ديوان الإمام علي

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
159 /
3

تصدير

ـ 1 ـ

نحن مع الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، ابن عم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وزوج ابنته فاطمة الزهراء ، وحفيد عبد المطلب ابن هاشم سيد قريش وزعيمها وعلمها المشهور.

والده أبو طالب ، كانت شريفا عظيما ، اشتغل بالتجارة في الجاهلية ، ولما مات أبوه ورث عنه السقاية والرفادة ، وهو الذي كفل ابن أخيه محمداً (صلوات الله عليه) ، وشمله بالرعاية والعون والتأييد ، ولما تعاهدت قريش على : مقاطعة بني هاشم وبني المطلب قال :

ألا أبلغا عني ـ على ذات بينها ـ * * * لؤيا وخصا من لؤي بني كعب

ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً * * * نبياً كموسى خط في أول الكتب

أفيقوا أفيقوا قبل ان تحفر الزبى * * * ويصبح من لم يجن ذنباً كذي الذنب

ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا * * * أواصرنا بعد المودة والقرب

وتستجلبوا حربا عوانا وربما * * * أمر على من ذاقه حلب الحرب

فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا * * * لعزاء من عض الزمان ولا كرب

وظل كذلك إلى أن توفاه الله.

اما والدته فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد المناف ، وهي أول هاشمية ولدت هاشميا. أسلمت وهاجرت إلى المدينة وماتت في حياة الرسول.

4

وعلي هو خليفة المسلمين بعد عثمان ؛ وابن عم الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) ، وزوج ابنته ، ووالد الحسن والحسين (رضوان الله عليهما) ، ورابع الخلفاء الراشدين ، وإمام الخطباء من المسلمين بعد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم).

وقد والد ; بمكة بعد مولد النبي (صلّى الله عليه وسلّم) باثنتين وثلاثين سنة ( وقبل البعثة بثمان سنين ).

ونشأ بها النشأة العالية ، في كفالة الرسول كأحد أولاده ، ذلك أنه (صلّى الله عليه وسلّم) كان متزوجا خديجة ، وكانت ذات مال كثير ، وكان الرسول يتجر فيه فحصل له ربح وفير ، فلما أصيبت قريش بالقحط والمجاعة ، قال الرسول لعمه العباس : « إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، والناس فيما ترى من الشدة ، فانطلق بنا فلنخفف من عياله : تأخذ أنت واحدا وأنا واحدا » وكان لأبي طالب من الذكور أربعة أولاد ، كل واحد بينه وبين الذي يليه عشر سنين ، وكان أسنهم طالبا ، فعقيلا ، فجعفراً ، فعليا ؛ فلما جاء الاسلام أسلم علي فجعفر فعقيل ، أما طالب فمات على الكفر كأبيه ، وكان إسلام علي وهو صغير في السنة الثامنة أو العاشرة من عمره قبل أن يتدنس بشيء من رجس الجاهلية ولذلك قيل فيه : « (كرم الله وجهه) » لأنه لم يسجد لصنم قط.

ولما علم أبوه بإسلامه وصلاته مع الرسول قال له « أي بني : أي شىء الذي أنت عليه » ؟ قال : « يا أبت آمنت بالله ورسوله ! وصدقت ما جاء به واتبعته ».

فقال له « أما إنه لم يدعك إلا إلى الخير فالزمه ».

وكان ذا منزلة سامية عند الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) والصحابة والمسلمين كافة.

كان على جانب كبير من التقوى ، وكان أوفرهم نصيبا وأكرمهم مدداً من الرسول ، ولهذا كانت اليه الفتوى في حياة الرسول وبعده ، حتى ضرب به المثل بعد وفاة الرسول فقيل : « قضية ولا أبا حسن لها ». قال عبد الله بن عباس : « قسم علم الناس على خمسة أجزاء فكان لعلي منها أربعة ولسائر الناس جزء شاركهم فيها فكان أعلمهم به ». وقال عبد الله بن مسعود : « كان علي رضى

5

الله عنه أفرض أهل المدينة وأقضاهم ». يريد أعلمهم بعلم الميراث والفصل في القضايا بين الناس. ومن دلائل عبقريته أنه كان يسأل عن الأمور المشكلة فيجيب فيها على البديهة ويحل مشكلات المسلمين الدينية والاجتماعية ، وكان بطلا مقداما ، وفارسا شجاعا ، وعلما من أعلام الاسلام ، كما كان خطيبا مصقعا ، وبليغا مفوها ، ومستشاراً مؤتمناً عند أبى بكر وعمر (رضوان الله عليهما).

وجهاد علي (رضوان الله عليه) في نشر الدعوة في حياة الرسول الكريم ذائع مشهور.

وتعلمون موقفه الخالد ليلة الهجرة ، وكيف نام في الموضع الذي ينام فيه الرسول ليلة الهجرة ليفدي الرسول ، ويضمن نجاح هجرته مع أنه كان يعلم ما يترقبه من قتل وتعذيب.

ثم هاجر إلى المدينة وأقام فيها مع الرسول الكريم ، يكمل ثقافته الدينية بما يتلقاه من الرسول ، وكان من كتاب الوحي ، واشترك في غزواته ومشاهده ما عدا غزوة تبوك.

وتوفى رسول الله صلوات الله وولي الخلافة أبو بكر بعده فحنق كثير من المسلمين ، ولكن عليا كان كريما رائع التضحية وما يضر به من المثل العظيمة ، فوقف مع أبي بكر يشد أزره ؛ ويسند ظهره ، ويشير عليه في المشكلات ، وتوفى أبو بكر وتولى الخلافة عمر ، فكان علي له ظهيراً معينا ، كان يشير عليه بالصواب والرشد إذا تفاقمت الأمور واشتدت الخطوب.

ثم قام عثمان بعد عمر بالخلافة فبايعه علي وظل يعاونه إلى أن تفاقمت الأمور وقامت الثورة على عثمان ومات فيها قتيلا ، ويروي أن عثمان كتب إلى علي وهو محاصر في داره رسالة جاء فيها :

أما بعد :

فقد بلغ السيل الزبى ، وجاوز الحزام الطبيين ، وطمع في من لا يدفع عن نفسه ، ولم يغلبك مثل مغلب ، فأقبل إلي صديقاً كنت أو عدواً :

6

فان كنت مأكولا فكن خير آكل * * * وإلا فادركني ولما امزق

فبعث اليه بابنيه : الحسن والحسين يدافعان عنه. ولكنهما لم يستطيعا مقاومة الجماهير الثاثرة فقتل عثمان.

وبويع علي بالخلافة بعد عثمان على كره منه سنة 35 ه فأخذ معاوية بن أبي سفيان يؤلب بني أمية عليه لأنه لم يأخذ بدم عثمان ، وقد كان الثوار يوم بويع لعلي مجتمعين ولم تغمد سيوفهم ، فرأى (رضي الله عنه) أن الحكمة تركهم حتى تخمد نار الفتنة وتتم البيعة ، ورأى معاوية أنه يجب الأخذ بدم عثمان قبل الشروع في البيعة ، وانضم إليه في هذا أهل الشام وطائفة من أهل مصر والعراق.

قضى ; في الخلافة نحو خمس سنوات من ذي الحجة عام 35 ه إلى رمضان عام 40 ه.

وقد كانت الأحداث التي وقعت في خلافته أحداثا عظيمة جعلته في كفاح دائم وحروب مستمرة.

وخرجت عليه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بالبصرة ومعها طلحة والزبير ، ومعركة الجمل مشهورة ثم استمرت الحروب بينه وبين معاوية بن أبي سفيان سجالا ، ومنها موقعة صفين ثم كان أمر التحكيم الذي قبله عليٌّ على كره منه ، وخدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري فيه.

ثم انتهى الأمر بقتل الخوراج لعلي بيد عبد الرحمن بن ملجم المرادي ، بالكوفة في السابع عشر من رمضان عام 40 ه ودفن بها وعمره ثلاثة وستون عاما وتولى بعده ابنه الحسن خلافة المسلمين ثم تنازل عنها لمعاوية عام 41 ه.

7

ـ 2 ـ

وللإِمام علي كتاب نهج البلاغة وهو كتاب رائع مشهور وسفر جليل ، وأثر أدبي خالد ، بعد كلام الله وكلام رسوله.

جمع فيه الشريف الرضي م 406 ه كل ما ينسب للإمام علي من خطب ووصايا ونصائح وحكم وأمثال وموعظ وآراء ومحاورات ورسائل وعهود ، وقيل إن الذي قام بجمعه هو الشريف المرتضى م 436 ه.

والشيعة على أن الكتاب بجملته وتفصيله لأمير المؤمنين علي ، وذهب بعض الباحثين إلى انه منحول مفترى عليه.

أما حجج الذين ينفون نسبته عن علي فأهمها :

1 ـ أن في الكتاب أقوالا شديده اللهجه في حق بعض الصحابة كما في الخطبة الشقشقية ولكن بعض الباحثين يؤيدون نسبة هذه الخطبة إليه.

2 ـ ما في الكتاب من أفكار عميقة واصطلاحات صوفية متأخرة.

واصطلاحات كلامية أيضا لم توجد فيه عصره.

3 ـ ما في بعض رسائل الكتاب من طول كثير مما يدع للشك مجالا في صحة نسبتها إلى الإمام علي كما في عهد علي إلى الأشتر النخعي.

4 ـ خلو الكتاب المؤلفة قبل الشريف الرضي من كثير مما في نهج البلاغة وقد ذهب كثير من الباحثين إلى نسبة الكتاب لعلي.

ولكن مما لا ريب أن بعضا مما في الكتاب منتحل مدخول ، لا تصح نسبته إلى الإمام ، هذا وقد تثقف بثقافة نهج البلاغة كثير من عاشقي الأدب ودارسيه في القديم والحديث. ولم يزل إلى اليوم من أهم كتب الأدب والثقافة الدينية والعربية.

والكتاب عالي الأسلوب فخم العبارة ، مصقول البيان ! لطيف الروح ، ينحدر إلى النفس بسهوله.

8

وموضوعات الكتاب كما يقول الرضي ثلاثة : اولها الخطب والأوامر ، وثانيها ، الكتب والرسائل ، وثالثها الحكم والمواعظ.

ويمتاز مع ذلك بطوله وضخامته وبأهمية ما فيه من آراء في الاخلاق والسياسة والدين والاجتماع وبأنه ثروة فكرية وأدبية واسعة.

9

ـ 3 ـ

والإمام علي (كرم الله وجهه) في الدروة من البلاغة والفصاحة والبيان وهو أخطب الخطباء بعد رسول الله صلوات الله ولذلك أسباب :

1 ـ أسرته وبيئته ومكانهما في البلاغة.

2 ـ تأثره ببلاغة القرآن والرسول.

3 ـ كانت حياته كلها كفاحا وجهادا ونضالا وهذا من أهم ما يبعث على الخطابة ويدعو إليها.

4 ـ نشأته وطبعه من صغره على البيان واللسن والفصاحة.

5 ـ قوة عارضته ، وحدة ذكائه وعبقريته ، وجليل شخصيته وحبه الصراحة والرأي الواضح. وكل ذلك مما يبعث الخطابة ويعين عليها.

وتمتاز خطابته بخصائص كثيرة من اهمها :

1 ـ تمثيلها لحياته وشخصيته وآرائه وعقيدته في الحياة.

2 ـ بلاغة أسلوبه وإحكامه وإشراقه واستمداده من أسلوب الذكر الحكيم والبلاغة النبوية الشريفة.

3 ـ دقة معانيه وإحكامها وترتيبها وجلالها وعظمة الروح فيها وعلو الأفق مما لا يكون إلا لمثل علي (كرم الله وجهه).

4 ـ جزالة ألفاظه إذا استثنينا منها هذه الألفاظ الاصطلاحية الكثيرة. ويقول فيه الرضي :

كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ؛ ومنه (عليه السلام) ظهرت مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها ... من أجل هذا كان إذا خطب فهو أخطب العرب بعد رسول الله ، وإذا كتب كان أبلغ الناس قولا وأصدقهم وصفا وأسيرهم مثلا (رضي الله عنه).

ومعاني الخطابة عند الإمام علي لا تخرج عما علمت من الحكمة والصدق والحق والخير والطهر.

10

وهي مع ذلك مرتبة منظمة صادرة عن عقلية موهوبة مهذبة مثقفة.

فضلا عن دقتها وعمقها ووضوحها وجلالها وتأثيرها ؛ وكان الإمام ينهل هذه الحكمة من القرآن الشريف والحديث النبوي الخالد.

وسمو الروح ، وعظمة الإيمان ؛ وقوة العقيدة وجلال الغاية كل هذه خصائص ظاهرة لمعاني الخطابة عند الإِمام ؛ وخطبه كلها مرتبطة الأجزاء سليمة المنطق ؛ مرتبة مهذبة واضحة ولاغرو فقد كان عصر الإِمام هو عصر الخطابة والبلاغة وقد امتاز هذا العصر بكثرة الخطباء البلغاء كثرة رائعة عجيبة.

وفي صدر الخطباء الخطيب الأول والإمام الأكبر والزعيم الروحي الأعظم محمد (صلوات الله عليه) ، ومن الخطباء ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة وخالد وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ، وأبو عبيدة عامر بن الجراح ، ومعاوية ؛ وسواهم من أعلام الخطباء والبلغاء ، (رضوان الله عليهم أجمعين) ومن الخطباء المشهورين ، عطارد بن حاجب بن زرارة وكان الخطيب عند النبي (صلّى الله عليه وسلّم) كما يقول الجاحظ (1).

____________

(1) 214 ح 1 البيان والتبيين.

11

ـ 4 ـ

وهذه بعض الآثار من كلام الإمام علي (كرم الله وجهه) :

1 ـ قال (عليه السلام) قبل موته :

أنا بالأمس صاحبكم ، واليوم عبرة لكم وغدا مفارقكم ، إن أبق فانا ولي دمي ، وإن أفن فالفناء ميعادي ، وإن أغفر فالعفو لي قربة ؛ وهو لكم حسنة.

فاعفوا واصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله ما فجأني من الموت وارد كرهته ، ولا طالع أنكرته وما كنت إلا كقارب ورد. وطالب وجد وما عند الله خير للأبرار.

ومن دعائه (عليه السلام) :

اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك ، أو أضل في هداك ، أو أضام في سلطانك ، أو أضطهد والأمر لك.

2 ـ وقال من وصية لولده محمد ، ابن الحنفية حين أعطاه الراية يوم الجمل :

« تزول الجبال ولا تزل. عض على ناجذك (1) أعر الله جمجمتك (2) تدفي الأرض قدمك (3) ارم ببصرك أقصى القوم ، وعض بصرك ؛ واعلم أن النصر بيد الله سبحانه ».

3 ـ ومن كلامه (عليه السلام) يصف بيعته بالخلافة ويرد على من زعم أن البيعة له أخذت قسرا.

بسطتم يدي فكففتها ؛ ومددتموها فقبضتها ، ثم تداككتم على تداك الإبل الهيم (4) على حياضها يوم ورودها ، حتى انقطعت النعل وسقط الرداء وبلغ من سرور الناس بيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير وهدج (5) ، إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل وحسرت إليها الكعاب.

____________

(1) أي احرص على أن يكون الأمر لك.

(2) أي لا تشعر نفسك أن رأسك الآن لك بل أعرها الله جل ذكره وهذا آثر قول في الاستهانة بالنفس يوم الروع.

(3) تدفعل أمر من وتد ـ بفتح التاء ـ الوند ثبته.

(4) تداككتم تزاحمتم والهيم جمع هيماء وهي التي برح بها العطش.

(5) هدج مشي مشية ضعف.

12

4 ـ ومن كلامه في التحريض على القتال لما أغار سفيان الأسدي عن الأنبار ، قتل عامله عليها :

حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال : أما بعد : فان الجهاد باب من ابواب الجنة فمن تركه رغبة عنه (1) ألبسه الله الذل ، وسيماء (2) الخسف (3) وديث بالصغار (4) وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا ونهاراً ، وسرا وإعلاناً وقلت لكم اغزوهم من قبل أن يغزوكم ، فو الذي نفسي بيده ما غزى قوم قط في عقر (5) دارهم إلا ذلوا ؛ فتخاذلتم وتواكلتم ، وثقل عليكم قولي ، واتخذتموه وراءكم طهريا حتى شنت عليكم الغارات (6).

هذا أخو غامد قد بلغت خيله الأنبار ، وقتل حسان البكري ، وأزال خيلكم عن مسالحها (7) وقتل منكم رجالا صالحين. وقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة ، والأخرى المعاهدة ، فينزع حجلها وقلبها ورعاثها (8) ، ثم انصرفوا موفورين (9) ، ما نال رجلا منهم كلم (10) ولا أريق لهم دم. فلو أن رجلا مسلما مات من دون هذا أسفاً ما كان عندي فيه ملوما ، بل كان به عندي جديرا. يا عجباً كل العجب !! عجب يميت القلب ، ويشغل الفهم ، ويكثر الأحزان ، من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم ، وفشلكم عن

____________

(1) رغب ( كفرح ) فيه أراده وعنه كرهه وليه ابتهل ، ورغب ( ككرم ) اشتد نهمه.

(2) علامة.

(3) الذل.

(4) ديث : وصم ، والصغار الذل.

(5) عقر : وسط.

(6) قال المبرد : قوله شئت عليكم الغارات يقول صبت. يقال شننت الماء وكذلك فسرها صاحب القاموس المحيط.

(7) جمع مسلحة وهي الثغر حيث يخشى طروق العدو.

(8) الحجل : الخلخال ، القلب : السوار الرعات جمع رعثة وهي القرط.

(9) تامين لم ينقص منهم أحد.

(10) جرح.

13

حقكم حتى أصبحتم غرضا ترمون ولا ترمون ، ويغار عليكم ولا تغيرون ، ويعصى الله فيكم وترضون ، إذا قلت اغزوهم في الشتاء قلتم هذا أوان قروصر (1) وإن قلت لكم اغزوهم في الصيف قلتم هذه حمارة (2) القيظ. أنظرنا ينصرم الحر عنا ، فاذا كنتم من الحر والبرد تفرون ، فأنتم والله من السيف أفر ، يا أشباه الرجال ولا رجال ، ويا طغام (3) الأحلام ، ويا عقول ربات الحجال (4) والله لقد أفسدتم على رأيي بالعصيان ، ولقد ملأتم جوفي غيظاً حتى قالت قريش : ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا رأي له في الحرب لله درهم (5) ومن ذا يكون أعلم به مني وأشد لها مراساً ، فو الله لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ولقد نيفت اليوم على الستين ، لكن لا رأي لمن لا يطاع ( يقولها ثلاثاً ) فقام إليه رجل ومعه أخوه ، فقال يا أمير المؤمنين : أنا وأخي هذا كما قال تعالى : ( رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ) فمرنا بأمرك ، فوالله لننتهين إليه ولو حال دونه جمر الغضى وشوك القتاد ، فدعا لهما بخير ، ثم قال لهما وأين تقعان مما أريد.

5 ـ وهذه هي خطبته المشهورة المسماة : الخطبة الشقشقية :

أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة ، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إلى الطير ، فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا ، وطفقت رتثي به بين أن أصول بيد جذاء (6) أو أصبر على

____________

(1) القر بالضم : ويوم فر بالفتح وليلة قرة كذلك باردة والقرة بالكسر البدر والرجل مقرور. والصر الريح الشديد كالصرصر.

(2) حمارة القيظ شدته ومثلها صبارة الشتاء.

(3) الطغام : السفلة من الناس والواحد طغامة.

(4) الحجال جمع حجلة وهي الستر أي ذوات الخدور كناية عن النساء أو جمع حجل بكسر فسكون وهو الخلخال.

(5) الدر : النفس ، واللبن ، العمل ، والمراد من نسبة الدر إلى الله بأحد هذه المعاني هو تعظيمه لأن الشيء إذا نسب إلى العظيم كان عظيما.

(6) اليد الجذاء المقطوعة.

14

طخية عمياء (1) يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهبا ، حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده ، ثم تمثل بقول الأعشى :

شتان ما يومى على كورها * * * ويوم حيان أخي جابر (2)

فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته ، اذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشد ما تشطرا ضرعيها فصيراها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسها ، يكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة (3) إن أشنق لها خرم وإن اسلس لها تقحم.

فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس ، وتلون واعتراض ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة ، حتى إذا مضى لسبيله ، جعلها في جماعة (4) زعم أني أحدهم فيالله وللشورى ، متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ، لكنى أسففت إذ أسفوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغا رجل منهم لضعنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ، إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون ما الله خضمة الإبل نبتة الربيع ، إلى ان انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وإلى كبت به بطنته ، فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلى ، ينثالون على من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان ، وشق عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم ، فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ، وقسط آخرون كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول :

____________

(1) الطخية قطعة من الغيم والسحاب.

(2) كان حيان بن السمين نديما للأعشى وهو في هذا البيت يشكون تفاوت ما بينه وبينه فهو يسير في الرمضاء على كور ناقته بينا نديمه يقيم في رفاهة العيش.

(3) الصعبة من النياق التي لم تركب لم ترض وأشنق الرجل ناقته إذا كفها بالذمام ، وخرم أي قطع انفها.

(4) هؤلاء الجماعة أهل الشورى هم : علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف.

15

( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ).

بل والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنهم حلت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها ، أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ، لالقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه عندي من عفطة عنز.

قالوا : وقام إليه رجل من أهل السواد ، عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا فأقبل ينظر فيه ، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما يا أمير المؤمنين لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت ! فقال هيهات يا ابن عباس ! تلك شقشقة (1) هدرت ثم قرت ، قال ابن عباس فو الله ما أسفت على كلام قط كأسفى على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) بلغ منه حيث أراد.

هذا وينكر كثيرون هذه الخطبة لما تشتمل عليه من اتهام للخلفاء الثلاثة (رضوان الله عليهم) مما لا يصدر مثله عن أمير المؤمنين علي ; مع جلاله وعفته وتسامحه وفرط أدبه وفضله وكرمه.

6 ـ ومن حكم الامام (كرم الله وجهه).

إيمان المرء يعرف بايمانه. أدب المرء خير من ذهبه. أداء الدين من الدين. أحسن إلى المسيء تسد. إخوان هذا الزمان جواسيس العيوب. أخوك من واساك بنسب لا من واساك بنسب. بشر نفسك بالظفر بعد الصبر. بركة المال في أداء الزكاة ، بع الدنيا بالآخرة تربح. بكاء المرء من خشة الله تعالى قرة العين. باكر تسعد. بطن المرء عدوه. بركة العمر حسن العمل. بلاء الإنسان من اللسان بشاشة الوجه عطية ثانية. توكل على الله يكفك. تدارك في آخر العمر ما فاتك في أوله تكاسل المرء في الصلاة من ضعف الإيمان.

____________

(1) الشقشقة ما مخرجة البعير من فيه إذا هاج.

16

تغافل عن المكروه توفر. ثلمة الدين موت العلماء. ثبات الملك بالعدل. ثواب الآخرة خير من نعيم الدنيا. ثناء الرجل على معطيه مستزيد. جد بما تجد. جولة البالطل ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة. جودة الكلام في الاختصار. جليس المرء مثله. جليس المرء غنيمة. جالس الفقراء تزد شكرا. جل من لا يموت. حياء المرء ستره. حموضات الطعام خير من حموضات الكلام. خف الله تأمن غيره. خالف نفسك تسترح. خير الأصحاب من يدلك على الخير. خليل المرء دليل عقله. خوف الله يجلو القلب. خلو القلب خير من ملء الكيس. خير المال ما انفق في سبيل الله. دليل عقل المرء فعله ودليل علمه قوله. دوام السرور برؤية الإخوان دولة الأرذال آفة الرجال. دين الرجل حديثه. دولة الملوك في العدل. دار من جفاك تخجيلا. دم على كظم الغيظ تحمد عواقبك. ذنب واحد كثير ذكر والف طاعة قليل. ذكر الأولياء ينزل الرحمة. ذليل الخلق عزيز عند الله. ذكر الموت جلاء القلب. ذكر الشباب حسرة. رؤية الحبيب جلاء العين. رفاهية العيش في الأمن. رسول الموت الولادة. زيارة الحبيب إطراء المحبة. زوايا الدنيا مشحونة بالرزايا. زيارة الضعفاء من التواضع. زينة الباطن خير من زينة الظاهر. سيرة المرء تنبى عن سريرته. سمو المرء التواضع. شين العلم الصلف. شمروا في طلب الجنة. شيبك تاعيك. شحيح غنى أفقر من فقير سخي. صدق المرء نجاته. صحة البدن في الصوم. الصبر يورث الظفر. صلاة الليل بهاء النهار. صلاح الإنسان في حفظ اللسان. صاحب الأخيار تأمن الأشرار. صمت الجاهل ستره. صلاح الدين في الورع وفساده في الطمع. ضل سعى من رجا غير الله تعالى. ضرب الحبيب أوجع. ضل من ركن إلى الأشرار. طاب من وثق بالله. طلب الأدب أولى من طلب الذهب. ظلم المرء يصرعه ظلامة المظلوم لا تضيع. ظمأ المال أشد من ظمأ الماء. ظل عمر الظالم قصير وظل عمر الكريم فسيح. عش قنعا تكن ملكا. عيب الكلام تطويله. عاقبة الظالم وخيمة. غدرك من ذلك عل الإساءة. فاز من ظفر بالدين. فخر المرء بفضله اولى من فخره بأصله. فاز من سلم من شر نفسه. فسدت نعمة من كفرها. قبول الحق من الدين ، كلام الله دواء القلب. كفران النعمة مزيلها. كفى

17

بالشيب داء. كمال العلم في الحلم. لين الكلام قيد القلوب. من كثر كلامه كثر ملامه. مجلس العلم روضة من رياض الجنة. مصاحبة الأشرار ركوب البحر. نسيان الموت صدأ القلب. نم آمنا تكن في أمهد الفرش. نضرة الوجه في الصدق. ولاية الأحمق سريعة الزوال. وحدة المرء خير من جليس السوء. هم السعيد آخرته وهم الشقي دنياه. هلاك المرء في العجب. هربك من نفسك أنفع من هربك من الأسد. لا دين لمن لا مروءة له. لا فقر للعاقل. يعمل النهام في ساعة فتنة أشهر. يسود المرء قومه بالإحسان إليهم.

7 ـ ومن روائع الحكم ودرر الكلم من كلام علي بن أبي طالب : الدين يعصم. الدنيا تسلم ، الصيانة رأس المروءة. الحق سيف قاطع. العجب عنوان الحماقة. البشاشة حبل المودة. الارتقاء إلى الفضائل صعب. الانحطاط إلى الرذائل سهل. السكوت عن الأحمق جوابه. إمام عادل خير من مطر وابل. المحسن حي وإن نقل إلى منازل الأموات. العاقل إذا سكت فكر وإذا نطق ذكر وإذا نظر اعتبر. الداعي بلا عمل كالقوس بلا وتر. إعجاب الرجل بنفسه عنوان ضعف عقله ، أحسن الجود عفو بعد مقدرة ، بركوب الأهوال تكسب الأموال ، بالسخاء يستر العيوب ، تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه ، ثوب التقى أشرف الملابس ، ثوب الآخرة ينسى مشقة الدنيا ، ثروة العاقل في علمه وثروة الجاهل في ماله ، ثلاث يوجبن المحبة الدين والتواضع والسخاء. جهاد النفس أفضل الجهاد. حسن الأدب يستر قبح النسب. حلاوة الظفر تمحو مرارة الصبر. حد اللسان يقطع الأوصال. خير الثناء ما جرى على ألسنة الأخيار. دوام الفتن من أعظم المحن. رب سكوت أبلغ من كلام. زلة العالم كانكسار السفينة تغرق وتغرق معها غيرها. زخارف الدينا تفسد العقول الضعيفة. سلاح اللئام قبل الكلام. سمع الأذن لا ينفع مع غفلة القلب. شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس. مسيئا شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الشباب والعافية صمتك حتى تستنطق أجمل من نطقك حتى تسكت. صوم النفس عن لذات الدنيا أفضل الصيام. صدر العاقل صندوق سره. ضع فخرك واحطط كبرك وكما تزرع تحصد وكما تدين تدان. ضعف البصر لا يضر مع استنارة البصير. طوبى لمن غلب نفسه ولم تغلبه ومن

18

ملك هواه ولم يملكه. طلب الثناء بغير استحقاق خرق. ظن العاقل أصح من يقين الجاهل. ظرف الرجل تنزهه عن المحارم ومبادرته إلى المكارم. عليك بالآخرة تأتك الدنيا صاغرة. عند الامتحان يكرم المرء أو يهان.

عجيب لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء. عجيب لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه. عبد الشهوة أذل من عبد الرق. عبد المطامع أسير لا يفك أسره. عاشر أهل الفضائل تنبل. عداوة الأقارب أمس من لسع العقارب. غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه. غنى المؤمن بالله. غنى العاقل في حكمته. غنى الجاهل في قنيته. في الذكر حياة القلوب. في رضا الله نيل المطلوب. في الدنيا عمل ولا حساب وفي الآخرة الحساب ولا عمل. في الاستشارة عين الهداية. فقد البصر أهون من فقد البصيرة. قد يبعد القريب. قد يلين الصليب. قلة الاكل تمنع كثيراً من اعلال الجسم. قل الحق وإن كان عليك. قليل الحق يدفع كثير الباطل كما أن قليل النار يحرق كثير الحطب. كل طير يأوي إلى شكله ، كل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه ، كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا العلم فإنه يتسع ، كم يفتح بالصبر من غلق. كيف ينجو من الله هارب. كيف يسلم من الموت طالبه ، كن عالما ناطقا أو مستمعا واعيا ، كلام الرجل ميزان عقله ، كلما قاربت أجلا فاحسن عملا ، ليس من عادة الكرام تأخير الإِنعام ، للشدائد تدخر الرجال ، من توفر وقر ، ومن تكبر حقر ، من استشار العاقل ملك ، من استبد برأيه هلك ، ما حقر نفسه إلا عاقل. ما أعجب برأيه إلا جاهل ، نعم الإدام الجوع ، هدى من أطاع ربه ، وخاف ذنبه ، هلك امرؤ لا يعرف قدره ، هانت عليه نفسه من أمر عليه لسانه ، وقروا كباركم توقركم صغاركم ، وقار الشيب أجمل من نضارة الشباب ، لا تثقن بعهد من لا دين له ، لا تعد ما تعجز عن الوفاء به ، لا تثق بمن يذيع سرك ، لا يسترقك الطمع فقد جعلك الله حرا. يستدل على الكريم بحسن بشره وبذل خيره. يستدل على إدبار الدول باربع : تضييع الأصول والتمسك بالفروع وتقديم الأراذل وتأخير الأفاضل ، يبلغ الصادق بصدقه ما لا يبلغة الكاذب باحتياله

19

8 ـ وعن علي بن أبي رافع ، قال : كنت على بيت مال علي بن أبي طالب وكاتبه ، فكان في بيت ماله عقد لؤلؤ كان أصابه يوم البصرة فأرسلت إلى بنت علي بن أبي طالب فقالت لي : إنه قد بلغني أن في بيت مال أمير المؤمنين عقد لؤلؤ ، وهو في يدك وأنا أحب أن تعيرنيه أتجمل به في يوم الأضحى ، فأرسلت إليها : عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام يا بنت أمير المؤمنين ، فقالت : نعم عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام فدفعته إليها وإذا أمير المؤمنين رآه عليها فعرفه. فقال لها : من أين جاء إليك هذا العقد ، فقالت : استعرته من ابي رافع خازن مال أمير المؤمنين لأتزين به في العيد ثم أرده ، فبعث إلي أمير المؤمنين فجئته فقال لي : أتخون المسلمين يا ابن أبي رافع ، فقلت معاذ الله أن أخون المسلمين ، فقال : كيف أعرت بنت أمير المؤمنين العقد الذي في بيت مال المسلمين بغير إذني ورضاهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين إنه بنتك وسألتني أن أعيرها تتزين به ، فأعرتها إياه عارية مضمونه مردودة عل أن ترده سالما إلى موضعه فقال : رده من يومك وإياك أن تعود إلى مثله فتنالك عقوبتي إلى مثله ثم قال ويل لابنتي لو كانت أخذت العقد على غير عارية مردودة مضمونه لكانت إذن هاشمية قطعت يدها في سرقة. فبلغت مقالته ابنته فقالت له يا أمير المؤمنين أنا ابنتك وبضعة منك فمن أحق بلبسه مني فقال لها : يا بنت ابن أبي طالب لا تذهبي بنفسك عن الحق أكل نساء المهاجرين والانصار يتزين في مثل العيد بمثل هذا فقبضته منها ورددته إلى موضعه.

9 ـ ووصف علي (رضي الله عنه) الدنيا وقد سئل ذلك فقال.

وما آصف لك من دار أولها عناء وآخرها فناء ، من صح فيها أمن ومن سقم فيها ندم ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فتن ، حلالها حساب وحرامها عذاب (1).

وراجع وصف علي (رضي الله عنه) لرسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) (2).

____________

(1) 126 / 2 الأمالي.

(2) 69 / الأمالي.

20

وراجع وصف ضرار الصدائي لعلي رضي الله وقد طلب منه ذلك معاوية (1).

ووصف الحسن البصري لعلي بن أبي طالب (2).

وجواب علي (رضي الله عنه) لمن سأله عن الإيمان (3).

وصيغة صلاته على النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وكان يعلمها أصحابه (4).

وللإمام علي (كرم الله وجهه) مقام كبر في الشعر ، وينسب لأمير المؤمنين رضي عنه الله ديوان شعر كبير ، وهو الذي بين أيدينا اليوم ، وهو متداول ، ونسب إليه ابن رشيق شعراً في الجزء الأول من العمدة.

وقد يكون أكثر ما ينسب لعلي من الشعر منتحلا ، لان الإمام (كرم الله وجهه) لم يفرغ للشعر ولم يعش من أجله ، ولكي يكون شاعرا.

وليس بمعقول أن يكف لبيد عن الشعر ويخوض فيه مثل الإمام علي (كرم الله وجهه) ، إلى هذا الحد الذي يصوره لنا الديوان المنسوب إليه.

هذا وأكثر ما ينسب للإمام تصح نسبته لغيره ، وإن كان جل شعره في الزهد والحكمة والموعظة ، ومما ينسب اليه قصيدة طويلة سميت باسم القصيدة الزينبية ومطلعها :

____________

(1) 147 / 2 الأمالي.

(2) 170 و 194 النادر ـ الأمالي.

(3) 171 النوادر.

(4) 173 النوادر.

21

صرمت حبالك بعد وصلك زينب * * * والدهر فيه تصرم وتقلب

ومما ينسب إلى الإمام قوله يرثى النبي (صلّى الله عليه وسلّم) :

أمن بعد تكفيني النبي ودفنه * * * باثوابه آسى على هالك ثوى

رزئنا رسول الله فينا فلن نرى * * * بذاك عديلا ما حيينا من الورى

لقد غشيتنا ظلمة بعد موته * * * نهارا فقد زادت على ظلمة الدجى

وكنا برؤياه نرى النور والهدى * * * صباحا مساء راح فينا أو اغتدى

فيا خير من ضم الجوانح والحشا * * * ويا خير ميت ضمه الترب والثرى

كأن أمور الناس بعدك ضمنت * * * سفينة نوح حين في البحر قد سما

وضاق فضاء الارض عنا برحبه * * * لفقد رسول الله إذ قيل قد مضى

فقد نزلت بالمسلمين مصيبة * * * كصدع الصفالا شعب للصدع في الصفا

فلن يستقل الناس تلك مصيبة * * * ولن يجبر العظم الذي منهم وهى

وفي كل وقت للصلاة يهيجها * * * بلال ويدعو باسمه كلما دعا

ويطلب أقوام مواريث هالك * * * وفينا مواريث النبوة والهدى

وبعد فهذا هو ديوان الإمام ، قد حققناه وشرحناه وراجعناه مراجعة دقيقة. ليخرج في صورة رائعة تليق بمقام الإمام (كرم الله وجهه).

وندعو الله أن ينفع به ، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم ، وفقنا الله عز وجل الى مرضاته وحسن مثبوته.

وما توفيقي الا بالله ، عليه توكلت واليه أنيب.

المحقق

د. محمد عبد المنعم خفاجي

22

-

23

الديوان

24

-

25

ـ 1 ـ

قال الإمام علي (كرم الله وجهه) في فضل العلم من بحر البسيط :

الناسُ من جِهَة الأباء أكفاءُ * * * أبوهُم آدمٌ والأُمُّ حوّاءُ

وإنما أمهاتُ الناسِ أوعيةٌ * * * مستودعات وللأحساب آباءُ

فإن يكن لهمُ من أصلهم شرفٌ * * * يفاخرونَ به فالطينُ والماءُ

ما الفضلُ إلا لأَهلِ العلمِ إنهُمُ * * * على الهدى لمن استهدى أدِلاَّءُ

وقيمةُ المرءِ ما قد كان يحسنُهُ * * * والجاهلون لأهلِ العلم أعداءُ

فَقُمْ بعلمٍ ولا تطلبْ به بدلاً ؟ * * * فالناسُ موتى وأهلُ العلم أحياءُ

ـ 2 ـ

* * *

وقال الإِمام في الأصدقاء والزمن من البحر الوافر

تغيَّرت المودَّةُ والاخاءُ * * * وقلَّ الصدقُ وانقطَعَ الرجاءُ

وأسلَمني الزمانُ إلى صديقٍ * * * كثيرِ الغدرِ ليس لهُ رِعاءُ (1)

ورُبَّ أخٍ وَفيْتُ له بحقٍّ * * * ولكن لا يَدُومُ له وَفَاءُ

أخلاءٌ إذا استغنيتَ عنهمْ * * * وأعْداءٌ إذا نَزَلَ البَلاءُ

يُديمُونَ المودَّةَ ما رأوْني * * * ويبقى الوُدُّ ما بَقِيَ اللِّقاءُ

وإِنْ أُغنِيتُ عن أحدٍ قلاني (2) * * * وعاقَبَني بما فيه اكتفاءُ

سيُغْنِيني الذي أغناهُ عني * * * فلا فقرٌ يدومُ ولا ثراءُ

____________

(1) أي رعاية للحقوق وأداء للواجبات.

(2) من القلى ، وهو البغضاء.

26

وكل مودةٍ لله تصفو * * * ولا يصفُو مع الفسق الإِخاء

وكل جِرَاحَةٍ فَلَها دواء * * * وَسُوءُ الخُلْقِ ليس له دواءُ

وليسَ بدائمٍ أبداً نعيمٌ * * * كذَاك البؤسُ ليس له بقاءُ

إذا أنكرت عهداً من حميمٍ * * * ففي نفسِي التكرمُ والحياءُ

إذا ما رأس أهل البيت ولَّى * * * بد لهُمُ من الناس الجفاءُ

ـ 3 ـ

وقال في النساء من بحر الكامل :

دعْ ذكرهُنَّ فها لهن وفاءُ * * * ريحُ الصبا وعهودُهُنَّ سواءُ

يكسِرْن قلبكَ ثم لا يجبُرْنَه * * * وقُلوبهنَّ من الوفاء خلاءُ

ـ 4 ـ

وقال في جمع المال من بحر الوافرِ :

وكم ساع لِيثْريَ لم يَنَلْهُ * * * وآخرُ ما سعى جَمَعَ الثراءَ (1)

وساعٍ يجمعُ الأموالَ جمْعاً * * * لِيُورِثَها أعاديهِ شقاءَ

وما سيانِ (2) ذوخُبْرٍ (3) بصيرٌ * * * وآخرُ جاهلٌ ليسا سواءَ

ومن يستعتبِ الحَدَثان (4) يوماً * * * يكنْ ذاك العتابُ له عَناءَ

ويُزري بالفَتى الإِعدام (5) حتى * * * متى يُصِب المقالَ يُقَلْ أساءَ

____________

(1) الثراء : الغنى والمال.

(2) أي ليس سواء.

(3) ذو خبر بضم الخاء : ذو تجربة.

(4) الحدثان : أحدث الزمان.

(5) الاعدام : الفقر.

27

ـ 5 ـ

وقال في الدنيا من بحر الطويل :

تحرَّزْ من الدنيا فإنَّ فناءَها (1) * * * محلُّ فَناء لا محلُّ بقاءِ

فَصفْوَتُها ممزوجةٌ بكَدَارَة (2) * * * وراحتُها مقرونةٌ بعناءِ

ـ 6 ـ

وقال في الصمود في مواجهة أحداث الزمان من بحر الخفيف :

هي حالان شدةٌ ورخاءُ * * * وسِجالانِ نعمةٌ وبَلاءُ

والفتى الحاذق الأديب إذا ما * * * خانه الدهر لم يَخُنْهُ عزاء

إن ألمَّت ملمةٌ (3) بي فإنِّي * * * في الملمَّات صخرةٌ صمَّاءُ

عالمٌ بالبلاءِ عِلْماً بأنْ لي * * * س يدومُ النعيمُ أو الرخاءُ

ـ 7 ـ

وقال في القضاء من بحر الوافر :

إذا عقدَ القضاءُ عليكَ أمراً * * * فليس يحله إلا القضاءُ

فما لكَ قد أقمتَ بدار ذلٍّ * * * وأرضُ الله واسعةٌ فَضَاءُ

تبلَّغْ باليسيرِ فكلُّ شيءٍ * * * من الدنيا يكون له انتهاءُ

____________

(1) الفناء بكسر الفاء : الساحة أمام البيت ، والفناء يفتح الفاء : الموت والهلاك.

(2) الكدارة الكدارة والحزن.

(3) الملمة : حادثات الزمان ومصائبه.

28

ـ 8 ـ

قال الإمام (كرم الله وجهه) في رثاء الرسول الأعظم (صلوات الله عليه) من بحر الطويل :

أمنْ بعدِ تكفينِ النبيِّ ودفْنِهِ * * * نعيشُ بآلاءِ ونجنحُ للسلوى

رُزئْنا رَسولَ الله حقّاً فلن نَرى * * * بِذاك عديلاً ما حيينا من الورى

وكنتَ لنا كالحصنِ منْ دونِ أهلهِ * * * له معقلٌ حِرْزٌ حريزٌ من العدى

وكنَّا بمرآه نرى النورَ والهدى * * * صباحَ مساءٍ راح فينا أو اغتدى

لقد غشِيْتَنا ظلمةٌ بعدَ موته * * * نهاراً وقد زادتْ على ظلمة الدجى

فيا خير من ضُمَّ الجوانحَ والحشَا * * * ويا خير مَيْتٍ ضمَّهُ التُّرْبُ والثرى

كأنَّ أُمورَ الناسِ بعدَكَ ضُمِّنتْ * * * سفينةَ موجٍ حينَ في البحرِ قد سما

وضاقَ فضاءُ الأرضِ عنَّا بِرحْبهِ * * * لفقدِ رسول الله إذْ قيلَ قد مضى

فقد نَزَلَت بالمسلمينَ مُصيبةُ * * * كصدع الصفا(1)لاَشعبَ(2)للصدْع في الصفا

فلن يستقلَّ الناسُ ما حلَّ فيهمُ * * * ولن يُجبَرَ العظمُ الذي منهُم وهَيَ (3)

وفي كل وقتٍ للصلاة يَهيجُها * * * بلالٌ ويدْعُو باسمه كلَّما دَعا

ويَطلبُ أقوامٌ مواريثَ هالكٍ * * * وفينا مواريثُ النبوةِ والهُدى

ـ 9 ـ

وقال الإمام يوم بدر من بحر الطويل :

نَصَرْنا رسول الله لما تدابروا * * * وثابَ إليه المسلمون ذوو الحِجى

____________

(1) الصدع : الشق : الصفا : حجارة ملساء قوية.

(2) الشعب : الالتحام والضم والجمع.

(3) وهي العظم : ضعف.

29

ضربنا غُوَاةَ الناسِ عنه تكرُّماً * * * ولمَّا يَروْا قصدَ السبيل ولا الهُدى

ولما أتانَا بالهُدى كان كلُّنا * * * على طاعةِ الرحمنِ والحقّ والتُّقَى

ـ 10 ـ

وقال الإمام في الدنيا من بحر الطويل :

حياتُكَ أَنفاسٌ تُعَدُّ فكلَّما * * * مضَى نَفَسٌ أنقصتْ به جزءا

ويحييكَ ما يُفنيكَ في كل حالةٍ * * * ويحدُوك حادٍ (1) ما يريدُ بك الهُزْءا

فتصبحُ في نفْسٍ وتمشي بغيرِها * * * ومالكَ من عقْلٍ تُحسُّ به رزءا

ـ 11 ـ

وقال في الحث على العمل وطلب المعاش من بحر الوافرِ :

وما طلبُ المعيشةِ بالتمنيَّ * * * ولكن ألْقِ دَلوَكَ في الدِّلاءِ (2)

تجئْكَ بملْئِها يوْماً ويَوْماً * * * تجئكَ بحمْأَةٍ وقليلِ ماءِ

قافية الباء

ـ 12 ـ

قال الإِمام في الخالفة من بحر الطويل :

فان كنت بالشورى ملكتَ أُمورَهُمْ * * * فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ

وإن كنتَ بالقرْبَى حججتَ خصيمَهُمْ * * * فغيرُكَ أولى بالنّبيِّ وأقربُ

____________

(1) الحادي : السائق. حداه : ساقه.

(2) الدلاء : جمع دلو.

30

ـ 13 ـ

وقال الإمام لما نزل معاوية بصفين من الرجز :

لقد أتاكمْ كاشراً عن نابهِ * * * ويهمطُ (1) الناس على اغترابهِ

فلْيأتِنا الدهرُ بما أتى بهِ

* * *

وقال الإمام وهو بصفين من بحر الطويل :

ألم ترَ قومي إذ دعاهم أخوهُمُ * * * أجابوا وإن أغضبْ على القوم يغضَبُوا

هم حفظُوا غيْبي كما كنتُ حافظاً * * * لقوميَ أُخرى مثلَها إذ تغيَّبُوا

بنوا الحرب لَم تعقدْ بهم أُمهاتُهم * * * وآباؤهم آباءُ صدقٍ فأنجبوا

ـ 14 ـ

وقال الإِمام في حرب صفين وهو يبارز حريث قبل أن يقتله من بحر الرجز :

أنا عليٌّ وابنُ عبد المطلبْ * * * نحن لعمرُ الله أَولى بالكتبْ

منا النبيُّ المصطفى غير كذِبْ * * * أهلُ اللواءِ والمقامِ والحجُبْ

نحن نصرناهُ على جلِّ العرب * * * يا أَيها العبدُ الغريرُ المنتدبْ

أَثبتْ لنا يا أيها الكلب الكِلبْ

ـ 15 ـ

وقال الإمام لحريث أيضاً قبل أن يقتله من بحر الرجز :

أَنا الغلامُ العربيُّ المنتسِب * * * من خير عُودٍ في مُصاص (2) المطَّلِبْ

يا أَيها العبد اللئيمُ المنتدبْ * * * ان كنتَ للموت محبّاً فاقتربْ

واثبت رويداً أيها الكلبُ الكِلبْ * * * أَوْ لا فولِّ هارباً ثم انقلبْ

____________

(1) يهمط الناس : ظلمهم حقهم.

(2) المصاص بضم الميم خالص كل شيء.

31

ـ 16 ـ

وقال الإمام من بحر الطويل :

لعُمركَ ما الإِنسانُ إلا بدينه * * * فلا تترك التقوى اتكالاً على النسبْ

فقد رَفَع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ * * * وقد وضع الشركُ الشريفَ أَبا لهبْ

ـ 17 ـ

وقال الإمام في الفرج بعد الشدة من بحر الوافر :

إذا اشْتَمَلتْ على اليأسِ القلوبُ * * * وضاقَ لما به الصدرُ الرحيبُ

وأوطنَتِ المكارهُ واستقرَّتْ * * * وأَرسَتْ في أمكانها الخطوب

ولم ترَ لانكشاف الضُّرِّ وجْهاً * * * ولا أَغْنى بحيلتهِ الأريبُ

أَتاكَ على قُنوطٍ منك غوْثٌ * * * يمُنُّ به اللطيفُ المستجيبُ

وكل الحادثاتِ إذا تناهتْ * * * فموصولٌ بها فَرَجٌ قريبُ

ـ 18 ـ

وقال الإِمام من بحر البسيط :

إنِي أَقولُ لنفسي وَهي ضيقةٌ * * * وقَد أَناخَ عليه الدهر بالعجب

صبراً على شدَّة الأيام إنَّ لها * * * عُقبى وما الصبر إلا عند ذي الحسب

سيفتح الله عن قربٍ بنافعةٍ * * * فيما لمثلِكَ راحاتٌ من التعب

32

ـ 19 ـ

وبعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كان علي بن أبي طالب يغدو ويروح الى قبر نبي الله بعد وفاته ويبكي تفجعاً ثم يقول : يا رسول الله ما أحسن الصبر إلا عنك وأقبح البكاء إلا عليك ثم قال من الكامل :

ما غاض دمعي عند نازلةٍ * * * إلا جعلتك للبكا سببا

وإذا ذكرتُكَ ميِّتاً سَفَحَتْ * * * عيني الدموعَ فَفَاضَ وانسكبا

إني أجَلَ ثري حللت بِهِ * * * عن أَن أَرى لسواهُ منقلبا (1)

ـ 20 ـ

ولما قتل الإمامُ عمرو بن عبد ود وانكشف تنحى عنه وقال من بحر الكامل :

عبَدَ الحجارَةَ مِن سفاهةِ رأيه * * * وعبدتُ ربَّ محمدٍ بصوابِ

فصدَدْتُ حيت تركتُهُ متجدِّلاً * * * كالجِذْع بين دكادك (2) وروابي

وعففت عن أثوابه ولو انني * * * كنتُ المقطر (3) بَزَّني (4) اثوابي

لا تحسَبنَّ الله خاذلَ دينهِ * * * ونبيه يا معشرَ الأحزاب

أعليَّ تقتحم الفوارسُ هكذا * * * عنِّي وعنهم خبِّروا أَصحابي

فاليوم تمنعُني الفرارَ حفيظَتي * * * ومصمَّمٌ في الرأسِ ليسَ بنابي

أدَّى عميرٌ حين أخلصَ صَقْلَهُ * * * صافيِ الحديدةِ يستفيضُ ثوابي

فغدوتُ ألتمس القراعَ (5) بمرهَف * * * عَضْبٍ مع البتراءِ في أقرابِ

آلى (6) ابنُ عبدِ حين جاءَ محارباً * * * وحلفتُ فاستمِعُوا من الكذَّابِ

____________

(1) متقلبا. أي مقراً وقبراً.

(2) الدكادك : الصخور.

(3) المقطر : الملقي على القَطْر اي الجانب.

(4) بزني : سلبني.

(5) القراع : المقارعة والنزال.

(6) آلى : حلف.

33

ان لا يفِر ولا يهلِّلُ فالتَقَى * * * رجلان يلتقيانِ كلَّ ضِرَابِ

وغدوتُ ألتمس القِراعَ وصارمي (1) * * * عضب كلون المِلْحَ ليس بكابي

عرفَ ابنُ عبدٍ حينَ أَبصر صارماً * * * يهتزُّ أَنَّ الأمرِ غيرُ لِعابِ

ـ 21 ـ

وقال الإمام حين بدت له عورة عمرو بن العاص لما برز اليه يوم صفين فصرف وجهه عنه من بحرِ الرجز :

ضربٌ ثَنى الأبطال في المشاعبِ * * * ضرْبَ الغلامِ البَطلِ المَلاعِبِ

أين الضرابُ في العجاج (2) الثائبِ * * * حين احمرارِ الحدَقِ الثواقبِ

بالسيفِ في نهنهةِ الكتائبِ * * * والصبرُ فيه الحمد للعواقبِ

ـ 22 ـ

وقال الإمام من مخلعَ البسيط :

فرضٌ على الناسِ أن يَتُوبُوا * * * لكنَّ تركَ الذنوبِ أَوجبْ

والدهرُ في صَرْفِهِ عجيبُ * * * وغفلةُ الناسِ فيهِ أَعجَبْ

والصبرُ في النائِبات صعبٌ * * * لكنَّ فوت الثوابِ أَصعبْ

وكلُّ ما يُرتَجَى قريب * * * والموت من كل ذاك أَقربْ

ـ 23 ـ

وقال الإمام في يوم أحد حي خرج طلحة العبدري صحب لواءِ قريش وهو المسمى كبش الكتيبة ونادى إنكم تزعمون ان الله يعجلنا بسيوفكم إلى

____________

(1) الصارم : السيف القاطع.

(2) العجاج : الغبار.

34

النار ويعجلكم بسوفنا الى الجنة فهل منكم من يبارزني ، فخرج إليه علي وهو يقول : من بحر الرجز :

انا ابن الحَوْضيْن (1) عبدِ المطلبْ * * * وهاشمِ المُطْعِمِ في العام السَّغب (2)

أُوفي بميعادي وأَحمي عن حَسبْ

ـ 24 ـ

وقال الإمام في أبي لهب من بحر الطويل

أَبا لهبٍ تبتْ يداك أبا لهبْ * * * وتبَّت (3) يدها تلكَ حمالةُ الحطَبْ

خذلْتَ نبيّاً خيرَ من وطِئَ الحصَى * * * فكنتَ كمن باعَ السلامةَ بالعطَبْ (4)

وخِفْتَ أَبا جهلٍ فأصبحتَ تابعاً * * * له ، وكذلك الرأسُ يتبعُهُ الذَّنَبْ

فأصبحَ ذاك الأمرُ عاراً يَهيلُهُ * * * عليك حجيجُ البيت في موسم العربْ

ولو كان من بعض الأعادي محمدٌ * * * لحاميتَ عنهُ بالرماحِ وبالقُضُبْ (5)

ولم يسلموه أَو يُصَرَّعَ حولَهُ * * * رجالُ بلاءٍ بالحروبِ ذوو حَسَبْ

ـ 25 ـ

وقال الإِمام في الوفاء بين الناسِ من بحر الكامل :

ذهبَ ذهابِ الوفاءُ أَمسِ الذاهب * * * فالناسُ بينَ مُخاتل (6) ومُوارٍ (7)

يُفشُون بينهم المودَّةَ والصَّفا * * * وقلوبُه محشوَّةٌ بعقارِبِ

____________

(1) هما حوضا زمزم.

(2) أي الشديد السّغب وهو الجوع.

(3) التباب : الخسران والهلاك.

(4) العطب : الفساد والهلاك.

(5) جمع قضيبِ وهو السيف.

(6) أي مخادع.

(7) أي منافق.

35

ـ 26ـ

وقال الإمام مخاطباً ولده الحسن (رضي الله عنه) وذلك من بحر الطويل :

تردَّ رداءَ الصبرِ عند النوائبِ * * * تَنَلْ من جميلِ الصبر حُسْنَ العواقبِ

وكُنْ صاحباً للحلم في كل مشهدٍ * * * فما الحلمُ إلاَّ خيرُ خِدْنٍ (1) وصاحبِ

وكُنْ حافظاً عهد الصديق وراعياً * * * تذق من كمال الحفظ صَفْو المَشَاربِ

وكُنْ شاكراً لله في كلِّ نعمةٍ * * * يُثِبْك على النعمى جزيلَ المواهبِ

وما المرء إلا حيث يجعلُ نفْسَهُ * * * فكن طالباً في الناس أَعلى المراتبِ

وكُنْ طالباً للرزق من باب حِلَّةٍ * * * يُضاعَفْ عليك الرزق من كل جانب

وصُن منك ماءَ الوجه لا تبذِلنَّهُ * * * ولا تسأل الأرذال (2) فضل الرغائب

وكن موجباً حَقَّ الصديق إذا أتى * * * اليك ببِرٍّ صادقٍ منك واجبِ

وكُنْ حافظاً للوالدين وناصراً * * * لجاركَ ذي التقوى وأهْلِ التقارُبِ

ـ 27 ـ

وقال الإِمام في الدهر من بحر البسيط :

الدهرُ يخنق أحياناً قلادتَهُ * * * عليك لا تضطرب فيه ولا تَثِبِ

حتى يفرِّجها في حال مدَّتها * * * فقد يزيدُ اختناقاً كلَّ مضطرب

فليرجعنَّ إليك رزقُك كلَّه * * * لو كان أبعد من مقام الكوكب

ـ 28 ـ

وقال الإمام في عزة النفس من بحر الكامل :

لا تطلُبنَّ معيشةً بمذلةٍ * * * واربأ بنفسك عن دنيِّ المطلَب

واذا افتقرتَ فداوِ فقرَك بالغنى * * * عن كل ذي دنِسٍ كجِلْدِ الأجرب

____________

(1) الخدن : الصاحب.

(2) الأرذال : هم رعاع القوم وغوغاؤهم.

36

ـ 29 ـ

وقال الإِمام في الصبر من بحر الطويل :

فإن تسأَلنِّي كيف أنتَ فإنني * * * صبورٌ على ريب الزمان صعيِبُ

حريصٌ على أن لا يُرى بي كآبةٌ * * * فيشمتَ عادٍ أو يُساءَ حبيبُ

ـ 30 ـ

وقال الإمام في المال من الطويل :

يُغطِّي عيوبَ المرء كثرةُ ماله * * * يُصدَّقُ فيما قاله وهو كذوبُ

ويُزرِي بعقل المرءِ قِلةُ ماله * * * يحمِّقهُ الأقوام وهو لبيب

ـ 31 ـ

وقال الإمام والفقر من بحر الكامل :

غالبت كل شديدة فغلبتها * * * والفقر غالبني فأصبح غالبي

إن أُبْدِهِ يصفَحْ وإِن لم أُبْدِهِ * * * يَقْتُل فقُبّح وجهُه من صاحب

ـ 32 ـ

وقال الإمام في العقل من الطويل :

فلو كانت الدنيا تُنالُ بفطنة * * * وفضلٍ وعقلٍ نلتُ أعلى المراتبِ

ولكنما الأرزاقُ حظ وقسمةٌ * * * بفضل مليكٍ لا بحيلة طالب

ـ 33 ـ

وينسب إلى الإِمام في العقل أيضاً من بحر الطويل :

وأفضلُ قَسْم الله للمرءِ عقلُه * * * فليس من الخيراتِ شيءٌ يقاربُهْ

إذا أكملَ الرحمنُ للمرءِ عقلَهُ * * * فقد كمُلَتْ أخلاقُه ومآربُهْ

37

يعيش الفتى في الناس بالعقل إِنه * * * على العقل يَجْري علمُه وتجاربه

يزينُ الفتى في الناس صحَّةُ عقْله * * * وإن كان محظوراً عليه مكاسبُه

يشينُ الفتى في الناسِ قلةُ عقله * * * وإن كرُمتْ أعراقُه ومناصبهْ

ومن كان غلاباً بعقلٍ ونجدةٍ * * * فذو الجدِّ في أمر المعيشة غالبُهُ

ـ 34 ـ

وقال الإمام في العقل والحسب من بحر البسيط :

ليس البليَّةُ في أيَّامِنا عجباً * * * بل السلامةُ فيها أعجب العجبِ

ليس الجمال بأثواب تزيِّنُنَا * * * إن الجمالَ جمالُ العقلِ والأدبِ

ليس اليتيم الذي قد مات والده * * * إن اليتيمَ يتيمُ العلمِ والأدبِ

ـ 35 ـ

وقال الإمام في الحسب من المنسرح :

كن ابن من شئت واكتسب أدباً * * * يغنيك محموده عن النسب

فليس يُغْنِي الحسيبَ نسبتهُ * * * بلا لسانٍ له ولا أدبِ

إن الفتى من يقول ها أَنا ذا * * * ليس الفتى من يقول : كان أبي

ـ 36 ـ

وقال الإمام في الحسب أيضاً من الرمل :

أيها الفاجر جهلاً بالنسبْ * * * إنما الناس لأمِّ ولأبْ

هل تراهم خلقوا من فضة * * * أَم حديد أَم نحاس أم ذهبْ

بل تراهم خلقوا من طينةٍ * * * هل سوى لحمٍ وعظم وعَصَبْ

إنما الفخر لعقلٍ ثابتٍ * * * وحياءٍ وعفافٍ وأَدبْ

38

ـ 37 ـ

وقال الإِمام من بحر البسيط :

إني أَقول لنفسي وهي ضيقةٌ * * * وقد أناخ عليها الدهر بالعجبِ

صبراً على شدة الأيام أنَّ لها * * * عُقبى وما الصبر إلا عند ذي الحسبِ

سيفتح الله عن قُرْبٍ بنافعةٍ * * * فيها لمثلكَ راحاتٌ من التعبِ

ـ 38 ـ

وقال الإمام في فضل السكوت من المنسرح :

أَدبت نفسي فما وجدت لها * * * بغير تقوى الإله من أدبِِ

في كل حالاتها وإن قَصُرتْ * * * أَفضَل من صمتها على الكُرَبِِ

وغيبةُ الناس إنَّ غَيْبتَهم * * * حرَّمها ذو الجلال في الكُتُبِِ

إن كان من فضة كلامك يا نف * * * س فإن السكوت من ذهبِِ (1)

ـ 39 ـ

وقال الإمام لبنيه : يا بني إياك ومعاداة الرجال فإنهم لا يخلون من ضربين : عاقل يمكر بكم ، أو جاهل يعجل عليكم ، والكلام أنثى والجواب ذكر ، فإذا اجتمع الزوجان فلا بد من النتاج ثم قال من بحر الوافر :

سليم العِرْضِ مَنْ حَذِرَ الجوابا * * * ومن دارى الرجالَ فقد أَصابا

ومن هابَ الرجالَ تهيَّبُوه * * * ومن يُهِنِ الرجالَ فلن يُهابا

ـ 40 ـ

وقال الإِمام من الوافر :

وذي سفهٍ يواجهني بجهلٍ * * * وأكره أَن أَكون له مجيبا

يزيد سفاهةً وأزيد حلماً * * * كعُودٍ زاد بالإِحراق طيبا

____________

(1) وفي معناه الحمة المأثورة : إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.

39

ـ 41 ـ

وقال الإمام في الحكمة من مجزوء بحر الكامل :

البس أَخاك على عيوبهْ * * * واستر وغطِّ على ذنوبهْ

واصبرْ على ظلْمِ السفيهِ * * * وللزمانِ على خطوبهْ

ودعِ الجوابَ تفضُّلاً * * * وكِلِ الظَّلومَ إلى حسيبهْ

ـ 42 ـ

وينسب إلى الإمام وهو من بحر البسيط :

وذي سفهٍ يواجهني بجهلٍ * * * وأكره أَن أَكون له مجيبا

يزيد سفاهةً وأزيد حلماً * * * كعُودٍ زاد بالإِحراق طيبا

ـ 43 ـ

وقال الإمام من الطويل :

إذا رمتَ ان تُعْلَى فزر متوتراً * * * وإن شئت ان تزداد حباً فزر غِباً

منادمة الانسان تحسُنُ مرَّةً * * * وان أكثرُوا إدمانها أفسدوا الحبا

ـ 44 ـ

وقال الإِمام في فرقة الشباب والأحباب :

شيئان لو بكت الدماء عليهما * * * عينايَ حتى تأذنا بذهابِ

لم تبلغ المعشار من حقَّيْهما * * * فَقْد الشباب وفرقة الأحباب

____________

(1) الغب في الزيارة يوم ويوم وفي المثل : زر غبَا تزود حبا.

40

ـ 45 ـ

وقال الإِمام في الدهر من بحر الطويل :

وما الدهر والأيام إِلا كما ترى * * * رزيَّةُ مالٍ أو فِراقُ حبيبِ

وإنَّ امرءاً قد جرَّب الدهرَ لم يخفْ * * * تقلُّبَ حاليْه لغيرِ لبيبِ

ـ 46 ـ

ووقف الإمام على قبر فاطمة الزهراء بعد دفنها وقال من بحر الكامل :

ما لي وقفتُ على القبورِ مسلِّماً * * * قبرَ الحبيب فلم يردَّ جوابي

أحبيبُ مالك لا تردُّ جوابَنا * * * أنَسيتَ بعدي خُلَّةَ الأحباب

قال الحبيبُ وكيفَ لي بجوابكمْ * * * وأنا رهينُ جنادلٍ وترابِ

أكل الترابُ محاسني فنسيتُكم * * * وحُجبتُ عن أهلي وعن أترابي

فعليكُم مني السلام تقطَّعت * * * مني ومنكم خُلَّةُ الأحباب

ـ 47 ـ

وقال الإمام يخاطب الوليد بن المغيرة من بحر المتقارب :

يهددني بالعظيمِ الوليدُ * * * فقل : أنا ابن أبي طالبِ

أنا ابن المبجَّل بالأبطَحيْنِ * * * وبالبيت من سلفَيْ غالبِ

فلا تحسبنِّي أخَاف الوليد * * * ولا أنني منه بالهائب

فيا ابن المغيرة إنِّي امرء * * * سَمُوحُ الأنامل بالقاضب (1)

طويل اللسان على الشائنينَ * * * قصيرُ اللِّسانِ على الصاحبِ

____________

(1) القاضب : السيف القاطع.

41

خسرتُمْ بتكذيبكم للرسولِ * * * تعيبون ما ليس بالعائبِ

وكذَّبتموه بوحي السماءِ * * * أَلا لعنةُ الله للكاذبِ

ـ 48 ـ

وقال الإمام عند قتل الوليد بن عتبة يوم بدر من الرجز :

تبَّا وتعساً لك يا ابن عُتبهْ * * * أسقيك من كأس المنايا شربَهْ

ولا أُبالي بعد ذلك غِبَّة

ـ 49 ـ

وقال الإمام :

يا رب ثبِّت لي قدمي وقلبي * * * سبحانك اللهمَّ أَنت حسبي

ـ 50 ـ

وقال الإمام في يوم خيبر هو من بحر الطويل :

ستشهد لي بالكر والطعن راية * * * حباني بها الطهرُ النبيُّ المهذبُ

وتعلمُ أَني في الحروب إِذا الْتَظَى * * * بنيرانها الليث الهموسُ (1) المرجَّب (2)

ومثلي لاقى الهَوْلَ في مُفْظعاتِه * * * وفُلَّ له الجيشُ العَطَبْطبُ (3)

وقد علم الأحباء أني زعيمها * * * وأني لدى الحرب العُذَيْق المرجَبُ (4)

ـ 51 ـ

وفي يوم خيبر قال الشاعر اليهودي مرحب مخاطباً الإمام عليا :

قد علمتْ خيبرُ أَني مَرْحَبُ * * * شاكي السلاح بطلٌ مُجرَّبُ

إذا الليوثُ أَقبلتْ تلتهبُ * * * أَطعن أَحياناً وحيناً أَضرِبُ

____________

(1) اهموس الخفي الوطء.

(2) المرجب : المعظم.

(3) العطبطب : أي الشديد

(4) العذيق : ذو العز والفخر. المرجب : السيد المعظم.

42

فأجابه الإمام علي بقوله ( من الرجز ) :

أَنا علي بن عبد المطَّلبْ * * * مهذَّبٌ ذو سطوةٍ وذُو غَضَبْ

غُذِّيتُ في الحرب وعصيانِ النُّوَبْ * * * من بيتِ عزٍّ ليس فيه مُنشعَبْ

وفي يميني صارمٌ يجلو الكُربْ * * * من يلقَني يَلْقَ المنايا والعطبْ

وقال الإمام يوم الخيبر مخاطباً ياسراً وأهل خيبر ( من الرجز ) :

هذا لكم من الغلامِ الغالبي * * * من ضَرْبِ صدقٍ وقضاءِ الواجبِ

وفالقِ الهاماتِ والمناكبِ * * * أَجْمِي به قمَاقِمَ (1) الكتائبِ

وقال الإِمام يوم خيبر يخاطب الربيع بن أبي الحقيق الخيبري من الرجز :

أنا عليٌّ وابنُ عبد المطلبْ * * * أحمِي ذمارِي وأَذبُّ عن حَسَبْ

والموتُ خيرٌ للفتى من الهَرَبْ

وقال الإِمام يوم خيبر من الرجز أيضاً :

أنا عليٌّ وابنُ عبدِ المطلبْ * * * مهذّبٌ ذو سطوةٍ وذو حَسَبْ

قِرْنٌ إذا لاقيتُ قِرناً لم أَهَبْ * * * من يلقني يلقَى المنايا والكُرَبْ

ـ 52 ـ

وقال الإِمام يوم صفين من الطويل :

أَبَى اللهُ إلا أنَّ ( صِفِّينَ ) دارُنا * * * ودارُكُم ما لاحَ في الأفْق كوكبُ

إِلى أَن تموتوا أو نموتَ وما لَنَا * * * وما لَكُمُ عن حومةِ الحَرْبِ مَهْرَبُ

____________

(1) جمع قمقم ، وهو جملة الشيء وكثرته.

43

ـ 53 ـ

وقال الإِمام في يوم بئر ذات العلم من الرجز :

الليلُ هول يرهبُ المَهِيبَا * * * ويُذهِلُ المُشَجَّعَ اللبيبَا

فإنّني أهْوَلُ منه ذِيباً * * * ولستُ أخشى الروعَ والخطوبَا

إذا هززت الصارمَ القضيبا (1) * * * أبصرتُ منه عَجَباً عجيبَا

ـ 54 ـ

وينسب إلى الإِمام يذكر قبيلة الأزد من بحر البسيط :

الأزدُ سيفي على الأعداء كلِّهمُ * * * وسيفُ أحمد (2) من دانتْ له العربُ

قومٌ إذا فاجأوا أبلَواْ وإن غُلبوا * * * لا يحجمون ، ولا يدرون ما الهربُ

قوم لَبُوسُهمُ في كلِّ مُعتَرَكٍ * * * بيضٌ (3) رقاق وداوديةٌ (4) سَلَبُ

البيضُ فوق رؤوسٍ تحتها اليَلبُ (5) * * * وفي الأنامل سُمر لخُطِّ (6) والقُضَب

وأيّ يومٍ من الأيام ليس لهم * * * فيه من الفعل ما مِنْ دونه العجَبُ

الأزد أَزْيَدُ من يمشي على قدمٍ * * * فضلاً وأعلاهمُ قدراً إذا ركبوا

يا معشر الأزد أنتم معشرٌ انف * * * لا يضعفون إِذا ما اشتدت الحِقبُ

وفيتُم ووفاءُ العهدِ شيمتكم * * * ولم يخالطْ قديماً صدقَكمْ كذب

إذا غضبتمْ يهابُ الخلقُ سطوتكم * * * وقد يهونُ عليكم منهم الغضَبُ

يا معشر الأزد إني من جَميعكُمُ * * * راضٍ وأنتم رؤوسُ الأمر لا الذَّنَبُ

لن ييأس الأزد من روحٍ ومغفرةٍ * * * والله يكلؤُهُمْ من حيثُ ما ذهبوا

طبتُم حديثاً كما طاب أوَّلُكُمْ * * * والشوكُ لا يجتنى مِنْ فرْعِهِ العنبُ

والازد جرثومة (7) إن سوبقوا سبَقوا * * * او فُخِروا فخروا او غولبوا غلبوا

____________

(1) الصارم القضيب : السيف القاطع.

(2) رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم).

(3) أي سيوف.

(4) أي درع سابغة نسبة إلى داود (عليه السلام).

(5) اليلب : الترسة أو الدروع اليمانية.

(6) أن الرماح والقضب جمع قصيب وهو السيف.

44

أو كوثروا كثروا صوبروا صبروا * * * أو سوهِمُوا أسهموا أو سولبوا سلبوا

صفواْ فأصفاهمُ الباري ولايته * * * فلم يشب صفوَهُمْ لهوٌ ولا لعبُ

من حُسن أخلاقهم طابت مجالسُهم * * * لا الجهل يعروهُم فيها ولا الصخَبُ

الغيثُ إمَّا رُوَّضُوا من دون نائلهم * * * والأسدُ ترهبُهم يوماً إِذ غضبوا

أندى الأنام أكفا حين تسألهم * * * وأربط الناس جأشاً إن هم نُدبوا

وأيُّ جمعٍ كثير لا تفرَقُهُ * * * إذا تدانت لهم غَسَّانُ والندب

فالله يجزيهمُ عما أتوا وحَبَوْا * * * به الرسولَ وما من صالحٍ كسبوا

ـ 55 ـ

وقال الإمام في أيام صفين من الرجز :

يا أيها السائل عن أصحابي * * * أن كنتَ تبغي بن خيرَ الصوابِ

أنبئك عنهمْ غير ما تَكْذاب * * * بأنَّهمْ أوعية الكتابِ

صبرٌ لدى الهيجاءِ والضِّرابِ * * * فسلْ بذاكَ معشر الأحزاب

ـ 56 ـ

وقال الإِمام ينصح ابنه الحسين من بحر الكامل :

أحُسيْنُ إنِّي واعظ ومُؤدِّبٌ * * * فافهمْ فأنت العاقلِ المتأدِّبُ

واحفظ وصية والدٍ متحنِّنٍ * * * يغدوك بالآداب كيلا تعطَبُ

أَبُنيَّ إن الرزقَ مكفولٌ به * * * فعليكَ بالإِجمال فيما تطلبُ

لا تجعلنَّ المالَ كسبكَ مُفرَداً * * * وتُقى إلهكَ فَاجعلنْ ما تكسِبُ

كَفَلَ إلإِله برزق كلِّ بريَّةٍ * * * والمالُ عاريةٌ تجيءُ وتذهبُ

والرزقُ أسرعُ من تلفُّتِ ناظرٍ * * * سبباً إلى الإِنسانِ حين يُسبِّبُ

ومن السيولِ إلى مقرِّ قرارها * * * والطيرُ للأوكارِ حين تُصَوّبُ

أبُنيَّ إن الذكرَ فيه مواعظ * * * فمَنِ الّذي بعظاتِهِ يتأدَّبُ

فاقرأ كتاب الله جهدَك واتْلُهُ * * * فيمنْ يقومُ به هناكَ وينصِبُ

بتفكُّرٍ وتخشُّعٍ وتقرُّب * * * إن المقرَّبُ عنده المتقرِّبُ

45

واعبدْ إلهك ذا المعارجِ مُخْلِصاً * * * وانصتْ الى الأمثالِ فيما تُضْرِبُ

وإذا مررتَ بآيةٍ وعظيَّةٍ * * * تصفُ العذابَ فقفْ ودمعُك يُسْكَبُ

يا من يُعذِّبُ من يشاءُ بعدْلِهِ * * * لا تجعلنِّي في الذينَ تُعذِّبُ

إني أبوءُ بعثْرتي وخطيئتي * * * هرَباً إليك وليس دونك مَهْرَبُ

واذا مررتَ بآيةٍ في ذكْرها * * * وصْفُ الوسيلةِ والنعيمِ المُعجِبُ

فاسأل إلهكَ بالإِنابةِ مُخلصاً * * * دارَ الخلودِ سؤال من يتقرَّبُ

واجهدْ لعلَّكَ أَن تحلَّ بأرْضِها * * * وتنالَ روحَ مساكنِ لا تخرُبُ

وتنالُ عيشاً لاانقطاع لوقْتِه * * * وتنالُ مُلْكَ كرامةٍ لا تُسْلَبُ

بادرْ هواكَ إذا هممتَ بصالحٍ * * * خوفَ الغوايةِ إذ نجيءُ وتُغْلَبُ

وإذا هممتَ بسيِّءٍ فاغمضْ له * * * وتَجنَّب الأمرَ الذي يُتَجَنَّبُ

واخفضْ جناحكَ للصديقِ وكُنْ له * * * كأبٍ على أولادِه يتحدَّبُ (1)

والضيفُ أكرمْ ما استطعتَ جوارَهُ * * * حتى يعدَّك وارثاً يَتَنَسَّبُ

واجعلْ صديقكَ مَنْ إِذا آخيتَهُ * * * حفظ الإخَاء وكانَ دونَك يَضْربُ

واطلبْهمُ طلبَ المرِيض شفاءَهُ * * * ودعِ الكذوبَ فلَيس ممنْ يُصْحَبُ

واحفظْ صديقَكَ في المواطنِ كلِّها * * * وعليكَ بالمرءِ الذي لا يَكْذِبُ

وَاقْلُ الكذوبَ وقُرْبَهُ وجِوَارَه * * * إنَّ الكذوبَ ملطِّخٌ من يَصْحَبُ

يُعْطيك ما فوقَ المنى بلسانِه * * * ويروغُ منك كما يروغُ الثعلبُ

واحذرْ ذوي الملُقِ اللئامَ فإنَّهم * * * في النائباتِ عليكَ ممن يَخطبُ

يَسْعَوْنَ حَولَ المرءِ ما طمِعُوا به * * * واذا نَبا دهرٌ جَفَوْا وتغيَّبوا (2)

ولقد نصحتُكَ إنْ قبلتَ تصيحتي * * * والنصحُ أرخصُ ما يباع ويوهَبُ

____________

(1) من الحدب وهو العطف والحنان.

(2) من الغيبة وهي الذم في المغيب.

46

ـ 57 ـ

وقال الإِمام من بحر الطويل :

إذا جادَت الدنيا عليكَ فجُدْ بها * * * على الناسِ طُرّاً إنها تتقلَّبُ

فلا الجودُ يفنيها إذا هي اقبلت * * * ولا البخلُ يبقيها إذا هي تذهبُ

ـ 58 ـ

وقال الإمام من الوافر :

عجبتُ لجازعٍ بك مصابٍ * * * بأهلٍ أَو حميمٍ ذي اكتئابِ

يَشُقُّ الجيبَ يدعو الويلَ جهلاً * * * كأنَّ الموتَ بالشيءِ العجابِ

وساوى الله فيه الخلق حتَّى * * * نبيُّ الله منهُ لم يحابِ

له ملِكٌ ينادي كلَّ يومٍ * * * لِدُوا للموت (1) وابنوا للخرابِ

ـ 59 ـ

وقال الإِمام وهو ينصح ابنه الحسين من المتقارب :

حسينُ إذا كنت في بلدةٍ * * * غريباً فعاشرْ بآدابها

ولا تَفْخَرَنْ بينهم بالنهى * * * فكلُّ قبيلٍ بألبابها

ولو عمل ابنُ أبي طالبٍ * * * بهذي الأمور لفُزْنا بها

ولكنَّهُ اعتامَ (2) أمرَ الإلهِ * * * فأخرقَ فيهمْ بأنيابها

عذيرك من ثقةٍ بالذي * * * يُنيلُكَ دنياكَ من طابِها (3)

فلا تمرحنْ لأوزارِها * * * ولا تضجَرَنَّ لأوصابها (4)

قِسِ الغَدَ بالامسِ كي تستريحَ * * * ولا تَرْمِ نفسك في نابها

____________

(1) لدوا من ولد ، اي خلفوا.

(2) اعتام : اختار واصطفى.

(3) أي طيبها.

(4) الأوصاب جمع وصب وهو المرض والسقام.

47

ـ 60 ـ

وقال الإِمام فيما ينسب إليه من الوافر :

قريح (1) القلبِ من وجَعِ الذنوب * * * نحيلُ الجسم يَشْهَقُ بالنحيب

أضرَّ بجسمه سَهَرُ الليالي * * * فصارَ الجسمُ منه كالقضيبِ (2)

وَغيِّرَ لونَهُ خوفٌ شديدٌ * * * لِمَا يلقاهُ من طول الكروبِ

ينادِي بالتضرعِ يا إِلهي * * * أقِلْني عثرتي واسْتُرْ عُيوبي

فزعتُ إلى الخلائقِ مستغيثاً * * * فلم أَرَ في الخلائقِ من مجيبِ

وأنتَ تجيبُ من يدعوكَ ربِّي * * * وتكشفُ ضرَّ عبدِكَ يا حبيبي

ودائي باطنٌ ولديك طِبٌّ * * * ومَنْ لي مثلَ طبِّكَ يا طبيبي

ـ 61 ـ

وقال عند قبر فاطمة الزهراء ابنة رسول الله وزوج الإِمام علي من بحر الوافر :

حبيب ليس غيرك لي حبيب * * * وما لسواه في قلبي نصيبُ

حبيب غاب عن عيني وجسمي * * * وعن قلبي حبيبي لا يغيبُ

ـ 62 ـ

وقال الإِمام من الطويل :

فلم أَرَ كالدنيا بها اغترَّ أهلها * * * ولا كاليقين استأنس الدهرَ صاحبُه

أمرُّ على رمس القريب كأنما * * * أَمُرُّ على رمس امرىءٍ مات صاحبُه

اذا ما اعتريت الدَّهر عنه بحيلةٍ * * * تُجدِّدُ حزناً كلّ يوم نوادبُه

____________

(1) أي جريح.

(2) أي كالعود.

48

ـ 63 ـ

وقال الإِمام من البسيط :

لو صيغ من فضة نفسٌ على قدَرٍ * * * لعادَ من فضله لمَّا صفَا ذهبا

مالفتىً حسبٌ إلا إذا كملَتْ * * * أخلاقُه وحوَى الآدابَ والحسَبا

فاطلبْ فديتُكَ علماً واكتسبْ أَدبا * * * تظفرْ يداك به واستعجل الطلبا

لله درُّ فتىً أنسابُهُ كرَمٌ * * * يا حبذا كَرَمٌ أضحَى له نسبا

هل المروءة إلا ما تقومُ به * * * من الذِّمامِ وحفْظِ الجارِ إِن عَتَبا

من لم يؤدِّبْه دين المصطفى أدَباً * * * محضاً تحيَّرَ في الأحوالِ واضطربا

ـ 64 ـ

وقال الإِمام من الوافر :

سيكفيني المليكُ وحَدُّ سيفٍ * * * لَدَى الهيجاءِ يحسبه شهابا

وأسمرُ من رماحٍ الخطِّ لَدْنٌ (1) * * * شددتُ غرابَهُ أن لا يحابى

أذودُ به الكتيبةَ كل يومٍ * * * إذا ما الحربُ تضطرمُ التهابا

وحولي معشرٌ كرمُوا وطابوا * * * يُرَجُّون الغنيمةَ النِّهابَا

ولا يَنْجُونَ من حذَرِ المنايا * * * سؤال المال فيها والإِيابا

فدعْ عنك التهدُّدَ واصل ناراً * * * اذا خمدتْ صَلَيْتَ لها شهابا

____________

(1) لدن : لين : الخط : بلدة بالبحرين تصنع الرماح.

49

القصيدة الزينبية

تنسب القصيدة الزينبية إلى الإِمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وهي من أبلغ المدائح والمواعظ والنصائح من الكامل :

صرَمتْ حبَالَكَ بعد وصلكَ زينبُ * * * والدهرُ فيه تصرُّمٌ وتقلُّبُ

نشرت ذوائبَها (1) التي تُزْهَى بها * * * سوداً ورأسك كالثغامةِ (2) أَشيب

واستنفرَتْ لمَّا رأَتكَ وطالما * * * كانت تحِنُّ إلى لقاكَ وتَرْهب

وكذاكَ وصلُ الغانياتِ فإنَّهُ * * * آلٌ (3) ببلقعةٍ وبرق خُلَّبُ (4)

فدع الصِّبَا فلقد عَداكَ زَمانُه * * * وازهدْ فهمرُك منه ولَّى الأطيبُ

ذهب الشبابُ فما له من عودةٍ * * * وأَتى المشيبُ فأين منه المهربُ

ضيفٌ أَلمَّ إليك لم تحفِلْ به * * * فترى له أَسفاً ودمعاً يَسكبُ

دَع عنك ما قد فاتَ في زمنِ الصِّبا * * * واذكُرْ ذنوبَكَ وابكِها يا مذنبُ

واخشَ مناقشة الحسابِ فإنه * * * لا بدَّ يُحصَى ما جنيتَ ويكتب

لم ينسَه الملَكانِ حين نسيتَه * * * بل أَثبتاه وأَنتَ لاهٍ تلعب

والروحُ فيكَ وديعةٌ أُودِعْتَها * * * ستردُّها بالرغمِ منك وتُسلَبُ

وغرورُ دنياكَ التي تسعَى لها * * * دار حقيقتُها متاعٌ يُذْهَبُ

والليلُ فاعلم والنهارُ كلاهما * * * أَنفاسُنا فيها تُعَدُّ وتُحْسَبُ

وجميعُ ما حصَّلتَهُ وجمعتَه * * * حقّا يقيناً بعد موتِكَ يُنهَب

____________

(1) الذوائب :جدائل الشعر المضفور.

(2) الثغامة : شجرة زهرها وثمرها أبيض.

(3) الآل : السراب.

(4) خلب : أي كاذب.

50

تباً لدارٍ لا يدوم نعيمُها * * * ومُشيدُها عما قليلٍ يُخْربُ

فاسمعْ هُدِيتَ نصائحاً أولاكها * * * بَرٌّ لبيبٌ عاقلٌ متأدِّب

صحبَ الزمان وأهله مستبصراً * * * ورأى الأمور بما تؤوبُ وتُعْقِبُ

أُهدِي النصيحةَ فاتعظْ بمقالةٍ * * * فهو التقيُّ اللوذعيّ الأدرب

لا تأمن الدهرَ الصُّرُوفَ فإنَّهُ * * * لا زالَ قِدْماً للرجال يُهذّب

وكذلكَ الأيامُ في غدواتِها * * * مَرَّتْ يُذلُّ لها الأَعزُّ الأنجب

فعليكَ تقوى الله فلزمها تفُزْ * * * إنَّ التقي هو البهى الأهيب

واعمل لطاعته تنلْ منه الرِّضا * * * إنَّ المطيعَ لربه لمُقرَّب

فاقنعْ ففي بعض القناعةِ راحةٌ * * * واليأسُ ممَّا فات فهو المطلب

وإِذا طمعتَ كُسيت ثوب مذلةٍ * * * فلقد كُسِي ثوبَ المذلة أَشعبُ

وتوقَّ (1) من غدْرِ النساءِ خيانةً * * * فجميعُهنَّ مكائدٌ لكَ تُنصَب

لا تأمن الأنثى حياتَكَ إنَّها * * * كالأفعُوانِ يُراعُ منه الأنيب (2)

لا تأمنِ الأنثى زمانَكَ كلَّه * * * يوماً ولو حلَفتْ يميناً تكذِبُ

تُغْري بطيب حديثِها وكلامِها * * * وإِذا سطتْ فهي الثقيلُ الأشطبُ (3)

واجهْ عدوَّكَ بالتحيةِ لا تكنْ * * * منه زمانَكَ خائفاً تترقبُ

واحذرْهُ يوماً إن أَتَى لك باسماً * * * فالليثُ يبدو نابُه إذْ يَغْضَبُ

إِن الحَقُودَ وإِن تقادمَ عهدُه * * * فالحقدُ باقٍ في الصدورِ مُغَيَّبُ

وإذا الصديقُ رأَيتَهُ متعلِّقاً * * * فهو العدوُّ وحقُّه يُتجنّبُ

لا خيرَ في ودِّ امرئٍ متملِّق * * * حلوِ اللسانِ وقلبُه يتلهَّبُ

يلقاكَ يحلفُ أَنه بكَ واثقٌ * * * وإذا توارى عنك فهْو العقربُ

____________

(1) من الوقاية.

(2) صاحب الأنياب.

(3) أي فهي السيف الحاد القاطع.

51

يعطيكَ من طرفِ اللسانِ حلاوة * * * ويروغُ منك كما يروغُ الثعلبُ

واخترْ قرينَكَ واصطفيهِ تفاخراً * * * إن القرينَ إلى المقارنِ يُنسَبُ

إنَّ الغنِيَّ من الرجال مكرَّمٌ * * * وتراه يُرْجَى ما لديه ويُرْهَبُ

ويُبَشُّ بالترحيب عند قدومهِ * * * ويُقامُ عند سلامهِ ويُقرَّبُ

والفقرُ شَيْنٌ للرجال فإنَّه * * * يُزْرى به الشهمُ الاديب الأنسبُ

واخفِضْ جناحك للأقاربِ كلِّهمْ * * * بتذلُّل واسمحْ لهم إِن أَذنبوا

ودع الكَذُوبَ فلا يكنْ لك صاحباً * * * إن الكذوبَ لبئسَ خِلا (1) يُصْحَبُ

وذرِ الحسودَ ولو صفا لك مرَّةً * * * أَبعدْهُ عن رؤياك لا يُسْتَجْلَبُ

وزنِ الكلامَ إِذا نطقتَ ولا تكنْ * * * ثرثاؤةً (2) في كل نادٍ تخطُبُ

واحفظْ لسانَكَ واحترِزْ من لفظِهِ * * * فالمرءُ يَسْلَمُ باللسان ويُعطَبُ

والسرَّ فاكتمْهْ ولا تنطِقْ به * * * فهو الأسيرُ لديك إذْ لا يُنشَبُ

واحرصْ على حفظ القلوبِ من الأذى * * * فرجوعها بعد التنافرِ يَصعُبُ

إن القلوبَ اذا تنافر ودُّها * * * شبهُ الزجاجة كسرُها لا يُشْعَبُ (3)

وكذاك سرُّ المرءِ إن لم يَطْوِه * * * نشرتْه ألسنةٌ تزيدُ وتكْذِبُ

لا تحرِصنْ فالرحصُ ليس بزائدٍ * * * في الرزق بل يُشْقى الحريص ويُتعِبُ

ويظلُّ ملهوفاً يرومُ تحيُّلاً * * * والرزقُ ليس بحيلةٍ يستجلَبُ

كم عاجزٍ في الناس يُؤْتَى رزقُهُ * * * رَغِداً ويُحرَم كيس ويخيَّب

أدِّى الامانةَ ، والخيانةَ فاجتنبْ * * * واعدِلْ ولا تظلم فيطيبُ المكسب

واذا بُليتَ بنكبة فاصبرْ لها * * * أوقد رأَيتَ مسلِّماً لا يُنْكَبُ (4)

____________

(1) أي صديقا.

(2) أي كثير الثرثرة وهي لغو الكلام وباطله.

(3) أي لا يمكن التحام الكسر.

(4) الاستفهام هنا للانكار.

52

وإذا أصابكَ في زمانك شدَّةٌ * * * وأصابكَ الخطبُ الكريةُ الأَصعبُ

فالْجأْ لربّك إنه أَدنى لمنْ * * * يدعوه من حبل الوريد وأقربُ

كنْ ما استطعتَ عن الأنام بمعزل * * * ان الكثيرَ من الورى لا يُصْحَبُ

واجعلْ جليسكَ سيِّداً تحظى به * * * حبرٌ لبيبٌ عاقلٌ متأدِّبُ

واحذرْ من المظلومِ سهماً صائباً * * * واعلمْ بأن دعاءَه لا يحُجَبُ

وإذا رأيتَ الرزقَ ضاق ببلدةٍ * * * وخشيتَ فيها أَن يضيقَ المكسبُ

فارحَلْ فأرضُ الله واسعةُ الفضَا * * * طولاً وعرْضاً شرقُها والمغربُ

فلقد نصحتكَ إن قبلتَ نصيحتي * * * فالنصحُ أَغلى ما يباع ويوهَبُ

خُذها إليك قصيدةً منظومةً * * * جاءتْ كنظم الدر بل هي أعجبُ

حِكَمٌ وآدابٌ وجُلُّ مواعِظٍ * * * أَمثالُها لذوي الصائل تُكتَبُ

فأصِخْ لوعظِ قصيدةٍ أولاكَها * * * طودُ العلوم الشامخاتِ الأهيبُ

أعني عليّاً وابنَ عمِّ محمدٍ * * * من ناله الشرفُ الرفيعُ الأنسبُ

يا ربِّ صَلِّ على النبيِّ وآلِهِ * * * عددَ الخلائقِ حصرُها لا يحسبُ