مستمسك العروة الوثقى - ج8

- السيد محسن الطباطبائي الحكيم المزيد...
624 /
3

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

فصل في صلاة المسافر

لا إشكال في وجوب القصر على المسافر [1] ، مع اجتماع

________________________________________________

فصل في صلاة المسافر

[1] ادعى غير واحد عليه الإجماع ، بل الضرورة من الإمامية ( رض ) وحكي أيضاً عن أكثر العامة. ويدل عليه النصوص الكثيرة ، ففي صحيح زرارة ومحمد : « قلنا لأبي جعفر (ع) : ما تقول في الصلاة في السفر؟ إلى أن قال (ع) : فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر قالا : قلنا له : إنما قال الله عز وجل ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) (1) ولم يقل : ( افعلوا ) ، فكيف أوجب ذلك؟! فقال (ع) : أوليس قد قال عز وجل في الصفا والمروة ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما (2) ألا ترى أن الطواف بهما واجب مفروض ، لأن الله عز وجل ذكره في كتابه. وصنعه نبيه؟ وكذلك التقصير. » (3)

____________

(1) النساء : 101.

(2) البقرة : 158.

(3) الوسائل باب : 22 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

4

الشرائط الآتية [1] ، بإسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات [2]. وأما الصبح والمغرب فلا قصر فيهما. وأما شروط القصر فأمور وأما شروط القصر فأمور :

الأول : المسافة [3] ، وهي ثمانية فراسخ امتدادية [4]

________________________________________________

[1] للأدلة الآتية الدالة على شرطيتها.

[2] بلا خلاف. ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) : « عشر ركعات ، ركعتان من الظهر ، وركعتان من العصر ، وركعتا الصبح ، وركعتا المغرب ، وركعتا العشاء الأخيرة ، لا يجوز فيهن الوهم‌ .. إلى أن قال : فرضها الله عز وجل‌ .. إلى أن قال : فزاد رسول الله (ص) في صلاة المقيم غير المسافر ركعتين في الظهر والعصر والعشاء الآخرة ، وركعة في المغرب للمقيم والمسافر » (1) ‌ونحوه غيره.

[3] يعني : المحدودة ، إجماعاً من الخاصة والعامة ـ كما عن غير واحد دعواه ـ مع استثناء داود الظاهري ، إذ اكتفى بمجرد الضرب في الأرض. والنصوص بها في الجملة متواترة ، كما سنشير إلى بعضها.

[4] فلا يعتبر الزائد عليها ، إجماعاً منا حكاه غير واحد. وتدل عليه النصوص المستفيضة ، ففي موثق سماعة : « في كم يقصر الصلاة؟ فقال (ع) : في مسيرة يوم ، وذلك بريدان ، وهما ثمانية فراسخ » (2). و‌في رواية الفضل : « إنما وجب التقصير في ثمانية فراسخ ، لا أقل من ذلك ، ولا أكثر » (3) ‌و‌في صحيح الكاهلي : « بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا » (4) و‌في رواية ابن الحجاج : « أربعة وعشرون ميلا يكون ثمانية فراسخ » (5)

____________

(1) الوسائل باب : 13 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها حديث : 12.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 8.

(3) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

(5) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 15.

5

ذهاباً أو إياباً ، أو ملفقة من الذهاب والإياب إذا كان الذهاب أربعة أو أزيد [1] ،

________________________________________________

وفي صحيح أبي أيوب : « في بريدين أو بياض يوم » (1) ‌ونحوها غيرها.

وأما ما ورد في تحديدها بمسيرة يوم وليلة ـ كما في صحيح زكريا ابن آدم (2) ـ أو مسيرة يومين ـ كما في رواية أبي بصير (3) ـ أو ثلاثة برد ـ كما في صحيح البزنطي (4) ـ فهو مطروح ، أو محمول على ما لا ينافي الأول ، أو على التقية.

وأما ما رواه عمرو بن سعيد قال : « كتب إليه جعفر بن أحمد يسأله عن السفر ، وفي كم التقصير؟ فكتب (ع) بخطه ـ وأنا أعرفه ـ : قد كان أمير المؤمنين (ع) إذا سافر وخرج في سفر قصر في فرسخ. ثمَّ أعاد عليه من قابل المسألة ، فكتب إليه : في عشرة أيام » (5) ‌فالأول منها محمول عند بعضهم على حد الترخص ، ونحوه خبر الخدري عن النبي (ص) (6) ولكنه ـ كما ترى ـ خلاف المقطوع به. والثاني على مدة قطع الثمانية فراسخ وهو أيضاً خلاف الظاهر ، ولا قرينة عليه. وكأن ارتكاب ذلك كان لعدم صلاحيتها لمعارضة ما عرفت. لكن الأولى إيكال أمرها إلى قائلها ، من دون تعرض للمراد منها من دون شاهد عليه.

[1] كما عن الأكثر ـ كما عن جماعة ـ أو المشهور ـ كما عن آخرين ـ

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 7.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

(3) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 9.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 10.

(5) الوسائل باب : 6 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

(6) الوسائل باب : 6 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

6

________________________________________________

وحكي عن جملة من كتب الصدوق ، والشيخ ، وسلار وحمزة ، والحلي ، والفاضلين والشهيدين ، والمحقق الثاني ، وغيرهم. وتدل عليه طائفة من النصوص ، كصحيح معاوية بن وهب : « قلت لأبي عبد الله (ع) : أدنى ما يقصر فيه المسافر ، فقال (ع) : بريد ذاهباً وبريد جائياً » (1) وصحيح زرارة : « سألت أبا جعفر (ع) عن التقصير ، فقال : بريد ذاهب وبريد جائي ( كذا ) قال (ع) : كان رسول الله (ص) إذا أتى ( ذبابا ) قصر. وذباب على بريد ـ وإنما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ » (2) ونحوهما غيرهما. ومنه ما دل على وجوب التقصير على أهل مكة في خروجهم الى عرفات.

وبها يجمع بين ما دل على تحديد المسافة بالبريدين ، كالطائفة المشار إليها سابقاً ، وبين ما دل على تحديدها بالبريد ، كصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) : « التقصير في بريد والبريد أربعة فراسخ (3) ‌ومصحح الخزاز : « قلت لأبي عبد الله (ع) : أدنى ما يقصر فيه المسافر فقال (عليه السلام) : بريد » (4) ‌وصحيح الشحام : « سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : يقصر الرجل الصلاة في مسير اثني عشر ميلا » (5) ‌ونحوها غيرها فتحمل الأولى على الملفقة ، والثانية على تحديد خط السير في الذهاب والإياب ويوضح ذلك ما في صحيح زرارة السابق من التعليل ، وما في خبر إسحاق المروي عن العلل وغيرها في قوم خرجوا في سفر وتخلف عنهم رجل وبقوا‌

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 14 ، 15.

(3) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1 ، 10.

(4) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 11.

(5) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

7

________________________________________________

ينتظرونه ، حيث قال (ع) : « إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا ، وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا ، وإذا مضوا فليقصروا. ثمَّ قال (ع) : هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت : لا أدري. قال (ع) : لأن التقصير في بريدين ولا يكون التقصير في أقل من ذلك ، فلما كانوا قد ساروا بريداً وأرادوا أن ينصرفوا بريداً كانوا قد ساروا سفر التقصير .. » (1) ‌فان الحديثين المذكورين بمنزلة الحاكم على نصوص الثمان المفسر لها بما يشمل الملفقة من الذهاب والإياب ، والمقيد لإطلاق نصوص الأربع ، فيتعين حملهما معاً عليه.

ومنه يظهر ضعف ما عن الذكرى ، والروض ، والمدارك : من الميل إلى التخيير بين القصر والتمام في الثمانية الملفقة ، بحمل الأمر بالتقصير فيها على الوجوب التخييري ، جمعاً بينه وبين ما دل على اعتبار الثمانية الامتدادية فإنه جمع غير ظاهر الشاهد ، بل عرفت كون الشاهد على خلافه ، ولا سيما مع إباء بعض أخبار التقصير الواردة في خروج أهل مكة الى عرفات عنه مثل خبر معاوية بن عمار : « إن أهل مكة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير » (2) ، وخبر إسحاق بن عمار : « قلت لأبي عبد الله (ع) : في كم التقصير؟ فقال (ع) : في بريد. ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول الله (ص) فقصروا » (3) ‌وصحيح معاوية بن عمار : « قلت لأبي عبد الله (ع) : إن أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات قال (ع) : ويلهم ـ أو ويحهم ـ وأي سفر أشد منه؟! » (4). فإنها كالصريحة في تحتم‌

____________

(1) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 11.

(2) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

(3) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 6.

(4) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

8

بل مطلقاً على الأقوى [1] وإن كان الذهاب فرسخاً والإياب‌

________________________________________________

القصر تعييناً كما لا يخفى. وحمل الإنكار فيها بالويل أو الويح على الإنكار على الالتزام بالتمام والبناء على عدم مشروعية القصر ، لما سنه عثمان ـ كما دل عليه صحيح زرارة (1) ـ مع أنه خلاف الظاهر ، لا يناسب ما في الأول من التعبير بقوله (ع) : « كان عليهم التقصير » ، ولا ما في الأخير بقوله (عليه السلام) : « وأي سفر أشد منه؟! ». ورفع الجناح في الآية الشريفة لا يصلح شاهداً للتخيير ، لما عرفت من اتفاق النص والفتوى على إرادة الوجوب التعييني منه.

كما منه يظهر ضعف ما عن ابن زهرة وأبي الصلاح وغيرهما : من تعين التمام في الأربعة مطلقاً ، كضعف ما عن الكليني : من الاكتفاء بالأربعة الامتدادية مطلقاً. فإنه وإن كان يشهد له نصوص الأربعة في نفسها ، الا أنه لا مجال للاعتماد عليها في ذلك بعد وجوب حملها على إرادة بيان خط السير الذي يكون فيه الذهاب والإياب ، بقرينة ما عرفت من النصوص. ولعل ذلك مراد الكليني (ره) ، فيكون من القائلين بالثمانية الملفقة. نعم قد يشهد لظاهره صحيح عمران بن محمد : « قلت لأبي جعفر الثاني (ع) : جعلت فداك إن لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ ، وربما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة أم أقصر؟ فقال (ع) : قصر في الطريق ، وأتم في الضيعة » (2). لكن المتعين طرحه. أو حمل الأمر بالتمام فيه على التقية ، لمعارضة ما عرفت. وحينئذ يكون شاهداً لعدم اعتبار الرجوع ليومه ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

[1] لما يستفاد من نصوص الأربعة بعد الجمع بينها وبين نصوص‌

____________

(1) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 9.

(2) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 14.

9

________________________________________________

الثمانية ، من الاكتفاء بالثمانية الملفقة مطلقاً ، ولو بالنحو المذكور. ولا سيما بملاحظة ذيل موثق ابن مسلم : « عن التقصير. قال (ع) : في بريد. قلت : بريد؟ قال (ع) : إذا ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل يومه » (1) ‌فإنه ظاهر في أن المدار على شغل اليوم بالذهاب والإياب ولو مع اختلاف مسافتهما. ومثله في ذلك : التعليل في مصحح زرارة المتقدم الوارد في سفر النبي (ص) إلى ( ذباب ) (2) ، وخبر إسحاق الوارد في منتظر الرفقة (3) لكن لا يخفى أن التعليلات المذكورة وإن كانت حاكمة على نصوص الثمان ومقتضية لجواز التلفيق مطلقاً ، إلا أن الجميع مقيد بنصوص البريد ذاهباً وجائياً. والتعليلات المذكورة لا تصلح لتقديمها على نصوص البريد بل يجب حملها عليه حملا للمطلق على المقيد (4). ولا سيما مع عدم إمكان‌

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 9.

(2) تقدم ذلك في صدر التعليقة السابقة.

(3) تقدم أيضاً في التعليقة السابقة.

(4) وبعبارة أخرى : نصوص الثمانية ظاهرة في وجوب البعد ثمانية فراسخ ، ونصوص الأربعة ظاهرة في وجوب البعد أربعة فراسخ ، ونصوص التعليلات لما لم تكن في بيان تعليل الحكم في مقام الثبوت ، وإنما هي في بيان تعليله في مقام الإثبات ، لم تصلح للحكومة الا على نصوص الثمانية ، فتدل على أن المراد منها ما يعم الملفقة بنحو تشمل الأربعة ذهابا والأربعة إيابا. ولا تعرض فيها لإلغاء اعتبار البعد أربعة فراسخ لتكون حاكمة على نصوص الأربعة نعم إطلاق التلفيق يقتضي الاكتفاء بكون مجموع الذهاب والإياب ثمانية ، ولو كان أحدهما أقل من أربعة. لكن هذا الإطلاق مقيد بنصوص الأربعة ، بعد ما لم تكن له حكومة عليها ، حملا للمطلق على المقيد. نعم لو كان التعليل تعليلا للحكم في مقام الثبوت ، كان حاكماً على جميع نصوص التحديد ، ويكون المستفاد منه : كون المدار على الثمانية ولو ملفقة مطلقاً لكن عرفت أنه تعليل للحكم في مقام الإثبات ، وأن التقصير في البريد ذاهباً وجائياً تقصير في البريدين ، فإنما يتضمن إلغاء ظهور البريدين في الامتداديين ، وأن المراد بهما ما يعم الملفقين ، ولا تعرض فيه لإلغاء نصوص البريد ، فيجب العمل بها.

منه (قدس سره)

10

سبعة. وإن كان الأحوط ـ في صورة كون الذهاب أقل من أربعة مع كون المجموع ثمانية ـ الجمع [1].

________________________________________________

الالتزام بإطلاق التعليلات المذكورة ، لدلالته على الاكتفاء بمجرد شغل اليوم ولو بالتردد بميل ذاهباً وآئباً أربعاً وعشرين مرة ، وهو مما لا يمكن الالتزام به ، بل الظاهر أنه لا خلاف في عدم الاكتفاء به. نعم حكي عن التحرير (1) التقصير على إشكال ، ولم يعرف الاشكال فيه من غيره ، ولا منه في غير التحرير. اللهم إلا أن يفرق بين التلفيق من ذهاب واحد وإياب كذلك ، والتلفيق من أكثر من ذهاب وإياب ، كما هو غير بعيد. وسيأتي.

وكيف كان فالمتعين إذاً حمل التعليلات على بيان أن المراد من الثمانية فراسخ الأعم من الامتدادية والملفقة من أربعة الذهاب وأربعة الإياب. وهو أولى من التصرف في نصوص البريد ، بحملها على الغالب ، الموجب للحكم بالتقصير في كثير من فروض التلفيق المستبشع فيها ذلك. وعليه فما عن شرذمة من متأخري المتأخرين : من الحكم بالتقصير في الفرض ونحوه ، ضعيف.

[1] أما في صورة كون الإياب أقل من أربعة فالاحتياط فيها لا مجال له ، لظهور أخبار البريد في كفاية كون الذهاب بريداً في وجوب التقصير غاية الأمر اعتبر في بعض النصوص : ضم الإياب ليكون متمماً للثمانية ، لا أنه ملحوظ بالأصالة في قبال الذهاب ، ليجري الاحتياط في الصورتين معاً. لكن لا يخفى أن جملة من النصوص تضمنت تحديد أقل المسافة ببريد الإياب أيضاً مع بريد الذهاب ، فلا فرق بين الذهاب والإياب في ذلك.

____________

(1) قال في التحرير : « ولو قصد أربعة فراسخ فان عزم على الرجوع من يومه قصر ، أما لو قصد التردد في ثلاثة فراسخ ثلاث مرات لم يقصر. إلا أن لا يبلغ في الرجوع الأول مشاهدة الجدران ولا سماع الأذان » وظاهره الجزم بوجوب القصر عند التردد فيما دون الأربع.

منه 1‌

11

والأقوى عدم اعتبار [1] كون الذهاب والإياب‌

________________________________________________

فإن أخذ بظاهر التعليلات بني على جواز نقص كل منهما عن البريد مع تكميله بالآخر ، وإلا فلا بد من اعتبار عدم نقص كل منهما عنه. فلاحظ.

[1] كما عن العماني ، ونسبه في محكي كلامه إلى آل الرسول (ص). وعن المفاتيح : نسبته الى الشيخ (ره). وعن مجمع البرهان : نسبته إلى القاضي. واختاره الكاشاني ، والبحراني ، ونسبه ثانيهما إلى جملة من أفاضل متأخري المتأخرين. وهو المشهور بين المعاصرين ، ومن قارب عصرنا. ويقتضيه إطلاق نصوص التلفيق ، بل هو كصريح ما دل على وجوب التقصير على أهل مكة عند خروجهم الى عرفات‌ ، مع عدم ما يشهد لاعتبار الرجوع ليومه ، إلا ما قد يتراءى من ذيل موثق ابن مسلم المتقدم من اعتبار شغل اليوم بالفعل (1). ولكنه ـ كما ترى ـ غير ظاهر ، بل الظاهر كونه في مقام مجرد التقدير ، ليكون نظير الصغرى للكبرى المرتكزة في ذهن السائل من اعتبار الثمانية فراسخ ، المقدرة في جملة من النصوص بمسيرة يوم ، وبياض يوم ، ونحو ذلك ، كما يشهد به مصحح زرارة عن أبي جعفر (ع) المتقدم في نصوص التلفيق (2) ، فان المراد منهما واحد ، كما يظهر بأقل ملاحظة ويشير إلى ذلك التعبير باليوم ، مع أن السفر قد يكون كله بالليل ، أو بعضه باليوم وبعضه بالليل.

ولقد أطال السيد بحر العلوم (ره) في رسالته في تقريب دلالة الحديث المذكور على اعتبار الرجوع ليومه. كما أتعب نفسه الشريفة في الاستدلال على ذلك بموثق سماعة : « عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال (ع) : في مسيرة يوم ، وذلك بريدان ، وهما ثمانية فراسخ. ومن سافر قصر‌

____________

(1) تقدم ذلك قريباً.

(2) تقدم ذلك في أوائل الكلام في هذا الشرط.

12

________________________________________________

الصلاة وأفطر. إلا أن يكون رجلا مشيعاً لسلطان جائر ، أو خرج إلى صيد ، أو إلى قرية له يكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصر ولا يفطر » (1). بناء على أن المراد من أهله بلد الخروج ، ويكون معنى قوله (ع) : « أو إلى قرية له .. » أو المسافر إلى قرية له ، مع كون سفره جامعاً للشرائط لأنه مسيرة يوم ذاهباً وجائياً ، ورجوعه ليومه لا يجوز فيه التقصير لانقطاعه بقصد القرية. وبما عن شرح السنة للحسين بن مسعود : « من أن أمير المؤمنين (ع) خرج من الكوفة إلى النخيلة فصلى بالناس الظهر ركعتين ثمَّ رجع من يومه » (2). فان نقل الرجوع من يومه امارة دخله في قصر الصلاة. وبما عن المقنع : « سئل أبو عبد الله (ع) عن رجل أتى سوقاً يتسوق بها ، وهي من منزله على أربع فراسخ. فان هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم ، وإن ركب السفن لم يأتها في يوم. قال (ع) : يتم الراكب الذي يرجع من يومه صوماً ، ويقصر صاحب السفن » (3). بدعوى كون المعنى : يتم الراكب الذي لا يرجع من يومه إما بتقدير حرف النفي ، أو بحمل الرجوع من يومه على إمكان الرجوع من يومه ولكن لم يرجع.

لكن الجميع ـ كما ترى ـ قاصر الدلالة على ذلك بنحو يعوّل عليه في إثبات الحكم الشرعي ، فضلا عن قصور السند في بعضها. ومجرد الموافقة لفتوى المشهور غير كاف في الجبر ، كما تكرر بيان وجهه في هذا الشرح.

____________

(1) لاحظ صدره في الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 13 ، وذيله في باب : 8 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

(2) البحار ج : 18 صفحة 686 الطبع القديم ، كما في هامش جواهر الكلام الجزء : 14 صفحة 225 الطبع الحديث.

(3) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 13.

13

في يوم واحد [1] ، أو في ليلة واحدة [2] ، أو في الملفق منهما مع اتصال إيابه بذهابه وعدم قطعه بمبيت ليلة فصاعداً في الأثناء ، بل إذا كان من قصده الذهاب والإياب ولو بعد تسعة أيام يجب عليه القصر. فالثمانية الملفقة كالممتدة في إيجاب القصر‌

________________________________________________

وعلى هذا فالمتعين الأخذ بما هو المستفاد من النصوص الصحيحة الدالة على تعين القصر ، وإن لم يرد الرجوع ليومه ، الدالة بإطلاقها أو بصريحها على ذلك كما أشرنا إليها من قبل.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن المرتضى والحلي والفاضلين في بعض كتبهما : من تعين التمام على غير مريد الرجوع ليومه. كضعف ما عن المشهور : من التخيير له بين القصر والتمام. وما عن التهذيب والمبسوط وغيرهما : من التفصيل بين مريد الرجوع ليومه فيتخير بين القصر والتمام ، وغيره فيتعين عليه التمام. وما عن المفيد وسلار ووالد الصدوق : من التخيير لمريد الرجوع لغير يومه في خصوص الصلاة ، دون الصوم. وغير ذلك من الأقوال. لعدم وضوح المستند لها في قبال ما عرفت ، وإن كان يوافق الثاني الرضوي ، قال فيه : « وإن سافرت إلى موضع مقدار أربع فراسخ ، ولم ترد الرجوع من يومك ، فأنت بالخيار فإن شئت تممت ، وإن شئت قصرت » (1). لكنه غير ثابت الحجية في نفسه ، ولا يصلح للمعارضة لغيره مما سبق. ودعوى انجباره بفتوى المشهور. ووهن ما سبق بالاعراض عنه غير ثابتة ، لما عرفت من عدم الانجبار بمجرد الفتوى ، وعدم الوهن بمجرد المخالفة ، لأن بنائهم على الجمع بالتخيير فرع الاعتماد عليه لا القدح فيه.

[1] كما هو الموجود في أكثر العبارات.

[2] كما عن جماعة التصريح به ، بل ظاهر السيد بحر العلوم أو صريحه‌

____________

(1) مستدرك الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

14

إلا إذا كان قاصداً للإقامة عشرة أيام في المقصد أو غيره ، أو حصل أحد القواطع الأخر. فكما أنه إذا بات في أثناء الممتدة ليلة أو ليالي لا يضر في سفره فكذا في الملفقة ، فيقصر ويفطر ولكن مع ذلك الجمع بين القصر والتمام ، والصوم وقضائه في صورة عدم الرجوع ليومه أو ليلته أحوط.

ولو كان من قصده الذهاب والإياب ولكن كان متردداً في الإقامة في الأثناء عشرة أيام وعدمها لم يقصر [1]. كما أن الأمر في الامتدادية أيضاً كذلك.

( مسألة 1 ) : الفرسخ ثلاثة أميال [2].

________________________________________________

دعوى الإجماع عليه ، وإن كان مقتضى الجمود على ذيل موثق ابن مسلم المتقدم المشتمل على التعليل عدمه (1). إلا أن يستفاد من النصوص اعتبار اتصال السير عرفاً. فتأمل. ومما ذكرنا يظهر حكم الملفق.

[1] لعدم قصد السفر الواحد ثمانية فراسخ ولو ملفقة ، نظير ما لو قصد الإقامة على رأس الأربعة. إذ كما أن قصد الإقامة مناف لقصد السفر كذلك التردد فيها. وسيأتي التعرض له في الشرط الرابع.

[2] بلا خلاف ـ كما عن المنتهى ـ وإجماعاً ، كما عن المعتبر والتذكرة والغرية والنجيبية والمفاتيح والكفاية. وعن جماعة : حكاية الاتفاق عليه. ويشهد به ما تقدم من صحيح الكاهلي (2) ، وخبر عبد الرحمن بن الحجاج (3) وصحيح الشحام (4) ، وما في موثق العيص عن أبي عبد الله (ع) : « قال (ع) في التقصير : حده أربعة وعشرون ميلا » (5) ‌بعد الجمع‌

____________

(1) تقدم ذلك في أوائل الكلام في هذا الشرط.

(2) ، (3) ، (4) تقدم ذلك كله في الشرط الأول من شروط القصر.

(5) الوسائل باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 14.

15

والميل أربعة آلاف ذراع [1] بذراع اليد ، الذي طوله أربع‌

________________________________________________

بينها وبين غيرها ، وغيرها.

[1] كما هو المشهور. وعن المدارك والكفاية : أنه مما قطع به الأصحاب وعن غير واحد : أنه المشهور المعروف بين اللغويين ، والفقهاء ، والعرف. وفي السرائر عن مروج الذهب للمسعودي أنه قال : « الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الأسود ، وهو الذراع الذي وضعه المأمون لذرع الثياب ، ومساحة البناء ، وقسمة المنازل. والذراع أربع وعشرون إصبعاً ». وعن الأزهري : أن الميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع ، وعند المحدثين أربعة آلاف ذراع. والخلاف لفظي فإنهم اتفقوا على أن مقداره ستة وتسعون ألف إصبع ، والإصبع ست شعيرات بطن كل واحدة إلى ظهر الأخرى ، ولكن القدماء يقولون : الذراع اثنتان وثلاثون إصبعاً ، والمحدثون : أربع وعشرون إصبعا. ونحوه ما في القاموس : « الميل قدر مد البصر. ومنار يبنى للمسافر ، أو مسافة من الأرض متراخية بلا حد أو مائة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع ، أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنى عشر ألف ذراع بذراع المحدثين ». وحكي التقدير بذلك عن نهاية ابن الأثير. وحينئذ يتعين حمل الإطلاق عليه. إذ لا مجال لحمله على مد البصر ، ولا على ما يمتاز فيه الراجل والراكب ، وإن عدا من معانيه ، لعدم انضباطهما. كما لا مجال لحمله على ما تفرد به في محكي تاج العروس : من أنه ستة آلاف ذراع. لندرته وغرابته.

نعم في مرسل الخزاز : « إن كل ميل ثلاثة آلاف وخمس مائة ذراع » (1). لكن. مع إرساله وهجره بين الأصحاب لا مجال للاعتماد‌

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 13.

16

وعشرون إصبعاً ، كل إصبع عرض سبع شعيرات [1] ، كل شعيرة عرض سبع شعرات ، من أوسط شعر البرذون.

( مسألة 2 ) : لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ ولو يسيراً لا يجوز القصر ، فهي مبنية على التحقيق ، لا المسامحة العرفية [2] نعم لا يضر اختلاف الأذرع المتوسطة في الجملة [3] كما هو الحال في جميع التحديدات الشرعية.

________________________________________________

عليه. مع إمكان حمله على ذراع خاص يساوي سبعة أثمانه أربعاً وعشرين إصبعاً. وأولى بعدم إمكان الحمل عليه رواية الصدوق للمرسل المذكور هكذا : « كل ميل ألف وخمس مائة ذراع » (1). فان لازم ذلك أن يكون البريد ثمانية عشر ألف ذراع ، التي هي فرسخ ونصف بالفرسخ المتعارف. وهو ـ كما ترى ـ مناف لكون البريدين مسيرة يوم ، كما صرحت به النصوص. فلا معدل عما هو المشهور.

[1] قيل : إنه المشهور. لكن تقدم في محكي كلام الأزهري : أنه ست شعيرات. ولعل الحاجة غير ماسة إلى معرفة ذلك ، لأن الذراع المقدر بأربع وعشرين إصبعاً هو الذراع المتعارف عند الأعراب اليوم ، الذي هو من المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى ، فإنه ست قبضات ، أربع وعشرون إصبعاً ، فيكون المعيار منه المتعارف ، كما هو الحال في سائر التحديدات ، ولا تنتهي النوبة إلى تحديده بالإصبع ، فضلا عن تحديد الإصبع والشعيرة. فلاحظ ، وتأمل.

[2] كما تقتضيه ظواهر الأدلة في المقام وفي سائر موارد التحديد.

[3] هذا ينافي ما تقدم من الضبط بالشعرة. وكيف كان فالعمل على أقل الأذرع المتوسطة.

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 16.

17

( مسألة 3 ) : لو شك في كون مقصده مسافة شرعية أو لا بقي على التمام على الأقوى [1] ،

________________________________________________

[1] كما عن غير واحد التصريح به ، بل عن الجواهر نفي وجدان الخلاف فيه. لأصالة التمام ، الراجعة إلى عموم ما دل على وجوب التمام على كل مكلف ، المقتصر في الخروج عنه على المسافر ، فان مقتضى الجمع العرفي بين العام والخاص كون موضوع حكم العام عنوان العام المسلوب عنه الخاص ، فإذا أحرز عنوان العام بالوجدان. وسلب الخاص عنه بالأصل ، كفى ذلك في ثبوت موضوع حكم العام تعبداً ، فيثبت نفسه.

نعم قد يشكل ذلك أولا : بمنع كون مقتضى الجمع العرفي ذلك ، بل ليس موضوع حكم العام إلا الأفراد الواقعية الباقية بعد التخصيص وهي مما لا يمكن إثباتها بالأصل. وثانياً : بأنه يتم لو لم يظهر من الأدلة كون موضوع حكم العام عنواناً وجودياً ، والمقام من الثاني ، فإن المصرح به في بعض النصوص كون موضوع التمام الحاضر أو المقيم ، فلاحظ صحيح زرارة المتقدم فيما يقصر من الصلاة (1). وحينئذ فإثبات وجود التمام بأصالة عدم السفر الخاص مبني على صلاحية إثباته عنوان الحاضر ، وهو مبني على القول بالأصل المثبت.

ويندفع الأول : بأنه وإن كان قريباً ، لكن دعوى كون مقتضى الجمع العرفي ذلك أقرب. ويندفع الثاني : بأن ذكر ذلك في النصوص ليس من باب التقييد ، فإنه خلاف ظاهر أكثر النصوص جداً. ويشهد به عدم اختصاص التمام بالمقيم والحاضر قطعاً ، بل يثبت لكثير من أفراد المسافر ككثير السفر ، والعاصي ، والمتمادي به السير من دون قصد له ، والمتردد ، وغيرهم. فليس موضوع وجوب التمام إلا من لم يكن مسافراً سفراً خاصاً ، فيمكن إثباته بأصالة عدم كون المكلف مسافراً ذلك السفر الخاص. والعلم بوجود السفر‌

____________

(1) تقدم ذلك في أول هذا الفصل.

18

بل وكذا لو ظن كونها مسافة [1].

( مسألة 4 ) : تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الاختبار وبالشياع المفيد للعلم [2] ، وبالبينة الشرعية [3].

________________________________________________

في الجملة لا يقدح في جريان أصالة عدم السفر الخاص ، لأن العلم بذات المقيد لا ينافي الشك في وجود المقيد بما هو مقيد ، فلا مانع من جريان الأصل فيه. ولأجل ذلك كان بناء الفقهاء ( رض ) على الرجوع إلى أصالة التمام عند الشك في جواز القصر من جهة الشبهة الحكمية لوجوب الرجوع إلى العام عند الشك في التخصيص.

وأما استصحاب الحضر فإن أريد منه استصحاب الحضر بالمعنى العرفي اختص جريانه بصورة الشك في الخروج من البلد بنحو الشبهة الموضوعية. أما إذا كان بنحو الشبهة المفهومية فلا يجري ، لما عرفت مراراً : من عدم جريان استصحاب المفهوم المردد. وأما إذا كان بمعنى ما يقابل السفر الشرعي فمرجعه إلى أصالة عدم السفر.

ثمَّ إنه قد يتوهم : أنه في فرض المسألة يجوز الرجوع إلى إطلاق وجوب القصر على المسافر للعلم بصدق السفر. وفيه : أن الإطلاق المذكور بعد ما قيد بأدلة اعتبار المسافة لا يجوز الرجوع اليه عند الشك في وجود قيده‌

[1] لعدم الدليل على حجية مطلق الظن في الأحكام ، فضلا عن الموضوعات. واحتمل في الروض الاكتفاء بالظن القوي ، لأنه مناط العمل في كثير من العبادات. وهو كما ترى.

[2] كان الأولى الاقتصار على ذكر الشياع بلا قيد ، ليكون معطوفاً على الاختبار.

[3] بناء على عموم حجيتها ، كما قربناه في مبحث المياه من هذا الشرح (1).

____________

(1) راجع الجزء الأول المسألة : 6 من فصل ماء البئر.

19

وفي ثبوتها بالعدل الواحد إشكال [1] ، فلا يترك الاحتياط بالجمع.

( مسألة 5 ) : الأقوى عند الشك وجوب الاختبار أو السؤال [2] لتحصيل البينة ، أو الشياع المفيد للعلم ، إلا إذا كان مستلزماً للحرج.

( مسألة 6 ) : إذا تعارض البينتان فالأقوى سقوطهما [3]

________________________________________________

[1] وعن الذكرى والروض : احتماله ، لقرب دعوى بناء العقلاء على حجيته مطلقاً ، بل حجية مطلق خبر الثقة. لكن لو تمت دلالة رواية مسعدة (1) على عموم حجية البينة كانت رادعة عن هذا البناء ، فلا مجال للتعويل عليه.

[2] كما في الجواهر وغيرها ، لقاعدة الامتثال ، وعدم الدليل على معذورية العامل بالأصول النافية قبل الفحص في المقام. وفيه : أن قاعدة الامتثال لا مجال لها مع الأصل المؤمن من الخطر. ودليل الأصل كاف في إثبات العذر ، كما في سائر موارد الشبهات الموضوعية. وما دل على وجوب تعلم الأحكام ـ من الإجماع وغيره ـ غير شامل للمقام.

نعم يمكن أن يقال : إنه يلزم من العمل بالأصل في المقام المخالفة القطعية الكثيرة ، المعلوم عدم جوازها شرعاً ، المستكشف منه وجوب الاحتياط ولكن لزوم ذلك أول الكلام ، بل ممنوع جداً ، لقلة الابتلاء بموارد الشك فتأمل. مع أنه لا يصلح لاستكشاف وجوب الاختبار ونحوه من أسباب العلم وإنما يقتضي وجوب الاحتياط مع عدمه. نعم لو بني على وجوب الجزم بالنية كان ما ذكر في محله. لكن تقدم ضعفه.

[3] لأصالة التساقط في الأمارات المتعارضة ، كما تحقق ذلك في الأصول.

وعن المحقق تقديم بينة الإثبات ، لأن شهادة النفي غير مسموعة. وفيه :

____________

(1) الوسائل باب : 4 من أبواب ما يكتسب به حديث : 4.

20

ووجوب التمام [1] ، وإن كان الأحوط الجمع.

( مسألة 7 ) : إذا شك في مقدار المسافة شرعاً [2] وجب عليه الاحتياط بالجمع ، إلا إذا كان مجتهداً ، وكان ذلك بعد الفحص عن حكمه ، فإن الأصل هو التمام.

( مسألة 8 ) : إذا كان شاكاً في المسافة ومع ذلك قصر لم يجز بل وجب عليه الإعادة تماماً [3]. نعم لو ظهر بعد‌

________________________________________________

أن عموم حجية الشهادة لا يفرق فيه بين النفي والإثبات ولو كان المستند في الأول الأصل ، فضلا عما لو كان المستند فيه الحس.

اللهم إلا أن يقال : إذا كان المستند للنفي الأصل ترجح بينة الإثبات لأنها حاكمة على الأصل الذي هو مستند بينة النفي ، فإذا سقط الأصل سقطت بينة النفي ، لبطلان مستندها ، كما تقدم ذلك في مباحث أحكام النجاسات.

[1] لأصالة التمام المشار إليها سابقاً.

[2] يعني : بنحو الشبهة الحكمية. والوجه في وجوب الاحتياط مع ما عرفت من أصالة التمام : هو ما تحرر في محله من وجوب الفحص ، وعدم جواز الرجوع إلى الأصول اللفظية والعملية في الشبهات الحكمية قبل الفحص عن الحجة ، فيجب على العامي الرجوع إلى المجتهد ، وعلى المجتهد الرجوع إلى الأدلة ، وقبل ذلك يجب الاحتياط عقلا الذي هو مفاد قاعدة الاشتغال. نعم يجوز للمجتهد ـ بعد الفحص عما يوجب القصر وعدم عثوره عليه ـ الرجوع إلى أصالة التمام. أما العامي فليس له الرجوع إليها ، لأنه وظيفة المجتهد ، لقدرته على الفحص. وعجز العامي عنه. نعم لو شك بنحو الشبهة الموضوعية رجع إليها ، لأنها وظيفته حينئذ بمقتضى فتوى مجتهده ، وعدم اشتراط جواز الرجوع إليها بالفحص.

[3] لأصالة التمام المقتضية لوجوب التمام. ومع الغض عن ذلك فمقتضى‌

21

ذلك كونه مسافة أجزأ [1] ، إذا حصل منه قصد القربة مع الشك المفروض [2]. ومع ذلك الأحوط الإعادة أيضا.

( مسألة 9 ) : لو اعتقد كونه مسافة فقصر ثمَّ ظهر عدمها وجبت الإعادة [3]. وكذا لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتم ، ثمَّ ظهر كونه مسافة ، فإنه يجب عليه الإعادة [4].

( مسألة 10 ) : لو شك في كونه مسافة أو اعتقد العدم ثمَّ بان في أثناء السير كونه مسافة يقصر وإن لم يكن الباقي مسافة [5].

( مسألة 11 ) : إذا قصد الصبي مسافة ثمَّ بلغ في الأثناء وجب عليه القصر [6] وإن لم يكن الباقي مسافة. وكذا يقصر‌

________________________________________________

قاعدة الاشتغال عدم الاكتفاء بالقصر المأتي به ، للشك في الامتثال به.

[1] كما في الجواهر وغيرها. لمطابقة العمل للواقع ، الموجبة للإجزاء‌

[2] لا ريب في إمكان حصوله ، لما عرفت من عدم اعتبار الجزم بالنية‌

[3] لعدم الدليل على الاجزاء بموافقة الأمر الظاهري ، فضلا عن الأمر الخيالي الخطئي.

[4] لما عرفت. وعن المدارك والروض : الإجزاء ، لقاعدة الاجزاء وفيه : ما عرفت.

[5] كما في الجواهر وغيرها ، بل لا ينبغي الخلاف فيه ، لتحقق الموضوع واقعاً فيتبعه حكمه. واحتمال اعتبار العلم بالمسافة في وجوب القصر ـ كما عن الروض ـ ضعيف كما اعترف به هو ، إذ هو خلاف إطلاق الأدلة.

ودعوى : أن ظاهر أدلة اعتبار القصد لزوم قصد الثمانية فراسخ ، الموقوف على العلم بها ممنوعة ، بل الظاهر منها قصد السفر في مسافة هي في الواقع ثمانية.

[6] كما عن الروض. لعموم أدلة القصد ، الشامل لقصد الصبي.

22

إذا أراد التطوع بالصلاة مع عدم بلوغه. والمجنون الذي يحصل منه القصد إذا قصد مسافة ثمَّ أفاق في الأثناء يقصر. وأما إذا كان بحيث لا يحصل منه القصد فالمدار بلوغ المسافة من حين إفاقته.

( مسألة 12 ) : لو تردد في أقل من أربعة فراسخ ذاهباً وجائياً مرات حتى بلغ المجموع ثمانية لم يقصر [1] ، ففي التلفيق لا بد أن يكون المجموع من ذهاب واحد وإياب واحد ثمانية.

( مسألة 13 ) : لو كان لبلد طريقان والا بعد منهما مسافة ، فإن سلك الأبعد قصر [2] ، وإن سلك الأقرب لم‌

________________________________________________

وفي الجواهر : « فيه إشكال ». وكأنه لما دل على أن عمد الصبي خطا (1). وفيه ـ مع اختصاص ذلك بالجنايات ، كما يظهر من ملاحظة النصوص الدالة عليه ـ : أن القصد المعتبر في المقام أعم من الالتفات ، وإن لم يكن موجباً لإرادة السفر ، كما سيأتي في الأسير في أيدي المشركين ، وهذا المعنى مما لا مجال للإشكال في حصوله للصبي. مع أن لازم الاشكال المذكور عدم إمكان تطوعه بالقصر في السفر وبطلانه على القول بكون عباداته شرعية ، وأنه لا بد من تطوعه بالتمام ، ولا يظن الالتزام به من أحد. وأضعف من ذلك : ما عن بعض : من اعتبار قصد وليه وجوداً وعدماً ، فإنه خال عن السند.

[1] تقدم الكلام فيه في مسألة اختلاف الذهاب والإياب.

[2] إجماعاً ، كما عن جماعة ، ولم ينسب الخلاف فيه إلا إلى القاضي وعلل بالشك في شمول الأدلة لمثله ، واحتمال كونه من سفر اللهو ، لأن‌

____________

(1) الوسائل باب : 11 من أبواب العاقلة حديث : 3.

23

يقصر ، إلا إذا كان أربعة أو أقل وأراد الرجوع من الأبعد [1].

( مسألة 14 ) : في المسافة المستديرة [2] الذهاب فيها‌

________________________________________________

قطع الزيادة لا لداع ، كقطع تمام المسافة كذلك ، وللشك في صدق المسافر عليه. لكن الجميع كما ترى ، فإن إطلاق الأدلة محكم ، وصدق المسافر عليه قطعي. وكونه من اللهو المانع عن القصر ممنوع. مع أنه قد يكون لداع عقلائي ، كالفرار من الصوم لاحتمال مرض ، أو كون يومه عيداً ، أو لمشقة أو نحو ذلك من الأغراض الصحيحة العقلائية.

[1] بناء على ما تقدم من الاكتفاء بمطلق التلفيق.

[2] حكى في مفتاح الكرامة عن مصابيح أستاذه الوحيد (ره) ما يوهم عدم اعتبار المسافة المستديرة ، قال في المصابيح : « أما السفر فلا شك في أنه لغة وعرفاً أن يطوي المسافة بعنوان امتداد ذهابي يذهب ويغيب عن الوطن فلا بد من قيدين : أحدهما : الإبعاد عن الوطن ، فلو كان المسافر يمشي ويدور في البلد أو يدور حوله ، لا يكون مسافراً .. » ثمَّ حكى عن الصيمري في كشف الالتباس : أن الاستقامة والاستدارة لا مدخل لهما في تحديد المسافة لإطلاق الفتاوى والروايات .. ، ثمَّ استظهر من الشهيد الثاني في نفائح الأفكار : أنه لا كلام فيه. وجعل الأصرح في الدلالة على ذلك ما عن جماعة الإجماع عليه : من أنه لو كان للبلد طريقان أقرب وأبعد ، فسلك الأبعد قصر ، ولا يكون ذلك إلا مع الاستدارة ، ولا قائل بالفصل بين أفراد الاستدارة .. إلى أخر ما ذكر.

أقول : المسافة المستديرة تارة : تفرض مستديرة على البلد ، وأخرى : في جانب منها ، بحيث يلاصق البلد نقطة منها ، فتكون مع البلد شبه الدائرتين المتلاصقتين. أما الثانية فلا ينبغي التأمل في كونها موضوعاً للقصر ، لإطلاق النصوص والفتاوى ، وصدق السفر معها. ويشهد به ما ذكروه في البلد الذي له طريقان. وأما الأولى فدعوى انصراف النصوص عنها بل الفتوى‌

24

الوصول الى المقصد والإياب منه الى البلد [1]. وعلى المختار : يكفي كون المجموع مسافة مطلقاً ، وإن لم يكن الى المقصد أربعة. وعلى القول الآخر : يعتبر أن يكون من مبدأ السير إليه أربعة مع كون المجموع بقدر المسافة.

( مسألة 15 ) : مبدأ حساب المسافة سور البلد [2] ،

________________________________________________

قريبة جداً. بل الظاهر عدم صدق السفر ذاهباً وآئباً بريدين في بعض صورها فالبناء على التمام معها عملا بأصالة التمام في محله. والظاهر أنها مورد كلام الوحيد (ره) فلاحظ.

[1] لا يخلو من إشكال ، لأن المعيار في الذهاب التباعد عن مبدأ السير وهو موجود فيما بين المقصد والنقطة المقابلة لمبدإ السير ، فلا يصدق الشروع في الإياب. إلا مع التجاوز عن تلك النقطة. نعم قد يستعمل الإياب بمجرد الخروج عن المقصد مسامحة بلحاظ مقصده الأصلي وهو البلد. لكنه لا عبرة به‌

[2] كما نسب إلى غير واحد لكونه المتبادر من إطلاق النص والفتوى كما قيل. ويشهد له صحيح زرارة : « سافر رسول الله (ص) إلى ذي خشب ، وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان ، أربعة وعشرين ميلا ، فقصر ، وأفطر .. » (1).

وفي الكفاية : « انه لا يبعد أن يكون مبدأ التقدير مبدأ سيره بقصد السفر ». وكأنه لأن ظاهر نصوص التقدير كونها ملحوظة مما بين المكلف والمقصد. وتشير اليه النصوص المتضمنة لذكر المنزل ، مثل خبر المروزي : « فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر‌

____________

(1) المراد به ـ ظاهراً ـ هو صحيح زرارة ومحمد بن مسلم المذكور في الفقيه ج 1 صفحة 278 الطبع الحديث. وقد نقله الوسائل عنه غير مسند في باب : 1 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4 ، ونقل بعضاً من الرواية عن الفقيه مسنداً في باب : 17 من أبواب صلاة المسافر ملحق حديث : 4 ، وبعضاً آخر كذلك في باب : 22 من الأبواب المذكورة.

25

أو آخر البيوت فيما لا سور فيه في البلدان الصغار والمتوسطات‌

________________________________________________

ميلا ـ وذلك أربعة فراسخ ـ ثمَّ بلغ فرسخين ونيته الرجوع أو فرسخين آخرين قصر » (1) ، وخبر صفوان : « لا يقصر ولا يفطر ، لأنه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ » (2) ، ومرسل ابن بكير : « إن كان بينه وبين منزله أو ضيعته التي يؤم بريدان قصر » (3) ، وموثق عمار : « لا يكون مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ » (4). لكن مبدأ السير لا ينطبق على المنزل دائماً ، إذ قد يكون من نقطة معينة في المنزل. نعم قد تنطبق النصوص على ما عن ابن بابويه : « من أن مبدأها جدران البيت » لكن ـ مع احتمال أن يكون المراد من المنزل ما هو أوسع من البيت ـ لا يناسب عطف الضيعة والقرية عليه في الخبرين الأخيرين. وحمله على التخيير بين الأقل والأكثر ممتنع. بل الظاهر منها أن المبدأ المنزل ، حيث لا يكون في قرية أو ضيعة ، ومنهما حيث يكون فيهما. ومنه يظهر الاشكال فيما تقدم عن الكفاية ، فإنه وإن سلم أنه مقتضى الإطلاق ، إلا أنه يجب رفع اليد عنه لهذه النصوص.

وأما الأول الذي ذكر في المتن ، فهو وإن كان يساعده الصحيح وغيره مما تقدم ، لكنه عليه يشكل البناء على اعتبار المحلة في البلاد المتسعة جداً ، لعدم الوجه الظاهر. والبناء على كون فهم البلد من النصوص بعناية التقدير ، فيرجع إلى مقدارها في الكبيرة ، وهو المراد من المحلة ، نظير ما ذكر في تحديد الوجه : من رجوع غير مستوي الخلقة إليه مندفع ـ مضافاً إلى‌

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

(2) الوسائل باب : 4 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 14 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

(4) الوسائل باب : 4 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

26

وآخر المحلة في البلدان الكبار الخارقة للعادة. والأحوط ـ مع عدم بلوغ المسافة من آخر البلدان ـ الجمع [1] ، وإن كانت مسافة إذا لوحظ آخر المحلة.

الشرط الثاني : قصد قطع المسافة من حين الخروج [2] فلو قصد أقل منها ، وبعد الوصول إلى المقصد قصد مقداراً آخر يكون مع الأول مسافة لم يقصر. نعم لو كان ذلك‌

________________________________________________

أنه لا منشأ لفهم التقدير ، وأنه ليس هناك بلد متعارف المقدار ، ليكون ملحوظاً في مقام التقدير ، لاختلاف البلدان جداً في الصغر والكبر ـ بأن ذلك يوجب رجوع طرفي الإفراط والتفريط في الكبر والصغر إلى ذلك الوسط وكذا من نوى السفر وهو في البيداء ، ولا وجه لاختصاص الرجوع إليه بالكبيرة جداً.

فالأولى أن يقال : إن ظاهر الأدلة اعتبار صدق السفر في تمام المسافة ، فيكون مبدأ المسافة أول حركة يصدق عليها السفر. ولأجل ذلك حصل الاختلاف ، فان من كان في البيداء يصدق السفر على أول خطوة يخطوها ، ومن كان في القرية أو البلد لا يصدق عليه أنه مسافر إلا بالخروج عنهما ، ومن كان في البلاد الكبيرة جداً يصدق عليه المسافر إذا بعد عن أهله ووصل إلى موضع لا يحسب أنه من أهله ، والمسألة محتاجة إلى التأمل.

[1] لاحتمال اعتبار سور البلد في مبدأ المسافة مطلقاً.

[2] إجماعاً بقسميه ، كما في الجواهر وغيرها. ويدل عليه موثق عمار عن أبي عبد الله (ع) : « عن الرجل يخرج في حاجة ، فيسير خمسة أو ستة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها ، ثمَّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة لا يجوز ذلك ثمَّ ينزل في ذلك الموضع. قال (ع) : لا يكون‌

27

________________________________________________

مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ، فليتم الصلاة » (1). فإن الظاهر منه ـ بقرينة السؤال ـ اعتبار إرادة السير ثمانية ، والمرسل عن صفوان ـ فيمن خرج من بغداد يلحق رجلا حتى بلغ النهروان ـ : « قال (عليه السلام) : لا يقصر ، ولا يفطر ، لأنه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ ، إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه .. » (2).

بل في كلام غير واحد الاستدلال عليه : بما دل على تحديد المسافة بضميمة الإجماع والنصوص على جواز التقصير عند بلوغ حد الترخص ، فاذا لم يكن طيها معتبراً في التقصير تعين أن يكون المعتبر قصدها لا غير ، ومن هنا لم تذكر المسافة في القواعد شرطاً في قبال القصد وإنما ذكر قصد المسافة المحدودة لا غير. اللهم إلى أن يقال : طي المسافة معتبر في وجوب التقصير بنحو الشرط المتأخر ، كما يظهر من صحيح أبي ولاد ، المتضمن لإعادة الصلاة التي صلاها قصراً إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ المسافة (3). ولا سيما بملاحظة التعليل فيه. فلاحظ.

فالعمدة إذاً : الإجماع ، والنصوص المذكورة الدالة على اعتبار القصد. وأما اعتبار طي المسافة معه بنحو الشرط المتأخر ، فهو وإن كان ظاهر نصوص المسافة ، وصحيح أبي ولاد ـ ونحوه خبر المروزي ـ (4) لكن يجب رفع اليد عنهما بالتأويل أو الطرح لإعراض المشهور عنهما ، ومعارضتهما بصحيح زرارة الدال على صحة الصلاة (5). وسيأتي التعرض لذلك إن شاء الله.

____________

(1) تقدم ذكرهما في المسألة : 15.

(2) تقدم ذكرهما في المسألة : 15.

(3) الوسائل باب : 5 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

(4) تقدم في المسألة : 15 من هذا الفصل.

(5) الوسائل باب : 23 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

28

المقدار مع ضم العود مسافة قصر من ذلك الوقت [1] ، بشرط أن يكون عازماً على العود [2]. وكذا لا يقصر من لا يدري أي مقدار يقطع ، كما لو طلب عبداً آبقا ، أو بعيراً شارداً ، أو قصد الصيد ولم يدر أنه يقطع مسافة أولا. نعم يقصر في العود إذا كان مسافة ، بل في الذهاب إذا كان مع العود بقدر المسافة وإن لم يكن أربعة [3] ، كأن يقصد في الأثناء أن يذهب ثلاثة فراسخ ، والمفروض أن العود يكون خمسة أو أزيد. وكذا لا يقصر لو خرج ينتظر رفقة إن تيسروا سافر معهم وإلا فلا [4] ، أو علق سفره على حصول مطلب في الأثناء قبل بلوغ الأربعة إن حصل يسافر وإلا فلا [5]. نعم‌

________________________________________________

وأما موثق عمار : « قال سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج في حاجة له وهو لا يريد السفر ، فيمضي في ذلك ، فتمادى به المضي حتى يمضي به ثمانية فراسخ ، كيف يصنع في صلاته؟ قال (ع) : يقصر ، ولا يتم الصلاة حتى يرجع إلى منزله » (1) ‌فمحمول ـ كما قيل ـ على التقصير في الرجوع ، أو مطروح في قبال ما عرفت.

[1] يعني : وقت سيره الثاني.

[2] ليكون من الثمانية الملفقة.

[3] على ما سبق من المصنف (ره) من الاكتفاء بمطلق التلفيق.

[4] كما نص عليه الأصحاب لما سبق.

[5] لظهور الأدلة المتقدمة في القصد المنجز المطلق ، وهو منتف ، بخلاف الفرض الآتي.

____________

(1) الوسائل باب : 4 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.

29

لو اطمأن بتيسر الرفقة ، أو حصول المطلب بحيث يتحقق معه العزم على المسافة ، قصر بخروجه عن محل الترخص.

( مسألة 16 ) : مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير [1] فيقصر وإن كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيام ، وإن كان ذلك اختياراً ، لا لضرورة ، من عدو ، أو برد ، أو انتظار رفيق ، أو نحو ذلك. نعم لو كان بحيث لا يصدق عليه اسم السفر لم يقصر [2] ، كما إذا قطع في كل يوم شيئاً يسيراً جداً للتنزه [3] أو نحوه. والأحوط في هذه الصورة أيضاً الجمع.

( مسألة 17 ) : لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلا ، بل يكفي ولو كان من جهة التبعية للغير [4] ، لوجوب الطاعة ـ كالزوجة ، والعبد ـ أو قهراً ـ كالأسير [5] ،

________________________________________________

[1] بلا خلاف ظاهر ، لإطلاق الأدلة. وقد تشهد به : مكاتبة عمرو بن سعيد المتقدمة في الثمانية الامتدادية (1). وذكر العشرة لأنها غاية العدد في الغالب. فتأمل.

[2] لظهور النصوص في اعتبار السفر ، كما صرح به في جملة منها.

[3] كما في الجواهر ، لكن في منع صدق السفر في الفرض تأملا.

نعم هو من الأفراد غير المتعارفة ، ومثله لا يقدح في الإطلاق ، وإلا وجب تقييده بالمتعارف سرعة أيضاً. وهكذا سائر الخصوصيات غير المتعارفة. فلاحظ.

[4] كما صرح به جماعة كثيرة. لإطلاق النص والفتوى.

[5] الأسير إن كان له قصد فهو من المكره ، وإلا فهو من المجبور الذي لا اختيار له. وسيأتي حكمه.

____________

(1) تقدم ذكره في أول الشرط الأول.

30

والمكره ونحوهما ـ أو اختياراً ـ كالخادم ونحوه ـ بشرط العلم بكون قصد المتبوع مسافة [1] ، فلو لم يعلم بذلك بقي على التمام [2]. ويجب الاستخبار مع الإمكان [3]. نعم في وجوب‌

________________________________________________

[1] كما عن الذكرى والروض ومجمع البرهان وغيرها. ليتحقق للتابع قصدها ، المعتبر في جواز القصر. وما عن الدروس وغيرها : من أنه يكفي قصد المتبوع عن قصد التابع ، على ظاهره غير ظاهر الوجه ، لمنافاته لما دل على اعتبار القصد.

[2] لما تقدم : من أصالة التمام ، المعول عليها عند الشك في المسافة.

ودعوى : أن تعليق التابع قصده بمقصد المتبوع كاف في تحقق قصد المسافة ، إذا كان مقصد المتبوع مسافة واقعاً. مندفعة : بأن الظاهر من الأدلة : اعتبار قصد المساحة المخصوصة ، وعدم كفاية قصد عنوان مردد بين مساحات مختلفة. ولذا يتم طالب الضالة وإن علم أن ضالته في مكان معين في الواقع ، إذا كان ذلك المكان مردداً في نظره بين رأس فرسخ ورأس ثمانية ، كما إذا خرج من النجف جاهلا أن دابته مربوطة في الكوفة أو في الحلة.

[3] أقول : لا ينبغي التأمل في أن المقام ليس من صغريات وجوب الفحص في الشبهات الحكمية والموضوعية ، ليبنى فيه على قاعدة وجوب الفحص ، بناء على عموم أدلتها لكل شبهة إلا ما خرج. حيث أن الوجوب هناك على تقديره إرشادي ، كما حقق في محله. ولذا لا يترتب على مخالفته من حيث هي عقاب ، وإنما يكون العقاب على مخالفة الواقع. ولأجل ذلك يأمن من العقاب بفعل الواقع المحتمل ، ومنه : ما تقدم في المسألة الخامسة ، حيث يمكن الاحتياط بفعل القصر والتمام معاً ، ويأمن بذلك من العقاب. والوجوب هنا على تقديره نفسي ، إذ مع عدم الاختبار يعلم بوجوب التمام ، وعدم وجوب القصر ، لعدم القصد المعتبر فيه ، فلا مجال للاحتياط بفعل‌

31

الاخبار على المتبوع إشكال ، وإن كان الظاهر عدم الوجوب [1]

( مسألة 18 ) : إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة ولو ملفقة بقي على التمام [2] ، بل لو ظن ذلك فكذلك [3]. نعم لو شك في ذلك فالظاهر القصر. خصوصاً لو ظن العدم لكن الأحوط في صورة الظن بالمفارقة والشك فيها الجمع.

________________________________________________

القصر والتمام ، وإنما الاحتياط بفعل الاختبار ، لاحتمال وجوبه تعبداً. ولأجل ذلك لا ينبغي التأمل في جريان أصل البراءة فيه ، الجاري في سائر موارد الشبهات الوجوبية الكلية. ولا وجه للبناء على وجوبه ـ كما في المتن وغيره ـ أو التردد فيه ، كما في الجواهر ، حيث جعل فيه وجهين ، مقتضى الأصل العدم. ونحوه غيره.

لكن الظاهر أن الوجه في حكم المصنف (ره) بالوجوب : بناؤه على أنه من موارد وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية ، كما يتضح ذلك مما يذكره في المسألة العشرين. وفيه : ما سيأتي. ونظير المقام : ما لو أمكنه العلم بموضع دابته الضالة أو عبده الآبق ، فإنه لا يجب الاستخبار أيضاً.

[1] للأصل المتقدم فيما قبله.

[2] لانتفاء القصد المعتبر في القصر.

[3] الظاهر أن المفروض في هذه المسألة صورة إحراز المقتضي للتبعية وكون المفارقة ـ على تقدير وقوعها ـ لوجود المانع من دوام السفر أو انتفاء شرطه. بخلاف المسألة الآتية ، فإن احتمال المفارقة فيها لاحتمال زوال مقتضي التبعية. وكيف كان فان كان احتمال المفارقة ناشئاً من احتمال طروء المانع ، أو فقد الشرط ، فكون الظن به مانعاً من تحقق القصد إلى السفر كلية غير ظاهر ، بل لا يبعد حصول القصد إذا كان الداعي له مزيد أهمية.

32

( مسألة 19 ) : إذا كان التابع عازماً على المفارقة مهما أمكنه ، أو معلقاً لها على حصول أمر ، كالعتق أو الطلاق ونحوهما ، فمع العلم بعدم الإمكان وعدم حصول المعلق عليه يقصر [1]. وأما مع ظنه فالأحوط الجمع. وإن كان الظاهر التمام. بل وكذا مع الاحتمال ، إلا إذا كان بعيداً غايته بحيث‌

________________________________________________

ومن ذلك يظهر الحال في صورة الشك في المفارقة ، والظن بعدمها. بل الظاهر عدم منافاتهما للقصد ، فيجب القصر معهما.

[1] لتحقق القصد إلى المسافة تبعاً ، غير المنافي له القصد إلى المفارقة ، المعلق على أمر غير حاصل باعتقاده. نعم مع الظن بالحصول أو احتماله يكون القصد إلى المسافة تعليقيا لا تنجيزياً ، فلا مجال لاقتضائه القصر ، لما عرفت : من ظهور النصوص والفتاوى في اعتبار القصد التنجيزي في وجوبه وهو مفقود. وإن حكي عن جماعة : القصر في المقام ، بل يظهر من محكي المنتهى ـ حيث اقتصر في نقل القول بالتمام على قول الشافعي ـ الاتفاق عليه منا ، بل ظاهر رده على الشافعي ـ بالنقض بالعبد والمرأة ـ الاتفاق على القصر فيهما حتى من العامة.

لكن عن نهاية الأحكام : الجزم بالتمام ، معللا بانتفاء القصد. وفي محكي الذكرى : التفصيل بين ظهور أمارة التمكن من المفارقة فالتمام ، وعدمه فالقصر ، للبناء على بقاء الاستيلاء ، وعدم رفعه بالاحتمال البعيد. وكأنه يريد من الاحتمال البعيد ما يقابل الظن بالحصول ، بقرينة المقابلة. وقد عرفت إشكاله. ويحتمل أن يريد ما في المتن : من التفصيل بين احتمال حصول التمكن بعيداً فالقصر ، وغيره فالتمام. ولا بأس به حينئذ ، لكون المفهوم من النص ما يعمه. وإن كان لا يخلو من تأمل.

33

لا ينافي صدق قصد المسافة ، ومع ذلك أيضاً لا يترك الاحتياط.

( مسألة 20 ) : إذا اعتقد التابع أن متبوعه لم يقصد المسافة ، أو شك في ذلك ، وفي الأثناء علم أنه قاصد لها ، فالظاهر وجوب القصر عليه ، وإن لم يكن الباقي مسافة. لأنه إذا قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة واقعاً [1]. فهو كما لو قصد بلداً معيناً واعتقد عدم بلوغه مسافة ، فبان في الأثناء أنه مسافة. ومع ذلك فالأحوط الجمع.

( مسألة 21 ) : لا إشكال في وجوب القصر إذا كان مكرهاً على السفر أو مجبوراً عليه [2]. وأما إذا أركب على‌

________________________________________________

[1] قد عرفت الإشكال في ذيل المسألة السابعة عشرة ، وأن تردد المقصد بين مسافات مختلفة مانع من وجوب التقصير ، كتردد مكان الضالة بين بلاد كثيرة مختلفة بالقرب والبعد. نعم لا يقدح تردد المسافة المعينة بين أن تكون ثمانية فراسخ أو دونها في وجوب التقصير واقعاً ، كالخارج من النجف قاصداً الحلة مع تردده في كون المسافة بينهما تبلغ ثمانية فراسخ. والفرق بين تردد العنوان وتردد المعنون ظاهر.

[2] الجبر يقابل الاختيار ، فالمجبور لا اختيار له ولا قصد ، فلا ينبغي إلحاقه بالمكره الحاصل له القصد ، بل ينبغي إلحاقه بما بعده في الاشكال ، من جهة فقد القصد المعتبر في السفر الموجب للقصر. ومجرد أن له حركة سيرية غير اختيارية ـ كالأسير الذي يسحب قهراً ـ غير كاف في الإلحاق بالمكره ، لاشتراكهما في عدم القصد. ولعله يريد من المجبور الأسير الذي يقاد فيمشي تبعاً لقائده. لكنه حينئذ يكون من المكره ، لحصول القصد منه الى السير ، وإن كان الداعي له إليه الخوف.

34

الدابة ، أو ألقي في السفينة من دون اختياره ، بأن لم يكن له حركة سيرية ، ففي وجوب القصر ولو مع العلم بالإيصال إلى المسافة إشكال [1] ، وإن كان لا يخلو عن قوة.

________________________________________________

[1] قال في المستند : « قد يختلج بالبال فيه الإشكال ، إذ القصد إنما يكون على العمل ، ولا يصدر منه عمل حتى يكون قاصداً له. ولعدم شمول كثير من أخبار القصر لمثله ، وعدم تبادره من شي‌ء من أخباره ، وإجمال نحو قوله (ع) : ( التقصير في بريدين ) لاحتمال إرادة قصد بريدين أو سيره ، ومثل ذلك لا يقصد ولا يسير. إلا أن الظاهر الإجماع على وجوب القصر عليه. ويمكن الاستدلال له بقوله تعالى ( فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَر ... ) (1) فإن ذلك كائن في السفر وان لم يكن مقصوداً له ، ولا معارض له ، فيجب التقصير أيضاً.

وفيه : أنه إن بني على الغض عما دل على اعتبار القصد في القصر ، فلا وجه للمناقشة في إطلاق الأدلة بما ذكر ، وإن بني على النظر إليها ، فلا وجه لدعوى الإجماع على القصر ، ولا للاستدلال عليه بإطلاق الآية.

إذ دعوى الإجماع خلاف ما صرحوا به من اعتبار القصد. وإطلاق الآية مقيد بما دل على اعتباره ، كما لا يخفى. ومثله : دعوى كون المراد من القصد في كلماتهم أعم من العلم ، فإنها خلاف الظاهر. والاستشهاد له بتصريحهم بوجوب القصر على الأسير في أيدي المشركين غير ظاهر ، فإنه أعم من ذلك ، إذ الأسير في الغالب يكون مكرهاً ، لا مجبوراً ، كما هو محل الكلام ، ولا إطلاق في كلامهم يشمله ، لأنه وارد في مقام حكم التابع من حيث أنه تابع.

فالعمدة في وجوب القصر : ما في رواية إسحاق بن عمار ، الواردة في‌

____________

(1) البقرة : 184.

35

الثالث : استمرار قصد المسافة [1] ، فلو عدل عنه‌

________________________________________________

قوم خرجوا في سفر وتخلف منهم واحد ، قال (ع) : « بلى إنما قصروا في ذلك الموضع لأنهم لم يشكوا في مسيرهم وأن السير يجد بهم .. » (1) ‌فإنه يدل على أن تمام موضوع التقصير هو العلم بالسفر ثمانية فراسخ. لكن سند الحديث لا يخلو من إشكال.

[1] نسبه في الحدائق إلى الأصحاب أولا ، وادعى اتفاقهم عليه ثانياً. وفي المستند : عن بعض نفي الخلاف فيه ، وعن آخر : أنه إجماع. واستدل له غير واحد بصحيح أبي ولاد ، الوارد فيمن خرج في سفر ثمَّ بدا له الرجوع ، قال (ع) فيه : « وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً ، فان عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام ، من قبل أن تؤم من مكانك ، لأنك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت ، فوجب عليك قضاء ما قصرت. وعليك إذا رجعت أن تتم الصلاة حتى تصير الى منزلك » (2) ، وبما في رواية إسحاق ، من قوله (ع) : « وإن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة » (3) ، وبرواية المروزي فيمن نوى السفر بريدين أربعة فراسخ ، فبدا له بعد ما بلغ فرسخين. قال (ع) : « وإن رجع عما نوى عند بلوغ فرسخين وأراد المقام فعليه التمام » (4).

ويشكل الأول : بأنه ظاهر في اعتبار بلوغ المسافة في صحة التقصير من أول الأمر ، بنحو الشرط المتأخر ، بقرينة أمره بالإعادة ، وهو خلاف‌

____________

(1) تقدم ذكره في أوائل الشرط الأول.

(2) تقدم ذلك في أول الشرط الثاني.

(3) تقدم ذكره في أول الشرط الأول.

(4) تقدم ذكره في المسألة : 15.

36

قبل بلوغ الأربعة أو تردد أتم. وكذا إذا كان بعد بلوغ الأربعة لكن كان عازماً على عدم العود [1] ، أو كان متردداً في أصل العود وعدمه [2] ، أو كان عازماً على العود لكن بعد نية الإقامة هناك عشرة أيام. وأما إذا كان عازماً على العود من غير نية الإقامة عشرة أيام فيبقى على القصر [3] وإن لم يرجع ليومه [4] بل وإن بقي متردداً إلى ثلاثين يوما. نعم بعد الثلاثين متردداً يتم.

( مسألة 22 ) : يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع‌

________________________________________________

المشهور. ومعارض بصحيح زرارة الآتي (1) ، فيكون مطروحاً. ويشكل الثاني : بأنه ضعيف السند. ويشكل الثالث ـ مضافاً الى احتمال أن يكون المراد من المقام إقامة عشرة أيام ـ : بأنه لا بد من حمله على ذلك ، إذ لا وجه للتمام على من بلغ بريداً وإن كان من نيته الرجوع. ولا ينافيه ذكر الفرسخين ، لأنها محمولة على الخراسانية ، التي هي ضعف غيرها ، بشهادة تفسير البريد بها ، وأمره بالقصر إذا بلغها ناوياً للرجوع ، أو فرسخين آخرين. فلاحظ.

ويمكن دفع الإشكال في الأول : بأنه يجب حمله ـ بقرينة الصحيح ـ على الاستحباب ، ولا مانع من الأخذ بظاهره من وجوب الإتمام إذا رجع. كدفعه في الثاني : بأنه يمكن دعوى انجباره بالعمل. فتأمل.

[1] بأن كان متردداً بين الإقامة والسفر.

[2] بأن كان متردداً بين السفر والإقامة والعود.

[3] لما سيأتي ، مما دل على الاكتفاء بالمسافة النوعية.

[4] لما سبق. من عدم اعتبار الرجوع ليومه في المسافة التلفيقية.

____________

(1) يأتي ذكره في المسألة : 24.

37

النوع وإن عدل عن الشخص [1] ، كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص فعدل عنه الى آخر يبلغ ما مضى وما بقي إليه‌

________________________________________________

[1] كما عن غير واحد التصريح به. لصدق المسافة المقصودة. المأخوذة موضوعاً لوجوب القصر. إلا أن يقال : المقدار المعدول اليه لم يكن مقصوداً أولا ، وإنما طرأ قصده ثانياً بعد العدول عن الأول ، فكيف يمكن ضم ما لم يقصد الى ما قد قصد ، وظاهر أدلة اعتبار القصد كون الجميع بقصد واحد ودعوى : أن المسافة النوعية مقصودة بقصد واحد ، كما ترى ، إذ الجامع بين المسافتين مما لم يطرأ عليه القصد ، وإنما طرأ على مسافة شخصية أولا ، ثمَّ طرأ على مسافة شخصية أخرى ثانياً.

فالأولى أن يقال : إن أدلة اعتبار القصد إنما دلت على اعتباره عند الخروج من المنزل ، وأدلة اعتبار استمراره إنما دلت على قدح التردد في أصل السفر لا غير. فلا تشمل صورة العدول عن مسافة إلى مسافة ، بل تبقى مشمولة لأدلة الاكتفاء بالقصد الأول.

ومنه يظهر وهن ما في الروض : من احتمال عدم الترخص ، لبطلان المسافة الأولى بالرجوع عنها ، وعدم بلوغ المقصد الثاني مسافة انتهى فإنه لا مجال لذلك بعد عموم أدلة التقصير له ، ولأجل ذلك أوجب التقصير ـ في العدول عن الامتدادية إلى الملفقة ولو لم يرد الرجوع ليومه ـ من لا يقول به في الملفقة من أول الأمر ، إذا كان مريداً للرجوع ليومه ، كالشيخ (ره) في النهاية وغيره. مضافاً إلى ما في صحيح أبي ولاد الوارد فيمن بدا له الرجوع الى البلد ، من قوله (ع) : « إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريداً ، كان عليك حين رجعت أن تصلي بالتقصير ، لأنك كنت مسافراً إلى أن تصير في منزلك » (1) ، وما في خبر إسحاق بن عمار من قوله (ع) :

____________

(1) تقدم ذكره في أول الشرط الثاني.

38

مسافة فإنه يقصر حينئذ على الأصح. كما أنه يقصر لو كان من أول سفره قاصداً للنوع دون الشخص [1] ، فلو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق ، ولم يعين من الأول أحدهما بل أو كل التعيين الى ما بعد الوصول الى آخر الحد المشترك ، كفى في وجوب القصر.

( مسألة 23 ) : لو تردد في الأثناء ثمَّ عاد الى الجزم ، فاما أن يكون قبل قطع شي‌ء من الطريق ، أو بعده ، ففي‌

________________________________________________

« إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم ، أقاموا أم انصرفوا » (1) ، وما في خبر المروزي من قوله (ع) : « فاذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلا ـ وذلك أربعة فراسخ ـ ثمَّ بلغ فرسخين ، ونيته الرجوع ، أو فرسخين آخرين قصر » (2).

ومنه يظهر ما في المحكي عن المقدس البغدادي : من عدم الترخص لو بلغ بريداً وإن أراد الرجوع ليومه ، تمسكاً بإطلاق الأصحاب عدم التقصير فيمن بدا له الرجوع أو تردد ينتظر الرفقة ، لعدم اعتبار التلفيق هنا ، لعدم كونه مقصوداً من قبل. فان ضعفه ظاهر مما سبق.

[1] لإطلاق ما دل على الترخص بمجرد الخروج من المنزل مريداً للسفر ثمانية فراسخ ، فإنه شامل للثمانية الشخصية المعينة وغيرها. ودعوى : انصرافه إلى المسافة الشخصية ساقطة جداً ، لأن المراد من المسافة خط السير ، وتعيينه متعذر غالباً. نعم لا بأس بدعوى الانصراف إلى صورة تعيين المقصد. إلا أنه بدوي ، لا يعول عليه في رفع اليد عن الإطلاق.

____________

(1) تقدم ذكره في أول الشرط الأول.

(2) تقدم ذكره في المسألة : 15.

39

الصورة الأولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة [1] ولو ملفقة. وكذا إن لم يكن مسافة في وجه [2] ، لكنه مشكل [3] فلا يترك الاحتياط بالجمع. وأما في الصورة الثانية فإن كان ما بقي‌

________________________________________________

[1] لكفاية قصده للمسافة بعد التردد في وجوب التقصير.

[2] قد جزم به في الجواهر وغيرها ، لتناول الأدلة له ، لأنه يصدق أنه خرج من منزله قاصداً للمسافة. وما دل على قدح التردد ، فإنما دل على قدحه في بقاء الترخص حال وجوده ، ولم يدل على اقتضائه ارتفاع السفر حقيقة أو تعبداً بمجرد حدوثه ، فيتعين الرجوع ـ بعد ارتفاعه بالعزم على السفر ـ إلى أدلة الترخص.

[3] لاحتمال كون المرجع في المقام استصحاب حكم الخاص ، لا الرجوع الى عموم العام ، لاحتمال كون عمومات الترخص إنما تدل على حكم واحد مستمر ، بحيث يكون الحكم في الزمان الثاني ملحوظاً بعناية البقاء لوجوده في الزمان الأول ، لا ملحوظاً في نفسه في مقابل وجوده في الزمان الأول ، كما هو مبنى الاحتمالين : احتمال الرجوع الى العام ، واحتمال الرجوع الى الاستصحاب. فالحكم في الزمان الثاني إن كان ثبوته بلحاظ استمراره وبقائه إلى الزمان الثاني فالمرجع الاستصحاب لا العام ، وان كان بلحاظ نفسه في قبال وجوده في الزمان الأول فالمرجع العام ، كما أوضحنا ذلك في تعليقتنا على الكفاية. فإذا شك في ثبوت الحكم في الزمان الثاني ، وأنه على النحو الأول أو النحو الثاني ، لا مجال للرجوع الى العام.

وفيه : أن الظاهر من أدلة التقصير والتمام هو ثبوت الحكم في كل زمان ، مع قطع النظر عن ثبوته فيما قبله ، كما يقتضيه ظهور كون الموضوع المناط به الحكم هو السفر ، وهو صادق على حصص الفرد الزمانية بنحو واحد ونسبة واحدة. مضافاً الى ما في خبر إسحاق المتقدم من قوله (ع) :

40

مسافة ولو ملفقة يقصر أيضاً [1] ، وإلا فيبقى على التمام [2]. نعم لو كان ما قطعه حال الجزم أو لا مع ما بقي بعد العود الى الجزم ـ بعد إسقاط ما تخلل بينهما مما قطعه حال التردد ـ مسافة ففي العود إلى التقصير وجه ، لكنه مشكل [3] ، فلا يترك الاحتياط بالجمع.

( مسألة 24 ) : ما صلاه قصراً قبل العدول عن قصده لا تجب إعادته في الوقت [4] فضلا عن قضائه خارجه.

________________________________________________

« وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا ، فإذا مضوا فليقصروا » (1). لكن الخبر ضعيف.

[1] على ما عرفت.

[2] كأنه لدعوى : ظهور الأدلة في اعتبار كون حركة السير في الثمانية فراسخ كلها ناشئة عن قصد واحد للثمانية ، وليس كذلك في الفرض ولأجله افترق عن الفرض السابق. ولا يجدي إسقاط المتخلل في دفع المحذور المذكور ، لأن الظاهر من الثمانية الممتدة المتصلة ـ أعني : أول وجود للمسافة المقدرة بالمقدار المذكور ـ فإذا أسقط المتخلل فات الاتصال والامتداد. وكأنه لعدم وضوح ذلك عند المصنف (ره) جعل العود الى التقصير في صورة كون المجموع مسافة بعد إسقاط المتخلل وجهاً ، عملا بإطلاق وجوب القصر على المسافر ، المؤيد بخبر إسحاق المتقدم. لكن في الدعوى الأولى تأملا. والتمسك بإطلاق أدلة التقصير ، المؤيد بما في خبر إسحاق قريب.

[3] لما عرفت من ظهور المسافة المعلق عليها التقصير في خصوص المتصلة.

[4] كما هو المشهور شهرة عظيمة ، لصحيح زرارة : « قال سألت‌

____________

(1) تقدم ذكره في أول الشرط الأول.

41

الرابع : أن لا يكون من قصده في أول السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيام [1] قبل بلوغ الثمانية.

________________________________________________

أبا عبد الله (ع) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده ، فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين ، فصلوا ، وانصرف بعضهم في حاجة ، فلم يقض له الخروج ، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين قال (ع) : تمت صلاته ، ولا يعيد » (1). نعم يعارضه خبر المروزي : « وإن كان قصر ثمَّ رجع عن نيته أعاد الصلاة » (2).

ولأجل ذلك جمع الشيخ في الاستبصار : بحمل الأول على نفي القضاء في خارج الوقت ، والثاني على وجوب الإعادة في الوقت.

وفيه ـ مع ضعف الثاني في نفسه ، مضافاً الى إعراض الأصحاب عنه ، بل كاد أن ينعقد الإجماع على خلافه ، إذ لم يعرف القول بالإعادة من أحد سواه في خصوص الاستبصار ، وهو غير معد للفتوى ، وإلى أنه جمع بلا شاهد ـ : أنه معارض في نفي القضاء بصحيح أبي ولاد : « وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً ، فان عليك أن تقضي كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم من مكانك .. » (3) ‌فيتعين حمل الجميع على الاستحباب.

[1] عن الذخيرة : « لا أعرف فيه خلافاً » ، وعن المدارك : « لا خلاف في أنها قاطعة للسفر ». ويستدل له ـ مضافاً الى ذلك ، والى استصحاب التمام ـ بما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) : « من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة ، وهو بمنزلة أهل مكة ،

____________

(1) الوسائل باب : 23 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

(2) تقدم ذكره في المسألة : 15.

(3) تقدم ذكره في أول الشرط الثاني.

42

________________________________________________

فاذا خرج الى منى وجب عليه التقصير ، فاذا زار البيت أتم الصلاة ، وعليه إتمام الصلاة إذا رجع الى منى حتى ينفر » (1).

اللهم إلا أن يستشكل في الإجماع : بعدم حجيته ما لم يوجب العلم بالحكم. وفي الأصل : بأنه محكوم لعموم وجوب التقصير على المسافر.

وفي الصحيح : بظهوره في كون التنزيل بلحاظ وجوب التمام لا غير. إلا أن يقال : إن عطف قوله (ع) : « وهو بمنزلة .. » ظاهر في أنه لبيان حكم آخر ، وإلا كان تأكيداً لما قبله ، وهو خلاف الأصل. بل قوله (ع) : « فاذا خرج .. » كالصريح في أن محل الإقامة بمنزلة الوطن ، إذا سافر عنه قصر ، وإذا رجع إليه أتم ، وإذا خرج عنه الى ما دون المسافة أتم. نعم عدم التزام الأصحاب بذلك فيه يوجب وهن دلالته جداً ، وكونه مما يرد علمه إلى أهله (ع). والتفكيك في الحجية بين دلالاته بحيث ينفع فيما نحن فيه ، بعيد عن المذاق العرفي.

نعم قد يشير الى عموم المنزلة صحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع) « عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الأيام في المكان. عليه صوم؟ قال (ع) : لا ، حتى يجمع على مقام عشرة أيام .. إلى أن قال : وسألته عن الرجل يكون عليه الأيام من شهر رمضان وهو مسافر ، يقضي إذا أقام في المكان؟ قال (ع) : لا ، حتى يجمع على مقام عشرة أيام » (2).

فإن ظاهر السؤال. صدراً وذيلا ـ كون منشئه تخيل أن المراد بالمسافر ما يقابل المقيم والحاضر معاً ، لا ما يقابل الحاضر فقط ، ولأجل ذلك سأل عن جواز الصوم في حال الإقامة أداء وقضاء ، فيكون الجواب ظاهراً في الإقرار على ذلك إذا كانت مدة الإقامة عشرة. ويؤيد ذلك :

____________

(1) الوسائل باب : 3 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

43

وأن لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك [1]. وإلا أتم ، لأن الإقامة قاطعة لحكم السفر ، والوصول الى الوطن قاطع لنفسه ، فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو بعده لم يكن قاصداً للمسافة. وكذا يتم لو كان متردداً في نية الإقامة ، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية [2]. نعم لو‌

________________________________________________

ما ورد في وجوب التقصير على كثير السفر إذا كان قد أقام عشرة أيام في بلده أو غيره (1). فتأمل. مضافاً الى أن الظاهر مما دل على وجوب التمام على المقيم ـ بقرينة مناسبة الحكم لموضوعه ـ كون التمام بعناية خروجه بالإقامة عن عنوان المسافر. فلعل ذلك كله ، بضميمة تسالم الأصحاب كاف في الحكم بقاطعية الإقامة.

ومما ذكرنا يظهر أن مراد المصنف (ره) بقوله : « لأن الإقامة قاطعة لحكم السفر » : أنها قاطعة له نفسه شرعاً ، في قبال الوطن القاطع له عرفاً حقيقة ، لا أنها رافعة لحكم السفر نظير التردد. وإلا لم يصلح تعليلا للحكم المذكور ، ولا مما تساعده الأدلة. فلاحظ.

[1] إذ بذلك يخرج عن عنوان المسافر عرفاً. وما في المستند : من عدم فرق العرف بين ما إذا مر بمنزلة الذي يتوطنه ، ولا سيما إذا كان راكباً ولا سيما إذا مر عن حواليه ، وبين ما إذا لم يمر ـ كما ترى ـ ضعيف. نعم لا بأس به بالنسبة إلى الوطن الشرعي ، بناء على القول به. لكن دليله دل على كونه بمنزلة الوطن العرفي من حيث قاطعية السفر. وسيأتي الكلام فيه.

[2] لعدم قصد السفر المتصل الواحد ، بل يكون المقصود مردداً بين المتصل والمنفصل.

____________

(1) راجع الوسائل باب : 12 من أبواب صلاة المسافر.

44

لم يكن ذلك من قصده ، ولا متردداً فيه ، إلا أنه يحتمل عروض مقتض لذلك في الأثناء ، لم يناف عزمه على المسافة ، فيقصر. نظير ما إذا كان عازماً على المسافة إلا أنه لو عرض في الأثناء مانع ـ من لص أو عدو أو مرض أو نحو ذلك ـ يرجع ، ويحتمل عروض ذلك ، فإنه لا يضر بعزمه وقصده.

( مسألة 25 ) : لو كان حين الشروع في السفر ، أو في أثنائه [1] ، قاصداً للإقامة ، أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية ، لكن عدل بعد ذلك عن قصده ، أو كان متردداً في ذلك ، وعدل عن ترديده الى الجزم بعدم الأمرين ، فإن كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه ، أو مع التلفيق بضم الإياب قصر [2] ، وإلا فلا. فلو كان ما بقي بعد العدول الى المقصد أربع فراسخ ، وكان عازماً على العود ولو لغير يومه قصر في الذهاب والمقصد والإياب. بل وكذا لو كان أقل من أربعة ، بل ولو كان فرسخاً فكذلك على الأقوى من وجوب‌

________________________________________________

[1] الأولى إسقاط هذا العطف. فإنه على تقدير القصد في الأثناء يكون داخلا في المسألة الآتية التي استشكل فيها في التقصير والتمام ، فلا وجه لذكره هنا ، ولا لجزمه بالتمام على تقدير عدم كون الباقي مسافة ولو ملفقة كما هو مفاد قوله فيما يأتي : « وإلا فلا ».

فالفرق بين المسألتين : أن الأولى فيما لو كان قصد الإقامة أو التردد فيها من الأول ، والثانية فيما لو كان في الأثناء. ولعل كلمة : « أو في أثنائه » من قلم الناسخ.

[2] لتحقق القصد اللاحق إلى المسافة المتصلة الممتدة أو الملفقة.

45

القصر في كل تلفيق من الذهاب والإياب ، وعدم اعتبار كون الذهاب أربعة أو أزيد ، كما مر [1].

( مسألة 26 ) : لو لم يكن من نيته في أول السفر الإقامة أو المرور على الوطن ، وقطع مقداراً من المسافة ، ثمَّ بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية ، ثمَّ عدل عما بدا له وعزم على عدم الأمرين ، فهل يضم ما مضى إلى ما بقي إذا لم يكن ما بقي بعد العدول عما بدا له مسافة؟ ـ فيقصر إذا كان المجموع مسافة ، ولو بعد إسقاط ما تخلل بين العزم الأول والعزم الثاني إذا كان قطع بين العزمين شيئاً ـ إشكال. خصوصاً في صورة التخلل ، فلا يترك الاحتياط بالجمع ، نظير ما مر في الشرط الثالث [2].

الخامس من الشروط : أن لا يكون السفر حراماً [3] ، وإلا لم يقصر. سواء كان نفسه حراماً [4] ، كالفرار من‌

________________________________________________

[1] ومر الاشكال فيه.

[2] لاتحاد مناط المسألتين.

[3] إجماعاً ، كما عن الخلاف ، والمعتبر ، والتذكرة ، والمنتهى ، والدرة ، وظاهر كشف الحق ، والذخيرة ، والكفاية ، ومجمع البرهان ، وغيرها. ويدل عليه جملة من النصوص الآتي إليها الإشارة.

[4] كما هو ظاهر المشهور. ويقتضيه صحيح عمار بن مروان عن أبي عبد الله (ع) : « من سافر قصر وأفطر. إلا أن يكون رجلا سفره الى صيد ، أو معصية الله تعالى ، أو رسولا لمن يعصي الله ، أو في طلب عدو ، أو شحناء ، أو سعاية ، أو ضرر على قوم من المسلمين » (1).

____________

(1) الوسائل باب : 8 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

46

الزحف ، وإباق العبد ، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج في غير الواجب ، وسفر الولد مع نهي الوالدين في غير الواجب ، وكما إذا كان السفر مضراً لبدنه ، وكما إذا نذر عدم السفر مع‌

________________________________________________

فإنه إذا حرم السفر يصدق عليه أنه في معصية ، وموثق سماعة : « ومن سافر قصر الصلاة وأفطر. إلا أن يكون رجلا مشيعاً لسلطان جائر ، أو خرج الى صيد .. » (1).

فان السفر المشايع فيه بنفسه حرام. ومرسل ابن أبي عمير : « لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلا في سبيل حق » (2) ‌وما ورد في تعليل وجوب التمام على المتصيد بأن التصيد مسير باطل ، بدعوى : أن السفر المحرم باطل ، وليس بحق.

اللهم إلا أن يستشكل في الجميع : بأن ظاهر قوله (ع) : « أو في معصية » كونه معطوفاً على قوله : « إلى صيد » ، فيكون المراد سفره في معصية. وظاهره : كون المعصية غير السفر ، فان السفر المعصية غير السفر في المعصية ، الذي هو من قبيل السعي في الحاجة. وأن الظاهر من حرمة المشايعة كونها بلحاظ ما يترتب عليها ، من ترويج الجور والإعانة عليه ، لا من حيث أنها حركة بعنوان المشايعة ، فتكون حينئذ من القسم الثاني. ولو أريد من الثاني خصوص ما كانت الغاية فعلا اختيارياً ، كان هذا قسماً برأسه. ولا يبعد دخوله في قوله (ع) : « أو في معصية » وحينئذ لا يدل على حكم السفر المحرم نفسه ، كأكثر الأمثلة المذكورة. والظاهر من سبيل الحق ما كان سبيلا إلى الحق ، فلا ينافي تحريمه النفسي ـ وكذا التعليل بالمسير الباطل ـ فلا يثبت بهما عموم الدعوى ، إذ قد يكون السفر المحرم بقصد بعض الأغراض الصحيحة العقلائية المباحة أو المستحبة ،

____________

(1) الوسائل باب : 8 من أبواب صلاة المسافر حديث : 4.

(2) الوسائل باب : 8 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

47

رجحان تركه ، ونحو ذلك. أو كان غايته أمراً محرماً [1] ، كما إذا سافر لقتل نفس محترمة ، أو للسرقة ، أو للزنا ، أو لإعانة ظالم ، أو لأخذ مال الناس ظلماً ، ونحو ذلك. وأما إذا لم يكن لأجل المعصية ، لكن تتفق في أثنائه ، مثل الغيبة ، وشرب الخمر ، والزنا ، ونحو ذلك مما ليس غاية للسفر فلا يوجب التمام [2] بل يجب معه القصر والإفطار.

( مسألة 27 ) : إذا كان السفر مستلزماً لترك واجب ،

________________________________________________

فيكون مسير حق لا باطل. مع أنه لا يمكن الأخذ بإطلاقهما ، كما لا يخفى ودعوى القطع بالأولية أو المساواة ـ كما في الجواهر ـ محل تأمل.

ولأجل بعض ما ذكرنا ـ مضافاً إلى دعوى استلزامه المنع من ترخص كل مسافر تارك للواجب في سفره ، المقتضي لعدم الترخص إلا للأوحدي ـ تنظر الشهيد الثاني في الروض في وجوب التمام في هذا القسم.

اللهم إلا أن يستفاد ذلك من إطلاق معاقد الإجماع ، وعدم العثور على مخالف فيه ، وعدم ثبوت خلاف الشهيد الثاني ، ولا سيما وكون خلافه ـ على تقديره ـ للشبهة الأخيرة غير الواردة ، وعلى تقدير ورودها إنما تقدح في عدم الترخص في السفر المستلزم ترك الواجب ـ كما يأتي الكلام فيه ـ لا ما حرم في نفسه ، كما هو محل الكلام. فتأمل جيداً.

[1] يعني : كانت غايته فعلا اختيارياً بالمباشرة محرماً. وبذلك افترق عن السفر المضر ببدنه. وكيف كان فلا خلاف ولا إشكال في قدحه في الترخص. وتدل عليه النصوص المتقدمة ، وغيرها.

[2] هو واضح لا خلاف فيه ، كما في مفتاح الكرامة. لقصور الأدلة من النصوص والإجماعات عن شموله. فالمرجع فيه أصالة القصر على المسافر.

48

كما إذا كان مديوناً وسافر مع مطالبة الديان وإمكان الأداء في الحضر دون السفر ونحو ذلك ، فهل يوجب التمام أم لا؟ الأقوى التفصيل بين [1] ما إذا كان لأجل التوصل الى ترك الواجب أو لم يكن كذلك ، ففي الأول يجب التمام ، دون الثاني. لكن الأحوط الجمع في الثاني.

________________________________________________

[1] لا ينبغي التأمل في أن الكون في الحضر ـ الذي يتوقف عليه أداء الدين الواجب ـ والكون في السفر من قبيل الضدين. وعليه إن لم نقل بأن وجود أحد الضدين مقدمة لترك الآخر فالسفر المذكور ليس مقدمة لترك الواجب ، فلا يمكن قصد التوصل به إليه ، فضلا عن أن يكون معصية ويقتضي التمام ، لعدم الدليل على ذلك ، حيث لا تشمله النصوص المتقدمة ، ولا الإجماعات ، فلا موجب للخروج عن أصالة القصر على المسافر. وإن قلنا بمقدميته له كان البناء على التمام فيه في محله ، لصدق كونه سفراً في معصية.

نعم لا بد من التفاته إلى ترتب ترك الواجب عليه ، لعدم صدق السفر في المعصية بدونه. وحينئذ يتعين التفصيل بين الالتفات إلى الغاية المذكورة وعدمه ، لا قصد التوصل وعدمه. وإذ أن التحقيق : انتفاء المقدمية المذكورة ، فالقول بوجوب القصر مطلقاً في محله.

اللهم إلا أن يقال : المعيار في كون السفر في معصية نظر المسافر ، لا الواقع. فكما أنه إذا سافر بقصد الوصول اختياراً إلى غاية محرمة ، صدق كون سفره سفراً في معصية ، وإن لم يصل الى الغاية ولم تترتب على سفره ، بل وإن لم يكن سفره مقدمة لها أصلا واقعاً. كذلك اعتقاد المقدمية مع الالتفات أو القصد إلى الغاية كاف في الصدق ، ولا يتوقف على ثبوتها‌

49

( مسألة 28 ) : إذا كان السفر مباحاً ، لكن ركب دابة غصبية ، أو كان المشي في أرض مغصوبة ، فالأقوى فيه القصر [1]. وإن كان الأحوط الجمع.

( مسألة 29 ) : التابع للجائر إذا كان مجبوراً ، أو مكرهاً على ذلك ، أو كان قصده دفع مظلمة ، أو نحوها من‌

________________________________________________

واقعاً. فالتفصيل بين صورة البناء على المقدمية مع الالتفات الى ترتب ترك الواجب فيجب التمام ، وبين غيرها فيجب القصر. في محله.

وعليه فاعتبار قصد التوصل في وجوب التمام ـ كما في المتن ـ وعدم الاكتفاء بمجرد الالتفات ، غير ظاهر الوجه ، للاكتفاء به في حسن العقاب في سائر الموارد في الغايات التوليدية ، وإن لم يحصل قصد التوصل. ولعل ما ذكره المصنف (ره) راجع إلى ما قلنا ، وإن بعد. وسيأتي ـ إن شاء الله ـ في المسألة السادسة والثلاثين تحقيق كون المدار على الواقع ، أو على اعتقاد المسافر.

[1] لاختصاص النصوص بما لو كان السفر بما أنه طي للمسافة حراماً ، فلا تشمل صورة ما لو كان التحريم بلحاظ كونه تصرفاً في مال الغير بركوبه عليه ، أو لبسه له ، أو وضعه في جيبه ، أو نحو ذلك. ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر وغيرها من وجوب التمام.

اللهم إلا أن يقال : اختصاص النصوص بغير ما ذكر ممنوع ، بل إطلاقها يقتضي عموم الحكم له. مع أن ذلك يقتضي عدم الترخص بالسفر المضر بالبدن ، فان تحريمه ليس بعنوان كونه سفراً بل بعنوان كونه مضراً. وكذا سفر الولد مع نهي الوالد ، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج ، فان تحريمهما بعنوان كونهما معصية للوالد ، وخروجاً من البيت بغير إذن الزوج. وكذا الحال في كل سفر يحرم لحرمة غايته التوليدية ، إذا كانت تترتب على السفر ، لا من حيث كونه بعداً عن الوطن.

50

الأغراض الصحيحة المباحة أو الراجحة قصر [1]. وأما إذا لم يكن كذلك ـ بأن كان مختاراً ، وكانت تبعيته إعانة للجائر في جوره ـ وجب عليه التمام [2] ، وان كان سفر الجائر طاعة [3] ، فإن التابع حينئذ يتم ، مع أن المتبوع يقصر.

( مسألة 30 ) : التابع للجائر المعد نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر [4] ، فسافر امتثالا لأمره ، فان عد سفره إعانة للظالم في ظلمة كان حراماً [5] ، ووجب عليه التمام ، وإن كان من حيث هو ـ مع قطع النظر عن كونه إعانة ـ مباحاً. والأحوط الجمع. وأما إذا لم يعد إعانة على الظلم ، فالواجب عليه القصر.

( مسألة 31 ) : إذا سافر للصيد ، فان كان لقوته وقوت عياله قصر [6] ،

________________________________________________

[1] لانتفاء المعصية من كل وجه.

[2] لصدق كونه سفراً في معصية.

[3] لعدم قصده المعصية.

[4] يعني : لغاية مباحة. وإلا كان من القسم الثاني بلا إشكال.

[5] هذا لا إشكال فيه ، إنما الإشكال في المعيار في صدق الإعانة وعدمه ، والكلام فيه في محل آخر.

[6] بلا خلاف ـ كما عن التنقيح ، والذخيرة ـ بل هو مجمع عليه نقلا ، إن لم يكن تحصيلا ـ كما في الجواهر ـ لإطلاق ما دل على وجوب القصر في السفر. مضافاً الى ما في مرسل محمد بن عمران القمي عن أبي عبد الله (ع) : « .. إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر ، وليقصر » (1).

____________

(1) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

51

بل وكذا لو كان للتجارة [1]. وإن كان الأحوط فيه الجمع. وإن كان لهواً ـ كما يستعمله أبناء الدنيا ـ وجب عليه التمام [2].

________________________________________________

وقصور نصوص نفي الترخص بسفر الصيد ـ بواسطة التعليل فيها بأنه مسير باطل ، وب « إنما خرج في لهو » ـ عن شموله.

[1] كما هو المشهور بين المتأخرين. لما تقدم من إطلاق وجوب القصر على المسافر. لكن المحكي عن أكثر القدماء قصر الصوم ، دون الصلاة. بل في محكي السرائر : « إن أصحابنا أجمعوا على ذلك فتيا ، ورواية ». وعن المبسوط : نسبته إلى رواية أصحابنا. وليس عليه دليل ظاهر ، عدا ما ذكر من الإجماع ، والمرسلتين (1). وفي الاعتماد عليها ـ في تقييد إطلاقات ترخص المسافر ، وما دل على تلازم الإفطار والقصر ، كصحيح معاوية بن وهب : « إذا قصرت أفطرت ، وإذا أفطرت قصرت » (2) ـ تأمل. أو منع. إذ الإجماع المنقول ليس بحجة. والمرسلتان غير معلومتي الدلالة ، وإن كانتا مجبورتي السند.

اللهم إلا أن يكون قوله في المبسوط : « إنه يتم ويفطر الصوم » ـ ونحوه في السرائر نقل للمتن باللفظ ، أو المعنى. وهو غير قاصر الدلالة ، فيكون حجة. واحتمال عدم وروده في المقام بعيد جيداً. والمسألة بعد لا تخلو من إشكال.

[2] إجماعاً ، حكاه جماعة كثيرة. وعن الأمالي : إنه من دين الإمامية.

ويدل عليه النصوص الكثيرة ، كصحيح عمار بن مروان‌ ، وموثق سماعة‌ ، المتقدمين (3) وخبر السكوني : « سبعة لا يقصرون .. إلى أن قال : والرجل‌

____________

(1) المراد بهما : مرسلتا الشيخ في المبسوط والحلي في السرائر.

(2) الوسائل باب : 15 من أبواب صلاة المسافر حديث : 17.

(3) تقدم ذكرهما في الشرط الخامس.

52

ولا فرق بين صيد البر والبحر [1]. كما لا فرق ـ بعد فرض كونه سفراً ـ بين كونه دائراً حول البلد ، وبين التباعد عنه ، وبين استمراره ثلاثة أيام وعدمه على الأصح [2].

________________________________________________

يطلب الصيد ، يريد به لهو الدنيا » (1) ، وصحيح زرارة « عمن يخرج من أهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزه الليلتين والثلاث ، هل يقصر من صلاته ، أو لا يقصر؟ قال (ع) : إنما خرج في لهو ، لا يقصر » (2). إلى غير ذلك.

[1] لإطلاق النصوص والفتاوى. اللهم إلا أن يدعى : انصرافه إلى المعهود المتعارف بين الملوك وأبناء الدنيا ، من صيد الأول بالبزاة والكلاب كذا في الجواهر. لكن عرفت : أن التعارف لا يوجب الانصراف المعتد به في رفع اليد عن الإطلاق.

[2] لإطلاق الأدلة. نعم عن الإسكافي : « المتصيد ماشياً إذا كان دائراً حول المدينة ، غير مجاوز حد الترخص لم يقصر يومين. فان تجاوز الحد واستمر دورانه ثلاثة أيام ، قصر بعدها ». وهو غير واضح. نعم يشير الى ما في ذيله خبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) : « ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام. وإذا جاوز الثلاثة لزمه » (3).

لكنه مما لا مجال للعمل به بعد مخالفته لما سبق. ومثله صحيح العيص : « أنه سئل الصادق (ع) عن الرجل يتصيد ، فقال : إن كان يدور حوله فلا يقصر ، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر » (4). ونحوه صحيح صفوان عن عبد الله قال : « سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل .. » (5) ‌فإنهما ـ مع ما هما عليه من الإجمال ـ

____________

(1) الوسائل باب : 8 من أبواب صلاة المسافر حديث : 5.

(2) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 3.

(4) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 8.

(5) الوسائل باب : 9 من أبواب صلاة المسافر حديث : 2.