مستمسك العروة الوثقى - ج2

- السيد محسن الطباطبائي الحكيم المزيد...
603 /
3

فصل في المطهرات

وهي أمور :

« أحدها » : الماء [1]. وهو عمدتها ، لأن سائر المطهرات مخصوصة بأشياء خاصة ، بخلافه ، فإنه مطهّر لكل متنجس [2] ،

________________________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد والمجد

فصل في المطهرات

[1] كما تقدم في أول مباحث المياه.

[2] بلا اشكال ولا خلاف ظاهر ، نعم قد تقدم في أول مباحث المياه الإشكال في ثبوت التغميم المذكور من الأدلة اللفظية ، وأن حذف المتعلق‌ في رواية السكوني عن النبي (ص) « الماءُ يُطهِّر ولا يُطهَّر » (1) ‌لا يقتضيه ، لقرب احتمال وروده مورد الإيجاب الجزئي ، في قبال السلب الكلي المستفاد من قوله (ع) « لا يُطهَّر » ‌، نعم قد يقتضيه‌ النبوي المشهور : « خلق الله الماء طهوراً » (2) ‌ونحوه ، بناءً على كون الظاهر من الطهور.

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 6.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 9‌

4

حتى الماء المضاف بالاستهلاك [1] ، بل يطهّر بعض الأعيان النجسة ،

________________________________________________

الطاهر المطهر ، أو ما يُتطهر به ـ كما هو الظاهر ـ فإن إطلاقه يقتضي العموم كما يقتضي أيضاً الاتكال في معرفة كيفية التطهير الى العرف. وهذا نظير ما لو ورد أن الشي‌ء الفلاني منجس ، فإن إطلاقه يقتضي العموم وأن المرجع في كيفية التنجيس العرف. نعم لو شك في اعتبار شي‌ء في كيفية التطهير عند العرف كان المرجع استصحاب النجاسة. وكذا لو شك في قابلية المحل للتطهير ، لعدم صلاحية الكلام المذكور لإثبات القابلية ، بل المرجع استصحاب النجاسة. ومن ذلك يظهر عدم تطهير الماء للمايعات ، لعدم وضوح كيفية تطهيرها عرفاً وعدم ثبوت قابليتها لذلك. نعم ثبت ذلك في الماء على تفصيل تقدم في مباحث المياه.

هذا وقد‌ ورد في موثق عمار في رجل يجد في إنائه فأرة ، وقد توضأ من ذلك الماء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه ، وقد كانت الفأرة متسلخة : « إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ، ثمَّ يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء ، فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء » (1) ‌، ونحوه غيره ، ودلالتها على العموم ظاهرة. لكنها واردة في موارد خاصة من النجاسات ، فيمكن التعدي منها إلى غيرها بالإجماع.

[1] لا تخلو العبارة من حزازة ، إذ الطهارة بالاستهلاك لا وجه لنسبتها إلى الماء. وأيضاً مرجع الاستهلاك إلى انعدام الموضوع ، ومعه لا يتصف بالطهارة ، كما لا يتصف بالنجاسة ، لأن ثبوت شي‌ء لشي‌ء فرع ثبوت المثبت له ، فنسبة التطهير إلى الاستهلاك مبنية على المسامحة. نعم حكي عن العلامة (ره) أنه حكم بطهارة المضاف باتصاله بالكثير المطلق ، وحينئذ تكون.

____________

(1) الوسائل باب : 4 من أبواب الماء المطلق حديث : 1‌

5

كميت الإنسان ، فإنه يطهر بتمام غسله [1]. ويشترط في التطهير به أمور ، بعضها شرط في كل من القليل والكثير ، وبعضها مختص بالتطهير بالقليل.

أما الأول « فمنها » : زوال العين والأثر [2] ، بمعنى الأجزاء الصغار منها [3] ، لا بمعنى اللون والطعم [4] ونحوهما.

________________________________________________

نسبة المطهرية في محلها بلا مساهلة ، إلا أن ثبوت الحكم المذكور غير ظاهر لقصور الأدلة اللفظية عن إثباته ، كما تقدم في محله.

[1] كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

[2] هذا من القطعيات ، لدخول ذلك في مفهوم الغسل المعتبر في التطهير. ولاعتباره في كيفية التطهير عرفاً المنزّل عليها إطلاق مطهرية الماء. ولأن ملاقاة العين والأثر كما تقتضي التنجيس حدوثاً تقتضيه بقاءً ، فلا يمكن زوال النجاسة مع وجودها.

[3] يعني التي هي مصداق عرفي للنجاسة.

[4] فلا يعتبر في التطهير زوالهما إجماعاً ، كما عن المعتبر ، وفي الجواهر : « يشهد له التتبع ». ويقتضيه إطلاق أدلة التطهير. والسيرة المستمرة ، ولا سيما في مثل لإصباغ المتنجسة ، كما ادعاها في الجواهر. وما ورد في الاستنجاء من أن الريح لا ينظر إليها‌ (1). وما ورد في تطهير الثوب من دم الحيض من الأمر بصبغه بمشق حتى يختلط‌ (2) ، وغير ذلك. ( وما يقال ) : من أن بقاء الوصف ـ من اللون أو الطعم أو الريح ـ يدل على بقاء العين ، لاستحالة انتقال العرض ، فلا يتحقق زوال العين إلا بزواله ( مندفع ) بأن.

____________

(1) الوسائل باب : 25 من أبواب النجاسات حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 25 من أبواب النجاسات حديث : 1 ، 3‌

6

« ومنها » : عدم تغير الماء في أثناء الاستعمال [1] ،

________________________________________________

ذلك لو سلم عسقلا فممنوع عرفاً ، والمدار عليه في حصول التطهير ، كما عرفت.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن المنتهى من وجوب إزالة اللون دون الرائحة ، وما قد يظهر من القواعد من وجوب إزالتهما مع عدم العسر فيها ، وما عن نهاية الأحكام من وجوب إزالة الرائحة وعدم وجوب إزالة اللون إذا كان عسر الزوال ، بل ما حكي أيضاً عنها من قوله : « ولو بقي اللون أو الرائحة وعسر إزالتهما ففي الطهارة إشكال ». ولو لا ما ذكره أخيراً لأمكن حمل كلامه على صورة ما إذا كان بقاء الريح أو اللون ملازماً لوجود عين النجاسة عرفاً. وكيف كان فالعمل على ما في المتن متعين ، لما عرفت.

[1] كما نص عليه في نجاة العباد في المقام وفي مبحث الماء المستعمل. وظاهر بعضٍ كونه من المسلمات ، فان تمَّ إجماعاً كان هو الحجة ، وإلا فمقتضى إطلاق مطهرية الغسل عدم اعتباره. والإجماع على نجاسته ـ وإن حكي عن جماعة ـ لا يقتضي ذلك ، إذ القادح النجاسة قبل الاستعمال ، لا ما كانت به ، ولذا نقول بالطهارة حتى بناءً على نجاسة ماء الغسالة.

نعم مقتضى الإجماع على نجاسة المتخلف منه الحكم بنجاسة المحل به ، وحينئذ يمتنع شمول أدلة التطهير له. ( لا يقال ) : لا مانع من شمول أدلة التطهير بالإضافة إلى النجاسة الأصلية ، وإن تنجس بالماء المستعمل المتغير بها. ( لأنا نقول ) : ظاهر أدلة التطهير بالغسل الطهارة الفعلية ، ولذا دلت على طهارة المتخلف ، فاذا امتنع ثبوت الطهارة الفعلية للمحل من جهة الإجماع على نجاسة المتغير في المقام ، لم يبق دليل على الطهارة وتعين الرجوع إلى استصحاب النجاسة. نعم هذا التقريب يختص بالغسلة المطهرة ، ولا يجري فيما قبلها. فالعمدة في عموم الشرطية لجميع الغسلات الإجماع إن تمَّ‌

7

« ومنها » : طهارة الماء [1] ، ولو في ظاهر الشرع [2]. « ومنها » : إطلاقه [3] ، بمعنى : عدم خروجه عن الإطلاق‌

________________________________________________

وإن كان قد يشعر ما في الجواهر في مبحث ماء الغسالة من قوله (ره) : « نمنع حصول طهارة المحل بذلك » بعدم ثبوته. فراجع.

هذا ويمكن أن يقال : إن إطلاقات مطهرية الغسل منصرفة عن الماء المتغير ، بملاحظة أن المرتكز العرفي أن المتغير بنفسه قذارة ، فلا يقوى على حمل القذارة من المحل ، كما أن هذا الارتكاز مانع عن الرجوع إلى إطلاقات مطهرية الماء ، لما عرفت من وجوب حمله على الكيفية العرفية.

هذا كله بالنسبة إلى المتغير بعين النجاسة ـ كما هو ظاهر المتن ، بقرينة قوله (ره) فيما يأتي في المسألة الثانية : « إلا إذا كان اللون .. » ـ أما التغير بالمتنجس فلا يقدح في حصول التطهير ، لعدم مجي‌ء ما ذكر فيه.

[1] بلا خلاف ولا إشكال. لانصراف نصوص التطهير بالماء عن الماء النجس ، بملاحظة الارتكاز العرفي على أن الفاقد لا يعطي. بل لو فرض إطلاقها عارضه إطلاق قاعدة تنجس ملاقي النجس ـ بناءً على تنجيس المتنجس ـ وبعد التعارض يرجع الى استصحاب النجاسة. مضافاً إلى ما عرفت آنفاً من ظهور أدلة التطهير بالغسل في ثبوت الطهارة الفعلية ، وهو خلاف الإجماع على عدم طهارة الماء المتنجس بالغسل به ، فاذا لم يمكن الأخذ بظاهرها امتنع الأخذ بغير الظاهر ، لعدم القرينة.

[2] لأجل استصحاب الطهارة ، أو قاعدتها. لكن حينئذ تثبت طهارة المحل ظاهراً لا واقعاً ، لأن طهارته واقعاً من أحكام طهارة الماء واقعاً ، فاذا لم تثبت لم تثبت.

[3] لما تقدم من عدم مطهرية المضاف.

8

في أثناء الاستعمال.

« وأما الثاني » فالتعدد في بعض المتنجسات ـ كالمتنجس بالبول ، وكالظروف ـ والتعفير ـ كما في المتنجس بولوغ الكلب ـ والعصر في مثل الثياب والفرش ونحوها مما يقبله. والورود [1] ، أي : ورود الماء على المتنجس ، دون العكس ، على الأحوط.

________________________________________________

[1] لا ريب أنه المشهور ، ولم أجد من جزم بخلافه مطلقاً. كذا في الجواهر. والوجه فيه الأصل ، بعد انصراف أدلة التطهير الى المتداول المتعارف عند الناس ، من الغسل بنحو الورود. ولو سلم منعه فالاطلاقات مقيدة بما تضمن الأمر بالصب (1) الظاهر في الورود ( ويشكل ) ذلك كله بمنع الانصراف. ولا سيما بملاحظة الارتكاز العرفي في كيفية إزالة القذارة حيث لا فرق عندهم فيها بين الورود وغيره ، وتداول ذلك لا يجدي في تحقق الانصراف ، لما عرفت مراراً من أن الغلبة لا يقيد بها المطلق ، ولا سيما مع عدم ثبوت التعارف في زمان الصدور. ( وأما ) الأمر بالصب فهو وإن كان مقتضى الجمود عليه ظهوره في الورود ، لكن الارتكاز العرفي مانع عنه ، ولذا لم يفهم منه في غير المقام مما ورد في الوضوء والغسل وغيرهما ، بل ظاهر أكثر الأصحاب ( رض ) كونه في المقام أعم من الأمر بالغسل ، كما يأتي في مبحث اعتبار العصر. فتأمل.

مضافاً إلى‌ صحيح ابن مسلم : « سألت أبا عبد الله (ع) عن الثوب يصيبه البول ، قال (ع) : اغسله في المركن مرتين ، فان غسلته في ماء جار فمرة‌

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب النجاسات حديث : 4 ، 7 ، وباب 3 : من أبواب النجاسات حديث : 1 ، 2‌

9

( مسألة 1 ) : المدار في التطهير زوال عين النجاسة دون أوصافها ، فلو بقيت الريح أو اللون مع العلم بزوال العين كفى إلا أن يستكشف من بقائها بقاء الأجزاء الصغار [1] ، أو يشك في بقائها ، فلا يحكم حينئذ بالطهارة.

( مسألة 2 ) : إنما يشترط في التطهير طهارة الماء قبل الاستعمال ، فلا يضر تنجسه بالوصول [2] الى المحل النجس. وأما الإطلاق فاعتباره إنما هو قبل الاستعمال وحينه ، فلو صار بعد الوصول إلى المحل مضافاً لم يكف ، كما في الثوب المصبوغ فإنه يشترط في طهارته بالماء القليل بقاؤه على الإطلاق حتى حال العصر [3] ،

________________________________________________

واحدة » (1). وحمل المركن على الكر غريب ، ولا سيما وأن الفرق بين الكر والجاري لم يقل به أحد ، وحمل الغسل فيه على إرادة وضع الثوب فيه وإيراد الماء عليه بعيد ، لمخالفته لسياق ذيله ، وكذا حمله على إرادة التنظيف قبل الغسل. ولما ذكرنا ناقش في الذكرى في اعتبار الورود ، وتردد فيه غيره ، بل عن شرح الإرشاد والمفاتيح حكاية الشهرة على عدمه.

[1] كما عرفت.

[2] الباء للسببية ، لا للظرفية ، فلو تنجس بنجاسة خارجية لم يطهر المحل. ويعرف وجهه مما تقدم في اعتبار طهارة الماء.

[3] أما اعتبار بقائه على الإطلاق إلى تمام نفوذه في أجزاء المتنجس فلأنه لو صار مضافاً بأول الملاقاة يخرج عن المطهرية ، فيبقى ما نفذ اليه بعد الإضافة على نجاسته. وأما اعتبار بقائه على الإطلاق حتى حال العصر.

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب النجاسات حديث : 1‌

10

فما دام يخرج منه الماء الملون لا يطهر ، إلا إذا كان اللون قليلا لم يصر إلى حدّ الإضافة. وأما إذا غسل في الكثير ، فيكفي فيه نفوذ الماء في جميع أجزائه بوصف الإطلاق وإن صار بالعصر مضافاً [1] ، بل الماء المعصور المضاف أيضاً محكوم بالطهارة. وأما إذا كان بحيث يوجب إضافة الماء بمجرد وصوله اليه ، ولا ينفذ فيه إلا مضافاً ، فلا يطهر ما دام كذلك [2] ، والظاهر أن اشتراط عدم التغير أيضاً كذلك ، فلو تغير بالاستعمال لم يكف [3] ما دام كذلك [4] ولا يحسب غسلة [5] من الغسلات‌

________________________________________________

فظاهر بناءً على اعتبار العصر في مفهوم الغسل ، إذ اعتبار الغسل بالماء حينئذ مساوق لاعتبار العصر حال كونه ماءً ، أما بناءً على خروجه عنه فاعتباره مخالف لإطلاق ما دل على كفاية الغسل بالماء مطلقاً. إلا أن يكون الوجه فيه هو أن قاعدة الانفعال تقتضي نجاسته ، وبقاء نجاسة المحل ولو بعد انفصاله ، والإجماع أو الضرورة على طهارة المحل بالانفصال غير حاصلين في فرض الانقلاب إلى الإضافة. إلا أن يقال : أدلة التطهير تدل بالدلالة الالتزامية على طهارة المتخلف ، فإطلاقها محكّم.

[1] لعدم اعتبار العصر فيه ، ولا مجال لاحتمال نجاسته ، لاعتصامه قبل الإضافة.

[2] لعدم تحقق الغسل بالماء.

[3] تقدم الكلام فيه.

[4] يعني متغيراً ، فلو ذهب تغيره كان مطهراً ، لعدم تمامية ما وجّه به المنع عنه من الإجماع أو الانصراف ، بل إطلاق المطهرية له محكم.

[5] هذا يتم بناء على بعض وجوه المنع ، كما أشرنا إليه آنفاً.

11

فيما يعتبر فيه التعدد.

( مسألة 3 ) : يجوز استعمال غسالة الاستنجاء في التطهير على الأقوى [1]. وكذا غسالة سائر النجاسات على القول بطهارتها [2] ، وأما على المختار من وجوب الاجتناب عنها احتياطاً فلا.

( مسألة 4 ) : يجب في تطهير الثوب أو البدن بالماء القليل من بول غير الرضيع الغسل مرتين [3] ، وأما من بول الرضيع‌

________________________________________________

[1] تقدم الكلام فيه في مبحث الماء المستعمل.

[2] لإطلاق أدلة التطهير. ودعوى : الانصراف عنه ، ممنوعة. وعن المبسوط والوسيلة المنع. وكأنه للشك الموجب للرجوع الى استصحاب نجاسة المغسول به. ولموثق عمار‌ (1) الآمر بإفراغ الماء بعد تحريكه. لكن الإطلاق مقدم على الاستصحاب. والأمر بالافراغ لعله لاعتبار تعدد الماء المغسول به ، ولا يكفي مجرد تعدد الغسل. مع أن التعدي عن مورده غير ظاهر.

[3] على المشهور بين المتأخرين ـ كما في الجواهر ـ وفي المعتبر نسبته إلى علمائنا. لصحيح محمد المتقدم في مبحث اعتبار الورود‌. و‌صحيحه الآخر عن أحدهما (ع) : « سألته عن البول يصيب الثوب. قال (ع) : اغسله مرتين » (2) ‌، ونحوهما صحيح ابن أبي يعفور‌ (3). و‌حسن الحسين بن أبي العلاء : « سألت أبا عبد الله (ع) عن البول يصيب الجسد. قال (ع) صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء. وسألته عن الثوب يصيبه البول. قال (ع) :

____________

(1) الوسائل باب : 53 من أبواب النجاسات حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب النجاسات حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 1 من أبواب النجاسات حديث : 2‌

12

________________________________________________

اغسله مرتين » (1). و‌صحيح أبي إسحاق النحوي عن أبي عبد الله (ع) : « سألته عن البول يصيب الجسد. قال (ع) : صب عليه الماء مرتين » (2) ‌و‌عن السرائر عن جامع البزنطي : « سألته عن البول يصيب الجسد قال (ع) : صب عليه الماء مرتين ، فإنما هو ماء. وسألته عن الثوب يصيبه البول قال (ع) : اغسله مرتين » (3).

هذا وعن ظاهر المبسوط والمنتهى وغيرهما الاكتفاء بالمرة ، وعن البيان الجزم به. لإطلاق طهورية الماء. ولإطلاق بعض النصوص الآمر بالغسل. وفيه : أن الإطلاق مقيد بالنصوص المذكورة. وأضعف من ذلك الاستدلال بأصل البراءة. وأما‌ مرسلة الكافي : « روي أنه يجزئ أن يغسل بمثله من الماء إذا كان على رأس الحشفة وغيره » (4) ‌فضعيفة. واستظهر في الجواهر أنها إحدى روايتي نشيط‌ (5) المذكورتين في مبحث الاستنجاء ، يعني بهما : المرسلة والمسندة ، المعارضة للمرسلة المذكورة ، لدلالتها على اعتبار المثلين ، أو المضطربة إن كانتا رواية واحدة. ولا يخلو من وجه وإن كان يبعده اختلاف المتن.

هذا وفي القواعد : « أما الحكمية كالبول اليابس في الثوب فيكفي غسله مرة ». وقد يستدل له بما في رواية الحسين المتقدمة ، على ما رواها في المعتبر (6) والذكرى (7) بزيادة قوله : « الأول للإزالة والثاني للإنقاء » ‌،

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب النجاسات حديث : 4.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب النجاسات حديث : 3.

(3) الوسائل باب : 1 من أبواب النجاسات حديث : 7.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق حديث : 5.

(5) الوسائل باب : 26 من أحكام الخلوة حديث : 5 ، 7 ويشتمل الباب المذكور على أكثر ما نحن فيه.

(6) المعتبر في مسائل أحكام النجاسات ص : 121.

(7) الذكرى في أحكام النجاسات ص : 15 رواها خالية من السند والصدر.

13

________________________________________________

فإنه مع اليبس لا حاجة إلى غسلة الإزالة. ولكنه في غير محله ، لعدم ثبوت الزيادة المذكورة ، وعن المعالم : « لم أر لهذه الزيادة أثراً في كتب الحديث الموجودة الآن بعد التصفح بقدر الوسع ، ولكنها موجودة في المعتبر ، وأحسبها من كلامه » ، ونحوه ما عن الذخيرة ، والحدائق. ولو سلم ثبوتها فلا تصلح للتصرف في النصوص المذكورة ، لأنه يؤدي الى حمل النصوص على صورة وجود العين ، وهو خلاف الغالب ، وإلى حمل الأمر بالغسلة الأولى على الحكم العرفي لا الشرعي ، وعلى التخييري لا التعييني ، لأن الإزالة كما تكون بالغسل تكون بالشمس ، وبالهواء ، وبالمسح بشي‌ء ، وبغيرها ، وكل ذلك خلاف الظاهر ، بل خلاف السياق مع الأمر بالغسلة الثانية ، كما لا يخفى ، ولا يمكن ارتكاب جميع ذلك بمجرد هذه الزيادة ، بل حمل الإزالة على إزالة المرتبة الشديدة وحمل الإنقاء على إزالة المرتبة الضعيفة التي لا يعتدّ بها أولى. وكأنه لذلك جزم في الذكرى بوجوب التعدد ، واستدل له بالرواية المذكورة مع الزيادة.

وفي المدارك وعن المعالم الاكتفاء بالمرة في البدن ، استضعافاً لنصوص التعدد ، وعملاً بغيرها من المطلقات. ويشكل بأن الروايات الواردة في البدن هي الروايات المذكورة أخيراً. وليس في الاولى من يتوقف في روايته إلا الحسين ، لعدم توثيق الشيخ والنجاشي صريحاً إياه. ولكن حكى ابن داود عن شيخه ابن طاوس في البشرى تزكيته ، وهو ظاهر عبارة النجاشي حيث قال في ترجمته : « وأخواه علي وعبد الحميد ، روى الجميع عن أبي عبد الله (ع) ، وكان الحسين أوجههم .. » وقد نصوا على توثيق عبد الحميد أخيه ، فيدل الكلام المذكور على أنه أوثق منه. وحمل « الأوجه » على غير هذا المعنى خلاف الظاهر. وليس في الرواية الثانية من يتوقف‌

14

________________________________________________

في روايته إلا أبو إسحاق النحوي ، وهو ثعلبة بن ميمون ، الذي قال النجاشي في ترجمته : « إنه كان وجهاً من أصحابنا قارئاً فقيهاً نحوياً لغوياً رواية ، وكان حسن العمل كثير العبادة والزهد » ، ونحوه كلام غيره. وقال الكشي : « ذكر حمدويه عن محمد بن عيسى أن ثعلبة بن ميمون مولى محمد بن قيس الأنصاري ، هو ثقة خير فاضل مقدم معلوم في العلماء والفقهاء الأجلة من هذه العصابة ». وقال الوحيد (ره) : « هو من أعاظم الثقات والزهاد والعباد والفقهاء والعلماء الأمجاد .. ». وأما الثالثة ففيها ابن إدريس ، وحاله في الجلالة والوثاقة مما لا مجال للريب فيه ، كما لا مجال للريب في صحة روايته عن الأصول المذكورة في مستطرفاته. فاذا : التفصيل المذكور ضعيف.

هذا ومقتضى إطلاق النصوص عدم الفرق بين بول الآدمي وغيره ، ونجس العين وغيره. ودعوى الانصراف إلى الآدمي ، أو خصوص المسلم ، ممنوعة. نعم تمكن دعوى كون نظر النصوص إلى النجاسة البولية ، أما من حيث إضافته إلى نجس العين ـ كالكلب ، والكافر ـ فيرجع في تطهيرها إلى ما يرجع إليه في نجاسة سائر النجاسات ، وسيأتي الكلام فيها ، وفي موثق سماعة (1) : « أن بول الكلب كبول الإنسان ». فتأمل.

ثمَّ إنه قد اقتصر في النصوص ، وكثير من فتاوى الأصحاب ، على الثوب والبدن ، فالتعدي إلى غيرهما محتاج إلى دعوى إلغاء خصوصيتهما عرفاً ، كما هو الظاهر ، وقد قيل أن التوقف فيه من الخرافات. هذا كله في التطهير بالقليل ، أما الكثير فيكفي فيه المرة. لصحيح محمد بن مسلم‌ (2) المتضمن للاكتفاء بها في الجاري. ولما ورد في ماء المطر من.

____________

(1) الوسائل باب : 8 من أبواب النجاسات حديث : 7.

(2) الوسائل باب : 2 من أبواب النجاسات حديث : 1‌

15

غير المتغذي بالطعام [1] فيكفي صب الماء مرة [2] ، وإن كان المرتان أحوط [3]. وأما المتنجس بسائر النجاسات ـ عدا الولوغ ـ

________________________________________________

الطهارة به بمجرد الرؤية‌ (1) ، بناءً على إمكان التعدي من موردهما إلى مطلق المعتصم ، كما هو الظاهر. وسيأتي في المسألة الثالثة عشرة ما له نفع في المقام. فراجع.

[1] كما سيأتي.

[2] أما الاكتفاء بالصب ، فهو المعروف الذي حكى عليه الإجماع صريحاً وظاهراً .. جماعة ، والنصوص به وافية. وأما الاكتفاء بالمرة فعن المحقق في المعتبر وجماعة من المتأخرين التصريح به ، بل لعله ظاهر كل من أفرده بالذكر مع عدم تنصيصه على التعدد. والعمدة فيه ما في ذيل حسن الحسين المتقدم من‌ قوله : « وعن الصبي يبول على الثوب. قال (ع) : تصب عليه الماء قليلا ثمَّ تعصره » (2) ‌، لظهور عدم ذكر العدد فيه مع ذكره فيما قبله في عدم اعتباره. وأما‌ مصحح الحلبي : « سألت أبا عبد الله (ع) عن بول الصبي. قال (ع) : تصب عليه الماء ، فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا » (3) ‌فلا إطلاق له ، لقرب احتمال كونه في مقام الاكتفاء بالصب في مقابل الغسل. وأما إطلاق‌ موثق سماعة : « عن بول الصبي يصيب الثوب. فقال : اغسله .. » (4) فمحمول على من أكل ، بقرينة الأمر بالغسل ، وتقييده بالمرتين أولى من التصرف في الغسل.

[3] وعن كشف الغطاء تعينهما ، وفي الجواهر : « لم أعثر على موافق‌

____________

(1) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 5.

(2) الوسائل باب : 3 من أبواب النجاسات حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 3 من أبواب النجاسات حديث : 2.

(4) الوسائل باب : 3 من أبواب النجاسات حديث : 3.

16

فالأقوى كفاية الغسل مرة [1] بعد زوال العين ،

________________________________________________

له صريحا ». وكأن الوجه فيه اشتمال رواية الحسين على الأمر بالعصر ، الذي لا يجب في غير المتغذي إجماعاً ، فإن حمل الصبي فيه على المتغذي ، تعين الأخذ بظاهر الأمر بالعصر ، وبإطلاق ما دل على لزوم التعدد في البول وإن حمل الصبي على غير المتغذي لزم التصرف بظاهر الأمر بالعصر بحمله على الاستحباب ، وبإطلاق لزوم التعدد في البول بحمله على المتغذي ، والأول أولى. نعم يعارض ذلك أيضاً لزوم التصرف في ظهور ترك ذكر التعدد في الصبي في عدم لزومه إذا حمل على المتغذي ، لكن لو سلم عدم رجحان الأول تكون الرواية مجملة ، وتسقط عن صلاحية الاستدلال بها على المقام ، ويتعين الرجوع إلى غيرها من المطلقات.

[1] كما هو المنسوب إلى الأكثر. لإطلاق الأمر بالغسل فيها ، مثل ما‌ ورد في الكلب : « إذا مسسته فاغسل يدك » (1) ‌، و‌في الخنزير : « قلت : وما على من قلب لحم الخنزير؟ قال (ع) : يغسل يده » (2) ‌، و‌في الكافر : « فان صافحك بيده فاغسل يدك » (3) ‌و‌في أوانيه : « إذا اضطررتم إليها فاغسلوها بالماء » (4) ‌، و‌في عرق الجلال : « وإن أصابك من عرقها شي‌ء فاغسله » (5) ‌، و‌في المني : « إن عرفت مكانه فاغسله » (6). و‌في الميتة : « وإن أخذت منه بعد أن يموت فاغسله » (7) ‌،

____________

(1) الوسائل باب : 12 من أبواب النجاسات حديث : 9.

(2) الوسائل باب : 13 من أبواب النجاسات حديث : 4.

(3) الوسائل باب : 14 من أبواب النجاسات حديث : 5.

(4) الوسائل باب : 14 من أبواب النجاسات حديث : 12.

(5) الوسائل باب : 15 من أبواب النجاسات حديث : 1.

(6) الوسائل باب : 16 من أبواب النجاسات حديث : 1.

(7) الوسائل باب : 23 من أبواب الأطعمة المحرمة : 3‌

17

________________________________________________

و‌في الميت : « في الرجل يصيب ثوبه جسد الميت. فقال (ع) : يغسل ما أصاب الثوب » (1) ‌، و‌في المسكر : « إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه » (2) ‌، و‌في القدر التي وقع فيها المسكر : « واللحم اغسله » (3) .. إلى غير ذلك ، مما ورد في المذكورات وغيرها. والمناقشة في ثبوت الإطلاق لهذه النصوص لو تمت في بعضها فلا تتم في الجميع.

نعم يشكل الحكم في نجاسة لا يكون لدليل التطهير منها إطلاق ، أو ليس في الأدلة تعرض للتطهير منها ، وإنما تعرضت لنجاستها ، أو كان دليل نجاستها منحصرا في الإجماع. إلا أن يتمم الحكم في الجميع بعدم القول بالفصل ، أو يكون دليل مطلق في التطهير عن مطلق النجاسات. لكن الأول محل تأمل وإن ادعاه في الذخيرة ، ويساعده التتبع كما في الجواهر وغيرها. والثاني لم أقف عليه وإن ادعاه غير واحد.

نعم يمكن أن يستفاد من إطلاق ما دل على مطهرية الماء ، والعمدة فيه النبوي الذي رواه المؤالف والمخالف ـ كما‌ عن السرائر ـ « خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء إلا ما .. » (4) ‌، بناء على إطلاقه بلحاظ المطهر ـ بالفتح ـ كما هو الظاهر ، وكما أشرنا إليه في صدر الفصل. واحتمال عدم وروده في مقام البيان مندفع بالأصل. ( ودعوى ) : كونه مسوقا لمجرد الإيجاب الجزئي ، توطئة لقوله (ص) : « لا ينجسه شي‌ء » ‌، وكأنه قيل : لما كان مطهرا كان لا ينجسه شي‌ء ، ولأجل اختصاص الثاني بالكثير‌

____________

(1) الوسائل باب : 34 من أبواب النجاسات حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 3.

(3) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 8.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب الماء المطلق ملحق حديث : 9‌

18

________________________________________________

يختص الأول به ، فلا يجدي في إثبات حكم التطهير بالقليل ( غير ظاهرة ) لعدم المناسبة بين الكلامين ، لأن المطهرات العرفية من شأنها الانفعال بالقذارة التي تطهر فيها ، فلو كان المقصود من الجملة الأولى التوطئة ، فهي توطئة تعبدية لا عرفية ، والتوطئة التعبدية لا تنافي الاختلاف بينهما بالإطلاق والتقييد.

وأضعف منها دعوى كون وحدة السياق تقتضي اختصاص الأول بالكثير ، إذ من المعلوم أن وحدة السياق إنما تقتضي المساواة في الخصوص إذا استند إلى قرينة في نفس الكلام ، لا ما إذا استند إلى قرينة خارجية ـ كما في المقام ـ فالعمومات الواقعة في سياق واحد إذا خصص بعضها بمخصص منفصل ، لا يسري التخصيص منه إلى غيره بقرينة وحدة السياق.

ثمَّ إنه حيث يثبت إطلاقه من حيث المطهر ـ بالفتح ـ فمقتضى الإطلاق المقامي الرجوع الى العرف في كيفية التطهير ـ كما اعترفت به شيخنا الأعظم (ره) ـ وإن استشكل فيه في الجواهر ، ولا ريب في كفاية المرة في التطهير عند العرف. والرجوع إليهم في كيفية إزالة القذارات التي عندهم شاهد بذلك ( ودعوى ) : أن بناء العرف على الاكتفاء بالمرة إذا علم بزوال القذارة لا إذا شك فيه ، والمقام من الثاني ( مندفعة ) بأن الشك في المقام في زوال النجاسة للشك في الكيفية المعتبرة عند الشارع ، فاذا علم بأن الكيفية المعتبرة عنده هي الكيفية العرفية فلا شك في زوال النجاسة.

هذا ولو لم يتم الإطلاق المذكور كان المرجع استصحاب النجاسة ( ودعوى ) : أن النجاسة اعتبار منتزع من الحكم التكليفي بالغسل مرة أو مرتين ، فالشك فيها راجع إلى الشك في وجوب الغسل مرة أو أكثر ، واللازم في مثله الرجوع في الزائد إلى أصالة البراءة ، ( مندفعة ) بأن‌

19

________________________________________________

الحكم بوجوب الغسل قد أخذ في موضوعه النجاسة ، فيمتنع أن تكون النجاسة منتزعة منه. مضافا إلى أن النصوص الواردة في أحكام النجاسة ظاهرة في كون النجاسة أثراً عينياً حقيقياً يحصل من ملاقاة النجس أو المتنجس ، لا مجرد الحكم بوجوب الغسل ، كما لا يخفى.

ومثلها في الاشكال دعوى : أن استصحاب النجاسة من قبيل استصحاب الفرد المردد بين طويل العمر وقصيره ، والتحقيق أنه ليس بحجة إذ فيها : أن ذلك إنما يقدح في حجية الاستصحاب إذا كان الأثر الشرعي للنجاسة متعلقا بالفرد ، ولكنه خلاف ظاهر الأدلة في المقام ، فان المستفاد من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة ـ المتضمنة لعدم صحة الصلاة ، أو لحرمة الشرب ، أو نحو ذلك ـ أن الأثر للجهة المشتركة بين الأفراد ـ أعني ، طبيعة النجاسة ـ لا لنفس الأفراد ، بل‌ قوله (ع) في رواية خيران الخادم الواردة في الثوب يصيبه الخمر ، ولحم الخنزير : « لا تصل فيه فإنه رجس » (1) ‌كالصريح في كون ذلك حكما لكلي الرجس. فلاحظ ، ولو سلم فكون المقام من قبيل الفرد المردد لا يخلو من خفاء ، بل الظاهر كونه من قبيل الفرد المعين ، وكون التردد في رافعه.

وأضعف من ذلك دعوى أن الغسلة الأولى مزيلة لبعض مراتب النجاسة فيرجع الشك في الطهارة إلى الشك في وجود مرتبة اخرى زائدة على تلك المرتبة ، والأصل عدمها. إذ فيها : أن المرتبة المشكوكة معدودة عرفا من وجود المرتبة المعلومة الزوال بالغسلة الأولى ، نظير السواد الضعيف المعدود من مراتب وجود القوي ، فالشك يكون في البقاء لا في الحدوث على أن كون الغسلة الأولى مزيلة لبعض المراتب غير ظاهر ، لجواز كونها.

____________

(1) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 4‌

20

فلا تكفي الغسلة المزيلة لها [1] ، إلا أن يصب الماء مستمراً بعد زوالها ،

________________________________________________

من قبيل الشرط لتأثير الغسلة الثانية في رفع النجاسة.

ثمَّ إنه قد يستدل على وجوب التعدد بما‌ في صحيح ابن مسلم عن أبي عبد الله (ع) : « قال ذكر المني فشدده وجعله أشد من البول » (1) ‌وما‌ في روايتي الحسين والبزنطي من قوله (ع) : « صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء » (2) ‌فان ذلك إذا اقتضى التعدد فالثخانة والقوام أولى بالاقتضاء. وفيه : أنه لا يظهر من الأول الجهة الملحوظ فيها الأشدية فمن الجائز أن يكون ذلك من جهة المانعية للصلاة ، كما يناسبه‌ قوله (ع) « إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة .. » ‌لا زيادة العدد في مقام التطهير. وأما الثاني فالظاهر كونه تعليلا للاكتفاء بالصب.

ثمَّ إن الظاهر الاتفاق على كفاية المرتين ، وبه ترفع اليد عن استصحاب النجاسة لو كان هو المرجع. وإن كان ظاهر الاستدلال على إلحاق سائر النجاسات بالبول ، اعتماداً على ما في صحيح ابن مسلم‌ ، من أشدية المني ، وما في روايتي البزنطي‌ والحسين‌ ، من التعليل بأنه ماء ، عدم الاكتفاء بالمرتين.

[1] كما عن جماعة ممن اكتفى بالمرة ، منهم المحقق في المعتبر ، قال فيه : « وهل يراعى العدد في غير البول؟ فيه تردد ، وأشبهه يكفي المرة بعد إزالة العين ، لقوله (ع) في دم الحيض : حتيه ثمَّ اغسليه » (3) ‌لكن فيه : أنه يمتنع حمل الأمر على الوجوب ، للقطع ، بعدم وجوب‌

____________

(1) الوسائل باب 16 من أبواب النجاسات حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب النجاسات حديث : 4 ، 7.

(3) المعتبر المسألة السادسة من أحكام النجاسات ص 121.

21

والأحوط التعدد [1] في سائر النجاسات أيضاً ، بل كونها غير الغسلة المزيلة [2].

( مسألة 5 ) : يجب في الأواني إذا تنجست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرات [3] في الماء القليل ، وإذا تنجست بالولوغ‌

________________________________________________

الحت ، فالأمر به لا بد أن يكون محمولا على الاستحباب ـ كما عن جماعة ـ بل في المنتهى نسبته إلى علمائنا وأكثر أهل العلم ، أو على الإرشاد إلى أمر عرفي ، لأن الحت قبل صب الماء أرفق في التطهير ، وحينئذ فإطلاق الأمر بالغسل وغيره الصادق على الغسلة المزيلة ـ كما اعترف به جماعة ، منهم السيد في المدارك ـ محكم ( ودعوى ) : الانصراف إلى غيرها ولو ببقاء الصب مستمراً بعد زوالها ، غير ظاهرة. والظاهر عدم الفرق فيما ذكرنا بين المتنجس بالنجاسة ، والمتنجس بغسالتها ، والمتنجس بالمتنجس والنصوص في الجميع ـ في الجملة ـ وافية. فلاحظ رواية غسل اللحم‌ (1) ورواية العيص‌ (2) المتقدمة في نجاسة الغسالة.

[1] بل هو الذي قواه جماعة ، إما مطلقا ، كالشهيد في الذكرى ، واللمعة والألفية ، والمحقق في جامع المقاصد وحاشية الشرائع ، وإما في خصوص ما له قوام وثخن ، كالعلامة في التحرير والمنتهى ، على ما حكي عنهم.

[2] فان المشهور ـ كما في شرح النجاة ـ أن الاجتزاء بالمرة وعدمه إنما هو بعد غسلة الإزالة ، فلا يحصل الطهر بحصول الإزالة بهما أو بإحداهما.

[3] كما عن ابن الجنيد ، والشيخ في كتبه غير المبسوط ، وعن‌

____________

(1) الوسائل باب : 5 من أبواب الماء المضاف حديث : 3 ، وباب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 8.

(2) الوسائل باب : 9 من أبواب الماء المضاف حديث : 14.

22

التعفير بالتراب مرة. وبالماء بعده مرتين [1].

________________________________________________

الذكرى ، والدروس ، وجامع المقاصد ، وكثير من متأخري المتأخرين. لموثق عمار عن أبي عبد الله (ع) : « سئل عن الكوز والإناء يكون قذراً كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال (ع) : يغسل ثلاث مرات ، يصب فيه الماء فيحرك فيه ثمَّ يفرغ منه .. » (1).

وفي الشرائع وعن النافع ، وأكثر كتب العلامة. والبيان ، وروض الجنان ، والمدارك وغيرها : الاكتفاء بالمرة. أما لاستضعاف الموثق والرجوع إلى أصل البراءة ، أو الإطلاق. وإما لحمله على الاستحباب ، بقرينة‌ المرسل المروي في المبسوط : « وقد روى غسلة واحدة » (2). وفيه : أن المحقق في محله حجية الموثق ، فيمتنع الرجوع إلى الأصل ، أو الإطلاق لو سلم بنحو يشمل الآناء. مع أن الأصل محكوم بالاستصحاب والمرسل غير ثابت الحجية ، ومجرد موافقته للشهرة ـ كما قيل ـ غير جابر له ما لم يتحقق الاعتماد عليه.

وعن اللمعة ، والألفية : اعتبار المرتين. وكأنه لاستضعاف الموثق ، وإلحاق الأواني بالثوب والبدن في البول ، كما تقدم في غير الأواني بناء على التعدد ( وفيه ) : أن القطع بالإلحاق غير حاصل ، وفهم عدم الخصوصية من نصوص التعدد في البول في الثوب والبدن لو سلم لا يصلح لمعارضة الموثق ، إذ هو يكون كالخاص ، فيجب الأخذ به ، واستضعافه ضعيف ، كما عرفت.

[1] أما التثليث فهو إجماع محكي عن الانتصار والخلاف وغيرهما.

____________

(1) الوسائل باب : 53 من أبواب النجاسات حديث : 1.

(2) المبسوط باب حكم الأواني ص : 6 ، س : 8 الطبعة القديمة.

23

________________________________________________

وعن المنتهى : « قال علماؤنا أجمع إلا ابن الجنيد : إنه يجب غسله ثلاث مرات إحداهن بالتراب ». وأما كون غسلة التراب أولاهن فهو المشهور وعن المفيد في المقنعة أنها وسطاهن ، وعن الانتصار والخلاف إطلاق القول بأنه يغسل ثلاث مرات إحداهن بالتراب ، وكذا حكي عن الصدوق في الفقيه.

والعمدة في لزوم التثليث ـ مضافا إلى الإجماع المتقدم ـ صحيحة البقباق ، قال فيها : « حتى انتهيت إلى الكلب ، فقال (ع) : رجس نجس لا تتوضأ بفضله ، واصبب ذلك الماء ، واغسله بالتراب أول مرة ، ثمَّ بالماء مرتين ». كذا رواها في المعتبر (1) ، وحكي ذلك عن موضع من الخلاف ، وعن المنتهى ، والتذكرة ، والنهاية ، والذكرى وجامع المقاصد وشرح الإرشاد للفخر ، والروض ، وغوالي اللئالي. لكن قال في المدارك بعد ما رواها خالية عن لفظ المرتين (2) : « كذا وجدته فيما وقفت عليه من كتب الأحاديث ، ونقله كذلك الشيخ في مواضع من الخلاف والعلامة في المختلف ، إلا أن المصنف (ره) نقله في المعتبر بزيادة لفظ : « المرتين » بعد قوله : « ثمَّ بالماء » ، وقلده في ذلك من تأخر عنه. ولا يبعد أن يكون ذلك من قلم الناسخ. ومقتضى إطلاق الأمر بالغسل الاكتفاء بالمرة الواحدة بعد التعفير ، إلا أن ظاهر المنتهى وصريح التذكرة انعقاد الإجماع على تعدد الغسل بالماء ، فان تمَّ فهو الحجة ، وإلا أمكن الاجتزاء بالمرة لحصول الامتثال بها ». ولكن لا يخفى أن استدلال المحقق وغيره بها مما‌

____________

(1) المعتبر في المسألة الثانية من أحكام الأواني ص : 127. وكذا رواها في مستدرك الوسائل في باب : 44 من أبواب النجاسات ملحق حديث 4. وله بيان في تأييد صحة الزيادة. فليراجع.

(2) وهي كذلك في الوسائل في أبواب متعددة منها باب : 1 من أبواب الأسئار.

24

________________________________________________

يمنع من احتمال سهو القلم ، بل لعل عدم تعرض المحقق لاختلاف الأصل الذي روى عنه مع أصل الشيخ (ره) يشهد بكونها في التهذيبين كذلك واحتمال كون رواية المحقق لها بالزيادة المذكورة من جهة الاتفاق على التثليث بعيد ، بل كان المناسب تعرضهم لذلك. مع أنه لو بني على ترجيح روايتها خالية عن ذلك ، أمكن أن يكون مقتضى الجمع العرفي بينها وبين الموثق المتقدم في لزوم التثليث في تطهير مطلق الإناء لزوم التثليث هنا بعد التراب ، إذ الموثق المتقدم يكون مقيداً لإطلاق الصحيحة ، فلا وجه للعمل بالإطلاق. اللهم إلا أن يبنى على عدم حجية الموثق. لكنه خلاف ظاهر أدلة الحجية ، كما هو محرر في محله. بل يمكن التشكيك في إطلاق الصحيح ، بأنه وارد في مقام شرطية التراب قبل الماء ، لا في مقام بيان لزوم التطهير بالماء ، كي يؤخذ بإطلاقه ، وحينئذ يرجع في بيان التعدد في الماء الى الموثق المتقدم فتأمل. بل يمكن الاستدلال بالصحيح على مذهب المشهور ، وإن بني على ترجيح روايتها خالية عن لفظ المرتين ، بأن يحمل قوله (ع) : « أول مرة » ‌على أول المرات الثلاث اللازمة في تطهير الإناء ـ كما تضمنه الموثق ـ وتبقى المرتان الأخريان بالماء وحده. فتأمل.

هذا وعن ابن الجنيد (ره) وجوب الغسل سبعاً أولاهن بالتراب. وكأنه‌ لموثق عمار عن الصادق (ع) : « في الإناء يشرب فيه النبيذ ، فقال (ع) : تغسله سبع مرات ، وكذلك الكلب » (1) ‌وفيه ـ مع أن الغسل سبعا في النبيذ للاستحباب ، كما سيأتي ، فيجب كونه كذلك في الكلب ، لا لوحدة السياق ، بل لأن الحكم المجعول للكلب هو الحكم المجعول للنبيذ. ومع أن الموثق خال عن ذكر الغسل بالتراب ، كما هو‌

____________

(1) الوسائل باب : 30 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث : 2.

25

والأولى أن يطرح [1] فيها التراب من غير ماء ويمسح به ، ثمَّ يجعل فيه شي‌ء من الماء ويمسح به. وإن كان الأقوى كفاية الأول فقط [2] ، بل الثاني أيضاً. ولا بد من التراب ، فلا يكفي عنه‌

________________________________________________

مدعاه ـ : أن صحيحة البقباق أخص منه مطلقاً ، لاختصاصها بصورة التنجس بالولوغ ، والموثق أعم من ذلك ، فيجب تقييد الموثق بها ، ولا مجال للأخذ بإطلاقه.

هذا وأما وجوب كون الاولى بالتراب ، فيدل عليه الصحيح المذكور بلا معارض. ومن ذلك يظهر ضعف ما عن المقنعة ، لعدم العثور على مستنده ـ كما عن غير واحد ـ ومثله ما عن الانتصار وغيره ، وإن كان يوافقه الرضوي‌ (1) ، إذ لو تمت حجيته فهو مقيد بالصحيح ، ولعل مرادهم ما هو المشهور.

[1] لأن فيه جمعاً بين المحتملين.

[2] فيه إشكال ، بل عن الحلي والمنتهى وغيرهما تعين الثاني ، وهو في محله ، فان التراب وإن كان حقيقة في غير الممزوج ، إلا أن تسليط الغسل عليه ، يقتضي ظهوره في الممزوج بالماء ، على نحو يكون مائعاً ، فيكون قوله (ع) : « اغسله بالتراب » ‌نظير قولك : « غسلت يدي بالسدر والصابون ». وبه يظهر ضعف ما عن جامع المقاصد وغيره ، ونسب إلى المشهور ، من وجوب خلوصه عن الماء ، حملا للغسل على خلاف ظاهره ، فان ما ذكرناه أقرب. ومثله ما قوَّاه في الجواهر ـ تبعاً للشهيد الثاني (ره) ـ من جواز مزجه بالماء على نحو لا يخرج به التراب عن اسمه وجواز عدمه ، لحصول الغرض ، وهو إزالة ما حصل بالإناء من‌

____________

(1) الوسائل باب : 44 من أبواب النجاسات حديث : 1.

26

الرماد [1] والأشنان والنورة ونحوها. نعم يكفي الرمل [2]. ولا فرق بين أقسام التراب [3]. والمراد من الولوغ [4] شربه‌

________________________________________________

اللعاب بكل منهما. فان حصول الغرض بكل منهما أول الكلام. ( ومثلهما ) دعوى وجوب الجمع بينهما احتياطاً للإجمال ، كما عن الوحيد (ره) والرياض إذ قد عرفت ظهوره في المزج على نحو يكون التراب مائعاً بالعرض. وعليه فلا بد من خروج الماء عن الإطلاق وزيادة ، بل من المحتمل جواز المزج بغير الماء من المائعات ، لصدق الغسل بالتراب. فتأمل.

[1] لا اختياراً ، وإن حكي عن ابن الجنيد وأبي العباس كفايته حينئذ ، للأولوية الظنية ، التي هي على تقدير تسليم ثبوتها ليست بحجة. ولا اضطراراً ، لأنه خلاف الإطلاق ، وإن حكي عن المختلف والقواعد والذكرى والبيان الاكتفاء به حينئذ ، لحصول الغرض ، وهو قلع النجاسة ولكنه كما ترى. مع أن مقتضاه الاكتفاء ولو اختياراً ولا يقول به المدعي.

[2] بناءً على أنه من التراب عرفاً ، كما سيأتي إن شاء الله في التيمم فتأمل. ولا ينافيه قوله : « عدد الرمل والحصى والتراب » ‌، فإنه من عطف العام على الخاص. وعن كشف الغطاء المنع ، لمنع كونه ترابا.

[3] للإطلاق.

[4] لا يهم الخلاف في معنى الولوغ ، وأنه الشرب ـ كما عن المصباح ـ أو بزيادة طرف لسانه ـ كما عن الصحاح ـ أو هو ذلك أو إدخال لسانه في الإناء وتحريكه ـ كما في القاموس ـ فإنه لم يذكر في النص وإنما ذكر في كلام الأصحاب ، والمذكور في النص الفضل ، وظاهره الباقي من الطعام والشراب. نعم قوله (ع) : « لا تتوضأ بفضله .. » ‌ظاهر في خصوص الماء الباقي من الشراب. لكن في الجواهر : « ينبغي‌

27

الماء ، أو مائعاً آخر ، بطرف لسانه. ويقوى إلحاق لطعه الإناء بشربه [1]. وأما وقوع لعاب فمه فالأقوى فيه عدم اللحوق [2] وإن كان أحوط [3] ، بل الأحوط إجراء الحكم المذكور في مطلق مباشرته [4] ولو كان بغير اللسان من سائر الأعضاء ، حتى وقوع شعره أو عرقه في الإناء.

________________________________________________

القطع بعدم الفرق بين الماء وغيره من المائعات ». ولعل الارتكاز العرفي يساعده ، ويمنع من تقييد إطلاق الصدر به ، فتأمل.

[1] فإن النجاسة حينئذ سارية من الفم إلى الإناء بلا واسطة ، إذ احتمال اختصاص الحكم بالنجاسة السارية إلى الإناء بتوسط المائع مما لا ينبغي دعواه. ولذا حكي عن جامع المقاصد ، والروض ، وشرح المفاتيح : الجزم بالأولوية.

[2] كما هو المشهور ، إذ هو ليس مورد النص ، ولا مما يقطع بأولويته منه. لكن الإنصاف أن اللعاب لا يقصر عن سائر المائعات في سراية الأثر بواسطته من الفم أو اللسان إلى الإناء ، فإلحاق المائعات بالماء دون اللعاب غير ظاهر.

[3] بل عن العلامة (ره) في النهاية لزومه.

[4] كما عن الصدوق ، والمفيد ، وفي المدارك : « لا نعلم مأخذه ». ولعله أخذه من‌ قوله (ع) في الصحيح (1) : « رجس نجس » ‌فإنه ظاهر في عدم الخصوصية للولوغ. لكن الأخذ بهذا الظاهر يستوجب التعدي إلى عامة النجاسات ، ولما لم يمكن ذلك ، يتعين التصرف فيه بإرجاعه إلى قوله (ع) : « لا يتوضأ بفضله » ‌، لا غير. لكن عن العلامة في النهاية‌

____________

(1) وهو صحيح البقباق المتقدم.

28

( مسألة 6 ) : يجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرات [1] ، وكذا في موت الجرذ [2] ، وهو الكبير من الفأرة البرية [3].

________________________________________________

أنه الأقرب ، واستدل عليه بأن فمه أنظف من غيره ، ولهذا كانت نكهته أطيب من غيره من الحيوانات ، لكثرة لهثته. وهو كما ترى.

[1] كما في المختلف ، وقال فيه إنه اختاره في أكثر كتبه ، وحكي عن الموجز ، والروضة ، والمدارك. لصحيح ابن جعفر (ع) : « سألته عن خنزير يشرب من إناء ، كيف يصنع به؟ (ع) : يغسل سبع مرات » (1). وعن المبسوط ، والخلاف ، وغيرهما : إلحاقه بالكلب ، وعن الثاني الاستدلال له بأنه يسمى كلباً. وفيه : أنه مجاز لا يحمل عليه اللفظ بدون قرينة.

[2] كما عن المشهور. لموثق عمار : « اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتاً سبع مرات » (2). وفي الشرائع ، والقواعد ، وعن غيرهما : كفاية الثلاث. لموثقة المتقدم في مطلق النجاسة. وفيه : أنه مطلق يجب حمله على هذا المقيد.

[3] لا البحرية. وحكي عن العين والمحيط : أنه ذكر الفأر ، وعن النهاية : أنه الذكر الكبير منه ، وعن الصحاح ، والمغرب : أنه ضرب منه ، وعن ابن سيده : أنه ضرب منها أعظم من اليربوع أكدر في ذنبه سواد ، وعن الجاحظ : الفرق بينه وبين الفأر كالفرق بين الجواميس والبقر والبخاتي والعراب ، وعن بعض : أنه الضخم من الفئران ، ويكون في الفلوات وهو في عرفنا اليوم معروف يسكن البيوت والفلوات.

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب الأسئار حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 53 من أبواب النجاسات حديث : 1.

29

والأحوط في الخنزير التعفير [1] قبل السبع ايضاً. لكن الأقوى عدم وجوبه.

( مسألة 7 ) : يستحب في ظروف الخمر الغسل سبعاً [2] والأقوى كونها كسائر الظروف في كفاية الثلاث [3].

________________________________________________

[1] قد عرفت وجهه.

[2] وأوجبه جمع ، منهم المفيد ، والشيخ في الجمل ، والشهيد في أكثر كتبه ، والمحقق ، على ما حكي عنهم. لموثق عمار المتقدم في الولوغ‌ دليلا لابن الجنيد. لكن يجب حمله على الاستحباب‌ لموثقه الآخر : « في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر. قال (ع) : تغسله ثلاث مرات. وسئل : أيجزؤه أن يصب فيه الماء؟ قال (ع) : لا يجزؤه حتى يدلكه بيده ، ويغسله ثلاث مرات » (1) ‌( ودعوى ) : كون ظهوره مستنداً الى مفهوم العدد ، الممكن تقييده بموثق السبع ( مندفعة ) بكونه مستنداً الى منطوق التحديد ، كما ذكره شيخنا الأعظم (ره). ولذا اختار في الشرائع ، والقواعد : الاكتفاء بالثلاث ، وحكي عن الخلاف ، وغيره.

[3] وعن جماعة كفاية المرة ، منهم أصحاب المعتبر والمختلف وروض الجنان والمعالم ، ونسب إلى جملة من كتب العلامة. إما‌ لموثق عمار الآخر (1) « عن الدن يكون فيه الخمر ، أيصلح أن يكون فيه خل أو ماء أو كامخ أو زيتون؟ قال (ع) : إذا غسل فلا بأس. وعن الإبريق وغيره يكون فيه خمر أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال (ع) : إذا غسل فلا بأس ». وفيه : أنه على تقدير تسليم الإطلاق فهو مقيد بما عرفت. أو لعدم حجية‌

____________

(1) الوسائل باب : 51 من أبواب النجاسات حديث : 1.

(2) وهو صدر الموثق المتقدم في الحاشية السابقة.

30

( مسألة 8 ) : التراب الذي يعفر به يجب أن يكون طاهراً قبل الاستعمال [1].

( مسألة 9 ) : إذا كان الإناء ضيّقاً لا يمكن مسحه بالتراب فالظاهر كفاية جعل التراب فيه وتحريكه إلى أن يصل إلى جميع أطرافه [2]. وأما إذا كان مما لا يمكن فيه ذلك فالظاهر بقاؤه‌

________________________________________________

موثقات العدد ، فيرجع إلى الإطلاق ، أو أصل البراءة. وفيه أيضاً ما عرفت‌

[1] كما هو المشهور ، بل لم يحك الخلاف فيه إلا عن الأردبيلي وبعض ممن تبعه. والعمدة فيه : دعوى انصراف النص إليه بنحو يوجب تعينه ، لا بنحو يوجب رفع الإطلاق ، ليكون المرجع استصحاب مطهرية التراب قبل طروء النجاسة عليه ، الحاكم على استصحاب نجاسة الإناء. اللهم إلا أن يقال : استصحاب المطهرية من قبيل الاستصحاب التعليقي وجريانه محل إشكال. إلا أن يقال : العمدة في الاشكال عليه معارضته بالاستصحاب التنجيزي وهو في المقام استصحاب نجاسة الإناء ، وبعد التساقط يكون المرجع قاعدة الطهارة. مع أن في كون الاستصحاب المذكور من التعليقي إشكالا ، وقد تقدم بعض الكلام فيه في نجاسة عصير الزبيب فراجع. ثمَّ إن هذا كله مبني على اعتبار عدم المزج بالماء ، أما بناء على اعتبار المزج به ، فلا بد من طهارة التراب ، إذ مع نجاسته ينجس الماء مع أنه لا ريب في اعتبار طهارة الماء.

[2] هذا يتم لو كان المراد من الغسل بالتراب ما يعم وصول التراب اليه ، أما إذا كان المراد خصوص المسح به ـ كما تقدم في المتن ـ فكفايته غير ظاهرة. وأما بناء على ما استظهرناه من إرادة مزجه بالماء بنحو يصير مائعاً بالعرض فكفايته حينئذ ظاهرة جداً.

31

على النجاسة أبداً [1] ، إلا عند من يقول بسقوط التعفير في الغسل بالماء الكثير.

( مسألة 10 ) : لا يجري حكم التعفير في غير الظروف مما تنجس بالكلب [2] ولو بماء ولوغه أو بلطعه. نعم لا فرق بين أقسام الظروف في وجوب التعفير حتى مثل الدلو لو شرب الكلب منه [3] ، بل والقربة والمطهرة وما أشبه ذلك.

( مسألة 11 ) : لا يتكرر التعفير بتكرر الولوغ [4] من كلب واحد أو أزيد بل يكفي التعفير مرة واحدة.

________________________________________________

[1] لتعذر المشروط بتعذر شرطه وبدلية الماء عنه حينئذ غير ظاهرة ولزوم تعطيل الإناء لا يثبتها. وانصراف النصوص عنه ممنوع ، لورودها مورد الإرشاد إلى طريق التطهير ، لا مورد الإلزام والتكليف ، ليمتنع شمولها لصورة العجز. ولو سلم فإطلاق المادة كاف في بقاء الشرطية ، كما حرر في محله. فما عن الشيخ وجماعة من سقوط التعفير ، وحصول الطهارة بالغسل مرتين ، ضعيف. ومثله القول بالغسل ثلاثاً ، كما يقتضيه الوجوه المتقدمة لو تمت.

[2] قد عرفت أن موضوع الحكم في النص فضل الكلب الصادق ولو في غير الظروف كالحوض الصغير. نعم التعبير فيه بالصب قد يقتضي اختصاصه بها. إلا أن يكون المراد مجرد إخلاء الإناء. فتأمل.

[3] وإن كان ظاهر كلماتهم الاختصاص بالإناء.

[4] ففي محكي الخلاف : « جميع الفقهاء لم يفرقوا بين الواحد والمتعدد إلا من شذ من العامة ، فأوجب لكل واحد العدد بكماله » ، ومثله كلام غيره. فاذاً الوجه فيه هو الإجماع. وإلا فأصالة عدم التداخل تقتضي‌

32

( مسألة 12 ) : يجب تقديم التعفير على الغسلتين [1] ، فلو عكس لم يطهر.

( مسألة 13 ) : إذا غسل الإناء بالماء الكثير لا يعتبر فيه التثليث [2] ،

________________________________________________

التكرار. وما في المدارك من الاستدلال عليه بصدق الامتثال كما ترى ، وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في المسألة التاسعة من فصل كيفية التنجيس فراجع.

[1] قد عرفت وجهه.

[2] وفي الذكرى : « لا ريب في عدم اعتبار العدد في الجاري والكثير في غير الولوغ ». وقال قبل ذلك في الولوغ : « ولا يشترط فيهما العدد ». وكأنه لانصراف أدلته إلى القليل ، لأنه المتعارف في عصر الصدور. ولإطلاق مطهرية الكثير مثل ما‌ في المختلف عن أبي عقيل : أنه قال « ذكر بعض علماء الشيعة أنه كان بالمدينة رجل يدخل على أبي جعفر محمد بن علي (ع) وكان في طريقه ماء فيه العذرة والجيف وكان يأمر الغلام يحمل كوزاً من ماء يغسل به رجله إذا أصابه فأبصره يوماً أبو جعفر (ع) فقال : إن هذا لا يصيب شيئاً إلا طهره ، فلا تعد لله منه غسلا » (1). ولإطلاق بعض أدلة التطهير. وكأنه لذا ونحوه اكتفى العلامة (ره) في القواعد وغيرها والشهيدان والمحقق الثاني بالمرة.

وفيه : منع الانصراف المدعى في أدلة العدد. نعم تمكن دعوى نفي الإطلاق في موثقة عمار‌ (2) الواردة في مطلق الإناء القذر من جهة اشتمالها‌

____________

(1) المختلف الصفحة الثالثة المسألة الأولى.

(2) المتقدمة في أول المسألة الخامسة.

33

بل يكفي مرة واحدة حتى في إناء الولوغ [1]

________________________________________________

على الصب الغالب في القليل ، كما ذكره في المختلف وغيره. لكن ـ مع أنه لا مجال لها في رواية التثليث في الخمر‌ (1) ، ولا في بعض روايات التثنية في البول‌ (2) ، ولا في روايتي السبع في الخنزير‌ والجرذ‌ (3) ولا في صحيح التثنية في الكلب‌ (4). ومع إمكان دفعها بإرادة مجرد مماسة الماء للإناء من الصب ـ : آن الاجمال فيها يوجب الرجوع إلى استصحاب النجاسة بدون التثليث. ومرسلة المختلف ليست بحجة. وأما إطلاق بعض أدلة التطهير في غير الأواني فلا يصلح للمرجعية فيها ، لاختصاصه بمورده وعدم ثبوت الإجماع على عدم الفصل بين الأواني وغيرها. نعم لا يبعد الرجوع إلى إطلاق مطهرية الماء الذي قد عرفته سابقاً. لكنه فيما لم يكن لدليل العدد إطلاق يشمل المقام ، وإلا كان هو المرجع. وكأنه لذلك اعتبر العدد في المختلف ، والمبسوط ، والمعتبر ، وغيرها ، على ما حكي. نعم يمكن أن يستفاد عدم اعتبار التعدد مما ورد في ماء المطر من‌ قوله (ع) « كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر » (5) ‌، بناء على عدم القول بالفصل بينه وبين الكثير والجاري ، للأولوية ، كما أشرنا إلى ذلك في المسألة الأخيرة من فصل ماء المطر. فراجع.

[1] مما سبق تعرف الاشكال هنا ،

____________

(1) وهو موثق عمار الآخر المتقدم في المسألة السابعة.

(2) تقدمت في المسألة الرابعة.

(3) تقدمت في المسألة السادسة.

(4) وهو صحيح البقباق المتقدم في المسألة الخامسة.

(5) الوسائل باب : 6 من أبواب الماء المطلق حديث : 5.

34

نعم الأحوط عدم سقوط التعفير فيه ، بل لا يخلو عن قوة [1] والأحوط التثليث حتى في الكثير.

( مسألة 14 ) : في غسل الإناء بالماء القليل يكفي صب الماء فيه وإدارته إلى أطرافه ثمَّ صبه على الأرض ثلاث مرات [2] كما يكفي أن يملأه ماء ثمَّ يفرغه ثلاث مرات [3].

( مسألة 15 ) : إذا شك في متنجس أنه من الظروف حتى يعتبر غسله ثلاث مرات ، أو غيره حتى يكفي فيه المرة ، فالظاهر كفاية المرة [4].

( مسألة 16 ) : يشترط في الغسل بالماء القليل انفصال‌

________________________________________________

[1] لإطلاق صحيح البقباق (1) ( لا يقال ) : لا وجه للتفكيك بين العدد والتعفير ، فان لازم سقوط الأول لما ذكر سقوط الثاني أيضاً ( لأنا نقول ) : إن ظاهر ما تقدم جعل المطهرية للمعتصم بمجرد الإصابة في قبال الاحتياج إلى العدد أو الورود أو نحوهما ، مما يرجع الى الشرط في مطهرية الماء ، لا بلحاظ مطهرية غيره كالتراب ، لا أقل من احتمال ذلك على وجه يوجب إجماله ، فيرجع في وجوب التعفير إلى إطلاق دليله.

[2] كما تضمنه موثق عمار ‌(2).

[3] ذكره جماعة من الأصحاب ـ كما عن الحدائق والذخيرة ـ إذ المفهوم عرفاً من التحريك في الموثق وصول الماء إلى الجزء المتنجس ، وهو حاصل في الفرض. فاستشكال الجواهر فيه غير ظاهر.

[4] أما في الشبهة المفهومية فلوجوب الاقتصار على المتيقن عند إجمال‌

____________

(1) تقدم في المسألة الخامسة.

(2) تقدم في المسألة الخامسة.

35

الغسالة على المتعارف [1] ، ففي مثل البدن ونحوه مما لا ينفذ فيه الماء يكفي صب الماء عليه ، وانفصال معظم الماء ، وفي مثل الثياب والفرش مما ينفذ فيه الماء لا بد من عصره ،

________________________________________________

المقيد وتردده بين الأقل والأكثر ، ويكون المرجع في الفرد المشكوك هو المطلق ، وهو ما دل على كفاية المرة مطلقاً ، الذي تقدمت الإشارة اليه. وأما في الشبهة المصداقية فلأصالة عدم كونه من الظروف ، المنقح لموضوع العام ، بناء على أن موضوعه بعد الجمع بينه وبين الخاص كل فرد لا ينطبق عليه عنوان الخاص. أما بناء على عدم اقتضائه ذلك ، بل مجرد ثبوت حكم الخاص لأفراده الواقعية ، وبقاء ما عداه تحت حكم العام ، أو امتنع جريان الأصل المذكور ، لعدم الحالة السابقة ، وقلنا بعدم جريان الأصل في العدم الأزلي ، فحينئذ يدور الأمر في حكم الفرد بين حكم العام وحكم الخاص ، فالمرجع استصحاب النجاسة لا غير. نعم بناء على عدم العموم اللفظي ، واستفادة الحكم العام إنما كانت من جهة عدم القول بالفصل ، يشكل الحكم ، ولو بناءً على الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية.

[1] لأنه منصرف أدلة التطهير ، ولو بواسطة ورودها مورد التطهير وإزالة النفرة والقذارة ، فإن ذلك لا يحصل عرفا إلا بانفصال ماء الغسالة فإنه ما دام موجوداً لا ترتفع النفرة والقذارة. ولأجل ذلك لا مجال للأخذ بإطلاق ما اشتمل منها على الصب الصادق ـ قطعاً ـ على مجرد ملاقاة المحل ، فإن قرينة ورودها مورد التطهير ، المنزل على المرتكز العرفي ، مانعة عن الأخذ بالإطلاق المذكور. ويشير إلى ذلك مقابلة الصب بالغسل في بعض النصوص‌ (1) ، فان الظاهر منه أن التعبير بالصب للتنبيه على تحقق الانفصال‌

____________

(1) مثل حسن الحسن بن أبي العلاء وما عن السرائر وقد تقدما في المسألة الرابعة.

36

________________________________________________

في مورده ـ كالجسد ـ بمجرد الصب ، لترتبه عليه غالباً بلا حاجة فيه إلى عناية أخرى. ويشهد بذلك الأمر بالغسل في كثير من الموارد التي لا يمكن فيها العصر ، إذ احتمال الفرق بين الموارد بأن يُكتفى بالصب في بعض الموارد ، ولا يكتفى به في المورد الآخر ، بل لا بد من الغسل ، مما لا مجال له قطعاً ، فلا بد من حمل الأمر بالصب على الأمر بالغسل ـ جمعاً ـ فيكون المراد من الصب الصب على نحو الغسل والتطهير المعتبر فيه الانفصال. ومنه يظهر أنه لا يهم في إثبات اعتبار الانفصال إثبات أخذ العصر في مفهوم الغسل ـ كما حكي عن الأكثر ـ أو مجرد حركة الماء ـ كما في الخلاف وغيره ـ إذ لو فرض صدقه على مجرد غلبة الماء على المحل جرى فيه ما ذكرنا في الصب ، من انصرافه إلى صورة ارتفاع النفرة والقذارة الموجب لاعتبار الانفصال.

نعم لا يتم ما ذكرنا ـ بناءً على طهارة ماء الغسالة ـ لأن الوجه في اعتبار الانفصال عرفا بناؤهم على سراية القذارة من المحل الى الماء المغسول به ، فمع عدم انفصاله عنه يكون المحل عندهم كأن لم يغسل ، فاذا حكم الشارع باعتصام الماء كان ذلك ردعا لهم ، فلا مانع من الأخذ بالإطلاق ولذا لا نعتبر الانفصال في التطهير بالكثير ، كما هو المشهور. كما أنه لو لم يتم ما ذكرنا من أصله لعدم ثبوت الارتكاز الموجب للانصراف كان إطلاق الأدلة محكما ، ولا ينافيه البناء على نجاسة الغسالة ، إذ أدلة انفعاله إنما تجري في المنفصل ، لا فيما كان على المحل ، لوجوب الخروج عنها بإطلاق أدلة التطهير التي قد عرفت دلالتها بالالتزام على طهارة البلل الكائن على المحل ، سواء أكان متخلفاً بعد انفصال مقدار من ماء التطهير ، أم كان تمام المقدار المطهر به باقياً في المحل غير منفصل عنه.

37

أو ما يقوم مقامه [1] ، كما إذا داسه برجله ، أو غمزه بكفه ،

________________________________________________

[1] يعني : في حصول المقصود ، وهو الانفصال المعتبر ، لأن الوجه المقتضي لاعتبار العصر شامل لمثل ذلك. هذا ولكن ظاهر المشهور ـ كما قيل ـ وجوب العصر تعبداً ، بل عن الحدائق : نفي خلاف يعرف ، وفي وسائل البغدادي : « لا يكاد يعرف في ذلك خلاف ». وعن المعتبر نسبته إلى علمائنا. وربما يستدل له ـ كما في المعتبر والمنتهى وغيرهما ـ بالأصل ، أو الإجماع ، أو لدخوله في مفهوم الغسل ، أو لأن النجاسة لا تزول إلا به ، أو لأن الغسالة نجسة فيجب إخراجها ، أو لظهور المقابلة بين الغسل والصب في بعض النصوص‌ (1) في إرادة الأمر به من الأمر بالغسل ، أو للأمر به في الرضوي‌ (2) ، وفي المروي عن دعائم الإسلام عن علي (ع) (3) ، وفي ذيل رواية الحسين بن أبي العلاء المتقدمة في بول الرضيع‌.

وفيه : أنه لا مجال للأصل مع الدليل. والإجماع ممنوع ، لتحقق الخلاف ، ونسبة دعوى ظهور الإجماع إلى المعتبر غير ظاهرة ، بل ظاهر عبارته كون المنسوب الى العلماء هو التعدد. ودخوله في مفهوم الغسل بنحو لا يرجع إلى ما ذكرنا ممنوع جداً ، لصدق الغسل فيما لا يمكن فيه العصر. وكون النجاسة لا تُزال إلا به مصادرة ، إلا أن يرجع إلى ما ذكرنا ومقتضاه الاكتفاء عن العصر بتوالي الصب على الثوب ـ مثلا ـ إلى أن ينفصل الماء الأول ، وحينئذ لا حاجة إلى العصر لفصل الماء الأخير. ووجوب إخراج‌

____________

(1) تقدم في المسألة الرابعة.

(2) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب النجاسات حديث : 1.

(3) مستدرك الوسائل باب : 3 من أبواب النجاسات حديث : 2.

38

أو نحو ذلك. ولا يلزم انفصال تمام الماء [1]. ولا يلزم الفرك والدلك [2] ، إلا إذا كان فيه عين النجس أو المتنجس ، وفي مثل الصابون والطين ونحوهما مما ينفذ فيه الماء ولا يمكن عصره‌

________________________________________________

الغسالة لنجاستها قد عرفت ما فيه من قيام الدليل على طهارة المتخلف. مع أنه مبني على نجاستها ، ولا يتم على القول بالطهارة ، والمقابلة بين الغسل والصب قد عرفت وجهها في صدر المسألة. والرضوي‌ لم تثبت حجيته ، وشهرة القول بمضمونه من دون اعتماد عليه غير جابرة ، ومثله مرسل الدعائم‌ ، ورواية الحسين‌ قد عرفت إجمالها. هذا والتأمل في جملة من أدلة لزوم العصر يقتضي الحكم بكون مراد المستدل منه مجرد الانفصال ، وقد عرفت أنه لا يتم تقريبه على القول بطهارة الغسالة ، كما لعله المشهور.

[1] فإنه المطابق للارتكاز العرفي.

[2] وأوجبه العلامة (ره) في التحرير ، وعن النهاية. واستدل عليه في المنتهى بالاستظهار. وبالأمر به في تطهير الإناء الذي شرب فيه الخمر (1) ، إذ ليس ذلك إلا للنجاسة المطردة في غير الإناء. مع أن إطلاق الأمر بغسله أولاً ثمَّ الأمر بالدلك ثانياً يقتضي دخوله في مفهوم الغسل ، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة « وفيه » : أن الاستظهار إنما يمكن فرضه في ظرف الشك في زوال النجاسة ، وليس هو محلا للكلام. ولو أريد ما يجامع اليقين بذلك فلا دليل على وجوبه. ولاحتمال خصوصية لمورد النص مجال واسع. وتأخير الأمر بالدلك عن الأمر بالغسل مطلقاً ليس من تأخير البيان عن وقت الحاجة ، كسائر المقيدات والمخصصات‌

____________

(1) تقدم في المسألة السابعة.

39

فيطهر ظاهره بإجراء الماء عليه [1] ، ولا يضره بقاء نجاسة الباطن على فرض نفوذها فيه. وأما في الغسل بالماء الكثير‌

________________________________________________

المنفصلة. وإمكان معارضة ذلك بأن عطف الغسل على الدلك مما يقتضي خروجه عن مفهوم الغسل ، وجعله من عطف الكل على الجزء خلاف الظاهر ، بل الظاهر أن خروجه عنه مما لا ينبغي الإشكال فيه. نعم يمكن دعوى أن الدلك المزيل للعين داخل في مفهوم الغسل من تلك العين ، لكنه خارج عن محل الكلام. ولعل الوجه في تركه في صدر الموثق الاكتفاء بذكر الغسل عنه ، والتنصيص عليه في ذيله لأجل عدم التفات السائل الى ذلك ، حتى احتمل الاكتفاء بمجرد الصب ولو مع بقاء العين ، كما هو الغالب في أواني الخمر.

[1] أما طهره بالقليل ظاهراً وباطناً ، فقد نسب منعه إلى شهرة المتأخرين ـ كما عن الذخيرة ـ أو المتعارف بينهم ـ كما عن المعالم ـ لعدم انفصال ماء الغسالة عنه المعتبر في التطهير. واستشكله في محكي المدارك بلزوم الحرج ، والضرر. وبأن المتخلف فيه لا يزيد على المتخلف في الحشايا بعد الدق والتغميز. وبمخالفته لمطلقات الغسل. انتهى. ومرجع الدليلين الأخيرين الى أن الانفصال المعتبر في التطهير ليس انفصال تمام الماء ضرورة بل المقدار الذي يتوقف عليه زوال القذارة والنفرة وهو حاصل ، لعدم المانع من جريان الماء إلى أطراف المحل المتنجس ، ونفوذ المقدار غير المعتد به عرفاً غير قادح ، وملاحظة عمل العرف في تطهيرهم لما هو محل الكلام من الصابون والطين والخبز والفواكه والقرطاس واللبن والجبن ونحوها شاهد‌

40

فلا يعتبر انفصال الغسالة [1] ، ولا العصر [2] ،

________________________________________________

بما ذكرنا. ويشير إليه المرسل‌ (1) والمسند‌ (2) في العيون في تطهير لقمة الخبز الواقعة في القذر. نعم لو كان محل الكلام ما يرسب فيه تمام ماء الغسالة أو أكثره تمَّ ما ذكر. فتأمل جيداً. نعم لا مجال للدليل الأول في إثبات الطهارة ، لأن الحرج والضرر لو فرضا فإنما ينفيان التكليف ، ولا يصلحان لإثبات التطهير. ثمَّ لو بني على عدم طهر الباطن لنفوذ ماء الغسالة فيه ، فهل يطهر الظاهر لانفصاله عنه ولو بالنفوذ إلى الباطن ، أو لا لعدم تحقق الانفصال المطلق؟ وجهان ـ كما في الجواهر وغيرها ـ أقواهما الأول ، لعدم الدليل على اعتبار الانفصال المطلق ، بل المعتبر هو الانفصال عن المحل المتنجس لا غير وهو حاصل. نعم لو امتلأ العمق بماء الغسالة على نحو يطفح إلى الظاهر بقي الظاهر على نجاسته. لكنه ليس من محل الكلام. والله سبحانه أعلم.

[1] لما عرفت من عدم تمامية وجه اعتبار الانفصال فيما لو كان الماء معتصما. نعم لو كان الوجه فيه دخوله في مفهوم الغسل أو انصراف الأدلة اليه ، كان اللازم عدم الفرق بين الكثير والقليل في اعتبار الانفصال ، ومرسل المختلف غير حجة ، وإن كان ظاهراً في نفي اعتباره.

[2] إذ الوجه في اعتباره كونه أحد طرق الانفصال فاذا لم يعتبر لم يعتبر. نعم لو تمَّ ما نسب إلى ظاهر المشهور من اعتباره تعبداً اختلف الحكم باعتباره باختلاف الدليل المعتمد عليه في إثباته ـ كما تقدم ذلك ـ فان كان الدليل هو الأول ، أو الثالث ، أو الرابع ، أو السادس ، أو‌

____________

(1) الوسائل باب : 39 من أبواب أحكام الخلوة حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 39 من أبواب أحكام الخلوة حديث : 2.

41

ولا التعدد [1] وغيره ، بل بمجرد غمسه في الماء بعد زوال العين يطهر ،

________________________________________________

الأمر به في الرضوي‌ والعلوي‌ ، لزم اعتباره في الكثير أيضاً ، وإن كان هو الثاني أو الخامس لم يلزم اعتباره فيه ، وإن كان هو الأمر به في رواية الحسين‌ فاعتباره في الكثير وعدمه تابعان لعدم ظهور الصب في القليل وظهوره ، فعلى الأول يلزم اعتباره لإطلاق الدليل ، وعلى الثاني يختص اعتباره بالقليل. فراجع ما أشرنا إليه من أدلة العصر. وتأمل.

[1] أما سقوط التعدد في الأواني فقد تقدم أن العمدة فيه ما تقدم في المطر (1) من‌ قوله (ع) : « كل شي‌ء يراه ماء المطر فقد طهر ». وأما سقوطه في غيرها فلذلك أيضاً. مضافاً إلى صحيح ابن مسلم الوارد في الثوب يصيبه البول من‌ قوله (ع) : « وإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة » (2) ‌و‌صحيح ابن سرحان : « ما تقول في ماء الحمام؟ فقال (ع) : هو بمنزلة الجاري » (3). وإذا ثبت ذلك لماء الحمام الذي يكون في الحياض الصغار ، يثبت لما في الخزانة بطريق أولى ، وقد عرفت سابقاً أنه لا خصوصية للحمام في ذلك. هذا في الثوب ، أما الجسد فإن أمكن إلحاقه عرفاً بالثوب فهو ، وإلا كان المرجع فيه ـ مضافاً إلى الإطلاقات المشار إليها في المسألة الرابعة ، بناءً على قصور أدلة التعدد فيه عن شمول الكثير لاشتمالها على التعبير بالصب ـ ما ورد في ماء المطر ، بضميمة عدم القول بالفصل ، أو الأولوية ، على ما تقدم في سقوط التعدد في الأواني.

____________

(1) تقدم في المسألة الثالثة عشرة.

(2) الوسائل باب : 2 من أبواب النجاسات حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 7 من أبواب الماء المطلق حديث : 1.

42

ويكفي في طهارة أعماقه إن وصلت النجاسة إليها نفوذ الماء الطاهر فيه في الكثير [1] ، ولا يلزم تجفيفه أولاً.

________________________________________________

[1] فإن نفوذه فيه يحقق الغسل المعتبر في التطهير ، إلا أن الاشكال في تحقق نفوذ الماء في أكثر الأمثلة المذكورة في كلماتهم ، بل الظاهر أن النافذ فيه رطوبة محضة ، ليست ماء عرفاً ، فكيف تصلح للمطهرية؟! مع أن لازم ذلك طهارة السطح الذي هو الجانب الآخر بمجرد وضع الظاهر في الكثير ، ولا يظن من أحد التزامه. وكأنه لذلك أطلق بعض المنع من قبولها للتطهير ، وفصَّل آخر ـ ونسب الى المشهور ـ فجوَّزه في الكثير دون القليل ، لعدم الانفصال المعتبر في الثاني ـ بناء منه على أن النافذ ماء ـ أو للاكتفاء في التطهير في الكثير بمجرد ملاقاة الرطوبة ـ بناء على أن النافذ ليس ماء ـ ولا دليل على الاكتفاء بذلك في القليل.

والأوفق بالقواعد المنع من تطهير باطنها إذا لم يكن النافذ فيه ماء عرفا ، بل كان رطوبة محضة ، وإن كان ماء ـ ولو كان أدنى مصاديقه ـ أمكن تطهيرها في الكثير. وكذا في القليل إن أمكن انفصال ماء الغسالة ولو لتوالي الصب على الظاهر ، وإن لم يمكن انفصاله إلا بتجفيفه ففيه تأمل ، للتأمل في كفاية التجفيف في حصول الطهارة وارتفاع النفرة عرفا.

نعم يمكن أن يستفاد إمكان تطهيرها مطلقاً مما ورد في تطهير الأواني بالغسل‌ (1) على اختلاف موضوعاتها من قدح أو إناء أو دن أو كوز أو ظرف ، وعلى اختلاف نجاستها من ولوغ ، أو موت جرذ ، أو خمر ، أو شرب خنزير ، أو مطلق القذارة ، أو غير ذلك ، فإن إطلاق الاجتزاء في حصول الطهارة بمجرد الغسل للسطح الظاهر مع كثرة الموارد التي ترسب فيها‌

____________

(1) تقدم كثير من نصوص ذلك في المسألة الخامسة والسادسة والسابعة.

43

________________________________________________

النجاسة ، لكون الظرف من الخزف ونحوه ، دليل على طهارة الباطن بالتبعية. ومثله ما ورد‌ في رواية السكوني : « أن أمير المؤمنين (ع) سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة. فقال (ع) : يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل » (1) ‌فان ظاهرها كون الفأرة واقعة حال الطبخ أو قبله ، الموجب لسراية الرطوبة النجسة إلى أعماق اللحم وتوابعه من المخ والشحم وغيرهما ، ضرورة كون المراد من اللحم ما يعم ذلك ، والمراد من غسل اللحم غسل جميع ما يصل اليه الماء على النحو المتعارف في الغسل بالماء القليل ، ولا يقدح في حصول الطهارة له رسوب الرطوبة النجسة في الخلل والمسام بواسطة الطبخ ، لحصول الطهارة بالتبعية. وقريب منها رواية زكريا بن آدم المتقدمة في نجاسة الخمر‌ (2) ، و‌رواية ابن جعفر (ع) : « عن أكسية المرعزي والخفاف تنقع في البول أيصلى عليها؟ قال (ع) : إذا غسلت بالماء فلا بأس » (3) ‌والمناقشة في النصوص من جهة عدم ظهورها في كون موردها مما تنجس فيه الباطن ، لعدم كون الرطوبة الداخلة في العمق من الرطوبة المسرية ، بل من الجائز أن تكون غير سارية فلا تنجس. بعيد في بعض مواردها بل لعله خلاف إطلاقها. وكذا في عدم ظهورها في طهارة الباطن بالغسل بل من الممكن أن تدل على طهارة الظاهر ، فان هذه المناقشة أيضاً بعيدة والمناقشة في السند ـ مع أنها لا تطرد في الجميع ـ يمكن دفعها بجبرها بالعمل ـ كما حكي ـ والمقام بعد مجال للتأمل. والله تعالى هو الموفق.

____________

(1) الوسائل باب : 5 من أبواب الماء المضاف حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 38 من أبواب النجاسات حديث : 8.

(3) الوسائل باب : 71 من أبواب النجاسات حديث : 2.

44

نعم لو نفذ فيه عين البول ـ مثلا ـ مع بقائه فيه يعتبر تجفيفه [1]. بمعنى : عدم بقاء مائيته فيه [2] ، بخلاف الماء النجس الموجود فيه ، فإنه بالاتصال بالكثير يطهر [3] فلا حاجة فيه إلى التجفيف.

( مسألة 17 ) : لا يعتبر العصر ونحوه فيما تنجس ببول الرضيع [4] وإن كان مثل الثوب [5] والفرش ونحوهما ، بل يكفي صب الماء عليه [6].

________________________________________________

[1] بل يكفي نفوذ الماء الطاهر المؤدي إلى استهلاكه.

[2] يعني : وإن بقيت رطوبته ، فإنها لا تمنع من وصول الماء إلى الأجزاء الباطنة ، فتطهر به.

[3] يعني : بناءً على كفاية مجرد الاتصال ، كما تقدم. لكن هذا لو كان ما في الباطن ماء ، أما لو كان رطوبة فاتصال الرطوبة بالمعتصم غير مطهر لها كما لا يخفى.

[4] كما يأتي وجهه.

[5] لإطلاق النص. بل لعله المتيقن منه.

[6] إجماعاً صريحاً وظاهراً ، محكياً عن جماعة ، منهم السيد والشيخ في الناصريات والخلاف. ويشهد به‌ حسن الحلبي المتقدم : « سألت أبا عبد الله (ع) عن بول الصبي. قال (ع) : تصب عليه الماء فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلاً. والغلام والجارية في ذلك شرع سواء » (1) ‌ولا مجال لتقييده بالعصر أو الانفصال بقرينة مقابلته بالغسل مع اتحاد المورد. ومنه يظهر لزوم حمل الصبي‌ في موثق سماعة : « سألته عن بول‌

____________

(1) الوسائل باب : 3 من أبواب النجاسات حديث : 2‌

45

مرة على وجه يشمل جميع أجزائه [1] وإن كان الأحوط مرتين [2]. لكن يشترط أن لا يكون متغذيا [3] معتاداً بالغذاء ولا يضر تغذيته اتفاقا نادراً ، وأن يكون ذكراً لا أنثى ، على الأحوط [4]. ولا يشترط فيه أن يكون في الحولين ،

________________________________________________

الصبي يصيب الثوب. فقال : اغسله .. » (1) ‌على من أكل ، حملاً للمطلق على المقيد. وقد تقدم الكلام في رواية الحسين الآمرة بالعصر‌ (2) فراجع.

[1] على ما قطع به الأصحاب ـ كما عن المدارك ـ وإن كان مقتضى الاكتفاء بالرش المحكي عن بعض عدم اعتبار الاستيعاب ، لكنه لا وجه له ، لأنه خلاف النص ، والإجماع.

[2] كما تقدم في المسألة الرابعة.

[3] كما عن البيان. وعن المعتبر والمنتهى ونهاية الأحكام وغيرها التعبير بـ « من لم يأكل » ، وعن العلامة (ره) نسبته الى المشهور. وفي الشرائع التعبير بالرضيع ولعل المراد واحد. ومقتضى الجمود على عبارة النص الاكتفاء بمطلق الأكل في وجوب الغسل ، وعدم الاكتفاء بالصب. إلا أن الظاهر منه لما كان هو الأكل المتغذي به ، الذي يتعارف للأطفال بعد شهور من ولادتهم ، لأنه المنصرف اليه ، وإلا تعلق الحكم بأول الولادة ، لاستحباب تحنيكه بالتمر ، كما عن المنتهى ( فتأمل ) وجب تقييده به.

[4] وعن المشهور الجزم به ، بل عن المختلف الإجماع عليه ، وفي الجواهر : « لعله لا خلاف فيه ». للأمر بالغسل من بول الأنثى‌

____________

(1) الوسائل باب : 3 من أبواب النجاسات حديث : 3.

(2) تقدم في المسألة الرابعة.

46

بل هو كذلك ما دام بعد رضيعاً غير متغذ وإن كان بعدهما [1].

________________________________________________

في رواية السكوني عن جعفر (ع) عن أبيه : « ان علياً (ع) قال : لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم ، لأن لبنها يخرج من مثانة أمها ، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا من بوله قبل ان يطعم لأن لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين » (1). وقصور ذيل حسن الحلبي‌ عن إثبات مساواتهما في ذلك ، لاختصاصه بالجارية التي لا تعم الرضيعة. وإرادة الأعم منها غير ظاهرة ، لعدم القرينة عليه ، واستعمالها فيها في رواية السكوني مجاز ، وكون الغلام أعم من الرضيع ـ لو سلم ، كما عن الأزهري ، والثعالبي. ويشهد له الاستعمال في القرآن المجيد وغيره وتقدم في رواية السكوني ـ أو أنه محتمل لذلك ـ كما قد يظهر من القاموس ـ لا يصلح قرينة عليه. مع أن تقييد الغلام بغير الرضيع ، على تقدير عمومه ، أولى من التجوز في الجارية بحملها على ما يعم الرضيعة ولا سيما وأنه يساعده العدول عن التعبير بالصبي ـ كما في السؤال ـ إلى التعبير بالغلام ، فان العدول يناسب أن يكون المراد بالغلام غير المراد بالصبي. وعلى هذا فالمراد من اسم الإشارة في قوله (ع) : « في ذلك » ‌هو وجوب الغسل المجعول في الحديث لغير الرضيع. ومنه يظهر عدم ثبوت نسبة إلحاق الأنثى بالذكر إلى الصدوقين ، لاتحاد عبارتهما مع عبارة النص ، كما قيل.

[1] أخذاً بإطلاق النص. خلافاً للمحكي عن السرائر ، وروض الجنان ، بل جامع المقاصد ، والمسالك ، حيث قيدوه بما لم يتجاوز سن الرضاعة. وكأنه لدعوى الانصراف ، ولكنها غير ظاهرة. أو لقوله (ع) :

____________

(1) الوسائل باب : 3 من أبواب النجاسات حديث : 4.

47

كما أنه لو صار معتاداً بالغذاء قبل الحولين لا يلحقه الحكم المذكور ، بل هو كسائر الأبوال. وكذا يشترط في لحوق الحكم أن يكون اللبن من المسلمة ، فلو كان من الكافرة لم يلحقه [1]. وكذا لو كان من الخنزيرة.

( مسألة 18 ) إذا شُك في نفوذ الماء النجس في الباطن في مثل الصابون ونحوه بني على عدمه [2] ، كما أنه إذا شك‌

________________________________________________

« لا رضاع بعد فطام » (1) ‌، بناء على أن يكون المراد منه سن الفطام ـ كما فهمه الأصحاب ، ويستفاد من بعض النصوص‌ (2) ـ وعموم النفي التنزيلي يقتضي شمول المقام « وفيه » : أنه يتم لو كان الأثر الشرعي للرضاع وعدمه ، والمذكور في النص الأكل وعدمه ، فالرضاع ليس موضوعاً للأثر.

[1] لما يستفاد من التعليل المذكور في رواية السكوني من وجوب الغسل لكل بول لذي لبن نجس. وعدم حجيته في نجاسة لبن الأنثى ، أو في كون خروجه من المثانة ـ لو سلم ـ لا يمنع من حجيته فيما ذكر ، لإمكان التفكيك بين الدلالات في الحجية. ولازم ذلك الحكم بوجوب الغسل فيما لو رضع من لبن خنزيرة أو كلبة ، بل لو ارتضعت الأنثى من لبن الذكر وبالعكس انعكس الحكم. إلا أن يقال : بعد عدم إمكان العمل بالرواية في موردها ، إما لقصور سندها ، أو للعلم بإرادة خلاف ظاهرها وردها إلى قائلها (ع) ، لا مجال للعمل بظاهر التعليل ، لعدم إمكان التفكيك عرفا بين مداليلها ، وإن جاز في بعض الموارد التي ليس مثلها المقام.

[2] للأصل فيه وفيما بعده.

____________

(1) راجع الوسائل باب : 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

(2) الوسائل باب 5 : من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث : 5 ، 9.

48

بعد العلم بنفوذه في نفوذ الماء الطاهر فيه بني على عدمه ، فيحكم ببقاء الطهارة في الأول ، وبقاء النجاسة في الثاني.

( مسألة 19 ) : قد يقال بطهارة الدهن المتنجس إذا جعل في الكر الحار بحيث اختلط معه [1] ، ثمَّ أخذ من فوقه بعد برودته. لكنه مشكل ، لعدم حصول العلم بوصول الماء إلى جميع أجزائه ، وإن كان غير بعيد [2] إذا غلى الماء مقداراً من الزمان.

________________________________________________

[1] قال العلامة (ره) في محكي التذكرة : « لو طرح الدهن في ماء كثير ، وحرّكه حتى تخلل الماء أجزاء الدهن بأسرها طهر. وللشافعية قولان ».

[2] وفي الجواهر : « أنه بعيد ممتنع » ، وفي المستند : « قيل باستحالة مداخلة الماء جميع أجزائه ».

أقول : الوجه في استحالته ابتناؤه على القول بوجود الجزء الذي لا يتجزأ ، وقد بُرهن على امتناعه في محله ، ولو بني على إمكانه فلا تبعد دعوى استحالته عادةً ، لاختلافه مع الماء ثقلاً ، المؤدي إلى انفصال أحدهما عن الآخر طبعاً ، لا أقل من أن ذلك مانع عن حصول العلم بمداخلة الماء جميع أجزائه. مع أنه لو سلم حصول العلم بذلك ، فلا دليل على حصول الطهارة به ، وإطلاق مطهرية الماء إنما يصح التمسك به بعد إحراز قابلية المحل ، وهو غير حاصل. ولذا كان بناء الأصحاب على عدم طهارة المائعات غير الماء إلا بالاستهلاك ، كما سبق. وإلى ذلك تشير الأخبار الآمرة بإلقاء السمن والزيت الجامدين إذا ماتت فيهما فأرة‌ (1).

____________

(1) الوسائل باب : 43 من أبواب الماء المضاف حديث : 1 وفي باب : 43 من الأطعمة المحرمة أحاديث أخر دالة على المطلب.

49

( مسألة 20 ) : إذا تنجس الأرز أو الماش أو نحوهما ، يجعل في وصلة ( خرقة ) ويغمس في الكر ، وإن نفذ فيه الماء النجس يصبر حتى يعلم نفوذ الماء الطاهر الى المقدار الذي نفذ فيه الماء النجس [1] ، بل لا يبعد تطهيره بالقليل [2] ، بأن يجعل في ظرف ويصب عليه ، ثمَّ يراق غسالته ، ويطهر الظرف أيضاً بالتبع [3] ، فلا حاجة إلى التثليث فيه ، وإن كان هو الأحوط. نعم لو كان الظرف أيضاً نجساً فلا بد من الثلاث.

( مسألة 21 ) : الثوب النجس يمكن تطهيره بجعله في طشت وصب الماء عليه [4] ثمَّ عصره ، وإخراج غسالته وكذا اللحم النجس.

________________________________________________

[1] على ما سبق في المسألة السادسة عشرة.

[2] هذا في صورة عدم نفوذ الماء النجس واضح ، لوضوح إمكان استيلاء الماء القليل على السطح الظاهر ، أما في صورة نفوذه فهو مبني على ما سبق.

[3] لسكوت الصحيح‌ (1) عن التعرض لوجوب تطهير المركن بعد الغسلة الأولى والثانية ، فإنه ظاهر في طهارته بالتبع ، ويساعده الارتكاز العرفي. وكذا الحال في الطشت في المسألة الآتية. ويأتي إن شاء الله في التاسع من المطهرات.

[4] كما هو محمل صحيح ابن مسلم‌ (2) عند القائلين باعتبار الورود وأما بناء على عدم اعتباره فيجوز أيضاً وضع الماء أولاً ، ثمَّ وضع الثوب فيه. وكذا الحال في اللحم.

____________

(1) وهو صحيح محمد بن مسلم المتقدم في اشتراط الورود في التطهير بالماء.

(2) تقدم في اشتراط الورود في التطهير بالماء.

50

ويكفي المرة في غير البول ، والمرتان فيه ، إذا لم يكن الطشت نجساً قبل صب الماء ، وإلا فلا بد من الثلاث [1] والأحوط التثليث مطلقاً.

( مسألة 22 ) : اللحم المطبوخ بالماء النجس أو المتنجس بعد الطبخ يمكن تطهيره في الكثير ، بل القليل إذا صب عليه الماء [2] ونفذ فيه الى المقدار الذي وصل إليه الماء النجس [3].

( مسألة 23 ) : الطين النجس اللاصق بالإبريق يطهر بغمسه في الكر ونفوذ الماء إلى أعماقه ، ومع عدم النفوذ يطهر ظاهره ، فالقطرات التي تقطر منه بعد الإخراج من الماء طاهرة وكذا الطين اللاصق بالنعل. بل يطهر ظاهره بالماء القليل أيضاً ، بل إذا وصل إلى باطنه ـ بان كان رخواً ـ طهر باطنه أيضاً به [4].

( مسألة 24 ) : الطحين والعجين النجس يمكن تطهيره بجعله خبزاً ، ثمَّ وضعه في الكر حتى يصل الماء الى جميع أجزائه [5] ،

________________________________________________

[1] لقصور النص عن إثبات الطهارة بالتبعية.

[2] كما هو مقتضى إطلاق روايتي السكوني وزكريا المتقدمتين (1) وغيرهما.

[3] لعله خلاف إطلاق الروايتين ، كما عرفت في المسألة السادسة عشرة.

[4] تقدم الكلام فيه. فراجع.

[5] هذا واضح على تقدير نفوذ الماء في العمق ، لعدم اعتبار الانفصال لكن عرفت الإشكال في النفوذ ، والنصوص المتقدمة (2) لا تدل على‌

____________

(1) تقدم ذكرهما في ذيل المسألة السادسة عشرة.

(2) تقدمت في المسألة السادسة عشرة.

51

وكذا الحليب [1] النجس بجعله جبناً ووضعه في الماء كذلك.

( مسألة 25 ) : إذا تنجس التنور يطهر بصب الماء في أطرافه من فوق الى تحت ، ولا حاجة فيه إلى التثليث ، لعدم كونه من الظروف ، فيكفي المرة في غير البول ، والمرتان فيه والأولى أن يحفر فيه حفيرة يجتمع الغسالة فيها [2] ، وطمها بعد ذلك بالطين الطاهر.

( مسألة 26 ) : الأرض الصلبة أو المفروشة بالآجر والحجر تطهر بالماء القليل إذا أجرى عليها ، لكن مجمع الغسالة يبقى نجساً ، ولو أريد تطهير بيت أو سكة فإن أمكن إخراج ماء الغسالة ـ بأن كان هناك طريق لخروجه ـ فهو ، وإلا يحفر حفيرة ليجتمع فيها ، ثمَّ يجعل فيها الطين الطاهر ، كما ذكر في التنور. وإن كانت الأرض رخوة ، بحيث لا يمكن إجراء الماء عليها ، فلا تطهر إلا بإلقاء الكر أو المطر أو الشمس. نعم إذا كانت رملاً يمكن تطهير ظاهرها بصب الماء عليها‌

________________________________________________

إمكان تطهيرها ، لأن موردها النجاسة بعد الانجماد لا قبله ، كما في الفرض كما عرفت أيضاً الإشارة إلى إمكان تطهيرها بالقليل على تقدير نفوذه في عمقها ، وانفصاله بتوالي الصب.

[1] الإشكال في الحليب هو الإشكال في الدهن المتنجس وغيره من المائعات ، وقد تقدم في مبحث الماء المضاف أنها لا تطهر إلا بالاستهلاك لعدم الدليل على طهارتها بما ذكر ، حتى لو قلنا بوجود الجزء الذي لا يتجزأ.

[2] هذا لا يرتبط بطهارة نفس التنور ، وانما يتوقف عليه طهارة أرضه ، لنجاسة ما يستقر فيه ماء الغسالة.

52

ورسوبه في الرمل فيبقى الباطن نجساً بماء الغسالة ، وإن كان لا يخلو عن إشكال [1] ، من جهة احتمال عدم صدق انفصال الغسالة.

( مسألة 27 ) : إذا صبغ ثوب بالدم لا يطهر ما دام يخرج منه الماء الأحمر [2]. نعم إذا صار بحيث لا يخرج منه طهر بالغمس في الكر أو الغسل بالماء القليل. بخلاف ما إذا صبغ بالنيل النجس ، فإنه إذا نفذ فيه الماء في الكثير بوصف الإطلاق يطهر وإن صار مضافاً أو متلوناً بعد العصر كما مر سابقاً [3].

( مسألة 28 ) : فيما يعتبر فيه التعدد لا يلزم توالي الغسلتين أو الغسلات [4] ، فلو غسل مرة في يوم ، ومرة أخرى في يوم آخر ، كفى. نعم يعتبر في العصر الفورية بعد صب الماء على الشي‌ء المتنجس [5].

________________________________________________

[1] تقدم دفعه في المسألة السادسة عشرة.

[2] لبقاء عين النجاسة المانع من حصول التطهير منها.

[3] يعني : في صدر الفصل ، ومر أيضاً بعض الكلام فيه. فراجع.

[4] للإطلاق.

[5] قد يختلف اعتبارها وعدمه باختلاف دليل اعتبار العصر ، فان كان هو الأمر به في النصوص ، أو دخوله في مفهوم الغسل ، أو ظهور المقابلة بينه وبين الصب ، لم تجب الفورية ، للإطلاق ، وكذا لو كان هو الإجماع ، حيث لا يكون لمعقده إطلاق ، فإن المرجع مع الشك إطلاقات الغسل. وإن كان دليل اعتبار العصر الأصل ـ لعدم الإطلاق من جهة‌