مستمسك العروة الوثقى - ج6

- السيد محسن الطباطبائي الحكيم المزيد...
616 /
3

فصل

واجبات الصلاة أحد عشر : النية [1] ، والقيام ، وتكبيرة الإحرام ، والركوع ، والسجود ، والقراءة ، والذكر والتشهد ، والسلام ، والترتيب ، والموالاة.

________________________________________________

بِسم اللهِ الرحمن الرحِيم

الحمد لله ربّ الْعالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

فصل

[1] أما وجوب النية في الجملة : فمما لا خلاف فيه ولا إشكال ، بل ينبغي عده من الضروريات ، بل لا كلام ظاهر في بطلان الصلاة بتركها عمداً وسهواً ، وفي الجواهر : « إجماعاً منا محصلا ومنقولا مستفيضاً أو متواتراً ، بل من العلماء كافة في المحكي عن المنتهى والتذكرة ، بل عن التنقيح : لم يقل أحد بأنها ليست بركن » وقد أطالوا البحث في أنها جزء أو شرط ولهم في ذلك وجوه لا تخلو من إشكال أو منع.

هذا ولأجل أنه لا ريب في صحة قولنا : ( أردت الصلاة فصليت ) بلا عناية ولا تجوز ، لا تكون جزءاً من المسمى ولا شرطاً له ، إذ على الأول يلزم اتحاد العارض والمعروض ، وعلى الثاني يلزم تقدم الشيء على نفسه ، لأن قيد المعروض كذاته مقدم على العارض. كما أنها ليست جزءاً من موضوع الأمر ولا شرطاً له ، لأنها ليست اختيارية ، ويمتنع تعلق

4

والخمسة الأولى أركان [1] ، بمعنى أن زيادتها ونقيصتها عمداً وسهواً موجبة للبطلان ، لكن لا يتصور الزيادة في النية ـ بناء على الداعي [2] وبناء على الاخطار غير قادحة [3]،

________________________________________________

الأمر بما لا يكون اختيارياً ، سواء أكان لعدم اختيارية جزئه أم لعدم اختيارية شرطه وقيده ، فلو فرض قيام دليل على كونها جزءاً أو شرطاً لما ذكر وجب التصرف فيه وتأويله. نعم لا مانع من كونها شرطاً لموضوع المصلحة بأن تكون الصلاة بما هي هي مقتضياً للمصلحة ، وبما هي مرادة علة تامة لها ، فلا تكون النية حينئذ جزء المؤثر ، بل هي شرط لتأثيره لا غير. فان كان مراد القائل بالشرطية ذلك فنعم الوفاق ، وإلا ففيه ما عرفت. ولأجل أنه لا ثمرة مهمة في تحقيق كونها جزءاً أو شرطاً كان الاقتصار على هذا المقدار من البحث عن ذلك أولى. هذا وسيجيء إن شاء الله تعالى التعرض لدليل وجوب كل واحد من الواجبات الأخر المذكورة في الفصل المعدّ له.

ثمَّ إن عد الواجبات أحد عشر لا يخلو من مناقشة ، فإن من واجبات الصلاة الطمأنينة ، والاعتماد على المساجد السبعة في السجود ، وغير ذلك. إلا أن يكون المراد عد الواجبات العرضية لا الواجبات في الواجبات ، لكن عليه لا ينبغي عد القيام من الواجبات في قبال التكبير والقراءة والركوع لوجوبه حالها. اللهم إلا أن يكون المراد منه القيام بعد الركوع. فتأمل. والأمر سهل.

[1] كما يأتي في محله ، ويأتي أيضاً المراد من الركن ، فقد اختلفت فيه كلماتهم ، وخصه بعضهم بما تقدح نقيصته عمداً وسهواً.

[2] لاعتبار استمراره المانع من صدق الزيادة.

[3] إجماعا ، بل لعلها راجحة لأنها نحو من كمال العبادة. فتأمل.

5

والبقية واجبات غير ركنية ، فزيادتها ونقصها عمداً موجب للبطلان لا سهواً.

فصل في النية

فصل في النية وهي القصد إلى الفعل [1] بعنوان الامتثال [2] والقربة ويكفي فيها الداعي القلبي [3] ،

________________________________________________

فصل في النية

[1] كما عن جماعة ، وفسرت أيضاً بالعزم وبالإرادة ، والمقصود من الجميع : الإشارة إلى المعنى المفهوم منها عرفا ، وإلا فليست النية مرادفة للقصد ولا للعزم ولا للإرادة ، لاختلافها في المتعلقات الملازم للاختلاف في المفهوم.

[2] يعني : موافقة الأمر ، والظاهر أنه مأخوذ من قولهم : مَثُل بين يديه مثولا : إذا انتصب قائماً تعظيما له وإجلالا لشأنه ، فهو كناية عن استشعار مشاعر العبودية والبروز بمظهر من مظاهرها ، وأما القربة فهي من غايات ذلك الامتثال كما يأتي.

[3] كما عن جماعة من محققي المتأخرين ، منهم الأردبيلي والبهائي والخوانساري وصدر الدين الشيرازي ، بل استقر عليه المذهب في الأعصار الأخيرة ، ومرادهم من الداعي : الإرادة الإجمالية المرتكزة في النفس ، التي بها يكون الفعل اختيارياً عمدياً ، وإن لم يكن موضوعها ملتفتاً اليه فعلا ، والتعبير عنها بالداعي لا يخلو من مسامحة ، إذ الداعي عبارة عن الجهة المرجحة لوجود الشيء على عدمه التي تكون بوجودها العلمي علة

6

ولا يعتبر فيها الاخطار [1]

________________________________________________

لتعلق الإرادة به.

[1] يعني : إخطار صورة الفعل وإحضارها في الذهن تفصيلا بوجهه الأولي المأخوذ موضوعاً للأمر ، كما يظهر من كلام غير واحد ، أو ولو إجمالا بوجه من الوجوه الحاكية ، والمشهور بين الأصحاب اعتبار ذلك ، واعتبار مقارنتها للفعل ولو باتصال آخر جزء منها بأول جزء منه كما في القواعد قال : « ويجب انتهاء النية مع ابتداء التكبير بحيث لا يتخللهما زمان وإن قل » أو أنها بين الألف والراء من التكبير كما عن بعض ، قال في الذكرى : « ومن الأصحاب من جعل النية بأسرها بين الألف والراء ». أو أنها تقارن أول جزء من التكبير مستمرة إلى انتهائه كما في الذكرى قال : « فاعلم أنه يجب إحضار الذات والصفات ، والقصد إليها أن يجعل قصده مقارناً لأول التكبير ويبقى على استحضاره إلى انتهاء التكبير ». أو أن ابتداءها مقارن لأول جزء من التكبير وانتهاءها بانتهائه ـ كما في التذكرة ـ قال فيها : « الواجب اقتران النية بالتكبير بأن يأتي بكمال النية قبله ثمَّ يبتدئ بالتكبير بلا فصل ، وهذا تصح صلاته إجماعا ولو ابتدأ بالنية بالقلب حال ابتداء التكبير باللسان ثمَّ فرغ منهما دفعة فالوجه الصحة ».

هذا ، ولأجل أن حدوث الإرادة في النفس يتوقف على تصور المراد بماله من الفوائد تفصيلا أو إجمالا ، فالنزاع بين المشهور وغيرهم لا يكون في اعتبار الاخطار في الجملة وعدمه ، بل إنما يكون في اعتبار مقارنته لأول الفعل بأحد الوجوه المذكورة وغيرها وعدمه.

هذا ، ولا دليل ظاهر على اعتبار مقارنة الاخطار لأول الفعل ، إذ الثابت بالإجماع ليس إلا وجوب إيقاع الصلاة ونحوها من العبادات على

7

بالبال ولا التلفظ [1] ، فحال الصلاة وسائر العبادات حال سائر الأعمال والأفعال الاختيارية كالأكل والشرب والقيام والقعود ونحوها من : حيث النية. نعم تزيد عليها باعتبار القربة فيها [2] ،

________________________________________________

وجه العبادة ، ومن الواضح أنه يكفي في تحقق العبادية صدور الفعل عن إرادة الفاعل بداعي أمر الله سبحانه ، ولو كانت الإرادة ارتكازية غير ملتفت إلى موضوعها حال الفعل ، ويشهد له عدم اعتبارهم استمرار النية بالمعنى المذكور الى آخر الفعل ، واكتفاؤهم بالاستمرار الحكمي ـ يعني بقاء الإرادة ولو بحسب الارتكاز ـ مع أن من المعلوم أن عنوان العبادة كما يكون لأول الفعل يكون لآخره ، فاذا كان يكفي في عبادية آخره الإرادة الارتكازية المعبر عنها بالداعي فلم لا تكفي هي في عبادية أوله؟ والتفكيك بين الأول والآخر في ذلك غير ظاهر ، بل الظاهر من ارتكاز العقلاء خلافه.

[1] في ظاهر التذكرة : الإجماع على عدم اعتباره ، وقال في الذكرى : « ومحل النية القلب لأنها إرادة ولا يستحب الجمع عندنا بينه وبين القول للأصل ، ولعدم ذكر السلف إياه وصار اليه بعض الأصحاب لأن اللفظ أشد عوناً على إخلاص القصد ، وفيه منع ظاهر ، وعن البيان : أن الأقرب كراهته لأنه إحداث شرع وكلام بعد الإقامة ». وإن كان لا يخلو من نظر ، لأنه إن كان إحداث شرع فهو حرام ، والكلام بعد الإقامة منصرف عن مثل ذلك ، بل من المحتمل دخوله في الكلام المتعلق بالصلاة المستثنى من عموم المنع عن الكلام.

[2] فإنه لا بد منه عندنا ـ كما في التذكرة وعن المنتهى ـ بل

8

بأن يكون الداعي والمحرك هو الامتثال [1] والقربة. ولغايات الامتثال درجات :

أحدها ـ وهو أعلاها ـ [2] : أن يقصد امتثال أمر الله لأنه تعالى أهل للعبادة والطاعة ، وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين (ع) بقوله : « إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك » [3].

________________________________________________

إجماعا ـ كما عن المدارك والإيضاح والمنتهى ـ بل ظاهر الاعتذار عن ترك التعرض لها في الخلاف والمبسوط بأنه اعتماد على ضروريته أنه ضروري ، وما عن ابن الجنيد من استحبابه غير ثابت كما في الجواهر. نعم عن الانتصار صحة الصلاة المقصود بها الرياء وإن لم يكن عليها ثواب ، واحتمل في الجواهر تنزيله على صورة ضم الرياء الى الأمر وهو بعيد ، وكيف كان فلا ينبغي التأمل في اعتبارها وخلاف السيد إن ثبت فهو لشبهة.

[1] يعني أن يكون الموجب لإرادة الفعل أمر الله سبحانه ، وهو المعبر عنه بالامتثال كما عرفت ، وعرفت أيضاً أن عطف القربة عليه لا يخلو من مساهلة.

[2] لخلوه عن الجهات الراجعة الى العبد.

[3] في حاشية الحر على وسائله : « أنه لا تحضره روايته من طرقنا ولكن رواه بعض المتأخرين ، وكأنه من روايات العامة » (1). نعم في

____________

(1) لم توجد هذه العبارة على هامش النسخ المطبوعة. وانما هو فيما صححه الشارح ـ دام ظله ـ من الوسائل على هامش باب : 9 من أبواب مقدمة العبادات.

هذا وقد روى صاحب الوافي هذا الحديث مرسلا عند شرح الحديث : 1 من الباب : 18 ( نية العبادة ) من أبواب جنود الايمان من الفصل الرابع من الجزء الثالث : ج : 1 ص : 326 الطبعة الحجرية.

وكذلك في مرءات العقول : ج : 2 صفحة : 101. وبحار الأنوار : كتاب الخلق صفحة : 82.

9

الثاني : أن يقصد شكر نعمة التي لا تحصى.

الثالث : أن يقصد به تحصيل رضاه والفرار من سخطه.

الرابع : أن يقصد به حصول القربة إليه [1].

________________________________________________

نهج البلاغة : « إن قوماً عبدوا الله تعالى رغبة فتلك عبادة التجار ، وإن قوما عبدوا الله تعالى رهبة فتلك عبادة العبيد ، وان قوما عبدوا الله تعالى شكراً فتلك عبادة الأحرار » (1). وفي رواية هارون بن خارجة عن أبي عبد الله (ع) : « العبادة ثلاثة قوم عبدوا الله عز وجل خوفا فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء وقوم عبدوا الله عز وجل حباً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة » (2) وقريب منها ما في رواية يونس بن ظبيان ، (3) وقد تقدم في نية الوضوء ما له نفع في المقام فراجع.

[1] الظاهر أن المراد به في كلام الأصحاب وفيما ورد في الكتاب المجيد والسنة والأدعية القرب المكاني الادعائي بملاحظة ما يترتب على القرب المكاني الحقيقي من الفيوضات الخيرية فهو نظير قوله تعالى ( إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) ، (4) لا القرب المكاني الحقيقي كما هو ظاهر ، ولا القرب الروحاني الناشئ من مزيد التناسب في الكمالات ، فإنه خلاف الظاهر منه ، وان قيل إنه المراد. هذا والقرب المكاني الادعائي راجع الى بعض ما ذكر من الغايات ، لا أنه في عرضها فلا يحسن عده في قبال كل واحد منها.

____________

(1) الوسائل باب : 9 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 9 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 9 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 2.

(4) الأعراف : 56.

10

________________________________________________

الخامس : أن يقصد به الثواب ورفع العقاب [1] ، بأن يكون الداعي إلى امتثال أمره رجاء ثوابه وتخليصه من النار ، وأما إذا كان قصده ذلك على وجه المعاوضة [2] من دون أن يكون برجاء إثابته تعالى فيشكل صحته ، وما ورد من صلاة الاستسقاء وصلاة الحاجة إنما يصح إذا كان على الوجه الأول.

( مسألة 1 ) : يجب تعيين العمل [2] إذا كان ما عليه فعلا متعددا ،

[1] المشهور بطلان العبادة المأتي بها بداعي ما ذكر ، بل عن العلامة (رحمه الله) في جواب المسائل المهنائية اتفاق العدلية على عدم استحقاق الثواب بذلك ، وعن تفسير الرازي اتفاق المتكلمين على البطلان ، وفيه أنه مخالف لسيرة العقلاء والمتشرعة ، ولما ورد في الكتاب والسنة من بيان مراتب الجزاء من ثواب وعقاب على الطاعات والمعاصي خصوصاً ما ورد في بعض العبادات كصلوات الحاجات وصومها ، ولعل مرادهم الصورة الآتية.

[2] بأن يقصد الامتثال مقيداً بالثواب ورفع العقاب فيكونان ملحوظين على وجه التقييد كما هو الحال في فعل الأجير الذي يفعل بقصد الأجرة لا على نحو الداعي كما ذكر أولا والظاهر عدم صحة العبادة بذلك ، فإنه ليس من مظاهر العبودية ، ولا فرق في البطلان بين صورتي العلم بالترتب وعدمه ، كما لا فرق بينهما في الصحة لو أخذ على نحو الداعي.

[3] كما هو المشهور المعروف ، وعن المنتهى نفي الخلاف فيه ، وعن التذكرة والمدارك الإجماع عليه ، إذ قد عرفت أن قوام العبادية صدور الفعل عن إرادة واختيار بداعي الأمر المتعلق به ، فاذا كان الواجب قد اعتبر فيه خصوصية فمع عدم قصدها لم يقع تمام الواجب عن اختيار ، كما أنه يمتنع

11

________________________________________________

صدوره عن أمره ، لأن الأمر إنما يدعو الى ما تعلق به فلا يدعو الى غيره ، فاذا كان على المكلف ظهر وعصر وفرض أن الظهر غير العصر بشهادة صحة إحداهما بعينها دون الأخرى ، فإذا قصد إتيان إحدى الصلاتين لا بعينها بطلت ، لفوات قصد الخصوصية الموجب لفوات حيثية الصدور عن الاختيار وعن داعي الأمر.

نعم يمكن أن يقال : إن اعتبار الاختيار في العبادات ليس في قبال اعتبار صدوره على وجه العبادة ، إذ لا دليل على ذلك وإنما اعتباره لأجل دخله في ذلك لتوقف العبادية على صدور الفعل عن اختيار ، وعلى هذا فالوجه في اعتبار التعيين هو توقف العبادية عليه ، لأنه لا يمكن صدور الفعل عن داعي الأمر إلا مع التعيين كما ذكرنا ، فلو فرض عدم التوقف عليه لأجل خطأ المكلف واشتباهه كما سيأتي في المسألة الثالثة ، فلا دليل على وجوبه ، فقولهم : يجب التعيين. على إطلاقه لا يخلو من نظر ، كما أن من ذلك ظهر أيضاً أنه لا يتوقف اعتباره في عبادية العبادة على تعدد المأمور به ، فلو كان متحداً اعتبر تعيينه أيضاً وقصد تمام خصوصياته.

نعم تفترق صورة التعدد عن صورة الاتحاد بأنه يتأتى له قصد الخصوصية إجمالا في الثانية بمجرد قصد ما هو الواجب عليه فعلا ، ولا يتأتى ذلك في الأول ، لكنه فرق في مقام الفراغ لا في مقام الوجوب على ما يظهر من المتن وغيره ، كما أن اعتبار التعيين فرع وجود التعين في المأمور به فاذا لم يكن له تعين كما لو وجب عليه صوم يومين لم يجب التعيين لعدم التعين ومن هذا القبيل ما لو تعدد المأمور به لتعدد سببه سواء اتحد السبب بحسب الحقيقة كما لو نذر صوم يوم إن شفي ولده ، ونذر صوم يوم آخر إن رزق مالا ، فإنه إذا شفي ولده ورزق مالا وأراد الوفاء بالنذر لم يجب عليه التعيين ، بأن بقصد الصوم الواجب لشفاء الولد أو لرزق المال ، بل

12

ولكن يكفي التعيين الإجمالي ، كأن ينوي ما وجب عليه أولا من الصلاتين مثلا أو ينوي ما اشتغلت ذمته به أولا أو ثانياً ، ولا يجب مع الاتحاد.

( مسألة 2 ) : لا يجب قصد الأداء والقضاء [1] ،

________________________________________________

لا مجال لذلك التعيين ، لأن المفروض أن المنذور مجرد صوم اليوم ، والخصوصية المذكورة ليست منذورة ، ولا قيداً للمنذور ، ومثله ما لو سها في الركعة الأولى ثمَّ في الثانية ، فإنه لا مجال لتعيين السجود الواجب للسهو بالسهو الخاص ، بأن يقصد سجدتي السهو عن السهو الواقع في الركعة الأولى مثلا. لأن تلك الخصوصية غير دخيلة في المأمور به فلا معنى لقصدها. أم اختلف السبب بحسب الحقيقة كما لو نذر أن يصوم يوماً ، وحلف أن يصوم يوماً آخر ، فإنه حينئذ يكون كما لو وجب عليه صوم يومين.

ثمَّ إن اعتبار الخصوصية في موضوع ( تارة ) يستفاد من ظاهر الدليل لأخذها قيداً في موضوع الأمر ( وأخرى ) يستفاد من اللوازم والآثار مثل الظهر والعصر ونافلة الفجر وفريضته وصلاة الزيارة ونحوها ، فإنها وان تشاكلت بحسب الصورة لكنها مختلفة في الخصوصيات ، بشهادة صحة واحدة بعينها إذا نواها بعينها وعدم صحة الأخرى ، فإن ذلك يكشف عن انطباق ما صحت على المأتي وعدم انطباق الأخرى عليه ، وليس ذلك إلا لأجل الاختلاف في الخصوصيات التي تنطبق ولا تنطبق ـ كما هو ظاهر ـ هذا وكلماتهم في المقام لا تخلو من تشويش واضطراب.

[1] كما اختاره جماعة لعدم الدليل على اعتباره وعدم توقف العبادية عليه خلافاً للمشهور. بل ظاهر محكي التذكرة الإجماع عليه : من اعتبار ذلك. وعلل بأن الفعل مشترك فلا يتخصص لأحدهما إلا بالنية. وفيه أن ذلك لو تمَّ لم يكن اعتباره زائداً على اعتبار التعيين ، فلا مقتضى لجعله في

13

ولا القصر والتمام [1] ، ولا الوجوب والندب إلا مع توقف التعيين على قصد أحدهما ، بل لو قصد أحد الأمرين في مقام الآخر صح إذا كان على وجه الاشتباه في التطبيق ، كأن قصد

________________________________________________

قبال شرط التعيين ـ مع أن توقف التعيين عليه مطلقاً غير ظاهر. وكذا الحال في اعتبار قصد الوجوب والندب دعوى ودليلا.

[1] بلا خلاف أجده مع عدم التعدد في الذمة ولا التخيير ، بل في المدارك نسبته إلى قطع الأصحاب كما عن شرح النفلية الاتفاق عليه ، كذا في الجواهر. ودليله غير ظاهر ، فان القصر والتمام من القيود المأخوذة في موضوع الأمر ، فقصدها لا بد منه ، كقصد الجزء ، لما عرفت من وجوب التعيين. وما في الجواهر من أن القصرية والتمامية من الأحكام اللاحقة كما ترى ، لوضوح دخلهما في الموضوع ، فان القصر والتمام عبارة عن كون الصلاة ركعتين بشرط لا أو أربع ركعات ، فكيف يكونان من الأحكام اللاحقة؟ ولو بني على كون صلاتي القصر والتمام حقيقتين مختلفتين كان الأمر أظهر.

نعم قد عرفت الإشارة إلى أنه لا يعتبر قصد المأمور به بخصوصياته تفصيلا ، وأنه يكفي قصده إجمالا. فلو قصد القصر أو التمام إجمالا كما لو جهل أن حكمه القصر أو التمام فأتم بمن يعلم أنه يؤدي مثل ما وجب عليه ، فقصد أن يفعل مثل فعل إمامه فقصر الإمام أو أتم وتابعه المأموم في تمام الصلاة صح لكونه قاصداً للقصر أو التمام إجمالا ، ولعل مراد المشهور من القصر والتمام عنواني صلاة المسافر والحاضر ، إذ هما من العناوين الطارئة الزائدة على ذات المأمور به التي لا يجب قصدها ، لا تفصيلا ولا إجمالا ، لكنه خلاف ظاهر التعبير وإن كان ذلك يقتضيه حسن الظن بمقامهم قدس الله أرواحهم.

14

امتثال الأمر المتعلق به فعلا وتخيل أنه أمر أدائي فبان قضائياً أو بالعكس ، أو تخيل أنه وجوبي فبان ندبياً أو بالعكس وكذا القصر والتمام [1] ، وأما إذا كان على وجه التقييد فلا يكون صحيحاً ، كما إذا قصد امتثال الأمر الأدائي ليس إلا ، أو الأمر الوجوبي ليس إلا ، فبان الخلاف فإنه باطل.

________________________________________________

[1] يعني إذا لحظ أحدهما تفصيلا عنواناً للمقصود خارجاً عنه بأن قصد إتيان ما هو الواجب عليه فعلا معتقداً أنه قصر أو تمام ، فان القول بالصحة حينئذ في محله لأنه قد قصد المأمور به على ما هو عليه من الخصوصيات التي منها القصر أو التمام ، فهما ملحوظان إجمالا قيداً للمأمور به ، وملاحظة خلاف ذلك تفصيلا غير قادحة. نظير ما لو قصد إتيان الفريضة الواجبة عليه فعلا معتقداً أنها عصر أو ظهر ، فإنها تصح وإن انكشف أنها على خلاف ما اعتقد.

ومما ذكرنا يظهر أن البناء على الصحة في الفرض لا ينافي ما تقدم منا من وجوب قصد القصر أو التمام قيداً للمأمور به تفصيلا أو إجمالا ، وليست الصحة في الفرض من لوازم عدم اعتبار قصد القصر أو التمام قيداً للمأمور به ، كما لا يخفى.

ومن ذلك يظهر لك الاشكال على من بنى على البطلان في الفرض لبنائه على وجوب قصد أحدهما لأنهما من قيود المأمور به ، كما يظهر أيضاً لك الاشكال على ما في المتن حيث بنى على عدم وجوب قصد القصر أو التمام مفرعا عليه الصحة في الفرض الذي لوحظ فيه أحدهما عنواناً خارجا عن المقصود من باب الخطأ في التطبيق ، إذ قد عرفت أن الصحة ليست من متفرعات عدم اعتبار قصد أحدهما بل تكون حتى بناء على اعتباره كما عرفت منا.

15

( مسألة 3 ) : إذا كان في أحد أماكن التخيير فنوى القصر ، يجوز له أن يعدل إلى التمام وبالعكس [1] ما لم يتجاوز محل العدول ، بل لو نوى أحدهما وأتم على الآخر من غير التفات إلى العدول فالظاهر الصحة [2]

________________________________________________

[1] لأجل أن الظاهر من أدلة القصر أن القصر والتمام حقيقة واحدة ، وليس الفرق بينهما إلا الفرق بين الشيء بشرط شيء والشيء بشرط لا ، فالقصر ركعتان بلا زيادة والتمام أربع ركعات ، فالتخيير بين القصر والتمام يكون من قبيل التخيير بين الركعتين بشرط لا ، والركعتين مع ركعتين أخريين لا مانع من الأخذ بإطلاق دليل التخيير الشامل للابتدائي والاستمراري ، فكما يكون المكلف مخيراً بين القصر والتمام قبل الدخول في الصلاة يكون مخيراً بعده.

نعم لو كان القصر والتمام حقيقتين مختلفتين نظير الظهر والعصر احتيج في جواز العدول من أحدهما إلى الآخر الى دليل ، والإطلاق لا يصلح لإثباته ، إذ لا تعرض فيه لإثبات قدرة المكلف على قلب الصلاة من ماهية إلى أخرى ، ولما كان الأصل عدم صحة العدول كان الحكم المنع عن العدول في الأثناء. نعم إطلاق التخيير الشامل للابتدائي والاستمراري يقتضي جواز العدول في الأثناء إلى التمام باستئناف التمام.

[2] قد عرفت في المسألة الأولى : أن التعيين إنما يجب إذا توقف صدور الفعل عن داعي الأمر عليه ، وليس وجوبه في عرض وجوبه ، فإذا أمر المولى عبده أن يشرب الماء فاعتقد أنه أمره بشرب الخل فاعتقد أن مائعاً معيناً خل فشربه فكان ماء كان شرب الماء المذكور طاعة وعبادة للمولى وإن لم يكن مقصوداً له ، وقوام العبادية الصدور بداعي أمر المولى لا غير ، وعليه لا مانع من صحة العبادة في الفرض ، إذ لم يفت منها إلا

16

ولا يجب التعيين حين الشروع أيضاً [1]. نعم لو نوى القصر

________________________________________________

قصد خصوصيتها ـ أعني القصرية أو التمامية ـ وذلك غير قادح لحصول قوام عباديتها ـ أعني الصدور بداعي أمر المولى ـ وليس قصد خصوصيتها مما له دخل في عباديتها.

نعم لو بني على دخله في العبادة في عرض قصد الامتثال كان البناء على البطلان في محله. لكن المبنى غير ظاهر ، ومراجعة بناء العرف والعقلاء شاهد على خلافه ، ولذا لا خلاف عندهم في حسن الانقياد وترتب الثواب على الفعل المنقاد به وإن وقع الخلاف في قبح التجرؤ وترتب العقاب على الفعل المتجرأ به.

وعلى هذا فلو التفت بعد الثالثة أو بعد الرابعة قبل السلام جاز له العمل على التمام ، ولا تلزم زيادة الركعة أو الركعتين لأن الإتيان بالركعة أو الركعتين كان عن أمرها فتكون في محلها ، وقد كان يختلج في البال : التفصيل بين ما لو كان يتخيل الاشتباه في العدد لاعتقاده أنه لم يأت بالثانية فتبطل الصلاة ، لأنه جاء بالركعة بعنوان كونها ثانية وليست كذلك فلم يؤت بها عن أمرها ، وبين ما لو كان الإتيان بالزائد على الركعتين لتخيل أنه حاضر وأنه عليه التمام فتصح الصلاة ، لأن الإتيان بالركعة كان عن أمرها ولو للخطإ في كونه حاضراً ، لكنه في غير محله ، لأن عنوان الركعة الثانية ليس من العناوين التقييدية ليفوت القصد بفواتها ، ولذا لو صلى الركعة الثانية باعتقاد أنها الأولى ثمَّ تبين بعد إكمالها أنها الثانية صحت الصلاة ـ كما أشرنا الى ذلك مفصلا في مباحث الوضوء ـ وسيأتي أيضاً في محله إن شاء الله تعالى ، فالبناء على الصحة في الجميع لا ينبغي الإشكال فيه.

[1] لأنه بعد ما عرفت من أن القصر والتمام حقيقة واحدة ، وأن

17

فشك بين الاثنين والثلاث بعد إكمال السجدتين يشكل العدول إلى التمام والبناء على الثلاث [1]

________________________________________________

الاختلاف بينهما من قبيل الاختلاف في الخصوصيات الفردية ، نظير الاختلاف بين الصلاتين ، في كون المقروء في إحداهما سورة التوحيد ، وفي الأخرى سورة العصر ، فالأمر المتعلق بالركعتين شخصي قائم بموضوع واحد ، فيمكن أن ينبعث المكلف إليهما من قبل ذلك الأمر الشخصي بهما بلا حاجة الى التعيين ، ولا توقف عليه ، لما عرفت من أن الوجه في اعتبار التعيين دخله في عبادية العبادة ، وفي المقام يمكن التعبد بالركعتين من دون تعيين تلك الخصوصية.

نعم لو بني على وجوب التعيين في عرض وجوب قصد الامتثال وجب حين الشروع ، بمناط وجوبه في سائر الموارد الأخرى ، لعدم الفرق ، فعدم وجوب التعيين في المقام ليس لعدم التعين ، ضرورة ثبوت التعين بالخصوصيات المميزة بين القصر والتمام ، بل لما ذكرنا من أن وجوبه لأجل تحصيل العبادية وفي المقام لا يتوقف حصولها على حصوله.

[1] الاشكال يحتمل أن يكون من جهة الشك في كونه في محل العدول لاحتمال بطلان الصلاة بزيادة ركعة ، وفيه أن أصالة عدم زيادة الركعة محكمة ، والبناء على عدم جريانها مع الشك في عدد الركعات لا ينافي جريانها هنا لإثبات الصحة ونفي البطلان ـ مع إمكان دعوى جريان أصالة الصحة في نفسها ، مع قطع النظر عن أصالة عدم الزيادة ، فإنها أصل برأسها. ويحتمل أن يكون من جهة أن الشك المذكور بمجرد حدوثه في الثنائية مبطل لها فلا موضوع للعدول.

وفيه : أن الظاهر مما دل على عدم صحة الشك في الثنائية هو عدم جواز المضي على الشك فيها ، لا أنه بنفسه مبطل كالحدث. وحينئذ بالعدول

18

وإن كان لا يخلو من وجه [1] بل قد يقال بتعينه والأحوط العدول والإتمام مع صلاة الاحتياط والإعادة.

( مسألة 4 ) : لا يجب في ابتداء العمل حين النية تصور الصلاة تفصيلا بل يكفي الإجمالي [2]. نعم يجب نية المجموع

________________________________________________

يرتفع موضوع الحكم المذكور.

[1] كما حكي عن جماعة بل ظاهر العلامة الطباطبائي المفروغية عنه. والتحقيق أن يقال : إن القصر والتمام إن كانا من حقيقة واحدة لم يجز له التسليم على الثنتين مع الشك المذكور ، لأنه مضي على الشك في الثنائية ، وله أن يختار التمام ويعمل عمل الشك بين الثنتين والثلاث ، وفي وجوب ذلك ـ كما عليه العلامة الطباطبائي (رحمه الله) ـ فراراً عن لزوم الابطال المحرم وعدم وجوبه ـ كما عن غيره ـ وجهان مبنيان على عموم حرمة إبطال العمل لمثل المقام وعدمه أقواهما الثاني ، وإن كانا حقيقتين مختلفتين بطلت الصلاة ، لأن السلام على القصر مضي على الشك في الثنائية والعدول الى التمام لا دليل على جوازه ـ كما عرفت في صدر المسألة ـ ، ولو فرض تمامية إطلاقات التخيير لإثباته أمكن الرجوع إليها في إثبات جواز التمام ، وإن لم يجز له القصر ، ويكون المقام نظير ما لو تعذر أحد فردي التخيير فان تعذره مانع من فعلية التخيير وإن لم يكن مانعاً من وجود مقتضية ، فيتمسك بالإطلاق لإثباته.

[2] لما عرفت من أن دليل اعتباره في العبادة ـ سواء أكان في عرض قصد الامتثال أم في طوله ـ لا يقتضي أكثر من اعتباره في الجملة ، ولا يقتضي اعتبار خصوص التصور التفصيلي كما سبق في تضعيف ما ذكره المشهور من اعتبار الاخطار.

19

من الأفعال جملة أو الأجزاء على وجه يرجع إليها ، ولا يجوز تفريق النية على الأجزاء على وجه لا يرجع إلى قصد الجملة [1] كأن يقصد كلا منها على وجه الاستقلال من غير لحاظ الجزئية.

( مسألة 5 ) لا ينافي نية الوجوب اشتمال الصلاة على الأجزاء المندوبة [2].

________________________________________________

[1] لأن كل واحد من الأجزاء مستقلا ليس موضوعاً للأمر فنيته كذلك ليست نية للمأمور به ، وكما أن وجوب كل منها في حال الانضمام كذلك تكون نية كل واحد منها فينويه في حال الانضمام لا غير.

[2] لأن الاشتمال على الأجزاء المندوبة لا يوجب كون الفرد المشتمل عليها مستحباً محضاً ليكون ذلك مانعاً من نية الوجوب ، بل المشتمل عليها يكون واجباً كغير المشتمل ، غاية الأمر : أنه يكون أفضل الفردين الواجبين تخييراً فيكون واجباً وجوبا مؤكداً بناء على أن الأجزاء المستحبة وإن لم تكن أجزاء حقيقة لا من الماهية ولا من الفرد ، وإنما هي أمور مستحبة في الصلاة وغيرها من العبادات يؤتي بها بداعي استحبابها لكنها توجب تأكيداً في مصلحة الصلاة فتوجب تأكداً في وجوبها كما هو الظاهر. أما بناء على عدم ذلك فلا تأكد في وجوب الصلاة بوجه. ثمَّ إن الظاهر أنه لا فرق في صحة الصلاة المشتملة على الأجزاء المندوبة بين أن ينوي بفعل الأجزاء الوجوب وأن ينوي الندب.

ودعوى البطلان في الأول من جهة التشريع. مندفعة : بأن البطلان في التشريع يختص بما لو كان التشريع ملازما للانبعاث من قبل الأمر التشريعي ومجرد تشريع الوجوب للأجزاء المندوبة لا يقتضي كون الانبعاث الى الأجزاء الصلاتية الأصلية من قبل الأمر التشريعي ، لجواز الانبعاث إليها من قبل الأمر الوجوبي المتعلق بها ، غاية الأمر أنه يشرع أمراً وجوبياً للأجزاء

20

ولا يجب ملاحظتها في ابتداء الصلاة [1] ولا تجديد النية على وجه الندب حين الإتيان بها.

( مسألة 6 ) : الأحوط ترك التلفظ بالنية في الصلاة [2] خصوصاً في صلاة الاحتياط للشكوك ، وإن كان الأقوى الصحة معه [3].

( مسألة 7 ) : من لا يعرف الصلاة يجب عليه أن يأخذ من يلقنه [4] فيأتي بها جزءاً فجزءاً ويجب عليه أن ينويها أولا على الإجمال.

( مسألة 8 ) : يشترط في نية الصلاة بل مطلق العبادات الخلوص عن الرياء [5] فلو نوى بها الرياء بطلت ، بل هو

________________________________________________

المندوبة أو أنه تشريع في توصيف الأمر الندبي بها بأنه وجوبي وذلك لا يقتضي المحذور المتقدم.

[1] كما تقدم في مسألة عدم وجوب تعيين القصر والتمام في أماكن التخيير ، بل هنا أظهر لعدم كونها أجزاء حقيقة كما عرفت.

[2] لم أقف على قائل بالتحريم. نعم تقدم عن البيان أن اللفظ إحداث شرع ، لكن صرح (رحمه الله) بالكراهة ، فراجع ما تقدم في أول مبحث النية.

[3] قد توقف المصنف (رحمه الله) في مبحث صلاة الاحتياط في جواز فعل منافيات الصلاة بينها وبين صلاة الاحتياط ، فالجزم منه بالصحة هنا لا بد أن يكون من جهة دعوى عدم عموم الكلام المنافي للتلفظ بالنية ، لكنه غير ظاهر.

[4] هذا الوجوب من باب وجوب المقدمة العلمية.

[5] على المشهور المعروف شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً ، بل

21

من المعاصي الكبيرة لأنه شرك بالله تعالى. ثمَّ إن دخول الرياء في العمل على وجوه :

أحدها : أن يأتي بالعمل لمجرد إرادة الناس من دون

________________________________________________

عن غير واحد دعوى الاتفاق عليه إلا من المرتضى (رحمه الله) في الانتصار فذهب الى عدم بطلان العبادة بالرياء ، بل هي مجزية مسقطة للأمر وان لم يترتب عليها الثواب ، وكأن مراده عدم منافات الرياء بنحو الضميمة وإلا فاعتبار القربة في الصلاة وغيرها من العبادات من الضروريات التي لا ريب فيها فضلا عن الفتوى بخلافها. وكيف كان فقد عقد في الوسائل باباً طويلا لبطلان العبادة بالرياء (1) ، وآخر لتحريم قصد الرياء والسمعة بالعبادة (2) لكن أكثر الأخبار المذكورة فيهما غير خال عن المناقشة.

نعم ما يدل منها على حرمة الفعل المقصود به الرياء الملازمة للبطلان صحيح زرارة وحمران عن أبي جعفر (ع) : « لو أن عبداً عمل عملا يطلب به وجه الله تعالى والدار الآخرة وأدخل فيه رضى أحد من الناس كان مشركا » (3) وصحيح علي بن جعفر (ع) : « قال رسول الله (ص) : يؤمر برجال الى النار .. الى أن قال : فيقول لهم خازن النار : يا أشقياء ما كان حالكم؟ قالوا : كنا نعمل لغير الله فقيل لنا : خذوا ثوابكم ممن عملتم له » (4). ورواية السكوني : « قال النبي (ص) : إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به فاذا صعد بحسناته يقول الله عز وجل : اجعلوها في ( سجين ) إنه ليس إياي أراد به » (5) ، ونحوها غيرها. ودلالة الجميع

____________

(1) الوسائل باب : 12 من أبواب مقدمة العبادات.

(2) الوسائل باب : 11 من أبواب مقدمة العبادات.

(3) الوسائل باب : 11 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 11.

(4) الوسائل باب : 12 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 1.

(5) الوسائل باب : 12 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 3.

22

أن يقصد به امتثال أمر الله تعالى ، وهذا باطل بلا إشكال [1] لأنه فاقد لقصد القربة أيضاً.

الثاني : أن يكون داعيه ومحركه على العمل القربة وامتثال الأمر والرياء معاً ، وهذا أيضاً باطل سواء كانا مستقلين [2] أو كان أحدهما تبعاً والآخر مستقلا أو كانا معاً ومنضما محركا وداعياً.

الثالث : أن يقصد ببعض الأجزاء الواجبة الرياء ،

________________________________________________

على الحرمة غير قابلة للمناقشة ، وعرفت مكرراً أن من لوازم الحرمة البطلان لامتناع التقرب بما هو حرام.

[1] يعني حتى من السيد (رحمه الله) لما عرفت من أنه لا خلاف له في كون الصلاة عبادة ولا في اعتبار القربة في العبادة مطلقاً.

[2] لأجل أن الظاهر أنه يكفي في كون الفعل عبادة صلاحية الأمر للاستقلال في الداعوية إلى الفعل المأمور به وان كانت معه ضميمة مستقلة أو غير مستقلة لا بد في إثبات دعوى البطلان في هذه الصورة ، وكذا في أحد قسمي الصورة الثانية ـ أعني ما لو كان الأمر صالحاً للاستقلال في الداعوية والرياء لوحظ منضما الى الأمر مع كونه غير صالح للاستقلال ـ من الرجوع الى النصوص المشار إليها آنفاً ، ودلالة صحيح حمران وزرارة على البطلان فيهما لا قصور فيها ، وكذا دلالتها على البطلان في القسم الثاني من الصورة الثانية ـ أعني ما لو كان الرياء صالحاً للاستقلال في الداعوية والقربة غير صالحة لذلك ـ وكذا في الصورة الثالثة ، وإن كان يكفي أيضاً في دعوى البطلان فيها القواعد الأولية لعدم حصول قصد الامتثال على النحو المعتبر في العبادة كما تقدم في الوضوء.

23

وهذا أيضاً باطل وإن كان محل التدارك باقياً [1]. نعم في مثل الأعمال التي لا يرتبط بعضها ببعض ، أو لا ينافيها الزيادة في الأثناء كقراءة القرآن والأذان والإقامة إذا أتى ببعض الآيات أو الفصول من الأذان اختص البطلان به فلو تدارك بالإعادة صح.

الرابع : أن يقصد ببعض الأجزاء المستحبة الرياء كالقنوت في الصلاة ، وهذا أيضاً باطل على الأقوى [2].

الخامس : أن يكون أصل العمل لله لكن أتى به في مكان وقصد بإتيانه في ذلك المكان الرياء كما إذا أتى به في

________________________________________________

[1] مقتضى ظاهر النصوص : حرمة نفس العمل الذي وقع الرياء فيه ، فاذا كان الرياء في الجزء نفسه اختص بالبطلان ، ولا وجه لسراية البطلان الى غيره من الأجزاء ، اللهم إلا أن يدعى أنه يصدق على مجموع العمل أنه مما وقع فيه الرياء فيبطل. وفيه أن صدق ذلك مبني على المسامحة وإلا فموضوعه حقيقة نفس الجزء فيقدح فيه لا غير. نعم إذا بطل الجزء فان صدق أنه زيادة في المركب عمداً وكانت الزيادة فيه مبطلة له سرى البطلان إلى بقية الأجزاء ، ولا يجدي التدارك ، وإن لم تصدق الزيادة ، أو كانت غير مبطلة لعدم الدليل على إبطالها إمكان التدارك بفعل الجزء ثانياً مع الإخلاص وصح المركب.

[2] مقتضى ما سبق هو بطلان القنوت لا غير فيكون الحال كما لو صلى بلا قنوت فان صلاته صحيحة ، فالبناء على بطلان الصلاة إنما هو من جهة أن القنوت المرائي فيه مأتي به بقصد الجزئية ، فإذا بطل لزمت الزيادة العمدية التي لا يفرق في اقتضائها بطلان الصلاة بين أن تكون بالجزء الواجب والجزء المستحب ، لكن عرفت أن الأجزاء المستحبة ليست أجزاء للماهية

24

المسجد أو بعض المشاهد رياء ، وهذا أيضاً باطل [1] على الأقوى ، وكذا إذا كان وقوفه في الصف الأول من الجماعة أو في الطرف الأيمن رياء.

السادس : أن يكون الرياء من حيث الزمان [2] كالصلاة في أول الوقت رياء ، وهذا أيضاً باطل على الأقوى.

السابع : أن يكون الرياء من حيث أوصاف العمل. كالإتيان بالصلاة جماعة [3] أو القراءة بالتأني

________________________________________________

ولا أجزاء للفرد ، وإنما هي أمور مستحبة ظرفها الفعل الواجب فلا يؤتى بها بقصد الجزئية كي تلزم الزيادة العمدية على تقدير بطلانها. نعم لو كان المستحب من الدعاء أو الذكر أمكن القول ببطلان الصلاة من جهة الكلام بناء على أن الدعاء والذكر المحرمين من الكلام المبطل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه. أما مثل جلسة الاستراحة فلا يأتي فيها مثل ذلك فلا موجب فيها للبطلان فلاحظ.

[1] لأن موضوع الرياء : عنوان « الصلاة المقيدة بالمكان الخاص » المتحد مع ذات الصلاة في الخارج ، فتحرم به وتفسد لأجله ، ولا يتوهم : أن موضوعه نفس الخصوصية ، فلا يسري الى الصلاة ، فلا تسري الحرمة إليها ولا الفساد ، إذ فيه أن الخصوصية المكانية ليست من الأفعال الاختيارية لتكون موضوعاً للرياء تارة والإخلاص أخرى ، فيتعين أن تكون قيداً لموضوعه المتحد مع ذات الصلاة في الخارج ، وكذا الحال فيما بعده فان الجميع من قبيل الخصوصية المكانية كما لا يخفى.

[2] الخصوصية الزمانية كالخصوصية المكانية فيجري فيها الكلام المتقدم.

[3] خصوصية الجماعة لما لم تكن من الأفعال المستقلة يجري عليها

25

أو بالخشوع أو نحو ذلك [1] وهذا أيضاً باطل على الأقوى.

الثامن : أن يكون في مقدمات العمل كما إذا كان الرياء في مشيه إلى المسجد لا في إتيانه في المسجد. والظاهر عدم البطلان في هذه الصورة [2].

التاسع : أن يكون في بعض الأعمال الخارجة عن الصلاة كالتحنك حال الصلاة وهذا لا يكون مبطلا [3] ، إلا إذا رجع إلى الرياء في الصلاة متحنكاً [4].

العاشر : أن يكون العمل خالصاً لله لكن كان بحيث

________________________________________________

حكم خصوصية المكان والزمان بعينها.

[1] الخشوع والخضوع والبكاء ونحوها لما كانت من الأفعال الاختيارية المقارنة للفعل أمكن أن تكون بنفسها موضوعاً للرياء كما يمكن أن تكون قيداً لموضوعه ، فعلى الأول تحرم هي وتفسد ولا تسري الحرمة إلى الصلاة ولا الفساد ، وعلى الثاني تحرم الصلاة وتفسد لاتحاد العنوان المحرم معها ، وعلى هذا الفرض كان إطلاق البطلان في المتن ، وعلى الأول يكون من قبيل التاسع في الحكم لأنها منه ، وأما التأني فالظاهر أنه من قبيل وصف الجماعة يكون الرياء في الصلاة معه لا فيه نفسه.

[2] لأن العمل خال عن الرياء فلا وجه للبطلان إلا دعوى عموم العمل في النصوص لما يكون الرياء في بعض مقدماته ، لكنها ضعيفة.

[3] لعدم سريانه الى العمل ، وقد عرفت ضعف دعوى عموم العمل المرائي فيه لما يكون الرياء في مقدمته فضلا عما كان في مقارنة.

[4] كما عرفت في الوجه السابع.

26

يعجبه أن يراه الناس ، والظاهر عدم بطلانه أيضاً [1] كما أن الخطور القلبي لا يضر [2] خصوصاً إذا كان بحيث يتأذى بهذا الخطور ، وكذا لا يضر الرياء بترك الأضداد [3].

( مسألة 9 ) : الرياء المتأخر لا يوجب البطلان [4] بأن كان حين العمل قاصداً للخلوص ثمَّ بعد تمامه بدا له في ذكره أو عمل عملا يدل على أنه فعل كذا

________________________________________________

[1] ففي مصحح زرارة عن أبي جعفر (ع) « عن الرجل يعمل الشيء من الخير فيراه إنسان فيسره ذلك ، قال (ع) : لا بأس ما من أحد إلا وهو يجب أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك » (1)

[2] لعدم منافاته للإخلاص : أعني كون صدور الفعل عن قصد الامتثال محضاً.

[3] ترك الأضداد قد يكون بنفسه موضوعاً للرياء وقد يكون قيداً لموضوعه كأن يرائي في الصلاة المتروك فيها الضد ، فعلى الأول يصح العمل وعلى الثاني يبطل نظير ما سبق في الخشوع والتحنك ، فإطلاق الصحة ليس كما ينبغي وإن حكي عن الإيضاح الإجماع عليها ، ولعل المراد الصورة الأولى.

[4] لعدم الدليل عليه بعد كون العمل صادراً على وجه العبادة ، والإجماع والنصوص إنما يدلان على حرمة العمل الصادر على وجه الرياء لا غير. نعم في مرسل علي بن أسباط عن أبي جعفر (ع) : « الإبقاء على العمل أشد من العمل ، قال : وما الإبقاء على العمل؟ قال (ع) : يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له فكتبت له سراً ثمَّ يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ثمَّ يذكرها فتمحى فتكتب له رياء » (2)

____________

(1) الوسائل باب : 15 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 14 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 2.

27

________________________________________________

لكنه ضعيف مهجور لا مجال للاعتماد عليه في ذلك ، فليحمل على نحو من الإحباط كما تقدم في الوضوء.

تنبيه فيه أمران

الأول : أن الرياء ـ على ما ذكره غير واحد من علماء الأخلاق ـ طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم خصال الخير ، وعليه فلو كان المقصود من العبادة دفع الذم عن نفسه أو ضرر غير ذلك لم يكن رياء. ويشهد له خبر سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله (ع) في حديث : « الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل » (1) وخبر السكوني : « قال أمير المؤمنين (ع) : ثلاث علامات للمرائي ينشط إذا رأى الناس ويكسل إذا كان وحده ويحب أن يحمد في جميع أموره » (2). وخبر جراح المدائني عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عز وجل : « ( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) قال (ع) : الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه » (3). وفي رواية العلاء المروية عن تفسير العياشي في تفسير الآية الشريفة المذكورة قال (ع) : « من صلى أو صام أو أعتق أو حج يريد محمدة الناس فقد أشرك في عمله » (4). ويشير إليه

____________

(1) الوسائل باب : 8 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 4.

(2) الوسائل باب : 13 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 13 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 6. والآية آخر سورة الكهف.

(4) مستدرك الوسائل باب : 11 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 3

28

________________________________________________

ما في مصحح زرارة وحمران السابق : من قوله (ع) : « وأدخل فيه رضا أحد من الناس » (1). وما تضمن أمر المرائي يوم القيامة أن يأخذ أجره ممن عمل له (2). وما تضمن الأمر بحفظ الإنسان نفسه من أن يكون في معرض الذم والاغتياب (3) وظهور إطباق الفقهاء على أن الإسرار في الصدقة المستحبة أفضل ، إلا مع التهمة فالاعلان أفضل.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن الشهيد في القواعد : « من أن الرياء يتحقق بقصد مدح المرائي أو الانتفاع به أو دفع ضرره. فان قلت : فما تقول في العبادة المشوبة بالتقية. قلت : أصل العبادة واقع على وجه الإخلاص وما فعل منها تقية فإن له اعتبارين بالنظر إلى أصله وهو قربة ، وبالنظر إلى ما طرأ من استدفاع الضرر وهو لازم لذلك فلا يقدح في اعتباره ، أما لو فرض إحداثه صلاة مثلا تقية فإنها من باب الرياء ».

الثاني : الرياء ـ كما ذكره غير واحد ـ إنما يكون في خصال الخير القائمة بالبدن تارة ، وبالزي أخرى ، وبالعمل ثالثة ، وبالقول رابعة ، وبالاتباع والأمور الخارجة عن المرائي خامسة ، والمستفاد من النصوص المتضمنة لحرمته أن موضوع الحرمة هو العمل الذي يري الناس أنه متقرب به إلى الله تعالى ، فتكون المنزلة في نفوسهم المقصودة له بتوسط اعتقادهم أنه ذو منزلة عند الله تعالى ، وعليه فلو عمل عملا من أحد الأنحاء الخمسة السابقة بقصد أن يكون له منزلة في قلوبهم بالعمل نفسه لا بعنوان كونه عبادة لله تعالى لم يكن محرما ، فلو عاشر السلطان بقصد أن يكون له منزلة

____________

(1) الوسائل باب : 11 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 11. وقد تقدم في أول المسألة : 8.

(2) الوسائل باب : 11 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 16.

(3) الوسائل باب : 19 من أبواب أحكام العشرة. وباب : 38 من أبواب الأمر بالمعروف

29

( مسألة 10 ) : العجب المتأخر لا يكون مبطلا [1] بخلاف المقارن فإنه مبطل على الأحوط ، وإن كان الأقوى خلافه.

________________________________________________

في قلوب الرعية لم يكن رياء محرما ، ولو عاشر الفقراء بقصد أن يري الناس أنه يتقرب إلى الله تعالى بمعاشرتهم فتكون له منزلة في قلوب من يراه من الناس كان رياء محرماً ، وهكذا الحال في بقية أمثلة الأنواع.

[1] كما لعله ظاهر الأصحاب حيث أهملوا ذكره في المبطلات ، وهو الذي يقتضيه الأصل بعد عدم الدليل على البطلان به. وما في جملة من النصوص : من أنه من المهلكات (1) ، وأنه مانع من صعود العمل إلى الله تعالى ومانع من قبوله (2) ، لا يقتضي البطلان فإنه أعم ، وكذا ما يظهر من كثير منها : من أنه محرم ، فإنه لا ينطبق على العمل ليوجب امتناع التقرب به كما لا يخفى. نعم في خبر علي بن سويد عن أبي الحسن (ع) : « سألته عن العجب الذي يفسد العمل ، فقال (ع) : العجب درجات : منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسناً فيعجبه وبحسب أنه يحسن صنعاً ، ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عز وجل ولله عليه فيه المن » (3). لكن الظاهر أن المراد من الفساد فيه عدم القبول ، إذ الأول مجرد ارتكاب السيئات ، والثاني محله مما لا يقبل الصحة والفساد. مضافا إلى خبر يونس ابن عمار عن أبي عبد الله (ع) : « قيل له وأنا حاضر : الرجل يكون في صلاته خالياً فيدخله العجب ، فقال (ع) : إذا كان أول صلاته بنية يريد بها ربه فلا يضره ما دخله بعد ذلك ، فليمض في صلاته وليخسأ الشيطان » (4). ومن ذلك تعرف حكم العجب المقارن وأنه غير مبطل ،

____________

(1) الوسائل باب : 23 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 12 و 21.

(2) الوسائل باب : 23 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 9.

(3) الوسائل باب : 23 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 5.

(4) الوسائل باب : 23 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 3.

30

( مسألة 11 ) : غير الرياء من الضمائم إما حرام أو مباح أو راجح ، فان كان حراما وكان متحداً مع العمل أو مع جزء منه بطل كالرياء [1] ، وإن كان خارجا عن العمل مقارنا له لم يكن مبطلا [2] ، وإن كان مباحا أو راجحا فان كان تبعا وكان داعي القربة مستقلا فلا إشكال في الصحة [3]

________________________________________________

والاحتياط المذكور في إبطاله من أجل ما في الجواهر عن بعض مشايخه : من القول بإبطاله. فلاحظ.

[1] لما تقدم من أن الحرمة تمنع من التقرب بالعبادة.

[2] هذا أيضاً تأتي فيه الصورة الآنية من صلاحية كل منهما للاستقلال في الداعوية ، وعدمها في كل منهما ، وصلاحية أحدهما لذلك وتبعية الآخر فيجري فيه ما يأتي من الصحة والفساد ، فكأن إطلاق عدم البطلان راجع الى حيثية الحرمة لا غير. ومع ذلك أيضاً يشكل بأنه إذا لوحظ غاية للفعل أيضاً يكون مبطلا على كل حال ، وإن لوحظ تبعاً لأن الفعل المأتي به بقصد الغاية المحرمة حرام عقلا أو شرعا وعقلا فلا يصلح أن يكون مقربا وعبادة.

[3] لكن عن العلامة في بعض كتبه ـ تبعاً لجماعة ـ : إطلاق البطلان في الضميمة المباحة ، وعن فخر الدين والشهيدين في البيان والقواعد والروض والمحقق الثاني وصاحب الموجز وغيرهم : متابعتهم ، بناء منهم على منافاة ذلك للإخلاص المعتبر في العبادة. اللهم إلا أن يحمل كلامهم على صورة استقلال كل من الأمر والضميمة. وكيف كان ، فالظاهر : الصحة إذ لا دليل على اعتبار الإخلاص بنحو ينافيه وجود الضميمة ولو تبعاً ، أما الإجماع على اعتباره فموهون بمصير الأكثر ـ كما قيل ـ إلى الصحة مع الضميمة ، بل إطلاقهم الصحة يقتضي عدم الفرق بين استقلال الأمر

31

وإن كان مستقلا وكان داعي القربة تبعا بطل [1] وكذا إذا كانا معا منضمين [2] محركا وداعيا على العمل وإن كانا مستقلين فالأقوى الصحة [3] وإن كان الأحوط الإعادة.

________________________________________________

وعدمه ، وأما النصوص فالظاهر من الإخلاص فيها ما يقابل الرياء ، فلاحظ رواية سفيان بن عيينة المتقدمة في ذيل المسألة التاسعة.

ودعوى منافاة ذلك للتعبد المعتبر ممنوعة ، إذ الظاهر بل المقطوع به من طريقة العقلاء الاكتفاء في صدق العبادة واستشعار مشاعر العبيد بكون أمر المولى صالحا للاستقلال في الداعوية لا غير ، ولا يعتبر فيه خلو العبد عن الجهات النفسانية المرجحة لفعل المأمور به على تركه ، كما أشرنا الى ذلك في شرائط الوضوء من هذا الشرح ، فراجع.

[1] لأن المعلوم من طريقة العقلاء : اعتبار صلاحية الأمر للاستقلال بنظر العبد في الباعثية إلى المأمور به في صدق العبادة ، وعدم الاكتفاء بمجرد الاستناد إليه في الجملة ، ومما ذكرنا يظهر : أن المراد البطلان بالإضافة الى الأمر التابع ، أما بالإضافة إلى الضميمة الراجحة فالفعل صحيح ويكون عبادة وطاعة بالنسبة إلى أمرها ، كما يظهر بأقل تأمل.

[2] لما عرفت ، فيبطل حينئذ مطلقاً حتى بالإضافة إلى الضميمة الراجحة.

[3] قد عرفت آنفاً الإشارة إلى وجهه ، وقد تقدم ذلك في الوضوء فراجع. هذا كله حكم الضميمة المقصودة في عرض قصد الامتثال ، أما إذا كانت مقصودة في طوله بأن كانت مترتبة على الإتيان بالصلاة بقصد الامتثال فلا ينبغي التأمل في عدم قادحيتها في عبادية العبادة ، مثل أن يطوف طواف النساء لتحل له النساء ، أو يغتسل للجنابة ليجوز له الدخول في المسجد وقراءة العزائم ومس خط المصحف ، أو نحو ذلك ، أو يتوضأ للطهارة قبل الوقت لتجوز له الصلاة أول الوقت ، أو ليتمكن من الصلاة جماعة أو نحو ذلك

32

( مسألة 12 ) : إذا أتى ببعض أجزاء الصلاة بقصد الصلاة وغيرها [1]

________________________________________________

من الغايات المترتبة على الإتيان بالفعل المأتي به على وجه العبادة. والبناء على عدم صحة العبادة عند ملاحظة الغايات المذكورة ضعيف ، إذ لا منافاة بين العبادية وملاحظة الغايات المذكورة. والرجوع الى طريقة المتشرعة والعقلاء كاف في إثبات الصحة.

[1] قال في محكي الإيضاح : « أجمع الكل على أنه إذا قصد ببعض أفعال الصلاة غير الصلاة بطلت والفائدة في المأموم وعدم اعتبار الكثرة لأن إجماع المتكلمين على ان المتعلقين ـ بالكسر ـ إذا اتحد متعلقهما ـ بالفتح ـ وتعلق أحدهما على عكس الآخر تضادا ، فلذلك أجمع الفقهاء على أنه إذا نوى ببعض أفعال الصلاة غيرها بطلت ». وقال في الجواهر : « ينبغي أن تعرف أن هذه المسألة غير مسألة الضميمة ، ولذا لم يشر أحد من معتبري الأصحاب إلى اتحاد البحث فيهما ، بل من حكم هناك بالصحة مع الضم التبعي أو كان كل منهما علة مستقلة أطلق البطلان في المقام ، كما أنهم لم يفرقوا هنا بين الضميمة الراجحة وغيرها. والظاهر أن وجه الفرق بين المسألتين بالفرق بين موضوعيهما ، فان موضوع الضميمة الفعل الواحد الذي له غايات وأراد المكلف ضمها بنية واحدة ، فالتحقيق فيها البطلان مع منافاة الإخلاص والصحة مع العدم ، لتبعية الضم أو لرجحان الضميمة أو غير ذلك. وموضوع ما نحن فيه قصد المكلف كون الفعل الواحد المشخص مصداقا لكليين متغايرين لا يمكن اجتماعهما في مصداق واحد عقلا أو شرعا فلو نواه حينئذ لكل منهما لم يقع لشيء منهما شرعا ـ كما في كل فعل كذلك ـ لأصالة عدم التداخل في الأفعال عقلا وشرعا فلو نوى بالركعتين الفرض والنفل لم يقع لأحدهما ».

أقول : العبارة الذكورة وإن كانت ظاهرة فيما ذكره (قدس سره)

33

ـ كأن قصد بركوعه تعظيم الغير والركوع الصلاتي [1] ، أو بسلامه سلام التحية وسلام الصلاة ـ بطل [2] إن كان من

________________________________________________

لكن تعليل البطلان في محكي كلام بعضهم بعدم تمحض القربة. وفي كلام آخر بعدم استمرار النية أو بحصول نية الخروج ، وتمثيله بالتكبير بقصد الافهام قرينة على اتحاد موضوع المسألتين عندهم ، فلاحظ المعتبر والذكرى وجامع المقاصد والمدارك وكشف اللثام وغيرها. ويشير إليه أيضاً عدم تعرضهم في المقام لنية الضميمة ، فلو لم يكن المراد من نية غير الصلاة ما يشملها لم يكن لإهمال حكمها وجه. والاكتفاء بذكرهم لها في الوضوء لا يناسب تكرار التعرض للرياء في المقام. وكيف كان ، فغير الصلاة المنوي مع الصلاة إن كان من قبيل الغاية المترتبة على الفعل الصلاتي كافهام الغير وتعليمه المقصودين بالكلام والفعل فحكمه حكم الضميمة ، بل هو منها فتجري فيه أحكام الصور المذكورة في المسألة المتقدمة ، وكذا إذا كان من قبيل العنوان المتحد مع نفس الأفعال الصلاتية إذا لم يكن بينه وبين نفس الصلاة تناف في الانطباق والتصادق على موضوع واحد ، وإن كان بينهما تناف كذلك بطل الجزء لأن صيرورته للصلاة ترجح بلا مرجح ، وصيرورته لهما ممتنع حسب الفرض ، فتبطل الصلاة حينئذ للزيادة إن كانت عمدية وإلا تداركه وأتم الصلاة.

[1] هذا المثال وما بعده من باب العنوانين غير المتصادقين ، وكأن الوجه في دعوى عدم تصادقهما ـ مضافا إلى أنه مقتضى ارتكاز المتشرعة ـ أصالة عدم التداخل. فتأمل.

[2] هكذا فيما يحضرني من النسخ ، والظاهر أن الصواب ( أبطل ) بدل ( بطل ) وذلك للزيادة القادحة في مثل الركوع مطلقاً عمداً وسهواً ، أما لو كانت في غيره مما لا تقدح زيادته سهواً اختص البطلان بصورة العمد.

34

الأجزاء الواجبة قليلا كان أم كثيراً أمكن تداركه أم لا ، وكذا في الأجزاء المستحبة [1] غير القرآن والذكر [2] على الأحوط ، وأما إذا قصد غير الصلاة محضاً فلا يكون مبطلا [3] إلا إذا كان مما لا يجوز فعله في الصلاة [4] أو كان كثيراً [5].

( مسألة 13 ) : إذا رفع صوته بالذكر أو القراءة لإعلام الغير [6] لم يبطل إلا إذا كان قصد الجزئية تبعاً [7]

________________________________________________

[1] قد عرفت أن الأجزاء المستحبة لا يقصد بفعلها الصلاة كي تصدق الزيادة عمدية أو سهوية.

[2] القرآن والذكر المأتي بهما بقصد الجزئية حالهما حال سائر الأجزاء المأتي بها كذلك في أن زيادتها عمداً مبطلة ، لعموم ما دل على قدح الزيادة. نعم ـ بناء على ما عرفت من أن الأجزاء المستحبة ليست أجزاء ولا يؤتى بها بقصد الجزئية وإنما يؤتى بها بقصد امتثال أمرها لا غير ـ لا يكون فعلها عمداً في غير محلها زيادة ولا مبطلا للصلاة. نعم يكون تشريعاً ولكنه غير مبطل.

[3] لعدم المقتضي للبطلان ، والمفروض عدم قصد الجزئية لتصدق الزيادة.

[4] كالسلام على قول يأتي إن شاء الله تعالى.

[5] فيكون من الفعل الكثير الماحي لصورة الصلاة فيكون مبطلا كما يأتي في مبحث القواطع.

[6] هذا من مسائل الضميمة فيجري عليه حكمها السابق.

[7] وحينئذ يبطل الجزء بفقد قصد امتثال الأمر الصلاتي فتبطل الصلاة للزيادة ، فالمراد من قصد الجزئية تبعاً قصد امتثال أمر الصلاة تبعاً الذي قد عرفت أنه غير كاف في صدق التعبد. هذا ، وقد يقال : فوات قصد

35

وكان من الأذكار الواجبة [1] ، ولو قال « الله أكبر » مثلا بقصد الذكر المطلق لإعلام الغير لم يبطل مثل سائر الأذكار التي يؤتى بها لا بقصد الجزئية [2].

( مسألة 14 ) : وقت النية ابتداء الصلاة ، وهو حال تكبيرة الإحرام وأمره سهل بناء على الداعي ، وعلى الاخطار

________________________________________________

الامتثال في رفع الصوت لا يقتضي فواته في أصل الذكر ، فيكون أصل الذكر وقع جزءاً على نحو العبادة والرفع غير واقع على ذلك النحو فلا يكون عبادة بل الرفع لما لم يؤخذ جزءاً للصلاة يمتنع التعبد به ، وحينئذ إذا قصد في أصل الذكر الصلاة لأمرها ، وبالرفع قصد الافهام محضاً صح الذكر جزءاً فصحت الصلاة. فإن قلت : الرفع والذكر واحد في الخارج فكيف يختلفان قصداً. قلت : هما وإن كانا وجوداً واحداً لكنه ذو مراتب ، فيجوز اختلاف مراتبه في الحكم والقصد.

[1] وكذا المستحبة إذا جاء بها بقصد الجزئية بناء على ما يظهر منه (قدس سره) في المسألة السابقة وغيرها : من كون الأجزاء المستحبة مقصوداً بها الجزئية. نعم بناء على ما ذكرناه يكون التقييد بالواجب في محله.

[2] كما تضمنه جملة من النصوص كصحيح الحلبي : « عن الرجل يريد الحاجة وهو في الصلاة قال (ع) : يومئ برأسه ويشير بيده ويسبح » (1) ونحوه روايات عمار (2) وابن جعفر (ع) (3) وأبي جرير (4).

____________

(1) الوسائل باب : 9 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 9 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 4.

(3) الوسائل باب : 9 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 6.

(4) الوسائل باب : 9 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 7.

36

اللازم اتصال آخر النية المخطرة بأول [1] التكبير وهو أيضاً سهل.

( مسألة 15 ) : يجب استدامة النية إلى آخر الصلاة. بمعنى عدم حصول الغفلة بالمرة بحيث يزول الداعي على وجه لو قيل له ما تفعل يبقى متحيراً [2] وأما مع بقاء الداعي في خزانة الخيال فلا تضر الغفلة ولا يلزم الاستحضار الفعلي [3].

( مسألة 16 ) : لو نوى في أثناء الصلاة قطعها [4] فعلا أو بعد ذلك أو نوى

________________________________________________

[1] هذا على ظاهر التعبير متعذر أو متعسر جداً ، وكأن المراد غير ظاهر كما يظهر من ملاحظة كلماتهم ، وذلك أن النية التفصيلية لما كانت غالباً تدريجية الوجود فالمراد المقارنة بين تمام وجودها وبين أول التكبير ، ولو قيل بدله : حضور النية بتمامها أول التكبير. لسلم من الإشكال.

[2] فإن وجود الداعي في النفس من الأمور الوجدانية التي لا تقبل الشك والتحير ، فوجود التحير أمارة على عدم وجود الداعي ، فيكون الفعل من قبيل فعل الغافل فلا يصح. نعم إذا كان منشأ التحير وجود المانع من توجه النفس الى ما في الخزانة ، لم يكن التحير حينئذ دليلا على عدم وجود الداعي.

[3] إذ الواجب في العبادة صدورها عن الداعي ، ولا يعتبر الالتفات الى ذلك الداعي ، كما سبق في أول المبحث.

[4] إذا نوى في أثناء الصلاة قطعها ثمَّ رجع الى نيته الأولى قبل أن يفعل شيئاً من أفعالها ففي الشرائع : أنها لا تبطل ، وعن مجمع البرهان والمفاتيح وظاهر البيان : موافقته ، والمحكي عن جماعة كثيرة ـ منهم الشيخ « (رحمه الله) » والعلامة والشهيدان والمحقق الثاني في جملة من كتبهم وغيرهم :

37

________________________________________________

البطلان ، قال في القواعد : « ولو نوى الخروج في الحال أو تردد فيه كالشاك بطلت صلاته ».

واستدل لهم : بأن النية الأولى إذا زالت فاذا رجع الى النية بعد ذلك لم يكتف بها لفوات المقارنة لأول العمل. وفيه : أن المقارنة حاصلة ، وإنما الإشكال في أن زوال النية وعودها كاف في حصول النية أولا ، والظاهر الكفاية ، إذ الثابت من الإجماع على اعتبار وقوع الصلاة على وجه العبادة هو لزوم الإتيان بكل جزء من أجزائها عن إرادة ضمنية تحليلية تنحل إليها إرادة الجملة ، المنبعثة تلك الإرادة عن داعي امتثال أمر الشارع ، وهذا المعنى حاصل في المقام بعد الرجوع الى النية الأولى.

وبأن زوال النية الأولى يوجب خروج الأجزاء السابقة عن قابلية انضمام الأجزاء اللاحقة إليها. وفيه : أنه غير ظاهر.

وبالإجماع على اعتبار استدامة النية المنتفية بنية الخروج. وفيه : أن المراد من الاستدامة المعتبرة إجماعا صدور كل واحد من الأجزاء عن داعي امتثال الأمر الضمني كما تقدم ، لا بالمعنى المقابل للزوال والعود.

وبأن ظاهر قوله (ص) : « ولا عمل إلا بنية » (1) اعتبار وجود النية في جميع آنات العمل ، نظير قوله (ع) : « لا صلاة إلا بطهور » (2) فكما يقدح الحدث في أثناء الصلاة يقدح زوال النية كذلك. وفيه : منع كون ذلك هو الظاهر ، والبناء على قدح الحدث في الأثناء ليس مستنداً إلى قوله (ع) : « لا صلاة إلا بطهور .. » ، بل إلى النصوص الخاصة الدالة على قدح الحدث في الأثناء ، ولذا عد من القواطع في مقابل الشروط مع أن المستند في اعتبار النية ليس هو الحديث المذكور كما تقدم في نية الوضوء.

____________

(1) الوسائل باب : 5 من أبواب مقدمة العبادات حديث : 2 و 9.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب الوضوء حديث : 1.

38

________________________________________________

وبأن البناء على البطلان مقتضى قاعدة الاشتغال ، التي يجب البناء عليها في مثل المقام مما يحتمل وجوبه عقلا لاحتمال دخله في الغرض وعلم بعدم وجوبه شرعا لامتناع دخله في موضوع الأمر. وفيه : أن المحقق في محله الرجوع الى البراءة في مثل ذلك أيضاً.

وبأن المعلوم من النص والفتوى وارتكاز المتشرعة أن للصلاة هيئة اتصالية ينافيها قصد الخروج عن الصلاة. وفيه : منع المنافاة ، لعدم الدليل عليها ، ولا يساعدها ارتكاز المتشرعة كما لعله ظاهر.

وبأنه إذا رجع الى النية الأولى وأتم الصلاة كان من توزيع النية. وفيه : أن التوزيع الممنوع عنه هو نية كل جزء على وجه الاستقلال لأعلى وجه الانضمام كما تقدم ، وليس منه ما نحن فيه. فاذاً القول بعدم البطلان بمجرد نية الخروج في محله.

ومثله : ما لو نوى قطعها بعد ذلك كأن نوى وهو في الركعة الأولى قطعها عند ما يكون في الثانية ، بل الصحة هنا أولى ، ولذا اختار في القواعد الصحة هنا لو رجع الى النية قبل البلوغ إلى الثانية مع بنائه على البطلان فيما سبق ، وأولى منهما بالصحة ما لو تردد في القطع فعلا أو بعد ذلك وعدمه ، فإن أكثر الوجوه المتقدمة للبطلان وإن كان موضوعها زوال النية الأولى الحاصل بمجرد التردد ، ولكن بعضها يختص بنية الخروج ولا يشمل صورة التردد.

ومثله : ما لو نوى فعل القاطع أو المنافي فعلا أو بعد ذلك ، لإمكان أن يكون ذلك غفلة عن مانعيته أو قاطعيته ، فلا يستلزم نية الخروج بوجه ، فلا موجب للبطلان. نعم ، مع الالتفات الى مانعيته أو قاطعيته تكون نيته ملازمة لنية عدم الصلاة ، لأن تنافي الشيئين مع الالتفات الى تنافيهما يوجب تنافي إرادتهما معاً عرضاً ، لأن العلم بعدم القدرة مانع عن الإرادة ، ومن

39

القاطع والمنافي فعلا أو بعد ذلك فإن أتم مع ذلك بطل [1]. وكذا لو أتى ببعض الأجزاء بعنوان الجزئية ثمَّ عاد إلى النية الأولى [2]. وأما لو عاد إلى النية الأولى

________________________________________________

هنا قال في محكي كشف اللثام : « إذا قصد فعل المنافي للصلاة ، فإن كان متذكراً للمنافاة لم ينفك عن قصد الخروج ، وإن لم يكن متذكراً لها لم تبطل إلا معه على الأقوى ». وعليه ، فاللازم البناء على البطلان ، بناء على كون قدح نية الخروج في الصحة من جهة زوال النية كما يقتضيه أكثر الوجوه المتقدمة ، فإطلاق الصحة ـ كما عن الأكثر ـ غير ظاهر بناء على قدح نية الخروج ، كما أن إطلاق البطلان ـ كما عن الفخر والشهيدين والعليين وابن فهد وغيرهم ـ غير ظاهر مع عدم الالتفات إلى المانعية ، وإن بني على البطلان بنية الخروج لما عرفت من عدم الملازمة.

[1] ظاهر عبارة المتن ولا سيما بقرينة ما يأتي أن المراد الإتمام بعنوان الصلاة ، ولأجل ما عرفت من تنافي نية الصلاة ونية الخروج يتعين أن يكون الوجه في إتمام الصلاة الذهول عن نية الخروج ، وعن المبادي المقتضية لها ، فيكون الإتمام بالنية الأولى ، فيتحد الفرض مع الفرض الآتي وهو عود النية الأولى قبل أن يفعل شيئاً الذي أفتى فيه بالصحة وعدم البطلان. ولو كان المراد الإتمام لا بعنوان الصلاة بل بعنوان آخر اتجه بطلان الصلاة من جهة فعل السلام فإنه من المبطلات كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولو أراد الإتمام لا بعنوان الصلاة ولا بعنوان آخر بل ذهولا وغفلة فالبطلان حينئذ غير ظاهر لعدم مبطلية السلام حينئذ. اللهم إلا أن يكون الإتمام فعلا كثيراً ماحياً لصورة الصلاة ، لكن عرفت أن الظاهر إرادة الأول الذي قد عرفت الإشكال في فرضه.

[2] وقد عرفت إشكال الفرض. نعم لا مانع منه فيما لو نوى القطع

40

قبل أن يأتي بشيء لم يبطل [1] وإن كان الأحوط الإتمام والإعادة ولو نوى القطع أو القاطع وأتى ببعض الأجزاء لا بعنوان الجزئية ثمَّ عاد إلى النية الأولى فالبطلان موقوف على كونه فعلا كثيراً ، فان كان قليلا لم يبطل [2] خصوصاً إذا كان ذكراً أو قرآناً [3]. وإن كان الأحوط الإتمام والإعادة أيضاً.

________________________________________________

أو القاطع بعد ذلك كما لو كان في الركعة الأولى فنوى القطع أو القاطع آخر الركعة الثانية فإن ذلك لا ينفك عن قصد فعل أجزاء الركعة الثانية بعنوان الجزئية ، والمصحح للجمع بين القصدين المذكورين ، أما الغفلة عن كون ركعات الصلاة ارتباطية فيقصد فعل ركعتين لا أكثر منها أو يعتقد ذلك تشريعاً منه ، وفي هذا الفرض لا مانع من صحة الصلاة إذا عدل عن نية القطع أو القاطع ، إذ لا موجب للبطلان من زيادة ، أو فعل كثير ، أو غير ذلك. نعم لو كان فعل الركعة الثانية عن أمر تشريعي غير أمر الصلاة الارتباطي الضمني ، بأن شرع في الأمر لا في نفي الارتباط ـ كما ذكرنا أولا ـ كان البناء على البطلان في محله للزيادة العمدية ، ومن ذلك تعرف أن إطلاق البطلان في الفرض الظاهر رجوعه الى جميع صور المسألة غير ظاهر.

[1] كما عرفت في أول المسألة.

[2] ربما يقال بالبطلان من جهة صدق الزيادة ، كما يشهد به ما ورد في النهي عن قراءة سور العزائم في الفريضة (1) ، معللا بأن السجود زيادة في المكتوبة. لكن التحقيق عدم صدق الزيادة إلا بالقصد إلى الجزئية ، والرواية الشريفة محمولة على التجوز في التطبيق ، كما سيأتي إن شاء الله التعرض لذلك في أوائل الفصل الآتي.

[3] لما دل على جواز إيقاعهما عمداً في الصلاة ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

____________

(1) الوسائل باب : 40 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

41

( مسألة 17 ) : لو قام لصلاة ونواها في قلبه فسبق لسانه [1] أو خياله خطوراً إلى غيرها صحت على ما قام إليها ولا يضر سبق اللسان ولا الخطور الخيالي.

( مسألة 18 ) : لو دخل في فريضة فأتمها بزعم أنها نافلة غفلة أو بالعكس صحت على ما افتتحت عليه [2].

________________________________________________

[1] قد عرفت أن التلفظ لا دخل له في النية بوجه ، فسبقه غير قادح إلا بلحاظ حكايته عن الخطور ، ولأجل ما عرفت من أن النية التي بها قوام العمل هي الإرادة النفسية الارتكازية ، فالمدار يكون عليها ، ولا أثر للخطورات الزائدة التي لا أثر لها في الفعل.

[2] لأن الإتمام كان ببعث النية الأولى لا غير ، فغاية الأمر أنه أخطأ في تعيين المنوي ، وذلك مما لا دخل له في الإتمام ، وليس وجوده مستنداً اليه ، ويشهد بذلك مصحح عبد الله بن المغيرة : قال : في كتاب « حريز » أنه قال : « اني نسيت أني في صلاة فريضة حتى ركعت وأنا أنويها تطوعا قال : فقال (ع) : هي التي قمت فيها إذا كنت قمت وأنت تنوي فريضة ثمَّ دخلك الشك فأنت في الفريضة ، وان كنت دخلت في نافلة فنويتها فريضة فأنت في النافلة ، وان كنت دخلت في فريضة ثمَّ ذكرت نافلة كانت عليك مضيت في الفريضة (1). وخبر معاوية : قال : « سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فسها فظن أنها نافلة ، أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة ، قال (ع) : هي على ما افتتح الصلاة عليه » (2). وخبر ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) : « عن رجل قام في صلاة فريضة فصلى ركعة وهو ينوي أنها نافلة ، قال (عليه السلام) : هي التي قمت فيها

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب النية حديث : 1

(2) الوسائل باب : 2 من أبواب النية حديث : 2.

42

( مسألة 19 ) : لو شك فيما في يده أنه عينها ظهراً أو عصراً مثلا ، قيل : بنى على التي قام إليها [1] ، وهو مشكل [2]

________________________________________________

ولها ، وقال : إذا قمت وأنت تنوي الفريضة فدخلك الشك فأنت في الفريضة على الذي قمت له ، وان كنت دخلت فيها وأنت تنوي نافلة ثمَّ إنك تنويها بعد فريضة فأنت في النافلة ، وإنما يحسب للعبد من صلاته التي ابتدأ في أول صلاته » (1). واستظهر في الجواهر شمول الأول والآخر لصورة العمد ، فيما لو نوى ببعض الأجزاء غير ما نوى عليه الجملة من الوجه أو الأداء أو القضاء تخيلا منه صحة ذلك ، أو عبثاً ، أو جهلا منه بوجوب ذلك الجزء أو ندبه. لكنه غير ظاهر ، فان ذكر النسيان في الأول ودخول الشك في الجواب فيهما مانع من الشمول للعمد.

[1] حكي ذلك عن البيان ، والمسالك ، وجامع المقاصد ، وظاهر كشف اللثام ، والمدارك وغيرها. واستدل له بأنه مقتضى الظاهر ، وبأصالة عدم العدول ، ولخبر ابن أبي يعفور المتقدم (2).

[2] إذ لا دليل على حجية الظاهر المذكور ، وأصالة عدم العدول من الأصل المثبت ، فان العدول ليس موضوعاً لحكم شرعي ، وخبر ابن أبي يعفور ظاهر في المسألة السابقة ، فإن القيام في الفريضة ظاهر في الشروع فيها بعنوان الفريضة لا القيام إليها ، ويشهد له أيضا قوله (ع) بعد ذلك : « وإن كنت دخلت فيها وأنت تنوي .. ». وقوله (ع) في آخره : « وإنما يحسب للعبد .. » ، ولأجل ذلك جزم في الشرائع في مبحث الخلل بالاستئناف ، وحكي ذلك عن المبسوط. نعم استوضح في الجواهر في أول كلامه بطلان إطلاق وجوب الاستئناف في الفرض مع الوقوع في الوقت

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب النية حديث : 3.

(2) تقدم ذكره في التعليقة السابقة.

43

فالأحوط الإتمام والإعادة. نعم لو رأى نفسه في صلاة معينة وشك في أنه من الأول نواها أو نوى غيرها بنى على أنه نواها وإن لم يكن مما قام إليه لأنه يرجع إلى الشك بعد تجاوز المحل [1].

________________________________________________

المشترك ، إذ له العدول من العصر إلى الظهر ثمَّ قال : « ودعوى اختصاص ذلك في المعلوم أنه العصر لا المشكوك فيه يدفعها وضوح أولوية المقام منه ». ومثله كلام غير واحد ، وعليه بنى المصنف (رحمه الله) في أول مسائل ختام الخلل. وبالجملة : ينبغي أن يقال : « إذا علم أنه صلى الظهر قبل أن يشتغل بهذه الصلاة فعليه الإعادة لا غير ، وإذا لم يعلم ذلك أو علم بعدم الإتيان بالظهر فعليه العدول إليها والإتمام ثمَّ إعادة العصر ».

[1] كما ذكر في الجواهر في ذيل تنبيهات قاعدة الشك بعد التجاوز. ويشكل : بأن صدق عنوان الشك بعد التجاوز يتوقف على أن يكون للمشكوك فيه محل موظف له ، بحيث يكون تركه فيه تركا لما ينبغي أن يفعل ، وذلك غير حاصل مع الشك في النية. فإن من شرع في عمل صلاتي بقصد تعليم الغير أو عبثاً أو غفلة ، لا يكون تركه لنية الصلاة مقارنة لأول العمل تركا لما ينبغي أن يفعل في ذلك المحل ، وكذا من نوى صلاة الظهر لا يكون تركه لنية نافلتها تركا لما ينبغي أن يفعل. فإذا رأى نفسه في أثناء عمل بانياً على أنه صلاة ، وشك في أنه كان بانياً على ذلك أول العمل أو بانياً على الإتيان به للتعليم لا يكون الشك شكاً في وجود شيء ينبغي أن يوجد ، وكذا إذا رأى نفسه في أثناء نافلة الظهر وشك في أنه نواها من الأول نافلة أو نواها ظهراً ، لا يكون عدم نية النافلة تركا لما ينبغي أن يفعل ، والسر في ذلك أن كون الشيء مما ينبغي أن يفعل أولا كذلك تابع لعنوان العمل الذي قد فرض فيه المحل والتجاوز عنه ، وتحقق العنوان تابع للنية ، فالنية تكون من مقدمات جريان القاعدة ، فلا تصلح القاعدة لإثباتها ،

44

( مسألة 20 ) : لا يجوز العدول من صلاة إلى أخرى [1] إلا في موارد خاصة :

أحدها : في الصلاتين المرتبتين كالظهرين والعشاءين إذا دخل في الثانية قبل الأولى عدل إليها بعد التذكر في الأثناء إذا لم يتجاوز محل العدول [2] ، وأما إذا تجاوز كما إذا دخل في ركوع الرابعة من العشاء فتذكر ترك المغرب فإنه لا يجوز العدول لعدم بقاء محله ، فيتمها عشاء ثمَّ يصلي المغرب ويعيد

________________________________________________

وكذلك الحال في قاعدة الفراغ. ويأتي في نية صلاة الجماعة ما هو نظير المقام.

[1] لما عرفت من أن قوام العبادية المعتبرة في العبادات كون الإتيان بالفعل بداعي أمره ، فإذا فرض أن الصلاة المعدول عنها غير الصلاة المعدول إليها فالأمر المتعلق بإحداهما غير الأمر المتعلق بالأخرى ، فالإتيان بإحداهما بقصد امتثال أمرها لا يكون امتثالا لأمر الأخرى ولا تعبداً به ، كما أن الإتيان ببعض إحداهما امتثالا للأمر الضمني القائم به لا يكون امتثالا للأمر الضمني القائم بالبعض المماثل له من الأخرى ، ومجرد بناء المكلف على ذلك غير كاف في تحققه. نعم ثبت ذلك في بعض الموارد بدليل خاص ، فيستكشف منه حصول الغرض من المعدول اليه بمجرد بناء المكلف عليه ، فيسقط لذلك أمره ولا يجوز التعدي إلى غيره من الموارد.

وتوهم أنه يمكن أن يستكشف من الدليل كفاية مثل ذلك في حصول التعبد ، وحينئذ يتعدى الى غير مورده. مندفع بأن ذلك خلاف الإجماع على اعتبار النية مقارنة لأول الفعل العبادي. والخلاف هنا لا يقدح في الإجماع المذكور ، لكونه عن شبهة.

[2] قد تقدم تفصيل الكلام في ذلك في المسألة الثالثة من فصل

45

العشاء أيضاً احتياطاً ، وأما إذا دخل في قيام الرابعة ولم يركع بعد فالظاهر بقاء محل العدول ، فيهدم القيام ويتمها بنية المغرب.

الثاني : إذا كان عليه صلاتان أو أزيد قضاء فشرع في اللاحقة قبل السابقة يعدل إليها مع عدم تجاوز محل العدول [1] كما إذا دخل في الظهر أو العصر فتذكر ترك الصبح القضائي السابق على الظهر والعصر ، وأما إذا تجاوز أتم ما بيده على الأحوط ويأتي بالسابقة ويعيد اللاحقة كما مر في الأدائيتين. وكذا لو دخل في العصر فذكر ترك الظهر السابقة فإنه يعدل.

الثالث : إذا دخل في الحاضرة فذكر أن عليه قضاء. فإنه يجوز له أن يعدل إلى القضاء إذا لم يتجاوز محل العدول [2]. والعدول في هذه الصورة على وجه الجواز ، بل الاستحباب [3]

________________________________________________

أوقات اليومية ونوافلها. فراجع.

[1] تقدم الكلام فيه في المسألة العاشرة من فصل أحكام الأوقات.

[2] بلا إشكال ولا خلاف ، صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) في حديث : « .. وان كنت قد صليت من المغرب ركعتين ، ثمَّ ذكرت العصر فانوها العصر ، ثمَّ قم فأتمها ركعتين ، ثمَّ تسلم. ثمَّ تصلي المغرب .. الى أن قال (ع) : فان كنت قد نسيت العشاء الآخرة حتى صليت الفجر فصل العشاء الآخرة ، وإن كنت ذكرتها وأنت في الركعة الأولى أو في الثانية من الغداة فانوها العشاء ثمَّ قم فصل الغداة » (1).

[3] هذا بناء على مختاره من المواسعة وعدم الترتيب بين الفائتة والحاضرة وإلا فلو بني على أحدهما كان العدول واجباً ، كما أن الاستحباب مبني على

____________

(1) الوسائل باب : 63 من أبواب المواقيت حديث : 1.

46

بخلاف الصورتين الأولتين فإنه على وجه الوجوب [1].

الرابع : العدول من الفريضة إلى النافلة يوم الجمعة لمن نسي قراءة الجمعة [2] ، وقرأ سورة أخرى ـ من التوحيد أو غيرها ـ وبلغ النصف أو تجاوز ، وأما إذا لم يبلغ النصف فله أن يعدل عن تلك السورة ولو كانت هي التوحيد إلى سورة الجمعة فيقطعها ويستأنف سورة الجمعة.

الخامس : العدول من الفريضة إلى النافلة لإدراك الجماعة [3] ، إذا دخل فيها وأقيمت الجماعة وخاف السبق ، بشرط عدم تجاوز محل العدول بأن دخل في ركوع الركعة الثالثة.

________________________________________________

استحباب تقديم الفائتة ، ولو بني على استحباب تقديم الحاضرة كان المستحب ترك العدول وإتمام الحاضرة. وتمام الكلام في المسألة في مبحث القضاء إن شاء الله تعالى.

[1] لتحصيل الترتيب الواجب.

[2] لخبر صباح بن صبيح : « قلت لأبي عبد الله (ع) : رجل أراد أن يصلي الجمعة فقرأ بـ ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) قال (ع) : يتمها ركعتين ثمَّ يستأنف » (1). وتمام الكلام في المسألة يأتي في مبحث القراءة.

[3] ففي صحيح سليمان بن خالد : « عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلي إذا أذن المؤذن وأقام الصلاة ، قال (ع) : فليصل ركعتين ، ثمَّ ليستأنف مع الامام ولتكن الركعتان تطوعاً » (2). ونحوه موثق سماعة (3).

____________

(1) الوسائل باب : 72 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 56 من أبواب صلاة الجماعة حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 56 من أبواب صلاة الجماعة حديث : 2.

47

السادس : العدول من الجماعة إلى الانفراد [1] لعذر أو مطلقاً كما هو الأقوى.

السابع : العدول من إمام إلى إمام إذا عرض للأول عارض.

الثامن : العدول من القصر إلى التمام إذا قصد في الأثناء إقامة عشرة أيام.

التاسع : العدول من التمام إلى القصر إذا بدا له في الإقامة بعد ما قصدها.

العاشر : العدول من القصر إلى التمام أو بالعكس في مواطن التخيير.

( مسألة 21 ) : لا يجوز العدول من الفائتة إلى الحاضرة فلو دخل في فائتة ثمَّ ذكر في أثنائها حاضرة ضاق وقتها أبطلها واستأنف ، ولا يجوز العدول على الأقوى.

( مسألة 22 ) : لا يجوز العدول من النفل إلى الفرض ، ولا من النفل إلى النفل حتى فيما كان منه كالفرائض في التوقيت والسبق واللحوق.

( مسألة 23 ) : إذا عدل في موضع لا يجوز العدول بطلتا [2] ،

________________________________________________

[1] هذا ليس من موارد العدول من صلاة إلى أخرى كما هو موضوع الكلام في هذه المسألة ، ويأتي الكلام فيه في الجماعة إن شاء الله تعالى. وكذا الكلام في السابع ، وأما بقية الموارد فيأتي الكلام فيها في صلاة المسافر ، كما أن الوجه في المسألتين الآتيتين أصالة عدم جواز العدول لعدم الدليل عليه بالخصوص.

[2] أما بطلان المعدول عنها فللعدول عنها الموجب لفوات نيتها ،

48

كما لو نوى بالظهر العصر وأتمها على نية العصر.

( مسألة 24 ) : لو دخل في الظهر بتخيل عدم إتيانها فبان في الأثناء أنه قد فعلها لم يصح له العدول الى العصر [1].

( مسألة 25 ) : لو عدل بزعم تحقق موضع العدول فبان الخلاف بعد الفراغ أو في الأثناء لا يبعد صحتها على النية الأولى ، كما إذا عدل بالعصر إلى الظهر ثمَّ بان أنه صلاها فإنها تصح عصراً [2] ، لكن الأحوط الإعادة.

( مسألة 26 ) : لا بأس بترامي العدول [3] كما لو عدل في الفوائت الى سابقة فذكر سابقة عليها فإنه يعدل منها إليها وهكذا.

________________________________________________

وأما بطلان المعدول إليها فلأن المفروض عدم جواز العدول. لكن يمكن أن يقال بالصحة مع رجوعه إلى نية المعدول عنها ، إذ ليس فيه إلا فعل بعض أجزاء المعدول إليها في الأثناء ، وهو غير قادح إذا كان سهواً.

[1] لما عرفت من عدم الدليل على جواز العدول من السابقة إلى اللاحقة ، والأصل عدمه.

[2] هذا غير ظاهر ، لما عرفت من أن العدول عن العصر مفوت لنيتها فكيف تصح بلا نية.

[3] كما عن الشهيدين في البيان والروضة. لكن عرفت في مباحث الأوقات أن النصوص غير متعرضة للعدول في الفوائت من لاحقة الى سابقة فضلا عن ترامي العدول فيها ، وإنما تعرضت النصوص للعدول من الحاضرة إلى الحاضرة أو الى الفائتة لا غير ، فإذا بني على التعدي من ذلك الى العدول عن الفائتة إلى فائتة سابقة عليها أمكن البناء على الترامي المذكور

49

( مسألة 27 ) : لا يجوز العدول بعد الفراغ [1] إلا في الظهرين إذا أتى بنية العصر بتخيل أنه صلى الظهر فبان أنه لم يصلها ، حيث أن مقتضى رواية صحيحة أنه يجعلها ظهراً ، وقد مر سابقاً [2].

( مسألة 28 ) : يكفي في العدول مجرد النية [3] من غير حاجة الى ما ذكر في ابتداء النية.

( مسألة 29 ) : إذا شرع في السفر وكان في السفينة أو العربة مثلا فشرع في الصلاة بنية التمام قبل الوصول الى حد الترخص فوصل في الأثناء إلى حد الترخص [4] ، فان لم يدخل

________________________________________________

أيضاً ، لكن المبنى لا يخلو من تأمل. اللهم إلا أن يستفاد مما دل على تبعية القضاء للأداء في الاحكام.

[1] لأنه خارج عن مورد النصوص ، وقد عرفت أن العدول خلاف الأصل في العبادات.

[2] مر الكلام فيه أيضاً في مبحث المواقيت.

[3] كما صرح به في الجواهر ، ووجهه ـ بناء على ما سبق من كفاية الوجود الارتكازي في القربة والإخلاص وغيرهما مما يعتبر في النية ـ ظاهر ، لحصول جميع ذلك حين العدول ، أما بناء على اعتبار الاخطار فينحصر وجهه بإطلاق دليل العدول.

[4] لا إشكال في أن التمام حكم الحاضر والقصر حكم المسافر ، وإنما الإشكال في أن من كان حاضراً وشرع في الصلاة ثمَّ صار مسافراً قبل أن يتم صلاته هل يكون مكلفاً بإكمال صلاته قصراً أم لا؟ ووجه الاشكال : أن الحضور المأخوذ شرطاً في وجوب التمام إن كان المراد منه صرف الوجود

50

في ركوع الثالثة فالظاهر أنه يعدل الى القصر ، وإن دخل في ركوع الثالثة فالأحوط الإتمام والإعادة قصراً [1]. وإن كان في السفر ودخل في الصلاة بنية القصر فوصل الى حد الترخص يعدل الى التمام.

________________________________________________

ولو آناً كان اللازم البناء على أنه مكلف بالتمام ولو بعد الخروج عن حد الترخص لتحقق الحضور كذلك. وإن كان المراد الوجود المستمر الى أن يتم الامتثال امتنع أن يكون مكلفاً بالتمام من حين الشروع ، لكون المفروض عدم استمرار الحضور كذلك ، فلا بد أن يكون مكلفاً بالقصر من حين الشروع بالصلاة ، مع أنه حينئذ حاضر ومن الضروري أن الحاضر تكليفه التمام لا القصر.

أقول : إذا كان الحضور الى زمان حصول الامتثال هو الذي يكون شرطا في وجوب التمام ، فاذا فرض انتفاؤه في المقام لخروجه عن حد الترخص في أثناء الصلاة فلا بد أن يكون تكليفه القصر ، ولا ينافيه أن الحاضر حكمه التمام بالضرورة ، إذ المراد من الحاضر فيه الحاضر الى تمام الامتثال ، وهو غير حاصل في الفرض. وعلى هذا فلا مانع من قصد القصر في الفرض من حين الشروع ، لعلمه بأنه يخرج عن حد الترخص في أثناء الصلاة ، فلو جهل فاعتقد أنه يتم صلاته قبل الوصول الى حد الترخص فنوى التمام ثمَّ تبين له الخطأ فخرج عن حد الترخص قبل إكمال صلاته ، فان كان القصر والتمام حقيقتين مختلفتين بطلت صلاته ، ولا يمكن العدول الى القصر لأنه خلاف الأصل كما عرفت ، وإن كانا حقيقة واحدة أمكن العدول ، إذ لا خلل في امتثال الأمر بوجه لأن المقدار المأتي به من الصلاة وقع بقصد أمره الضمني فله إكمال صلاته قصراً من دون مانع.

[1] بل الأقوى البطلان والاستئناف قصراً ، لإطلاق ما دل على وجوب

51

( مسألة 30 ) : إذا دخل في الصلاة بقصد ما في الذمة فعلا وتخيل أنها الظهر مثلا ثمَّ تبين أن ما في ذمته هي العصر أو بالعكس فالظاهر الصحة ، لأن الاشتباه إنما هو في التطبيق.

( مسألة 31 ) : إذا تخيل أنه أتى بركعتين من نافلة الليل مثلا فقصد الركعتين الثانيتين أو نحو ذلك فبان أنه لم يصل الأولتين صحت وحسبت له الأولتان ، وكذا في نوافل الظهرين وكذا إذا تبين بطلان الأولتين ، وليس هذا من باب العدول بل من جهة أنه لا يعتبر قصد كونهما أولتين أو ثانيتين [1] ، فتحسب على ما هو الواقع نظير ركعات الصلاة ، حيث أنه لو تخيل أن ما بيده من الركعة ثانية مثلا فبان أنها الاولى ، أو العكس ، أو نحو ذلك لا يضر ويحسب على ما هو الواقع.

فصل في تكبيرة الإحرام

وتسمى تكبيرة الافتتاح [2]

________________________________________________

القصر على المسافر ، فاذا وجب عليه القصر لم يصح ما فعله ، لعدم إمكان العدول به اليه من جهة الزيادة.

[1] هذا لا يجدي في الصحة إذا قصد على نحو التقييد ، فإنه مدار البطلان في جميع موارد الخطأ في القصد ، ولعل المراد الإشارة إلى أنه لم يقصد على نحو التقييد ، بل من باب الخطأ في التطبيق ، وقد تقدم في مباحث نية الوضوء ما له نفع في المقام فراجع ، والله سبحانه أعلم.

فصل في تكبيرة الإحرام

[2] كما في غير واحد من النصوص ، كما سيأتي.

52

وهي أول الأجزاء الواجبة للصلاة [1] بناء على كون النية شرطا ، وبها يحرم على المصلي المنافيات [2] ، وما لم يتمها يجوز له قطعها. وتركها عمداً وسهواً مبطل [3] ،

________________________________________________

[1] كما تقتضيه النصوص المتضمنة أن افتتاحها التكبير (1). لكن قد يشكل ذلك بالنسبة إلى القيام ـ بناء على أنه جزء لا شرط ـ فإنه حينئذ يكون مقارناً للتكبيرة كالنية ، بناء على أنها جزء للصلاة لا شرط. إلا أن يقال : بناء على أن القيام جزء للصلاة إنما يجب في حال التكبير ، فيكون التكبير مقدما رتبة عليه ، وبهذه العناية صار أول الأجزاء. وفي القواعد والإرشاد : جعل أول أفعال الصلاة القيام ، وكأنه لوجوب القيام آناً ما قبل الشروع في التكبير من باب المقدمة. فتأمل.

[2] كما يقتضيه ما تضمن أن تحريمها التكبير ، وما تضمن أنها مفتاح الصلاة ، وأن بها افتتاحها (2).

[3] إجماعا ، كما في الذكرى وعن غيرها. وفي الجواهر : « إجماعا محصلا ومنقولا مستفيضاً ». نعم في مجمع البرهان بعد ما حكى عن المنتهى نسبته الى العلماء إلا نادراً من العامة ـ قال : « فكأنه إجماعي عندنا ». وقد يشعر أنه محل توقف عنده ، وهو غير ظاهر. ويشهد له جملة من النصوص كصحيح زرارة : « سألت أبا جعفر (ع) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح ، قال (ع) : يعيد الصلاة » (3) ، وموثق عمار : « سألت أبا عبد الله (ع) عن رجل سها خلف الامام فلم يفتتح الصلاة ، قال (ع) : يعيد ، ولا صلاة بغير افتتاح » (4) ونحوهما غيرهما.

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب تكبيرة الإحرام. وباب : 1 من أبواب التسليم.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب تكبيرة الإحرام. وباب : 1 من أبواب التسليم.

(3) الوسائل باب : 2 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث : 1.

(4) الوسائل باب : 2 من أبواب تكبيرة الإحرام حديث : 7.