العدالة الإجتماعية وضوابط توزيع الثّروة في الإسلام

- د. زهير الأعرجي المزيد...
229 /
7

المقدمـة

لا شك ان قضية العدالة الاجتماعية ترتبط بشكل او بآخر بصراع المصالح الفردية في النظام الاجتماعي ؛ بمعنى ان التنافس الشخصي للحصول على الثروات الاجتماعية والطبيعية هو الذي يؤدي الى إثارة قضية العدالة الاجتماعية على بساط البحث.

ولما كانت العدالة الاقتصادية جزء لا يتجزأ من الصورة الكلية للعدالة الحقوقية ، كان لا بد من توزيع الثروة الاجتماعية توزيعاً يرتبط بالحقوق الواجبة بالاصل ، ولا يرتبط بالنشاطات الخيرية او الكرم العرفي او الصدقات المستحبة المخيرة. وبتعبير آخر فان تصميم حق ثابت واجب للفقراء في اموال الاغنياء انما يساهم ـ بشكل فعال ـ في اعادة توزيع الثروة الاجتماعية التي خلقها من البداية التفاضل التكويني او الاجتماعي بين الافراد. وهذا الاصل هو جوهر فكرة الرسالة الاسلامية حول (العدالة الاجتماعية) وامكانية تطبيقها في النظام الاجتماعي الاسلامي. فالصدقة المستحبة او الهدية او الانفاق المستحب ليست حقاً (مع تأكيد الاسلام المستمر عليها) ، الا ان الزكاة الواجبة والخمس وبقية الفرائض المالية في الاسلام تعتبر حقوقاً واجبة يلزم الفرد المكلف باخراجها على الصعيدين الشرعي والاخلاقي ، لانها لا تعتبر جزء من امواله الشخصية ، بل هي حقاً من حقوق الآخرين. وهذا الاطار الاخلاقي في اعادة توزيع الثروة الاجتماعية يعطي المبدع النشيط نحو اربعة اخماس من ثمار نشاطه

8

الاقتصادي ومكافآته المالية ويحجز اكثر من خمس تلك الثروة للفقراء.

ولا شك ان التبادل الاجتماعي الاخلاقي بين الافراد ـ وهو التبادل الناتج عن ارجاع المنفعة التي يحصل عليها الفرد بطريق ما ـ يرتبط اصلاً بقضية (العدالة الاجتماعية). فالعدالة الاجتماعية تعني ايضاً بان الفرد انما يأخذ او يقدم للآخرين بما لا يتجاوز حدود المنفعة الشخصية لبقية الافراد. ولذلك كان الاجر العادل ، والسعر المناسب ، والتبادل المتوازن بين الافراد من اهم عناصر تحريك الثروة الاجتماعية في النظام الاجتماعي. على عكس الاحتكار ، والاستثمار الظالم ، والاجحاف باجور العمال ، وبخس حاجات الافراد المعروضة للبيع ؛ فهذه العوامل الاخيرة كلها تسبب ارباكاً للسوق التجاري في المجتمع والدولة. الا ان الحاجات المصنّعة تقيّم وتسعّر من قَبِل العرف الاجتماعي او النظام الاقتصادي نسبةً الى المهارة التي اعتصرت فيها ، والمسؤولية التي وضعت من اجل تصنيعها. ولذلك فان الاجر العادل ينبغي ان تناغم مع فكرة الوقت المصروف على انجاز تلك المهمة ، مضافاً اليها مهارة المنتج ومسؤولية المالك. والأجر ، والمادة المصنعة لهما علاقة مباشرة بموضوع سد حاجات الناس المختلفة.

بيد ان فكرة (العدالة الاجتماعية) وملابساتها العقائدية هي التي اججت الصراع الفكري بين المدارس الاجتماعية الاوربية كنظرية (الصراع الاجتماعي) ، ونظرية (توماس هوبس) ، ونظرية (القانون الوضعي) لـ (كروتيوس). فنظرية الصراع الاجتماعي اعتبرت ان (العدالة الاجتماعية) انما تعتمد على صراع المصالح الاقتصادية في المجتمع ، وان القانون يعكس مصالح الطبقة الحاكمة فحسب. الا ان (توماس هوبس) زعم بان (العدالة

9

الاجتماعية) او (الظلم الاجتماعي) انما هو نتيجة من نتائج القوة الاكراهية التي تستطيع ان تفرض الالزام على الافراد بغض النظر عن مشاعرهم الرافضة او المؤيدة للدولة.

ولعل اكثر النظريات الغربية جرأةً وتحدّياً للكنيسة النصرانيّة في القرن السابع عشر افكار نظرية (القانون الوضعي) لـ (كروتيوس) (1) التي ادعى فيها بانه لو افترض نفي الوجود المطلق ، كان لابد للأفراد من الالتزام بقانون الطبيعة ؛ لان هذا القانون الطبيعي مشتقّ من طبيعتين انسانيتين هما : الاجتماع ، والعقلانية. ولذلك ، فلا بد ان يكون وراء القانون الطبيعي قانون آخر وهو قانون العدالة الاجتماعية. والى ذلك اشار (جون لوك) بان القانون الطبيعي انما هو تجربة انسانية لعدالة القانون الوضعي.

الا ان هذه النظريات الغربية بهفواتها الواضحة لم تستطع ان تعرّف لنا معنىً مفصّلاً لفكرة (العدالة الاجتماعية). والالزام الشخصي لا يكفي في تحقيق تلك العدالة ما لم يلازم ذلك الالزام الزامٌ آخر اسمىِ بل اكثر وضوحاً ، وهو الالزام الديني بما فيه من مسؤليّةٍ وجهدٍ وجزاءٍ.

ان هذا البحث يتناول جزءً من الابعاد الاجتماعية للنظرية الدينية ، خصوصاً المدرسة الفقهية الامامية فيما يتعلق بمفاهيم العدالة الاجتماعية ، التي كانت محطّ انظار الكثير من النظريات الاجتماعية الحديثة. ولاشك اننا لانستطيع ادارة المجتمع الاسلامي ما لم يكن لدينا تصور واضح عن فلسفة العدالة الاجتماعية في الاسلام ، وما لم تكن لدينا نظرية تطبيقية واضحة

____________

(1) (ساندفورد لاكوف). المساواة في الفلسفة السياسية. كامبردج ، ماساشوستس : مطبعة جامعة هارفارد. 1964 م.

10

المعالم عن اسس توزيع الثروة الاجتماعية بين الافراد.

وفي ختام هذه المقدمة ، فمن الضروري ذكر مسألتين مهمتين ، الاولى : منهج البحث. والثانية : بعض النقاط المتعلّقة بالكتاب نفسه.

اما منهج البحث ، فقد قسمنا الكتاب الى قسمين : القسم الاول : يتناول النظام الاجتماعي الرأسمالي. ودرسنا فيه بالنقد العلمي موضوع العدالة الاجتماعية على الصعيد الحقوقي. وقد حاولنا نقد النظرية الاجتماعية الرأسمالية عن طريق دحض آرائها النظرية والتطبيقية ، حتى نمهّد الطريق لطرح النظرية الاجتماعية الاسلامية كبديل وحيد لاسعاد البشرية المعذبة بعذاب الظلم الاجتماعي ، الذي جلبته النظرية الغربية الرأسمالية الحديثة. فطرحنا في القسم الثاني من الكتاب موضوع العدالة الاجتماعية في النظرية الاسلامية. وتركنا للقارئ الكريم الحكم على صلاحيّة النظرتين لقيادة البشريّة. وكان تحيزنا في طيات الكتاب ، دائما مع الحق. وقبل ذلك تعرضنا إلى لمحة سريعة لـ (فلسفة العدالة الاجتماعية في النظرية الامامية) ، والى (محاولة ابتدائية لاكتشاف علم الاجتماع الاسلامي).

وعلى صعيد النقاط المتعلقة بالكتاب ، فقد آثرنا درجها كما يلي :

1ـ لما كان النظام الرأسمالي لايمثل المؤسسة الاقتصادية فحسب ، بل المؤسسات الاجتماعية الاخرى ايضا ، فقد اطلقنا على كلّ المؤسسات الاجتماعية التي يديرها المؤمنون بالنظرية الرأسمالية ، بـ «النظام الاجتماعي الرأسمالي». لان الثروة والمال ، وميكانيكية التسعير ، والانتاج من خلال العرض والطلب في الاسواق التنافسية ، ونظام التوزيع ، وامتلاك وسائل الانتاج وارتباطها بالمستهلك والمُنتِج والمستثمر والعامل والمشرع القانوني ؛

11

كل هذه الانظمة الاقتصادية التي هي صلب الفكرة الرأسمالية تتدخل بشكل مباشر او غير مباشر في شؤون المؤسسات الاجتماعية التابعة للنظام الاقتصادي. فارتباط النظام الاقتصادي الرأسمالي بالانظمة الاجتماعية والصحية والسياسية والقضائية والعسكرية والتعليمية والعائلية وتوزيع الثروات والعدالة الاجتماعية والانحراف الاجتماعي كلها ، تجعل النظام الرأسمالي نظاماً اجتماعياً قائماً بذاته ، يستحق على اقل تقدير النقد والمقارنة ومحاولة تقديم البديل الناجح.

2 ـ لما كانت الولايات المتحدة تمثل ارقى درجات الفكرة الرأسمالية ، فقد كان صلب البحث في نقد النظرية الاجتماعية الرأسمالية متمثّلا في نظرتها وممارستها الإجتماعي والإقتصادية الرأسماليّة ، خصوصاً فيما يتعلق بالمذهب الفردي واستثمار رأس المال وما يترتب عليه من تأثيرات على النظام الاجتماعي.

3 ـ ان هذا الكتاب يعبر عن مجرد محاولة ابتدائية لاستكشاف النظرية الاجتماعية على ضوء الفقه الاسلامي عموما وفكر اهل البيت (ع) بالخصوص. ولابد من دراسات أُخرى اضافية لبلورة النظرية الاجتماعية الاسلامية من جميع جوانبها الفكرية.

ان هذا الكتاب موجّه الى الانسانية جميعاً ، علّها تجد فيه بلسماً لامراضها المزمنة في انعدام العدالة والظلم الاجتماعي ، فتتوجه حينئذ الى خالقها وبارئها ، فتلتزم بالإطار الاجتماعي الذي جاءت به الرسالة الاسلامية. وهذا لا يتم الا عن طريق ترجمة التكليف والالزام الشرعي للفرد الى واقع حقيقي يعيشه المسلم بكل جوارحه واحاسيسه الوجدانية وحاجاته

12

الاجتماعية. بمعنى ان الفرد المؤمن بعقيدة التوحيد لايمكن ان يغفو له جفن ويستقر له مقام ، ما لم يحاول جاهداً المساهمة في بناء النظام الاجتماعي الذي بشرت به الرسالة الاسلامية منذ انبثاق فجرها الهادي وسطوع شمسها الإلهيّة الخالدة.

وهو المستعان ، وله الحمد في الاولى والآخرة ، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب.

-زهير الأعرجي

مدينة قم المشرفة / ربيع الثاني 1415 هـ

13

فلسفة العدالة الاجتماعية في النظرية الامامية

ان فكرة المساواة بين قطبين (أ و ب) على سبيل الافتراض يمكن ان تكون وصفية او معيارية ولكنها لا تكتمل الا بالإشارة الى مفهوم كامل للمساواة او المقارنة بمعنىً مطلقٍ للعدالة. والا ، فان المساواة المطلقة بين (أ) و (ب) لن تتم الا في الرياضيّات ، لان ذلك العلم يتعامل فقط بالكميات والاعداد النقية المطلقة. اما في الواقع الخارجي فان شيئين متساويين في الوزن والحجم والقيمة ربما لا يتساويان في ابعاد اخرى. ولذلك فاننا لانستطيع ان نقول ان هناك شيئين متساويين في كل الابعاد مطلقاً ؛ لكننا نستطيع فقط ان نقول ان هناك شيئين متساويين في كل الابعاد نسبياً.

وحتى لو كان الفردان متساويين في الجدارة نسبة الى ادائهما ، وانهما يستحقان ان يعاملا بشكل متساوٍ ؛ الا ان هذا الاستحقاق لا يُلغي ان يعاملا بشكل مختلف اذا كانا غير متساويين في مجالات اخرى. بمعنى آخر ان المساواة بين الافراد يفترض ان يكون الاصل في جميع المجالات التي يتفق فيها الافراد ؛ وان يكون الاختلاف في التعامل متناسباً مع الاختلافات النسبية بينهم. وهذا التمييز في التعامل له اهمية عظيمة في اصل فكرة (المساواة) على الصعيد الاخلاقي والاجتماعي.

وحتى ان ادعاء المفكر الامريكي (توماس جيفرسون) بان الافراد

14

(يُوَلّدون جميعاً وهم متساوون) (1) لا يطابق الواقع الخارجي لاسباب واضحة ، وهي ان الافراد لا يتساوون تماماً في الذكاء والقدرات الجسدية والفكرية. الا ان رأي (جيفرسون) يصدق اذا كان يقصد به تلميحاً لفكرة العدالة الاجتماعية التي ينبغي ان يطرحها النظام الاجتماعي امام جميع الافراد. ولكن المشكلة الفلسفية تكمن في السؤال الذي يصاغ بالشكل التالي : كيف يمكن تحقيق المساواة التامة بين جميع الافراد وقد اختلفت قدراتهم الجسدية والعقلية على اداء ادوارهم الاجتماعية؟ فاجابت المدارس الفكرية والفلسفية على مدى التاريخ على هذا السؤال بإجاباتٍ متباينة.

إلاّ ان اول من نقض مفاهيم المساواة بين الافراد ، حكماء الاغريق انفسهم. فبعد ان آمنوا بالمساواة الحقيقية بين جميع الافراد حتى مع الاختلافات النسبية ، عادوا وصنفوا فكرة (المساواة) على اساس الانتماء القومي. فارسطو زعم صراحةً بان بعض الافراد عبيد بطبيعتهم الذاتية (2). وزعم افلاطون بان بعض الانفس لا تستطيع ان تتطور كما تتطور انفس بقية الافراد (3). وحتى ان مجالس (اثينا) كانت تتحدث ـ كما يصفها لنا (ثوسيدايدس) ـ عن المساواة بين مواطني (اثينا) فحسب ، مستثنية العبيد والاجانب عن عدالة تلك المدينة الفاضلة (4)!

ولكن اول من نادى بالمساواة في نوادي الاغريق رواد مذهب (الرواقية

____________

(1) (جي مارجوليس). « يوُلّد الافراد جميعاً وهم متساوون ». مقالة فلسفية في (المجلة الفلسفية) الامريكية ، عدد 52 ، رقم 13 ، 1955 م. ص 337ـ 346 (آ).

(2) (ارسطوطاليس). الاخلاق. الكتاب الثالث. نيويورك : بنكوين ، 1962 م.

(3) (افلاطون). الايام الاخيرة لسقراط. نيويورك : بنكوين ، 1969 م.

(4) (جورج ابرنيثي). فكرة العدالة. ريجموند ، فريجينيا : 1959م.

15

او ستوسيزم) الذي اكد على المساواة الطبيعية بين جميع الافراد ؛ باعتبارهم كائنات لديها قدرات عقلية وقابليات متساوية على فعل الخير (1). الا ان ذلك المذهب لم يستطيع التمييز بين المجرد القدرة على فعل الخير ، وبين تحقيق ذلك الفعل. وهذا الرأي الجديد يفسح لنا المجال لنتسائل : هل نستطيع ان ننكر على الافراد الذين لا يفعلون الخير دعوى المساواة؟ ام هل نستطيع ان نثبت (المساواة) حتى مع الذين يظلمون الآخرين وينكرون عليهم حقوقهم؟ هنا يصمت (المذهب الرواقي) عن الجواب. بل ان هذا الصمت يفتح الابواب للرسالة الدينية لتقوم بدورها في الجواب على ذلك.

ولاشك ان الرسالة الدينية الإلهيّة هي اول من نادت بالعدالة الواقعية ، الا ان التحريفات التي اجريت قسراً على بعضها انتهك اقدس مفاهيمها الاجتماعية. ففكرة (الاختيار الالهي) لليهود ، وفكرة (الانقاذ) عن طريق السيد المسيح (ع) ، وفكرة ان (العبودية البشرية) انما هي نتيجة من نتائج الذنب الذي يرتكبه الفرد ، كلها أدّت الى تشويه صورة الرسالة الدينية التي نادت بالعدالة الاجتماعية بين الافراد امام المجتمع وامام الخالق عز وجل. وحتى ان العقيدة الكالفنيّة في القرن السابع عشر الميلادي ـ التي ولدت كصورة من صور الاحتجاج على الكنيسة الكاثوليكية الزاعمة بان المساواة بين الافراد انما تنتهك النظام التكويني للعالم ـ نادت بالمساوات بين افراد الشعب المختار من البروتستانت فحسب ولم تلتفت الى حقوق بقية الافراد من المذاهب او الديانات الأخرى.

____________

(1) (ديفيد تومسون). المساواة. كامبردج : مطبعة جامعة كامبردج. 1949 م.

16

ولم تتطور فكرة (المساواة الطبيعية) في القرن السابع عشر الميلادي الا على يد المفكر السياسي الاوروبي (توماس هوبس) الذي زعم بان الافراد في الطبيعة متساوون في الحقوق لانهم متساوون في القوة والبراعة (1). الا ان الفيلسوف (جون لوك) لم يتوقف عند فكرة المساواة الطبيعية للافراد عند الولادة ، بل زعم بانه لابد للافراد من التعرض الى نفس القانون الطبيعي ، والتمتع بنفس الحقوق الطبيعية (2). ولكن هذه الافكار الجديدة وضعت الفلسفة السياسية الاوروبية في مأزق ؛ وجعلت المعارضين لهذه الافكار يتجمعون تحت غطاء الإشكال التالي وهو انه : اذا كان الافراد متساوون بالحرية والحقوق واقعاً فلماذا يخضعون لتحديدات المجتمع المدني والسلطة السياسية والالزام الاجتماعي؟ بل كيف نفسر العدالة السياسية اذا قبلنا بوجود الحاكم والمحكوم؟ اذن ، فإنّ هذه التحديدات السياسية والاجتماعية التي وجدت لحفظ الحقوق وفرض الواجبات انما تنتهك (المساواة الطبيعية) التي نادى بها (هوبس) و(لوك). وهذه الثغرات الفلسفية تجعلنا نشكك بقدرة المدرسة الاوربية على تقديم معنىً شاملٍ ومقبولٍ للعدالة الاجتماعية بين الافراد.

ولا شك ان المسرح الفلسفي الاوروبي في القرن الثامن عشر الميلادي شهد نشوء نظرية جديدة حول (العدالة الاجتماعية) والمساواة الطبيعية في

____________

(1) (توماس هوبس). الدولة. تحرير : ميشيل اوكشوت. نيويورك : 1962 م. الطبعة الأَصلية عام 1651 م.

(2) (جون لوك). « الرسالة الثانية حول الحكومة المدنية » (1690 م) ، في كتاب (رسالتان حول الحكومة). تحرير : بي لاسليت. اكسفورد : مطبعة جامعة اكسفورد ، 1960 م.

17

الحقوق ، وهي نظرية (الطبيعة الانسانية) التي وضعها (كونديلاك) و (هيلفتيس) (1) ، التي زعمت بان الفوارق في الشخصية ، والقابليات ، والذكاء انما هي اختلافات في البيئة والتجربة الانسانية وليست في التكوين البشري. فالافراد ـ بطبيعتهم ـ متساوون بلحاظ انهم ، عند الولادة ، يملكون قدراً غير محدود من الطاقة الكامنة نحو الابداع ، دون وجود خصائص طبيعية تميز احدهم عن الآخر. وبالتالي فان طبعائهم المتباينة هي في الواقع قضية عارضة او امر طارىء ؛ لان الافراد ـ مبدئياً ـ متساوون في الكمال ، شرط ان تعطى لهم فرصاً اجتماعية مناسبة. الا ان (جان ـ جاك روسو) فسر انعدام العدالة الاجتماعية بتعقد الحياة الانسانية وتشابكها (2) ؛ لان حاجات الفرد الطبيعية ـ بزعمه ـ لو كانت بسيطة لاعتمد الفرد على نفسه في اشباعها ، ولما كانت اداةً لإستثمار الآخرين. ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية ، فإنّ (جان ـ جاك روسو) عرض مفهوم (المصالحة) بين المساواة الطبيعية وحاجات الانسان من جهة وبين الشروط الاجتماعية والسياسية للسلطة من جهة اخرى ؛ زاعماً بان غياب هذه المصالحة يمنع الافراد من ادراك قابلياتهم الابداعية ككيانات اخلاقية مستقلة. الا اننا نرد على (روسو) بان المصالحة المزعومة لا تضمن العدالة الحقوقية بين الافراد ؛ لان المصالحة غير المشروطة بين الافراد والدولة الظالمة يناقض اصالة العدالة الاجتماعية. وبطبيعة الحال فان (روسو) لم يشترط عدالة الدولة في

____________

(1) (ساندفورد لاكوف). المساواة في الفلسفة السياسية. كامبردج. ماساشوستس : مطبعة جامعة هارفارد ، 1964 م.

(2) (جان ـ جاك روسو). محاضرة حول اصل انعدام العدالة الاجتماعية. آمستردام : 1755 م.

18

تلك المصالحة. في حين قدم (عمانوئيل كانت) تحليلا اكثر تعقيداً لنفس القضية الاخلاقية التي طرحها (روسو) قائلاً بان جميع الافراد يجب ان يعاملوا كغايات ، لا كوسائل (1) ؛ بمعنى ان جميع الافراد اعضاء متساوون في الدولة (الغائية) ، لانهم جميعاً متساوون في القدرة على ادراك الخير والارادة الخيّرة. الا ان هذا التحليل ـ الذي ساهم في صياغة الحركات الثورية في امريكا الشمالية واوروبا الغربية في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي ـ اضعف دور الدين في الحياة البشرية ؛ فبدل ان تكون الغاية النهائية مرضاة الخالق عز وجل اصبحت الغاية القصوى للدولة والنظام الاجتماعي الاهتمام بالفرد واشباع حاجاته الأساسية. مع ان الاهتمام بالفرد ـ لو تمّ ضمن الحدود الطبيعية ـ لن يتنافى مع الرسالة الاخلاقية الدينية.

الا اننا لا نستطيع ان نتحدث عن المساواة الاقتصادية دون التطرق للمساواة السياسية والاخلاقية ايضاً. فالمساواة السياسية لابد وان تتماشى مع المساواة الاقتصادية. والا فما معنى ان يشترك الافراد في الحكم والسلطة ، ولا يشتركوا بشكل عادل في الاستمتاع بالخيرات الاجتماعية. ولاشك ان التوزيع غير العادل للخيرات الاجتماعية يؤدي الى توزيع غير عادل للسلطة والمنزلة الاجتماعية. أضف الى ذلك ان عدم التزام الفرد بمفردات الرسالة الدينية يضعه على حافة الظلم الاجتماعي المستند على جنس الانسان ولونه ومنشئه.

ومن الطبيعي ان نجد الجواب الشافي لمعنى (العدالة الاجتماعية)

____________

(1) (عمانوئيل كانت). نقد العقل. لندن : 1881 م.

19

ومصاديقها العملية متمثلاً في اروع صوره الفلسفية والتشريعية في الرسالة الاسلامية. فالاسلام لم يطرح مفهوم (المساواة) الا في العطاء الذي يقدمه بيت المال للفقراء والذي يفترض فيه ان يشبع حاجاتهم الاساسية. الا ان الافراد ـ وبسبب اختلاف قدراتهم العقلية والجسديّة ـ لايمكن أن يوضعوا على درجة أجتماعيّة واحدة بالدّقّة العقلية؛ لان ذلك مستحيل على صعيد الواقع الخارجي. ولذلك فنحن لانجد مورداً من الموارد الفقهية يشير بشكل من الاشكال الى فكرة (المساواة التكوينية) على المسرح الاجتماعي. ولكن الاسلام طرح بكل قوة فكرة (العدالة الاجتماعية) وحاول بلورة مصاديقها العملية من خلال الالزامات الاخلاقية والشرعية. ومن اجل تحقيق ذلك ، فقد اعلن ثلاثة مبادىء على درجة عظيمة من الاهمية :

المبدأ الاول

: ان الاختلافات التكوينية بين الافراد انما هي حقيقة واقعية لا يمكن انكارها او تجاهلها. ولذلك فان (المساواة) التي تنادي بها النظريات الاجتماعية تصدق فقط في (المساواة) في اتاحة الفرصة لجميع الافراد باستثمار خيرات النظام الاجتماعي ، وفي (المساواة) في العطاء من بيت المال للمحتاجين. وفي غير ذلك يستحيل خلق المساواة التكوينية بين الافراد. ولذلك فان فكرة (العدالة الاجتماعية) التي يطرحها الاسلام انما تجبر الاختلافات التكوينية التي خلقت اصلاً مع الافراد دون ارادتهم. ولاشك ان المسؤول عن تحقيق العدالة الاجتماعية هو النظام الاجتماعي الاسلامي بمؤسّساته السياسيّة والاقتصاديّة والقضائيّة.

المبدأ الثاني

: لماكان تحقيق المساواة العقلية بين الافراد مستحيلاً واقعاً ، فقد أكّدت الرسالة الإلهيّة على تحقيق المساواة العرفية (او العدالة الاجتماعية

20

بمعناها الاوسع) عن طريق الانصاف والعدل والميزان. وقد وردت في ذلك آيات وروايات عديدة اكدت جميعها على اعادة توزيع الثروة الاجتماعية بين الافراد وجعلت للفقراء حقاً محسوباً في اموال الاغنياء. بمعنى آخر ان الشريعة لم تجعل للاغنياء الخيار في مساعدة الفقراء او عدم مساعدتهم ، بل فرضت عليهم ذلك الوجوب بقوة التشريع.

ويمكننا ان نصنف الآيات والروايات الواردة حول تحقيق العدالة الاجتماعية الى اربعة اصناف :

الصنف الاول : حول الانصاف :

1 ـ فقد ورد في النص المجيد : (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) (1).

2 ـ وعن رسول الله (ص) : (من واسى الفقير ، وأنصف الناس من نفسه ، فذلك المؤمن حقاً) (2).

3 ـ ومن كتاب لامير المؤمنين (ع) الى عماله : (فأنصفوا الناس من انفسكم ، واصبروا لحوائجهم ، فانكم خزان الرعية ، ووكلاء الامة ، وسفراء الائمة) (3).

الصنف الثاني : حول العدل :

1 ـ فقد ورد في النص المجيد : (ياايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ) (4). والقسط هو العدل. والقيام بالقسط هو العمل به على أتم

____________

(1) النحل : 90.

(2) بحار الانوار ج 75 ص 25.

(3) نهج البلاغة ، خطبة 51.

(4) النساء : 135.

21

وجه.

2 ـ ( الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون ) (1).

3 ـ وعن رسول الله (ص) : (اعدل الناس من رضي للناس ما يرضى لنفسه ، وكره لهم ما يكره لنفسه) (2).

4 ـ قال رجل للنبي (ص) : احب ان اكون اعدل الناس ، قال (ص) : (أحبّ للناس ما تحبّ لنفسك تكن أعدل الناس) (3).

5 ـ وعن الامام علي (ع) : (العدل نظام الأمر) (4).

الصنف الثالث : حول الميزان

باعتباره اداةً من ادوات تحقيق العدالة الاجتماعية :

1 ـ فقد ورد في النص المجيد : ( فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولاتفسدوا في الارض بعد اصلاحها ) (5).

2 ـ ( ويل للمطففين الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون واذا كالوهم او وزنوهم يخسرون ... ) (6).

3 ـ وعن رسول الله (ص) : (التاجر الصدوق الامين مع النبيين

____________

(1) الانعام : 82.

(2) بحار الانوار ج 75 ص 25.

(3) كنز العمال. ح 44154.

(4) غرر الحكم.

(5) الاعراف : 85.

(6) المطففين : 1 ـ 3.

22

والصديقين والشهداء) (1).

الصنف الرابع : حول المال

ودوره في اشباع حاجات الناس :

1 ـ فقد ورد في النص المجيد : (وآتوهم من مالِ اللهِ الذي آتاكم ) (2).

2 ـ ( ... كي لا يكون دولةً بين الاغنياء منكم ) (3).

3 ـ وفي شرح ابن ابي الحديد في ذكر بيعة الناس لامير المؤمنين ، انه (ع) قال : ( ... فأنتم عباد الله ، والمال مال الله ، يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد ) (4).

4 ـ ومن كلام له (ع) لما عوتب على التسوية في العطاء : (أتأمروني ان اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه! والله لا أطور به ما سمر سمير ، وما أمّ نجم في السماء نجماً! لو كان المال لي لسوّيت بينهم ، فكيف وإنما المال مال الله!) (5).

5 ـ وعن حفص بن غياث ، قال : سمعت ابا عبد الله (ع) يقول وقد سُئل عن قسمة بيت المال : (أهل الاسلام هم ابناء الاسلام أسوي بينهم في العطاء ، وفضائلهم بينهم وبين الله ، اجعلهم كبني رجل واحد لا يفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف منقوص) (6).

6 ـ ولّى امير المؤمنين (ع) بيت مال المدينة عمار بن ياسر وابا الهيثم بن

____________

(1) الدر المنثور ج 2 ص 144.

(2) النور : 33.

(3) الحشر : 7.

(4) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج 7 ص 36 ـ 37.

(5) نهج البلاغة ، خطبة 126.

(6) الوسائل ج 11 ص 81.

23

التيهان فكتب : (العربي والقرشي والانصاري والعجمي وكل من في الاسلام من قبائل العرب واجناس العجم [ سواء ]. فأتاه سهل بن حنيف بمولى له اسود ، فقال : كم تعطي هذا؟ فقال له أمير المؤمنين (ع) : كم أخذت أنت؟ قال : ثلاثة دنانير وكذلك أخذ الناس ، قال : فأعطوا مولاه مثل ما أخذ ثلاثة دنانير) (1).

7 ـ وعن الامام الصادق (ع) : (إن الله تبارك وتعالى أشرك بين الاغنياء والفقراء في الاموال ، فليس لهم أن يصرفوا الى غير شركائهم) (2).

8 ـ ومن كتاب له (ع) الى قثم بن العباس وهو عامله على مكة : ( ... وانظر الى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه الى من قِبلكَ من ذوي العيال والمجاعة ، مصيباً به مواضع الفاقة والخلات ، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا ) (3).

9 ـ وروى مجمع التيمّي ، قال : كان علي (ع) يكنس بيت المال كل جمعة ، ويصلي فيه ركعتين ، ويقول : (ليشهد لي يوم القيامة) (4).

ولعل اهم مصاديق العدالة الاجتماعية في النظرية الامامية هو فكرة الامام المهدي (عج) وظهوره المرتقب ، كما ورد عن رسول الله (ص) حول ذلك : ( ... حتى يدفعوها الى رجل من اهل بيتي فيملأ الارض عدلاً كما ملؤها ظلماً ... ) (5). وهي دعوة صريحة واضحة لبناء النظام الاجتماعي القائم

____________

(1) بحار الانوار ج 40 ص 107 ـ 108.

(2) وسائل الشيعة ج 6 ص 150.

(3) نهج البلاغة ـ كتاب 67.

(4) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج 2 ص 199.

(5) الملاحم والفتن لابن طاووس ص 52.

24

على اساس العدالة الاقتصادية والسياسية بين جميع الافراد.

المبدأ الثالث

: ان الاختلاف بين الفاضل والمفضول في الشريعة الاسلامية يعكس الاختلاف في القدرات العقلية والجسدية بين الافراد. وقد ورد في النص المجيد ما يشير الى ذلك : ( وضرب مثلا رجلين احدهما أبكم لايقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أينما يوجّهه لايأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيمٍ ) (1) ، (أفمن يهدي الى الحق أحق أن يتّبع أمّن لا يهدّي إلا ان يُهدى فما لكم كيف تحكمون ) (2). والمعنى ان الله عز وجل نفى التساوي بين الافراد الذين خلقهم ، تماماً كما نفى التساوي بين الخالق والمخلوق. ولاشك ان التفاضل في الرزق ، والتفاوت في القدرة على التصرف بالمال يعتبران من السنن التكوينية وجزءً لا يتجزّأ من التصميم الالهي للخلق والتكوين. الا ان هذا التفاضل التكويني لا يترك آثاره الاجتماعية الا على صعيد ترجمة ذلك التفاضل الى منفعة يقدمها الفاضل للمفضول. بمعنى ان الرزق ـ الذي منحه الخالق الى الفاضل ـ اذا لم يخرج منه الحق الشرعي ويسلمه للمفضول ، اصبح ذلك الرزق نقمة آلهية على الفاضل. وعلى ضوء ما ذكرناه ، فان التفاضل التكويني ، والاختلاف في القدرات العقلية والجسدية انما تؤديان ثمارهما العملية على الصعيد الاجتماعي ، اذا التزم الافراد بتطبيق مفردات الشريعة الاسلامية فحسب ؛ والا اصبحت تلك الاختلافات من موارد

____________

(1) النحل : 76.

(2) يونس : 35.

25

انعدام العدالة الاجتماعية.

ومن دراسة هذه الآيات الكريمة والروايات نستطيع ان نستنتج مبدأين مهمّين من مبادىء النظرية الاسلامية في (العدالة الإجتماعيّة).

الاول :

اطروحة العدالة الانسانية بين جميع الافراد على وجه الارض. فوراء كل الفروقات في القدرات العقلية ، والقابليات ، والاعراف الاجتماعية المقرّرة ، لابد وان تكون هناك طبيعة انسانية يحملها الافراد نحو فعل الخير والشعور العميق بان الكل متساوون امام خالقهم العظيم وامام نظامهم الاجتماعي الإلهي فيما يتعلق بالحقوق والواجبات.

الثاني

: ان اطروحة النظرية الاسلامية في العدالة الاجتماعية اشمل من اطروحات النظريات الغربية. ففي حين كانت النظريات الغربية في القرون الثلاثة الاخيرة تناقش التفاضل الاجتماعي بين البرابرة والاغريق ، او افضلية بعض الاجناس البشرية على غيرها ، كانت الاطروحة الاسلامية تدعو الى العدالة الاجتماعية بين العبيد والاحرار (عن طريق تحرير العبيد) ، وبين الفقراء والاغنياء ، وبين النساء والرجال ، وبين الملوّنين وغير الملوّنين.

والمشكلة الفلسفية تكمن فأنّه لو افترضنا ان جميع الافراد يملكون مستوىً واحداً من التحليل العقلائي ، وصورة متقاربة للنفس البشرية ، ومواصفات أخرى حول الطبيعة الانسانية ؛ فما هي الدرجة التي تتساوى فيها اختلافات الافراد في تلك الخصائص الطبيعية؟ لم تتقدم نظرية فلسفية او اجتماعية للإجابة الشاملة على هذا السؤال ، عدا النظرية الدينية الاسلامية التي كشفت لنا خصائص النفس الانسانية في فعل الخير وفعل

26

الشر ، كما ورد في النص المجيد : (ونفسٍ وما سواها فألهمها فجورَها وتقواها ) (1). فالانفس الانسانية الخاصة بالافراد متساوية بالاصل في الحد الادنى للفهم والادراك والعلم والحكمة وتحمّل المسؤولية ، ولكن الاختلاف ينشأ عندما يتغير توجه الافراد نحو فعل الخير او فعل الشر او تركهما معاً. ولذلك فان الاسلام ينادي بالعدالة الحقوقية باعتبار ان الافراد يجب ان يعاملوا بالتساوي على ضوء اعمالهم وحاجاتهم ، لا انهم متساوون بالمعاملة امام الدولة في هذه الحياة ، وامام الخالق العظيم يوم القيامة. وهذا الفرق مهمّ ، لانّنا سوف نظلم الافراد لو افترضنا ان من الحق النظر اليهم بصورة متساوية بالطبيعة ، اي بِغَضِّ النظر عن اعمالهم وقدراتهم. اما لو افترضنا ان مقياس العدالة هو ان يعاملوا بالتساوي مع ملاحظة الفروقات المتباينة في شخصياتهم وقابلياتهم ، فان تلك هي اقرب الصور الواقعية للانصاف والعدل ؛ وهو ما دعى اليه الاسلام تماماً.

وعلى ضوء ذلك ، فان العدالة الاجتماعية في الاسلام تتطلب ملاحظة الفروقات في شخصيات وقدرات وقابليات الافراد ، ولا تلحظ انهم متساوون بالاصل فتظلمهم دون علم. ومن اللافت للنظر ان النظريات الغربية جميعاً قد وقعت في هذا الفخ ، حيث نادت بالمساواة لا في التعامل الاجتماعي فحسب ، بل بالمساواة في اصل نشوء الافراد كما لاحظنا ذلك خلال مطالعاتنا السابقة لآراء (جيفرسون) و (روسو) و (كانت). وهو بلاشك يؤكد على كمال الرسالة الإلهية ، وضعف مقالة تلك النظريات

____________

(1) الشمس : 7 ـ 8.

27

الغربية.

ولا بد لنا من التأكيد على قضية مهمة وتكرارها مراراً ، وهي ان مناطق الفراغ التشريعي الخاصة بشروط التغير الاجتماعي والتي تركتها الشريعة للفقهاء المجتهدين بقصد مسبق ، انما تملأ عن طريق ملاحظة الارتكاز العقلائي. باعتبار ان الشريعة امضت الارتكاز العقلائي الذي يصاحب التغيير الاجتماعي المستمر على مدى السنين. فالعدالة الاجتماعية ضرورية للافراد والدولة ، الا ان تحديد تفصيلاتها الدقيقة ـ في غير ما ذكر في المفردات الفقهية ـ يرجع الى الارتكازات العقلائية التي يلحظها الفقيه خصوصاً فيما يتعلق باشباع الحاجات الأساسية للأفراد التي لم تكن موجودة في عصر الرسالة كالنقل والتطبيب والتعليم المدرسي العام.

أضف الى ذلك ان العدالة الاجتماعية لا تقتصر على اشباع الحاجات الغريزية ، بل تتعدى الى العدالة الحقوقية في افساح الفرص لجميع الافراد لاستثمار الخيرات الاجتماعية ، وفي حرية التعبير ايضاً. وحتى ان افكار بعض الفلاسفة الاوروبيين امثال (دي دي رافائيل) و (كريكي فالدستوس) (1) ، حول العدالة الاجتماعية المثالية بتصحيح اختلاف قابليات الافراد وقدراتهم الطبيعية عن طريق تشريع سياسة اجتماعية تقلّل من المكافآت الاجتماعية والاقتصادية التي يستلمها هؤلاء ، فيها الكثير من الاخطاء. لأنّنا لا نستطيع ان نمحي التفاضل الاجتماعي بين الافراد على اساس قابلياتهم الإبداعية ،

____________

(1) (ساند فورد لاكوف). المساواة في الفلسفة السياسية. كامبردج ، ماساشوستس : مطبعة جامعة هارفارد ، 1964 م.

28

لأنّنا لو فعلنا ذلك لظلمنا اولئك المبدعين ، ولم نعدل في الوقت نفسه مع غير المبدعين. ولكن القضية الحاسمة هنا ـ والتي أكّدها الاسلام اكثر من مّرة ـ ان التفاضل يجب ان يكون عادلاً. فبدلاً من إلغاء التفاضل بين الافراد لابد لنا من تحديد صيغة تفاضلية عادلة تأخذ بنظر الاعتبار قابليات الافراد الابداعية. وعلى ضوء ذلك ، جعل الاسلام في اموال الاغنياء حقاً ثابتاً للفقراء ، وبذلك فهو لم يلغ التفاضل الاجتماعي ، بل وضع له ضريبة ثابتة تدخل في دائرة منفعة الافراد الذين لم يولّدوا مبدعين ، او الافراد الذين خانهم الحظّ في التوفيق الاقتصادي والاجتماعي.

29

محاولة ابتدائية لإكتشاف علم الاجتماع الاسلامي

لا شك ان النفس الانسانية تتكون من جزءين مهمين يشكلان جوهرها وكيانها المتميز في الوجود. ولنصطلح على هذين الجزءين ـ على سبيل الافتراض ـ بمصطلحين هما : اولاً : ذاتية الفرد. وثانياً : شخصيته الخارجية. فذاتية الانسان كيان موضوعي طبيعي مرتبط بالخالق عز وجل ، تستلهم منه (تلك الذات) كل معاني السمو والقوة والكمال. فتستطيع ذاتية الفرد السمو الى آفاق رحيبة في عالم الروح والوجدان ؛ فهي الفطرة الطبيعية التي تميل نحو التعلّق بخالق الوجود ، والتشبّث بمعرفة حدود الكون ، والتشوّق نحو معرفة النظام التكويني للمخلوقات. ولا ريب ان الرسالة السماوية تساهم بشكل فعال في تربية ذاتية الانسان ، وفي دفعها نحو حبّ الخير والتنعم بالجمال الروحي من خلال التعبد وممارسة الطاعات المأمور بها المكلف الجامع لشروط التكليف.

اما شخصية الانسان فهي الكيان الموضوعي الخارجي الذي يبنى من خلال إطار تطبيق الاحكام الشرعية الخاصة بالنظام الاجتماعي. بمعنى ان إنزال الاحكام الشرعية التي تنظم العلاقات الشخصية بين الافراد في المجتمع الى الواقع العملي ، يبني شخصية الفرد بناءً محكماً على الصعيد الاجتماعي. فاذا كانت شخصية الفرد شخصية دينية ، اصبح كيان ذلك الفرد ركناً مهماً من اركان النظام الاجتماعي ؛ لان شخصية الانسان بطبيعتها

30

اجتماعية المنشأ ، اي لا بد لها من التعاون مع الآخرين بهدف انشاء مجتمع متكامل يعيش فيه الفرد بجوٍّ من الاطمئنان والسعادة.

وامام هذين الجزءين في النفس الانسانية تنبع اهمية الرسالة السماوية في بناء النظام الاجتماعي الانساني. فلو كانت النظرية الدينية تهتمّ بالجانب الذاتي للإنسان فقط ، لما كان للدين تلك الأهمية في تنظيم حياة الفرد. فما معنى سمّو الفرد وارتباطه بالخالق عز وجل على الصعيد الروحي ، اذا كان النظام الاجتماعي مسيراً من قبل اعداء النظرية الدينية ومنتهكي حرمة العدالة الاجتماعية؟ بل كيف يؤدي الدين رسالته الاجتماعية في تهذيب الافراد اذا لم تحمل مضامينه الشرعية تكليفاً صريحاً بتنظيم النظام الاجتماعي؟

اذن ، فان الحاجة الى نظام اجتماعي لإسعاد الانسانية ، وإشباع حاجاتها الأساسية ، يدعونا الى فهم الدين على اساس ان رسالته الاجتماعية يجب ان تكون جزءاً من التصميم الالهي للوجود ؛ بمعنى ان الرسالة الدينية وان كانت تبعث في النفس البشرية الخشية والرهبة من الخالق عز وجل ، لكنها لا تستطيع ان تنظم مجتمعاً عادلاً ما لم يكن لها اطار اجتماعي يلزم الافراد الزاماً جماعياً نحو ممارسة السلوك الاخلاقي المقبول على الصعيد الشرعي ؛ لان حرية الانسان المطلقة في الافعال ، تعتبر احد مصادر تدمير النظام التكويني وتخريب الوجود على الارض ، وان نزعة الانسان نحو الشر اذا لم يوقفها عامل غيبي او ديني تصبح من اهم مصادر زعزعة النظام الحياتي بقسميه التكويني والاجتماعي في هذه الدنيا الصاخبة.

ومن هنا جاءت اخلاقية القوانين الاجتماعية للنظرية الدينية من اجل

31

ترسيخ التجانس والتلاصق الاجتماعي بين الافراد ، رابطة هؤلاء الافراد جميعا بالسلطة الاخلاقية المطلقة وهو الله سبحانه وتعالى. ولما كانت للخالق عز وجل السلطة الغيبية على الافراد ، تعين ان يكون لرسله او من يمثلونهم سلطة دنيوية ؛ لان القانون لا يطبق ما لم يلزم الافراد بتطبيقه تطبيقاً كاملاً. وهذا الالزام الاجتماعي لا يتم الا على صعيدين ؛ الاول : الالزام الداخلي الذاتي. والثاني : نظام العقوبات. اي ان الفرد اذا حدثته نفسه بانتهاك حرمة القانون الاجتماعي ضمن اطار النظرية الدينية ، تعين عليه ان يتوقع ما يستحقه من نتائج وخيمة على مستوى ذلك الانحراف. وهنا لا تذوب الشخصية الفردية في المصلحة الاجتماعية ، كما تزعم النظرية الغربية ؛ بل ان الالزام الداخلي للفرد ، والحزم في العقوبة النازلة بالمنحرف يضمنان ـ بشكل قاطع ـ حقوق الافراد وحرّيّاتهم في التصرف السلوكي السليم ، ويرعيان حقوق الجماعة والنظام الاجتماعي من الانتهاك. اي ان النظرية الاجتماعية الاسلامية تحفظ شخصية الفرد من قيود النظام الاجتماعي ، وتنمي ذاتيته المتصلة بمصدر الاخلاق المطلق وهو الله سبحانه وتعالى ، وتمد الكيان الاجتماعي بكل عناصر القوة والديمومة والحياة ، حتى يتنعّم الفرد بأكمل اشكال الحياة الاجتماعية على وجه الارض.

ولا ريب ان اكبر المشاكل التي واجهتها النظرية الاجتماعية الغربية ، هو ماهية الربط بين الفرد والمؤسسات الاجتماعية. بمعنى آخر ، هل يستند الرابط بين الفرد والنظام الاجتماعي على قاعدة الاخلاق والالزام الاخلاقي ، ام يستند على قاعدة الدين والالزام الديني؟ ولم يزل الصراع بين انصار المدرستين الغربيتين (الاخلاقية والدينية) دائراً حتى انتصرت مدرسة

32

الالزام الاخلاقي بزعامة (جون دوي) (1) التي قالت بان الفرد ملزم اخلاقيا بتطبيق القانون الذي ينشئه النظام الاجتماعي ؛ لان هذا الالزام الاخلاقي لا ينشأ الا عن طريق العلم والمعرفة التي يكتسبها الانسان ؛ والخير او الشر ليس صفة للانسان ، بل انهما اثر من آثار تفاعل الطبيعة الانسانية مع المحيط والبيئة التي يعيش فيها الفرد. الا ان هذه المدرسة الاخلاقية تقع في خطأ واضح ؛ لانها تتجاهل حقيقة مهمة وهي ان لكل فرد استعداداً كامناً لفعل الخير او فعل الشر بغض النظر عن البيئة التي يعيش فيها الفرد ، وان الالزام الاخلاقي الذاتي الناشىء عن العلم والمعرفة لا يتحقق في الواقع الخارجي مالم تكن هناك سلطة ذاتية عليّاً تراقب النفس الانسانية ، وسلطة خارجية صارمة تعاقب المنحرف على انحرافه ؛ ولا تتكامل هاتان السلطتان الا في النظرية الدينية الاسلامية.

فمن استقراء النظرية الاجتماعية الاسلامية نستنتج حقيقة مهمة ، وهي ان الاسلام انما جاء باحكامه وتشريعاته لترتيب حياة البشرية ، عن طريق تنظيم الحياة الاجتماعية ، وجعل النظام الاجتماعي اساسا لسعادة الانسان. ولذلك قيل ان المرجحات الاصولية والفقهية المنصوصة هي مجرد وسيلة الى فهم الواقع الخارجي ، وليست غاية في نفسها ؛ بمعنى ان كل ما يقرب الانسان الى فهم واقعة الاجتماعي هو مرجح عند الفقيه سواء نص عليه الشارع او سكت عنه ، كما ورد في الحديث عن الامام الحسين بن علي (ع) : (دع ما يريبك الى ما لا يريبك) (2). وعلى ضوء ذلك الفهم الاجتماعي

____________

(1) (جون دوي). البحث عن اليقين. نيويورك : منتن ـ بالج ، 1929 م.

(2) انساب الاشراف للبلاذري. نسخة مخطوطة ص 237 ب.

33

للشريعة الاسلامية ، تتعامل الاحكام الشرعية مع قضايا النظام الاجتماعي وواقع الافراد الخارجي.

ومن اجل فهم النظرية الاجتماعية الاسلامية بالمقدار الذي تناولته بحوثنا في الفقه الاجتماعي ونقد النظرية الاجتماعية الغربية ، نورد النقاط التالية لتقريب اذهاننا نحو هذا اللون من الفكر الاجتماعي الخطير :

اولا

: ان النظرية الاسلامية تؤكد على اصالة العدالة الاجتماعية بين الافراد. وهذا الاصل يتم عن طريقين ؛ اولهما : ان التفاضل بين الافراد في الاجور قائم على اساس بذل الجهد وقيمة العمل. وثانيهما : ان الثروة الاجتماعية يعاد توزيعها عن طريق استخراج زكاة وخمس الثروات الحيوانية والزراعية والنقدية من الاثرياء وتسليمها الى الفقراء. ولاشك ان الكفارات بشتى اشكالها ، وأضاحي الحج والصدقات المستحبة تسد حاجات الملايين من الافراد.

ثانيا

: ان من اهم اهداف نظام العقوبات الجنائية هو ردع بقية الافراد عن ارتكاب انحرافات مماثلة. وتتمثل في معاقبة الانحرافات الخاصة بقتل النفس وما دونها بالقصاص او الديات او الارش ، والانحرافات المتعلقة بالملكية بالقطع اذا تحققت شروطها الشرعية ، والانحرافات الخلقية بالرجم والجلد ونحوها ، والانحرافات المتعلقة بالنظام الاجتماعي العام بالقتل والصلب او التعزير. وهذه العقوبات امضى تأثيراً من عقوبة السجن التي تؤمن بها النظرية الغربية ؛ فهي اضافة الى اطارها الرادع تحفظ للنظام الاجتماعي ثروته المالية والانتاجية ، لان المعالجة الفورية للانحراف ـ زيادة على قطعها دابر الجريمة ـ تبقي الافراد يعملون بجد ضمن حقولهم الانتاجية ،

34

دون ارباك النظام الانتاجي للمجتمع. ودليلنا على كون المراد من هذه العقوبات الردع ، هو انه لم يحصل ولو لمرة واحدة في حياة النبي (ص) ان عوقب منحرف بالزنا عن طريق الشهود ، بل ان الذين حُدّوا انما حُدّوا بسبب اقرارهم فقط.

ثالثا

: تأكيد النظرية الاسلامية على اصالة حق التعليم واكتساب المعارف الضرورية لكل فرد من اجل بناء النظام الاجتماعي خصوصا في المجالات التطبيقية كعلوم الزراعة والصناعة والطب والهندسة والفضاء ونحوها ، والمجالات النظرية كعلوم الدين واللغة والآداب. ويجب ان لا يتوقف الإنتهال من هذه العلوم على الاكتساب فقط ، بل ينبغي الابداع والتفوّق على بقية الأمم ، ومن امثلة الابداع تطوير الانظمة الاعلامية ، والتقنية ، والصحية بحيث تكون انظمة رائدة على الصعيد العالميِّ.

رابعا

: اصالة الابداع في النظام الصحي الاسلامي. فلاشك ان اهمية المؤسسة الطبية في النظام الاجتماعي تنبع من ارتباط صحة وسلامة الفرد بالعمل الانتاجي. فالمجتمع السليم صحياً يكون اكثر قدرة على الابداع والانتاج الاقتصادي والاجتماعي. وتستند اصالة الابداع هذه على قاعدتين اهملهما النظام الصحي الغربي ، وهما : النظام الغذائي والنظام الوقائي. فالاعتدال في اكل اللحوم المحللة ، وحرمة تناول الميتة والدم والخنزير والخمر ونحوها تساهم في تقليل امراض الكبد والجهاز الهضمي وامراض القلب. ولا ريب ان المحافظة على البيئة من التلوث الصناعي يساعد هو الآخر على تقليل عدد امراض السرطان والرئة والجهاز التنفسي. واستعمال السواك والتخليل في تنظيف الاسنان يساهم في اجتناب

35

امراض اللثة وتسوس الاسنان. ولا شك ان التذكية الشرعية بوضع الشروط للذباحة والصيد والاخراج من الماء يساهم هو الآخر في اجتناب امراض القلب والدورة الدموية ونحوها. اضافة الى ذلك ، فان النظرية الاسلامية تقرّ بضمان الطبيب ، وتجعله مسؤولا فيما اذا اتلف بعلاجه. ومن الطبيعي فان علاج الافراد طبياً ينبغي ان يكفل من قبل الدولة الاسلامية بناءً على السيرة العقلائية. ولابد ان يكون ذلك العلاج على قدر واحد من المساواة والعدالة بين الجميع.

خامسا

: اصالة رعاية افراد الاسرة الواحدة. فالنظام العائلي في النظرية الاسلامية مصمم شرعاً من اجل سد حاجات الافراد المعاشية والعاطفية ضمن جدران البيت الواحد. وما وجوب الانفاق على الزوجة لمعاوضتها ، ووجوب الانفاق على الوالدين وان علوا والاولاد وان نزلوا لقصورهم ، وحقوق الرضاعة والحضانة والولاية الشرعية على الصبيان ، الا امثلة تساند فكرة الرعاية الشرعية للنظام العائلي الاسلامي. وبطبيعة الحال ، فان حقوق الزوجة في الصداق والنفقة الشرعية والعيوب الموجبة للخيار بين فسخ العقد وامضائه ، والخيار بالتدليس ، وشروط العقد الشرعية ، والارث ونحوها ، يضمن لها حياة سعيدة لا يقدمها لها اي نظام اجتماعي او ديني آخر.

سادساً

: اصالة العلم والاجتهاد في القيادة السياسية الاسلامية في عصر الغيبة. وهي للفقيه الجامع للشروط الشرعية ، الذي يكون من واجبه ملء منطقة الفراغ الشرعية التي احدثها انتهاء عصر النص. واصالة المشاورة هو العلم والاختصاص ، الذي يرتبط نظرّياً بالجهاز التنفيذي في الحكومة الاسلامية. اما انتخاب اعضاء مجلس الشورى فانه يعتمد في الاصل على

36

فكرة التوكيل السياسي ، وهي جائزة شرعاً لاطلاق ادلة الوكالة وعدم تقييدها بنوع معين من التوكيل. والجهاز القضائي مختص بالفقيه المجتهد ، فلا يتصدى للقضاء الا الفقيه المجتهد في الفقه والاصول. وعليه ، فانه يفترض ان يضم النظام السياسي الاسلامي نخبة علماء الامة ، واكثر الناس تطلعا وتشوقا نحو العدالة الاجتماعية بين الافراد ، واكثرهم تطبيقا للشريعة الاسلامية ، واكثرهم حلما لبناء الانسانية من تدميرها.

سابعا

: اصالة الاجتهاد في النظام القضائي الاسلامي. فالقضاء هو بوابة حفظ حقوق الافراد الشخصية ، وحقوق الله المرتبطة تحقوق النظام الاجتماعي ؛ وجهاز بهذه الدرجة من الخطورة ، لابد وان يكون قائده مؤهلاً لتحمل المسؤولية بصورة موضوعية وبشكل نزيه وعلى درجة كبيرة من الفهم والادراك لأصول القضاء بين الافراد. لان الاصل في الحكم بين المتخاصمين هو براءة ذمة المتهم حتى يثبت العكس ، ولاشك ان الاصل دليل قوي ، والخروج عنه يحتاج الى دليل اقوى ، كما قال الفقهاء.

ثامنا

: اصالة التكليف الشرعي للفرد المؤهل للتكليف ، على الصعيدين الشخصي والاجتماعي. فالفرد ملزم اخلاقياً بالقيام بدوره الاجتماعي في الحياة الدنيوية ؛ وعلى ضوء هذا الالزام يتحدد الجزاء الإلهي يوم القيامة.

تاسعا

: ان اصالة الجهاد في النظام الدفاعي لحماية الدولة الاسلامية ، واصالة التبادل الاخلاقي في النظام الاقتصادي ، واصالة حرّيّة التعبير والتربية الاخلاقية في النظام الاعلامي ، واصالة بذل الجهد والابداع في النظامين الزراعي والصناعي ، واصالة التعبير في النظام الثقافي ، والسلوك الجمعي في الحج وتأثيره على التغيير الاجتماعي الانساني ، كلها تعكس

37

تكامل النظرية الاجتماعية الاسلامية ؛ خصوصاً النظرية الفقهية الامامية التي منحت المجتهد فرصاً واسعة لبلورة النظرية الفقهية تمشياً مع التغيرات الاجتماعية المستمرة ـ التي هي جزء لا يتجزأ من النظام التكويني للخلق والمخلوقات ـ.

وقد حاولنا في بحوث متسلسلة مناقشة النظرية الاجتماعية الغربية الرأسمالية وتفنيدها علمياً ومنطقياً ، ونسف اسسها الفكرية المستندة على اصل استثمار رأس المال في الانتاج والتوزيع ، وتجميع الثروة الاجتماعية في الطرف المسيطر على وسائل الانتاج. ولا شك ان مناقشة النظرية الاجتماعية المستندة على القاعدة الرأسمالية في اختلاف المكافآت الاجتماعية بين الافراد وما يتبعها من نشوء نظام طبقي مصحوب بانعدام العدالة الاجتماعية ، يجعلنا مشكك بقدرة تلك النظرية على ان تكون شكلاً نموذجياً للنظام الاجتماعي المتوخى منه قيادة البشرية نحو شاطىء العدالة والأمن والسلام.

وبطبيعة الحال ، فان نقد النظرية الاجتماعية الرأسمالية ومحاولة تقديم نظرية اجتماعية على ضوء الاسلام ، تجعلنا اكثر ايمانا بان الرسالة السماوية ، ليست رسالة روحية فحسب ، كما يروّج اعداء النظرية الدينية لذلك ، بل انها رسالة اجتماعية عظيمة هدفها انشاء وتأسيس ارقى الانظمة الاجتماعية واعدلها على الارض ؛ خصوصا فيما يتعلق باشباع حاجات الافراد الاساسية في الطعام واللباس والعلم والتطبيب والامن والاجتماع الانساني القائم على اساس الاخوة ، وفسح المجال لحرية التعبير ، وتسهيل مهمة الانسان في عبادة الخالق عز وجل.

بيد ان المفردات الفقهية ، والكم الهائل من الروايات الشريفة ، والآيات

38

القرآنية الكريمة ، ونتاج علماء الاسلام ومفكّريه ينبغي ان تساهم كلها في صياغة نظرية اجتماعية متكاملة تقدم للبشرية المعذبة ـ بكافة الوانها واشكالها ـ أملاً في تحقيق العدالة الاجتماعية. ان مسؤوليتنا الشرعية لاتنحصر في فهم المفردات الفقهية الشرعية فحسب ، بل تتعدى الى صياغة نظرية علمية تنظم شؤون مجتمعنا الاسلامي الجديد ، وتخاطب ـ بلغة العصر الفلسفية العلمية ـ شعوب الارض قاطبة ، وتهدف الى ايصال صوت العدالة الإلهيّة الى الانسانية المعذبة في كل مكان.

39

اطـروحـة الـكـتاب

اهتمت النظريات الاجتماعية الغربية الحديثة والكلاسيكية بفكرة (العدالة الاجتماعية) زاعمة بان على الدولة والنظام الاجتماعي تحقيقها ضمن ضوابط الارتكاز العقلائي الأوروبي. فنادت (النظرية التوفيقية) بضرورة اختلاف أجور الافراد مقابل الاعمال التي ينجزونها بدعوى ان ذلك الاختلاف هو الذي يؤدي الى ثبات واستقرار النظام الاجتماعي. وطالبت نظرية (الصراع الطبقي) باعادة توزيع الثروة الاجتماعية عن طريق الصراع ضد الطبقة الرأسمالية الحاكمة ؛ لان انعدام العدالة الاجتماعية ما هو الا نتيجة حتمية للتراكم غير المشروع للثروة عند افراد الطبقة الرأسمالية. وحاولت (النظرية التلفيقية) الجمع بين محاسن النظريتين السابقتين ، فآمنت من جهة باختلاف الاجور والمكافآت الاجتماعية للعمال ، وآمنت من جهة اخرى بحتمية الصراع الاجتماعي للمحافظة على ديناميكية المجتمع. الا ان (ماكس وبر) في نظريته الجديدة رفض النظريات الثلاث السابقة ، زاعماً بان فكرة نشوء الطبقات الاجتماعية لا تحصل نتيجة الصراع الطبقي ، بل هي مجرد نتيجة تقاطع ثلاثة عوامل ، وهي : العامل الاقتصادي ، والسياسي ، والاجتماعي.

الا ان هذه النظريات الحديثة لم تعطنا صورة واضحة عن معنى (العدالة الاجتماعية) ، واساليب تحقيقها ، وطرق الزام الافراد او النظام الاجتماعي بالمشاركة في تثبيت اسسها. فالنظرية (التوفيقية) لم تفسر لنا ضوابط فوارق اجور العاملين في مختلف مجالات العمل الانساني ؛ ولم تعطنا تبريراً مقنعاً لدعمها نظام الاجور القائم ـ لا على اساس نوعية العمل المنجز ـ بل على اساس صفات العامل من حيث الطبقة والمنشأ ولون البشرة. ولم توفق نظرية (الصراع الاجتماعي) في التنبؤ بظهور طبقة اجتماعية متوسطة لاتخدم ـ بالضرورة ـ مصالح

40

الطبقة الرأسمالية بشكل مباشر ، بل انها لم تتوقع حتى ظهور طبقة من الموظفين مهمّتها انجاز الخدمات الاجتماعية كالتعليم والطب والقضاء وليس العمل ـ بالضرورة ـ ضمن وسائل الانتاج العملاقة. اما (النظرية التلفيقية) فقد اهملت الضابط الاخلاقي لا في تحديد اجور العمل ، بل وحتى في تفسيرها لعملية الصراع والتنافس الاقتصادي. ومن اهم اخطاءها انها اعتبرت زيادة الثروة الاجتماعية سبباً من اسباب انعدام العدالة الاجتماعية ، وهو رأي مردود لان انعدام العدالة يرتبط بنظام توزيع الثروة الاجتماعية لا بحجمها. ولم تقدم نظرية (ماكس وبر) تفصيلاً لضوابط العدالة الاجتماعية ، بل انها فسرت نشوء الطبقات الاجتماعية على اساس جديد لم يطرح سابقاً.

وهذه النظريات الاجتماعية جميعاً جعلت النظام الرأسمالي محوراً لتوجهاتها وتحليلاتها على صعيدي السلب او الايجاب. وحتى نستطيع ان ننقد هذه النظريات على المستويين النظري والتطبيقي ، كان لابد لنا من دراسة فكرة (العدالة الاجتماعية) ومصاديقها في اكثر المجتمعات والانظمة تمسكاً بالفكرة الرأسمالية ؛ الا وهو النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة الذي يُدّعى انه محراب العدالة الاجتماعية. ولاشك ان البحوث التجريبية المطروحة في هذا الكتاب تثبت العكس تماماً. وهو ان النظام الرأسمالي الطبقي بما يمثله من تراكم للثروة في طرف وحرمان له في طرف آخر من اكثر الأنظمة الاجتماعية ظلماً واجحافاً بحقوق الانسان المادية والمعنوية. فلاريب ان نرى ان افقر فقراء العالم المعاصر يعيشون تحت ظل النظام الرأسمالي الامريكي ، في الوقت الذي نرى فيه ان اغنى اغنياء العالم يعيشون على نفس ارض ذلك النظام الاجتماعي ايضاً. الا ان هذا الفارق الشاسع في نظام الاجور والمكافآت الاجتماعية وتوزيع الثروة ترفضه الرسالة الدينية الإلهية بشكل قاطع.

فالاسلام لم يجعل الرابط التكويني بين الافراد مقدمة لفكرة (العدالة الاجتماعية) فحسب ، بل جعل التفاضل الإلهي بين الافراد صورة عاكسة لفكرة التعاون والتكاتف الاجتماعي لتحقيق تلك (العدالة) المنشودة. ولا شك ان تنوع الادوار الاجتماعية التي يقوم بها الافراد ينتج اختلافاً في درجات العيش ضمن الطبقة الواحدة التي أقرّها الاسلام ، وليس تعدداً للطبقات كما أكدّت على ذلك

41

النظرية الرأسمالية. وقد قدم الاسلام منهاجاً واضح المعالم لتحقيق فكرة (العدالة الاجتماعية) ؛ فاعلن مبدأ اشباع جميع حاجات الافراد الاساسية بما فيه الكفاية ، وقرر ان للفقراء حقاً معلوماً في اموال الاغنياء ، واعلن ايضاً مبدأ المساواة في العطاء ، ومبدأ ان الاجر على قدر الجهد ونوعية العمل المنجز. ولاشك ان الضرائب الاسلامية الواجبة كالزكاة والخمس والصدقة الواجبة والكفارات والاضحية ، والضرائب المستحبة كالصدقة المستحبة والانفاق في سبيل الله تصل كلها الى اكثر من خمسة وعشرين بالمائة من واردات الافراد ؛ انما تصرف على الفقراء لرفع مستواهم الى مستوى الطبقة العامة التي يتمتع بها الناس في المجتمع الاسلامي. بينما يصرف النظام الرأسمالي اثنين بالمائة فقط من وارداته على الفقراء كاعانات غذائية لاشباعهم ، او صحية لمنع تفشي الامراض بينهم.

وبذلك ، فان النظرية الاسلامية تعارض بكل قوة مبادئ النظريات الاجتماعية الغربية الزاعمة بان انعدام العدالة الاجتماعية لها نواح ايجابية نافعة للنظام الاجتماعي ؛ لانه لايمكن تبرير الظلم الاجتماعي باية منفعة اجتماعية اخرى. الا ان التفاضل الاجتماعي في الاجور ينبغي ان يتم ضمن الضوابط العقلائية والاخلاقية التي يقرها المجتمع الكبير.

ولا شك ان دعوة الاسلام الافراد لتحريك ما لهم الصامت ، وان تنوع مصادر الحقوق الشرعية كالثروة الحيوانية والزراعية والنقدية ، يزيدان من فرص تنشيط النظام الاقتصادي من جهة ، ويزيدان من فرص ذهاب الثروة الى مستحقيها واشباعهم اشباعاً حقيقياً من جهة اخرى. أضف الى ذلك ، فان تحديد مسؤولية رب الاسرة حول النفقة والولاية الاسرية يفتح آفاقاً لتنظيم شؤون العمل في المجتمع ، لان اهتمام المرأة بدورها في البيت سيوفر فرصاً اكبر لارباب العوائل بالعمل لاشباع حاجات عوائلهم. كل ذلك ، اذا تم ضمن الاطار الاخلاقي الذي جاء به الاسلام ـ خصوصاً على صعيدي القناعة الذاتية بالرزق والنهي عن التبذير ـ فانه يضع الاسلام على قمة الانظمة الدينية والاجتماعية التي تعالج باسلوب واقعي قضية (العدالة الاجتماعية) ، وتحاول تنظيم حركة الاموال في النظام الاجتماعي بحيث يؤدي الى صياغة اسس طبقة اجتماعية واحدة عادلة متعددة الدرجات ، ويلغي في الوقت نفسه نظام الطبقات الرأسمالي الظالم.

42

-

43

القسـم الاول

العدالة الاجتماعية في النظرية الرأسمالية

رأي المدرسة التوفيقية ونقدها * رأي المدرسة الماركسية (مدرسة الصراع الاجتماعي) ونقدها * رأي المدرسة التوفيقية ـ الماركسية ونقدها * نظرية ماكس وبر والرد عليها * نقد مفهوم العدالة الاجتماعية في النظام الرأسمالي الامريكي : 1ـ الثروة 2 ـ مصادر القوة 3 ـ المنزلة الاجتماعية * نقد النظام الطبقي الامريكي * الآثار المترتبة على تطبيق النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة * «الحلم الامريكي» وارتباطه بتغيّر الادوار الاجتماعية * الفقر والفقراء في النظام الرأسمالي * الطبقية في النظام الرأسمالي البريطاني * الاسباب الداعية لاستمرار الظلم الاجتماعي : 1ـ السيطرة على منابع القوة 2 ـ النظام الفكري لطبقة الاقوياء.

44

-

45

اشـارة

لما كانت العدالة الاجتماعية من اهم الاركان التي يبتنى عليها النظام الاجتماعي ، فقد كانت مناقشتها ضمن الاطار الموضوعي العام للنظرية الاجتماعية ضرورية للغاية ، في فهم جوهر النظام الاجتماعي الرأسمالي والاهداف المتوخاة من تطبيقه على الافراد. وعلى ضوء ذلك فسوف ندرس افكار المدرسة التوفيقية ، ومدرسة الصراع الاجتماعي ، ومعتقدات (ماكس وبر) ، والتطبيقات المتمخضة عن هذه النظريات.

ونقصد بالمدرسة التوفيقية : افكار مجموعة كبيرة من مفكري النظرية الاجتماعية الغربية المعاصرة ، التي لاترى مبرراً للصراع الاجتماعي تحت ظل النظام الرأسمالي القائم اليوم ، امثال (هربرت سبنسر) ، و (اميلي ديركهايم) ، و (تالكوت بارسنس) ونحوهم. وتعتقد هذه المجموعة من المفكرين وعلماء الاجتماع بان المؤسسات الاجتماعية القائمة تساند بعضها بعضاً من اجل خدمة الفرد في النظام الاجتماعي. وليس هناك موجب لنقدها او محاربتها. وقد جمعنا آراءهم تحت عنوان المدرسة التوفيقية ، لان نظرياتهم لم تتميز عن بعضها البعض بالاصالة.

46

رأي المدرسة التوفيقية

يفترض رواد المدرسة التوفيقية ان انعدام العدالة الاجتماعية بخصوص اجور العمل والمكافأة لها نواح ايجابية نافعة للمجتمع (1). فاذا اريد للمجتمع الانساني التكامل من حيث العمل والانتاج والابداع ، فما على افراده الا القيام بادوار مختلفة لخدمة النظام الاجتماعي ، على اساس المهارة الشخصية والابداع. ولما كانت هذه الادوار تتطلب جهداً جسدياً وفكرياً وتضحيةً في الوقت والطاقة البشرية ، فالمفترض عقلياً ان الذي يقوم بهذه الادوار يكافأ مكافأة مالية ، تغريه بالانخراط بذلك العمل ، وتشجعه على القيام بذلك الدور. فاذا كان الطبيب اكثر نفعاً في المجتمع ـ مثلا ـ من معلم المدرسة ، فعلى المجتمع مكافأة الطبيب مكافأةً تفوق مكافأته للمعلم ، من الناحيتين المالية والاجتماعية. واذا اقر المجتمع مثلا بافضلية عمل المهندس ودرجة منفعته للنظام الاجتماعي من عمل الفلاح ، استحق ذلك المهندس اجوراً اعلى ومنزلةً ارفع من زميله الذي يمارس حرث الارض. وهذا التوزيع غير المتكافىء للثروة والمكافآت الاجتماعية ضروري ـ حسب رأي المدرسة التوفيقية ـ في ثبات استقرار النظام الاجتماعي ؛ لان المال والمكافأة الاجتماعية ، هما اللذان يجذبان الافراد نحو الاعمال التي تتطلب جهداً

____________

(1) (اميلي ديركهايم). تقسيم العمل في المجتمع. جلينكو. الينوي : المطبعة الحرة ، 1964 م. الطبعة الاصلية عام 1893 م.

47

اشد من بقية الادوار الاجتماعية الاخرى. وهكذا يكون انعدام العدالة الاجتماعية نتيجة حتمية لثبات واستقرار النظام الاجتماعي (1).

نقد رأي المدرسة التوفيقية

ولا شك ان رأي المدرسة التوفيقية بخصوص ارتباط الدور الاجتماعي الذي يقوم به الفرد بالمكافأة المالية التي يستحقها ، مهم جداً في تحليل التفاوت الواسع في نظام الاجور والمكافأة الاجتماعية في النظام الرأسمالي (2) ؛ ولكن نظرة فاحصة على موقف المدرسة التوفيقية ، تبين لنا خطأ ما وصلت اليه النظرية الرأسمالية من استنتاجات باطلة ، نحاول توضيحها بالنقاط التالية :

اولا

: ان اختلاف المكافآت الاجتماعية تبعاً لقيمة العمل ونفعه للنظام الاجتماعي أمر يتناسب مع الواقع الانساني ، ولكن ينبغي ان يتم ضمن ضوابط العدالة الاجتماعية التي تهملها النظرية التوفيقية. فكيف نقبل بتخفيض اجرة العامل الزراعي مثلاً الى عشر ما يقبضه المهندس الزراعي ، مع ان كليهما يقدم خدمة نافعة للانتاج الزراعي؟ نعم ، لابد في تحديد اجور العاملين ملاحظة السنوات التي يقضيهاالخبير في المعاهد العلمية ،

____________

(1) (كنزلي ديفز) و (ولبرت مور) : « بعض مبادئ انعدام العدالة الاجتماعية». مقالة علمية في مجلة (العلوم الاجتماعية الامريكية). عدد 50 ، 1945 م. ص 432 ـ 437.

(2) (بيتر بلاو) و (اوتيس دودلي دونكان). التركيبة الوظيفية الإمريكية. نيويورك : وايلي ، 1967 م.

48

واحتسابها ضمن اجرة العمل الاضافية. ولكن ينبغي في الوقت نفسه ضمان الحد الادنى للاجور التي تضمن معيشة كريمة للعامل غير الخبير.

ثانيا

: ان انعدام العدالة الاجتماعية لا يؤدي الى ثبات واستقرار النظام الاجتماعي ؛ بل بالعكس. فكلما كانت الفوارق الطبقية شاسعة البون ، قبع النظام الاجتماعي على فوهة بركان يستعد للانفجار ؛ لان الظلم الاجتماعي يؤدي الى اختلال الموازين الاساسية في اشباع حاجات الافراد وتمتعهم بالثروات الاجتماعية ، والى اضطراب التعامل البناء بين افراد الطبقات. فالعدالة الاجتماعية اذن ـ لا انعدامها ـ هي امضى سلاح لتثبيت النظام الاجتماعي ، بكافة اطرافه السياسية والاقتصادية والصحية والثقافية.

ثالثا

ً : ان المكافآت الاجتماعية في النظرية الرأسمالية تتناسب مع حجم منفعة العمل للنظام الاجتماعي. وعلى ضوء ذلك ، فان اجرة الطبيب مثلاً اعلى من اجرة المعلم ، لان الطبيب يقضي فترة اطول للتدريب على ربط النظريات التي درسها بالجانب التطبيقي من المعلم. ولكن ، كيف تفسر النظرية التوفيقية ، اجور نجوم الرياضة والفنون الاعلامية والموسيقية ، التي تتجاوز اجور الاطباء والمهندسين في النظام الرأسمالي (1). فأيهما أنفع للنظام الاجتماعي : الطب ام المسابقات الرياضية التجارية مثلاً؟ وأيهما اجدر بالمكافأة النوعية : الذي يمارس الهندسة ام الذي يقوم بالغناء؟ وأيهما افضل من الناحية الانتاجية للأفراد : صناعة اجهزة النقل ام صناعة آلات اللهو؟

رابعا

: اذا كانت المكافآت الاجتماعية تتم على حساب نفع العمل للنظام

____________

(1) (دوناد بول) و (جون لوي). الرياضة والنظام الاجتماعي. ريدنك ، ماساشوستس : اديسون ـ ويسلي ، 1983 م.

49

الاجتماعي ، فلماذا تختلف اجور نفس العمل المنجز من قبل افراد يختلفون باللون والجنس؟ ولماذا يدفع للمواطنين السود في امريكا ، وافريقيا الجنوبية مثلاً ، اجر اقل ، لنفس العمل المنجز من قبل نظائرهم من المواطنين البيض (1)؟ أليس ذلك اخلالاً بالمساواة بين طاقات الأفراد وابداعاتهم عن طريق النظر الى منشأهم ولون بشرتهم ، لا النظر الى نوعية عملهم ونفعه للنظام الاجتماعي؟

خامسا :

ان الاعمال اليدوية او الميكانيكية غالباً ما تنحصر ضمن طبقة معينة لاجيال عديدة. فالعائلة الفلاحية مثلاً ، ترث العمل الزراعي جيلاً عن جيل. والعائلة التي تهتم بالمهنة اليدوية التي تتطلب مهارة نادرة ، تحافظ على بقاء تلك المهنة ضمن نطاقها العائلي سنوات عديدة. وبالاجمال ، فان الاغنياء والفقراء يتمسكون بادوارهم الاجتماعية ويحافظون على مردوداتها المالية ، قليلة كانت ام كثيرة ، مما يؤدي الى ثبوت خارطة العمل واستقرار الادوار الاجتماعية ، وارتباطها بالنظام الطبقي. فأجرة عامل منتوجات الخزف اليدوي مثلاً قليلة نسبة الى معدل دخل الافراد ، ولكن هذه المهنة تبقى ضمن العائلة من جيل الى جيل ؛ مع ان النظرية التوفيقية تؤكد على ان الفرد لا يقوم بالعمل الانتاجي ما لم يدفع له النظام الاجتماعي مكافأة مالية تغريه بالانخراط بذلك العمل ، وتدفعه للثبات على ممارسة تلك المهنة. ولكن ، كيف تفسر النظرية صمود العامل على البقاء في عمله النافع اجتماعيا مع علمه باجرته المالية القليلة؟

سادسا :

ان قلة اجرة العامل الفقير لا تعني ان عمله قليل المنفعة للنظام

____________

(1) (باري آدم). بقاء السيطرة : الاذلال والحياة اليومية. نيويورك : السفاير ، 1978 م.

50

الاجتماعي. فادباء المجتمع وعلماء الاديان مثلاً من الفقراء غالباً ، فهل يعني هذا ان عملهم قليل المنفعة للنظام الاجتماعي؟ ألا يعد نشر العلوم والآداب بين الناس من ارفع الاعمال التي يقوم بها المصلحون؟ اذن ، فان الاجر القليل لا يحدد قيمة العمل المنجز واهميته.

51

رأي المدرسة الماركسية

(مدرسة الصراع الطبقي)

ويرى رواد هذه المدرسة التي تعتقد بحتمية الصراع الاجتماعي ، ان المنافسة عامل حاسم من عوامل بناء تركيبة المجتمع الاقتصادية والسياسية ، وان الصراع الطبقي نتيجة حتمية لانعدام العدالة الاجتماعية ؛ لان سبب انعدام العدالة ـ حسب رأي رائد هذه المدرسة (كارل ماركس) ـ يعود الى ان تراكم الثروة عند افراد الطبقة الرأسمالية هو الذي ساهم في تصميم شكل القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يسيطر بها هؤلاء على مصير الطبقات الاجتماعية الاخرى (1). ولا شك ان صراع الطبقات هو المفتاح الرئيسي للتغيير الاجتماعي ؛ فكل طبقة حاكمة متنعمة باموال المحرومين سيطاح بها حتماً ـ حسب زعم ماركس ـ عن طريق الطبقة المحكومة ؛ فتصبح الطبقة المحكومة ـ عندئذ ـ طبقة حاكمة. وهكذا تعيد هذه العملية نفسها حتى الصراع النهائي بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية في المجتمع الصناعي. وهذا الصراع بين الطبقة العاملة والنظام الرأسمالي سيؤدي الى إضمحلال دور النظام الرأسمالي في المجتمع الانساني ، بسبب فساد هذا النظام القائم على اساس المنافسة الباطلة ضمن الطبقة

____________

(1) (كارل ماركس). المخطوطات السياسية والاقتصادية لعام 1844 م. نيويورك : الناشرون الدوليّون ، 1964 م.

52

العليا التي تمتلك جميع وسائل الانتاج الصناعي والزراعي ، وسيختفي دور الطبقة المتوسطة لينفتح المجال للطبقة العاملة المحرومة بالثورة على النظام القائم. وعلى انقاض النظام الرأسمالي ستنشئ الطبقة العاملة المجتمع الاشتراكي الجديد ، حيث تتحول ملكية وسائل الانتاج والتوزيع من ايدي الرأسماليين الى ايادي الجماهير ، فيعم الخير جميع افراد النظام الاجتماعي. وبعد ذلك يقوم المجتمع الاشتراكي بدوره بانشاء المجتمع الشيوعي ، فتختفي ـ حينئذ ـ كل معالم الظلم الاجتماعي ، والاغتراب ، والصراع ، والاضطهاد الانساني.

نقد رأي المدرسة الماركسية

ومع ان فكرة مدرسة الصراع الطبقي لها مبرراتها الخاصة في ادانة الطبقة الرأسمالية الاوروبية في القرن التاسع عشر ، الا ان تحليلها يعجز عن تحديد هوية الطبقات الاجتماعية المختلفة في التاريخ. حيث تقتصر نظرتها على رؤية طبقتين فقط ؛ هما : طبقة العمال وهي الطبقة المستعبَدة ، وطبقة الرأسماليين وهي الطبقة المستعبِدة. ولمّا كانت الطبقة العمّاليّة تنتج بعرقها وجهدها ثروة زائدة تفيض عن حاجات المنتجين الاساسية ، اصبح هم الطبقة الرأسمالية ـ حينئذ ـ تجميع الثروة الفائضة من الانتاج الاجتماعي الكلي. وهذا الاسلوب الرأسمالي في العمل هو الذي انتج تراكماً للثروة في طبقة ، وحرماناً لها في طبقة اخرى. وبذلك اصبحت الثروة الفائضة وجشع

53

الطبقة الرأسمالية مصدراً من مصادر انعدام العدالة الاجتماعية (1). وهذا المنطق في طبيعته ينسجم مع ظلم الفكرة الرأسمالية ، ولكن الفكرة الماركسية لم تصف لنا وضع الافراد العاملين في الخدمات الاجتماعية كالتعليم والطب والقضاء والشرطة ، ولم تضعهم ضمن أيّة طبقة اجتماعية. فهؤلاء لا يعملون لخدمة الطبقة الرأسمالية ولا يبذلون جهدهم ولا يعتصرون عرقهم من اجل الانتاج ، بل ان نشاطهم المهني منصبّ بشكل اساسي في مجال الخدمات الاجتماعية. ومهن كالتعليم والطّبّ والقضاء امتهنها الانسان منذ فجر التاريخ الانساني ، فكيف يستطيع الفرد الرأسمالي السيطرة على جهود هؤلاء المهنيين في الوقت الذي يمكنهم فيه فرض اجوراً عالية على الزبائن الرأسماليين انفسهم؟ وكيف تستطيع الرأسمالية السيطرة على اجور عمل القضاة وعلماء الكيمياء والصيدلة مثلاً؟ فالمعلم ـ وعن طريق اتحاده المهني ـ يستطيع ان يفرض اجورا عالية على تعليمه ابناء النظام الاجتماعي ، والقاضي في النظام الرأسمالي يقبض اجوراً من افراد الطبقتين عن طري واردات الضريبة الحكومية. فاين موقع هؤلاء الافراد في الصراع الاجتماعي؟ وهل يصح تصنيفهم ضمن الطبقة الرأسمالية او الطبقة العمالية؟ هنا تعجز النظرية الماركسية في الاجابة على هذا السؤال.

وهذا العجز والفشل ليس الاول الذي منيت به الفكرة الماركسية ، بل ان فشلها الرئيسي تمثل في عجزها عن التنبؤ بظهور طبقة وسطى في المجتمع الرأسمالي ؛ وان افراد هذه الطبقة لا يعملون بالضرورة ضمن توجه الطبقة

____________

(1) (آنتوني اوبرشال). الصراع الاجتماعي والحركات الاجتماعية. انجلوود كليفز ، نيوجرسي : برنتس ـ هول ، 1973 م.

54

الرأسمالية وخدمة مصالحها. فاساتذة الجامعات ، والعاملون في الحقول الطبية من بحوث وتطبيب وتمريض ، والعاملون في خدمات النقل البري والجوي والبحري يعملون اما على اساس الدخل الشخصي او يعملون كموظفين لشركات كبيرة مملوكة من قبل افراد عديدين عن طريق الاسهم والسندات. بل ان الكثير من العمال هم في الواقع افراد من ذوي المهن الحرة ، الفردية الاتجاه (1) ، كالبقالة والحلاقة وتصليح وسائل النقل وبيع المنتوجات الزراعية والصناعية ونحوها. ولا ينتقل فائض الثروة التي ينتجها هؤلاء الافراد الى يد الطبقة الرأسمالية بل يذهب هذا الفائض الى منفعة نفس العمال ومصلحتهم مباشرة.

أمّا ملكية وسائل الانتاج التي تتحدث عنها النظرية الماركسية فانها وان كانت موجودة في عالم اليوم ، الا ان العديد من هذه المؤسسات الصناعية الكبيرة تقع تحت ملكية الألوف من اصحاب الاسهم والسندات ، وتدار من قبل موظفين يتقاضون اجوراً معينة على جهدهم وعملهم (2). وفي نهاية المطاف ، توزع ارباح هذه المؤسسات على الاسهم ومالكيها بالتساوي. فتراكم الثروة في هذه المؤسسات اذن ، يختلف اليوم عما كان عليه الوضع الاقتصادي في القرن التاسع عشر. فملكية وسائل الانتاج تختلف حتماً عن السيطرة على وسائل الانتاج. فاين يضع (ماركس) هذه الطبقة الجديدة من مدراء الشركات ، وعلماء المختبرات ، والمحاسبين الذين يتقاضون اجوراً كبيرة على اعمالهم ولكنهم لا يسيطرون على وسائل الانتاج؟ وماذا يقول

____________

(1) (بيتر بلاو). السلطة والتبادل في الحياة الاجتماعية. نيويورك : وايلي ، 1964 م.

(2) (دوناد ترايمان). الوظائف الرفيعة في دراسة مقارنة. نيويورك : المطبعة الآكاديمية ، 1977 م.

55

(ماركس) عن موقع الطبقة الوسطى في الصراع الاجتماعي ودورها بالثورة على النظام الرأسمالي الحاكم؟

هنا ، تحتاج النظرية الماركسية الى اعادة نظر في منهجها الفكري العام. فبروز دور الطبقة الوسطى في الصراع الاجتماعي ، جعل تنبؤ الماركسية بحتمية الصراع الطبقي بين الرأسمالية والبروليتاريا ، مجرد وهم لا يستند على واقع موضوعي. وظهور فكرة شراء الأسهم والسندات من قبل مختلف الافراد لوسائل الانتاج العملاقة ، ساهم في ضرب الفكرة الماركسية ايضا ؛ لان السيطرة على جزء من وسائل الانتاج اصبحت بيد افراد الطبقة الوسطى ، وليست بيد الطبقة الرأسمالية كما كانت تؤكد عليه نظرية (ماركس).

وهذا الاخفاق في تحديد هوية الطبقات الاجتماعية جعل النظرية الماركسية تحتضر وهي تعيش ايامها الاخيرة وعاجزة عن تفسير معنى انعدام العدالة بين الطبقات الاجتماعية ، معترفة ان حتمية الصراع الاجتماعي التي كانت تنادي بها اصبحت مجرد فكرة نظرية ، ليست لها قيمة عملية خصوصا بعد بروز الطبقة الوسطى كطبقة لها دورها المهم في المجتمع الرأسمالي.

56

رأي المدرسـة التـلفـيقـية (التوفـيقـية ـ الماركسيـة)

ولما كان موقف المدرستين التوفيقية والماركسية بخصوص تحليل منشأ انعدام العدالة الاجتماعية واضح الضعف ، قصير النظر ، في فهم المشكلة الاجتماعية ، فقد طفت على سطح الفكر الاوروبي تيارات معاصرة حاولت الجمع والتلفيق بين آراء المدستين ، والخروج بمنهج موحد لمعالجة مشكلة انعدام العدالة الاجتماعية. حيث آمن هذا الاتجاه الجديد (1) بصواب رأي المدرسة التوفيقية القائل بان المجتمع لايمكن ان يحيا بصورة طبيعية ما لم تتم مقابلة حاجات المجتمع الاساسية من الخبرات وغيرها بالادوار التي يتطلبها. وعلى ضوء مقابلة تلك الحاجات مع الادوار المختلفة ، فقد اختلفت قيمة المكافآت الاجتماعية للعمال والخبراء. ثم زعم بصواب رأي المدرسة الماركسية التي تقول بحتمية الصراع الاجتماعي للمحافظة على ديناميكية المجتمع الانساني ، باعتبار ان توفر الخيرات بشكل يفيض عن حاجة المجتمع ، سيؤدي حتماً الى التنافس والصراع الاجتماعي. ولما كان المجتمع يتطور بصورة دائمية فان انعدام العدالة سيتناسب مع حجم الثروة التي سينتجها المجتمع ، فاذا كانت الثروة كبيرة اصبحت الهوة بين الطبقة

____________

(1) (جيرهارد لنسكي). القوة والامتيازات : نظرية في انعدام العدالة الاجتماعية. نيويورك : ماكرو ـ هيل ، 1966 م.