوصاً روائية كثيرة عن كتاب « ثواب الاعمال » وكتاب « المؤمن » ، إلاّ أن الغريب في المقام أنّ المؤلف لفّق بين حديثين أو ثلاثة أو أكثر ، حتى ظهرت بصورة حديث واحد براوِ واحد ، ممّا أدى إلى أختلاط الأسانيد والروايات ، وقد أشرنا للاختلاف ، ولَتخريج كلّ حديث في هامش الكتاب ، راجع ص 356 وما بعدها وص 432 وما بعدها.

منهجية التحقيق :

اعتمدنا في تحقيق الكتاب على النسخة المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد المقدسة برقم 381 ، وهي النسخة الوحيدة التي استطعنا العثور عليها ، مع العلم أنّ هناك نسخة اُخرى منه في مكتبة آية اللّه ألحكيم العامة في النجف الأشرف ، كما في فهرسها المطبوع ج 1 ص 64 ، لم يتيسر لنا الحصول عليها لأنّها سجينة الإرهاب الطائفي والكبت الفكري في أرض المقدسات.

30

وصف النسخة :

تقع النسخة في 146 ورقة ، بطول 24 وعرض 17 سم ، مختلفة عدد الأسطر ، تبدو عليها آثار القدم ، ويغلب على الظنّ أنها كتبت في حياة المؤلّف ، كما يظهر من الورقة الأولى حيث ورد ما لفظه : « كتاب أعلام الدين في صفات المؤمنين وكنز علوم ألعارفين تصنيف الشيخ الأوحد العالم العامل العارف الزاهد العابد الورع الفقيه أمين الدين تاج الاسلام أبي محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي رفع اللّه في الدارين قدره وأطال في التأييد عمره ، وختم بالصالحات أمره ، وحشره مع مواليه المصطفين الأخيار محمد وآله الأخيار الأبرار » ولا يخفى أنّعبارة « وأطال في التأييد عمره تدلّ على أنّ النسخة كتبت في حياة المؤلّف ».

وجاء فيها ـ أيضاً ـ أنّها وقف الشيخ بهاء الدين عليه الرحمة.

وفي نفس الورقة وردت عدة تملّكات بالعربية والفارسية عَدتْ عليها يد المجلّد : منها تملّك ( ... هلال الكركي عامله ... الخفيّ بمحمد وعلي وا ... الأطَهار في شهر ... القعدة الحرام من سنة ... وستين وتسعمائة) وتحتها ختم المالك.

ووردت عِدّة أختام لمْ تتّضح لنا قراءتها في النسخة المصورة التي بأيدينا.

وفي الورقة الأخيرة من الكتاب ورد تأريخ الفراغ منه ولم يتّضح لنا الخط كاملاً في المصورة ، لكنْ ذكرمفهرس المكتبة :

« نصره (كذا) من أوله إلى اخره أضعف عباد اللّه وأحوجهم محمد بن عبد الحسين (أو عبدالحبيب) ابن موحد (أو أبومنصور) المؤذن بالحرم الشريف الغروي (تلفت عند التجليد) وذلك من سنة 3 كـ وسبعمائه ».

قال مفهرس النسخة : والظاهر أنّ قصده من هذا التاريخ 723 ويحتمل763 (1).

____________

(1) فهرس مكتبة الامام الرضا (عليه السلام) : الجزء الخامس ص 381 / 26.

31

وقد ورد في الورقة ألأخيرة أيضاً أبيات كل من الشعر ، هي :

يقولون لي أصدقاءُ الصفا * * * لم لا تشفى من الحاسدين

فقلت ذروني على غصّتي * * * وأملي لهم إن كيدي متين

وفيها أيضاً : « لمحرره :

إليكم معشر الأصحاب نُصحي * * * ألا لا تنظروا نظر التلهى

إلى الخود الحسان الناعمات * * * فقد أنذرتكم ناراً تلظّى

حرّره ناظمه أقل الخليقة ـ بل لا شيء في الحقيقة ـ أبوالحسن بن محمد الرضوي في يوم الفطر من شهور سنة 1028 هـ في المشهد المقدّس الرضوي ».

واشتركت عدّة لجان في تحقيق الكتاب موزّعة حسب الاختصاصات وهي :

1 ـ لجنة المقابلة : ومهمّتها مقابلة النسخة الخطيّة بعد الاستنساخ ، وكذلك مقابلة الكتاب بعد طبعه ، وتألفت من : الاخوة الاماجد الحاج عزالدين عبدالملك وعبدالرضا كاظم كريدي.

2 ـ لجنة تخريج الأحاديث : وقد عنيت بتخريج الأحاديث والروايات ، والمتون المنقوله من المصادر الأصلية.

3 ـ لجنة تقويم النص ، وضبط عباراته ، وتعيين المصحف من الصحيح حيث لم تسلم النسخة المذكورة من التصحيف والتحريف ، فاعتمدنا تصحيح عبارة المتن بالاستفادة من مصادر الرواية والحديث ، وفي حالة نقل المؤلف. بحوث كلامية وعقائدية لا مصدر لها كـ « كتاب البرهان على ثبوت الايمان » لأبي الصلاح الحلبي ، فضّلنا إبقاء المتن كما ورد في مصورة المخطوطة ، مع الاشارة لما نستظهره من صواب العبارة في الهامش ، وقد قام بهذه المهمة الاُستاذ المحقّق الفاضل أسد مولوي.

4 ـ لجنة ضبط الاختلافات الرجاليّة : ومهمّتها تصحيح وضبط ما ورد من أعلام في الكتاب بقرينة ما ورد في المعاجم الرجاليّة ، والاشارة إلى ذلك في الهامش ، وقد قام بهذه المهمّة حجّة الإسلام الشيخ أحمد الأهري والأخ الفاضل

32

كاظم الجواهري.

5 ـ الملاحظة النهائية : ومهمّتها ملاحظة الكتاب ملاحظة نهائية لجوانبه كافّة ـ متناً وهامشاً ـ لعلّ فيه ما زاغ عن البصر ، لاصلاحه. وكانت على كاهل الأخ المحقّق الفاضل حامد الخفاف مسؤول لجنة تحقيق مصادر « بحارالأنوار ».

مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث

صفر الخير 1408 هـ

33

بسم الله الرحمن الرحيم

أحمد الله ذي القدرة والجلال ، والرفعة والكمال ، الذي عٌم عباده بالفضل والاحسان ، وميّزهم بالعقول والأذهان ، وشرّفهم بالعلوم ومكّن لهم الدليل والبرهان ، وهداهم إلى معرفة الحق والصواب ، بما نزّل من الوحي والكتاب ، الذي جاء به أفضل أولي العزم الكرام ، مولانا وسيدنا محمد بن عبداللّه خاتم النبيين وأشرف العالمين صلّى اللهّ عليه وعلى الأطايب من عترته ، ذوي الفضائل والمناقب ، حجج اللّه على كافة المسلمين ، الهادين المهديين ، الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.

يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه (الحسن بن أبي الحسن الديلمي) أعانه الله على طاعته ، وتغمّده برأفته ورحمته : انني حيث بليت بدار الغربة ، وفقدت الأنيس الصالح في الوحشة ، وحملتني معرفة الناس على الوحدة ، خفت على ما عساه حفظته من الاداب الدينية والعلوم العلوية ـ وهو قليل من كثير ، ويسير من كبير ـ أن يشذ عن خاطري ، ويزول عن ناظري ـ لعدم المذاكر ـ اثبت ما سنح لي إيراده ، وسهل علي اسناده ، ليكون لي تذكرة وعدة ، ولمن يقف عليه بعدي تبصرة وعبرة وفق اللّه المراعاة له والعمل به ، وجعله خالصآَ لوجهه الكريم ، وموجباً لثوابه الجزيل العظيم ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فأول ما أبدأ به ذكر المعارف باللّه تعالى وبرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحججه من بعده ، وما يجوز عليه وعليهم وما لا يجوز.

34

ثم اثني بذكرفضل العالم والعلوم ، وما يتبع ذلك من العلوم الدينية والآداب الدنيائية ، ولم ألتزم ذكر سندها ، لشهرتها عند العلماء في كتبها ألمصنفة المروية عن مشايخنا ـ رحمهم الله تعالى ـ وأحلْتُ في ذلك على كتبهم وأسانيدهم ، إلاّ ما شذ عني من ذلك فلم أذكر إلآ فص (1) القول.

وسميت هذا الكتاب كتاب (أعلام الدين في صفات المؤمنين وكنز علوم العارفين) فحق على ، من وقف عليه ، واستفاد به ، أن يدعو لمصنفه ، ويترحّم عليه ، ويدع الهوى والميل في إعابة شيء منه ، فإنه يشتمل على ترك الدنيا والرغبة في الآخرة ، حسب ما يأتي ذكره وتفصيله.

____________

1 ـ فص الأمر : حقيقته ، يقال : أنا آتيك بالأمر من فصه ، يعني من مخرجه الذي قد خرج منه (لسان العرب ـ فصص ـ 7 : 66).

35

فصل

« في الدليل على حدث الإنسان وإثبات محدثه »

أقرب ما يستدل به الإنسان على حدثه وإثبات محدثه ، ما يراه من حاله وتغيره الواقع بغير اختياره وقصده ، كالزيادة والنقص المعترضين في جسمه وحسه ، و [ ما ] (1) يتعاقب عليه من صحته وسقمه ، وينتقل إليه من شيبته وهرمه ، وأنه لايدفع فيه من ذلك طارئاً موجودا ولايعيد ماضيها مفقوداً ، لو نقصت منه جارحة لم يقدرعلى التعويض منها ، ولا يستطيع الاستغناء في الادراك بغيرها عنها ، لا يعلم غيب أمره ، ولايتحقق مبلغ عمره ، وقُدَر (2) متناهية ، وبنية ضعيفة واهية.

فيعلم بذلك أن له مصوراً صوّره ، ومدبرا دبّره لأن التصوير والتدبيرفعلان لم يحدثهما الانسان لنفسه ، ولا كانا بقدرته ، والفعل فلابد له من فاعل ، كما أن الكتابة لاغنى بها عن كاتب.

ثم يعلم ان مصوّره صانعه ومحدثه ، وأن مدبره خالقه وموجده ، لأنه لايصح وجوده إلاّ مصوراً مدبراً.

ثم يعلم أيضاً ان محدثه قادر ، إذ كان لايصح الفعل من عاجز.

ويعلم أنه حكيم عالم ، لأن الأفعال المحكمة لاتقع إلاّ من عالم.

ثم يعلم أنه واحد ، إذ لوكان اثنين لجاز اختلاف مراديهما فيه ، بأن يريد أحدهما أن يميته ، ويريد الاخر أن يحييه ، فيؤدي ذلك إلى وجود المحال ، وكونه ميتاً حيا في حال ، أو إلى انتفاء الحالين وتمانع المرادين ، فيبطل ذلك أيضاً ويستحيل ، وهذا يبيّن أن صانعه واحد ليس باثنين.

ويعلم أنه لايجوز على محدثه النقص والتغيير ، وما هو جائز على المحدثين ، لإنفي جوازذلك عليه مشابهة للمصنوعين ، وهو يقتضي وجود صانع له أحدثه وصوّره ودبّره ، إمّا محدث مثله أو قديم ، وفي استحالة تَنقّل ذلك إلى ما لا يتناهى ، دلالة على أن صانعه قديم.

____________

1 ـ أثبتناه لضرورة السياق.

2 ـ قدٌر : جمع قدرة.

36

ويعلم بمشابهة حال غيره لحاله ، أن حكمه كحكمة ، وأنه لابد من الإقرار بوجود صانع للجميع ، لبطلان التثنية حسب ما شهد به الدليل.

فصل :

وقد ورد في الحديث (1) : ان أبا شاكر الديصاني وقف ذات يوم في مجلس الإمام الصادق ـ أبي عبداللّه جعفر بن محمد صلى الله عليه ـ فقال له : أبا عبداللّه ، انك لأحد النجوم الزواهر ، وكان آباؤك بدورا بواهر ، وامهاتك عقيلات طواهر (2) ، وعنصرك من أكرم العناصر ، وإذا ذكر العلماء فبك (3) تثنى الخناصر ، خبٌرنا أيها البحر الزاخر ، ما الدليل على حدث (4) العالم؟

فقال أبوعبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّ من أقرب الدليل على ذلك ما أذكرهلك ، ثم دعا ببيضة فوضعها في راحته وقال : هذا حصن ملموم ، داخله غرقىء (5) رقيق ، يطيف به كالفضة السائلة ، والذهبة المائعة ، أشك في ذلك »؟

قال أبو شاكر : لاشك فيه.

قال الإمام (عليه السلام) : « ثم إنّه ينفلق عن صورة كالطأووس ، أدخله شيء غيرما عرفت؟

قال : لا.

قال : « فهذا الدليل على حدث العالم ».

قال أبوشاكر : دللت ـ أبا عبد اللّه ـ فأوضحت ، وقلت فأحسنت ، وذكرت فأوجزت ، وقد علمت أنا لانقبل إلاّ ما أدركت أبصارنا ، أو سمعناه بآذاننا ، أو ذقناه بأفواهنا ، أو شممناه باُنوفنا ، أو لمسناه ببشرنا.

فقال الصادق (عليه السلام) : ذكرت الحواس (6) وهي لاتنفع في الاستنباط إلاّ بدليل ، كما لاتقطع الظلمة بغيرمصباح ».

قال شيخنا المفيد أبوعبداللّه محمد بن محمد بن النعمان الحارثي (رضي الله عنه) :

____________

1 ـ رواه الصدوق في الأمالي 288 / 5 والتوحيد 292 ، والمفيد في الإرشاد : 281.

2 ـ في الإرشاد : عباهر ، والعباهر : جمع عبهرة ، وهي الجامعة للحسن (القاموس المحيط ـ عبهر ـ 2 : 84).

3 ـ في الارشاد : فعليك.

4 ـ في الارشاد : حدوث.

5 ـ الغرقىء : قشر البيض الذي تحت القشر الصلب (الصحاح ـ غرقاً ـ 1 : 62).

6 ـ في الإرشاد زيادة : الخمس.

37

إن الصادق (عليه السلام) أراد الحواس الخمس بغيرعقل لا توصل إلى معرفة الغائبات ، وان الذي أراه من حدوث الصورة معقول ، بني ألعلم به على محسوس (1) ،

واعلم ـ أيدك اللّه ـ أن الاجسام إذا لم تخل من ألصورة ـ التي قد ثبت حدثها ـ فهي محدثة مثلها.

دليل آخرعلى حدث العالم : الذي يدلنا على ذلك ، أنّا نرى أجسامنا لاتخلو من الحوادث المتعاقبة عليها ، ولا يتصورفي العقل أنها كانت خالية منها ، وهذا يوضح أنها ، محدثه مثلها ، لشهادة العقل بأن مالم يوجد عارياً من المحدث فإنه يجب أن يكون مثله محدثاً.

وهذه الحوادث هي : الاجتماع والافتراق ، والحركة والسكون ، والألوان والروائح والطعوم ، ونحو ذلك من صفات الأجسام.

والذي يدل على أنها أشياء غير الجسم ، مانراه من تعاقبها عليه ، وهو موجود معكل واحد منها.

وهذا يبين أيضاً حدثها ، لأن الضدين المتعاقبين لايجوزأن يكونا مجتمعين في ألجسم ، ولا يتصور اجتماعهما في العقل ، وإنما وجد أحدهما وعدم الآخر ، فالذي طرأ ووجد هو المحدث ، لأنه كائن بعد أن لم يكن ، والذي انعدم أيضاً محدث ، لأنه لو كان غير محدث لم يجز أن ينعدم ، ولأن مثله أيضاً نراه قد تجدد وحدث.

والذي يشهد بأن الأجسام لم تخل من هذه الحوادث بَدائه العقول وأوائل العلوم ، إذ كان لايتصور فيها وجود الجسم مع عدم هذه الاُمور ، ولوجاز أن يخلو الجسم منها فيما مضى ، لجازأن يخلو منها الآن فيما يستقبل من الزمان.

فالذيَ يدل على أن حكم الجسم كحكمها في الحدوث ، أن المحدث هو الذي لوجوده أول ، والقديم هو المتقدم على كل محدث وليس لوجوده أول ، فلو كان الجسم قديما لكان موجوداً قبل الحوادث كلها خالياً منها ، وفيما قدّمناه من استحالة خلوّه منها دلالة على أنه محدث مثلها ، فالحمد للّه.

* * *

____________

1 ـ ارشاد المفيد : 381.

38

فصل من السؤال والبيان (1)

إن سألك سائل عن أول ما فرض عليك؟

فقل : النظر المؤدي إلى معرفة الله.

فإن قال : لم زعمت ذلك؟

فقل : لأنه ـ سبحانه ـ أوجب معرفته ، ولا سبيل إلى معرفته إلاّ بالنظر في الأدلة المؤدية إليها.

فإن قال : فإذا كانت المعرفة باللّه ـ جل وعز ـ لا تدرك إلا بالنظر ، فقدحصل (2) المقلد غير عارف باللّه.

فقل : هو كذاك.

فإن قال : فيجب أن يكون جميع المقلدين في النار.

فقل : إن العاقل المستطيع إذا أهمل النظر والإعتبار ، واقتصر على تقليد الناس ، فقد خالف اللّه تعالى وانصرف عن (3) أمره ومراده ، ولم يكفه تقليده في أداء فرضه ، واستحق العقاب على مخالفته وتفريطه.

غير انّا نرجو العفو عمّن قلد المحق والتفضل عليه ، ولا نرجوه لمن قلد المبطل ولانعتقده فيه.

وكلّ مكلف يلزمه من النظر بحسب طاقته ونهاية إدراكه وفطنته ، وأما المقصّر الضعيف الذي ليس له استنباط صحيح ، فإنه يجزيه التمسك ـ في الجملة ـ بظاهر ما عليه المسلمون.

فإن قال : كيف يكون التقليد قبيحاً من العقلاء المميزين ، وقد قلد الناس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما أخبر به عن رب العالمين ، ورضي بذلك عنهم ، ولم يكلفهم ما تدعون؟

____________

1 ـ أورد الكراجكي في كنزالفوائد : 98 ـ 101 ، هذا الفصل إلى بداية كتاب « البرهان على ثبوت الإيمان » الآتي.

2 ـ حصل : صار.

3 ـ في الأصل : على ، ما أثبتناه من الكنز.

39

فقل : معاذ اللّه أن نقول ذلك أو نذهب إليه ، ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يرض من الناس التقليد دون الاعتبار ، وما دعاهم إلا إلى اللّه بالاستدلال ، ونبههم عليه بآيات ألقرآن من قوله سبحانه : (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ ) (1).

وقوله : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) (2).

وقوله : (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (3).

وقوله : (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (4).

ونحن نعلم أنه مما أراد بذلك إلا نظر الاعتبار.

فلو كان (عليه السلام) إنما دعا الناس إلى التقليد ، ولم يرد ( منهم الاستدلال ) (5) ، لم يكن معنى لنزول هذه الآيات.

ولو كان أراد أن يصدقوه ويقبلوا قوله تقليداً بغيرتأمل واعتبار ، لم يحتج إلى أن يكون على يده ما ظهر من الايات والمعجزات.

فأما قبول قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد قيام الدلالة على صدقه ، فهو تسليم وليس بتقليد.

وكذلك قبولنا لما أتت به أئمتنا (عليهم السلام) ، ورجوعنا إلى فتأويهم في [ شريعة ] (6) الاسلام.

فإن قال قائل : فأبن لنا ما التقليد في الحقيقة ، وما التسليم؟ ليقع الفرق.

فقل : التقليد : قبول [ قول ] (7) من لم يثبت صدقه ، ومأخوذ من القلادة.

والتسليم : هو قبول من ثبت صدقه ، وهذا لايكون إلا ببينة وحجة ، والحمد للّه.

____________

1 ـ الاعراف 7 : 185

2 ـ آل عمران 3 : 190

3 ـ الذاريات 51 : 20 ، 21

4 ـ الغاشية 88 : 17.

5 ـ في الأصل : الإستدلال عنهم ، وما أثبتناه من كنز الفوائد.

6 ـ أثبتناه من الكنز.

40

فصل

« من كلام جعفربن محمد عليه السلام »

قال : « وجدت علم الناس في أربع : أحدها : أن تعرف ربك ، والثاني : أنتعرف ما صنع بك ، والثالث : أن تعرف ما يخرجك عن دينك ، والرابع : أن تعرف ما أراد منك ».

قال شيخنا المفيد ; : هذه أقسام تحيط بالمفروض من المعارف ، لأنه أول ما يجب على العبد معرفة ربه جل جلاله ، فإذا علم أن له إلهاً وجب أن يعرف صنعه اليه ، فإذا عرف صنعه عرف نعمته ، فإذا عرف نعمته وجب عليه شكره ، فإذا أراد تأدية شكره وجب عليه معرفة مراده ليطيعه بفعله ، وإذا وجبت عليه طاعته وجب عليه معرفة ما يخرجه من دينه ليجتنبه ، فتصح (1) به طاعة ربه وشكر إنعامه (2).

ولقد أحسن بعض أهل الفضل والعلم ، في قوله في المعرفة باللّه تعالى ، وذمالتقليد وبالغ :

إن كان جسما فما ينفك عن عرض * * * أو جوهراً فبذي الأقطار موجود

أو كان متصلاً بالشيء فهو به * * * أو كان منفصلاً فالكل محدود

لاتطلبنّ إلى التكييف من سبب * * * إن السبيل إلى التكييف مسدود

واستعمل الحبل حبل العقل تحظ به * * * فالعقل حبل إلى باريك ممدود

والزم من الدين ما قام الدليل به * * * فإنّ أكثردين الناس تقليد

وكلما وافق التقليد مختلق * * * زور وإن كثرت فيه الأسانيد

وكلما نقل الاحاد من خبر * * * مخالف لكتاب اللّه مردود

* * *

____________

1 ـ في الكنز : فتخلص

2 ـ إرشاد المفيد : 282

41

فصل آخر في السؤال والبيان

إن سألك سائل فقال : ما أول نعمة الله تعالى عليك؟

فقل : خلقه إياي حيا لينفعني.

فإن قال : ولم زعمت أن خلقه إياكُ حياً أول النعم؟

فقل : لأنه خلقني لينفعني ، ولا طريق إلى نيل النفع إلا بالحياة التي يصح معها الإدراك.

فإن قال : ما النعمة؟

فقل : هي المنفعة إذا كان فاعلها قاصداً لها.

فإن قال : فما المنفعة؟

قل : هي اللذة الحسنة ، أو ما يؤدي إليها.

فإن قال : لم اشترطت أن تكون اللذة حسنة به (1)؟

فقل : لأن من اللذات ما يكون قاتلاً ، فلا يكون حسنا.

فإن قال : لم قلت : أو ما يؤدي إليها؟

فقل : لأن كثيراً من المنافع لا يتوصل إليها إلاّ بالمشاق ، كشرب الدواء الكريه ، والفصد ، ونحو ذلك من الاُمور المؤدية إلى السلامة واللذات ، فتكون. هذه المشاق منافع لما تؤدي إليه في عاقبة الحال.

ولذلك قلنا : إن التكليف نعمة حسنة ، لأن به ينال مستحق النعيم الدائم واللذات.

فإن قال : فما كمال نعم اللّه تعالى؟

فقل : إن نعمه تتجدد علينا في كل حال ، ولايستطاع لها الإحصاء.

فإن قال : فما تقولون في شكر المنعم؟

فقل : هو واجب.

فإن قال : فمن أين عرفت وجوبه؟

____________

1 ـ ليست في المصدر ، والظاهر أنها زائدة.

42

فقل : من العقل وشهادته ، وأوضخ (1) حجته ودلالته ، ووجوب شكر المنعم على نعمته ، مما تتفق العقول عليه ولا تختلف فيه.

فإن قال : فما الشكر اللازم على النعمة؟

فقل : هو الاعتراف بها ، مع تعظيم منعمها.

فإن قال : فهل أحد من الخلق يكافىء نعم اللّه تعالى بشكر ، أو يوفي حقها بعمل؟

فقل : لايستطيع ذلك أحد من العباد ، من قبل أن الشيء إنما يكون كفواً لغيره ، إذا سد مسده ، وناب منابه ، وقابله في قدره ، وماثله في وزنه.

وقد علمنا أنه ليس من أفعال الخلق ما يسد مسد نعم اللّه عليهم ، لاستحالة الوصف للّه تعالى بالإنتفاع ، أو تعلق الحوائج به إلى المجازاة.

وفساد مقال من زعم أن الخلق يحيطون علماً بغاية الانعام من اللّه تعالى عليهم والافضال ، فيتمكنون من مقابلتها بالشكر على الاستيفاء للواجب والاتمام.

فنعلم بهذا تقصير العباد عن مكافاة نعم اللّه تعالى عليهم ، ولو بذلوا في الشكر والطاعات غاية المستطاع ، وحصل ثوابهم في الاخرة تفضلاً من اللّه تعالى عليهم وإحساناً إليهم ، وإنما سميناه استحقاقاً في بعض الكلام ، لأنه وعد به على الطاعات ، وهو الموجب له على نفسه بصادق وعده ، وإن لم يتنأول شرط الاستحقاق على الأعمال ، وهذا خلاف ما ذهبت إليه المعتزلة ، إلاّ أبوالقاسم البلخي فإنه يوافق في هذا المقال ، وقد تناصرت به مع قيام الأدلة العقلية عليه الأخبار.

روى أبوعبيدة الحذاء عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : « قال الله تعالى : لايتكل العاملون على أعمالهم التي يعطونها لثوابي ، فإنهم لواجتهدوا واتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي ، كانوا مقصرين غير بالغين [ في عبادتهم كنه عبادتي ، فيما يطلبون ] (2) من كرامتي ، والنعيم في جناتي ، و (3) رفيع الدرجات العلى في جواري ، ولكن برحمتي فليثقوا ، وفضلي فليرجوا ، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا فإن

____________

1 ـ في الكنز : وواضح.

2 ـ ما بين المعقوفبن أثتناه من الكنز.

3 ـ في الأصل : من ، وما أثبتناه من الكنز.

43

رحمتي عند ذلك تدركهم ، وبمنّي ابلغهم رضوان [ ومغفرتي وألبسهم عفوي ] (1) » وبعفوي اُدخلهم جنتي ، فإني أنا اللّه الرحمن الرحيم ، بذلك تسميت ».

وعن عطا بن يسار ، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : « يوقف العبد ، بين يدي اللّه ، فيقول لملائكته : قيسوا بين نعمي عليه وبين عمله. فتستغرق النعم العمل ، فيقول : هبوا له النعم ، وقيسوا بين الخير والشر منه ، فإن استوى العملان أذهب اللّه الشر بالخير وأدخله الجنة ، وإن كان له فضل أعطاه اللّه بفضله ، وإن كان عليه فضل ـ وهو من أهل التقوى ، ولم يشرك باللّه تعالى ـ فهو من أهل المغفرة ، يغفر اللّه له برحمته إن (2) شاء ويتفضل عليه بعفوه ».

وعن سعد (3) بن خلف ، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنه قال له : « عليك بالجد والاجتهاد في طاعة اللّه ، ولا تخرج نفسك من حد التقصيرفي عبادة اللّه وطاعته ، فإن الله تعالى لايعبد حق عبادته ».

* * *

____________

1 ـ أثبثناه من الكنز.

2 ـ في الاصل : لمن وما اثبتناه من الكنز.

3 ـ في الاصل : سعيد ، وما أثبتناه من الكنز ومعاجم الرجال هو الصواب ، فقد عده الشيخ فيرجاله من أصحاب الكاظم (عليه السلام) ، وقال : واقفي ، أُنظر « رجال الشيخ : 350 رقم 2 ، تنقيح المقال 2 : 12 ، معجم رجال الحديث 8 : 5025 / 58 ».

44

كتاب

( البرهان على ثبوت الايمان )

لأبي الصلاح التقي بن نجم بن عبيدالله الحلبي

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين ، وصلواته على خيرة النبيين محمد وآله الطاهرين وسلم وكرم.

أول فعل مقصود يجب على العاقل ، مما لايخلو منه عنك (1) كمال عقله ، من وجوب النظر المؤدي إلى المعرفة ، لأن الحي عند كمال عقله يجد عليه آثارَ نفع ، من كونه حياً سميعاً بصيراً عاقلا مميزاً قادراً متمكناً ، مدركاً للمدركات منتفعاً بها ، ويجوز أن يكون ذلك نعمة لمنعم.

ويعلم أنها إن كانت كذلك ، فهي أعظم نعمة لانغمار كل نعمة في جنبها ، ويجد في عقله وجوب شكر المنعم ، واستحقاق المدح على فعل الواجب والذم على الإخلال به ، ويجوز أن يستحق من موجده والمنعم عليه مع المدح ثواباَ ومع الذم عقاباً ، ويجد في عقله وجوب التحرز من الضرر اليسير وتحصيل النفع العظيم.

فتجب عليه معرفة من خلقه والنفع له ، ليعلم قصده فيشكره ان كان منعماً ، ولا سبيل إلى معرفته إلا بالنظر في آثارصنعته لوقوعها بحسبها ، ولوكانت لها سبب غيره ، لجاز حصول جميعها لمن لم ينظر وانتفاؤها عن الناظر ، فوجب فعله لوجوب ما لايتم الواجب إلا به.

والواجب من المعرفة شيئان : توحيد وعدل ، وللتوحيد إثبات ونفي.

فالاثبات : اثبات صانع للعالم ـ سبحانه ـ قادر ، عالم ، حي ، قديم ، مدرك ، مريد.

____________

1 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : عند.

45

والنفي : نفي صفة زائدة على هذه الصفات ، ونفي التشبيه ، ونفي ألادراك عنه ـ تعالى ـ بشيء من الحواس ، ونفي الحاجة ، ونفي قديم ثان شارك في استحقاق هذهالصفات.

والعدل : تنزيه أفعاله عن القبيح ، والحكم لها بالحسن.

* * *

46

فصل

« في الكلام في التوحيد »

طريق العلم باثبات الصانع ـ سبحانه ـ أن يعلم الناظر : أن هاهنا حوادث يستحيل حدوثها عن غير محدث.

وجهة ذلك : أن يعلم نفسه وغيره من الأجسام ، متحركاً ساكناً ، ثم مجتمعاً مفترقآَ ، أوضحه ذلك.

فيعلم بتغاير هذه الصفات على الأجسام ، أنها أعيان لها ، لأنها لو كانت صفات لذواتها ، لم يجز تغيرها.

ويعلم بتجددها عن عدم ، وبطلانها عن وجود ، أنها محدثة ، لاستحالة الإنتقال عليها ، من حيث لم تقم بأنفسها ، والكمون المعقول راجع به إلى الانتقال.

فإذا علم استحالة ذلك على هذه الصفات ، علم أن المتجدد منها إنما يجدد عن عدم ، وهذه حقيقة المحدث والمنتفي ، وأن ما انتفى عن الوجود والعدم يستحيل على القديم لوجوب وجوده ، وما ليس بقديم محدث.

فإذا علم حدوث هذه المعاني المغايرة للجسم ، وعلم أنه لابد في الوجود من مكان يختصه مجأوراً لغيره أو مبايناً ، وقتا واحداً أو وقتين ، لابثا فيه أو منتقلاً عنه ـ وقدتقدم له العلم : انه إنما كان كذلك لمعان غيره محدثة علم أنه محدث ، لأنه لو كان قديماً لوجب أن يكون سابقا للحوادث بما لانهاية له.

فإذا علم أنه لاينفك من الحوادث ، علم كونه محدثا ، لعلمه ضرورة بحدوث مالم يسبق المحدث ، ولأنه إذا فكرفي نفسه ـ وغيرها ـ فوجدها كانت نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظماً ، ثم جنيناً ، ثم حيا ، ثم طفلاً ، ثم يافعا ، ثم صبيا ، ثم غلاما ، ثم بالغاً ، ثمشاباً قوياً ، ثم شيخاً ضعيفاً ، ثم ميتاَ.

وأنه لم يكن كذلك إلا بتجدد معان فيه : حرارات ، وبرودات ، ورطوبات ، ويبوسات ، وطعوم ، وألوان ، وأراييح مخصوصة ، وقدر ، وعلوم ، وحياة.

وعلم بطلان كل صفة من هذه الاغيار بعد وجود ، وتجددها عن عدم ، والجواهر التي تركب منها الجسم باقية ، علم أنها صفات مغايرة لها وأنها محدثه ، لاستحالة الكون

47

والانتقال عليها بما قدمناه.

وإذا علم حدوث جواهره ـ وغيره من الجواهر ـ بالاعتبار الأول ، وصفاته بهذه وصفات غيره بالاعتبار الثاني ، ولأنها لا تنفك من المحل المحدث.

وعلم أن في الشاهد حوادث ـ كالبناء والكتابة ـ وأن لها كاتباً وبانياً ، هو من وقعت منه بحسب غيرها ، وانما ذلك مختص بما يجوز حصوله وانتفاؤه ، فلا يحصل إلا بمقتض.

فأما ما وجب فمستغن بوجوبه عن مؤثر منفصل عن الذات ، كتحيز الجوهر ، وحكم السواد.

ولا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات ، لوجوب الوجود له تعالى في حق كونه قديماً لنفسه ، يجب له وجوده تعالى في كل حال ، وكونها صفات نفسه يجب ثبوتها للموصوف ويستحيل خروجه عنها كل ما وجد ، لكون المقتضي ثانيا (1) وهو النفس ، واستحالة حصول المقتضي وانتفاء مقتضاه.

وبعلمه سبحانه مدركاً إذا وجدت المدركات ، لكونه تعالى يستحيل فيه الآفات والموانع ، بدليل حصول هذا الحكم لكل حي لا آفة به متى وجد المدرك ، وارتفعت الموانع.

وبعلمه سبحانه مريداً لوقوع أفعاله على وجه دون وجه وفي حال دون اخرى ، وذلك مفتقر إلى أمر زائد على كون الحي قادراً عالما ، لكونه صفة للفعل زائدة على مجرد الحدوث والاحكام ، وارادته فعله إذ كونه مريداً لنفسه ، أو معنى قديم يقتضي قدم المرادات ، أو كونه عازما ، وكلا الأمرين مستحيل فيه سبحانه.

والمحدَث لا يقدرعلى فعل الإرادة في غيره ، وقديم ثان نرد (2) برهان نفيه ، فثبت سبحانه مريداً بإرادة يفعلها إلا (3) في محل لاستحالة حلولها فيه أو في غيره ، ولا صفة له سبحانه زائدة على ما علمناه ، لأنه لاحكم لهما ولا برهان بثبوتهما ، واثبات مالا حكم له ولا برهان عليه مفض إلى الجهالات.

وبعلمه سبحانه لايشبه شيئاَ من الأجسام والاعراض ، لقدمه تعالى وحدوث

____________

1 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : ثابتاً.

2 ـ كذا ، ولعل الصواب : مرّ.

3 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : لا.

48

هذه الأجناس ، لتعذر هذه الأجناس على غيره.

وإذا علمه تعالى فكذلك علم استحالة ادراكه بشيء من الحواس ، لأن الادراك المعقول مختص بالمحدثات.

وعلم كذلك استحالة الاختصاص بالجهات والنقل فيها والمجاوزة والحلول وايجاب الاحكام والاحوال عليه سبحانه ، لكون ذلك من صفات الأجسام والأعراض المباينة له تعالى.

وبعلمه (1) عنها يستحيل عليه الحاجة لاختصاصها باجتلاب النفع ودفع الضرر واختصاص النفع والضر بمن يصح أن يألم ويكد (2) ، واختصاص اللذة والألم بذي شهوة ونفار ، وكونهما معنيين يفتقران إلى فعل ، وذلك لايجوز عليه لحدوث المحل وقدومه (3) سبحانه ، ولخلو الفعل من دليل على اثباته مسهيا (4) أو نافراً.

وإذا علم تخصصه تعالى بهذه الصفات من سائر الموجودات ، علمه (5) تعالى واحدا ، لانهما لوكانا اثنين لوجب اشتراكهما في جميع الصفات الواجبة والجائزة ، وذلك يوجب كون مقدورهما ومرادهما واحداً ، مع حصول العلم الضروري بصحة إرادة أحد المتحيزين ما يكره الاخر أو لا يريده ولا يكرهه ، وقيام البرهان على استحالة تعلق مقدور واحد بقادرين ، وتقديرقديم ثان يقتضي نقض هذا المعلوم.

فثبت أنه تعالى واحدا لا ثاني له ، ولانه لا دليل من جهة العقل على إثبات ثان ، وقد ورد السمع المقطوع بإضافته إليه سبحانه بنفي قديم ثان ، فوجب له القطع على كونه واحد.

* * *

____________

1 ـ كذا ، ولعل الصواب : وبغناه.

2 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : ويلذ.

3 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : وقدمه.

4 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : مشتهياً.

5 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : علم.

49

« فصل في مسائل العدل »

ثبوت ما بيناه من كونه تعالى عالماً لايصح أن يجهل شيئاً ، غنياً لا يصح أن يحتاج إلى شيء ، يقتضي كونه سبحانه عادلاً لايخل بواجب في حكمته سبحانه ولا يفعل قبيحاً ، لقبح ذلك وتعذر وقوع القبيح من العالم به وبالغني (1) عنه ، وذلك فرع لكونه قادراً على القبيح.

وكونه تعالى قادرا لنفسه ، يقتضي كونه قادرا على الحسن ، يقتضي كونه قادرا على القييح ، اذ كان الحسن من جنس القبيح ، وذلك مانع من كونه مريدا للقبيح ، لأناقد بينا أنه لا يكون مريداً إلا بإرادة يفعلها ، وإرادة القبيح قبيحة ، لأن كل من علم مريداً للقبيح علم قبح إرادته واستحقاقه الذم ، ومقتض لكونه مريدا لما فعله ـ تعالى ـ وكلَّفه ، لاستحالة فعله مالا غرض فيه ، وتكليفه مالا يريده ، وكارهاَ للقبيح لكونه غيرمريد له (وفساد حلوما كلفه) (2) ، واحسانه من الارادة والكرامة ، لأن ذلك يلحقه بالمباح ، وموجب لكون المكلف قادراً على ما كلفه ـ فعلاً وتركاً ـ من متماثل الأجناس ومختلفها ومضادها قبل وقوع ذلك ، ومزيح لعلته بالتمكين من ذلك والعلم به واللطف فيه ، ومقتض لحسن أفعاله وتكاليفه ، لأن خلاف ذلك ينقض كونه عادلاً وقد أثبتناه.

ولا يعلم كون كل مكلم (3) قادراً لصحة الفعل منه ، ومتعلقا بالمتماثل والمختلف والمتضاد ، لصحة وقوع ذلك من كل قادر.

وفاعلاً لوجوب وقوع التأثيرات المتعلقة به من الكتابة والبناء وغيرهما بحسب أحواله ، ولتوجيه المدح إليه على حسنها والذم على قبحها ، وثبوت القادر على الفعل قبل وقوعه ، لثبوت حاجة المقدور في حال عدمه إلى حال القادر ، واستغنائه في حال وجوده عنها كحال بقائه ، ومتمكناً بالايات (4) من جميع ما يفتقر إليها ، وبكمال العقل من العلم بذوات الأشياء واحكامها ، وبالنظر من العلوم المكتسبة ، بدليل حصول الأول

____________

1 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : والغني.

2 ـ كذا في الأصل.

3 ـ كذا ، ولعل الصواب : مكلف.

4 ـ كذا ، ولعل الصواب : بالآلات.

50

لكل عاقل ، والثاني لكل ناظر ، ووجوب اصطلاح المريد من غيره ما يعلم أو يظن كونه مؤثراً في اختياره ، ولوجوب تمكينه.

وعلمنا بأنّه تعالى لايخل بواجب في حكمته ، وظهور الغرض الحكمي في أكثرها أوجده سبحانه على جهة التفضل ، وثبوت ذلك على الجملة فيما لايظهر لنا تفصيل المراد به كأفعال سائر الحكماء.

وحسن التكليف لكونه تعريضا لما لايوصل إليه إلا به من الثواب.

وكون التعريض للشيء في حكم ايصاله من حسن وقبح ، لأنه لا حسبة له بحسن التكليف غيره ، وعلمه سبحانه بكفر المكلف أو فسقه لا يقتضي قبح تكليفه ، لكونه تعالى مزيحاً لعلته ومحسنا إليه كإحسانه إلى من علم من حاله انه يؤمن ، اُتي من قبل نفسه فالتبعة عليه دون مكلفه سبحانه.

وحسن جميع ما فعله تعالى من الالام أو فعل بأمره أو إباحته ، لما فيه من الاعتبار المخرج له من العيب ، والعوض الزائد المخرج له عن قبيل الظلم والاساءة ، إلى حيز العدل والاحسان.

ووجوب الانتصاف للمظلوم من الظالم ، لوقوع الظلم عن تمكينه تعالى ، وانكان كارها له تعالى.

ووجوب الرئاسة ، لكون المكلف عندها أقرب من الصلاح ، وأبعد من الفساد.

ووجوب ماله هذه الصفة لكونه لطفاً ، ووقوف هذا اللطف على رئيس لا رئيس له ، لفساد القول بوجود ما لا نهاية له من الرؤساء ، ومنع الواجب في حكمته تعالى.

ولا يكون كذلك إلاّ بكونه معصوما ، كون الرئيس أفضل الرعية وأعلمها لكونه إماما لها في ذلك ، وقبح تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه.

ووجوب نصبه بالمعجزات والنص المشير. (1) إليه ، لوجوب كونه على صفات لا سبيل إليها إلاّ ببيان علام الغيوب سبحانه.

وهذه الرئاسة قد تكون نبوة ، وقد تكون إمامة ليست بنبوة.

فالنبي هو المؤدي عن اللّه سبحانه بغير واسطة من البشر ، والغرض في تعينه بيان

____________

1 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : المشير.

51

المصالح من المفاسد.

والدلالة على حسن البعثة لذلك قيام البرهان على وجوب بيان المصالح والمفاسد للمكلّف في حق المكلّف ، فلا بد متى علم سبحانه ماله هذه الصفة من بعثه مبيناً له ، ولابد من الموت (1) المبعوث معصوماً فيما يرد به من حيث كان الغرض في تعينه ليعلم المكلف المصالح والمفاسد من جهته ، فلو جاز عليه الخطأ فيما يؤديه لارتفعت الثقة بادائه ، وقبح العمل بأوامره واجتناب نواهيه.

ولابد من كونه معصوماً من القبائح ، لوجوب تعظيمه على الإطلاق وقبح ذمه ، والحكم بكفر المستخف خيط به مع وجوب ذم فاعل القبيح.

ولا يعلم صدقه إلا بالعجز ، ويفتقر إلى شروط ثلا ثة :

أولها : أن يكون خارقاً للعادة ، لأنه إن كان معتاداً ـ وإن تعذر جنسه ـ كخلق الولد عند الوطء ، وطلوع الشمس من المشرق ، والمطر في زمان مخصوص ، لم يقف على مدع من مدع.

وطريق العلم بكونه خارقاً للعادة ، اعتبار حكمها وما يقع فيها ويميزه من ذلك على وجه لا لبس فيه ، أو بحصول تحد وتوفر دواعي المتحدي وخلوصا (2) وتعذر معارضته.

وثانيها : أن يكون من فعله تعالى ، لأن من عداه سبحانه يصح منه ايثار القبيح فلا يؤمن منه تصديق الكذاب ، وطريق العلم بكونه من فعله تعالى ، أن يكون متعدد الجنس كالجواهر والحياة وغيرهما من الأجناس الخارجة من مقدور المحدثين ، أو يقع بعض الاجناس المختصة بالعباد على وجه لايمكن إضافته إلا إليه سبحانه.

ثالثها : أن يكون مطابقاً للدعوى ، لأنه إن كان منفصلاً عنها لم يكن مدع أولى به من مدع ، وطريق ذلك المشاهدة أو خبرالصادق.

فتمى تكاملت هذه الشروط ثبت كونه معجزا ، إذ (لاصدق من) (3) اقترن ظهوره بدعواه لأنه جار مجرى قوله تعالى : صدق هذا عليَّ فيما يؤديه عني ، وهو تعالى لايصدق الكذابين.

____________

1 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : كون.

2 ـ كذا ، ولعل الصواب : وخلوصه.

3 ـ كذا ، ولعل الصواب : لا أصدَقَ ممّن.

52

فإذا علم صدقه بالمعجز ، وجب اتباعه فيما يدعو إليه ، والقطع على كونه مصلحة ، وينهى (1) عنه والقطع بكونه مفسدة.

ولا طريق إلى نبوة أحد من الانبياء (عليهم السلام) الان ، إلا من جهة نبينا (صلوات اللّه عليه وآله) ، لانسداد طريق التواتر بشيء من معجزاتهم بنقل من عدا المسلمين لفقد العلم باتصال الأزمنة مشتملة على متواترين فيها بشيءٍ من المعجزات ، وتعذر تعين الناقلين لها.

وطريق العلم بنبوته (صلى الله عليه وآله وسلم) القران وما عداه من الايات ، ووجه الاستدلال به ، أنه تحداهم به على وجه لم يبق لهم صارف عن معارضته ، فتعذرت على وجه لايمكن اسناده إلى غير عجزهم ، اما لأنه في نفسه معجز ، أو لأن اللّه سبحانه صرفهم عن معارضته ، اذ كل واحد من الأمرين دال على صدقه.

وقد تضمن القران ذكر أنبياء على جهة التفصيل والجملة ، فيجب لذلك ألتدين بنبوتهم ، وكونهم على الصفات التي يجب كون النبي عليها.

وان رسول اللّه (صلوات اللّه عليه) أفضلهم وخاتمهم والناسخ لشرائعهم ، بشريعة يجب العلم والعمل بها إلى يوم القيامة.

والامام هو الرئيس المتقدم المقتدى بقوله وفعله والغرض في نصبه فيه من اللطف للرعية في تكاليفهم العقلية ، ويجوز أن يكون نائبا عن نبي أو إمام في تبليغ شريعة.

ومتى كان كذلك فلابد من كونه عالما بجميعها ، لقبح تكليفه الاداء وتكليف الرجوع إليه ، مع فقد العلم بما يؤديه ويرجع إليه فيه.

ويجب أن يكون معصوما في ادائه ، لكونه قدوة ، ولتسكن النفوس إليه ، لتسلم بعظمة الواجب خلوصه من الإستخفاف.

ويجب أن يكون عابدا زاهداً لكونه قدوة فيهما ، وإن كان مكلفاً [ ب ] (2) جهاد أوجب كونه أشجع الرعية لكونه فئة لهم.

ويجوز من طريق العقل أن يبعث اللّه سبحانه إلى كل واحد من المكلفين نبياً وينصب له رئيساً ويكون ذلك في الأزمنة ، وإنما ارتفع هذا ألجائز في شريعتنا ، بحصول

____________

1 ـ لعل الصواب : وفيما ينهى.

2 ـ أثبتناه ليستقيم السياق.

53

العلم من دين نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) : أن لا نيي بعده ، ولا إمام في الزمان الا واحد.

ووضح البرهان على تخصيص الإمامة بعده بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، والحسن ، والحسين ، علي بن الحسين ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، وعلي بن محمد ، والحسن بن علي ، والحجة بن الحسن (صلوات اللّه عليهم).

لا إمامة لسواهم ، بدليل وجوب العصمة للأمام فيما يؤديه ومن (1) سائر الصالح (2) ، وكونه أعلم الخلق وأعظمهم وأعدلهم وأزهدهم وأشجعهم ، وتعدى (3) من عاداهم من منتحلي الإمامة من تكامل هذه الصفات دعوى ، وتخصصهم (عليهم السلام) وشيعتهم بدعواها لهم ، في ثبوت النص من الكتاب والسنة المعلومة على إمامتهم ، وتعريهما [ عن ] (4) ذلك فيمن عداهم حسب ما ذكرناه في غير موضع ، وذلك مقتض لضلال المتقدم عليهم ، وكفر الشاك في إمامة واحد منهم.

وغيبة الحجة (عليه السلام) ليست بقادحة في إمامته ، لثبوتها بالبراهين التيلا شبهة فيها على متأمل ، وامان المكلف من خطأ به في ظهور فاستتار وغيرهما لعصمته.

ويلزم العلم بجملة الشريعة فعلاً وتركاً لكون ذلك جملة الايمان ، والعلم بتفصيل ما تعين فرضه منها وايقاعه للوجه الذي شرع على جهة القربة ، لكون ذلك شرطاً في صحته ، وبراءة الذمة منه ، واستحقاق الثواب عليه.

وهي على ضروب أربعة : فرائض ، ونوافل ، ومحرمات ، وأحكام.

فجهة وجوب الفرائض كون فعلها لطفاً في فعل الواجب العقلي. وترك القبيح ، وقبح تركها لأنه ترك الواجب.

وجهة الترغيب في السنن ، كونها لطفا في المندوب العقلي ولم يقبح تركها ، وكما لا يقبح ترك ماهي لطف فيه.

وجهه قبح المحرمات ، كونها مفسدة في ترك الواجب وفعل القبيح ، ووجب تركها لأنه ترك القبيح.

____________

1 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : من.

2 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : المصالح.

3 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : وتعرّي.

4 ـ أثبتناه ليستقيم السياق.

54

وجهة الأحكام ، ليعلم مكلفها الوجه الذي عليه يصح التصرف مما لايصبح.

فوضح ذلك علمنا ضرورة من حال فاعل العبادات الشرعية ومجتنب المحرمات كونه أقرب لنا ، للأنصاف والصدق وشكر النعمة وردّ الوديعة وسائر الواجبات ، والبعد من الظلم والكذب وسائر القبائح.

ومن حال فاعل المحرمات الشرعيات والمخل بالعبادات ، كونه أقرب [ من ] (1) القبيح العقلي وابعد من الواجب.

ولا شبهة أن من بلي بالتجارة فلم يعلم أحكام البيوع ، لم يكن على يقين منصحة التملك.

وكذلك من بلي بالإرث مع جهله بأحكام المواريث ، لايكون على ثقة مما يأخذ ويترك.

وكذلك يجري الحال في سائر الأحكام ، وقد استوفينا الكلام في هذا القدح في مقدمة كتاب (2) « العمدة » و « التلخيص » في الفروع ، وفي كتابي « الكافي في التكليف » وفيما ذكرناه هاهنا بلغة ..

ولا طريق إلى اثبات الأحكام الشرعية والعمل بها إلا العلم دون الظن ، لكون التعبد بالشرائع مبنياً على المصالح التي لايوصل إليها بالظن ، ولا سبيل إلى العمل بجملتها إلا من جهة الأئمة المنصوبين لحفظها ، المعصومين في القيام بها ، المأمونين في ادائها ، لحصول العلم بذلك من دينهم لكل مخالط ، وارتفاع الخوف من كذبهم لثبوت عصمتهم (عليهم السلام).

ولابد في هذه التكليف من داع وصارف ، وذلك مختص بالمستحق عليه من المدح والثواب والذم والعقاب والشكر.

فالمدح : هو القول المنبىء عن عظم حال الممدوح ، وهو مستحق بفعل الواجب والمندوب واجتناب القبيح.

والثواب : هوالنفع المستحق الواقع على جهة التعظيم والتبجيل ، وهو مستحق من الوجوه الثلاثة بشرط المشقة.

____________

1 ـ أثبتناه ليستقيم السياق.

2 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : كتابي.

55

والذم : هوالقول المنبئ عن إيضاح حال المذموم ، وهو مستحق بفعل القبيح والإخلال بالواجب.

والعقاب : هوالضرب المستحق من الوجهين بشرط زائد.

والشكر : هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم ، وهومستحق بالإحسان خاصة.

والوجه في حسن التكليف ، كونه تعريضاً للثواب الذي من حقه ألا يحسن الابتداء به من دون العلم باستحقاق العقاب ودوامه.

وانما يعلم ان الثواب دائم والعقاب مستحق ودائم بالكفر ، ومنقطع بما دونه ، من جهة السمع.

والمستحق من الثواب ثابت لا يزيله شيء ، لأنه حق واجب في حكمته سبحانه ، لايجوز فيها منعه ، (والا سقوط بندم او زائد) (1) عقائد ، لاستحالة ذلك ، لعدم التنافي بين الثواب وبينهما لعدم الجميع ، وإحالة التنافي بين المعدومات.

وعقاب الفسق يجوز اسقاطه تفضلاً بعفو مبتدأ وعند الشفاعة لجوازه ، وعند التوبة لأنه حق له تعالى إليه قبضه واستيفاؤه ، واسقاطه إحسان إلى المعفو عنه.

وقد ورد الشرع مؤكداً لاحكام العقول ، فمن ذلك تمدحه سبحانه في غير موضع من كتابه بالعفو والغفران ، المختصين باسقاط المستحق في اللغة والشرع.

ولا وجه لهذا التمدح إلا بوجهه (2) إلى فساق أهل الصلاة ، بخروج (3) المؤمنين الذين لا ذنب لهم والكفار عنه باتفاق ، اذ لا ذنب لأولئك يغفر ، والعفو عن هؤلاء غير جائز.

ولأن ثواب المطيع دائم ، فمنع من دوام عقاب ما ليس بكفر ، لإجماع الاُمة على أنه لا يجتمع ثواب دائم وعقاب دائم لمكلف ، وفساد التخالط بين المستحقين مما (4) بيناه.

ولا أحد قال بذلك ، إلا جوز سقوط عقاب العاصي بالعفو ، أو الشفاعة المجمع

____________

1 ـ كذا في الأصل.

2 ـ كذا ، ولعل الصواب : توجهه.

3 ـ كذا ، ولعل الصواب : لخروج.

4 ـ كذا ، والظا هر أن الصواب : بما.

56

عليها ، ويخصصها بإسقاط العقاب ، ولا يقدح في ذلك خلاف المعتزلة ، لحدوثه بعد انعقاد الاجماع بخلافه.

وآيات الوعيد كلها وآيات الوعيد (1) مشترطة بالعفو ومخصصة بآيات العفو وعموم آيات الوعد ، ولثبوت ثواب المطيع وفساد التخالط ، وكون ذلك موجب التخصيصها بالكفار ان كان وعيدها دواماً أو كون عقابها منقطعا إن كان عاماً ، من حيث كان القول بعمومها للعصاة ودوام عقابها ينافي ماسلف من الأدلة.

والمؤمن : هو المصدق بجملة المعارف عن برهانها ، حسب ما خاطب به من لسان العرب ، المعلوم كون الايمان ـ فيه ـ تصديقا ، والكفر اسم لمن جحد المعارف أو شكفيها أو اعتقدها عن تقليد أو نظر لغير وجهه.

والفسق إسم لمن فعل قبيحا ، أو أخل بواجب من جهة العقل أو السمع ، لكونه خارجاً بذلك عن طاعة مكلفه سبحانه.

والفاسق في اللغة : هوالخارج ، [ و ] (2) في عرف الشريعة هوالخارج عن طاعته سبحانه.

ومن جمع بين إيمان وفسق ، مؤمن على الاطلاق فاسق بما اتاه من القبيح ، لثبوت كل واحد منهما ، ومن ثبت إيمانه لا يجوزأن يكفر « لدوام ثواب الإيمان وعقاب الكفر وفساد اجتماعهما لمكلف واحد ، وثبوت المستحق منهما وعدم سقوطه بندم أوتحابط.

وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) (3) مختص بمن أظهر الايمان أو اعتقده لغيروجهه ، دون من ثبت إيمانه ، كقوله تعالى : (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) (4) يعني مظاهرة (5) للإيمان باتفاق ، ومدح المقطوع على إيمانه مطلق مقطوع بالثواب ، والمظهر مشترط بكون الباطن مطابقاً للظاهر واقعا موقعه.

وذم الكافر ولعنه مطلق ، مقطوع له بالعقاب الدائم.

____________

1 ـ كذا ، والظاهر أن الصواب : الوعد.

2 ـ أثبتناه ليستقيم السياق.

3 ـ النساء 4 : 137.

4 ـ النساء 4 : 92.

5 ـ كذا ، والظاهر انّ الصواب : مظهرة.