زواج بغير اعوجاج

- السيد حسين هادي الشامي المزيد...
119 /
1

-

2

بسم الله الرحمن الرحيم

إهداء

* الى القراء الأحرار الذين يتطلعون الى حياة زوجية سعيدة.

* الى الذين يدعون ربهم ليهب لهم من أزواجهم وذرياتهم قرة أعين.

* الى الذين لا يحكمون للكتاب أو عليه إلا بعد تفهم بحوثه.

وبالتالي أناديهم مخلصا أن يحملوا الكتاب في قلوبهم ويقرأوا جميع سطوره وينشروا مفاهيمه بين الناس بأقرب فرصة وأوسع نطاق ويتوجهوا أولا الى عائلاتهم.

( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )

المؤلف

3

-

4

الزوجة الذرية

تتجلى زوجية الذرة في الإلكترون والبروتون ، وهما قسمان تحتوي عليهما الذرة ، يحمل أحدهما شحنة موجبة والآخر يحمل شحنة سالبة .. وذلك ما أشار إليه القرآن الكريم قبل مئات السنين ليتبيّن إعجازه وصدوره من رب العالمين ، فتطمئن القلوب بحكمة خالقها ، وتزداد إيمانا بإتقان صنع مخلوقاته من أصغرها إلى أكبرها فقال تعالى :

(أ) ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) ( الذاريات / 49 ).

(ب) ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) ( يس / 36 ).

أيها القراء الكرام ، تدبروا هاتين الآيتين وفكروا في الجملتين ( ومن كل شيء ) في الآية الأولى و ( ومما لا يعلمون ) في الآية الثانية ، وتصوروا بأنكم حاضرون عند محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) واصحابه الطيبين وسلم قبل أربعة عشر قرناً وهو ينطق بهما ، فهل يجوز لقارئ حر أن يعتبرهما من إنشائه وهو لا يرى الزوجية في كل شيء ، بل يراها في أصناف معينة من الأحياء كما في الآية الأولى ( ومن كل شيء ) ؟ وهل يجوز لرجل أمي أن يعلن جهل الناس بزوجية مستورة وهو يشترك معهم في هذا الجهل ، كما في الآية الثانية ( ومما لا يعلمون ) ؟ كلا ـ فإن القارئ الحر الواعي يؤمن بأن الآيتين صادرتان من خالق الأشياء ( ومن كل شيء خلقنا زوجين ) وممن أعلن جهل عباده بزوجية الذرة في زمن صدور الآية ( ومما لا يعلمون ) وعلمهم ما لم يعلموا في القرن العشرين ( كما بحثت الآيتان والله أعلم ) قال تعالى : ( علّم الإنسان ما لم يعلم ) ( العلق / 5 ).

5

نهاية المطاف : إن أملي وطيد بأن القارئ العزيز يتدبر ما مر ذكره ، ويتفكر فيما قرأه متخليا عن الشهوات والأهواء والتعصب لتقليد الآباء ، ومنزها عن التحيز لما لديه من الآراء ، فيزداد إيمانه برسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان مسلما. وأما غير المسلم فيسطع في قلبه نور الإيمان بأن القرآن من الرب الرحمن ، فيصبح مسلما يؤمن بأن محمدا هو رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وأصحابه المنتجبين الميامين.

6

تنبيه هام

بناء على الرغبة الملحة من قبل بعض الإخوة المؤمنين في إعادة طبع كتاب « كلمة الإنسانية العليا » ، وعدم إتاحة الفرصة للاستجابة لهم بصورة تامة ، عزمت بعون الله تعالى أن أقتطف من الكتاب المذكور أهم مواضيعه ، وهي التي تبحث في الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر ، وخلاصة ما يجب على المسلم أن يعمل بعد الإيمان ليضمن سعادته في الدنيا والآخرة. وقد جعلت ما اقتطفته مقدما على بحث الزواج ليكون ذلك قاعدة رصينة لبنائه ، وامتدادا لشرح الآيتين الكريمتين اللتين تناديان الإنسان للتوجه بقلبه إلى ربه ، والسعي لكسب مرضاته ومغفرته ، وذلك بالتفكر في قدرته العظمى التي تتجلى في هيمنته على كل ذرات الكون ، فقد قال تعالى : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) ( الذاريات / 49 ـ 50 ). اللهم إنا نعوذ بك من أن نفر منك ، ونسألك أن توفقنا للفرار إليك ، إنك سميع مجيب.

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

المؤلف

7

أين أنتم ذاهبون أين ؟

سَبّحوا خالق الذرة زوجين

سبحان الله الذي أنشأ الذرة فأتقن إنشاءها كما بينه العلم.

(أ) تكوين الذرة : ـ تتكون الذرة من ثلاثة أجزاء : في المركز يوجد البروتون وهو ذو شحنة إيجابية ، ومعه النترون وهو ذو شحنة حيادية. وهناك في المدارات الخارجية توجد الإلكترونات وهي ذوات شحنة سلبية ، وعدد البروتونات الموجودة في النواة تساوي عدد الإلكترونات الموجودة في المدارات الخارجية ، وهكذا تتوازن الذرة من الناحية الكهربية.

(ب) وزن الذرة : ـ يتوقف وزن الذرة بشكل أساسي على البروتون والنترون ، ولقد وُجد أن وزن البروتون هو جزء من مليون مليار مليار من الغرام تقريبا. أما وزن الإلكترون فهو أخف من البروتون بصورة مذهلة. فوزن البروتون يساوي 1837 مرة وزن الإلكترون ( سبحان الله ).

(ج) حجم الذرة : ـ تشبه الذرة شكلا كرويا ، وقطرها يعادل جزءاً من مائة مليون من السنتمتر ، ولكن الدهشة تكمن في أن قطر النواة ( البروتونات والنترونات ) أصغر من قطر الذرة بعشرة آلاف مرة ، فيتجلى بذلك الفراغ الهائل في التكوين ما بين البروتونات والإلكترونات.

وخلاصة القول : لو أن عشرة ملايين ذرة اجتمع بعضها بجانب بعض ( مثلا ) فإنها تبلغ طولاً قدره ملليمتر واحد فقط.

(د) حركة الذرة : ـ يدور الإلكترون حول النواة بسرعة ثلاثة آلاف كيلومتر في الثانية الواحدة ( سبحان الله العظيم الذي عظّم هذه السرعة ) (1)

____________

(1) راجع : (أ) كتاب « الطب محراب الإيمان » الدكتور خالص كنجو ص : 25 ـ 28.

(ب) « الذرة والكون » بيار روسّو.

ترجمة : عصام ميّاس ـ ص : 9 ـ 10 ، 30 ـ 32.

8

وبعد ذلك كله يجب علينا أن نستجيب لنداء الله تعالى بقوله :

( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ) ( الذاريات / 49 ـ 50 ) فإذا كنا فارين منه بالكفر والمعاصي فلنفر إليه بالإيمان والاستغفار والأعمال الصالحة قبل أن يأتي يوم لا مفر فيه من حكم الله وعقابه فإنه أحكم الحاكمين. فهو قد هيمن على الذرة وفروعها ، وهو المهيمن على أعمالنا وهو محصيها وسيحاسبنا على أصغر ما فيها ، كما قال تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) ( الزلزلة / 7 ـ 8 ) وقال تعالى أيضا : ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) ( يونس / 61 ) فيجدر بالإنسان إذن أن يتوب من ذنوبه ويستغفر ربه ، فإنه أرحم الراحمين ويحب التوابين والمستغفرين ، كما قال تعالى : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ).

الفارون من الله

الكافر الملحد هو المنكر لوجود الله تعالى ، ويزعم أن هذا الكون وُجد بقوانين طبيعية متطورة للمادة (1). يُرد هذا الرأي بتحكيم العقل السليم من أمراض الشهوات والأهواء والتعصب لتقليد الآباء ، والتحيز لما لديه من الآراء ، فيقرر أن تلك القوانين لا بد أن يكون لها ابتداء زمني يُهيمن عليها قانون السببية وهو :

1 ـ أن لكل متحرك بنظام محركا عاقلاً خارجاً عنه.

2 ـ أن لكل مصنوع صانعا ، وأن لكل بناء بانيا. فمن أنكر هذا القانون

____________

(1) قد يسأل الأطفال والجهال مَن خلق الله ؟ الجواب : إن الله تعالى يمتاز بصفة خاصة وهي أنه ليس له خالق ، وأن السؤال يدعو إلى التسلسل وهو من خلق الخالق .. وهكذا ، ونسأل الملحد من الذي خلق الطبيعة ؟ فالسؤال ليس له أي وزن علمي.

9

فليأت برهانه إن كان من الباحثين الأحرار المخلصين ، ومن زعم أن هذا القول قد أكل الدهر عليه وشرب ، كان كمن ينقد مهندسا ( مثلا ) يراه يُجري عملية الضرب ( 5 × 6 = 30 ) أثناء عمله ، فيقول إن طلاب الدراسة الابتدائية يفعلون ذلك ، فيتهم المهندس بالجمود والرجعية ( نعوذ بالله من التخلف الفكري ).

لكي تطمئن القلوب

أولاً : ـ لقد درس الفيلسوف الشهير « جان جاك روسو » حركة الكون بما فيه من ملايين لا تعد ولا تحصى من النجوم والكواكب والكائنات الأخرى ، فتوصل بعبقريته الرفيعة إلى الاعتراف بمحرك حكيم عليم لهذا العالم وهو خارج عنه. والجدير بالذكر هو أن « روسو » من أشهر الفلاسفة الفرنسيين بل العالم كله ، فهو الذي اشتهر بإصدار نظرية «العقد الاجتماعي» ، ويعتبر أكبر محفز للثورة الفرنسية بمابثه في النفوس من تعاليم وأفكار تلقاها زعماء الثورة من مؤلفاته ومقالاته ، فأحرزوا النصر في كفاحهم الثوري. لقد بين « روسو » أن الحركة لا تتصف بها المادة بصورة اصلية ذاتية ، بل هي صادرة من سبب خارج عنها ، ويستحيل أن نفترض بأنها إرادية فيها ، لأن هذا الوجود المشاهد (1) ليس في مجموعه حس عام كما يوجد بين أجزاء الجسد الحي فلا يتحرك بذاته وإرادته ، فحركاته آتية إليه من سبب خارج عنه ، وهو كائن عاقل يتحرك الكون بقوته وإرادته ( راجع دائرة المعارف تأليف محمد فريد وجدي ـ المجلد الأول ص : 500 ).

ثانيا : ـ يقول الملحدون بتعبيرا آخر إن الطبيعة والصدفة هما السببان لوجود هذا الكون ، فنقول لهم :

(أ) الطبيعة : كلمة يجب على الناطق بها أن يعين مفهومها ووجودها ، وإذا لم يتحقق ذلك فكيف يحصل الاسم بغير وجود المسمى؟ هل الطبيعة هي

____________

(1) نشاهد حركته المنظمة وسيرها المنطلق من العلم والتدبير.

10

المادة نفسها ، أو أن لها وجوداً خارجاً عن المادة ؟ فإذا اعتبرها القائل بها أنها هي المادة ، فيستحيل عليه ( إذا كان باحثاً محققا ) أن يزعم أن تلك المادة هي المتطورة والمُطورة ، والصانعة والمصنوعة في آن واحد. فهل يجوز لنا مثلا أن ندعي أن مادة الخشب تصنع الكرسي بطبيعتها ، أو أن مادة الحديد تصنع السيارة بطبيعتها ؟ كلا ثم كلا. وكذلك لا يجوز لنا أن نتصور أو نحتمل أن مادة الكون هي التي أوجدت وأنشأت الكائنات بطبيعتها. ( فكر وتأمل ) ـ فلكل مصنوع صانع ، ولكل بناء بان ( كما مر ) وذلك من الأمور البديهية بالنسبة لخصائص المادة ـ فكما أن الذرات لها خصائص كيمياوية وفيزياوية لا تحيد عنها ، كذلك من خصائصها اللازمة لها منذ وجودها أنها لا تسير ولا تتغير ولا تتطور إلا بمؤثر خارج عنها. ولزيادة الإيضاح نقول إن مواد الصناعة والبناء لها خصائصها الطبيعية ، ولكن تلك الخصائص لم تكن هي المنتجة للمصنوعات والمنشآت ، بل يتم الإنتاج بأيدي العلماء والمفكرين والعمال الواعين المتعلمين.

فماذا تقول إذن ـ أيها القارئ العزيز ـ في المصنوعات الكونية والمنشآت العالمية التي لا تعد ولا تحصى .. من نبات وحيوان وجماد ، وقد أُتقن صنعها وأحكم إنشاؤها ؟ أليس ذلك دليلا قاطعاً على وجود خالق حكيم أنشأ تلك الموجودات ؟

ـ أنتهى شرح موضوع « الطبيعة » التي تُعتبر هي المادة. والآن نبحث عن الطبيعة التي تعتبر خارجة عن المادة ، فنقول إن هذا الاعتبار يكون على إحدى الصور التالية :

(أ) وجود الطبيعة مع المادة والعالم.

(ب) ظهورها بعد نشأة الكون.

(ج( كونها قبل خلق الموجودات والكائنات.

أما الصورة الأولى فغير معقولة ، وأما الصورة الثانية فمستحيلة ، بقيت

11

الصورة الثالثة وهي وجود الطبيعة قبل المادة والكون ، وذلك في حالة أزلية لا ابتداء فيها ، فأرادت إيجاد العالم فأوجدته بخلق مادة بطريقة لا تدركها العقول ، وتصرفت فيها بحكمة وتدبير فنشأت المخلوقات المحيرة للعقول وذلك مما لا ريب فيه. فإذا كان ذلك فلماذا لا نسمي تلك الطبيعة بكلمة الله؟ ولماذا لا نعتبر مفهوم الطبيعة تلك القوانين والخواص التي أودعها الله تعالى في مادة الكون بإرادته الحكيمة ، والتي ظهر منها ( علم الطبيعيات ) ؟

وبعد هذا كله فإن أملي وطيد أن يكون البحث عن الطبيعة قد طُبع على صفحات القلوب الواعية ، فتبرز خاشعة لطبيعة الله ( ذاته ) الحكيمة العليمة التي أبدعت طبائع الكائنات التي تسبح لخالقها العزيز الحكيم.

(ب) أما الصدفة : فهي حدوث شيء ووقوع أمر بغير قصد واختيار ، ولكننا مع ذلك نجد أسباباً وعوامل لحدوث مظاهر تلك الصدفة ونضرب لذلك مثلين :

1 ـ خرج طفل من داره فصادفته سيارة ودهسته. فهذه الصدفة لها أسباب عديدة أهمها : حركة الطفل وجهله أو غفلته في السير ، وكذلك حركة السيارة وغفلة سائقها وتسامحه في مراعاة السرعة المناسبة.

2 ـ دخل شخص في بناء قديم فتهدم البناء عليه عند دخوله فخر ميتا ، فهذه الصدفة سببها حركة الشخص ووصول تفكك أجزاء البناء إلى نهايته عند وصول الشخص المذكور إليه.

أيها القارئ العزيز : أمعن النظر في المثلين السابقين وفكر في أسباب حدوث الكون ، وسر في ميادينها وانظر بفكرك الثاقب إلى أين يكون المستقر.

ثالثا : ـ خذ عشرة بنسات كلا منها على حدة ، وضع عليها أرقاماً مسلسلة من ( 1 ـ 10 ) ، ثم صفّها في جيبك وهزها هزاً شديداً ، ثم

12

حاول أن تسحبها من جيبك حسب ترتيبها من ( 1 ـ 10 ) ، فتكون فرصة سحب البنس رقم (1) هي بنسبة (1) إلى (10) ، وفرصة سحب رقم (1) إلى (2) متتابعين هي بنسبة (1) إلى (100) وفرصة سحب (1) ، (2) ، (3) ، (4) متوالية هي بنسبة (1) إلى (10000) وهكذا حتى تصبح فرصة سحب البنسات بترتيبها الأول هي بنسبة (1) إلى عشرة بلايين ( كما تقرر في القانون الرياضي الثابت ). والغرض من هذا المثل البسيط هو أن نبين لك كيف تتكاثر الأعداد بشكل هائل ضد المصادفة العمياء على أي أرض وفي أي وقت ، لذلك لا بد أن يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد ، ولابد أن يكون هناك هدف.

( راجع كتاب ـ العلم يدعو للإيمان ـ ص 100 ـ تأليف كريس كريس موريسون رئيس أكاديمية العلوم ).

رابعا : المتاحف الأثرية : من شاهد عرض المتاحف الأثرية يحكم عليها بأنها إنشاء وإنتاج أمم ماضية حسب ظروفها الخاصة وتطورها العقلي. فإذا سمع قائلا يقول : إن تلك الموجودات التي في المتحف تكونت في باطن الأرض بالصدفة العمياء بمرور الزمن والأجيال ، فإنه يضحك منه لأن قوله ينافي التفكير السليم. فكيف إذن بمن يزعم أن هذا العرض الفخم الرائع في متحف الكون ، الذي يضم مظاهر صنع الله وإنشائه قد صدر بغير تعقل ووعي ؟ ليس لنا إلا أن نعتقد بأنه مصاب بمرض عقلي أو تخلف فكري.

ولإيضاح البحث : لو رأينا تمثالا بشريا في المتحف قد أنشئ من مادة حجرية أو معدنية ، فهل يزعم أحد في العالم بأن التمثال قد نشأ من تطورات مادية في باطن الأرض ؟ كلا ، مع العلم بأن التمثال ليس له إلا مظاهر خارجية جامدة ، فكيف إذن بجسد الإنسان وتمثاله الذي حيّرت وأدهشت مظاهره الداخلية والخارجية عقول الأطباء وعلماء التشريح ؟

قال أحد الحكماء : « أعجبوا لهذا الإنسان ينظر بشحم وينطق بلحم ويسمع بعظم ».

13

خامساً : ـ إذا ضل سائق سيارة طريقه في صحراء ، فإنه يبحث عن طريق السيارات من آثار عجلاتها على الأرض. فإذا وجد الآثار فإنه يحكم. بمرور السيارات من تلك الجهة ، ويفرح لنجاته من خطر الضلال. فماذا تقول ـ أيها القارئ العزيز ـ في حق من يقول : إن تلك الآثار على الأرض تكونت من نفسها وطبيعتها بمرور الأجيال والأحقاب ؟ أعتقد بأنك تعتبره سفيها لأنه تعدى حدود الفطرة السليمة للتعليل والاستدلال. وكذلك الاعتبار في حق من يزعم أن الموجودات الكونية ليست من آثار خالق مدبر حكيم ، بل تكونت بالصدفة وتطور الطبيعة. مع أن حكمة تكوينها أعظم من حكمة آثار عجلات السيارات بصورة لا يمكن قياسها أو وزنها.

سادساً : ـ لو فرضنا أن رجلاً يملك مطبعة ، فحصلت هزة أرضية فقلبت مواضع الحروف بعضها فوق بعض. فأخبر العامل الذي ينظم الطباعة بعض أصدقائه بأن الهزة الأرضية قد كونت بالصدفة العمياء كتاباً كاملاً يحتوي على (500) صفحة ، يضم مقالات رائعة ومباحث علمية قيمة.

أترى ـ أيها القارئ ـ أن هؤلاء الأشخاص يصدقون العامل ؟ كلا بل يعلمون أنه لا يريد بذلك الخبر إلا مزاحاً أو سخرية ، لأن مثل هذا الكلام يستحيل أن يتحقق لأنه يخالف المنطق السليم والبحث النزيه.

هذا موقف بالنسبة لكتاب يحتوي على صفحات محدودة معينة ، فكيف يكون الموقف إذن بالنسبة للكتاب الكوني الكبير الذي لا تُعد صفحاته ولا تُحصى جمله وكلماته؟ أجل إنها صفحات تنطق بالحكمة ، وجُمل وكلمات تتفجر بالعلم والقدرة. كل ذلك لتطمئن قلوبنا بمؤلف الكتاب القدير الخبير ، ومنشئه العليم العظيم ، وهو الله العزيز الحكيم. قال الله تعالى : ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً ) ( الكهف / 109 ). وقال تعالى أيضاً : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت

14

كلمات الله ان الله عزيز حكيم ) ( لقمان / 27 ). ليس المقصود بالكلمات في الآيتين السابقتين تلك التي يتألف منها القرآن المجيد ، فإن كلماته معينة ومعدودة ، بل يقصد بها ـ كما يحثت ـ مخلوقات الله ومنشآته ، وهي التي لا تعد ولا تحصى.

خمس كلمات

أيها الإخوان ، أيتها الأخوات ، وجهوا أبصاركم وأفئدتكم إلى خمس كلمات من الكتاب الكوني الكبير فإنها بمثابة وصفة علاجية تشفي عقولا قد أمرضها الشك في الله ، وتوقظ ضمائر رقادة قد أرقدتها الشهوات والأهواء ، فأعرضت عن ذكر ربها ، وغفلت عن هدف الحياة ، وجهلت ما يراد بها.

الكلمة الأولى : ـ آلاف الملايين من البشر يعيشون على وجه الأرض ، يختلف كل واحد منهم عن الآخر في تخطيط أصابع يديه ، كما نشاهد اعتبار ذلك في المعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فقد ثبت بالتحقيق العلمي أن لكل شخص في العالم تخطيطات وبصمات خاصة على أطراف أصابع يديه ( خصوصاً الإبهام الأيسر ) ويجري تمحيص ذلك في دوائر معينة بأجهزة فنية. وبناء على هذه المظاهر الثابتة تُكتشف جرائم كثيرة باختبار الانطباعات والبصمات التي تتركها أيدي المجرمين على أمكنة الجريمة ووسائلها.

الكلمة الثانية : ـ ملايين من الناس يمسكون الأقلام بأيديهم ويوقعون لإنجاز معاملاتهم ، فلا يستطيع أحدهم أن ينكر توقيعه بعد ذلك. وإذا زور توقيعاً فهناك الفضيحة وهتك الحرمة عند الفحص والكشف بوسائل فنية عجيبة تكبر بها كل نقطة من التوقيع ، تتجلى فيها كل ذبذبة انطلقت من

15

أعصاب المُوقِع. تلك الذبذبة تقتصر على مظهر خارجي بها لا تماثلها أي ذبذبة أخرى عند الأشخاص الآخرين في العالم. وقد ثبت ذلك بأدلة قاطعة في البحث العلمي.

وأود هنا أن أذكر إخواني الموظفين والمستخدمين بصورة خاصة أن يركزوا في قلوبهم هذه الحكمة الإلهية عند توقيعهم واستلامهم رواتبهم ، وكذلك التجار عند إنجاز معاملاتهم وخصوصا في البنوك ، وذلك ليتقوا ربهم ويسلكوا سبيل الرشاد.

الكلمة الثالثة : ملايين الوجوه البشرية يختلف كل واحد منها عن الآخر في الصورة. وحكمة الله في ذلك هي تحقيق التبادل الاجتماعي والتعارف الإنساني بين أفراد البشر ، ولولا ذلك لاضطربت الحياة العملية وارتبك سيرها. لذلك نرى أن « الصورة الفوتوغرافية » هي من أهم الدعائم التي يرتكز عليها تحقيق المعاملات الشخصية. والجدير بالذكر « لتركيز الإيمان في النفوس » هو أن الاختلاف المار ذكره في الصور نراه بارزاً في المجتمع الإنساني ، ولا نشاهده في الحيوانات. وذلك لأن الحياة الإنسانية في جميع المجالات تقتضي التباين بين الوجوه ، والتمييز بين الصور ... أما الحيوانات ـ كما نعلم ـ فليس لها نصيب من تلك الحياة الاجتماعية. ولكن هناك تعارف في نطاق ضيق بين أفرادها لا يتم إلا بدلائل وعلامات خاصة يكتشفها الحيوان ، بطاقات انطلقت من إرادة الله وقدرته ، كما يجري بين الأم وأولادها وغير ذلك من الأحداث المُضيقة المحددة. فسبحان المدبر الحكيم الذي يهيمن على مواد الكون ، فيميز بين خلق مادة الإنسان ومادة الحيوان ليبين هدف الإيجاد والوجود ، وذلك هو الله رب العالمين.

تنبيه وتذكير : (أ) المشابهة لا تنافي الاختلاف ، فوجود الشبه بين أفراد الشعب الصيني والياباني ( مثلا ) لا يضيع التمييز بين صورهم كما يظهر ذلك في الصحف والمجلات وغيرها.

16

(ب) إذا فقد الراعي أحد أفراد بهائمه ، فلا يعثر عليه إلا بتشخيص علامة وضعها عليه سابقا ، أو بممارسة طويلة لبعض مظاهره.

(ج( المماثلة في صورة التوأمين غير مُخِل بالتنظيم لأن حصوله نادر وذلك كالمعدوم.

والجدير بالذكر هو أن تتجلى حكمة الاختلاف في الصور ، ويتمثل الهدف السامي بذلك حينما نعاشر الشخصين المتماثلين في الصورة ، ونلمس الفوضى الاجتماعية في تشخيص كل واحد منهما ، فيكون في ذلك عبرة لأولى الألباب.

الكلمة الرابعة : لكل شخص في العالم الإنساني ذبذبات صوتية خاصة في حنجرته تختلف عن الآخرين ، ويؤيد ذلك معرفة الأشخاص بسماع أصواتهم. وهناك تشابه في الأصوات لا ينافي حكمة الاختلاف كما في موضوع الوجوه والصور. والجدير بالذكر هو أن عالما أمريكياً اسمه « لورنس كيرستا » اخترع جهاز « رسم الرنين » الإلكتروني للكشف عن شخصية صاحب الصوت المجهول ، لأنه أثبت بالتحقيق العلمي أن لكل إنسان نبرة صوتية تميزه عن باقي البشر. ( مجلة العربي ـ العدد 145 ـ ص 88 ).

الكلمة الخامسة : إن لكل فرد من البشر رائحة يختص بها فلا مثيل لها عند غيره. وبناء على هذا الاختصاص عُينت كلاب مدربة لاكتشاف جرائم المجرمين بواسطة شم رائحة كل واحد منهم وشم ما يتعلق ويلحق بهم من وسائل الجريمة ، وذلك لأن حاسة الشم عند الكلب ـ كما ورد في التحقيق العلمي ـ أقوى من حاسة الشم عند الإنسان بمليون ضعف. وقد جاء في سورة يوسف ما يؤيد هذا البحث العلمي ، وهو أن الله تعالى وهب يعقوب (عليه السلام) قابلية اكتشاف الرائحة التي اختص بها ولده يوسف (عليه السلام) من قميصه الذي جيء به إليه كما قال تعالى : ( ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لو لا أن تفندون ) ( يوسف / 94 ).

17

أيها القراء الأحرار : تعالوا معي لنفكر في التطورات الإنسانية الخمسة. هل يجوز لذوي الضمائر الحية الواعية أن يتخيلوا أو يتصوروا أن تلك التطورات جرت بالمصادفات ؟ كلا. وكيف يكون ذلك وفترة حدوثها أيّام قلائل من مدة الحمل ، كل ذلك مع العلم بفترات الإنشاء المتعاقبة لملايين من الناس. ففي فترة واحدة نشاهد ملايين في بطون الأمهات ، وملايين أخرى يولدون ، وكذلك ملايين يموتون وإلى ربهم يرجعون.

ملاحظة : عرضت الموضوع على ثلاثة أطباء كانوا مجتمعين فأبدوا إعجابهم لذلك ، فتبين أن علم الطب منعزل عن هذا البحث ، وذلك لأنّه خارج عن مفاهيم الفسلجة والوراثة.

( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) ( القيامة / 4 )

أيها القراء الأعزاء ، يجدر بنا أن نذكر هذه الآية الكريمة لعلاقة بحثها بما سبق. فاستضيئوا بنورها الساطع اللامع ، ليتبين لكم درب الخير والسعادة ، ومن فرّ من النور فإنه مريض بالرمد ، ومن لم يأنس به فهو مصاب بالعمى ، ومن انعزل عنه فهو كالخفاش الذي لا يطير إلا في الأماكن المظلمة ولا يأوي إلا إليها. أجل إن نور الآية الكريمة ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) يشع في القلوب الواعية فتطمئن بذكر ربها وتخشع لجلاله ، وتؤمن أن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى الخالدة للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه الطيبين وسلم. ويتجلى ذلك في اسلام عالم ألماني ( كما جاء في تفسير الجواهر لسورة القيامة ) فإنه سبب إسلامه وإيمانه بصدور القرآن من الله سبحانه وتعالى بعد دراسته للآية السابقة بأنها تشمل أسرارا علمية لم تكن معروفة في زمن صدورها لدى أحد من البشر ، فأكتشفها علم القرن العشرين. وهي طبعات الأصابع ومظاهر التوقيع ، وذلك ما جاء في

( زواج بغير اعوجاج )

18

جملة ( نسوي بنانه ) فإن كلمة ( بنانه ) تعني الأصابع والجدير بتركيز الإيمان هو أن القرآن ركز في مظاهر عظمة خلق الإنسان على الأصابع دون بقية الأعضاء ، لاختصاصها بمعجزة التركيب.

واعلموا أيها القراء الأعزاء أن الموضوع يثبت لنا قدرة الله تعالى على إحياء الإنسان بعد موته ، وتفرق عظامه وتناثر أنسجته وخلاياه. وكيفية ذلك هي أن الذي يصنع الذرات الصغيرة والذبذبات الدقيقة في أصابع يد الإنسان ويهيمن عليها بصورة يتميز بها كل فرد عن الآخر، لقادر على الإحياء وجمع العظام وذرات الجسم أينما كانت ( كما بحثت الآية الكريمة والله أعلم ). والجدير بالذكر هو أن الميت إذا أصبح جزءاً من غذاء النبات أو الحيوان ، فإنه ينفصل عنهما بعملية الاحتراق والإفراز والإبراز. كل ذلك بإحاطة الله وعلمه كما قال تعالى : ( أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) ( يس / 77 ، 78 ، 79 ).

وإليكم الآيات الأخرى من سورة القيامة لارتباطها بالآية السابقة ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ).

بسم الله الرحمن الرحيم ( لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة * أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه * بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيّان يوم القيامة * فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر ) أجل أين نفر من حكومة الله يوم الحساب ؟ أين نفر من بطشه وانتقامه يوم القيامة ؟ يجب علينا إذن أن نحذر هذا اليوم الذي أقسم به ربنا.

( لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة )

فنلوم أنفسنا على السيئات التي نعملها ، ونستغفر الله ونتوب إليه توبة حقيقية قبل بغتة الأجل المحتوم الذي لا فرار منه ، كما قال تعالى : ( قل إن

19

الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ).

ملاحظة هامة : ( لا أقسم بيوم القيامة ). ( لا ) ليست نافية للقسم ، بل هي رد على من أنكر البعث والجزاء ، يعني لا كما يزعم الكفار ـ كما بحثت الآية الكريمة والله أعلم ـ وقد نظم بعض الشعراء قصائد حول الموت وغفلة الناس عنه باللهو والانغماس في الشهوات والأهواء ، نذكر منها ما يلي :

* * *

لا تأمن الموت في لحظ ولا نفس --ولو تمنعت بالحجاب والحرس

واعلم بأن سهام الموت قاصدة --لكل مدرع منا ومُترس

ما بال دينك ترضى أن تدنسه --الدنيا وثوبك مغسول من الدنس

ترجو النجاة ولم تسلك مساكلها --إن السفينة لا تجري على اليبس

* * *

أتيت القبور فناديتها --فأين المعظم والمحتقر

وأين المدل بسلطانه --وأين المُزكى إذا ما افتخر

فنوديت من جانب والأسى --وأشجان قلب له قد ظهر

تفانوا جميعاً فما مُخبر --وماتوا جميعاً ومات الخبر

فيا سائلي عن أناس مضوا --أما لك فيما ترى معتبر

* * *

عظمت جناياتي فطال سهادي --ما حيلتي والله بالمرصاد

ويلي إذا نشرت لدى صحيفتي --ووجدتها مطلية بسواد

ماذا أقول وهل تفيد ندامتي --واحسرتي في عرصة الميعاد

هلا أفيق وأتركن نهج الهوى --وأجوز نهج هداية وسداد

كيف المُقام بهذه الدنيا وذا --داعي المنية بالرحيل ينادي

20

الطفل والشيخ الكبير تراهما --يتسارعان لصوت هذا الحادي

أين الذين تكبروا وتجبروا --فالموت جرعهم كئوس نكاد

أين الملوك الظالمون ومن طغوا --في كثرة الأموال والأولاد

أين الطواغيت الذين تمردوا --وتعنتوا وأتوا بكل فساد

فهو الحمام على الأنام محتم --يا نفس لم ينفعك طول رقاد

قبل انصرام العمر ويحك اقبلي --في رغبة للرشد والإرشاد

* * *

يا صاح إنك راحل فتزود --فعساك في ذا اليوم ترحل أو غد

لا تغفلن فالموت ليس بغافل --هيهات بل هو للأنام بمرصد

وليأتين منه عليك بساعة --فتود أنك قبلها لم تولد

ولتخرجنّ إلى القبور مجرداً --عما شقيت بجمعه صفر اليد

* * *

تؤمل في الدنيا طويلا ولا تدري --إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من صحيح مات من غير علة --وكم من عليل عاش دهراً إلى دهر

وكم من فتى يُمسي ويصبح آمناً --وقد نُسجت أكفانه وهو لا يدري

* * *

ذهب الذين عليهم وجدي --وبقيت بعد فراقهم وحدي

من كان بينك في التراب وبينه --شبران فهو بغاية البُعد

لو كشفت للمرء اطباق الثرى --لم يُعرف المولى من العبد

من كان لا يطأ التراب برجله --يطأ التراب بناعم الخد

* * *

في الذاهبين الأولين --من القرون لنا بصائر

لما رأيت موارداً للموت --ليس لها مصادر

ورأيت قومي نحوها --تمضي الأكابر والأصاغر

أيقنت أني لا محالة --حيث صار القوم صائر

* * *

21

صقر المنية خاطف الأرواح --هذى نوائحه بكل نواحي

نشر القوادم في الوجود فلا ترى --إلا نياحاً تابعاً لنياح

نشبت مخالبة بأرواح الملا --وتراه واصل غدوة برواح

قل لي بربك أي بيت لم يبت --وإلى المنون به صفيف جناح

لك يا ابن آدم ساعة معلومة --تأتيك لو حاولت كل جماح

أترى الخلاص وقد شُققن ضرائح --كلا ولو حلّقت فوق ضراح

فإليك عن دنيا تفاقم خطبها --فأسيرها لا يُرتجى لسراح

خير الورى من قد درى ما قد جرى --فمضى يلبي صيحـة النُصاح

* * *

ملاحظة هامة : ليس المقصود بما سبق من الشعر الانعزال عن الحياة والإعراض عن استثمار خيراتها وطاقاتها ، بل الهدف هو تهذيب النفوس وتطهيرها من الأهواء المردية والشهوات الموبقة ، فقد قال الله تعالى :

(أ) ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ) ( الكهف / 7 ).

(ب) ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) ( الملك / 15 ).

لقد حث الله تعالى في الآيتين الإنسان على استغلال الأرض والعمل في أرجائها بطاقة الإيمان والتقوى ، ليحقق رخاءه وهناءه في الدنيا والآخرة ، ونهاه في آيتين آخريين عن الفساد في الأرض بالاستعلاء والاستكبار لاجتناب مآسي الانهيار والدمار.

(ج( ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور ) ( لقمان / 18 ).

(د) ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون عُلوّاً في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) ( القصص / 83 ).

22

إن جهنم للفارين من الله ، وإن الجنة للفارين إلى الله

إن جهنم منطقة فيها مظاهر مختلفة خطيرة جدا للبطش والتعذيب ، وقد خلقها الله تعالى في إحدى جهات الكون بعيدة عن أنظارنا كبعد كثير من النجوم التي لم يكتشفها التلسكوب حتى الآن. وقد بين لنا ربنا نموذجا تقريبيا من وجودها وحريقها. ويتمثل ذلك في الشمس وهي الكتلة النارية الضخمة الملتهبة التي تُقدر درجة الحرارة على سطحها بنحو (6000) درجة مئوية، أما في باطنها فترتفع الحرارة إلى أكثر من (20) مليون درجة. ويمكننا معرفة شدة هذه الحرارة إذا عرفنا أن الحديد ينصهر في درجة (1500) درجة مئوية. ويقدر البعد بين الشمس والأرض (93) مليون ميل. وبالرغم من هذا البعد الشاسع يتأثر بعض سكان الأرض بحرارتها لميلانها نحو مناطقهم فيقاسون شدة الحرارة. والجدير بالذكر هو أن علم الصناعة استطاع أن ينتج أفراناً تذيب المعادن بحرارة الشمس ، وذلك باستخدام أجهزة تحتوي على مرايا تجمع الطاقة الحرارية من الشمس في مناطق خاصة من تلك الأفران ـ ويمكننا أن نجرب تأثير الحرارة الشديدة للشمس بعدسة « زجاجة سميكة » نقربها من جسمنا فتنفذ أشعة الشمس منها إلى بشرتنا فلا نطيق حرارتها. وكذلك نستطيع ان نشعل سيكارة أو قطعة قماش بهذه التجربة. فليرحم الإخوة الأعزاء أنفسهم فإنهم جربوها بعدم الصبر على التعرض لأشعة الشمس الحارة وهي تبعد عنهم ملايين من الأميال ، فكيف يكون حالهم إذا ألقوا في نار قعرها بعيد وحرّها شديد وماؤها صديد ، يوم يقول لها خالقها ( هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) نعوذ بالله من هذا العذاب الشديد.

وليتدبروا نصيحة الشاعر :

23

ألا يا خائضاً بحر الأماني --هداك الله ما هذا التواني

أضعت العمر عصيانا وجهلا --فمهلاً أيها المغرور مهلاً

إلى كم كالبهائم أنت هائم --وفي وقت الغنائم أنت نائم

وقلبك هائم في كل وادي --وجهلك كل يوم في ازدياد

على تحصيل دنياك الدنيه --مكبا في الصباح وفي العشيه

بلال الشيب نادى في المفارق --بحى على الذهاب وأنت غارق

ببحر الإثم لا تصغى لواعظ --وإن أطرى وأطنب في المواعظ

وعقلك لا يفيق عن المعاصي --فويلك يوم يؤخذ بالنواصي

قال الله تعالى : ( يُعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) واعلم أيها القارئ العزيز أن هناك نجوماً أكبر من الشمس بملايين المرات تسبح في هذا الكون الفسيح الوسيع. ويكفينا من سعة الكون أن العلم اكتشف نجماً فوجد أن بعده عن الأرض عشرة ملايين سنة ضوئية. الله أكبر. الله أكبر !!

فإننا نعلم أن الضوء يسير بسرعة (300000) كيلومتر في الثانية الواحدة.

ولتوضيح الموضوع نقول إن الشمس التي تبعد عن الأرض (93) مليون ميل ، يكون بعدها بمقياس الضوء (8) دقائق ، وعليك الحساب والمقارنة بين بعد الشمس بالدقائق المحددة ، وبين بعد ذلك النجم بملايين السنين.

ونهاية المطاف : إن الله سبحانه وتعالى جعل تلك المناطق الواسعة في الكون آيات يستدل بها الإنسان على وجود المنطقتين الواسعتين اللتين ذكرهما لنا في كتابه المجيد ، وهما جهنم كما قال تعالى : ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) ( ق / 30 ). والمنطقة الواسعة الأخرى هي الجنة التي حثنا الله تعالى بالمسارعة إليها بقوله تعالى : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ) ( آل عمران / 33 )

24

سؤال : إذا كان عرض الجنة يساوي السموات والأرض، فأين تكون النار ؟

الجواب : لو تدبر السائل الآية الكريمة ، لعلم أن السموات ليس هي الكون كله ، بل هي جزء من الكون بهيئة مجموعات معينة من نجوم وكواكب وغيرها. والدليل على ذلك هو أن كلمة ( والأرض ) المذكورة في الآية تدل على أن الأرض منفصلة عن السموات في حَيزٍ خاص من الكون ( عرضها السموات والأرض ) فكذلك الجنة والنار لهما حيزان معينان فالجنة لها مكان والنار لها مكان آخر ... ( والله أعلم ). وفي يوم القيامة يبدل الله الكون بإرادته وقدرته ، وينشئ منطقه جديدة واسعة يجمع فيها الأولين والآخرين كما قال تعالى : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ). ( إبراهيم / 48 ).

فهناك تبرز الجنة والنار ، فالاولى أعدت للمتقين ، والثانية اعدت للمجرمين.

والان : أيها الإخوان وأيتها الأخوات ، تعالوا معي لنفكر في انفسنا هل نطيق عذاب جهنم ؟ هل نصبر على حريق النار ؟ فإذا كنا لا نطيق حرارة نار الدنيا لحظات قصيرة ، فكيف بنار الآخرة آلاف السنين لا نموت فيها ولا نحيا. قال الله تعالى : ( إن جهنم كانت مرصادا * للطاغين مآبا * لابثين فيها أحقابا ) ( يعني آلاف السنين ) ( النبأ / 21 ـ 22 ـ 23 ).

وإذا كنا لا نصبر على أن يمسنا ماء مغلي فترة قصيرة جدا ، فكيف إذن نصبر على الماء الذي يتجلى في الآية الكريمة : ( وسقوا ماءً حميما فقطع أمعاءهم ) ( محمد / 15 ) وإذا كنا نحذر شوكة تصيب جلودنا ، فما حالنا إذن بقوله تعالى : ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيما ) ( النساء / 56 ).

25

وبالتالي : يجب أن نكون ممن وصفهم الله تعالى بقوله : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا * وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ) ( الفرقان / 63 ـ 65 ). معنى كلمة ( غراما ) اللزوم والإحاطة ، وتأتي كلمة ( مُغرم ) معناها ملازم.

يجب علينا إذن أن نجتنب ما أغرمنا به من المعاصي ، لكيلا تصبح جنهم مغرمة بنا ونستغفر ربنا فإنه غفور رحيم. يجب علينا أن نهجر :

(أ) غرام الجنس ( النظرة الخائنة ـ الزنى ـ اللواط ـ المساحقة ـ العادة السرية ـ مصافحة المرأة ما عدا المحارم ).

(ب) غرام الأفلام والصور الخليعة في السينما والتلفزيون والمجلات وغيرها.

(ج( غرام الأغاني خصوصاً الخليعة منها.

(د) غرام الخمر والبيرة والمقامرة.

والجدير بالذكر هو أنه لا يجوز الحضور في مجلس الخمر ، بل يحرم تناول الطعام الموضوع على مائدته ، وإن كان حلال في الأصل أو باقياً على طهارته. وكذلك لا يجوز الحضور في مجلس المقامرة وإن كان ذلك بغير اشتراك في المعصية مع الشاربين والمقامرين. فيتجلى الخطر كما يكون عند مجالسة المريض بأحد الأمراض السارية أو كما قال الشاعر:

صاحب أخا ثقة تحظي بصحبته --فالطبع مكتسب من كل مصحوب

كالريح آخذة مما تمر به --نتناً من النتن أو طيباً من الطيب

وأنبه القراء الأعزاء بأن المقامرة لا تُقتصر على التداول المالي ، بل بدونه أيضاً لغرض التسلية واللهو ، كالذي في الشطرنج والدومنة والطاولة ، وكذلك الورق ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ).

(ه( غرام المخدرات والتدخين المضر.

26

(و) غرام التبرج والخلاعة في اللباس وغيره بالنسبة للمرأة.

(ز) غرام الزعامة ( الدكتاتورية والطغيان ).

(ك) غرام جمع المال واحتكاره.

أيها القراء الأعزاء : ما زلنا في بحث الفارين من الله ، وقد ذكرنا منهم الكافر الملحد ابتداء وهو أخطرهم ، ويأتي بعده العاصون وأهمهم :

1 ـ تارك الصلاة : ـ الصلاة عماد الدين ، وأهم مظهر لشخصية المسلم وهويته ، وهي أول ما يحاسب المرء عليها يوم القيامة. وفيها فوائد جسمية واجتماعية وروحية لا مجال لذكرها في هذا الكتاب ، ويعتقد بعض الناس بطلان صلاة الفاسق المنغمس في شهواته فذلك ليس صحيحا ، لأن الله تعالى لا يضيع عمل العاملين. ويستفيد المصلي من صلاته أيضاً أنها تنصحه وتهديه ، وتنهاه عما هو عليه من الفسق والعصيان ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) فيصبح من الصالحين ولو بعد حين. قولى هذا كله يكون بعد نهى العاصي عن معصيته فإن لم ينته ولم يتب في أقرب فرصة ، فأحذره من ترك الصلاة وهجرها ... فإن تارك الصلاة قد قطع الصلة بينه وبين ربه بصورة جريئة ، لذلك فإنه يستحق العذاب الذي يتمثل ويبرز في قول الله تعالى : ( فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون ) ففي هذه الآية إنذار خطير لتارك الصلاة ، وذلك لأن كلمة ( فويل ) معناها العذاب الشديد في النار ، وهو للمصلين الساهين الذين يؤدون الصلاة ولكنهم يتهاونون في تصحيح الأداء كالقراءة والوضوء والطهارة وغيرها ، أو أنهم يتسامحون في الأوقات ، أو يؤدونها أوقاتاً ويتركونها أخرى ( كما بحثت الآية والله أعلم ).

فكيف إذن يكون حال الذين لا يستقبلون القبلة مدى حياتهم ؟ فليرجع هؤلاء الفارون من ربهم إليه بالاستغفار وأداء الصلاة وقضاء ما فات منهم بالتدريج.

27

2 ـ تارك الصوم : الصوم فريضة فيها فوائد متعددة كالصلاة لا مجال لذكرها أيضاً. ولكن محور الهدف لأدائها هو الانقياد لأوامر الله تعالى والاستسلام لإرادته. وأحذركم أيها الإخوة أن تعرضوا عن تلبية نداء ربكم الذي يناديكم قائلا ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) ( البقرة / 183 ) فإن أعرضتم وتوليتم فسيكون جزاؤكم على أكلكم قوله تعالى :

( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) ( الغاشية / 6 ) إنه طعام في منتهى القذارة والنتونة. وأما جزاء شربكم قوله تعالى : ( وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم ) ( محمد / 15 ) ( نعوذ بالله ).

3 ـ تارك الحج : الحج فريضة سنها الله تعالى لينفع بها الناس منافع متعددة ، أهمها تزكية النفس وتهذيبها ، ويلي ذلك منفعة اجتماع المسلمين للتعارف فيما بينهم، وتبادل الآراء وحل المشاكل ، وذلك لتحقيق أهداف إنسانية سامية. وقد انذر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) تارك الحج بعذاب في النار تكون شدته كعذاب اليهود والنصارى ، كما روى عنه ( من استطاع الحج ولم يحج مات إن شاء يهودياً أو نصرانياً ) ( نعوذ بالله ). وهناك من يعتذر عن أداء الحج بعدم زواجه أو ملكيته لدار يسكنها. فلا يقبل منه هذا العذر إلا في بعض الظروف الخاصة تتبين عند المرجع الديني الأعلى ، وذلك عند عسر العزوبة فقط.

4 ـ مانع الزكاة : الزكاة حقوق مالية متعددة فرضها الله تعالى في أموال معينة ، تتعلق بالزاراعة والتجارة ومكاسب أخرى. وأمر أن تصرف لسد حاجات المساكين والفقراء ، وتحقيق مشاريع إنسانية قويمة ليضمن المجتمع بذلك رخاءه وهناءه. فليراجع كل ذي مال وكسب وإن كان قليلاً العلماء المتقين ليقرروا تكليفه الشرعي في الوجوب أو عدمه. وقد أنذر الله

28

تعالى الأغنياء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله بآيات عديدة ، وخلاصتها قوله تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ).

أي أنكم أيها البخلاء لن تحشروا مع الأبرار الذين قال الله في حقهم ( إن الأبرار لفي نعيم ) ( الانفطار / 13 ) بل تحشرون مع الفجار الذين قال الله في حقهم ( وإن الفجار لفي جحيم ) ( الانفطار / 14 ). وإنكم تخزنون أموالكم للوارثين فلهم الهناء ولكن الشقاء ، كما قال الشاعر :

أبقيت مالك ميراثا لوارثه --فليت شعري ما أبقى لك المال ؟

القوم بعدك في حال يسرهم --فكيف بعدهم حالت بك الحال ؟

ملوا البكاء فما يبكيك من أحد --واستحكم القيل في الميراث والقال

5 ـ تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : من أهم أهداف الإسلام بناء مجتمع إنساني يتحلى بالخير والفضيلة ويتخلى عن الشر والرذيلة ، ولا يكون ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطرق تربوية صحيحة. ونحن جميعا مسؤولون عن هذه المهمة السامية ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ( كما جاء في الحديث المنقول ). وتتفرع هذه المسؤولية كما يأتي :

(أ) الزوج عن زوجته وأولاده وخدمه.

(ب) الأم عن أولادها.

(ج( مدير المدرسة والمعلمين عن التلاميذ.

(د) علماء الدين عن الناس جميعاً.

(ه( الخطباء عن المستمعين.

(و) الحكام والزعماء عن شعوبهم.

(ز) الموظفون الكبار عن الصغار منهم.

ويتجلي خطر المسؤولية فيما يأتي من قول الله تعالى :

29

(أ) بسم الله الرحمن الرحيم ( والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ( سورة العصر ).

أجل إن الإنسانية تخسر سعادتها في الدنيا والآخرة ، ولا تنتفع بالإيمان والأعمال الصالحة إذا تجردت عن التواصي بالحق ونشر تعاليمه. ( فالساكت عن الحق شيطان أخرس ).

(ب) ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويعلنهم اللاعنون ) ( البقرة / 159 ).

ثم أكد الله تعالى جريمة كتمان الحق وعدم نشره بعد ذلك مباشرة ، بقوله ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فاولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) ( البقرة / 160 ).

6 ـ ظالم الناس : وهو الذي يتعدى حدود الإنسانية والعدالة في معاملة الناس ، ويكون ذلك باللسان واليد. أما ظلم اللسان فيتجلى في السب والكلام البذئ والكذب والغيبة ، وهي أن يذكر المسلم أخاه المسلم الغائب عنه بعيوب هي فيه خلقا وخُلقا ، إلا إذا كان متجاهراً في أخلاقه السيئة فتجوز غيبته. والجدير بالذكر هو أن المستمع للغيبة مشترك في المعصية ، فيجب عليه النهي والمنع. كذلك التهمة والنميمة والسخرية .. إلخ.

وأما الظلم باليج فيتجلى في الضرب والجرح والقتل ( بغير حق ) والسرقة ونقص الكيل وأكل الربى والغش والنميمة والسخرية .. إلخ.

إياك إياك أيها القارئ العزيز أن تظلم والديك وخصوصا أمك ، فلا يدخل الجنة من كان عاقا لوالديه. الله الله في الأقرباء فأحسن إليهم وإن أساءوا إليك ، وإياك أن تهجرهم فإن الله تعالى ينذرنا إنذارا خطيراً إذا قطعنا الأرحام ( الأقارب ) بقوله ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ) ( محمد 22 ـ 23 )

30

تدبروا هذه الآية بدقه وإمعان ، واحذروا لعنة الله وسخطه.

الله الله في الجيران ، ومع الأسف الشديد فإن أكثر الناس لم يؤدوا حق الجيران. وأحذرك أيها القارئ العزيز ظلم بقية الناس خصوصاً زوجتك ، فإنها من أهم مُقومات حياتك. فإياك أن تعتدي عليها بالسب والضرب والاستهزاء وغير ذلك من فروع الظلم ، فأحسن إليها بالمداعبة والملاطفة والنفقة. فقد جاء في الحديثين المرويين :

(أ) ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ).

(ب) ( أكمل الناس إيمانا أحسنهم أخلاقاً مع أهله ).

31

الزوجية البشرية

لقد انتهيت بتوفيق الله تعالى من شرح الزوجية الذرية وما يرتبط بها من البحوث الهامة حسب إتاحة الفرصة ، وأقدم لكم بعد ذلك شرح الزوجية البشرية كما يأتي :

* خلق الله سبحانه وتعالى الكون وأظهر فيه آيات لا تعد ولا تحصى ، ليستدل الإنسان بها على حكمة خالقه وعظمة رب العالمين. ومن أهم آياته هي الزوجية البشرية التي تتجلى مظاهرها الحكيمة في الرجل والمرأة. كما أشار إلى ذلك أحد الفلاسفة بقوله: « إذا كانت المصادفات العمياء والاتفاقات المتكررة قد أوجدت إنساناً على وجه الأرض فكان رجلاً ، فهل يجوز لذوي العقول الواعية أن يزعموا أن تلك المصادفات والتطورات قد أنشأت إنساناً آخر فكان امرأه لها أجهزة عجيبة التركيب تختلف عن أجهزة الرجل ، كجهاز الرضاعة والحمل والأوتار الصوتية ، بالإضافة إلى غريزة التجاذب الجنسي ؟ كلا ! ثم كلا ! فإن المفكرين الأحرار يخشعون ويسجدون لله الخالق البارئ المصور لكلا الجنسين الذكر والأنثى.

كما قال تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ( الروم / 21 ).

* يجب على الإنسان أن يعلم بأنه لم يُخلق في هذا الكون ليتمتع بالطعام والشراب واللباس والمسكن والمال والجنس والسلطة ، ويتخذ تلك المقومات الحيوية هدفا لكيانه وسعادته ، بل خُلق ليجعلها وسيلة لغاية سامية وهي السعي لمعرفة ربه ، وعمارة قلبه بتفواه في نفسه وفي عباده وبلاده. كما قال تعالى : ( وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون ) ( الذاريات / 56 ).

فالبناء الحيوي للإنسان بفروعه ( الطعام. الشراب. اللباس.

32

المسكن. العلم. العمل. المال. الجنس. السلطة ) إذا لم يكن مبنيا على أساس التقوى فهو بناء منهار ، كما قال تعالى ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ) ( التوبة / 109 ).

ولا يتحقق هذا البناء الإنساني القويم إلا بمجتمع يستضيئ بنور الله الذي يهدي إلى الصراط المستقيم وسبل السلام. ولا ينشأ هذا المجتمع إلا بإنشاء الأسرة الصالحة المُصلحة ، ولا يحصل ذلك إلا بأزواج قد غرست في قلوبهم شجرة الدين الحنيف تُؤتي الثمرات الطيبة من الأولاد.

كيف يكون ذلك ؟

* يتدبر الإنسان الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث المرء على الزواج وتحفزه للمسارعة إليه فيعمل بمقتضاها.

* الآيات القرآنية :

(أ) ( وانكحوا الأيامى (1) منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم ) ( النور / 32 ).

الشرح : يجب على الآباء والأمهات أن يعجلوا في تزويج أبنائهم وبناتهم ، فإنهم مسؤولون أمام الله تعالى ومعاقبون على كل مفسدة تنتج من التأخير بدون عذر مشروع. أما عذر إكمال الدراسة فإنه غير مقبول ، وذلك لإمكان الزواج وإشباع الغريزة الجنسية بصورة لا تؤدي إلى الحمل والولادة ، وإن كان في ذلك نيل الحد الأدنى من الشهوة. فإن متاعب عزوبة الشاب والشابة خلال الدراسة أكثر من متاعب زواجهما أضعافاً مضاعفة .. وأملي وطيد بأن القراء الواعين يؤيدون ذلك. كل ذلك يتم بشرط عدم تعسير

____________

(1) الأيامى ( جمع ) والمفرد ( أيم ) تطلق الكلمة للرجل العزب وللمرأة العزبة.

33

والدي البنت لأمور تتعلق بهذا المشروع النبيل ، خصوصاً المغالاة في المهور ، فإن السعادة الزوجية ليست في المال الكثير ، بل هي في مآل المرأة إلى مصير مستنير بنور الأخلاق الحميدة التي يتحلى بها الزوجان.

(ب) ( ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ) .. ( الرعد / 38 ).

الشرح : إن الرسل هم قادة الناس ، وإن للناس فيهم أسوة حسنة. وأهم مظاهرها هو الزواج لإنتاج ذرية صالحة تعبد رب العالمين.

(ج) ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ) ( الفرقان / 74 ).

الشرح : مدح الله تعالى أولياءه في هذه الآية بأنهم يدعونه ليرزقهم أزواجاً وذريات يسطع في قلوبهم نور الهدى والإيمان، فتقر أعينهم بهم في الدنيا ، وكذلك الحال عندما يحشرون معهم في الجنة كما قال تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) خصوصاً بما كانوا يؤدبون ويهذبون أزواجهم وذرياتهم.

(د) ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) .. ( البقرة / 187 ).

الشرح : جاءت هذه الآية بأحسن وصف للانسجام الزوجي ورباطه ، فباللباس تتجلى ثلاثة أمور هي من أهم ركائز حيوية الإنسان وهي الستر والوقاية والزينة فيحققها الزوجان كل منهما للآخر.

(ه) ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ( الروم / 21 ).

الشرح : أجل ليسكن الزوج إلى زوجته وتسكن الزوجة إلى زوجها في مسكن روحي تسوده المودة والرحمة ، فلا ينفعها مسكن يكون فخماً ببنائه

( زواج بغير اعوجاج )

34

وأثاثه إذا كان سلوك أحدهما أو كليهما فحماً قد اسود بفساده وطغيانه .. فهناك الشقاء والعناء. وقد قيل : إن من أعظم البلايا مصاحبة من لا يوافقك ولا يفارقك. وكما قال الشاعر :

ومن نكد الدنيا على المرء أن يرى --عدو له ما من صداقته بد

* الأحاديث النبوية المروية حول الزواج :

(أ) ( تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ، حتى بالسقط ).

(ب) ( من رغب عن سنتي فليس مني ، وإن من سنتي النكاح ، فمن احبني فليستن بسنتي ).

(ج) ( إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) ـ عريض ـ.

(د) ( من تزوج أحرز نصف دينه ، فليتق الله في النصف الثاني ).

(ه) ( ركعتان يصليهما المتزوج أفضل من سبعين ركعة يصليهما عزب ).

(و) ( أكثر أهل النار العُزاب ). ـ خصوصاً الذين يستطيعون الزواج ـ.

الاختيار الزوجي

أولا : يجب إحراز سلامه الزوجين من الأمراض الخطيرة خصوصاً السارية منها ، كالأمراض الزهرية والسل وغيرها. ويجب على الزوج أن يتأكد بصورة خاصة سلامه الزوجة من مرض السكر الذي يضر بجنينها عند الحمل ضررا عظيما ، وكذلك سلامتها من الإدمان على التدخين الذي يفتك بها وبأولادها فتكا ذريعاً. ويتأكد كل من الزوجين سلامة أقرباء الآخر من التخلف العقلي والفسلجي ، فإن الوراثة لها أثرها الفعال. وليحذر الطبيب

35

من إصدار شهادة صحية مزورة ، فإنها خيانة للدين وعدوان صارم عل الإنسانية.

فليراقب الأزواج مع أوليائهم هذه الأمور بكل وعي وإمعان ، فإن لم يفعلوا فسيهوى الزوجان في هوة سحيقة من الشقاء والعناء ( نعوذ بالله ).

ثانياً : إحراز تقوى الزوجين وتمسكهما بالدين الحنيف ليؤدي كل منهما واجبه نحو الآخر ، فيسطع نور السعادة بينهما ويتمتعان بحياة طيبة سليمة.

وقد رويت أحاديث نبوية تتعلق بهذا الموضوع إليكم أهمها :

(أ) ( كما مرّ سابقا ) ( إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه ). إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير « عريض ». أجل فقد سادت الفتنة في الأرض وظهر الفساد الكبير العريض بالزنى واللواط والمساحقة والعادة السرية.

(ب) ( لا تنكح المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديها، ولا لمالها فلعل مالها يُطغيها. وانكح المرأة لدينها ) ليس المقصود من هذا الحديث الاقتصار على دين المرأة والانعزال عن جمالها ومالها ، فإن الله جميل يحب الجمال والمتجملين، وبالمال تُحقق مشاريع إنسانية سامية. وإنما المراد أن يكون ذلك الجمال والغنى الماديان ملازمين للإيمان والتقوى .. فإنهما جمال النفس وغناها كما قال الشاعر :

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته --أتطلب الربح فيما فيه خسران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها --فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

فإذا كانت الزوجة جميلة في جسمها وقبيحة في دينها ، أو كانت غنية في أموالها وفقيرة في تقواها ، فإنها تدمر حياة زوجها. فهو لا يطيق أن يفارقها لجمالها ومالها ، ولا يستطيع أن يصبر على شراستها وسوء أخلاقها الزوجية فتلك الحال هي الطامة الكبرى والكارثة العظمى ( ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ).

36

وقد روى عن سيدنا الحسن بن علي (عليهما السلام) أنه قال لرجل سأله عن تزويج بنته « زوجها ممن يتقى الله تعالى ، فإنه إن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها ». نعم والله هكذا خُلُقُ المتقين.

ثالثا : إذا أراد الرجل أن يتزوج امرأة ، فلينظر إليها ويتأكد في الفحص بالاعتماد على شهادة امرأتين على الأقل تتصفان بالتقوى والذكاء والوعي لكي يحقق آماله الجنسية. كذلك يحق للمرأة أن تطلع بنفسها أو بشهادة أمينة صادقة على منظر الرجل وسلوكه ، لتكون مطمئنة في تحقيق الزواج.

رابعا : يحاول الزوج أن تكون الزوجة خفيفة المهر ، ويرشد والديها إلى الأحاديث النبوية التي رُويت ناهية عن المغالاة في المهر. فمن أهمها :

(أ) ( خير النساء أحسنهن وجوها وأرخصهن مهورا ).

(ب) ( من بركة المرأة سرعة تزويجها وسرعة رحمها ـ أي الولادة ـ ويسر مهرها ) فإن الهدف الحقيقي في الزواج ليس هو المال، بل هو منال أسرة كريمة تتمتع بالهناء والرخاء في الدنيا والآخرة.

خامساً : يجب على الزوج أن يدقق النظر ويمعن الاختيار في البيئة التي نشأت فيها الزوجة ، والأسرة التي أنبتت نبات شخصيتها. فيختبر إخوانها وآباها وخصوصا أمها ، فإن الوراثة الصالحة والبيئة الفاضلة قاعدتان رصينتان لبناء الإنسانية العليا ، قال الشاعر :

إذا أردت زوجة تبغيها --كريمة فانظر إلى أخيها

يُنبيك عنها وإلى أبيها --فإن أشباه أبيها فيها

( ولم يذكر الشاعر الأم لضيق مجال القافية ).

ـ رُوى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :

(أ) ( إياكم وخضراء الدمن ).

والمعنى هو المرأه الحسناء في المنبت السيء كالعشب الذي ينبت في المزابل.

37

(ب) ( تخيروا لنطفكم فإن العرق دسّاس ).

ملاحظة هامة : لم يثبت في التشريع الإسلامي بصورة مؤكدة النهي عن الزواج من الأقارب بالقول المشهور « اغتربوا لا تضووا » وبالقول الآخر « لا تنكحوا القرابة فإن الولد يخلق ضاويا » ( أي ضعيفاً ). فإن هذين القولين لم يُصحح الفقهاء صدورهما عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلو كان الزواج من الأقارب يؤدي إلى انحراف خطير في سلامة النسل ، لتواترت الأخبار الشرعية في التحريم ، لأن الأمر هام جداً وجدير بالبيان فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام ، والشاهد على ذلك هو أننا نرى كثيرا ممن تزوجوا من أقربائهم قد وُلد لهم أولاد يتمتعون ببنية قوية وصحة جيدة جدا. نعم إن ما أثبته العلم الحديث من الأضرار الصحيحة في زواج الأقارب لا يبعد أن يَخصَّ ما نَصَّ به الدين الحنيف وقرره في تحريم الزواج من أقرب الأقرباء ، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت فالميزان الصحي للأبناء هو صحة الآباء والأمهات وما يتلقاه الطفل من عوامل التربية في البيئة التي ينشأ فيها أثناء الحمل وبعده.

38

حقوق الزوجين

حقوق الزوج على زوجته : هناك حقوق واجبة تعاقب الزوجة عقاباً شديدا على عدم ادائها يوم القيامة ، وحقوق مستحبة تنال بها درجات سامية في الجنة بعد أداء الواجبات. وقد رُويت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث كثيرة حول تلك الحقوق إليكم أهمها :

1 ـ رُوى أن امرأة جاءت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت :

يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة ؟

فقال لها : تطيعه ولا تعصيه ، ولا تتصدق من بيتها بشيء إلا بإذنه ، ولا تصوم تطوعاً إلا بإذنه ، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب ( الرحل ) ، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه ، فإن خرجت بغير إذنه لعنتها ملائكة السماء وملائكة الأرض حتى ترجع إلى بيتها.

فقالت : يا رسول الله من أعظم الناس حقاً على الرجل ؟

قال : والداه.

قالت : فمن أعظم الناس حقاً على المرأة ؟

قال : زوجها.

2 ـ أيّما امرأة آذت زوجها بلسانها لم يُقبل منها صرف ولا عدل ولا حسنة من عملها حتى ترضيه ، وإن صامت نهارها وقامت ليلها وأعتقت الرقاب وحملت على جياد الخيل في سبيل الله ، فكانت أول من يرد النار. وكذلك الرجل إذا كان لها ظالماً.

3 ـ لو كنتُ آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها.

39

4 ـ إذا صلت المرأة ولم تدع لزوجها بعد صلاتها ، رُدَّت عليها صلاتها حتى تدعو لزوجها.

تنبيه : ليس المقصود بطلان صلاتها بل حرمانها من ثوابها.

5 ـ إذا صلت المرأه خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت فرجها ، وأطاعت زوجها ، دخلت جنة ربها.

تنبيه : دخلت جنة ربها بعد أداء الواجبات الأخرى ، وأطاعت زوجها فيما يرضى ربها لا فيما يسخطه.

6 ـ اطّلعتُ في النار فإذا أكثر أهلها النساء ، فسئل : لم يا رسول الله ؟ قال : يكثرن اللعن ، ويكفرن العشير. يعني معاشرة الزوج.

7 ـ رُوى أن نسوة أقبلن إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسألنه عن عدم مشاركتهن للرجال في فضل الجهاد ، فقال : ( جهاد المرأة حسن التبعُّل ) قصد بذلك حسن معاملتهن مع بعولتهن « يعني أزواجهن ».

8 ـ رُوى أن رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من بلده في بعض حوائجه ، وعهد إلى امرأته عهد الا تخرج من بيتها حتى يرجع. ومرض والد الزوجة بعد ذلك فبعثت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت : إن زوجي منعني أن أخرج من داري ، وإن أبي قد مرض ، أفتأمرني ان أعوده؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا ، اجلسي في دارك وأطيعي زوجك. ثم مات أبوها فبعثت إليه فقالت : يا رسول الله إن أبي قد مات أفتأمرني أن أحضره؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا ، اجلسي في دارك وأطيعي زوجك. فدفن أبوها فبعث إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( إن الله تبارك وتعالى قد غفر لِك ولأبيكِ بطِاعتك لزوجك ).

تنبيه : يجوز للزوجة أن تخرج من دارها بدون إذن زوجها لأداء فريضتين واجبتين عليها ، وهما :

40

الأولى : طلب العلم الواجب الذي لا تستطيع الحصول عليه وهي في دارها.

الثانية : الحج الواجب عليها. أما المستحبات من الحج والعمرة وزيارات المشاهد المشرفة والأماكن المقدسة ، فلا يجوز لها أن تقوم بأدائها إلا بإذن زوجها.

وصية جامعة لكل أسباب الهناء والرخاء

أوصت امرأة بنتها ليلة زفافها ( كما نُقِل ) فقالت لها : « أي بنية ، إنكِ قد فارقت بيتك الذي مِنه خرجتِ وعُشَّكِ الذي فيه درجت ، إلى رجل لم تعرفيه ، وقرين لم تألفيه ، فكوني له أمة يكن لكِ عبداً ، واحفظي له عشر خصال يكن لكِ ذخراً .. الخشوع له بالقناعة ، وحسن السمع والطاعة ، والتفقد لموضع عينه وأنفه ـ فلا تقع عينه منك على قبيح ، ولا يشم منك إلا أطيب ريح ـ والتفقد لوقت منامه وطعامه ، فإن تواتر الجوع ملهبة ، وتنغيص النوم مغضبة ، والاحتراس على ماله ، والإرعاء على حشمه وعياله ـ وملاك الأمر في المال حسن التقدير ، وفي العيال حسن التدبير ـ ولا تعصين له أمراً ، ولا تفشين له سراً ، فإنك إن خالفتِ أمره أوغرت صدره ، وإن أفشيت سره لم تأمني مكره ، ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مُغتماً ، والكآبة بين يديه إذا كان فِرحاً ».

نُقل إن رجلاً قال لزوجته :

خذي العفو مني تستديمي مودتي --ولا تنطقي في سورتي حين أغضب

ولا تنقريني نقرك الدف مرة --فإنكِ لا تدرين كيف المغيب

ولا تُكثري الشكوى فتذهب بالهوى --ويأباك قلبي والقلوب تقلّب

فإني رأيت الب في القلوب والأذى --إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب

41

حقوق الزوجة على زوجها

* إليكم أهم الأحاديث النبوية المروية :

(أ) سُئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أي المؤمنين أكمل إيمانا ؟ قال أحسنهم خُلقاً مع أهله.

(ب) خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي.

(ج) خيركم خيركم لنسائه ، وأنا خيركم لنسائي.

أيها الرجال انتبهوا لهذه النصيحة

* ذُكر أن رجلاً جاء إلى أحد كبار أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يشكو إليه زوجته. فلما بلغ بابه سمع امرأته تتطاول عليه وهو يتجاوز عنها. فقال الرجل : إني أردت أن أشكو إليه زوجتي وبه من البلوى مثل ما بي.

فرجع فدعاه الصحابي فسأله عن سبب الرجوع فقال : إني أردت أن أشكو إليك زوجتي ، فلما سمعت من زوجتك ما سمعت رجعت.

فقال الصحابي : إني أتجاوز عنها لحقوق لها عليّ :

أولها سَتْر بيني وبين النار فيسكن بها قلبي عن الحرام. والثاني أنها خازنة لي إذا خرجت من منزلي وتكون حافظة لمالي. والثالث أنها تغسل ثيابي. والرابع أنها مربية لولدي وتصبر على كل أذى في سبيلهم. والخامس أنها خبازة وطباخة لي. فقال الرجل : إن لي مثل ما لك ، فسأتجاوز عنها.

* يجب على الزوج أن ينفق على زوجته ما تحتاج إليه ـ حسب شأنها ومزاجها ـ من مسكن ومطعم ومشرب وملبس وغير ذلك من اللوازم البدنية والنفسية ، وإن كانت الزوجة غنية فلا يُشترط فقرها.

42

* إذا لم تُطع الزوجة زوجها في الأمور الواجبة عليها وسلكت سبيلا مُنفراً له ، فإنها لا تستحق النفقة عليها ويجري عليها مفهوم النشوز.

* يجب على الزوج أن يعاشر زوجته بالحسنى والمعروف ، فلا يعبس في وجهها ، ولا يؤذيها بلسانه ولا بيده ، ولا يسب والديها أو أجدادها وأقاربها ويطعن فيهم أحياء وأمواتا ، أو يضربها خصوصاً إذا كان الضرب مبرحاً بصورة متوحشة ، ويغفل عن يد الله التي هي فوق يده ( نعوذ بالله من بعض الرجال المتوحشين ) فإن نسي ذلك وارتكب الجريمة فليسارع إلى كسب رضا زوجته والتحلل منها ، ولا يستكبر عن ذلك فإن ربّه هو أكبر ، وكذلك يستغفر للأموات ويتصدق عنهم ، ويتحلل من الأحياء إذا أخبروا بالعدوان عليهم.

تنبيه هام

يعتذر بعض الذين يعتدون على أزواجهم بأنهم عصبيون ، فأقول لأحدهم : « لو تعصبت لدينك وخفت ربّك لم تكن من المعتدين. والدليل على ذلك هو أنه لو كان لزوجتك أخ ـ مثلاً ـ وهو ذو مكانة سامية في الدولة ، وله من الهيبة والبطولة ما يرهب الإنسان منهما فيزور أخته أياماً عديدة ، فهل تعتدى على زوجتك خلال تلك الأيام؟ كلا ، لأنك تخشى سطوة أخيها وبطشه ، فلماذا لا تخشى رب العالمين الذي يقول : ( إن بطش ربك لشديد ) ( إن ربك لبالمرصاد ) والجدير بالذكر هو أني بينت هذا المثل لأحد الأصدقاء فأخبرني بعد ذلك بأنه حسّن اخلاقه مع زوجته بصورة سامية ، بعد أن كان من أشد الناس قسوة عليها.

( والحمد لله على ذلك ).

43

* روى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ما مضمونه :

إذا جلس الرجل عند أهله ساعة واحدة وهو يلاطفهم ويداعبهم فيفرحون ويأنسون بمحضره ، فتلك الساعة هي أفضل عند الله من الاعتكاف في مسجدي ( مسجد المدينة المنورة ) سنة واحدة.

بيان : الاعتكاف هو اللبث في أحد المساجد المخصصة ، وأداء بعض العبادات فيه خصوصاً الصوم ، واجتناب أمور معينة في مدة لا تقل عن ثلاثة أيام ( كما ورد في الفقه الإسلامي ).

أيها الرجال : فكروا في هذا الثواب العظيم ، وأمعنوا النظر في الحق الكبير لأهليكم ، واتخذوه ميزاناً لسلوككم العائلي ، وزنوا به أنفسكم قبل أن توزنوا يوم القيامة ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية * واما من خفت موازينه فأمه هاوية * وما أدراك ماهيه * نار حامية ) ( القارعة / 6 ـ 11 ).

تفسير

قال الله سبحانه وتعالى : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيرا ) ( النساء / 34 ).

الشرح : ليس المقصود من الآية الكريمة أن الرجال مسلطون على النساء سلطة استطالة أو قهر ، بل هي الولاية لأجل تدبير أمورهن والقيام بأعمال يضعفن عن أدائها لما خلق الله لهن من صفات بدنية ونفسية اختصصن بها لأداء وظيفة الأمومة ، التي هي من أهم قواعد بناء الإنسانية العليا. ( كما فسرت والله أعلم ).

44

وخلاصة القول : أعتقد بأن القراء الأعزاء الواعين يؤيدونني حينما أقول إن الرجل رجل بقوته البدنية وخشونته الفسلجية وطبيعته العقلية الخاصة ، والمرأة مرأة بنعومتها البدنية وطبيعتها العاطفية بلا نقص في كرامتها ومكانتها الاجتماعية. لذلك نرى تلك الطبائع قد سرى مفعولها بصورة فطرية في كل المجتمعات العالمية حتى في هذا العصر الذي تعلو فيه الصيحات لتحرير المرأة فالأنبياء ـ الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء ـ أئمة الدين السابقون واللاحقون ـ الفلاسفة ـ المخترعون ـ الكتاب والمؤلفون ـ الشعراء ـ الملحنون للمغنيات ـ المخرجون للأفلام ، فنشاهد أولئك هم من الرجال إلا ما ندر في بعض الأقسام.

( والنادر كالمعدوم ) ـ فالرجال قوامون على النساء وبما فضل الله بعضهم على بعض في ملكات وقابليات تؤهلهم للرئاسة والقيادة وإدارة المؤسسة الأسرية بالإنفاق المالي ، وهو المهر الذي يقدمه الزوج لزوجته ، وكذلك ما يقوم الرجل بأداء تكاليف معاشية مفروضة عليه لزوجته وأولاده.

القسم الباقي من الآية ـ النساء قسمان : صالحات وفاسقات. أما الصالحات فيتصفن بالخشوع والخضوع لأوامر الله سبحانه وتعالى. ومن أهم تلك الأوامر طاعة الزوج خصوصاً عند غيابه يحفظنه في أمواله وأسراره. والأهم من ذلك يحفطنه في أنفسهن بالحجاب والحشمة والوقار وعدم الخيانة. وأما النساء الفاسقات فمن فسقهن تخلفهن عن طاعة الأزواج والإساءة إليهم ، فيرشد الله سبحانه وتعالى إلى تأديبهن في ثلاث مراحل متدرجة. أولا ـ بالوعظ. ثانيا ـ فإن لم ينفع فبهجرهن في المضاجع وعدم مواجهتهن. ثالثا ـ وإن لم يؤثر هذا الإجراء فبالضرب. بشرط أن يكون بدافع التأديب لا للتشفي والانتقام ، وأن لا يكون مُبرحاً مؤلما بصورة يبرز فيها الكسر أو الجرح أو تغيير لون الجلد ولا يجوز للزوج أن يعتدي على

45

زوجته ويستعلى عليها ويستكبر عن معاشرتها بالمعروف ، خصوصاً إذا هي عاشرته بالمعروف ، فإن الله سبحانه وتعالى يبين في ختام الآية الكريمة علّوه على من استعلى ، وكبرياءه على من استكبر ( إن الله كان علياً كبيراً ) ( كما فسرت الآية والله أعلم ) فليحذر الظالمون ولينتبه الغافلون. وخلاصة القول هي أن « درجة القوامة » التي يُعد الرجل أحق بها ، هي في الواقع ليست « درجة تشريف » ولكنها درجة مسؤولية وتكليف.

46

حقان مشتركان

أيها الزوج ، أيتها الزوجة ! احذرا أن تغفلا عنهما.

يجب على الزوجين أن يؤديا حقين مشتركين بينهما ، فإن لم يفعلا فيمزق رباطهما الزوجي وتطمس معالم المودة بينهما.

الحق الأول : يجب على كل واحد من الزوجين أن يزين نفسه للآخر باللباس والبدن. ومن أهم مظاهر زينة البدن سلامة الأسنان ونظافتها ، وطهارة الفم من الرائحة الكريهة.

وأتشرف بدوري أن أقدم لك أيها القارئ العزيز نصائح مُخلصة حول هذين الموضوعين الهامين ، أرجو اتباعها.

سلامة الأسنان ونظافتها :

1 ـ لا تجمع في طعامك وشرابك بين البرودة والحرارة الشديدتين.

2 ـ انزع ما ترسب من أجزاء الطعام بين الأسنان وفي أطرافها الفارغة ، بعيدان خشبية مخصوصة أو خيوط طبية.

3 ـ عليك بالمضمضة القوية جدا مرات عديدة عند غسل الفم. والأفضل خمس مرات ( هامة جداً ).

4 ـ لا تترك المضمضة بعد غسل الفم بمحلول ملح الطعام المكون من نصف قدح متعارف من الماء ، وملعقة شاي من الملح.

5 ـ إياك إياك أن تترك أسنانك وأسنان أطفالك بلا تنظيف ومضمضة بعد تناول السكريات .. جامدة كالفواكه والحلويات المصنوعة ، أو سائلة كالشاي والمشروبات الأخرى. فسارع ولا تتأخر أكثر من خمس دقائق ، فإن إهمال هذا السلوك هو من أهم عوامل تلف الأسنان وعطبها.

47

6 ـ إياك إياك أن تنام ليلاً بلا تطهير أسنانك بالفرشاة السليمة والمعجون الطبي ، وإلحاق ذلك بالمضمضة بمحلول ملح الطعام ، ولا تغفل أيها القارئ العزيز أن تضيف إلى ما سبق المسواك الخشبي المخصوص والمعروف ، فإنه من أفضل المطهرات للأسنان ( كما ثبت في طب الأسنان ) ـ وأذكرك بأن أسنانك هي أثمن من اللالئ ، لأن اللؤلؤة إذا فقدتها قد تجد مثلها ، أما سنك فلا تجد مثله بعد فقده.

طهارة الفم من الرائحة الكريهة :

نجد لهذا الموضوع خطورته الكبرى ، فلا يقتصر على الزوجين فقط بل يسري إلى بقية الأقارب والأصدقاء ، وذلك عند اللقاء والمقابلة والتقبيل لذلك يجب على المبتلى بهذا المظهر المكروه أن يعالج نفسه كما يأتي :

1 ـ يزيل الإمساك ( قبض الأمعاء ) بتناول الماء البارد صباحاً في الصيف ، والماء الساخن في الشتاء ، وذلك قبل الإفطار.

2 ـ يعالج عسر الهضم الذي يسبب عفونة الطعام في الجهاز الهضمي ، بمضغ الطعام مضغاً جيدا فلا يستعجل في بلعه ، ولا يكثر من تناول السوائل مع الطعام ، بل يقتصر على قدح متعارف واحد ، ويجتنب الحلويات المصنوعة والأطعمة المقلية (1) ، وكذلك يترك أكل اللحم كل يوم ، ويحاول ويسعى أن يترك مائدته وهو يشتهي منها لقيمات.

3 ـ يستخرج الديدان من الأمعاء ( إن وجدت بالاختبار ).

4 ـ يعالج أسنانه المريضة ويقلع التالفة منها باستشارة الطبيب.

5 ـ يبدأ طعامه بالملح ( بقدر نصف حمصة ) ويختتم به. فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن في ذلك وقاية من أمراض كثيرة ، وذلك لأن ملح الطعام يولد بدخوله في الجهاز الهضمي ـ كما سبق ـ حامض

____________

(1) أنبه القراء الأعزاء بأن السلامة في سلق البيض أن يكون رقيقاً.

48

الهيدروكلوريك ، فإن هذه المادة هي من أهم عوامل تعادل العصارات الهضمية وتأثيرها النافع ( هام جدا ).

وأذكر الزوجين باستعمال الطيب ( العطر ) فإنه من أهم وسائل التجاذب والتحابب.

أيها الزوج ، أيتها الزوجة ! إيّاكما أن تتهاونا في اتباع النصائح التي مرّ ذكرها ، فإنها من الأمور المجرّبة والثابتة في علم الطب. فمن أعرض عنها وأهملها فسيصبح من الخاسرين والنادمين.

الحق الثاني : يجب على الزوج أن يثير شهوة زوجته عندما يريد ملامستها كما هي تثير شهوته ، فلا يستعجل ويقفز كما تفعل الحيوانات ، بل يداعبها ويلاطفها ، ثم يُمتعها ويُشبع غريزتها الجنسية كما هي تمتعه وتشبع غريزته ، فلا ينفصل عنها (1) حتى يطمئن إلى اشتراكها معه في بلوغ الشهوة إلى منتهاها. فإن لم يُنصف الزوج زوجته في أداء هذا الحق العظيم ، فإنه يظلمها ويخسر مودتها وإخلاصها له. والجدير بالذكر هو أن الزوج لو أنفق على زوجته أسمى مظاهر النفقة المالية ، وحرمها من هذه النفقة الجنسية ، فإنه لم يحقق سعادتها ، بل جلب لها شقاءها وعناءها ، وكانت المقارنة بين النفقتين كما بين الثرى والثريا ( كما جاء في المثل المشهور ).

ولتركيز الموضوع أرجو أخي الزوج أن يتدبر ويمعن النظر فيما جاء في كتاب « الأسرار الزوجية » تأليف نخبة من أساتذة كليات الطب بجمهورية مصر العربية. ( لا حياء في أحكام الحق والدين ، بل الحياء في معصية رب العالمين ).

« نقطة النهاية : تختلف نقطة النهاية في الرجل عنها في المرأة ، فإذا كان القذف يعتبر نقطة الوصول إلى الهدف من الاتصال الجنسي عند الرجل ، فإنه ليس كذلك عند المرأة ، إذ أنها تعتبر الاتصال الجنسي ليس هدفاً في حد ذاته.

____________

(1) ( يستحب اللبث عند الجماع وعدم الاستعجال ) مضمون المسألة باب النكاح ( العروة الوثقى ).

49

ولذلك فمن الحكمة ألا يتراجع الرجل بمجرد الوصول الى القذف حتى ولو كانت المرأه قد سبقته إلى الوصول إلى قمة الشهوة ، فإن ذلك يُشعرها بأنها ليست بالنسبة له هدفاً جنسيا فحسب ، ولكنّها شريكة في الجنس وغير الجنس .. ولذلك يُستحب بقاء الالتصاق الجسماني بعد القذف لتثبيت هذا المعنى في ذهن المرأة ».

« وإذا كان الأمر كذلك في حالة وصول المرأة إلى قمة شهوتها ، فإنه يكون ذا أثر أخطر إذا كانت المرأة لم تصل بَعد إلى قمة الشهوة. وكثير من السيدات يصلن إلى قمة الشهوة بعد قذف الرجل عن طريق هذا الالتصاق الجسماني الذي يبدو سلبيا ، وهنا تشعر المرأه باهتمام زوجها بشعورها واحترامه لرغبتها » انتهى الموضوع المرتبط بالبحث من كتاب « أسرار الحياة الزوجية ». ان مقامي هنا كمقام الطبيب يجري عملية جراحية لفتاة جميلة فالضرورات تبيح المحظورات فلا يضيرني نقد الناقدين الجاهلين ( وبالله التوفيق ).

أهم الحقوق

يجب على الزوج ألا ينسى بأن أهم الحقوق التي يجب أن يؤديها بالنسبة لزوجته ، هو تعليمها وتأديبها بآداب الإسلام وأحكام عباداته فيعلمها بعد تعليم نفسه أصول الدين ، وأحكام الصلاة والصوم والحج والزكاة وما ترتبط بها وترتكز عليها من أعمال .. كالوضوء والغسل ، وكيفية التطهير من الدماء الثلاثة ( الحيض ـ الاستحاضة ـ النفاس ) ، وكذلك يرشدها إلى تثبيت قلبها بالرجوع إلى مرجع ديني أعلى للقيام بأعمالها الدينية ، وكذلك يُعلم نفسه ويُعلمها الفضائل للتحلي بها ، والرذائل لتتخلى عنها. فإن المرأه إذا أدّبها زوجها بآداب الإسلام ، وهَذبَها بتعاليمه ومفاهيمه ، فإن نور الدين الحنيف الذي تستنير به ينطلق إلى أولادها ، فتنشأ بذلك ذرية طيبة ، وشعوب صالحة تتقي ربها في بلاده وعباده. كما قال الشاعر :

الأم مدرسة إذا أعددتها --أعددت شعباً طيب الأعراق

(زواج بغير اعوجاج)

50

وأهم الفضائل التي يجب على الزوج أن يركزها في قلب زوجته ، هي فضيلة الحجاب والستر. فإن أخطر المظاهر التي تنذر الأسرة بالدمار وتهددها بالانهيار ، هو سفور المرأة وتبرجها أمام الرجال إلا من استثناهم الله تعالى ( كما في سورة النور ). ومعنى الحجاب في الإسلام هو أن المرأة تحجب عن الرجل من شخصيتها ما يغريه ويثير غريزته الجنسية سواء كان ذلك باللباس أو الأفعال أو الأقوال.

ونهاية المطاف : إن أملي وطيد بأن القراء الأعزاء يقرأون جميع سطور هذا الكتاب ، ويحققون ما حقق الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد بقوله : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ( الروم / 21 ).

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

ملحقات هامّة

* انتبهوا إليها واذكروها في كل مناسبة وظرف ملائم

المسألة الأولى : إذا لاط ذكر بالمماثل حرمت على الفاعل أخت المفعول وابنته وأمه إلى الأبد بشرط الاتصال الباطني وإذا شك في ذلك فلا يحصل التحريم.

المسأله الثانية : إذا زنى بذات زوج أو في عدتها الرجعية حرمت عليه إلى الأبد ، وإذا لم تكن ذات زوج فيجوز له أن يتزوجها بعد الزنى بشرط أن ينتظر خروجها من دور حيضة واحدة.