الصراع بين الأمويين ومبادئ الاسلام

- د. نوري جعفر المزيد...
179 /
3

-

4

بسم الله الرحمن الرحيم

في هذا الكتاب يقدم لنا المؤلف الدكتور نوري جعفر عن عقيدة أخلصها وصفاها لمبادئ الإسلام العديد من مساوئ بني أمية التي كانت ثلمة لا ترأب في صرح الإسلام المجيد. وهي لا تزال إلى اليوم.

وصمة في تاريخهم منذ أمسكوا بزمام الحكم حتى سقطت دولتهم على يد العباسيين سنة 132 هـ.

وقيمة هذا الكتاب تتجلى في أن مؤلفه أضاف شيئاً جديداً على الكاتبين ، هذا الموضوع ، ذلك أنه وثق كل ما جاء من مواقف بني أمية ضد مبادئ الإسلام السمحاء بالعديد من الروايات المبثوثة في المصادر والمراجع.

كما أتحف هوامش الكتاب بالكثير من تراجم الأعلام الذين ورد ذكرهم في تنايا كتابه.

لقد كتب أبو عثمان بن عمرو بن بحر الجاحظ ـ شيخ كتاب القرن الثالث الهجري ـ كما كتب غيره الكثير عن أخبار بني أمية وعن مساوئهم ومناوأتهم للبيت الهاشمي ولكن الذي كتبه الجاحظ وغيره لا يعدو أن يكون من الرسائل المقتضبة ، تناول فيها الجاحظ والمقريزي وغيرهما إبراز الصورة الفنية فيما كتبوا قبل ان يقدموا للقراء روايات مدعمة بالأدلة والبراهين يشفعوا ما كتبوه بمقارنات تاريخية مدعمة بالمراجع والمصادر التي أستمدوا منها دراساتهم.

فالصورة الفنية عند هؤلاء كانت هدفاً في ذاته. ومن ثم كانت كتبهم لوناً من

5

ألوان الأدب قبل أن تكون مصدراً من مصادر التاريخ يصح الاعتماد عليه في كل شيء.

تناول المؤلف في هذا الكتاب العديد من القضايا التي خرج فيها بنو أمية عن المثالية الإسلامية التي وضع الرسول أساسها وسار عليها الخلفاء الراشدون كل بقدر إجتهاده حتى بلغت في خلافة على القمة التي لا يعلوها قمة من أخلاقيات الإسلام ومبادئه وقيمه. لولا أن هذا النهج المثالي الذي شرعه على وبرأ فيه نفسه عن ادعاء الكمال حينما أسندت إليه الخلافة سرعان ما هو جم من معسكر البغي والعدوان من بني أمية وأعوانهم.

لقد تناول في كتابه الكثير من هذا الموقف المضاد الذي أحدثه الأمويين ضد الحكومة الراشده ، وزادوا عدواناً وعصياناً على عدوانهم وعصيانهم في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

وسبب واضح عند نقاد التاريخ.

وهو أن بني حرب كانوا دائماً في موقف مضاد لبني هاشم الذين كانت لهم الريادة والرفادة والسدانة للكعبة والبيت الحرام.

وكانت لهاشم جد هذا البيت رحلتا : الشتاء والصيف وهما الرحلتان المذكورتان في سوة « قريش » وخص الله بهما بني هاشم قبل غيرهما

فلما كان الإسلام تحول التنافس إلى عداء شديد لا يطاق.

وسبب هذا العداء ـ كما هو معلوم أن الله أرسل نبيه من هاشم ولم يرسل من بني حرب جد الأمويين.

ولئن كانت قريش تضم الأسرتين المتنافستين في الجاهلية والمتنازعتين في الإسلام إلا أن العنجهية القريشية في آل هاشم تختلف كل الاختلاف عن العنجهية القريشية في آل حرب.

6

فأخلاق الهاشميين أخلاق تعتمد على الإباء والنجدة والمروءة والسؤدد وإزدادت في الإسلام حين بعث إليه حبيبه محمداً كمالا على كمالها وأرتقت أخلاقهم من مراتب النجدة والشجاعة إلى مراتب الإيثار ، ونكران الذات والعمل بما جاء من آداب المؤمنين في القرآن.

فكان النبي ومن حوله من الهاشميين وفي مقدمتهم : الإمام علي مركز إشعاع لهذه الأخلاق الإسلامية.

أما آل حرب فكانوا اقرب إلى النقيض من هذه الأخلاق على الرغم من كونهم أبناء عمهم ويجمعهم في النسب من قريش عبد مناف بن قصي والد هاشم جد هؤلاء السادة وامية جد معاوية بن أبي سفيان.

وقد ألمعنا في السطور السابقة أن التنافس بين الأسرتين تحول إلى عداء مستحكم ؛ ولكن هذا العداء لم يكن آتياً من الهاشميين وكيف يصدر عنهم؟ وهم : المتخلقون بأخلاق القرآن وفيهم سيد الأنبياء وعلي بن أبي طالب ابن عم النبي ، والعباس بن عبد المطلب عم النبي.

وإنما كان مبعث هذا التنافر والتحدي منبعثاً آل حرب « بني أمية » وسبب ذلك أنهم رأوا أن السؤدد والدين كله في ظاهره وباطنه في الهاشميين وأن هؤلاء حملوهم على الإسلام حملا وقد نالوا منهم في موقعة بدر فقتلوا الكفار من آل أمية كما قتلوا أبناءهم وأعمامهم.

فتحول أنتصار آل هاشم على آل امية تحت راية الإسلام في موقعة بدر إلى كره عنيف وحقد دفين في قلوبهم.

وتركز هذا البغض والعداء في رواسبهم النفسية ، فكان ما كان من معاداة للإمام علي في الصورة المؤلمة التي بسطتها كتب التاريخ.

7

ومن هذا المنطق العقائدي أو العقدي ولدت الفتن والملاحم بين الأسرتين القريشيتين.

ولقد حاول المؤلف أن يفصح عن موقف الأمويين ضد مبادئ الإسلام ، فأفاد في الكثير مما كتب.

وحق له أن يتحدث عن مساوئهم وعما عرفوا به من خيانة ، وغدر بالقيم ، واقتراف للكثير من الجرائم الأخلاقية كالزنا ومعاقرة الخمر وإرتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن فضلا عن الاحتيال في الدين ونقض للعهود وكذب على الله وآل بيت نبيه ، واستحلالهم للعن الإمام علي الذي فيه يقول الرسول :

من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى.

استعرض المؤلف كل هذه الثغرات الأخلاقية التي تدين بني أمية وتضعهم في موضع غير كريم من تاريخ الإسلام. إلا أني كنت أحب أن يفلسف الخلاف بين الهاشميين والأمويين. وأساس هذا الخلاف الذي تفاقم خطية في العهد الأموي أن الإمام علي ومن حوله ومن بعده من الهاشميين كانوا يمثلون المعسكر المثالي في الإسلام الذي يؤمن بالمثل والمبادئ والقيم وهو المبدأ الذي يؤثر فيه المثاليون القيم الإسلامية على حظوظ الدينا. بينما كان الأمويون يمثلون المعسكر الواقعي المتطرف الذي لا يرى الأشياء إلا بالمنظار المادي وأتباع هذا المعسكر يضحون بكل شيء من أجل الدنيا ، ولا بأس عندهم من أن يبيعوا دينهم من أجل عرض زائل من الدنيا.

ولا مانع في نظرهم أيضاً من اصطناع الكذب والخيانة والرشوة وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ليصلوا إلى دنياهم بالطريق غير المشروع.

والتاريخ شاهد على هذه الآثام التي أرتكبت على حساب الدين.

وهل هناك أفظع من التحايل على الإسلام حين رفع معاوية وعمرو وصحبهم

8

المصاحف على الرماح بغياً للفتنة التي قال في شأنها الإمام علي :

« حق أريد به باطل » !

وهل هناك أقيم عند الله من نيل الدنيا على القيم والعقيدة واصطناع الحيل كما فعل معاوية وعمرو؟ ثم ما أجرم فيه أصحاب معاوية من دس السم للإمام الحسن ، ودس السم لمالك الأشتر وقول معاوية : إن لله جنوداً من العسل مما لا تقره المروءة والنخوة الإسلامية. ثم ما كان بعد ذلك من أهوال لا تطيقها الجبال من قتل ابن بنت رسول الله ظلماً وعدواناً ، وضرب يزيد للكعبة بالمنجنيق ، واستحلال المدينة ، إلى غير ذلك من الفظائع الاموية. إلى غير ذلك مما أشار إليه المؤلف في كتابه.

أما الأحاديث التي أشار المؤلف إليها وما ظنه انه من الأحاديث التي صنعها بنو امية للدفاع عن أغراضهم المادية ، فإن الأمر في ذلك ينشطر إلى ثلاثة أقسام :

الأول : أحاديث تتعلق بالسياسة والثناء على بني أمية ، والمبالغة في مناقب معاوية ، فإن مثل هذه الأحاديث تستحق النظر وينبغي ألا يصدق شيء منها إلا في حالتين الأولى صحة السند والثانية متابعته على غيره من الأحاديث. وإلا كان موضع شك لا يحتمل.

الثاني : أحاديث جاءت في العزوف عند الدنيا وطاعة الرؤساء ولو كانوا من الظلمة. فإن مثل هذه الأحاديث أصح من الأولى بلا جدال. لسبب واحد وهو أن هناك أحاديث كثيرة جاءت بهذا المعنى ولعل المراد منها :

إيثار وحدة المسلمين على انقسامهم في حالة خروج بعض الأمة على رؤساء.

وينبغي أن نكون على حذر في تكذيب مثل هذه الأحاديث ، لأن الانكار بالقلب على من خرج على أحكام الشرع من خاصة الأمة وعامتهم من الأمور المؤثرة في الدين ويؤيده حديث : « من رأى منكم منكراً ».

الثالث : الأحاديث المروية عن ابي هريرة هي في الحقيقة أصح من القسمين

9

السالفين ، باعتبار أن أبا هريرة لم يكن طرفا في النزاع بين المعسكر المثالي الذي يؤثر القيم والمعسكر الواقعي الذي يؤثر الدنيا والتحايل على كسبها ، لأجل ذلك أرى أن الحذر كل الحذر في تكذيب ما روى عن أبي هريرة أمر واجب.

وهناك بعض أحاديث رواها قد يتصور بعض الناس أنها تنافي الذوق العام كحديث الذبابة ، ومع ذلك فأنا أحكم بصدق روايتها عن النبي لأنه لا نستطيع أن نقيس الأحاديث على ذوقنا الخاص ، فربما كانت هناك علل علمية وأسباب كونية قد تخفى علينا اليوم ويثبت العلم صحتها في المستقبل وقد حدث مثل ذلك كثيراً ، وبذلك يصح الحديث ويبطل قول المتقولين.

هذه لفتة صغيرة لا أفرضها على المؤلف الفاضل ولكني أذكرها إتماماً للفائدة وإحقاقاً للموضوعية التي يتعصب لها كل باحث.

وبعد فإني أحمد للباحث هذا الجهد الكبير الذي أتحفنا به وأضاف فيه جديداً على ما أورده أبو عثمان الجاحظ في رسالته ، وما أشار إليه تقي الدين أحمد المقريزي في كتابه : « النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم ».

دكتور حامد حفني داود

القاهرة في 13 / 9 / 1978

10

-

11

-

12

سيقول بعض القراء : ما لنا وللأمويين؟ لقد مضى عليهم زهاء ثلاثة عشر قرنا. أليست هناك مواضيع أخرى ـ ألصق منهم بحياتنا الحاضرة ـ تستلزم البحث والاستقصاء؟ ألا يثير البحث ـ في هذا النوع من المواضيع ـ اختلافا بين المسلمين نحن في غنى عنه في الوقت الحاضر؟ أليس البحث ـ في هذا الموضوع بالذات ـ ينم عن « رجعية » في التفكير؟

أن هذا النمط من التساؤل ينطوي ـ على ما أرى ـ إما على سذاجة في الإدراك ، أو على نفاق وتهافت ، أو أنه يتضمن المغالطة والتضليل ـ كل ذلك بالطبع يتوقف على الجهة التي يصدر منها.

ذلك لأن الأمويين يلازم تاريخهم الناشئة العراقية ـ بنين وبنات ـ طوال المراحل الدراسية الثلاث : الابتدائية والثانوية والعالية.

وفي أكثر من جانب من جوانب منهج التدريس : في دروس التاريخ والدين والادب والمطالعة والنصوص. يضاف إلى ذلك أن الأمويين يطلون علينا ـ بين حين وآخر ـ من نوافذ المنظمات القومية المنبثة في أنحاء القطر وبعض أرجاء العالم العربي.

هذا إلى أن المرء كثيرا ما يصادفهم في منظوم القول وفي منثوره. فقد تغنى بمجدهم فريق من الكتاب المعاصرين وحن إلى عهدهم رعيل من الشعراء المحدثين.

فالدكتور بديع شريف ، مثلا ، يشيد بمجدهم في كتابه الممتع « الصراع بين المولى والعرب » والدكتور عبد الرزاق محي الدين يريدها ـ في قصيدته الرقيقة ـ ... أما معاوية

يعلو الاريكة أو أبو الحسن

فلماذا لا يعترض المعترضون على ذلك؟ ويعتبرونه رجعية في التفكير؟ لأنه يدعو إلى ارجاع عهد مرت عليه مئات السنين.

13

لماذا لا يطلبون من وزارة المعارف أن ترفع كابوس الأمويين عن كاهل الطلاب والطالبات؟ هل « الرجعية » المزعومة ناتجة عن كون بحثنا هذا يختلف عما ألفه المعترضون من « حقائق » مدرسية عن التاريخ الأموي؟.

أما الدعوة إلى البحث في أمور ألصق بحياتنا اليومية من الأمويين فكلمة حق يراد بها باطل. ذلك لان البحث في الامويين لا يحول دون التصدي للبحوث الاخرى بالتمحيص والنقد.

وأما الاختلاف بين المسلمين فموجود في أغلب نواحي الحياة ـ بما في ذلك موقفهم من الأمويين.

وما هذه الدراسة ـ في الواقع إلا صدى لذلك الاختلاف. فهي نتيجة من نتائجه لا سبب من أسباب حدوثه. ولعلها ـ إذا ما قرئت بعين الانصاف والتدبير ـ تخفف من حدة ذلك التوتر بين المسلمين في موقفهم من الأمويين على الاقل.

على أن الامر ، مع هذا « أعمق من ذلك كله بكثير فالأمويون ملتصقون بحياتنا العامة أشد الالتصاق : تؤثر سيرتهم فينا بصورة مباشرة أحيانا وغير مباشرة أحيانا اخرى.

فالقومية العربية ، بشكلها النازي الممقوت من حيث موقفها من العرب غير المسلمين ومن غير العرب ، هي احدى مخلفات الأمويين. وتظاهر الكثيرين منا باحترام الدين واتباع أوامره ونواهيه ـ في القول ـ ومخالفتهم ذلك « في العمل » هو الآخر من آثارهم.

واهتمام كثير من المشتغلين بالأمور الدينية بالجوانب الثانوية الاهمية من الدين على حساب جوهره هو أيضاً من مخلفاتهم.

14

والخلاصة : إننا مرضى في أخلاقنا ، يأمر أغلبنا بالفضيلة ولا يفعلها ، وينهى عن الرذيلة ويتعاطاها.

وما هذا الانحراف الخلقي ، على ما أرى ، إلا أحد مخلفات الامويين : تعست أمة تستوحي مثلها العليا ، والسياسة والاخلاق ، من معاوية بن أبي سفيان ، وعمرو ابن العاص وزياد بن سمية ، والحجاج بن يوسف ومن هم على شاكلتهم من الحكام والامراء ..

بغداد في 23 / 6 / 1956 م

نوري جعفر

15

مقدمة

عاش العرب في شبه جزيرتهم أيام الجاهلية. وعاشوا داخل شبه الجزيرة وخارجها عندما انبثق نور الإسلام في بلادهم.

وقد حاولوا ـ في الحالة الأولى وعلى القدر المستطاع ـ أن يتجنبوا الاحتكاك بغيرهم من الأمم إلا ما استلزمته طبيعة الظروف التي نشأوا خاضعين لها من الناحيتين المادية والفكرية.

وسعوا ـ في الحالة الثانية ـ إلى الاحتكاك بالأقوام التي عاشت خارج نطاق محيطهم الجغرافي. وسبب ذلك ـ على ما يبدو ـ هو : أن الدين الجديد قد شجع العرب على التوغل في البلاد الأخرى عن طريق الفتح.

غير أن احتكاك العرب المسلمين بالأمم الأخرى ، عن طريق الفتح ، قد اصبح في العهد الأموي الذي بدأ بخلافة عثمان بن عفان لا بحكم معاوية كما هو الشائع.

وسيلة من وسائل إشغال العرب المسلمين بالتوغل في بلاد غريبة عنهم في مواردها وفي طبائع أهلها ، وعاملا من عوامل توجيه أنظارهم نحو الانتفاع بتلك الموارد من الناحية المادية.

وواسطة من وسائط اليها الذين يطالبون « الخليفة » بوجوب السير وفق تعاليم الدين كما جاءت في القرآن وسيرة النبي. أي إن : « الفتح » الإسلامي قد أصبح وسيلة من الوسائل التي يتخلص بها « الخليفة » من العناصر المتمردة على الأوضاع السياسية والاقتصادية القائمة غير المنسجمة مع بمبادئ الدين الحنيف.

وواسطة من وسائط ابتزاز موارد البلاد المفتوحة ليتصرف بها « الخليفة » وفق هواه على حساب الدين.

16

فعثمان بن عفان ـ الذي بدا في عهده وضع أسس الحكم الأموي ـ مثلا : قد أسرف في تبذير أموال المسلمين على أصهاره ، وأنصاره وذوي قرباه.

فمنح مروان ابن الحكم ـ زوج ابنته أم إبان ـ كما منح ابنته عائشة زوج الحرث ابن الحكم ، أخي مروان مثلا : « مئتي ألف درهم من بيت المال سوى ما أقطعه من قطائع ...

ومنح أبا سفيان ـ شيخ بني أمية ـ مئة ألف درهم » (1).

« كما أنه وهب مروان بن الحكم » خمس الغنيمة التي غنمها المسلمون في أفريقية.

وأعطى الحكم ـ أبا مروان ـ وابنه الحرث ثلثمائة الف.

وأعطى عبد الله بن خالد بن أسيد الأموي ثلثمائة ألف.

وأعطى لكل واحد ـ من الذين وفدوا مع عبد الله بن خالد ـ مئة مئة ألف.

وأعطى الزبير بن العوام ستمائة ألف ، وطلحة مئة الف ، وسعيد بن العاص مئة ألف.

وزوج ثلاثاً أو أربعاً من بناته لنفر من قريش فأعطى كل واحد منهم مئة ألف دينار » (2) قال البلاذري (3) :

حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد بن أسلم عن نافع مولى الزبير عن عبد الله بن الزبير قال : أغزانا عثمان أفريقية فأصاب عبد الله بن أبي سرخ غنائم جليلة فأعطى عثمان مروان بن الحكم خمس الغنائم ...

____________

1 ـ عبد الفتاح عبد المقصود ، الإمام علي بن ابي طالب ج 2 | ص 20 ـ 21.

2 ـ الدكتور طه حسين ، الفتنة الكبرى ، عثمان بن عفان ص 193.

3 ـ أنساب الأشراف 5 / 27 و 28 و 52. ومحمد بن سعد ـ صاحب الواقدي وكاتبه ـ هو صاحب الطبقات الكبرى توفي عام 230 هـ. أما الواقدي فهو صاحب المغازي. تولى القضاء في عهد المأمون. وهو منسوب إلى واقد جده. توفي سنة 207 هـ.

17

وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن أم بكر عن أبيها قالت قدمت أبل الصدقة على عثمان فوهبها للحرث بن الحكم بن أبي العاص.

وإن عثمان ولى الحكم بن أبي العاص صدقات قضاعة فبلغت ثلثمائة ألف درهم فوهبها له حين أتاه بها.

وأعطى عثمان زيد بن ثابت الأنصاري مئة ألف درهم.

هذه نماذج من تبذير الأمويين أموال المسلمين سقناها على سبيل التمثيل لا الحضر هذا مع العلم أنها حصلت في عهد ثالث الخلفاء الراشدين.

أما نظائرها في عهد معاوية والذين جاؤوا من بعده فقد بلغت حداً يفوق الوصف.

لقد مر بنا القول بأن الفتح الإسلامي قد أصبح ـ في عهد الأمويين ـ وسيلة من وسائل إشغال الناس بالغزو لصدهم عن التحدث في أوضاعهم الداخلية العامة.

وقد اتضح ذلك عندما أخذ الأمر يتفاقم على عثمان بن عفان.

فقد جمع ابن عفان ـ سنة 34 هـ ـ كبار أمرائه للتداول معهم في إيجاد حل للخروج من تلك الأزمة السياسية الحادة وتلك الفتنة الغليظة المظلمة.

فاقترح عبد الله بن عامر ـ على عثمان ـ أن يرسل المسلمين إلى « الجهاد » ويلهيهم بالحرب ويطيل إقامتهم بالثغور.

ويلوح لي أن بعض المسلمين قد انتبه إلى هذه الحيلة فحاول أن يفسدها.

فحمد بن أبي حذيفة (1) ـ الذي آلمته سياسة عثمان ، مثلا قد بدأ يندد به ويحرض على قتله ، رغم صلة القربى التي تجمع بين الرجلين.

« فكان يلقي الرجل عائداً من غزوة الروم فيتخابث ويسأل :

أمن الجهاد ؛ فيجيبه الرجل بنعم. فيشير بإبهامه إلى ناحية الحجاز ويقول :

____________

1 ـ إبن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وعتبة جده هو أبو هند زوج أبي سفيان وأم معاوية. أسره عمرو بن العاص عند ما غزا مصر بعد النهروان وقتل محمد بن ابي بكر عامل علي عليها. فأخذه معاوية وسجنه. غير أنه هرب من السجن. فلحق به عبيد الله بن عمرو ابن ظلام ـ وهو رجل من خثعم ـ فقتله.

18

لقد تركنا خلفنا الجهاد ـ جهاد عثمان بن عفان » (1)

هذا ما يقوله محمد بن أبي حذيفة فيما يتعلق بتصرفات ثالث الخلفاء الراشدين.

ولا ندري ما كان يقوله محمد لو قدر له أن يعيش فيشهد سيرة الأمويين بعد مصرع ابن أبي طالب !! حيث أصبحت القاعدة العامة للحكم الأموي هي : الخروج على القرآن وسيرة النبي ، وصار الحكام الأمويون يتسابقون على الانغماس في الموبقات :

الأمر الذي اضطر فريقاً من خيرة المسلمين (2) إلى توجيه روح الجهاد « الذي غرسه الإسلام في نفوسهم » نحو محاربة الأمويين. فوقعوا صرعى في ساحات الشرف.

ولقد جاهد أولئك المسلمون الأمويين لإرجاعهم إلى أحضان الدين ولردعهم من الإيغال في الموبقات ولصدهم عن السير في وثنيتهم السياسية والأخلاقية ـ جرياً مع مستلزمات القرآن.

فقد جاء في سورة البقرة : « وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم » وفي سورة المائدة : « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا ... ».

وفي سورة المجادلة : « لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ... »

لقد كانت الغاية من الجهاد ـ في عهد الرسول الكريم ـ هي رفع كلمة الله والسمو بالمتخلفين من الناس إلى أوج المستويات الخلقية الرفيعة.

وكان الرسول الكريم يوزع غنائم الفتح توزيعاً عادلا بين المسلمين وفق

____________

1 ـ عبد الفتاح عبد المقصود ، الإمام علي بن أبي طالب 2 / 48 والبلاذري ، أنساب الأشراف 5 / 50 / 51.

2 ـ وفي مقدمتهم الحسين بن علي وصحبه وعمار بن ياسر وحجر بن عدي وصحبه وعمرو ابن الحمق الخزاعي وميثم التمار ومن هم على شاكلتهم.

19

مستلزمات الشرعية السمحاء. فلا غرو أن رأينا المسلمين ـ في عهده ـ يتسابقون في تقديم أرواحهم للموت.

وفي تاريخ الرسول أمثلة رائعة من هذا القبيل ذكر الواقدي :

إن الرسول ـ عندما علم أن أبا سفيان قد ألب عليه المشركين لأخذ ثأرهم منه بعد معركة بدر ـ استشار أصحابه قبل الخروج إلى أحد فيما ينبغي أن يفعلوه. فطلبوا منه أن يخرج إلى عدوهم ورغبوا في الاستشهاد في سبيل الله.

« فقال مالك بن سنان ـ أبو أبي سعيد الخدري ـ يا رسول الله نحن والله بين إحدى الحسينين :

إما أن يظفرنا الله بهم. فهذا الذي نريده. والأخرى ـ يا رسول الله ـ يرزقنا الله الشهادة. والله ـ ما أبالي أيهما كان. إن كلا لفيه الخير ...

وقال النعمان بن مالك بن ثعلبة ـ أخو بني سالم ـ يا رسول الله لا تحرمنا الجنة فو الذي لا اله إلا هو لأدخلنها (1) ...

وقال خثيمة ـ أبو سعد ـ يا رسول الله إن قريشاً مكثت حولا تجمع الجموع وتستجلب العرب في بواديها ومن تبعها من أحابيسها (1). ثم جاؤنا. فلنخرج لهم عسى الله أن يظفرنا بهم. أو تكون الاخرى وهي الشهادة.

____________

1 ـ مغازي رسول الله « ص » 164 ـ 165.

2 ـ وقد حدث شيء مشابه لهذا بين المخلصين من اتباع الامام أثناء استعداده للخروج إلى صفين. فقد ازدحمت الخيل حين عبرت الفرات متوجهة من العراق إلى الشام « فسقطت قلنسوة الله بن أبي الحصين. فنزل فأخذها وركب. ثم سقطت فلنسوة عبد الله بن الحجاج فنزل فأخذها ثم ركب. فقال لصاحبه أن يكون ذلك تطيرا صادقاً أقتل وشيكا وتقتل. فقال عبد الله بن أبي الحصين ما شيء أحب إليّ مما ذكرت ، فقتلا معا يوم صفين. « ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة 1 | 290 الطبعة الاولى بمصر.

3 ـ الاحابيس هم بنوالحرث بن عبد مناف بن كنانة ، وبنو المصطلق من خزاعة ، وبنو الهون من خزيمة ـ راجع ابن الأثير ، الكامل في التاريخ 2 | 118.

20

لقد أخطأتني وقعة بدر وقد كنت عليها حريصا. وقد بلغ ـ من حرصي ـ أن ساهمت أبني في الخروج فخرج سهمه. فرزق الشهادة وقد كنت عليها حريصا وقد رايت ابني البارحة ـ في النوم ـ في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها وهو يقول : إلحق بنا ترافقنا في الجنة. وقد ـ والله يا رسول الله ـ أصبحت مشتاقا إلى مرافقته في الجنة ...

وقال أنس بن قتادة يا رسول الله هي إحدى الحسينين. إما الشهادة وإما الغنيمة والظفر بهم ».

تلك صورة من أروع صور دفاع المرء عن عقائده واستعداده للتفاني في سبيلها. فالاستشهاد في ساحات القتال والظفر بالخصم سيان عند مالك بن سنان. فهو لا يبالي أيهما كان لأن في كل منهما الخير.

والاستشهاد في سبيل صيانة بيضة الإسلام ـ بنظر النعمان بن مالك ـ أفضل من الانتصار على المشركين على الرغم مما في ذلك الانتصار من إعلاء لكلمة الله.

فالنعمان مصم على دخول الجنة ـ اي انه قد وطد نفسه على نفسه الموت في ساحات القتال. وليس بعد هذا من شيء يستطيع أن يقدمه المرء في سبيل الدفاع عن معتقداته في الدين والسياسة والأخلاق.

أما خثيمة فقد تسابق مع ابنه في الوصول إلى الموت ، وأنه أسف على نجاته منه في معركة بدر بقدر ما كان فرحة شديداً باستشهاد ولده.

وقد رأى في المنام ولده الشهيد على احسن حال فشجعه على اللحاق به.

وإذا كانت الاحلاي كما يقول فرويد ـ العالم النفسي المعروف تعبيراً عن الرغبات المكبوتة لدى الإنسان ، اي أنها تحقيق لما لا يمكن تحقيقه في الحياة التي يحياها الإنسان ، فإن خيثمة ـ حلمه هذا ـ قد ضرب مثالا آخر من أروع الأمثلة في الدفاع عن الإسلام.

وهناك صور أخرى ، لا تقل روعة عما ذكرنا ، في التعبير عن موقف المسلمين

21

من الجهاد في عهد الرسول ، فمنها ما يتصل بموقف الأحداث وآبائهم من التضحية في سبيل الاسلام. قال الواقدي (1) :

عرض على الرسول غلمان عبد الله بن عمرو ، وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد والنعمان بن بشير ، وزيد بن أرقم والبراء بن عازب ، وأسيد بن حضير ، وغرابة ابن أوس وسمرة بن جندب ، ورافع بن خديج ، فردهم.

قال رافع بن خديج : فجعلت أتطاول ـ وعلى خفان ـ فأجازني رسول الله. فلما أجازني شكا سمرة بن جندب لربيبة ـ مرى بن سنان زوج أمه ـ ذلك. فقال : مرى يا رسول الله رددت إبني وأجزت رافع بن خديج !! وابني يصرعه. فتصارعا. فصرع سمرة رافعا .. فأجازه الرسول ».

ومنها ما يتعلق بحماس من أجاز لهم الإسلام أن يتخلفوا عن الجهاد.

وقد بلغ عمرو بن الجموح القمة في موقفه في هذا المضمار.

وكان عمرو بن الجموح رجلا أعرج. فلما كان يوم أحد ـ وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبي أمثال الأسد ـ أراد بنوه أن يحبسوه.

فقال له المسلمون أنت رجل أعرج ولا حرج عليك ، وقد ذهب بنوك مع النبي. قال : بخ !! يذهبون إلى الجنة واجلس أنا عندكم ، فخرج ولحقه بنوه يكلمونه في القعود. فأتى رسول الله ؛ فقال :

يا رسول الله إن أولادي يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك ، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. فقال رسول الله أما أنت فقد عذرك الله ، ولا جهاد عليك. فأبى عمرو إلا الخروج معهم إلى أحد.

فقال أبو طلحة : نظرت إلى عمرو بن الجموح في الرعيل الأول يقول : أنا والله مشتاق إلى الجنة ، وإبنه في أثره. حتى قتلا.

وكانت عائشة ـ زوج النبي ـ قد لقيت بنت عمرو بن حزام ـ راجعة

____________

1 ـ مغازي رسول الله « ص » ص 169.

22

بعد أحد ـ تسوق بعيراً لها ، عليه جثة زوجها عمرو وجثة أخيها عبد الله ، وجثة إبنها خلاد.

فقالت لها عائشة : فأين تذهبين بهم؟ قالت : إلى المدينة أقبرهم فيها ..

ثم أقبلت هند إلى رسول الله فقالت له : أدع الله عسى أن يجعلني معهم.

فعمرو بن الجموح خرج إلى الجهاد رغم إعفائه عن المساهمة في ذلك من الناحية الشرعية. وأراد أن يطأ بعرجته الجنة. فأخذ يتسابق ـ على ذلك ـ مع أحد بنيه حتى صرعا معاً.

وقد اصبح بذلك من التضحية في ذؤابتها.

أما زوجة هند فهي الأخرى قد سارت في طريق الخلود. فلم تكتفي باستشهاد زوجها وابنها وأخيها ـ وهو أمر لا تقوى على تحمله النساء ـ « حملهم على جملها من أحد إلى المدينة لدفنهم ، وهي جذلة متعالية » بل أرادت من الرسول أن يدعو لها باللحاق بهم.

كل ذلك طمسه الأمويون بالإضافة إلى طمسهم معالم الدين الأخرى كما سنرى.

ذلك ما يتصل بموقف العرب المسلمين من الأمم الاخرى في ضوء الدين الجديد.

أما ما يتصل بموقفهم من جاهليتهم فيمكننا أن نقول :

إن الدين الجديد قد استلزم ـ من الناحية النظرية على كل حال ـ إحداث تغييرات واسعة المدى وعميقة الغور في نظرة العربي لنفسه من حيث صلتها بالمجتمع الذي ينتمي إليه وبالكون الذي يعيش فيه.

كما إنه قد استلزم كذلك ـ من الناحية النظرية أيضا ـ إجراء تبدلات واسعة وعميقة في تصرفات العربي في المجالين الآنفي الذكر.

وبما أن دراستنا هذه منصبة ـ في جوهرها ـ على الجانب الأخلاقي للدين

23

الجديد ـ بمقدار ما يتعلق الأمر بالأسرة الأموية ـ فسوف لا نتطرق للبحث في الدين الإسلامي ـ في جوانبه العقائدية ـ إلا عرضاً.

أي إننا سوف تقصر البحث في الجانب الأخلاقي ـ السياسي للأمويين في ضوء مبادئ الدين الحنيف. ويمثل الجانب السلبي للأخلاق الإسلامية لجانب الإيجابي لأخلاق العرب في جاهليتهم. أي أن كل تصرف نهى الدين العرب عن تعاطيه يعتبر خلقاً عربياً جاهلياً أصيلا فيهم. وفي القرآن الكريم آيات تصف الخلق العربي ـ في جانبيه الإسلامي والجاهلي ـ فتعبر جوانبها الإيجابية عن الخلق العربي الإسلامي. على حين أن جوانبها السلبية تصف الخلق العربي الجاهلي. وقد جعلنا محتويات تلك الآيات مقياساً لدراستنا لأخلاق الأمويين.

جاء في سورة الانعام : « قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم : ألا تشركوا شيئا ... ولا تقربوا الفواحش ـ ما ظهر منها وما بطن ـ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ... » وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى. وبعهد أوفوا ... » (1)

وجاء في سورة الحجرات : « يا أيها الذين آمنوا إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ».

فاذا نظرنا إلى الآيات الآنفة الذكر في ضوء المجالين السالفين ـ علاقة المسلم بالكون وبالمجتمع ـ امكننا أن نحدد الخلق الإسلامي تحديداً دقيقاً. فتتلخص علاقة الإنسان بالكون في الإيمان بوحدانية الله.

أما علاقته بالآخرين فتبدو في الإقلاع عن الزنى والقتل ونكث العهد والغدر وتجنب الظلم بشتى صوره. تلك هي ـ بنظرنا ـ الاسس التي يرتكز عليها الإسلام في جوانبه الاخلاقية.

____________

1 ـ وقد ورد شيء مشابه لهذا في سورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، وهود ، ويونس ، والرعد ، في أكثر من موضع واحد.

24

وقد جاء أغلبها بصيغة السلب ـ النهي ـ لان أضدادها ، على ما يلوح ، كانت هي : الاخلاق الشائعة في المجتمع العربي الجاهلي. فالاخلاق التي حثت الآيات السالفة الذكر العرب على التمسك بها هي الاخلاق الإسلامية ، وتطبيقها على العرب ما نسميه : « الخلق العربي الإسلامي ».

والأخلاق التي نهى الاسلام العرب عن السير وفق مستلزمها هي ما ندعوه : « الخلق الجاهلي » أي أخلاق العرب في جاهليتهم.

والاخلاق التي نهي الاسلام العرب على السير وفق مستلزماتها هي ما ندعوه : « الخلق الجاهلي » أي أخلاق العرب في جاهليتهم.

ذكر أبو عمرو ـ سفيان بن عبد الله : « قال : قلت يا رسول الله قل لي قولا في الاسلام لا أسأل عنه أحد غيرك قال : قل آمنت بالله ثم أستقم » (1). فأوجز الرسول ـ بذلك ـ الاسلام ـ الاسلام في جانبيه العقائدي والأخلاقي.

فالإيمان بالله يستلزم القيام بالشعائر الدينية المعروفة. والإستقامة تتضمن السير وفق مستلزمات الأخلاق الاسلامية التي شرحناها.

ومن الطريف أن نذكر هنا أننا عثرنا على أكثر من ثلاثين آية تشير إلى أن الاسلام يتضمن الايمان بالله واستقامة الأخلاق (2). فهل آمن الامويون بالله؟ ومن ثم استقاموا؟

____________

1 ـ وقد اشار الرسول ـ في قوله الآنف الذكر ـ إلى ما جاء في سورة فصلت : « إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ... » ، وفي سورة الأحقاف : « إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ».

أما قول الرسول الأنف الذكر فقد ورد في كتاب : « الفتوحات الوهبية » لإبراهيم المالكي ص 196.

2 ـ راجع سورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأعراف ، ويونس وهود ، والرعد ، وإبراهيم ، والنحل ، والكهف ، ومريم ، والحج ، والعنكبوت ، ولقمان ، والسجدة ، وفاطر ، وفصلت والجاثية ، ومحمد. وجميع تلك الآيات تبدأ بـ :

والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الانهار ... » ويلوح لي ان الإسلام يهدف ـ من الإيمان بالله ـ تقويم الأخلاق.

25

إن تاريخهم ـ الذي سنذكره ـ يشير بصراحة ووضوح إلى الإجابة بالنفي عن هذين السوال ـ هذا باستثناء سيرة عمر بن عبد العزيز. فقد كان الأمويون ـ كما سنرى ـ في صراع رهيب مع مبادئ الإسلام منذ انبثاق نوره ـ في عهد الرسول ـ حتى سقوط دولتهم عام 132 هـ.

وقد ظهر لي كذلك أن الامويين قد اتخذوا الدين الاسلامي ستاراً لتثبيت أخلاقهم الجاهلية التي حاربها الاسلام.

فقد تعاونوا ـ أباً عن جد عدا عمر بن عبد العزيز ـ على فصم عرى الاسلام عروة فعروة. ولم يسلم جانب من جوانب الدين من التعرض لاعتداءاتهم المتكررة كلما آنسوا ـ في ذلك الاعتداء ـ تركيزاً لأسس حكمهم الجاهلي البغيض. فلا يمكن أن يجمع المرء ـ على ما رأى ـ بين الأمويين والاسلام.

وإما أن يخلد الامويين على أساس أخلاقهم العربية الجاهلية التي مسخها الاسلام.

فإما أن يخلد الاسلام ـ بتعاليمه وأخلاقه ـ ويشجب الأمويون.

لأن محاولة الجمع بين الأمويين والاسلام فاشلة ويائسة بعد التحليل الدقيق.

وهناك أمر آخر لابد من الإشارة إليه في هذا الصدد ؛ هو : أن الحكام الامويين قد أخذوا يتسابقون ـ كما سنرى ـ على الايغال في الخروج على مبادئ الاسلام.

وأخذ الخلف منهم يسبق السلف ـ بمراحل ـ في هذا المضمار.

____________

* وفي سيرة النبي من الأمثلة على ذلك الشيء الكثير. « روي عن ابن عباس أنه قال : كنا مع النبي في سفر. فمنا الصائم ومنا المفطر. فأنزلنا منزلا في يوم حار ... فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب. فقال الرسول : ذهب المفطرون بالأجر كله » جورج جرداق : الإمام علي ، ص 94.

26

وبما أن الامويين قد اغتصبوا الحكم الاسلامي : اغتصبوا الحكم الاسلامي اغتصاباً ، ولم يكن لهم ـ من الناحية الشرعية ـ ما يؤهلهم لزعامة المسلمين ، الانسب أن رأيناهم يسمعون إلى تثبيت أركان حكمهم بوسائل فاسدة من الرشوة والملاينة ، ومن الأرهاب والتنكيل حسبما تستلزم الظروف والمناسبات.

فانفسح ـ بسياستهم تلك ـ باب الشر على مصراعيه أمام الوصوليين الانتهازيين.

وأغدق الامويون عليهم العطايا وخلعوا عليهم الجاه والمناصب والنفوذ على حساب الدين.

وقد حول الامويون ـ كذلك ـ نشاط المشتغلين في الامور الدينية إلى وعظ الرعايا المسلمين وحثهم على التذرع بالصبر ، والطاعة ، والخضوع للاوضاع السياسية القائمة.

فأوجد بعض هؤلاء الحيل الشرعية لتبرير تصرفات الامويين.

فاحتمى بذلك الأمويون ، وعصموا ملكهم من التعرض للانهيار على أيدي المطالبين بالعودة إلى القرآن وسنة الرسول.

ويطلب أن أنبه القارئ ـ في ختام هذه المقدمة ـ إلى أن دراستي هذه محاولة لتفسير تاريخ الامويين في ضوء مبادئ الدين الاسلامي.

فقد وضعت الأمويين تحت مجهر الاسلام.

ووازنت بين تصرفاتهم وبين مبادئه التي جاءت في القرآن وسيرة الرسول فاكثرت من الاستشهاد بمحتويات القرآن وأحاديث النبي ـ لانها الوثائق التاريخية ، والمستمسكات القانونية الوحيدة في هذا السبيل.

كما استشهدت بحوادث كثيرة ذكرتها أمهات كتب التاريخ عن الامويين. ووازنت بين الجانبين.

وقد ظهر لي أثناء عملية الموازنة بين الجانبين بأن الدين الإسلامي شيء

27

وتصرفات الامويين شيء آخر يختلف عنه تمام الاختلاف. فانكشف أمامي فشل المحاولة التي يبديها بعض الباحثين لتغليف سيرة الامويين بغشاء سميك من المغالطة والتدليس وإظهارها على غير مظهرها الذي جاءت به أمهات كتب التاريخ.

أما السبب الذي دعاني إلى قياس تصرفات الأمويين بمقياس الدين الاسلامي فهو : أنهم حكموا المسلمين باسم الدين ، وتظاهروا باتباع مبادئه ، وأخذ بعضهم البيعة لبعض آخر على هذا الاساس. ولا أراني بحاجة إلى أن أنبه القارئ إلى أن المحاولة التي يبديها بعض الكتاب المعاصرين لتطبيق مبادئ الدين الإسلامي على شؤون الحياة السياسية والاقتصادية في الوقت الحاضر أمر خارج عن نطاق هذه الدراسة.

فقد اقتصر البحث ـ كما سيرى القارئ ـ على تدوين سيرة الامويين في ضوء المبادئ الدينية التي تظاهروا بأنهم يسيرون وفق مستلزماتها. ولكي يستوفي البحث « الذي بين يدي القارئ » شروطه العلمية فقد تضمن ـ كما سلف أن ذكرنا ـ الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث (1) وموازنة ذلك بتصرفات الأمويين كما جاءت في أمهات كتب التاريخ الإسلامي.

فهذا البحث إذن بحث في التاريخ الأموي لا في السياسة المعاصرة أو في الدين.

لقد اكتسب الأمويون « مجدهم » ـ عند من يقول بذلك من الباحثين ـ بواسطة الإسلام. فقد رفعهم الإسلام ـ بنظر بعض الناس ـ من حضيض الجاهلية إلى مستوياته الرفيعة. فيصبح مدح أولئك الباحثين للأمويين ، وتدوينهم سيرتهم وتدريسها للناشئة ـ هذا الأساس ـ إنما هو مدح ضمني للإسلام.

وإنني بهذا الروح ـ روح الإطراء على الإسلام.

____________

1 ـ وهي الجانب النظري ـ الدستوري ـ الذي ادعى الأمويون بأنهم يسيرون وفق مستلزماته في تصرفاتهم العامة والخاصة باعتبارهم « خلفاء » المسلمين ـ « خلفاء » النبي في رعاية رسالته والسير وفق هديه الذي نطق به القرآن والحديث.

28

أنتقد سيرة الامويين. فقد ساقني البحث ـ كما سنرى ـ إلى الاعتقاد بأن الأمويين إنما اكتسبوا سلطاتهم على أساس هدم الإسلام ، لا على أساس رفع كلمته وتثبيت قواعد بنائه. فهم الذين انتزعوا منصب خلافة المسلمين ـ على رغم أنف الإسلام ومعتنقيه ، وساروا ـ في حياتهم العامة والخاصة ـ على نهج طوح بالمثل العليا التي جاء بها الإسلام. فذوي روح الإسلام ، وانطوت مبادؤه الاخلاقية على نفسها بدلا من أن تسير في طريق التوسع والانتشار.

بدأت هذه الدراسة في البحث في التاريخ الاسرة الاموية فتنبعث خطوطه العامة في الجاهلية والاسلام. ثم انتقلت إلى التحدث عن ضروب المقاومة التي أبداها الامويون للحيلولة دون إنتشار الإسلام في عهد الرسول. ثم بحثت أساليبهم في إيذاء الرسول في مكة والمدينة. وبعدها انتقلت إلى الحديث عن الوسائل التي استعانوا بها لتثبيت أركان حكمهم السياسي المناوئ لمبادئ الاسلام. وختمت هذه الدراسة بعرض نماذج من صراعهم الرهيب مع الدين منذ مصرع رابع الخلفاء الراشدين حتى زوال حكمهم على أيدي العباسيين.

بغداد في 25 / 5 / 1956

نوري جعفر

29

بسم الله الرحمن الرحيم

30

الفصل الاول

الأمويون : الجاهلية الاولى

الأمويون هم نسل أمية بن عبد شمس. وينقسمون إلى : العنابس والأعياص. فالعنابس أشهرهم ـ في التاريخ الإسلامي المدون ـ حرب وأبو حرب ، وسفيان وأبو سفيان « صخر بن حرب » ومعاوية (1). ويزيد ابنه ومعاوية بن يزيد.

وأما الاعياص فاشهرهم : أبو العاص وولده عفان ـ أبو عثمان ، والحكم وابنه مروان ، وعبد الملك بن مروان ، وأولاد عبد الملك : الوليد وسليمان ويزيد وهشام وعبد العزيز ـ أبو عمر ـ ، وأحفاد عبد الملك : الوليد بن يزيد وابراهيم ابن الوليد بن يزيد ومروان بن محمد بن عبد الملك.

وقد حكم الأمويون الاسلامية زهاء قرن منذ مصرع الامام علي بن ابي طالب عام ـ 40 هـ ـ حتى سقوط دولتهم سنة 132.

وقد اتصف الحكم الأموي ـ باستثناء السنتين « 99 ـ 101 » اللتين حكم أثناءهما عمر بن عبد العزيز ـ بمجافاته لروح الإسلام وبخروجه على مبادئ القرآن وسنة الرسول. كما سنرى.

____________

1 ـ وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وعتبة هذا ـ الذي قتل في بدر ـ هو صاحب النفير ، وابو سفيان صاحب العير. وقد ذهب ـ موضوع العير والنفير ـ مثلا في التاريخ فيقال للخامل : لا في العير ولا في النفير. وهند ـ أم معاوية ـ هي أم أخيه عتبة. وقد اتهمت بفجور وعهر ـ كما سنرى ـ.

أما يزيد ومحمد وعنبسة وحنظلة ـ الذي قتل في بدر ـ وعمرو ـ الذي أسر في بدر ـ فهم أبناء أبي سفيان من أمهات شتى.

31

ومما تجدر الاشارة إليه في هذا الصدد هو أن بعض أحفاد أمية بن عبد شمس قد هرب « من اضطهاد العباسيين » الى الأندلس فأسس حكماً أموياً هناك استمر زهاء ثلاثة قرون. وبما أن أولئك الامويين قد ساروا ـ من حيث الاساس ـ على نهج أسلافهم في الشام فسوف لا نستشهد بسيرتهم المجافية لروح الاسلام ، لأن سيرة أجدادهم في الشام قد أغنتنا عن ذلك.

وهناك أمر آخر لابد من الالماع إليه في هذه المناسبة هو أننا سوف ندخل ضمن الامويين ـ لا من حيث وحدة النسب بالطبع بل من حيث وحدة الاتجاه وتوافق السيرة والخلق ـ أشهر الولاة الذين تعاونوا مع الامويين في تثبيت أركان حكمهم البثيض ؛ وفي مقدمتهم عمرو بن العاص ، وزياد به أبيه ، والحجاج بن يوسف الثقفي.

وجريا مع هذا المنطق نفسه يمكننا أن لا نعتبر عمر بن عبد العزيز « أموياً » من حيث الطبع.

ولابد لمن يتصدى للبحث في تاريخ الامويين أن يشير إلى حقدهم على أبناء عمومتهم الهاشميين ـ في الجاهلية وفي صدر الاسلام ـ وقد لخص الجاحظ (1). طبيعة ذلك الحقد وعوامله حين قال :

« إن أشرف خصال قريش ـ في الجاهلية ـ اللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم والحجابة.

وهذه الخصال مقسومة لبني هاشم وعبد الدار وعبد العزى دون بني عبد شمس على أن معظم ذلك صار شرفه بعد الاسلام إلى بني هاشم (2). وليس لعبد شمس

____________

1 ـ رسائل الجاحظ 67 ـ 75.

2 ـ وكان اسم هاشم عمرواً. وإلى هذا المعنى يشير ابن الزعبري :

عمرو العلى هشم الثرية لقومه * * * ورجال مكة مسنتون عجاف

وقد روى البيت بشكل آخر :

عمرو الذي هشم الثريد لقومه * * * قوم بمكة مسنتين عجاف

32

لقب كريم ، ولا اشثق له اسم شريف ، ولم يكن لعبد شمس من يرفع من قدرة ويزيد في ذكره. ولهاشم عبد المطلب سيد الوادي (1) ومما هو مذكور في القرآن من فضائل هاشم ـ عدا حديث الفيل قوله تعالى لإيلاف قريش.

وقد اجمعت الرواة على أن أول من أخذ الايلاف هاشم بن عبد مناف والايلاف (2) هو أن هاشماً كان رجلا كثير السعة والتجارة فكان يسافر في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف الى الشام. فشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب ، وجعل لهم ربحاً فيما يربح ، فكفاهم مؤونة الاسفار. وكان في ذلك صلاح عام ...

ثم حلف الفضول (3). وجلالته وعظمته. وهو أشرف حلف كان في العرب كلها ، وأكرم عقد عقدته قريش في قديمها وحديثها قبل الإسلام. ولم يكن لبني عبد شمس فيه نصيب.

فكان هذا الحلف في بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى وبني تيم

____________

1 ـ ولقبه شيبة الحمد. قال مطرد الخزاعي :

يا شيبة الحمد الذي تثنى له * * * أيامه من خير ذخــر الداخر

المجد ما حجت قريش بيته * * * ودعا هديل فوق غصن ناضر

وقد بلغ أولاد عبد المطلب عشرة بنين وست بنات : العباس وحمزة وعبد الله وأبو طالب « واسمه عبد مناف » والزبير والحرث وحجل والمقوم وضرار وأبو لهب « وإسمه عبد العزى » وصفية وأم حكيم البيضاء وعاتكة وأميمة واروى ويرة. فأم العباس وضرار فتيلة بنت جناب ، وام حمزة والمقوم وحجل وصفية هالة بنت وهيب ، وأم عبد الله وأبي طالب وزبير « وجميع النساء غير صفية » فاطمة بنت عمرو ، وأم الحرث سمراء بنت جندب وأم أبي لهب لبنى بنت هاجر.

2 ـ راجع : ابن هشام ، سيرة النبي محمد 10 | 57 ـ 59 للاطلاع على معاني كملة « ايلاف ».

3 ـ راجع ابن هشام « سيرة النبي محمد » : 1 | 144 ـ 145 للاطلاع على تفاصيل هذا الحلف.

33

ابن مرة. تعاقدوا ـ في دار ابن جدعان في شهر حرام قياماً يتماسحون بأكفهم صعداً ليكونن مع المظلوم حتى يؤدوا إليه حقه ..

وشرف هاشم يتصل ـ من حيث عددت ـ. كان الشرف معه كابراً عن كابر.

وليس بنو عبد شمس كذلك ، فإن الحكم ابن أبي العاص ، كان عارياً في الاسلام ولم يكن له ثناء في الجاهلية.

وأما أمية فكان مضعوفاً وكان صاحب عهار ، .. وصنع امية ـ في الجاهلية شيئاً لم يصنعه أحد في العرب :

زوج أبنه ـ أبا عمرو ـ من أمرأته في حياته فأفولدها أبا معيط.

وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع أن نقول : إن اساس الخصومة بين الهاشميين والأمويين يعود إلى التنافس على الرئاسة والصدارة في المجتمع العربي القديم. ومبدأ تلك الخصومة قد جاء من الامويين. فقد شعر هؤلاء بالحرمان الإجتماعي ـ وما يتعلق به وينتج عنه ـ وعرفوا أنهم غير قادرين على تصديع شرف الهاشميين بالأساليب الشريفة المعروفة. فلجأوا إلى الأساليب الملتوية التي ذكرناها. فكانت النتيجة أن الهاشميين أخذوا بالتسامي في مجدهم أبا عن جد.

وسار الأمويون في طريق التدهور والسقوط خلفاً عن سلف.

فحاول الهاشميون أن يسمو أبناؤهم فوق مسلك أبائهم السامي ـ كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

وسعى الامويون على العكس من ذلك تماماً.

فقد سعى عبد المطلب ـ سيد الوادي ـ إلى أن يضيف « بمسلكه » كرما إلى مكارم أبيه. وهبط أميه ـ عن مستوى أبيه الوضيع ـ فكان مضعوفاً وكان صاحب عهار.

ويرتفع محمد فوق مستويات أجداده الرفيعة.

34

وانحدر أبو سفيان في حضيض مستويات الأمويين الذين سبقوه.

ومن الغريب أن يلاحظ الباحث أن لكل هاشمي خصما من الأمويين يسير كل منهما في الاتجاه الذي يسير عليه أجداده.

فهذا هاشم وذاك أمية وهذا عبد المطلب وذاك حرب ، وهذا محمد وذاك أبو سفيان ؛ وهذا على وذاك معاوية ، وهذا الحسين وذاك يزيد ألخ ...

فكان شرف بني هاشم في عشيرتهم وكريم خصالهم وشهامتهم وكرمهم قد أثارت حفائظ الأمويين فحقدوا عليهم وحاولوا عبثاً أن يطاولوهم. وذكر الطبري (1).

أن الحارث حدثه عن محمد بن سعد « قال : أخبرنا هشام بن محمد قال : حدثني معروف بن الخربون المكي قال : حدثني رجل من آل عدوي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه قال : قال وهب بن عبد قصي في إطعام هاشم قومه الثريد :

تحمل هاشــم ما ضاق عنـه * * * وأعيــا أن يقـوم به ابن بيض

أناهــم بالغرائــر متأفـات * * * من أرض الشــام بالبر النفيض

فأوسع أهل مكـة من عشيــم * * * وشاب الخبز باللحم الغريض (2)

قال : فحسده أمية بن عبد شمس ـ وكان ذا مال ـ فتكلف أن يصنع صنيع هاشم. ودعاه إلى المنافرة فكره هاشم لسنه وقدره. ولم تدعه قريش واحفظوه قال : فإنني أنافرك على خمسين ناقة سود حدق تنحرها ببطن مكة ، والحلاء عن مكة عشرسنين. فرضى بذلك أمية. وجعلا الكاهن الخزاعي (3). بينهما. فنفر هاشما عليه. فأخذ هاشم الابل فنحرها وأطعمها من حضره. وخرج أمية إلى الشام

____________

1 ـ تاريخ الأمم والملوك 2 | 180 ـ 181.

2 ـ متأفات : ممتلئات. البر النقيض القمح النقي ، شاب خلط ، الغريض الطري.

3 ـ جد عمرو بن الحمق الخزاعي أحد خيار المسلمين الذين غدربهم الأمويون بشكل لا يجيزه الاسلام كما سنرى.

35

فأقام بها عشر سنين. فكانت هذه أول عداوة بين هاشم وأمية. وفي عهد عبد المطلب ابن هاشم استأنف الامويون حقدهم على الهاشميين ، وساروا في طريق غوايتهم بشكل لم يكن مستساغاً حتى بمقاييس الجاهلية. وتفصيل ذلك على ما يروي ابن الاثير : انه « كان لعبد المطلب جاري يهودي يقال له أذية يتجر وله مال كثير. فغاظ ذلك حرب بن أمية. فأغرى به فتياناً من قريش ليقتلوه ويأخذوا ماله فقتله عامر بن عبد مناف بن عبد الدار وصخر بن عمرو بن كعب التيمي ـ جد ابي بكر فلم يعرف عبد المطلب قاتله فلم يزل يبحث حتى عرفهما ـ وإذا هما قد استجار بحرب بن أمية. فأتى حرباً ولامه. وطلبهما منه. فأخفاها. فتغالظا في القول ... وجعلا بينهما نفيل (1) بن عبد العزى العدوي ـ جد عمر بن الخطاب ـ فقال نفيل (2) لحرب : يا ابا عمرو أتتنافر رجلا هو أطول منك قامة ، وأوسم وسامة ، وأعظم هامة ، وأقل منك ملامة » وأكثر منك ولداً وأجزل منك صفداً ، (3) وأطول منك مدداً

____________

1 ـ الكامل في التاريخ 2 | 9.

2 ـ ونفيل هذا هو الذي خاطب حرب ـ مشيراً الى عهر أبيه الذي مر معنا ذكره ـ بقوله :

أبوك معاهــر وأبــوه عوف * * * وذاد الفيــل عن بلد حــرام

أبــوك يعني أمية « أبا حرب » * * * وأبوه يعني هاشما أبا عبد المطب

3 ـ الصفد العطاء ، فغضب حرب وقال : من انتكاس الزمان أن جعلت حكما ... وأخذ عبد المطلب من حرب مئة ناقة فدفعها إلى ابن عم اليهودي ، وارتجع ماله كله إلا شيئاً هلك فعزمه من ماله.

36

الفصل الثاني

الامويون : ضروب إيذائهم للرسول

عندما انبثق نور الاسلام ـ في مكة وبدأ يغمر سائر مدن الحجاز ـ سعى الأمويون لإطفائه بكل ما لديهم من سطوة وحول. فبدؤا يؤذون الرسول الكريم بمختلف الأساليب ـ بشكل فردي متفرق أحياناً ، وجماعي منظم أحياناً أخرى. وتفنن الأمويون ـ ومن هم على شاكلتهم من المشركين ـ في ابتداع الوسائل الدنيئة لإيذاء رسول الله.

فبعثوا النظر بن الحرث ، وعقبة بن ابي معيط إلى أحبار اليهود لتأليبهم على النبي وتسفيه رسالته.

وأرسلوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص إلى الحبشة لإقناع النجاشي بطرد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة تخلصاً من إيذاء المشركين.

وعذبوا المستضعفين من المسلمين ـ كبلال بن رباح الحبشي مؤذن الرسول ، وعمار بن ياسر وأمه وأبيه ، وخباب بن الأرت ، وصهيب بن سنان الرومي ، وعامر بن فهير ، وابي فكيهة ، ولبيبة (1) ـ جارية بني مؤمل بن حبيب بن عدي ابن كعب ، وزنيرة ، والنهدية « وأم عبيس ـ وآخرين ».

____________

1 ـ وقد أسرف عمر بن الخطاب ـ أثناء شركة ـ في تعذيبها وتعذيب زبيرة ، وتعذيب أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد بن نفيل بن عبد العزى ـ ابن عمه ـ وخباب بن الارت. وكان شديداً على الرسول كذلك.

« خرج عمر يوما متوشجاً بسيفه يريد رسول الله ... فلقيه نعيم بن عبد الله فقال أين تريد يا عمر؟ فقال : أريد محمداً هذا الصابي الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فاقتله. فقال له نعيم : والله لقد غرتك نفسك يا عمر. اترى بني عبد مناف غير تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت !! ... فجاء إلى رسول الله ... فقال حمزة : ائذن له. فإن جاء يريد خيراً بذلناه له ، وإن كان يريد شراً قتلناه بسيفه » ابن هشام : « سيرة النبي محمد » 1 | 365 | 368.

37

ذلك ما يتصل بإيذاء الأمويين للرسول عن طريق إيذائهم لأتباعه.

ولما رأى الأمويون أن تعذيب أولئك الاتباع لم يزدهم إلا تعلقاً بالإسلام ونبيه وأن رسول الله سائر في نهجه ـ على الرغم من مقاومتهم له واعتدائهم على اتباعه فكر رؤساؤهم بأسلوب جديد للحد من نشاطه. فقابل وفد منهم مكون من :

عتبة ـ أبي هند أم معاوية ـ وشيبة ابني ربيعة بن عبد شمس ، وأبي سفيان ابن حرب بن أمية أبا طالب ـ عم النبي ـ ورجوه أن يطلب إلى ابن أخيه أن يكف عن عيب آلهتهم.

غير أن أبا طالب لم يصغ إلى شكواهم فسند ابن أخيه وشجعه على المضي في رسالته. فلجأ الامويون إلى أسلوب جديد في إيذاء الرسول فوصفوه بالسحر ، والجنون عند من يقدم إلى مكة لصدهم عن الإيمان برسالته. فلم يجدهم ذلك نفعاً. فانتدبوا جماعة منهم لمجاهرته بالعداوة والإيذاء ـ وفي مقدمتهم :

عتبة وشيبة إبناً ربيعة ، وعقبة بن أبي معيط ، وأبو سفيان ، والحكم بن أبي العاص ، والعاص بن وائل السهمي ـ أبو عمرو ـ وإبنا عمه نبيه ومنبه. فاستهزأ هؤلاء بالرسول وازدروا به واسمعوه الكلام القارص ، وأروه المعاملة الخشنة.

وكان الحكم بن أبي العاص ـ أبو مروان ـ من أكثرهم إيذاء للرسول واستهزاء به واعتداء عليه الأمر الذي اضطر النبي ـ بعد ذلك ـ إلى نفيه وأولاده إلى الطائف.

ولم يقتصر إيذاء الامويين للرسول على الرجال بل تعداه للنساء وفي مقدمتهن أم جميل حمالة الحطب (1). غير أن ذلك كل لم يجدهم نفعاً. فعمدوا إلى مقاطعة

____________

1 ـ التي نزلت في ذمها سورة من القرآن الكريم أنظر : سورة المسد : آية 4.

38

الهاشمين. فصمد الهاشميون بوجههم ثلاث سنين عجاف (1).

وأخيراً دبر الامويين ـ واتباعهم ـ مؤامرتهم الكبرى لاغتيال النبي. فأحبطها بهجرته إلى المدينة وتركه علياً في فراشه إيهاماً للمشركين.

ولما انتقل النبي الى المدينة استجمع الامويون قواهم ـ وألبوا مشركي قريش وحلفاءهم : اليهود ـ على مقاومة الدين الجديد في شخص رسوله الكريم.

وكان قائدهم عتبة بن ربيعة (2) أبو هند أم معاوية ـ وصهره أبو سفيان وابن عمه الحكم بن ابي العاص ، فنشبت بدر وقتل من الامويين عتبة وابنه شيبة وعقبة بن ابي معيط واسر منهم أبو العاص بن الربيع ، وعمرو بن أبي سفيان. ونجا معاوية من القتل والأسر فهرب من المعركة.

وقد بلغ حقد أبي سفيان على النبي حدا يفوق الوصف لإنكسار بعض أوتاد خيمة الشرك التي يحتمي بظلها.

____________

1 ـ وقد بلغ وفاء أبي طالب حد الإعجاز في الدفاع عن الرسول وتحمل ثقل المقاطعة من الناحيتين المادية والمعنوية. فقد عز عليه أن يخذل ابن أخيه ، وهو سيد البطحاء ، كما عز عليه أن يعيش في الشعب منعزلا عمن حوله من الناس. ولكنه تحمل القطيعة في سبيل حماية الرسول وصيانة الدعوة الإسلامية. وله قصائد مشهورة في هذا الصدد ـ نذكر منها على سبيل المثال قوله له « ابن هشام ، سيرة النبي محمد 1 | 286 ـ 290 ».

ولمــا رايت القـوم لا ود فيهــم * * * وقد قطعوا كل العرى والوسائــل

وقد صارحونــا بالعـداوة والأذى * * * وقد طاوعوا أمر العدو المزايــل

صبرت لهم نفسي بسمـراء سمحـة * * * وأبيض عضب من تراث المقـاول

واحضرت عند البيت رهطي وأخوتي * * * وأمسكــت من أثوابـه بالوسائل

كذبتــم وبيت الله نبــري محمـداً * * * ولمــا نطاعن دونــه ونناضل

ونسلمــه حتــى نصـرع حولـه * * * ونذهــل عن أبنائنــا والحلائل

2 ـ وكان يطلق على أبي سفيان ـ كما ذكرنا ـ « صاحب العير » ويمسى عتبة « صاحب النفير » وفيهما يضرب المثل فيقال للخامل لا في العير ولا في النفير. وسبب تلك التسمية أن أبا سفيان قدم بالعير المحملة بالبضائع من الشام إلى مكة ـ فحماها من المسلمين.

أما عتبة فقد استنهض قريش لحرب النبي فوقعت بدر وكان هو أحد ضحاياها.

39

فزرع حقده هذا في نفوس المشركين بمختلف الوسائل المتيسرة لديه.

ومنعهم من البكاء على قتلاهم كما منع الشعراء عن التحدث عنهم أو رثائهم. وطلب من شركائه في المصيبة أن يتذرعوا بالصبر والجلد.

وقد برهن أبو سفيان ـ بذلك ـ على براعته في النفاذ إلى مكامن نفوس المشركين. فاستثار نوازعهم النفسية حين خاطبهم بقوله (1) « فأنتم إذا نحتم عليهم وبكيتموهم بالشعر أذهب ذلك غيظكم فأقعدكم عن عداوة محمد وأصحابه ، مع أنه إن بلغ محمداً وأصحابه شمتوا بكم. فيكون أعظم المصيبتين شماتتهم. ولعلكم تدركون ثأركم. فالدهن والنساء عليّ حرام حتى أغزوا محمداً ».

ومن الطريف أن نذكر هنا أن الأسود بن المطلب أصيب له ثلاثة من ولده في بدر. وكان يحب أن يبكيهم ولكنه توقف عن ذلك خوفاً من أبي سفيان. فبينما هو كذلك إذ سمع إمرأة تجهش بالبكاء. فأراد أن يستحلي الأمر ليبكي هو على قتلاه. فأرسل غلامه وقال له : أذهب فاستفسر هل بكت قريش على قتلاها « لعلي أبكي فإن جوفي قد احترق » فذهب الغلام وعلم : أن الباكية إمرأة ضل بعيرها فهز الأسود رأسه وقال :

أتبكي أن يضل لها بعيـر * * * ويمنعهـا من النوم السهود

ولا نبكي على بدر ولكـن * * * على بدر تصاغرت الخدود

فكان ابو سفيان إذن شيخ المؤلبين على حرب رسول الله بعد بدر. فعل ذلك أثناء جمعه جموعهم ، وأثناء تأليبه أياهم ، وفي إخراجه النساء معهم إلى أحد (2).

____________

1 ـ الواقدي : مغازي رسول الله ص 90 ـ 93.

2 ـ خرج أبو سفيان بهند وزوجة أخرى وصفوان بن أمية بأمرأتين وطلحة بأمرأته والحارث بن هشام بأمرأته. وخرجت خناس بنت مالك مع ابنها والحارث بن سفيان بأمرأته وكنانة بأمرأته وسفيان بن عويف بأمرأته والنعمان وجابر إبنا مسك بأمهما.

40

وقد مروا الابواء في طريقهم إلى أحد ـ فاقترح عليهم أبو سفيان أن ينبشوا قبر آمنة بنت وهب أم الرسول « وكانت قد توفيت هناك وهي راجعة بالرسول ـ وعمره { سنتان ـ إلى مكة بعد زيارتها لإخواتها من بني عدي بن النجار » وقال لهم : فإن يصب محمد من نسائكم أحداً قلتم : هذه رمة أمك.

فإن كان باراً ـ كما يزعم ـ فلعمري ليفادينكم برمة أمه.

وإن لم يظفر بإحدى نسائكم فلعمري فليفدين أمه بمال كثير. فاستشار أبو سفيان أهل الرأي من قريش في ذلك.

فقالوا : لا تذكر من هذا شيئاً » (1).

وقد ظهر أثر أبي سفيان في تأليب المشركين على حرب النبي ـ بالإضافة إلى ما ذكرنا ـ في تهيأته الجو لمعركة أحد ، وفي حرصه الشديد على وضع الجيش بشكل يساعده على دحر المسلمين ، وفي موقفه من بني عبد الدار في مسألة المحافظة على اللواء أثناء القتال.

فوضع على ميمنة المشركين خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل.

وجعل على الخيل عمرو بن العاص. وخاطب بني عبد الدار في مسألة حمل

____________

1 ـ الواقدي : مغازي رسول الله ص 158 ـ 160. ولابي سفيان ـ وحلفائه المشركين ـ مواقف أخرى كثيرة من هذا النوع البشع. من ذلك مثلاً : التحدث مع المشركين حول أبنتي النبي زينب وأم كلثوم ـ وكان النبي قد زوج أولاهما من أبي العاص ابن الربيع بن عبد العزي والثانية من عتبة بن أبي لهب وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي. فلما نزل عليه الوحي آمنت بناته به وبقي أزاجهن. فمشى نفر من قريش « إلى أبي العاص بن الربيع فقالوا : فارق صاحبتك بنت محمد ونحن نزوجك أي أمرأة شئت من قريش. فقال لاها الله !! لا أفارق صاحبتي ... ثم مشوا إلى الفاسق عتبة بن أبي لهب فقالوا له طلق بنت محمد ونحن ننكحك اي أمرأة شئت من قريش. فقال إن انتم زوجتموني ابنه أبان بن سعيد بن العاص فارقتها. فزوجوه ابنة سعيد بن العاص ففارقا ». راجع ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة 3 | 350 الطبعة الأولى بمصر.

41

اللواء فقال (1) :

« يا بني عبد الدار نحن نعرف أنكم أحق باللواء منا. إنما أؤتينا ـ يوم بدر ـ من اللواء. وإنما يؤتى القوم من قبل لوائها. فالزموا لواءكم وحافظوا عليه. أو خلوا بيننا وبينه.

فغضب بنو عبد الدار وقالوا : نحن نسلم لواءنا؟ لا كان هذا أبداً.

ثم أسندوا اللواء بالرماح واحدقوا به ».

وكانت هند زوج أبي سفيان لا تقل تحمساً عن زوجها في تأليب المشركين. وهي التي أغرت وحشياً على قتل عم النبي (2).

ذلك جانب من جوانب تعبير الأمويين عن مقتتهم للدين الحنيف. فقد شنوها ـ كما رأينا ـ حرباً شعواء لا هوداة فيها على النبي. ولم يثنهم اندحارهم في بدر عن مواصلة الكفاح المرير ضد الإسلام ومعتنقيه. فوقعت أحد ـ كما رأينا.

وكان الامويون وحلفاؤهم من المشركين أن يناولوا من الرسول فيها بعد أن قتلوا عمه الحمزة ومثلوا به على شكل من الوضاعة قل أن يحدث في التاريخ.

____________

1 ـ الواقدي : مغازي رسول الله ص 172.

2 ـ وكان وحشي عبدا لابنة الحارث بن عامر بن نوفل. وقد قتل أبوها يوم بدر فقالت لوحشي إنك حر إن قتلت محمداً او حمزة أو عليا لانها لم تر في المسلمين كفوءا لأبيها غيرهم.

ومن الانصاف للتاريخ أن نشير هناك إلى أن الحمزة لم يقتل نتيجة لشجاعة وحشي بل لظروف استثائية غير متوقعة. فقد كان صائماً ، وكمن له وحشي فقصده الحمزة فاعترض سبيله سباع ابن أم نمار فصرعه حمزة وأقبل إلى وحشي فزلت قدمه فضربه وحشي فأرداه قتيلاً. فأقبلت هند فرحة فخلعت حليها وقدمتها لوحشي.

ثم بقرت بطن حمزة وأخرجت كبده فمضغتها وقطعت مذاكيره وأذنيه وجدعت أنفه. وكان ألم النبي على حمزة ممضا فوقف على جثته وقال : « ما وقفت موقفاً قط أغيظ إلى من هذا ... أنني لن أصاب بمثلك أبداً » الواقدي : « مغازي رسول الله » ص 221 / 222.

42

ولولا أنه خيل إليهم أن الرسول قد قتل لما رجعوا من ساحات القتال.

فلما بلغهم أن الرسول ما زال على قيد الحياة اجمعوا أمرهم على الرجوع إليه فصدهم عن ذلك معبد الخزاعي كما هو معروف (1). غير أن إخفاق أبي سفيان في مؤامرته المسلحة لوأد الإسلام ونبيه ـ في بدر وأحد ـ لم يثنه عن مواصلة الكفاح المرير لإثارة وقائع أخرى ضد المسلمين.

فألب الأحزاب في حرب الخندق وما بعدها. ولم يعلن إسلامه ـ في الظاهر ـ كما سنرى إلا حين رأى أن ذلك أجدى من السيف في تحطيم الإسلام.

ويصدق الشيء نفسه على قادة الأمويين آنذاك من النساء والرجال.

ولما رأى الأمويون فشلهم المتواصل في مقاومة النبي والأسلام لجأوا إلى اتباع أسلوب جديد للإيقاع بالاسلام. وكان هذا الأسلوب ـ في واقعه ـ أكثر الأساليب إيجاعا للعقيدة الاسلامية. فتقمص قادتهم الاسلام والتزموا ببعض مظاهره ليتمكنوا من إعلانها حرباً شعواء على الدين من داخله ـ بعد أن أعياهم أمره في حربهم أياه من الخارج.

فأسلم ـ في الظاهر ـ قائدهم أبو سفيان يوم فتح مكة بعد أن لجأ إلى العباس عم النبي مضطراً ، والتمسه ان يأخذه إلى الرسول. فلما أتى به العباس.

قال له رسول الله « ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟

فقال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك !!

والله لقد علمت لو كان معه إله غيره أغنى عنا. فقال : ويحك :

ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك !! أما هذه ففي النفس منها شيء.

____________

1 ـ فقد لقي معبد ابا سفيان واتباعه بالروحاء يريدون الرجوع إلى أحد الاجهاز على النبي والمسلمين. فأخبرهم بأن النبي كان قد تهيأ برهط كثيف من اتباعه للخروج في تعقيب المشركين وأشار عليهم بضرورة تفادي ملاقاة المسلمين خشية من الهزيمة. فثناهم عن رأيهم القديم.

43

فقال له العباس ويحك !! أسلم قبل أن يضرب عنقك »(1).

وقد حاول أبو سفيان أن يضبط أعصابه التي نشأت على الكفر وتشربت ببغض الاسلام فتظاهر بنبذ عبادة الاوثان والاعتراف بالدين الجديد. ولكن ذلك ـ مع هذا ـ لم يعصمه ـ في مناسبات كثيرة ـ من غمر الدين الحنيف. من ذلك مثلا ما ذكره ابن هشام (2) حينما خاطب الحرث بن هشام أبا سفيان بعد فتح مكة ـ على أثر سماعهما المؤذن يؤذن : « أما والله لو أعلم أن محمداً نبي لا تبعته !! فقال أبو سفيان لا أقول شيئاً. لو تكلمت لأخبرت عني الحصا ».

فلو كان أبو سفيان مسلماً لا نبرى لتنفيذ زعم ذلك المشرك البغيض.

أما إقراره لرأي الحث ـ ضمناً ـ كما يبدو من عبارته فدليل عن وثنيته.

اما السيدة هند ـ زوجة أبي سفيان ـ فقد بايعت الرسول مضطرة ـ بعد فتح مكة ـ فتقمصت رداء الاسلام. فلما تقدمت هند لمبايعة النبي « اشترط شروط الاسلام عليها. فأجابته بأجوبة قوية. فما قاله لها : تبايعنني على ان لا تقتلي اولادك !! فقالت هند :

أما نحن فقد ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً يوم بدر. فقال لها : وعلى أن لا تزنين !! فقالت هند وهل تزني الحرة؟ فالتفت رسول الله إلى العباس وتبسم (3).

وكان المسلمون في عهد الرسول يسمعون أبا سفيان ومن هم على شاكلته بالطلقاء.

____________

1 ـ ابن خلدون : « كتاب العبر » الخ .. 2 | 234.

2 ـ سيرة النبي محمد 4 | 23.

3 ـ ابن الطقطقي : « الفخري في الآداب السلطانية » ص 76 ـ 77. لعل ابتسامة الرسول تشير إلى العهر الذي عرفت فيه هند واتهام العباس بن عبد المطلب بالاجتماع معها على زنى ، كما سنرى.

44

الأمويون والعقيدة الإسلامية

لقد مر بنا وصف موجز للصراع بين الامويين ومبادئ الإسلام في حياة الرسول. ونود أن ننتقل إلى البحث في ذلك الصراع « بين الامويين ومبادئ الإسلام » ـ باجلى أشكاله ـ في محاربتهم علي بن أبي طالب أثناء خلافته ، وفي اغتصابهم أمرة المسلمين. وكان قائدهم ـ آنذاك ـ معاوية نجل أبي سفيان قائد الأمويين في حربهم مع النبي.

وإذا كان الفشل قد كتب للأمويين في صراعهم مع النبي ـ لاعتصامهم بالأوثان بشكل سافر ـ فإن القضاء لم يكن في متناول ابن أبي طالب لتقمصهم ـ في الظاهر ـ رداء الإسلام الفضفاض.

ومهما يكن من الامر فإن غدر الامويين بعلي ـ تحت زعامة معاوية ـ قد أصاب روح الإسلام قبل أن يصيب أبا تراب. فقد انفسخ باغتيال الإمام المجال واسعاً امام قوى الشر التي حبسها علي في نطاق ضيق من خشية الله ومبادئ الدين الحنيف. فتلاشت من القلوب حرارة الإيمان التي كانت تجمع بين قلب الخليفة الكبير وقلوب رعاياه.

واستهان الولاة والحكام بتطبيق مبادئ الدين على شئون الحياة.

وعمدوا إلى إسكات الجماهير بوسائل فاسدة من الرشوة والملاينة أو الارهاب والتجويع. فذوي روح الإسلام وانطوت مبادؤه على نفسها بدلا من أن تسير في طريق التوسع والانتشار.

وكانت حصيلة ذلك الانتشار التدمر والالحاد في جسم المجتمع العربي الاسلامي ، وتدني المستويات الخلقية الرفيعة بين الحكام والمحكومين على السواء.

فبرز : الاستهتار « والظلم ، والخروج على القرآن وتعاليم الرسول من جهة الحاكمين ، والملق والمداهنة والانقياد من جهة الرعايا.

45

واختفى القائلون بالحق وراء سحب المطاردة والاضطهاد ، فأصبح المطالبون بحقوقهم التي ضمنها لهم الإسلام « زنادقة » و « ملحدين » و« ورفضة » وصار الوصوليون المنافقون أصحاب الخطوة والكلمة النافذة.

ذكر الزبير بن بكار في « الموفقيات » عن المغيرة بن شعبة أنه قال : قال لي عمر بن الخطاب يوما يا مغيرة هل أبصرت بعينك العوراء منذ اصيبت؟ قلت لا. قال : أما والله ليعورون بنو امية الاسلام كما أعورت عينك هذه. ثم ليعمينه حتى لا يدري أين يذهب ولا أين يجيء (1) ..

ورى : « إن يزيد بن معاوية قال لمعاوية ـ يوم بويع له عهده فجعل الناس يمدحونه ويطرونه ـ يا أمير المؤمنين ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا !!! فقال له معاوية : كل من أردت خديعته فتخادع لك حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته (2) ».

ورحم الله عمر بن عبد العزيز حين نظر إلى « ولاة » المسلمين في بعض الأيام فقال :

الوليد بالشام والحجاج بالعراق وقدة بن شريك بمصر وعثمان بن يوسف باليمن امتلات الأرض والله جورا (3).

ومن الغريب أن يستولي الأمويون على خلافة رسول الله ويستأثروا بها دون سائر المسلمين والعرب وأن يتلقفوها كالكرة واحدا بعد الآخر منذ مصرع رابع الخلفاء الراشدين دون أن يكون لهم أدنى حق في ذلك.

فهل يرشحهم كرههم للنبي وسعيهم لقتلة وتعذيب اتباعه لتسنم أمرة المسلمين؟

____________

1 ـ ابن الحديد ، شرح نهج البلاغة 3 | 115.

2 ـ المبرد ، الكامل في اللغة والأدب 1 | 305 مطبعة مصطفى محمد بمصر عام 1355 هـ ومن المضحك حقاُ أن يخاطب يزيد أباه يا أمير المؤمنين ولسنا فعلم حق معاوية في أمرة المؤمنين أو مؤهلاته لتلك الأمرة او الأسلوب الذي اتبعه للحصول على تلك الامرة غير أن معاوية ، من الجهة الثانية أمير « المؤمنين » الذي هم من طراز ولده يزيد.

3 ـ ابن عساكر ، تاريخ دمشق 49 : 307 ، الذهبي ، سيراعلام النبلاء 4 : 409.

46

أم أن خروجهم على أسس العقيدة الاسلامية ـ كما سنرى ـ هو الذي هيأهم لارتقاء منبر النبي؟

الواقع : أن مواقفهم الدنيئة في الجاهلية وفي حياة الرسول وفي الفترة التي نؤرخها في هذه الدراسة تجعلهم أبعد الناس عن تسلم إمرة المسلمين.

قال الجاحظ « فعندها استوى معاوية على الملك واستبد على بقية الشورى وعلى جماعة المسلمين من الانصار والمهاجرين في العام الذي سموه عام الجماعة وما كان عام جماعة بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة.

والعام الذي تحولت فيه الامامة ملكا كسرويا والخلافة غصباً قيصريا ، ولم يعد ذلك أجمع الضلال والفسق. ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا وعلى منازل ما رتبنا (1).

حتى رد قضية رسول الله رداً مكشوفاً وجحد حكمه جحداً ظاهرا في ولد الفراش وما يجب للعاهر (2) مع اجتماع الامة أن سمية لم تكن لأبي سفيان فراشا ، وأنه إنما كان بها عاهرا. فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار.

وليس قتل حجر بن عدي ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر.

وبيعة يزيد الخليع ، والاستئثار بالفئ ، واختيار الولاة علىالهوى ، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة ، من جنس جحد الاحكام المنصوصة والشرائع المشهورة والسنن المنصوبة ، وسواء في باب ما يستحق من الكفار جحد الكتاب ورد السنة إذا كانت السنة في شهرة الكتاب وظهوره ، إلا أن احدهما اعظم وعقاب الآخرة عليه أشد.

____________

1 ـ يشير الجاحظ بذلك إلى فقرات سالفة من رسالته التي بين أيدينا ح ذكر فيها جانباً من موبقات معاوية.

2 ـ يشير إلى قضية استلحاق معاوية زياد بن سمية بأبي سفيان.

47

فهذه أو كفرة كانت في الأمة ، ثم لم تكن إلا فيمن يدعى امامتها والخلافة عليها. على ان كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره. وقد أربت عليهم نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا فقالت : لا تسبوه فان له صحبة ، وسب معاوية بدعة ، من يبغضه فقد خالف السنة.

فزعمت أن من السنة ترك البراءة ممن جحد السنة !!

ثم الذي كان من يزيد ابنه ومن عماله وأهل نصرته ، ثم غزو مكة ورمى الكعبة واستباحة المدينة ، وقتل الحسين في أكثر أهل بيته مصابيح الظلام وأوتاد الإسلام ... فأحسبوا قتله ليس بكفر.

واباحة المدينة وهتك الحرمة ليس بجاحد.

كيف تقولون في رمي الكعبة وهدم البيت الحرام وقبلة المسلمين؟

فإن قلتم ليس ذلك أرادوا بل إنما أرادوا المتحرز به والمتحصن بحيطانه !! فما كان في حق البيت وحريمه أن يحصروه فيه إلى أن يعطي بيده !!

وأي شيء بقى من رجل قد أخذت عليه الأرض إلا موضع قدمه !!

وأحسبوا ما رووا عليه من الاشعار ـ التي قولها شرك والتمثل بها كفر ـ شيئا مصنوعا.

كيف نصنع بنقر القضيب بين ثنيتي الحسين !!

والكشف عن عورة علي بن الحسين عند الشك في بلوغه !! .. كما يصنع أمير جيش المسلمين بذراري المشركين !!

وكيف تقولون في قول عبيد الله بن زياد لإخوته وخاصته : دعوني أقتله فانه بقية هذا النسل فأحسم به هذا القرن وأميت به هذا الداء وأقطع به هذه المادة.

خبرونا علام تدل هذه القسوة وهذه الغلظة !! بعد أن شفوا انفسهم بقتلهم ونالوا ما احبوا فيهم !!

48

أتدل علىنصب ، وسوء رأي وحقد وبغضاء ونفاق وعلى يقين مدخول وإيمان مخروج؟

أم تدل على الإخلاص وعلى حب النبي والحفظ له وعلى براءة الساحة وصحة السريرة؟ فإن كان على ما وصفنا لا يعدو الفسق والضلال ، وذلك أدنى منازله.

فالفاسق ملعون ومن نهى عن لعن الملعون فملعون.

وزعمت نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا أن سب ولاة السوء فتنة ، ولعن الجورة بدعة ، وإن كانوا يأخذون السمى بالسمى والولي والقريب بالقريب ، وأخافوا الأولياء وآمنوا الاعداء وحكموا بالشفاعة والهوى واظهار الغدرة والتهاون بالامة والقمع للرعية والتهم في غير مداراة ولا تقية ، وإن عدا ذلك إلى الكفر وجاوز الضلال إلى الجحد ، فذاك اضل ممن كف عن شتمهم والبراءة منهم. على أنه ليس من استحق اسم الكفر بالقتل كمن استحقه برد السنة وهدم الكعبة.

وليس من استحق اسم الكفر بذلك كمن شبه الله بخلقه.

وليس من استحق الكفر بالتشبيه كمن استحقه بالتجوير. والنابتة ـ في هذا الوجه ـ اكفر من يزيد وابيه وابن زياد وابيه.

ولو ثبت أيضا ـ على يزيد ـ أنه تمثل بقول ابن الزبعري :

ليت اشياخـي ببدر شهـدوا * * * جزع الخزرج من وقع الأسل

لاستطاروا واستهلـو فرحـا * * * ثم قالوا يا يزيـد لا تســل

قد قتلنا الغـر من ساداتهـم * * * وعدلنـاه ببـدر فاعتــدل

كان تجوير النابتي لربه وتشبيهه بخلقه أعظم من ذلك وأفضع ، وعلى أنهم مجمعون على أنه ملعون من قتل مؤمنا متعمداً أو متأولا.

فإذا كان القاتل سلطانا جائراً واميراً عاصيا لم يستحلوا سبه ولا خلعه ولا نفيه

49

ولا عيبة ، وإن أخاف الصلحاء وقتل الفقهاء وأجاع الفقير ، وظلم الضعيف ، وعطل الحدود والثغور ، وشرب الخمور واظهر الفجور !!!

ثم ما زال الناس يتسكعون مرة ويداهنونهم مرة ، ويقاربونهم مرة ويشاركونهم مرة إلا بقية ممن عصمه الله.

حتى قام عبد الملك بن مروان وابنه الوليد وعاملهما الحجاج بن يوسف ومولاه يزيد بن أبي مسلم.

فأعادوا على البيت بالهدم وعلى حرم المدينة بالغزو.

فهدموا الكعبة واستباحوا الحرمة وحولوا قبلة واسط.

وأخروا صلاة الجمعة إلى مغيربان الشمس. فإذا قال رجل لأحدهم : اتق الله فقد اخرت الصلاة عن وقتها قتله ـ على هذا القول ـ جهارا غير ختل وعلانية غير سر.

ولا يعلم القتل على ذلك إلا اقبح من إنكاره. فكيف يكفر العبد بشيء ولا يكفر بأعظم منه !!

وقد كان بعض الصالحين ربما وعظ الجبابرة وخوفهم العواقب وأراهم أن في الناس بقية ينهون عن الفساد في الأرض حتى قام عبد الملك بن مروان والحجاج ابن يوسف فزجرا عن ذلك وعاقبا عليه وقتلا فيه. فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه.

فأحسب تحويل الكعبة كان غلطا وهدم البيت كان تأويلا ، واحسب مارووا ـ من كل وجه ـ انهم كانوا يزعمون أن خليفة المرء في أهله ارفع عنده من رسوله إليهم (1) ، باطلا ومسموعا مولدا ! واحسب وسم أيدي المسلمين ونقش أيدي المسلمات وردهم ـ بعد الهجرة ـ إلى قراهم.

____________

1 ـ يشير الجاحظ إلى مخاطبة الحجاج للعراقيين في إحدى خطبه « ويحكم أخليفة أحكم في أهله أكرم عليه أم رسوله اليهم؟ » يريد بذلك تفضيل مقام الخلافة على مقام الرسالة راجع « العقد الفريد » لابن عبد ربه 3 | 255.

50

وقتل الفقهاء وسب أئمة الهدى والنصب لعترة الرسول لا يكون كفراً !!

كيف تقول في جمع ثلاث صلوات ـ فيهن الجمعة ـ ولا يصلون إلا أولاهن حتى تصير الشمس على اعالي الجدران كالملاء المعصفر !!

فإن نطق مسلم خبط بالسيف وأخذته العمد وشك بالرماح. وإن قال قائل : اتق الله. أخذته العزة بالاثم. ثم لم يرض إلا بنثر دماغه على صدره وبصلبه حيث تراه عياله.

ومما يدل على أن القوم لم يكونوا إلا في طريق التمرد على الله والاستخفاف بالدين والتهاون بالمسلمين والابتذال لأهل الحق أكل امرائهم الطعام وشربهم الشراب على منابرهم أيا جمعهم وجموعهم ...

وقد كانت هذه الامة لا تتجاوز معاصيها الاثم والضلال إلا ما حكيت لك عن بني أمية وبني مروان وعمالهم (1) ».

ذلك رأي الجاحظ في الامويين ومدى صلتهم بالإسلام. وهو الرأي الغالب عند جمهرة مفكري المسلمين ومؤرخيهم.

وقد ذهب المقريزي ـ بما له من مكانة مرموقة بين المؤرخين ـ إلى القول بأنه كان يعجب من تطاول الامويين إلى الخلافة وكيف حدثتهم أنفسهم بذلك !! وأين بنو أمية ، وبنو مروان بن الحكم ـ طريد رسول الله ـ ولعينه ـ من هذا الحديث مع شدة عداوة بني أمية لرسول الله ومبالغتهم في أذاه وتماديهم في تكذيبه !!

____________

* ويلوح أن الحجاج لم يسأل نفسه الخبيثة حتى عن معنى كلمة خلافة. فخليفة الشخص من ينوب عنه. هذا إذا فرضنا ـ جدلا ـ أن الامويين خلفاء بهذا المعنى ، فهل يكونون أفضل ممن خلفهم؟

1 ـ الجاحظ : « رسائل الجاحظ » ص 293 ـ 298.

51

إذ ليس لمبنى لبني أمية سبب إلى الخلافة ولا بينهم وبينها نسب. فاسباب الخلافة معروفة فمنهم من ادعاه لعلي ـ باجتماع القرابة والسابقة والوصية بزعمهم. فإن كان الأمر كذلك فليس لبني امية في شيء من ذلك دعوى عند أحد من أهل القبلة. وإن كانت لا تنال إلا بالسابقة فليس لهم في السابقة قديم مذكور. بل كانوا ـ إذا لم تكن لهم سابقة ولم يكن فيهم ما يستحقون به الخلافة ـ لم يكن فيهم ما يمنعم منها أشد المنع كان اهون وكان الامر عليهم ايسر !! فقد عرفنا كيف كان ابو سفيان في عداوته للنبي وفي محاربته وفي إجلابه عليه ... ولا يكون أمير المؤمنين إلا اولاهم بالايمان واقدمهم فيه. هذا وبنو امية قد هدموا الكعبة وجعلوا الرسول دون الخليفة ، وختموا في اعناق الصحابة وغيروا أوقات الصلاة ، ونقشوا اكف المسلمين .. ثم إني ماذا أقول ـ يا عجبا ـ كيف يستحق خلافة رسول الله على امته شرعا من لم يجعل له حقا في سهم ذي القربى؟ ثم كيف يقيم دين الله من قاتل رسول الله ونابزه وكايده وبذل جهده في قتله؟ وليت إذ ولى بنو امية الخلافة عدلوا انصفوا !! بل جاروا ـ في الحكم ـ وعسفوا واستأثروا بالفيء كله وحرموا بني هاشم جملة ، وزادوا في العتو والتعدي حتى قالو : إنما ذوي القربى قرابة الخليفة منه. وحتى قرروا ـ عند أهل الشام ـ أن لا قرابة لرسول الله يرثونه إلا أولاد أمية .. وحتى صعد الحجاج بن يوسف يوماً أعواد منبره وقال ـ على رؤوس الاشهاد : أرسولك أفضل ام خليفتك؟ يعرض بأن عبد الملك بن مروان أفضل من رسول الله (1).

____________

1 ـ المقريزي : النزاع والتخاصم ص 5 ـ 8 و 27 ـ 28.

52

الفصل الرابع

أساليب تثبيت الحكم عند الامويين

لقد مر بنا القول بأن الامويين أبعد المسلمين ـ من الناحية الشرعية ـ عن تولى خلافة رسول الله. ولكنهم ـ مع هذا ـ قد ارتفعوا إلى مستويات الحكم في البلاد الإسلامية. وكان ارتفاعهم هذا ، كما سلف أن ذكرنا ، نتيجة للأساليب الفاسدة التي استعانوا بها في هذا المضمار. فلا عجب أن رأيناهم يستعينون بالأساليب الفاسدة أيضا لتثبيت قواعد حكمهم الممقوت. وتتلخص أساليبهم تلك في الامور التالية :

ـ 1 ـ

اتباعهم سياسة الشدة واللين

اتباعهم سياسة الشدة ـ ووصلهم إلى ذروتها من جهة ، وتبنيهم سياسة اللين وبلوغهم منتهاها من جهة أخرى.

وقد رافق ذلك ونتج عنه تبذير لأموال المسلمين وصرفها في غير مواضعها المشروعة من جهة ، وحبس لها عن مستحقيها من جهة ثانية. وقد جرى ذلك كله حسب مستلزمات الظروف التي كانوا يعيشون فيها. فأثرت تلك السياسة ـ بجناحيها ـ في الخلق العربي الإسلامي اسوأ تأثير.

وتعدى أثرها العهد الأموي فانتشر ـ عن طريق الوراثات الأجتماعية ـ بين العرب المسلمين جيلا بعد جيل حتى أدرك العهد الذي نعيش فيه ، وربما انتقلت أثاره إلى الأجيال القادمة.

وإلى القارئ طائفة من الأمثلة لتأييد وجاهية ما ذهبنا إليه. قال ابن عبد ربه (1).

____________

1 ـ العقد الفريد : 1 | 194.