المقداد ابن الأسود الكندي أوّل فارس في الإسلام

- الشيخ محمد جواد آل الفقيه المزيد...
181 /
7

بسم الله الرحمن الرحيم

بين يدي القارئ :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه وأعزهم عليه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وصحبه الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد :

بين يديك صحائف تحمل شيئاً من سيرة الصحابي العظيم « المقداد بن عمرو » أحد الأركان الأربعة وأحد السابقين ، كما تحمل في نفس الوقت شيئاً من تأريخ تلك الفترة المشرقة التي عاشها والتي أعطى فيها من فكره وعرقه ودمه ما يعطيه العظماء لأممهم وأمجادهم وتواريخهم ، حيث كان له شرف المشاركة في تأسيس وتثبيت دعائم الإسلام وهو بعد في نأنأَتِه وضعفه.

والتاريخ قد يظلم بعض العظماء ، ويجحف في حقهم ـ على عادته ـ فقد فوجئت بسيرة هذا الصحابي البطل متناثرةً هنا وهناك في بطون الكتب مما يعني أن ثمة إهمال قد امتدت يده إليها ـ لا أدري إن جاء عن قصد ، أو هو من صنع السنين ! ـ فكان لي شرف لملمتها وصوغوها بالشكل الذي أرجو أن يكون مناسباً ، ولقد واجهت شيئاً من المصاعب والمتاعب في هذا السبيل ، إلا أن غبطتي في إتمامها وانجازها توازي في أثرها ما واجهت.

لقد إمتاز هذا الصحابي العظيم بصفة تفرد بها دون من سواه من الصحابة ، تلك هي صفة « الفروسية » وهي صفة غير عزيزة ولا نادرة لولا أنها كانت محكومةً لظروف صعبة حرجة ، فهي مبتذلة إذا لوحظت مجردةً عنها ، وعزيزة نادرة ذات بال

8

وإهمية إذا لوحظت من خلال الظروف الصعبة التي عاناها المسلمون الأوائل ؛ ومن هنا جاءت أهميتها فقد شاءت المقادير أن تقع أول حرب بين المسلمين ومناهضيهم من المشركين وليس في المسلمين فارس غير المقداد بن عمرو ، وبذلك نال وسام « أول فارس في الإسلام » ناله بجدارة واستحقاق.

روي عن علي (عليه السلام) أنه قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن عمرو. » وعن القاسم بن عبد الرحمن قاله : « أول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد .. » (1).

وظلت هذه الصفة المميزة ملازمة له طيلة حياته ، فما دعي الى جهاد قط إلا وأجاب ، وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما شهدها من بعده وهكذا ، قضى عمره فارساً في ميادين الجهاد حتى وافاه أجله ، وكانت العقيدة بالنسبة له ، خبزه اليومي الذي به ومن أجله يعيش.

من هنا ، فإن تاريخ المقداد ، يعني تاريخ تلك الحقبة وما جرى فيها من الوقائع والحروب » نظراً لموقعه منها ومواقفه البطولية فيها ، وهذا ما دعاني إلى سرد بعضها سرداً كاملاً ، فلكي نفهم هذا الرجل على حقيقته ، علينا أن نتناول أهم جانب في حياته نحدد به شخصيته وطموحه وأهدافه ، أما بدون ذلك فإن سيرته تصبح مبتورةً شوهاء لا رونق فيها ولا حياة ، ويصبح مثلنا في ذلك مثل من ينقل حادثةً او منقبةً لإِنسان ما دون أن يعرف عن شخصيته وظروفه شيئاً.

وأنت حين تبدأ قراءة المقداد ، فإنك ستقرأه اكثر كما ستقرأ غيره من معاصريه من خلال قراءتك لتلك « الغزوات والوقائع » وسوف تشعر وكأنك معه في رحلاته الجهادية الطويلة وهو يملي عليك حكاية أروع ملحمة حضارية في تاريخ الإنسان كان هو أحد روادها ومسطريها ، وبذلك ـ أيضاً ـ سوف تدرك عظمة هذا الرجل ومدى بلائه في الإسلام.

____________

(1) الطبقات الكبرى 3 / 162.

9

وسوف لا ينقضي تعجبك من خصلة هي واحدة من مئات ! إمتاز بها الإسلام دون غيره وكانت شاهداً من شواهد عظمته ، تلك هي قلب العقليات والعادات التي أفرزتها الجاهلية المقيتة ، وتسييسها من جديد على ضوء تعاليم الله سبحانه ، وقولبتها بشكل يعيد للإنسانية شرفها ومجدها.

فمن كان يصدق أن حليفاً طريداً مشرداً عن أهله وقومه يصبح يوماً ما محط أنظارهم ومعقد آمالهم ؟!

أجل ، كان هذا أمراً مستبعداً لولا الإسلام ، فقد استطاع بفترةٍ وجيزة أن يقضي على جل المظاهر الزائفة ، وأستطاع ان يعيد الحق الى نصابه.

والمقداد كان واحداً من المشردين ، نشأ حليفاً لكندة بادئ الأمر ـ تابعاً لأبيه ـ ثم حليفاً لبني مخزوم ، حتى قيّض له الإلتحاق بركب الإسلام وهو في عقد الرابع ليبدأ مسيرة الحياة الحرة الكريمة تاركاً وراءه كل قيود الجاهلية وأحكامها مسلماً وجهه لله وحده باذلاً نفسه لدين الله ، وحين استقر الأمر بالمسلمين ، ونصر الله نبيه ، أقبلت الوفود تترى على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مبايعةً له ومسلّمةً أمرها إلى الله ورسوله ، وكان منها وفد « بهراء » قبيلة المقداد ، فكان نزولهم عليه في داره. (1)

رحم الله أبا معبد ، فلقد كان واحداً من العظماء الذين يفخر التاريخ بهم وبمآثرهم.

____________

(1) راجع الكامل 2 / 290.

10

-

11

بسم الله الرحمن الرحيم

« أَمَرني رَبيّ بحُبَّ أربَعَةٍ مِنْ أصحَابي ، وأَخَبَرني أنُه يُحبُّهم ! ».

فقيل : يا رسول الله ، من هم ؟

قال : « عليٌّ ، والمقداد وسلمان وأبو ذر ».

« الجنة تشتاق إليك يا عليّ ، وإلى عمارٍ ، وسلمان والمقداد ».

الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)

« ما رأيتُ مثل ما أُتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم .. إني والله أحبُّهم لحُبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم ، ويعتريني والله وجدٌ لتشرف قريش على الناس بشرفهم ، واجتماعهم على نزع سلطان رسول الله من أيديهم .. ».

المقداد بن عمرو

12

* المقداد بن عمرو .. لماذا سمي بابن الأسود الكندي

* صفاته وأخلاقه

* إسلامه

13

-

14

المقداد بن عمرو البهرائي

هذا هو اسمه الحقيقي ، واسم أبيه وقبيلته.

فهو المقداد بن عمرو ، بن ثعلبة ، بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود (1) البهرائي (2).

ولكن ، له إسم آخر إشتهر به ، وهو : « المقداد بن الأسود الكندي ». فما هي حكاية هذا الإسم وهذه الشهرة .. ؟

كان عمرو بن ثعلبة من شجعان بني قومه ، يتمتع بجرأة عالية ربما لم تتهيأ لأحد غيره منهم ، دفعته لأن ينال فيهم دماً ، فاضطر إلى الجلاء عنهم حفاظاً على نفسه ، وحمايةً لها من طلب الثأر ، فلحق بحَضرَمَوْت (3).

____________

(1) الإصابة 3 / 454 ـ 455.

(2) على الأشهر ، نسبة إلى بهراء بن عمرو ، بطن من قضاعة ، كانت منازلهم شمالي « بلي » من الينبع إلى عقبة أيله ، ثم جاوروا بحر القلزم ، واشتروا ما بين بلاد الحبشة وصعيد مصر وكثروا هناك ، وغلبوا على بلاد النوبة .. وقدم وفد من بهراء على الرسول (ص) سنة 9 ه : راجع معجم قبائل العرب 1 / 110.

(3) حضرموت : ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف وبها قبر هود (عليه السلام). قال ابن الكلبي : إسم حضرموت في التوارة ، حاضرميت ... وقيل : حضرموت ، إسم لعامر بن قحطان ، وانما سمي كذلك ، لأنه كان إذا حضر حرباً أكثر فيها من القتل ، فلقب بذلك .. وقال أبو عبيدة : حضرموت بن قحطان نزل هذا المكان فسمي به. « معجم البلدان 2 / 270 ».

15

وحالف قبيلة كندة التي كانت تتمتع بهيبةٍ مميزة من بين القبائل.

وهناك تزوج إمرأةً منهم ، فولدت له المقداد (1).

نشأ الفتى في ظل أبيه ورعايته ، وحنان أمه وعطفها ، ضمن مجتمع ألِفَ مقارعة السيوف ، ومطاعنة الرمح ، فكانت الشجاعة احدى سجاياه التي إتصف بها فيما بعد ، حتى إذا بلغ سن الشباب أخذت نوازع الشوق إلى أرومته ومضارب قومه في بهراء تدب في نفسه فتدفعه إلى تخطي آداب « الحلف » غير مكترثٍ ولا مبالٍ.

فقد أحس أن اغترابه هذا ، وبعده عن الأهل والوطن إنما حدث نتيجة لذنبٍ إقترفه أبوه حيال قومه ، وأن الحلف لا يعني أكثر من قيدٍ « مهذب » يضعه الحليف في عنقه ، وأعناق بنيه !. بالرغم من براءة ساحتهم .. كان هذا الشعور يراوده بين الفينة والفينة فتستيقظ في نفسه رغبة الإنتقام من حلفائه والتمرد على تقاليدهم ، لذا ، فلم يكن هو الآخر اسعد حظاً من أبيه ، حيث اقترف ذنباً مع مضيفيه « وأخواله » فاضطر إلى الجلاء عنهم أيضاً.

فقد ذكروا أنه : حين كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي ـ أحد زعماء كندة ـ خلافٌ ، فما كان من المقداد إلا أن تناوله بسيفه ، فضرب رجله وهرب إلى مكة (2).

حين وصل إلى مكة ، كان عليه أن يحالف بعض ساداتها كي يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ، لكن طموحه كان يدفعه إلى إختيار الرجل القوي المرهوب الجانب ، فكان يتريث في ذلك ، وكان يقول : لأحالفنَّ أعزّ

____________

(1) الإصابة 3 / 454 ـ 455.

(2) نفس المصدر.

16

أهلها ! ولم يخنع ولم يضعف فحالف الأسود (*) بن عبد يغوث الزهري (1) فتبناه ، وكتب إلى أبيه بذلك ، فقدم عليه مكة.

منذ ذلك اليوم صار إسمه المقداد بن الأسود ، نسبة لحليفة ، والكندي ، نسبةً لحلفاء أبيه.

وقد غلب عليه هذا الإسم ، واشتهر به ، حتى إذا نزلت الآية الكريمة : ( أدعُوهُم لآبائِهم ) قيل له : المقداد بن عمرو.

وكان يكنى أبا الأسود ، وقيل : أبو عمرو ، وأبو سعيد (2) وأبو معبد.

ومن أهم ألقابه : « حارس رسول الله » (3).

____________

* الأسود بن عبد يغوث الزهري : كان من جبابرة قريش ، وأحد كبار المستهزئين برسول الله (ص) وكانوا خمسة ، وقد كفى الله نبيه إياهم ، فحين نزلت الآية « أنا كفيناك المستهزئين » أصيب الأسود هذا بالاستسقاء حتى هلك ، أما الأربعة الباقية ، فهم : الأسود بن المطلب ، أصيب بالعمى ، والوليد بن المغيرة كان قد جرح بأسفل قدمه جرحاً قديماً فانتقض عليه ومات. والعاص بن وائل ، اصيب بشوكة في رجله فقتلته والحارث بن طلالة امتخض رأسه قيحاً فقتله. راجع السيرة لإبن هشام 2 / 41.

(1) المستدرك 3 / 348.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر ، كما يستفاد ذلك من مطاوي الحديث.

17

صفاته وأخلاقه

كان فارع الطول ، أبيض اللون ، صبيح الوجه ، يصفّر لحيته ، كثير شعر الرأس ، أبطن ، ضخم الجثة ، واسع العينين ، مقرون الحاجبين ، أقنى الأنف ، جميل الهيئة ، كما يستفاد ذلك من وصف إبنته له (1).

وكان فارساً شجاعاً « يقوم مقام ألف رجل » على حد تعبير عمرو بن العاص (2) وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله (ص) (3) وهو أول فارس في الإسلام وكان من الفضلاء النجباء ، الكبار ، الخيار من أصحاب النبي (ص) (4) سريع الإجابة إذا دعي إلى الجهاد حتى حينما تقدمت به سنه ، وكان يقول في ذلك : أبت علينا سورة البحوث (5) انفروا خفافاً وثقالاً.

وكان إلى جانب ذلك رفيع الخلق ، عالي الهمة ، طويل الأناة ، طيب

____________

(1) قالت ابنته كريمة : كان رجلاً طوالاً ، آدم ( أبيض ) أبطن ، كثير شعر الرأس يصفّر لحيته وهي حسنة ، ليست بالعظيمة ولا بالخفيفة ، أعين ، مقرون الحاجبين أقنى ، المستدرك 3 / 348.

(2) اليعقوبي 1 / 148.

(3) الإستيعاب 3 / 473.

(4) المستدرك 3 / 348.

(5) هي سورة التوبة ، ولها عشر أسماء ، منها سورة البحوث ، سميت بذلك لأنها تتضمن ذكر المنافقين والبحث عن سرائرهم ، ومن اسمائها : الفاضحة ، الخ ـ راجع مجمع البيان 5 / 1.

18

القلب صبوراً على الشدائد ، يحسن إلى ألدّ أعدائه طمعاً في استخلاصه نحو الخير ، صلب الإرادة ، ثابت اليقين ، لا يزعزعه شيء ، ويكفي في ذلك ما ورد في الأثر :

« ما بقي أحدٌ إلا وقد جال جولة إلا المقداد بن الأسود فإن قلبه كان مثل زبر الحديد » (1) وهو من الذين مضوا على منهاج نبيهم ولم يغيروا ولم يبدلوا (2).

عظيم القدر ، شريف المنزلة ، هاجر الهجرتين ، وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد ، تجمعت فيه (رضي الله عنه) أنواع الفضائل ، وأخذ بمجامع المناقب من السبق ، والهجرة ، والعلم ، والنجدة ، والثبات ، والأستقامة ، والشرف والنجابة (3).

____________

(1) و (2) معجم رجال الحديث 18 / 360 و 363.

(3) رجال بحر العلوم 3 / 345.

19

إسلامه

الذي يظهر من مجمل النصوص أن المقداد كان من المبادرين الأُول لاعتناق الإسلام ، فقد ورد فيه : أنه أسلم قديماً. (1) وذكر ابن مسعود أن أول من أظهر إسلامه سبعة ، وعدّ المقداد واحداً منهم.

إلا أنه كان يكتم إسلامه عن سيده الأسود بن عبد يغوث خوفاً منه على دمه شأنه في ذلك شأن بقية المستضعفين من المسلمين الذين كانوا تحت قبضة قريش عامة ، وحلفائهم وساداتهم خاصة ، أمثال عمار وأبيه وبلالٍ وغيرهم ممن كانوا يتجرعون غصص المحنة ؛ فما الذي يمنع الأسود بن عبد يغوث من أن يُنزل أشد العقوبة بحليفه إن هو أحس منه أنه قد صبأ إلى دين محمد ؟؟ سيما وأن الأسود هذا كان أحد طواغيت قريش وجباريهم ، وأحد المعاندين لمحمد (ص) والمستهزئين به وبما جاء ، إنه ـ ولا شك ـ في هذا الحال لن يكون أقل عنفاً مع حليفه من مخزوم مع حلفائها.

لأجل هذا كان المقداد يتحين الفرص لإنفلاته من ربقة « الحلف » الذي أصبح فيما بعد ضرباً من العبودية المقيتة ، ولوناً من ألوان التسخير المطلق للمحالف يجرده عن كل قيمة ، ويُحرم معه من أبسط الحقوق.

وفي السنة الأولى للهجرة قُيّضت له الفرصة لأن يلتحق بركب النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن يكون واحداً من كبار صحابته المخلصين.

____________

(1) الإصابة 3 / 454 وكذلك في أسد الغابة 3 / 410.

20

« فقد عقد رسول الله (ص) لعمه حمزة لواءً أبيض في ثلاثين رجلاً من المهاجرين ليعرضوا عِير قريش ، وكان هو وصاحب له ، يقال له : عمرو بن غزوان لا زالا في صفوف المشركين ، فخرجا معهم يتوصلان بذلك ، فلما لقيهم المسلمون إنحازا إليهم » (1) فكانت بداية الجهاد الطويل !.

____________

(1) الكامل 2 / 111 وقيل : التحقا بالمسلمين في شوال حين بعث النبي (ص) سريةً بقيادة عبيدة بن الحارث. راجع نور اليقين / 108.

21

مع الرسول الأعظم في دار هجرته

* عام الحزن

* اول هجرة للرسول

* خروجه إلى الطائف

* النبي (ص) يعرض نفسه على القبائل

* دخول الإسلام يثرب

* الإعداد للهجرة

* مبيت علي (عليه السلام) في فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

* الهجرة

* النبي الإعظم في المدينة

* بين الرسول الأعظم والمقداد

22

مع الرسول الأعظم في دار هجرته

عام الحزن

قال الشيخ الأبطح * لعائديه من قريش :

« لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمدٍ واتبعتم أمره ، فأطيعوه تنالوا السعادة في دنياكم وآخرتكم » ..

كانت هذه الكلمات الرحيمة تتهدل بين شفتي أبي طالب ـ عمّ الرسول وكافله ـ وهو يُزمعُ الرحيل عن هذه الدنيا ، فقد إشتد به المرض بعد أن تخطّى الثمانين من عمره واثقلت الهموم كاهله ، وبينما كان النبي (ص) خارجاً لبعض حوائجه ، إذا بالناعي ينعى له عمه.

أقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسرعاً نحو البيت الذي فيه عمه أبو طالب حتى إذا وصل إليه مسح جبينه الأيمن ثم مسح الأيسر ـ كما كان هو يمسح جبين النبي ـ ثم رثاه بهذه الكلمات :

« رحمك الله يا عم ، ربيت صغيراً وكفلتَ يتيماً ، ونصرتَ كبيراً ، فجزاك الله عني وعن الإسلام خير جزاء العاملين المجاهدينَ في سبيله بأموالهم وأنفسهم ». ثم بكى (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبكى من كان حول عمه أبي طالب.

____________

* لقب أبي طالب.

23

أبو طالب ، هذا الذي لم يترك النصح والنصرة لابن أخيه حتى آخر لحظةٍ من لحظات حياته ، ترك غيابه فراغاً في حياة النبي (ص) ترجمته لنا دموع النبي ، وأفصح عنه حزنه وأساه عليه.

وما مضت أيام على موت أبي طالب ، حتى واجه النبي مصيبةً أخرى ليست بأقل من مصابه بعمه ، فها هي خديجة أيضاً تحتظر ! خديجة التي بذلت مالها وحياتها في نصرة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وانجاح رسالته .. صاحبة اليد الكريمة التي كانت تمسح دموع محمد وآلامه وأحزانه .. هذه اليد بدأت ترتعد من وطأة المرض أيضاً .. وماتت خديجة ! بذلك فقد محمد (ص) عمه الذي رباه ونصره وضحى لأجله خلال أربعين عاماً أو تزيد ، كما فقد زوجته التي بذلت له مالها وواسته في جميع الخطوب ، والتي كانت تود أن تتحمل عن كل شيء ليسلم لرسالته.

هاتان الفاجعتان الأليمتان في أيام معدودات ، كل واحدة منهما على انفرادها تكفي لأن تترك أقوى النفوس كليمة مضعضعة ! فكيف وقد اجتمعتا على محمد (ص) في عام واحد ! لذلك ، فقد سمي هذا العام بعام « الحزن ».

ووجدت قريش في موت أبي طالبٍ وخديجة ثغرةً واسعة يمكن معها النيل من محمد ومضايقته ومطاردته ، فأبو طالب كان الدرع الواقي والحصن الحصين للنبي ، وقريش مهما بلغ بها التعسف والحقد فإنها لن تستطيع الوصول إلى محمدٍ وأبو طالب حيّ ، أما الآن فقد هوى ذلك الحصن ، بل بالأحرى ذلك العملاق ، وبقي محمدّ وحده في الساحة معه لفيف من الدهماء وبعض العبيد ، وقليل من بني هاشم ليسوا بذات أثر في نظر قريش ! لذلك فقد جدت قريش في إيذائه والتنكيل بأصحابه ، وكان من أيسر أنواع الأذى الذي أنزلته به ـ بعد فقد عمه ـ أن مر عليه أحد سفهاء قريش ، فاغترف بكلتا يديه من التراب والأوساخ ، وألقاها على

24

وجهه ورأسه.

فدخل بيته وهو بهذه الحالة ، فقامت إليه ابنته فاطمة وكانت أصغر بناته ـ وهي حديثة عهد بفاجعة أمها خديجة ـ فجعلت تغسل رأسه وتميط عنه التراب وتبكي ، فالتفت اليها (صلى الله عليه وآله وسلم) ومسح رأسها بكلتا يديه وقال لها : لا تبكي يا بنية فإن الله مانع آباك وناصره على أعداء دينه ورسالته.

لقد كان هذا العام عام الحزن والأذى والأسى ، إلا أنه كان إيذاناً بمرحلةٍ انتقالية جديدة في حياة الرسول والرسالة. تلك هي مرحلة الإنتقال من الدعوة إلى الدولة.

25

أول هجرةٍ للرسول (ص)

جاء في شرح النهج :

أن أول هجرة له كانت إلى بني عامر بن صعصعة وإخوانهم من قيس عَيلان ، ولم يكن إلا عليٌّ (عليه السلام) وحده ، وذلك عقيب وفاة أبي طالب.

فقد أوحي إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أُخرج منها ، فقد ماتَ ناصرُك ! فخرج إلى بني عامر بن صعصعة ، فعرض نفسه عليهم وسألهم النُصرة َ ، وتلا عليهم القرآن ، فلم يجيبوه ! فعادا (عليهما السلام) إلى مكة. وكانت مدّة غيبته في هذه الهجرة عشرة ايام ، وهي أول هجرةٍ هاجرها (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه (1).

____________

(1) راجع شرح النهج 4 / 128.

26

خروجه إلى الطائف

وحين اشتد ايذاء قريش للنبي (ص) خرج متخفياً في مكة ومعه ابن عمه علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة ، وقصد الطائف ليعرض نفسه على ساداتها من ثقيف ، وكانوا ثلاثة إخوة : عبد ياليل ، ومسعود بن عمرو ، واخوهما حبيب بن عمرو ، فدعاهم إلى نصرته والقيام معه على من خالفه.

فقال أحدهم : ما رد يمرطُ ثيابَ الكعبةِ إن كان الله أرسلك !

وقال آخر : أما وجَدَ الله من يرسلُهُ غيركَ ؟!

وقال الثالث : والله لا أكلّمُكَ كلمةً أبدا : لئن كنت نبياً كما تقول ، فأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام ؛ ولئن كنت كاذباً على الله فما ينبغي لي أن أكلمك.

فقام رسول الله (ص) وقد يئس منهم ، وقال لهم : إذا أبيتم فاكتموا علي ذلك ، وقد كره أن يبلغ قريشاً ذلك فيجرأون عليه.

وبقي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الطائف عشرة أيام يدعو أهلها للإسلام فلم يسمعوا منهم ، وأغروا به سفهائهم وعبيدهم حتى اجتمع عليه الناس وقذفوه بالحجارة.

فالتجأ إلى حائط ـ بستان ـ لِعُتبةَ وشيبة إبنا ربيعة ـ وكانا فيه ـ والدماء تسيل من ساقيه ، فجلس في ظل شجرة وجعل يدعو بهذا الدعاء :

27

« اللهم إني أشكو إليكَ ضَعفي وقِلّةَ حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت ربُّ المستضعَفِينَ وربيّ إلى من تكلني إلى بعيدٍ يتجهمني أم إلى عَدّوٍ ملّكته أمري ، إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزلَّ فييَّ غضبَكَ أو يَحلّ عليّ سخطُك ، لك العُتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ».

جعل يدعو بهذا الدعاء وابنا ربيعة ينظران إليه ، فأشفقا عليه ، وتحركت له رحِمَهُما ، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً إسمه : عدّاس ، وقالا له : خذ قطفاً من هذا العنب واذهب به إلى ذلك الرجل.

ففعل فلما وضعه بين يدي رسول الله (ص) وضع يده فيه وقال : بسم الله.

فقال عداس : والله أن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة !!

فقال له النبي (ص) : من أي البلاد أنت ؟ وما دينك يا عداس ؟

قال : أنا نصراني من أهل نينوى !

فقال (ص) أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متّى ؟

فقال : وما يدريك ما يونس بن متّى !

فقال (ص) : ذاك أخي كان نبياً وأنا نبيٌّ !

فاكبَّ عداس على يدي رسول الله (ص) ورجليه يقبلهما ، هذا وابنا ربيعة ينظران إليه ، ويقول أحدهما لصاحبه : أما غلامك فقد أفسده عليك.

ولما رجع إليهما عداس قالا له : ويحك يا عداس ، ما الذي أعجبك من هذا الرجل حتى قبّلت رأسه وقَدَميه ! إحذر أن يصرفك عن دينك.

28

فقال عداس : يا سيديَّ ، ما في الأرض خيرٌ من هذا الرجل ، لقد اخبرني بأمرٍ لا يعلمه إلا نبي.

وانصرف رسول الله (ص) راجعاً إلى مكة بعد أن يئس من أهل الطائف وسادتهم ، لكن أنباء رحلته هذه كانت قد تناهت الى قريش ، فاستعدوا لآذاه ، لذلك فإنه (صلوات الله عليه) قبل أن يدخل مكة أرسل إلى بعض ساداتها يطلب منهم : أن يجيروه فامتنعوا عن إجارته إلا المُطعِمُ بن عدي فإنه قبل إجارته ، وقال للرسول : نعم فلِيدخل ! وأصبح المطعم وقد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه ، فدخل المسجد ، فرآه ابو جهل وقال له : أمجيرٌ أنت ، أم متابع ؟

قال : بل مجير ! فقال أبو جهل : قد أجرنا من أجرت.

عند ذلك مضى النبي (ص) حتى دخل مكة ، وجعل يتابع تبليغ رسالته في جوار المعطم بن عدي.

29

النبي (ص) يعرض نفسه على القبائل

وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب.

فأتى كندة في منازلهم وفيهم سيّدٌ لهم يقال له : مليح ، فدعاهم إلى الله وعرض نفسه عليهم ، فأبوا عليه !

ثم أتى قبيلة ( كلب ) إلى بطن منهم يقال لهم ، بنو عبدالله ، فدعاهم إلى الله وعرض نفسه عليهم ، فأبوا عليه ، ولم يقبلوا ما عرضه عليهم.

ثم أتى ( بني عامر ) فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه ! فقال له رجل منهم أرأيت إن نحن تابعناك فأظهرك الله على من خالفك ؛ أيكون لنا الأمر على من بعدك ؟!

فقال (ص) : الأمر إلى الله ، يضعه حيث يشاء !

قال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا !؟ لا حاجة لنا بأمرك.

فلما صدر الناس عن الموسم ، رجع بنو عامر إلى شيخ لهم مسن كانوا يحدثونه بما يجري معهم في الموسم ، فسألهم عما جرى لهم ، فقالوا : جاءنا رجل من قريش ، ثم أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي ! يدعونا

30

إلى أن نمنعه ، ونقوم معه ، ونخرج به الى بلادنا !

حين سمع الشيخ ذلك ، وضع يديه على رأسه ، ثم قال : يا بني عامر ؛ هل لها من تلافٍ ، هل لذناباها من مطّلِب ؟ والذي نفس فلانٍ بيده ما تقوّلها إسماعيلي قط ، وإنها لحق ! فأين كان رأيكم عنكم ؟

ثم أتى (ص) بني حنيفة وعرض عليهم نفسه ، فلم يكن أحد من العرب أقبح رداً عليه منهم. وفي هذه الفترة كان عمه أبو لهب يسير خلفه ويصد الناس عنه (1).

____________

(1) مقتضب من السيرة النبوية لإبن هشام 2 / 50 إلى 52.

31

دخول الإسلام يثرب

وكان أهل المدينة يحجون إلى البيت كغيرهم من العرب ، فقدم منهم جماعة إلى مكة والتقوا برسول الله (ص) ، فسألهم (ص) إلى أي القبائل ينتمون ؟ فقالوا له من الخزرج. فقال لهم : أمن موالي يهود أنتم ؟ قالوا : نعم : فجلس إليهم (صلى الله عليه وآله وسلم) وعرض عليهم الإسلام ودعاهم إلى الله عز وجل ، وتلا عليهم شيئاً من القرآن ، فقال بعضهم لبعض : إنه والله النبي الذي كان اليهود يتوعدونكم به ، فلا يسبقونكم إليه ، فأجابوه فيما دعاهم إليه ، وكان عددهم ستة ، (1) ثم أخبروه أن العداء بين قومهم ـ الأوس والخزرج ـ مستشرٍ ، والقتل بينهم مستمر ، وانهم سيقدمون عليهم ويدعونهم للإسلام عسى الله أن يجمعهم على يده ويجيبون دعوته.

فانصرفوا راجعين إلى بلادهم ، فلما قدموا على قومهم ذكروا لهم ما جرى بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا بينهم ، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيه ذِكرٌ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

فلما كان العام الثاني ، وفد من أهل يثرب إلى مكة إثنا عشر رجلاً ، فإلتقوا بالنبي (ص) في مكان يقال له : العقبة ، فبايعوه على بيعة

____________

(1) وهم : عبّادة بن الصامت ، وأسعد بن زرارة ، وعوف ومعاذ ابنا الحارث بن رفاعة ، ورافع بن مالك بن العجلان ، وذكوان بن عبد قيس. راجع السيرة 2 / 56.

32

النساء ، وكان من بينهم عبادة بن الصامت ، قال : بايعنا رسول الله على أن لا نُشركَ بالله شيئاً ، ولا نَسرق ، ولا نزني. ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببُهتانٍ نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه بمعروف.

وبعث رسول الله معهم مصعب بن عمير ، وأمره أن يُقرئهم القرآن ، ويعلِّمهم الإِسلام ، ويفقِّههم في الدين ، فأقبل معهم ونزل ضيفاً على أسعد بن زرارة.

وقد أسلم بعد ذلك سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير ، وأسلم معهما قومهما. في حديث يطول.

وفي السنة التالية أقبل مصعب بن عمير ومعه جماعة من المشركين والمسلمين من أهل المدينة قاصدين مكة لأداء المناسك والإِجتماع برسول الله (ص) ، فالتقوا به سراً ، وتواعدوا أن يجتمعوا مه بالعقبة ليلاً بعد أن ينام الناس ليتذاكروا أمر الدعوة وليعرضوا إسلامهم عليه.

قال كعب بن مالك في حديث له : وجاءت الليلة التي واعدنا رسول الله فيها ومعنا عبدالله بن عمر بن حزام ـ وهو من ساداتنا ـ أخذناه معنا ونحن نتكتم عمن معنا من المشركين فتكلمنا معه في الإسلام ، ودعوناه إليه ، وأخبرناه بإجتماعنا بالرسول ، فأسلم وحضر معنا بيعة العقبة ، ونمنا تلك الليلة حتى إذا مضى من الليل الثلث ، خرجنا من رحالنا نتسلل تسلل القطا حتى لا يحس بنا أحد ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ، ومعنا امرأتان لا غيرهما ، نسيبة بنت كعب ، واسماء بنت عمرو بن عدي ، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله (ص) ، حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب ـ وهو على دين قريش ـ وقد أحب أن يرى موقفنا من النبي ويتوثق منه ، فلما جلس النبي (ص) وجلسنا حوله كان العباس أول المتكلمين.

فقال : يا معشر الخزرج ؛ إن محمداً منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من

33

قومنا وانه أبى إلا الإنحياز إليكم ، واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وان كنتم ترون انكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم ، فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.

ثم تكلم رسول الله (ص) ، فتلا شيئاً من القرآن ، ودعا إلى الله ، ورغب في الإسلام ثم قال : أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.

فأخذ البراء بن معرور بيده ، ثم قال : والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعك مما نمنع أزرنا (1). فبايعنا يا رسول الله ، فنحن أبناء الحروب ، وأهل الحلقة ، ورثناها كابراً عن كابر.

وتكلم بعده أبو الهيثم بن التيهان فقال : يا رسول الله ، إن بيننا وبين الرجال حبالاً ، وانا قاطعوها ـ يعني اليهود ـ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ، ثم أظهرك الله أن ترجع الى قومك وتدعنا. ؟

فتبسم رسول الله (ص) ثم قال : بل الدَمُ الدم ، والهدمُ الهدم (2) أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم (3).

ثم أمرهم رسول الله أن يختاروا منهم أثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم يتحملون المسؤولية تجاه رسول الله فاخرجوا منهم اثني عشر نقيباً (4) تسعة من

____________

(1) الإزار : كناية عن المرأة ، وكناية عن النفس أيضاً.

(2) قال ابن قتيبة : كانت العرب تقول عند عقد الحلف والجوار : دمي دمُك ، وهدمي هدمك ، أي ما هدمت من الدماء هدمته انا ، وما يجري عليك يجري علينا ؛ وقد يقصد بالهدم ، الجلاء والإرتحال.

(3) راجع السيرة لإبن هشام 2 / 64 وما قبلها.

(4) واسماءهم كالتالي : سعد بن زرارة ، وسعد بن الربيع ، وعبد الله بن رواحة ، ورافع بن

34

الخزرج ، وثلاثة من الأوس.

ولما اجتمعوا للبيعة ـ بعد اختيار النقباء ـ قال لهم العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري :

يا معشر الخزرج ، هل تدرون على مَ تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم. قال : إنكم تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس ، فإن كنتم ترون أنكم إذا انهكت أموالكم مصيبة ، وأشرافكم قتلاً ، أسلمتموه ، فمن الآن ، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال (1) وقتل الأشراف ، فخذوه ، فهو والله خير الدنيا والآخرة.

قالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال ، وقتل الأشراف ، فما لنا بذلك ـ يا رسول الله ـ إن نحن وفينا ؟ قال : الجنة.

قالوا : ابسط يدك ؛ فبسط يده ، فبايعوه على ذلك.

وكان أول من ضرب يده على يد رسول الله سعد بن زرارة ، وقيل : الهيثم بن التيهان ، وتتابع القوم يتسابقون على بيعته.

وتطاير الخبر الى مشركي مكة بما جرى للنبي مع الأوس والخزرج ،

____________

مالك ، والبراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حزام ، وعبادة بن الصامت ، وسعد بن عبادة ، وكلهم من الخزرج. ومن الأوس : أسيد بن حضير وسعد بن خيثمة ، ورفاعة بن عبد المنذر. سيرة بن هشام / 65.

(1) نهكة الأموال : نقصها.

(2) راجع سيرة المصطفى / 234 وفي سيرة ابن هشام : عن كعب بن مالك قال : فلما بايعنا رسول الله (ص) صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط : يا أهل الجباجب ـ المنازل ـ هل لكم في مذَمّم والصبأة معه ، قد اجتمعوا على حربكم ! قال ، فقال رسول الله (ص) : هذا أزَبُّ العقبة ! أتسمع ـ أي عدو الله ـ أما والله لأفرغن لك. السيرة 2 ـ 67. وأزب العقبة : إسم شيطان ، والمنازل : منازل منى.

35

فاجتمع وجوه القرشيين ، واقبلوا إلى الأنصار حيث ينزلون ، فقالوا : يا معشر الخزرج ، لقد بلغنا أنكم جئتم الى صاحبنا محمد لتخرجوه من بين أظهرنا ، وتبايعوه على حربنا ، وانه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينكم !

فاسرع جماعة من مشركي الأوس والخزرج ممن لم يكونوا قد علموا بشيء مما جرى وحلفوا لهم بالله إنه لم يكن مما يقولون شيء ، فصدقوا وانصرفوا.

ولما انتهى موسم الحج ، ورجع الأنصار ، ايقنت قريش بالأمر ، فخرج جماعة في طلبهم فادركوا سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو ـ وهما من النقباء الإثني عشر ـ واستطاع المنذر أن يفلت من أيديهم ، وأمسكوا بسعد وربطوا يديه إلى عنقه وادخلوه مكة مكتوفاً وهم ينهالون عليه بالضرب ، ويقذعون له بالشتم حتى خلصه جبير بن مطعم ، والحارث بن حرب بن أمية.

36

الإِعداد للهجرة

ولم تكن قريش تتوقع هذا التطور المفاجئ في حركة محمد (ص) فقد كانت حركته بادئ الأمر منحصرةً داخل مكة فكان هو وأصحابه تحت قبضة قريش وسلطانها ! أما بعد مبايعة أهل يثرب له على حرب الأحمر والأسود ، فإن هذا يعني فتح جبهةٍ عسكرية واسعة ضد قريش يمكن أن تلهب معها الحرب في أي لحظة ! كما يعني إنتشار الإِسلام في ارجاء الجزيرة ، وسقوط هيبة قريشٍ من أعين العرب ! وعندها تخسر كل شيء.

لذلك ، بدأ القرشيون يفكرون في فرض مخطط جديد يحول دون ذلك ، ولكن بعد فوات الآوان.

أما رسول الله ، فهو بدوره أيضاً فكر أن يهاجر ، ولكن ما كان ليقطع أمراً دون أمر الله ووحيه ، حتى إذا نزلت الآيات المباركات التي تأذن له بالقتال :

( أُذِنَ للذين يُقَاتَلون بأنهم ظُلِموا وأنَّ الله على نصْرِهم لقَديرٌ * الذين أُخرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَغير حقٍّ إلاّ أنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله ولولا دَفَعُ الله الناسَ بَعضَهُم بِبَعض لَهُدِّمَت صَوامِعُ وبيَعٌ وصَلَوَاتٌ ومَسَاجِدُ يُذكر فيها إسمُ الله كثيراً وليَنصُرَنَّ الله من يَنصُرُهُ إنّ الله لقويٌ عزيزُ * الذينَ إن مَكنَّاهُم في الأرض أقاموا الصلاةَ وآتَوُا الزَكَاةَ وأمرُوا بالمعْرُوفِ ونَهَوا عن المنكَرِ ولله عاقبةُ الأمور ) (1)

____________

(1) الحج ـ آية 39 ـ 40 ـ 41.

37

عند ذلك أمر رسول الله أصحابه أن يلحقوا بالأنصار في يثرب على أن يتركوا مكة متفرقين يتسللون ليلاً ونهارا حتى لا يثيروا قريشاً فتقف في طريقهم ، وهكذا انطلقوا من مكة يتسللون في جوف الليل ـ كما أمرهم الرسول ـ أفراداً وجماعات ، وأحست قريش بذلك ، فردت من استطاعت ارجاعه ، وفرقت بين الزوج وزوجته وأخذت تنكل بكل من وقع تحت قبضتها دون القتل لأن المهاجرين اكثرهم من القبائل المكية ، والقتل قد يثير حرباً اهلية تكون لصالح محمد في النهاية.

وأخذ المسلمون يتوافدون إلى المدينة أفواجاً في ظل ضيافة الأنصار وترحابهم ، ولم يبق في مكة إلا نفر يسير من المستضعفين ومعهم النبي (ص) وعلي ابن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة.

عند ذلك أحست قريش بالخطر الداهم فكان عليها أن تتخذ قراراً حاسماً في حق محمد (ص). فاجتمعوا في دار الندوة ، وتشاوروا فيما بينهم في خطةٍ تقضي على حياة محمد !

قال بعضهم قيدوه بالحديد ، وضعوه في بيت وأغلقوه حتى يأتيه الموت !

ورأى آخر أن يطرد من مكة ، وتنفض قريش يدها منه. فلم يتفق الحاضرون على هذين الرأيين.

وارتأى أبو جهل بن هشام أن تختار كل قبيلة فتىً من فتيانها الأشداء ، ويأخذ كل واحد سيفاً قاطعاً ، ويعمدون إليه بأجمعهم ، فيضربونه ضربةً واحدة ، فإذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها فلا يستطيع بنو هاشم الطلب بدمه ، فيختارون ديته على القتال.

فاستحسن الجميع هذا الرأي ، واستعدوا لتنفيذه ، فاختاروا الفتية ، وعينوا الليلة ، وإلى ذلك تشير الآية الكريمة : ( وإذ يمكرُ بكَ الذين كفروا ليُثبِتُوكَ أو يَقتُلوكَ أو يُخرِجُوكَ ، ويمكُرونَ ويمكرُ الله والله خَيرُ الماكِرِين ).

38

مبيت علي (عليه السلام) في فراش الرسول (ص)

أعظم مفتدٍ لأعظم مفتدىً ، لم يحدثنا التاريخ بأروع من قصة الفداء هذه ، فالملأ من قريش مجمعون على قتل محمد في فراشه ، وعلم محمد (ص) بذلك وأخبر علياً ، فبكى خوفاً على الرسول ، لكن الرسول حين أمره أن يبيت على فراشه ، قال له علي : اوتسلم يا رسول إن فديتك بنفسي ؟! فقال (ص) : نعم ، بذلك وعدني ربي. فاستبشر عليٌّ وانفرجت أسارير وجهه ابتهاجاً بسلامة النبي ، وتقدم إلى فراشه مطمئن النفس ثابت الجنان نام فيه متشحاً ببرده اليماني.

فلما كان الثلث الأخير من الليل خرج النبي من الدار وهو يقرأ : .. ( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فاغشيناهم فهم لا يبصرون .. ) ومر على الملأ من قريش وأخذ حفنة من التراب وجعل ينثرها على رؤوسهم وهم لا يشعرون ، ولما حان الوقت المحدد لهجومهم على الدار إقتحموا ، ! ، فثار علي (عليه السلام) في وجوههم ، فانهزموا منه ، ثم سألوه عن النبي فقال : لا أدري أين ذهب (1).

____________

(1) وفي تاريخ اليعقوبي : أن الله تعالى أوحى في تلك الليلة الى ملكين من ملائكته المقربين ـ وهما جبريل وميكائيل ـ أني قضيت على أحدكما بالموت ؛ فايكما يفدي صاحبه ؟ فاختار كل منهما الحياة. فاوحى إليهما : هلا كنتما كعلي بن أبي طالب ، لقد آخيت بينه وبين محمد ، وجعلت عمر أحدهما أطول من الآخر ، فاختار علي الموت وآثر محمداً بالحياة ونام في مضجعه ، إهبطا فاحفظاه من عدوه ، فهبطا يحرسانه في تلك الليلة وهو لا يعلم ، وجبريل

39

الهجرة

وأوصى رسول الله (ص) علياً بحفظ ذمته وأداء أماناته ، وأمره أن يقيم منادياً بالأبطح غدوةً وعشية ينادي : آلا من كانت له قِبلَ محمدٍ أمانة فيأت لتؤدى إليه أمانته ، وأوصاه بالصبر ، وأن يقدم عليه مع ابنته فاطمة وغيرها من النسوة إذا فرغ من آداء المهمّات التي كلفه بها.

وأمر أبا بكر ، وهند بن أبي هالة * أن يقعدا له في مكان حدده لهما في طريقه إلى الغار ، فلما خرج (ص) في ظلمة الليل ، إنطلق جنوباً ميمماً غار ثور ، فوجدهما في الطريق ، ورجع هند متخفياً إلى مكة ، ودخل هو (ص) وابو بكر الغار ، فأرسل الله في تلك الساعة عنكبوتاً نسجت على بابه ، وشاءت قدرته أن تلتجئ إلى باب الغار حمامتان بريتان.

ومضت قريش جادة في طلبه ومعها أهل الخبرة بالقيافة وتتّبع الأثر ، إلى أن بلغوا الغار ، وانقطع الأثر عنهم ، فنظروا ، فرأوا العنكبوت قد غطت بابه بنسيجها ، واذا بالحمامتين على جانب من جوانب بابه مما لا يترك أقل شك في

____________

يقول : بخ لك يا بن أبي طالب من مثلك يباهي به الله ملائكة سبع سموات. راجع سيرة المصطفى / 251 نقلاً عن اليعقوبي 2 / 29 واسد الغابة 4 / 25 والشبلنجي في نور الابصار / 77 والمناوي في كنوز الحقائق / 31 والغزالي في احياء العلوم.

* هند بن أبي هالة التميمي : ربيب النبي (ص) ، أمه خديجة زوج النبي ، وكان فصيحاً بليغاً ، وصف النبي (ص) فأحسن واتقن. وقد استشهد مع علي (عليه السلام) في حرب الجمل ـ راجع الإصابة 3 / 611 ـ 612

40

انهما ليسا فيه ، فقال بعضهم لبعض : إن عليه العنكبوت قبل ميلاد محمد ! (1).

وبقي الرسول (ص) وصاحبه في الغار ثلاثة أيام ـ على رواية ـ ثم ارتحلا ومعهما غلام لأبي بكر يدعى عامر بن فهيرة ، أردفه ابو بكر خلفه ، وأخذ بهم الدليل على طريق الساحل.

ولم تتوانى قريش في طلب النبي (ص) وجعلت لمن قتله أو أسره مائة ناقة.

ومروا في طريقهم على خيمة أم معبد الخزاعية ، وكانت تقري الضيف ، فسألوها تمراً أو لحماً يشترونه منها ، فلم يجدوا عندها شيئاً ، فقالت : والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم ، ! فنظر رسول الله (ص) وسلم إلى شاة في جانب الخيمة وقال : ما هذه الشاة يا أم معبد ؟

قالت : هي شاة خلّفها الجَهدُ عن الغنم ! فقال لها النبي (ص) : هل بها من لبن ؟

قالت : هي أجهد من ذلك ؟ فقال : أتأذنين لي أن أحلبها ؟ فقالت : نعم ، فداك أبي وأمي إن رأيت بها حلباً.

فدعا رسول الله (ص) بالشاة ، فمسح ضرعها وذكر اسم الله ، ثم قال : بارك الله في شأنها. فدّرت من ساعتها ، فدعا بإناءٍ كبير فحلب فيه فسقاها وسقى أصحابه حتى رويت ورووا ، وشرب هو آخرهم ، ثم قال :

وساقي القوم آخرهم شرابا

ثم حلب في الإِناء حتى إمتلاء وتركه لها وارتحل. وما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزاً حيّلاً عجافاً هُزلاً ، فلما رأى اللبن تعجب وقال : من أين لكم هذا والشاة عازبة ؟ ولا حلوبة في البيت ؟!

____________

(1) مقتضب من سيرة المصطفى 250 وما بعدها.

41

قالت : لا والله ، إلا أنه مرَّ بنا رجل مبارك ، وقصت عليه قصته.

فقال : والله أني لأظنه صاحب قريش الذي تطلب ؟ صفيه لي !

قالت : رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة ، مُنبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تُعيهِ ثَلجة (1) ، ولم تُزرِ به صلعَة (2) ، وسيمٌ ، قسيمٌ (3) ، في عينيه دعج (4) ، وفي اشفاره وَطَف (5) ، وفي صوته صَحَل (6) ، أحور ، أكحل ، ازَج ، أقرن (7) ، شديد سواد الشعر ، في لحيته كثافة ، إذا صمت فعليه الوقار ، وإذا تكلم سما ، وعلاه البهاء ، حلو المنطق ، لا نزر ولا هذر ، ومضت تعدد صفاته. فلما انتهت من وصفه قال لها أبو معبد : والله هذا صاحب قريش ، ولو وافقته ـ يا أم معبد ـ لإلتمست ان أصحبه ، ولأفعلن إذا وجدت إلى ذلك سبيلا ، وأخيراً هاجر أبو معبد وزوجته إلى يثرب وأسلما.

وبينما النبي في طريقه إلى يثرب إذ عرض له سراقة بن مالك بن خثعم ـ يريد به شراً ـ فدعا عليه رسول الله (ص) فرسخت قوائم فرسه في الأرض ! فقال : يا محمد ، ادع الله ان يطلق فرسي وأرجع عنك وأرد من ورائي ، فدعا له النبي ، فانطلقت الفرس ، فرجع سراقة ووجد الناس يلتمسون رسول الله ، فقال لهم : إرجعوا ، فقد استبرأت لكم خبره فلم أجد له أثراً ، فرجعوا.

____________

(1) أي لم يكن شديد البياض.

(2) كناية عن جمال شعر رأسه.

(3) قسيم وسيم : أي جميل كله.

(4) الدعج : سواد العين مع سعتها.

(5) الوطف كثرة شعر الحاجبين والعينين.

(6) الصحل : بحة في الصوت.

(7) هذه الصفات الأربع لجمال العينين. فالحور : هو اشتداد بياض العين وسوادها واستدارة حدقتها ( كعيون الظبي ) وازج : رفيع الحاجبين.

42

وتابع ركب النبي (ص) طريقهم يقطعون السهول والجبال والأودية ، ويتحملون حرّ الهاجرة وجهد السير سبعة أيام حتى أمنوامن طلب قريش.

وخرج ابو ذر في قبيلتي غفار وأسلم ، للقاء النبي (ص) فلما دنا منه الركب ، أسرع إلى ناقة النبي وأخذ بزمامها وهو يكاد يطير فرحاً بلقائه ، فأخبره أن غفاراً قد أسلم أكثرها ، واجتمع عليه بنو غفار فقالوا له : يا رسول الله ، إن أبا ذر قد علمنا ما علمته ، فأسلمنا وشهدنا أنك رسول الله.

واسرع المتخلفون منهم الى الإسلام ، وبايعوا النبي وأعلنوا إسلامهم.

ثم تقدمت أسلم ، فقالوا : إنا قد أسلمنا ودخلنا فيما دخل فيه إخواننا وحلفاؤنا ، فأشرق وجه النبي سروراً بنصر الله ، ثم قال : غفار ، غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله.

وإستأنف طريقه ، فلما قارب المدينة قال : من يدلنا على الطريق إلى بني عمرو بن عوف.

فمشى أمامه جماعة ، فلما بلغ منازلهم ، نزل فيهم بقبا * في ربيع الأول ، وأراد أبو بكر منه أن يدخل المدينة ، فقال (ص) : ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن عمي وابنتي ـ يعني علياً وفاطمة ـ.

واستقبل رسول الله بالتكبير والتهليل ، وكان في استقباله من بني عوف نحو من خمسمائة.

ثم كتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبا إلى علي (ع) ، فلما ورد كتابه الى علي ابتاع ركائب لمن معه من النسوة وتهيأ للخروج ، وأمر من كان قد بقي في مكة

____________

* قُبا : أصله اسم بئر ، عُرفت القرية باسمه ، وكانت مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار. فيها أيام الرسول (ص). وبنى رسول الله مسجده المعروف هناك فسمي ( قبا ) وهو اليوم في أجمل منطقة من المدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام ، وفي أجمل موقع.

43

من ضعفاء المؤمنين أن يتسللوا ليلاً الى ذي طوي ، وخرج (عليه السلام) بالفواطم (1) وتبعتهم أم أيمن مولاة رسول الله ، وأبو واقد الليثي ، فجعل ابو واقد يسوق الرواحل سوقا حثيثاً ، فقال له علي : ارفق بالنسوة يا أبا واقد ، ثم جعل علي يسوق بهن ويقول :

ليس إلا الله فارفع ظنكا * * * يكفيك رب الناس ما أهمكا

فلما قارب ضجنان (2) أدركه الطلب ، وكانوا ثمانية فرسان ملثمين معهم مولىً لحرب بن أمية ، إسمه : جناح ، فقال علي (عليه السلام) لأيمن وابي واقد : انتحيا الإِبل واعقلاها ، وتقدم وأنزل النسوة ، واستقبل القوم بسيفه ، فقالوا : أظننت يا غدار إنك ناج بالنسوة ؟ إرجع ، لا أبا لك.

فقال (عليه السلام) : فإن لم أفعل ؟! قالوا : لترجعن راغماً ! ودنوا من المطايا ليثورها ، فحال علي بينهم وبينها ، فأهوى له جناح ، فراغ عليٌّ عن ضربته وضرب جناحاً على عاتقه فقدَّه نصفين حتى دخل السيف إلى كتف فرسه. وشد على أصحابه ، فتفرق القوم عنه وقالوا : إحبس نفسك عنّا يا بن أبي طالب !

فقال لهم : إني منطلق إلى أخي وابن عمي رسول الله ، فمن سرّهُ أن أفري لحمه ، واريق دمه ، فليدن مني !!

ثم أقبل (عليه السلام) على أيمن وأبي واقد ، وقال لهما : أطلقا مطاياكما.

وسار بها ظافراً قاهراً حتى نزل ضجنان ، فلبث بها يومه وليلته تلك هو والفواطم يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ، حتى طلع الفجر ، فلما

____________

(1) الفواطم : هن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفاطمة بنت أسد ام الإمام علي ، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب ، وفاطمة بنت حمزة راجع سيرة المصطفى / 259.

(2) ضجنان : إسم جبل على اربعة فراسخ من مكة.

44

صلوا صلاة الفجر سار بهم حتى قدموا المدينة ، وكان قد تفطرت قدماه ، فلما رآه النبي (ص) اعتنقه وبكى رحمةً لما به ، ثم تفل في يديه وأمرهَّما على قدمي علي ودعا له بالعافية ، فلم يعد يشتكي منهما (1).

____________

(1) راجع سيرة المصطفى 258 وما بعدها

45

النبي الأعظم في المدينة

وخرج (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبا يوم الجمعة ، فادركته الصلاة في بني سالم بن عوف ، فصلاها عندهم ومعه مائة من المسلمين ، وبعد الصلاة دعا براحلته فركبها ، والتف حوله المسلمون وهم مدججون بالسلاح ، وكان لا يمر بحي من أحياء الانصار إلا تعلقوا به ، يقولون له : انزل على الرحب والسعة يا نبي الله ، إلى القوة والمنعة والثروة ، فيدعو لهم بالخير ويقول : دعوا الراحلة فإنها مأمورة ، وما زالت تسير به ، وكلما مرَّ بحيٍّ أخذوا بزمامها وألحوا على النزول بينهم وهو يرفض ذلك إلى أن انتهت إلى حيث مسجده الآن فبركت عنده.

فجاء أبو أيوب الأنصاري ، فحط رحله وأدخله منزله ، فقال رسول الله المرء مع رحله ، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام ناقة رسول الله وأدخلها داره.

قال زيد بن ثابت : وأول هديةٍ دخلت رسول الله في منزل ابي أيوب ، قصعة مثرودة فيها خبز وسمن ولبن ، فقلت : أرسلت بهذه القصعة أمي ، يا رسول الله ، فقال (ص) : بارك الله فيك وفي أمك ، ودعا أصحابه فأكلوا.

ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة. وما كان من ليلةٍ من الليالي إلا وعلى باب رسول الله (ص) الثلاثة والأربعة يحملون الطعام ، يتناوبون ذلك ، حتى فرغ رسول الله من بناء مسجده ومنازله ، وتحول عن منزل أبي أيوب ، وكان

46

مقامه فيه سبعة أشهر.

واهتم رسول الله (ص) بتوكيد الروابط بين المهاجرين والانصار ، وتأصيلها في نفوسهم على أساس التقوى والإيمان ، فآخى بين المهاجرين والأنصار ، وأطفأ بهديه وبراعته نار الحقد بين الأوس والخزرج ، ولم يكتف (ص) بذلك ، بل حاول جاهداً تحقيق الوحدة بين جميع سكان يثرب من المسلمين والمشركين وأهل الكتاب من اليهود ، مخافة أن تثور بهم البغضاء والعصبيات وتعصف بهم الأحقاد فيصبح حينئذٍ بين خطرين ، خطر من داخل المدينة ، وخطر قريش ، وعندها يصاب هذا الدين الجديد بالنكسة ، لذلك كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أحكم الأمر فعقد معاهدةً بين المسلمين والفئات الأخرى من أهل المدينة ليحفظ وحدتها ويصون اهلها ويغلق الباب على المفسدين ، ولولا هذا التدبير الرائع ، لواجه (صلوات الله عليه) صعوبات ومشاق لا تقل في حجمها عن تلك التي واجهها من قريش في مكة.

والكلمة الأخيرة : فإن موقف الأنصار من الرسول والمهاجرين معه كان أشرف موقف يسجله تأريخ أمة ، نصروهم بعد أن خذلهم قومهم ، وقاسموهم آموالهم ، وآثروهم على انفسهم ووفروا لهم وسائل العمل حتى أصبح الكثير منهم في مصاف الأثرياء من أهل المدينة ، وقد أجمل الإِمام علي (عليه السلام) موقف الأنصار من المهاجرين بقوله مخاطباً مسلمي قريش :

« إن حب الأنصار إيمان ، وبغضهم نفاق ، وقد قضوا ما عليهم ، وبقي ما عليكم ، واذكروا أن الله رغب لنبيكم عن مكة فنقله الى المدينة ، وكره له قريشاً فنقله إلى الأنصار ، ثم قدمنا عليهم دارهم ، فقاسمونا الأموال ، وكفونا العمل ، فصرنا منهم بين بذل الغني وايثار الفقير ، ثم حاربنا الناس فوقوْنا بأنفسهم ، وقد أنزل الله تعالى فيهم آيةً من القرآن جمع لهم فيها بين خمس نِعَم فقال : ( والذين تبوّؤا الدار والإيمان من قبلهم يُحبّون من هاجر

47

إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةًٍ مَّما أوتوا ويؤثرون على أنفُسِهمَ ولو كان بهم خَصَاصَة ومن يُوقَ شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ) (1).

____________

(1) شرح النهج 6 / 33 ـ 34.

48

بين الرسول الأعظم والمقداد

في خلال السنة الأولى للهجرة كان المقداد لا يزال ـ هو وبعض المستضعفين ـ في مكة ، وليس من السهل أن يغادرها إلى المدينة سيما وانه حليف للأسود بن عبد يغوث ـ كما قدمنا ـ فإنه لو فعل لكان مصيره إلى القتل بلا أدنى شك ، لذلك كان يترقب فرصةً سانحةً يمكنه معها الفرار إلى يثرب واللقاء بالرسول والإلتحاق بركبه ، حتى كانت سرية حمزة بن عبد المطلب وكان معها الخلاص ، فقد خرج مع المشركين يوهمهم أنه يريد القتال معهم ، وهكذا إنحاز إلى سرية حمزة ورجع معه الى المدينة.

وكان نزوله في المدينة على رسول الله (ص) في ضيافته ، ولم يكن وحده بل كانوا جماعة ، ومن الواضح أن وضع المسلمين الإقتصادي ـ في تلك الفترة ـ كان متردّياً إلى درجةٍ بعيدة ، بل يظهر أنهم كانوا يعانون الفقر المدقع ـ لولا مساعدة الأنصار لهم ـ فقد تركوا كل ما لديهم من مال في مكة وخرجوا منها صفر اليدين ، لا يملكون إلا أبدانهم وثيابهم ، ورواحلهم ، وليس من الوارد أن يكونوا في خلال ستة أشهر ، أو تسعة ، في وضع إقتصادي مريح على الأقل ، سيما وأن النفقة ـ الصادر ـ اكثر من الوارد ، فبناء المسجد ، وبناء الدور ـ وان كانت من جريد النخل مغروساً بالطين ـ تتطلب بذل مالٍ كثير نسبةً لذلك الوقت وتلك الظروف.

وقوافل المسلمين الجدد الذين كانوا يأتون المدينة لم تقف عند حد الهجرة ، هجرة النبي ، بل توالت ، فكان على الرسول (ص) والمسلمين أن يستقبلوا

49

ضيوفهم ، وأن يهيئوا لهم ما يحتاجون من متطلبات الحياة الضرورية على الأقل.

فكان إذا هاجر بعض المسلمين ، وزّعهم رسول الله ، اثنان اثنان ، أو ثلاثة ثلاثة .. أو .. حسب العدد على إخوانهم المهاجرين الذين استقرت بهم الدار في المدينة وأصبحوا قادرين على النهوض بأنفسهم وعوائلهم.

والذي يظهر ، أن المقداد كان من جملة أولئك الوافدين المهاجرين الجدد ، وكان في عدد لا يستهان به ، كما يلحظ ذلك في مطاوي كلامه ، فقد ذكر أحمد بن حنبل بسنده عن المقداد ، قال :

لما نزلنا المدينة ، عشرنا رسول الله (ص) عشرةً عشرةً في كل بيت ! قال : فكنت في العشرة الذين كانوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1).

إلا أن هذه الإقامة في بيت الرسول لا تكون طويلةً بحسب العادة ، إذ يتخللها بعوثٌ وسرايا وغزوات ، قد يطول أمدها ، وعند العودة يتبدّل المكان ، سيّما إذا اخذنا بعين الإعتبار ما لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من هيبةٍ في نفوس المسلمين تزرع في نفوسهم الخجل من أن يكلموه في النزول عليه وفي ضيافته.

يستفاد ذلك من حديث آخر مروي عن المقداد ، حيث قال : أقبلتُ أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعُنا وأبصارُنا من الجهد (*) فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فليس أحد منهم يقبلنا. » لا لبخل فيهم ، بل لأنهم كانوا مقلّين ليس عندهم شيء ! « فأتينا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنز ! ».

فقال النبي (ص) : إحتلبوا هذا اللبن بيننا.

____________

(1) الإستيعاب ( على هامش الإصابة ) 3 / 476.

* الجهد : الجوع والتعب والمشقة.

50

قال: فكنا نحتلب ، فيشرب كل انسان منا نصيبه ، ونرفع للنبي (ص) نصيبه. فيجيء (ص) ليلاً فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ، ويسمع اليقظان ، ثم يأتي المسجد فيصلي ، ثم يأتي شرابه فيشرب (1).

وفي هذه الأثناء تحصل مواقف نادرة بينه (ص) من جهة وبين اصحابه من جهةٍ أخرى ، وهي بالإضافة إلى ما تنطوي عليه من اقتباس الحكمة منه (صلوات الله عليه) والتوجيه الرفيع ، فإنها لا تخلو من ظرف وخفة روح من جانب بعض أصحابه أحياناً ونجده في هذه الحالات يعاملهم معاملة الأب لأبنائه دون قسوةٍ أاو غلظة وربما أنبههم إلى الخطأ أو الغلط بأسلوب هادئ مقنع لا يملك معه مستمعوه إلا الإذعان والإنقياد ولوم النفس على التفريط إن كان هناك تفريط أو تسامح ، كما حصل للمقداد حين كان في ضيافته (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما جاء في تتمة الرواية.

قال : فأتاني الشيطان ذات ليلةٍ ، وقد شربتُ نصيبي ـ من اللبن ـ فقال : محمدٌ يأتي الأنصار فيتحفونه ، ويصيب عندهم ، ما به حاجة إلى هذه الجرعة.

فأتيتها فشربتها ، فلما أن وغلت (2) في بطني ، وعلمتُ أنه ليس إليها سبيل ، ندَّمني الشيطان ، فقال : ويحك ؟ ما صنعتَ ؟ أشربتَ شرابَ محمد فيجيء فلا يجده ، فيدعو عليك فتهلك ، فتذهب دنياك وآخرتك. !

وعليّ شملة ، إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي ، وأذا وضعتها على رأسي خرج قدماي. وجعل لا يجيئني النوم ، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت.

قال : فجاء النبي (ص) فسلّم كما كان يُسلّم ، ثم أتى المسجد ، فصلى

____________

(1) للرواية تتمة تأتي.

(2) وغلت : أي استقرت وتمكنت في بطنه.

51

ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيءً ، فرفع رأسه الى السماء.

فقلت : الآن يدعو عليّ فأهلك ، فقال : « اللهم أطعم من أطعمني ، واسقِ من سقاني. » قال : فعمدت الى الشملة فشددتها عليّ ، وأخذت الشفرة ، فانطلقت الى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله (ص) ، فإذا هي حافلة (1) واذا هن حفل كلهن ، فعمدت الى إناءٍ لآل محمد (ص) ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال : فحلبت فيه حتى علته رغوة ، فجئت إلى رسول الله (ص) فقال :

أشربتم شرابكم الليلة ؟

قال : قلت : يا رسول الله ؟ اشرب.

فشرب ، ثم ناولني ، فقلت : يا رسول الله ، إشرب. فشرب ، ثم ناولني.

فلما عرفت أن النبي قد روي ، وأصبتُ دعوته ، ضحكتُ حتى القيت إلى الأرض.

قال : فقال النبي (ص) : إحد سوآتك (2) يا مقداد.

فقلت : يا رسول الله ، كان من أمري كذا وكذا ، وفعلت كذا.

فقال (ص) : ما هذه إلا رحمةٌ من الله (3) آفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها.

قال : فقلت : والذي بعثك بالحق ؛ ما أبالي إذا أصبتَها وأصبتُها معك

____________

(1) حافلة : أي أن ضرعها ملآن باللبن.

(2) احدى سوآتك : أي انك فعلت سوآة من الفعلات ، فما هي ؟

(3) اي أن أحداث هذا اللبن في غير وقته وخلاف عادته ، رحمة من الله.

52

من أصابها من الناس (1).

هذا موقف لأبي معبد ينطوي على شيء من الظرف وخفة الروح ، بالإضافة إلى إستشعاره الخطيئة حين عمد إلى شراب محمد (ص) فشربه ، ولاحظنا أن موقف النبي منه كان موقف الشفيق العطوف الرحيم الذي ينظر إلى أصحابه بميزان خاص يتلائم مع عقولهم ونفوسهم ، وربما تلاحظ معي أن الرسول الكريم ـ كما يظهر من الحديث ـ تمنى لو أن المقداد أيقض صاحبيه ليصيبا معهما الشراب ، شراب ذلك اللبن المبارك.

وموقف آخر لأبي معبد مع الرسول ، تتجلى فيه عظمة الإسلام ، ونبي الإسلام ، كان من جملة المواقف التي خلدت على الزمان بما تحمل من نبل كلمة وسمو خلق ، ورفيع مستوى في التوجيه والتهذيب ، بل وغرس الروح الإنضباطية لدى المسلم.

فقد سأله ذات مرة : يا رسول الله ، أرأيتَ إن لقيتُ رجلاً من الكفار ، فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ، فقطعها ثم لاذ مني بشجرة ، فقال : أسلمت لله ؛ أفأقتله ـ يا رسول الله ـ بعد أن قالها ؟!

قال رسول الله (ص) : لا تقتله.

قال : فقلت : يا رسول الله ، انه قطع يدي ! ثم قال ذلك بعد أن قطعها ، أفأقتله ؟

قال رسول الله (ص) : لا تقتله. فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ! وانك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال. ! (2)

ويلاحظ هنا مدى ارتقاء الإسلام بالنفس البشرية إلى آعالي قمم الكرامة

____________

(1) صحيح مسلم ج 3 ك 36 ص 1625 ـ 1626 ح 174.

(2) صحيح مسلم ج 1 ك 1 ص 96 ح 155 ـ 156 ـ 157.

53

والإنسانية ، كلمة واحدة فقط من لسانٍ صادق كفيلة بإنقاذ حياة صاحبها من موتٍ محتم.

أي عمق هذا في تعزيز الروح الإنسانية ، وأي صيانةٍ لها ؟؟ هكذا الإسلام دائماً يهتم بصيانة النوع وحمايته ، فكلمة صادقة ، كفيلة في أن تقلب الموازين وكلمة صادقة ، هي مرآة للنفس تعكس آلامها وآمالها ، وليس للحقد في دنيا الإسلام مكان.

انه موقفٌ شواهد الحكمة فيه ، ومعه.

54

من مواقفه البطولية

* في سرية « نخلة ». ينقذ أسيراً فيسلم.

* في غزوة بدر الكبرى

* غزوة احد

* غزوة الغابة

* عزوة خيبر

55

-

56

في سرية « نخلة » *

ينقذ أسيراً ، فيسلم !

بعد سبعة عشر شهراً من الهجرة ، أراد النبي (ص) أن يتتبع أخبار قريش ، ويتحسس تنقلاتها ، ويرصد تحركاتها في المنطقة ، فدعا عبدالله بن جحش ، وأمره أن يوافيه مع الصباح بكامل سلاحه.

قال : فوافيت الصبح وعلي سيفي ، وقوسي ، وجعبتي ، ومعي درقتي ، فصلى النبي (ص) الصبح بالناس ، ثم انصرف فوجدني قد سبقته واقفاً عند باب داره ومعي نفر من قريش.

فدعا رسول الله (ص) أبي بن كعب ، فدخل عليه ، فأمره أن يكتب كتاباً.

ثم دعاني (ص) فأعطاني صحيفةً من أديم خولاني فقال : قد استعملتك على هؤلاء النفر ، فامضي حتى إذا سرت ليلتين ، فانشر كتابي ، ثم امضي لما فيه.

قلت : يا رسول الله ، أي ناحية أسير ؟ فقال : اسلك النجدّية ، تؤم رُكيّة ( بئر ).

فانطلق عبدالله ، حتى إذا صار ببئر ضمرة نشر الكتاب فإذا فيه : « سر حتى تأتي بطن نخلة على إسم الله وبركاته ، ولا تكرهنَّ أحداً من

____________

* : سميت باسم المكان ، وهو بطن نخلة : « قرية قريبة من المدينة ». هكذا قال ياقوت.