فدك في التاريخ

- السيد محمد باقر الصدر المزيد...
148 /
9

على مسرح الثورة

-فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون.

الزهراء

10

وقفت لا يخالجها شك فيما تقدم عليه ، ولا يطفح عليها موقفها الرهيب بصبابة من خوف أو ذعر ، ولا يمر على خيالها الذي كان جدّيّاً كل الجد ، تردد في تصميمها ، ولا ولا تساورها هاجسة من هواجس القلق والارتباك ، وها هي الآن في أعلى القمة من استعدادها النبيل ، وثباتها الشجاع على خطتها الطموح ، واسلوبها الدفاعي ، فقد كانت بين بابين لا يتسعان لتردد طويل ، ودرس عريض ، فلا بد لها من اختيار أحدهما وقد اختارت الطريق المتعب من الطريقين الذي يشق سلوكه على المرأة بطبيعتها الضعيفة لما يكتنفه من شدائد ومصاعب تتطلب جرأة أدبية ، وملكة بيانية مؤثرة ، وقدرة على صب معاني الثورة كلّها في كلمات وبراعة فنية في تصوير النقمة ونقد الأوضاع القائمة تصويراً ونقداً يجعلان في الألفاظ معنى من حياة ، وحظا من خلود ، لتكون الحروف جنود الثورة الخيرة ، وسندها الخالد في تاريخ العقيدة ، ولكنه الإيمان والاستبسال في سبيل الحق الذي يبعث في النفوس الضعيفة نقائضها ، ويفجر في الطبائع المخذولة قوة لا تتعرض لضعف ولا تردد.

ولذا كان اختيار الثائرة لهذا الطريق ممّا يوافق طبعها ، ويلتئم مع شخصيتها المركزة على الانتصار للحق ، والاندفاع في سبيله.

وكانت حولها نسوة متعددات من حفدتها ونساء قومها كالنجوم

11

المتناثرة يلتففن بها بغير انتظام ، وهن جميعاً سواسية في هذا الاندفاع والالتياع ، وقائدتهن بينهن تستعرض ما ستقدم عليه من وثبة كريمة تهيئ لها العدة والذخيرة ، وهي كلما استرسلت في استعراضها ازدادت رباطة جأش ، وقوة جنان ، وتضاعفت قوة الحق التي تعمل في نفسها ، واشتدت صلابة في الحركة ، وانبعاثاً نحو الدفاع عن الحقوق المسلوبة ، ونشاطاً في الاندفاع ، وبسالة في الموقف الرهيب ، كأنّها قد استعارت في لحظتها هذه قلب رجلها العظيم ، لتواجه به ظروفها القاسية وما حاكت لها يد القدر أستغفر الله بل ما قدر لها المقدر الحكيم من مأساة مروعة تهد الجبل وتزلزل الصعب الشامخ.

وكانت في لحظتها الرهيبة التي قامت فيها بدور الجندي المدافع شبحاً قائماً ترتسم عليه سحابة حزن مرير ، وهي شاحبة اللون ، عابسة الوجه ، مفجوعة القلب ، كاسفة البال منهدة العمد ، ضعيفة الجانب ، مائعة الجسم ، وفي صميم نفسها ، وعميق فكرها المتأملة اشعاعة بهجة ، واثارة طمأنينة ، وليس هذا ولا ذاك استعذاباً لأمل باسم ، أو سكونا إلى حلم لذيذ ، أو استقبالاً لنتيجة حسنة مترقبة ، بل كانت الاشعاعة اشعاعة رضا بالفكرة ، والاستبشار بالثورة ، وكانت الطمأنينة ثقة بنجاح لا هذا الذي نفيناه بل على وجه آخر ، وان في بعض الفشل الأجل ايجاباً لنجاح عظيم وكذلك وقع ، فقد قامت اُمّة برمتها تقدس هذه الثورة الفائزة بل تستمد منها ثباتها واستبسالها في هذا الثبات.

ودفعتها أفكارها في وقفتها تلك إلى الماضي القريب يوم كانت موجات السعادة تلعب بحياتها السعيدة ، ويوم كانت نفس أبيها يصعد. ونسمه يهبط ، وكان بيتها قطب الدولة العتيد ، ودعامة المجد الراسخة المهيمنة على الزمن الخاشع المطيع.

12

ولعل أفكارها هذه ساقتها إلى تصور أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يضمها إلى صدره الرحيب ، ويحوطها بحنانه العبقري ، ويطبع على فمها الطاهر قبلاته التي اعتادتها منه ، وكانت غذاءها صباحاً ومساء.

ثم وصلت إلى حيث بلغت سلسلة الزمن فيواجهها الواقع العابس واذا بالزمان غير الزمان وها هو بيتها مشكاة النور ورمز النبوّة والاشعاعة المتألقة المحلقة بالسماء مهدد بين الفينة والفينة ، وها هو ابن عمها الرجل الثاني في دنيا الإسلام باب علم النبوّة ، ووزيرها المخلص ، وهارونها المرجى ، الذي لم يكن لينفصل ببدايته الطاهرة عن بداية النبوّة المباركة فهو ناصرها في البداية ، وأملها الكبير في النهاية ، يخسر أخيراً خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقوض معنوياته النورية التي شهدت لها السماء والأرض جميعا ، وتسقط سوابقه الفذة عن الاعتبار ببعض المقاييس التي تمّ اصطلاحها في تلك الاحايين.

وهنا بكت بكاء شقيا ما شاء الله لها أن تبكي ، ولم يكن بكاء بمعناه الذي يظهر على الأسارير ، ويخيم على المظاهر ، بل كان لوعة الضمير ، وارتياع النفس ، وانتفاضة الحسرات في أعماق القلب ، وختمت طوافها الأليم هذا بعبرتين نضتا من مقلتيها.

ثم لم تطل وقفتها ، بل اندفعت كالشرارة الملتهبة وحولها صويحباتها حتى وصلت إلى ميدان الصراع ، فوقفت وقفتها الخالدة ، وأثارت حربها الذي استعملت فيه ما يمكن مباشرته للمرأة في الإسلام ، وكادت ثورتها البكر أن تلتهم الخلافة لولا أن عاكسها شذوذ الظرف ، وتناثرت امامها العقبات.

* * *

تلك هي الحوراء الصديقة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)

13

ريحانة النبوّة ، ومثال العصمة ، وهالة النور المشعة ، وبقية الرسول بين المسلمين ـ في طريقها إلى المسجد ـ وقد خسرت أبوة هي أزهى الأبوات في تأريخ الانسان ، وأفيضها حناناً ، وأكثرها اشفاقاً ، وأوفرها بركة.

وهذه كارثة من شأنها أن تذيق المصاب بها مرارة الموت أو أن تظهر له الموت حلواً شهياً ، وأملا نيراً.

وهكذا كانت الزهراء حينما لحق أبوها بالرفيق الأعلى ، وطارت روحه الفرد إلى جنان ربها راضية مرضية.

ثم لم تقف الحوادث المرة عند هذا الحد الرهيب ، بل عرضت الزهراء لخطب آخر قد لا يقل تأثيراً في نفسها الطهور ، وايقاداً لحزنها ، واذكاء لأساها عن الفاجعة الأولى كثيراً وهو خسارة المجد الذي سجلته السماء لبيت النبوّة على طول التاريخ ، وأعني بهذا المجد العظيم سيادة الأمة وزعامتها الكبرى ، فقد كان من تشريعات السماء أن يسوس آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) امته وشيعته ، لأنهم مشتقاته ومصغراته ، واذا بالتقدير المعاكس يصرف مراكز الزعامة عن أهلها ، ومناصب الحكم عن أصحابها ، ويرتب لها خلفاء واُمراء من عند نفسه.

وبهذا وذاك خسرت الزهراء أقدس النبوات والأبوات ، واخلد الرئاسات والزعامات بين عشية وضحاها ، فبعثتها نفسها المطوقة بآفاق من الحزن والأسف إلى المعركة ومجالاتها ، ومباشرة الثورة والاستمرار عليها.

والحقيقة التي لا شك فيها أن أحداً ممن يوافقها على مبدئها ونهضتها لم يكن ليمكنه أن يقف موقفها ، ويستبسل استبسالها في الجهاد إلا وأن يكون أكلة باردة ، وطعمة رخيصة للسلطات الحاكمة التي كانت قد بلغت يومذاك أوج الضغط والشدة ، فعلى الاشارة عتاب ، وعلى القول حساب

14

وعلى الفعل عقاب ، فلم يكن ليختلف عمّا نصطلح عليه اليوم بالأحكام العرفية ، وهو أمر ضروري للسلطات يومئذ في سبيل تدعيم أساسها ، وتثبيت بنيانها.

أما إذا كان القائم المدافع بنت محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبضعته وصورته الناضرة. فهي محفوظة لا خوف عليها بلا شك ، باعتبار هذه النبوّة المقدسة ، ولما للمرأة في الإسلام عموماً من حرمات وخصائص تمنعها وتحميها من الأذى.

* * *

مستمسكات الثورة :

ارتفعت الزهراء بأجنحة من خيالها المطهر إلى آفاق حياتها الماضية ودنيا أبيها العظيم التي استحالت حين لحق سيد البشر بربه إلى ذكرى في نفس الحوراء متألقة بالنور تمد الزهراء في كلّ حين بألوان من الشعور والعاطفة والتوجيه ، وتشيع في نفسها ضروبا من البهجة والنعيم ، فهي وان كانت قد تأخرت عن أبيها في حساب الزمن اياماً أو شهوراً ، ولكنها لم تنفصل عنه في حساب الروح والذكرى لحظة واحدة.

واذن ففي جنبيها معين من القوة لا ينبض ، وطاقة على ثورة كاسحة لا تخمد ، وأضواء من نبوة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونفس محمّد تنير لها الطريق ، وتهديها سواء السبيل.

وتجردت الزهراء في اللحظة التي اختمرت فيها ثورة نفسها عن دنيا الناس ، واتجهت بمشاعرها إلى تلك الذكرى الحية في نفسها لتستمد منها قبسا من نور في موقفها العصيب ، وصارت تنادي : ـ

الي يا صور السعادة التي أفقت منها على شقاء لا يصطبر عليه ..

15

الي يا أعز روح علي ، وأحبها اليّ .. حدثيني وأفيضي علي من نورك الالهي. كما كنت تصنعين معي دائماً.

الي يا أبي أناجيك ان كانت المناجاة تلذ لك ، وابثك همومي كما اعتدت أن أفعل في كل حين ، وأخبرك أن تلك الظلال الظليلة التي كانت تقيني من لهيب هذه الدنيا لم يعد لي منها شيء.

قد كان بعدك أنباء وهنبثة * * *لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

الي يا ذكريات الماضي العزيز حدثيني حديثك الجذاب ورددي على مسامعي كل شيء لا تثيرها حربا لا هوادة فيها على هؤلاء الذين ارتفعوا أو ارتفع الناس بهم إلى منبر أبي ومقامه ، ولم يعرفوا لآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حقوقهم ، ولا لبينهم حرمة تصونه من الاحراق والتخريب ، ذكريني بمشاهد أبي وغزواته ألم يكن يقص علي ألواناً من بطولة أخيه وصهره واستبساله في الجهاد ، وتفوقه على سائر الأنداد ، ووقوفه إلى صف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أشد الساعات ، وأعنف المعارك التي فر فيها فلان وفلان وتقاصر عن اقتحامها الشجعان أيصح بعد هذا أن نضع أبا بكر على منبر النبي وننزل بعلي عمّا يستحق من مقام.

خبريني يا ذكريات أبي العزيز أليس أبو بكر هو الذي لم يأتمنه الوحي على تبليغ آية إلى المشركين ؟. وانتخب للمهمة علياً فماذ يكون معنى هذا ان لم يكن معناه انّ علياً هو الممثل الطبيعي للاسلام الذي يجب ان تستند إليه كل مهمة لا يتيسر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرتها.

اني لا تذكر بوضوح ذلك اليوم العصيب الذي أرجف فيه المرجفون لما استخلف أبي علياً على المدينة وخرج إلى الحرب ، فوضعوا لهذا

16

الاستخلاف ما شاؤا من تفاسير ، وكان علي ثابتاً كالطود لا تزعزعه مشاغبات المشاغبين ، وكنت أحاول أن يلتحق بأبي ليحدثه بحديث الناس وأخيراً لحق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم رجع متهلل الوجه ضاحك الاسارير ، تحمله الفرحة إلى قرينته الحبيبة ليزف إليها بشرى لا بمعنى من معاني الدنيا بل بمعنى من معاني السماء. فقص علي كيف استقبله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورحب به وقال له : انت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انّه لا نبي بعدي (1) وهارون موسى كان شريكا له في الحكم ، واماماً لاُمته ، ومعداً لخلافته ، فلا بد أن يكون هارون محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولياً للمسلمين وخليفته فيهم من بعده.

ولما وصلت إلى هذه النقطة من افكارها المتدفقه صرخت ان هذا هو الانقلاب الذي انذر االله تعالى في كتابه اذ قال : ( وما محمّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ). فها هم الناس قد انقلبوا على أعقابهم. واستولى عليهم المنطق الجاهلي الذي تبادله الحزبان في السقيفة حين قال أحدهما نحن أهل العزة والمنعة ، واولوا العدد والكثرة ، واجابه الآخر : من ينازعنا سلطان محمّد (ص) ونحن اولياؤه وعترته وسقط الكتاب والسنة في تلك المقاييس ثم اخذت تقول : ـ

يا مبادئ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) التي جرت في عروقي منذ ولدت كما يجري الدم في العصب ، انّ عمر الذي هجم عليك في بيتك المكي الذي اقامه النبي مركزاً لدعوته قد هجم على آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) في دارهم واشعل النار فيها أو كاد ..

____________

(1) ورد حديث المنزلة في صحيح البخاري ومسلم وخصائص النسائي ومستدرك الحاكم وجامع الترمذي ومروج الذهب.

17

يا روح امي العظيمة انك القيت علي درساً خالداً في حياة النضال الإسلامي بجهادك الرائع في صف سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) وسوف أجعل من نفسي خديجة علي في محنته القائمة.

لبيك لبيك يا أماه انّي أسمع صوتك في أعماق روحي يدفعني إلى مقاومة الحاكمين.

فسوف أذهب إلى أبي بكر لأقول له لقد جئت شيئاً فريا ، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، ولأنبه المسلمين إلى عواقب فعلتهم والمستقبل القائم الذي بنوه بأيديهم وأقول : لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب ، ثم احتلبوها طلاع القعب دماً عبيطاً ، وهناك يخسر المبطلون. ويعرف التالون ، غب ما اسّس الاولون.

ثم اندفعت إلى ميدان العمل وفي نفسها مبادئ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وروح خديجة ، وبطولة علي. واشفاق عظيم على هذه الأمة من مستقبل مظلم.

* * *

طريق الثورة :

لم يكن الطريق الذي اجتازته الثائرة طويلا ، لان البيت الذي انبعث منه شرر الثورة ولهيبها هو بيت علي (ع) بالطبع الذي كان يصطلح عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيت النبوّة وهو جار المسجد لا يفصل بينهما سوى جدار واحد ، فلعلها دخلته من الباب المتصل به ، والمؤدي إليه من دارها مباشرة ، كما يمكن أن تكون مدخلها الباب العام ولا يهمنا تعيين أحد الطريقين ، وان كنت أرجح انّها سلكت الباب العام لأنّ

18

سياق الرواية التاريخية التي حكت لنا هذه الحركة الدفاعية يشعر بهاذ فان دخولها من الباب الخاص لا يكلفها سيراً في نفس المسجد ولا اجتياز طريق بينه وبين بيتها ، فمن أين للراوي أن يصف مشيها ، وينعته بأنّه لا يخرم مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو لم يكن معها بالطبع ، ولو تصورنا انّها سارت في نفس المسجد ، فلا ينتهي سيرها بالدخول على الخليفة ، وانّما يبتدئ بذلك ، لأن من دخل المسجد صدق عليه انّه دخل على من فيه ، وان سار في ساحته مع أن الراوي يجعل دخولها على أبي بكر متعقباً لمشيها ، وهذا وغيره يكون قرينة على ما استقريناه.

* * *

النسوة :

وتدلنا الرواية على انّ الزهراء كانت تصحبها معها نسوة من قومها وحفدتها كما سبق ذكره ومرد هذه الصحبة ، وذلك الاختيار للباب العام إلى أمر واحد ، وهو تنبيه الناس ، وكسب التفاتهم باجتيازها في الطريق مع تلك النسوة ليجتمعوا في المسجد ، ويتهافتوا حيث ينتهي بها السير بقصد التعرف على ما تريده وتعزم عليه من قول أو فعل ، وبهذا تكون المحاكمة علنية تعيها اسماع عامة المسلمين في ذلك الوسط المضطرب.

ظاهرة :

سبق أن الرواية التأريخية جاءت تنص على انّ الزهراء لم تكن لتخرم في مشيتها مشية ابيها (صلى الله عليه وآله وسلم).

ويتسع لنا المجال لفلسفة هذا التقليد الدقيق فلعله كان طبيعة قد جرت عليها في موقفها هذا بلا تكلف ولا اعتناء خاص ، وليس هذا ببعيد فانّها (صلوات ا‏لله عليها) قد اعتادت ان تقلد اباها وتحاكيه في سائر

19

افعالها واقوالها ، ويحتمل ان يكون لهذه المشابهة المتقنة وجه آخر بأن كانت الحوراء قد عمدت في موقفها يومذاك إلى تقليد أبيها في مشيه عن التفات وقصد فأحكمت التمثيل وأجادت المحاكاة ، فلم تكن لتخرم مشية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأرادت بهذا أن تستولي على المشاعر واحساس الناس وعواطف الجمهور بهذا التقليد الباهر الذي يدفع بأفكارهم إلى سفر قصير ، وتجول لذيذ في الماضي القريب حيث عهد النبوّة المقدس. والأيام الضواحك التي قضوها تحت ظلال نبيهم الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون في ارهاف هذه الاحساسات وصقلها صقلاً عاطفيا ما يمهد للزهراء الشروع في مقصودها. ويوطئ القلوب لتقبل دعوتها الصارخة واستجابة استنقاذها الحزين ، ونجاح محاولتها اليائسة أو شبه اليائسة.

* * *

ولذا ترى ان الراوي نفسه أثرت عليه هذه الناحية أيضاً من حيث يشعر أو لا يشعر ، ودفعه تأثره هذا إلى تسجيلها فيما سجل من تصوير الحركة الفاطمية.

صرخة باركتها الزهراء ، ورعتها السماء فكانت عند اندلاعها محط الثقل الذي تركز عنده الحق المذبوح ، والمحاولة اليائسة التي شاعت حولها ابتسامات أمل استحالت بعد انتهائها إلى عبوس مرير ، ويأس ثابت ، واستسلام فرضته حياة الناس الواقعة يومذاك.

ثورة لم تكن لتقصد بها الثائرة نتيجة لها على ما يطرد في الثورات الأخرى بقدر ما كانت تستهدف إلى تثبيت الثورة لذاتها وتسجيلها فيما يسجله التأريخ في سطوره البارزة فكانت الثورة على هذا بنفسها تؤدي الغرض كاملاً غير منقوص ، وهذا ما وقع بالفعل وبه نفسر الحكم بنجاحها وان فشلت كما سنوضحه في موقع آخر من هذا الكتاب.

20

-

21

2

فدك

( بمعناها الحقيقي )

« بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين »-

( قرين الزهراء )

أمير المؤمنين

-( بمعناها الرمزي )

الحد الأول : ( لفدك ) عدن

والحد الثاني : سمرقند

والثالث : أفريقية.

والرابع : سيف البحر مما يلي الجزر وارمينية.

( حفيد الزهراء )

الامام موسى بن جعفر

22

فدك : قرية في الحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة وهي أرض يهودية في مطلع تأريخها المأثور. وكان يسكنها طائفة من اليهود ، ولم يزالوا على ذلك حتى السنة السابعة حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها فصالحوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على النصف من فدك وروي انّه صالحهم عليها كلها.

وابتدأ بذلك تاريخها الإسلامي ، فكانت ملكا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، ثم قدمها لابنته الزهراء ، وبقيت عندها حتى توفي أبوها (صلى الله عليه وآله وسلم) فانتزعها الخليفة الأول (رضي الله عنه) ـ على حد تعبير صاحب الصواعق المحرقة ـ وأصبحت من مصادر المالية العامّة وموارد ثورة الدولة يومذاك حتى تولّى عمر الخلافة فدفع فدكاً إلى ورثة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبقيت فدك عند آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن تولّى الخلافة عثمان بن عفان فاقطعها مروان بن الحكم على ما قيل ، ثم يهمل التاريخ أمر فدك بعد عثمان فلا يصرح عنها بشيء. ولكن الشيء الثابت هو ان أمير المؤمنين علياً انتزعها من مروان على تقدير كونها عنده في خلافة عثمان ـ كسائر ما نهبه بنو اُمية في أيّام خليفتهم ـ.

وقد ذكر بعض المدافعين عن الخليفة في مسألة فدك انّ علياً لم

23

يدفعها عن المسلمين بل اتبع فيها سيرة أبي بكر فلو كان يعلم بصواب الزهراء وصحة دعواها ما انتهج ذلك المنهج.

ولا أريد أن أفتح في الجواب بحث التقية على مصراعيه وأوجه بها عمل أمير المؤمنين ، وانّما امنع ان يكون أمير المؤمنين (ع) قد سار على طريقة الصديق ، فان التأريخ لم يصرح بشيء من ذلك بل صرح بأن أمير المؤمنين كان يرى فدكاً لأهل البيت ، وقد سجل هذا الرأي بوضوح في رسالته إلى عثمان بن حنيف كما سيأتي.

فمن الممكن انّه كان يخص ورثة الزهراء وهم أولادها وزوجها بحاصلات فدك وليس في هذا التخصيص ما يوجب اشاعة الخبر لأن المال كان عنده وأهله الشرعيون هو وأولاده كما يحتمل انّه كان ينفق غلاتها في مصالح المسلمين برضى منه ومن اولاده عليهم الصلاة والسلام (1) بل لعلهم أوقفوها وجعلوها من الصدقات العامة.

ولما ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة أمعن في السخرية وأكثر من الاستخفاف بالحق المهضوم فاقطع مروان بن الحكم ثلث فدك وعمر بن عثمان ثلثها ، ويزيد ابنه ثلثها الآخر ، فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلّها لمروان بن الحكم أيّام ملكه ثم صفت لعمر بن عبدالعزيز بن مروان فلما تولّى هذا الأمر رد فدكاً على ولد فاطمة (عليها السلام) وكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك فكتب إليه انّ فاطمة (عليها السلام) قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وفلان فعلى من أرد منهم ؟ فكتب إليه : أما بعد ، فاني لو كتبت اليك آمرك أن تذبح

____________

(1) وهذا أقرب الاحتمالات ، لان الأول تنفيه رسالة أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف اذ يقول : وسخت عنها نفوس آخرين. والثالث يبعده قبول الفاطميين فيما بعد لفدك عند ما أعطيت اليهم في فرص متباعدة.

24

بقرة لسألتني ما لونها فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة (عليها السلام) من علي (عليه السلام) ، فنقمت بنو امية ذلك على عمر بن عبدالعزيز وعاتبوه فيه وقالوا له : هجنت فعل الشيخين وقيل : انّه خرج إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة فلما عاتبوه على فعله قال لهم انكم جهلتم وعلمت ونسيتم وذكرت انّ أبا بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم حدّثني عن أبيه عن جده انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : فاطمة بضعة مني يسخطها ما يسخطني ، ويرضيني ما أرضاها ، وان فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبدالعزيز أبي فورثتها أنا واخوتي عنه فسألتهم ان يبيعوني حصتهم منها فمن بائع وواهب حتى استجمعت لي فرأيت ان اردها على ولد فاطمة فقالوا له : فان أبيت إلا هذا فامسك الاصل واقسم الغلة ، ففعل.

ثم انتزعها يزيد بن عبدالملك من أولاد فاطمة فصارت في أيدي بني مروان حتى انقرضت دولتهم.

فلما قام أبو العباس السفاح بالأمر وتقلد الخلافة ردها على عبدالله ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ثم قبضها أبو جعفر المنصور في خلافته من بني الحسن وردها المهدي بن المنصور على الفاطميين ثم قبضها موسى بن المهدي من أيديهم.

ولم تزل في أيدي العباسيين حتى تولّى المأمون الخلافة فردها على الفاطميين سنة (210) وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة : أما بعد ، فان أمير المؤمنين بمكانه من دين الله وخلافة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرابة به أولى من استن بسنته وسلم لمن منحه منحة وتصديق عليه بصدقة منحته وصدقته وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته واليه في العمل بما يقربه إليه رغبته ، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك وتصدق بها عليها وكان ذلك أمراً ظاهراً

25

معروفاً لا اختلاف فيه بين آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم تدع منه ما هو أولى به من صدق عليه فرأى أمير المؤمنين ان يردها إلى ورثتها ويسلمها اليهم تقرباً إلى الله تعالى ، باقامة حقه وعدله والى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بتنفيذ أمره وصدقته فأمر باثبات ذلك في دواوينه والكتاب إلى عماله فلئن كان ينادي في كل موسم بعد ان قبض نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وتنفذ عدته انّ فاطمة رضي الله عنها لاُولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لها وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك وتسليمها إلى محمّد ابن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ومحمّد بن عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين اياههما القيام بها لأهلها. فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ووفقه له من التقرب إليه والى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعلمه من قبلك وعامل محمّد بن يحيى ومحمّد بن عبدالله بما كنت تعامل به المبارك الطبري واعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها ان شاء الله والسلام.

ولما بويع المتوكل على الله انتزعها من الفاطميين واقطعها عبدالله ابن عمر البازيار وكان فيها احدى عشرة نخلة غرسها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده الكريمة فوجه عبدالله بن عمر البازيار رجلاً يقال له : بشران بن أبي أمية الثقفي إلى المدينة فصرم تلك النخيل ثم عاد ففلج.

وينتهي آخر عهد الفاطميين بفدك بخلافة المتوكل ومنحه اياها عبدالله بن عمر البازيار.

26

هذه المامة مختصرة بتاريخ فدك المضطرب الذي لا يستقيم على خط ولا يجمع على قاعدة ، وانّما حاكت اكثره الأهواء ، وصاغته الشهوات على ما اقتضته المطامع والسياسات الوقتية ، وعلى هذا فلم يخل هذا التاريخ من اعتدال واستقامة في أحايين مختلفة ، وظروف متباعدة حيث توكل فدك إلى أهلها واصحابها الاولين ويلاحظ ان مشكلة فدك كانت قد حازت أهمية كبرى بنظر المجتمع الإسلامي وأسياده ، ولذا ترى حلها يختلف باختلاف سياسة الدولة ، ويرتبط باتجاه الخليفة العام نحو أهل البيت مباشرة فهو إذا استقام اتجاهه ، واعتدل رأيه ، رد فدكاً على الفاطميين ، واذا لم يكن كذلك وقع انتزاع فدك في أوّل القائمة من أعمال ذلك الخليفة.

ويدلنا على مدى ما بلغته فدك من القيمة المعنويّة في النظر الإسلامي قصيدة دعبل الخزاعي التي انشأها حينما رد المأمون فدكاً ومطلعها : ـ

أصبح وجه الزمان قد ضحكا * * *برد مأمون هاشم فدكا

وقد بقيت كلمة بسيطة وهي ان فدكاً لم تكن أرضاً صغيرة أو مزرعا متواضعاً كما يظن البعض ، بل الأمر الذي أطمئن إليه انّها كانت تدر على صاحبها أموالا طائلة تشكل ثروة مهمة وليس علي بعد هذا أن أحدد الحاصل السنوي منها وان ورد في بعض طرقنا الإرتفاع به إلى أعداد عالية جداً.

ويدل على مقدار القيمة الماديّة لفدك أمور ـ :

( الأول ) : ما سيأتي من انّ عمر منع أبا بكر من ترك فدك للزهراء لضعف المالية العامّة مع احتياجها إلى التقوية لما يتهدد الموقف من حروب الردة وثورات العصاة.

27

ومن الجلي أن أرضاً يستعان بحاصلاتها على تعديل ميزانية الدولة ، وتقوية مالياتها في ظروف حرجة كظرف الثورات والحروب الداخلية لابد انّها ذات نتاج عظيم.

( الثاني ) : قول الخليفة لفاطمة في محاورة له معها حول فدك : ان هذا المال لم يكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وانّما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله فان تحميل الرجال لا يكون إلا بمال مهم تتقوم به نفقات الجيش.

( الثالث ) : ما سبق من تقسيم معاوية فدكاً أثلاثاً ، واعطائه لكل من يزيد ومروان وعمرو بن عثمان ثلثاً ، فان هذا يدلّ بوضوح على مدى الثروة المجتناة من تلك الأرض ، فانّها بلا شك ثروة عظيمة تصلح لأن توزع على امراء ثلاثة من أصحاب الثراء العريض والاموال الطائلة.

( الرابع ) : التعبير عنها بقرية كما في معجم البلدان ، وتقدير بعض نخيلها بنخيل الكوفة في القرن السادس الهجري كما في شرح النهج لابن أبي الحديد.

28

-

29

ـ 3 ـ

تاريخ الثورة

قد كان بعدك أنباء وهنبثة * * *لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

أبدت رجال لنا نوى صدورهم * * *لما مضيت وحالت دونك الترب

* * *

صبت عليّ مصائب لو أنها * * *صبت على الأيام صرن لياليا

قد كنت أرتع تحت ظل محمد * * *لا أخشى ضيما وكان جماليا

واليوم أخضع للذليل واتقي * * *ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا

( الزهراء )

30

اذا كان التجرد عن المرتكزات والأناة في الحكم والحرية في التفكير شروطاً للحياة الفكرية المنتجة ، وللبراعة الفنية في كل دراسة عقلية مهما يكن نوعها ، ومهما يكن موضوعها ، فهي أهم الشروط الأساسية لاقامة بناء تاريخي محكم لقضايا اسلافنا ترتسم فيه خطوط حياتهم التي صارت ملكاً للتأريخ ، ويصور عناصر شخصياتهم التي عرفوها في أنفسهم أو عرفها الناس يومئذ فيهم ، ويتسع لتأملات شاملة لكل موضوع من موضوعات ذلك الزمن المنصرم يتعرف بها على لونه التاريخي والاجتماعي ووزنه في حساب الحياة العامّة أو في حساب الحياة الخاصة التي يعني بها الباحث وتكون مدار لبحثه كالحياة الدينية والاخلاقية والسياسية إلى غير ذلك من النواحي التي يأتلف منها المجتمع الإنساني على شرط ان تستمد هذه التأملات كيانها النظري من عالم الناس المنظور لا من عالم تبتدعه العواطف والمرتكزات ، وينشئه التعبد والتقليد لا من خيال مجنح يرتفع بالتوافه والسفاسف إلى الذروة ، ويبني عليها ما شاء من تحقيق ونتائج. لا من قيود لم يستطع الكاتب ان يتحرر عنها ليتأمل ويفكر كما تشاء له أساليب البحث العلمي النزيه.

واما إذا جئنا للتاريخ لا لنسجل واقع الأمر خيراً كان أو شراً ولا لنحبس دراستنا في حدود من مناهج البحث العلمي الخالص ولا لنجمع الاحتمالات والتقديرات التي يجوز افتراضها ليسقط منها على محك البحث

31

ما يسقط ويبقى ما يليق بالتقدير والملاحظة ، بل لنستلهم عواطفنا وموروثاتنا ونستمد من وحيها الاخاذ تاريخ اجيالنا السابقة ، فليس ذلك تاريخاً لاُولئك الأشخاص الذين عاشوا على وجه الأرض يوماً ما وكانوا بشراً من البشر تتنازعهم ضروب شتى من الشعور والاحساس ، وتختلج في ضمائرهم ألوان مختلفة من نوازع الخير ونزعات الشر ، بل هو ترجمة لاُشخاص عاشوا في ذهننا وطارت بهم نفوسنا إلى الآفاق العالية من الخيال.

فاذا كنت تريد ان تكون حراً في تفكيرك ، ومؤرخا لدنيا الناس لا روائيا يستوحي من دنيا ذهنه ما يكتب ، فضع عواطفك جانباً أو إذا شئت فاملأ بها شعاب نفسك فهي ملكك لا ينازعك فيها أحد ، واستثن تفكيرك الذي به تعالج البحث فانه لم يعد ملكك بعد ان اضطلعت بمسؤولية التاريخ وأخذت على نفسك ان تكون اميناً ليأتي البحث مستوفياً لشروطه قائماً على اسّس صحيحة من التفكير والاستنتاج.

كثيرة جداً هذه الأسباب التي تحول بين نقاد التاريخ وبين حريتهم فيما ينقدون وقد اعتاد المؤرخون أو أكثر المؤرخين بتعبير أصح ان يقتصروا على ضروب معينة من هندسة الحياة التي يؤرخونها وأن يصوغوا التاريخ صياغة قد يظهر فيها الجمال الفني احياناً حينما يتوسع الباحث في انطباعاته عن الموضوع ، ولكنها صورة باهتة في أكثر الاحايين ليس فيها ما في دنيا الناس التي تصورهم من معاني الحياة وشؤونها المتدفقة بألوان من النشاط والحركة والعمل وسوف تجد فيما يأتي امثلة بمقدار ما يتسع له موضوعنا من الزمن الدقيق الذي ندرسه في هذه الفصول أعني الظرف الذي تلا وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقررت فيه المسألة الأساسية في تاريخ الإسلام على شكل لا يتغير ، وهي نوع السلطة التي ينبغي أن تتولى أمور المسلمين ..

32

كلنا نود ان يكون التاريخ الإسلامي في عصره الأول الزاهر طاهراً كل الطهر ، بريئا مما يخالط الحياة الإنسانية من مضاعفات الشر ومزالق الهوى ، فقد كان عصراً مشعاً بالمثاليات الرفيعة ، اذ قام على انشائه أكبر المنشئين للعصور الإنسانية في تاريخ هذا الكوكب على الاطلاق ، وارتقت فيه العقيدة الإلهية إلى حيث لم ترتق إليه الفكرة الإلهية في دنيا الفلسفة والعلم ، فقد عكس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) روحه في روح ذلك العصر ، فتأثر بها وطبع بطابعها الإلهي العظيم. بل فنى الصفوة من المحمديين في هذا الطابع فلم يكن لهم اتجاه إلا نحو المبدع الأعظم الذي ظهرت وتألقت منه أنوار الوجود ، واليه تسير كما كان استاذهم الأكبر الذي فنى الوجود المنبسط كله بين عينيه ساعة هبوط الرسالة السماوية عليه. فلم يكن يرى شيئاً ولا يسمع صوتاً سوى الصوت الإلهي المنبعث من كل صوب وحدب ، وفي كل جهة من جهات الوجود ، وناحية من نواحي الكون يعلن تقليده الشارة الكبرى.

ان عصراً تلغى فيه قيمة الفوارق الماديّة على الاطلاق ، ويستوي فيه الحاكم والمحكوم في نظر القانون ، ومجالات تنفيذه ، ويجعل مدار القيمة المعنويّة ، والكرامة المحترمة فيه تقوى الله التي هي تطهير روحي ، وصيانة للضمير ، وارتفاع بالنفس إلى آفاق من المثالية الرفيعة ، ويحرم في عرفه احترام الغني لأنّه غني ، واهانة الفقير لأنّه فقير ، ولا يفرق فيه بين الأشخاص إلا بمقدار الطاقة الانتاجية ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) ويتسارع فيه إلى الجهاد لصالح النوع الإنساني الذي معناه الغاء مذهب السعادة الشخصية في هذه الدنيا ، واخراجها عن حساب الاعمال.

( أقول ) : ان العصر الذي تجتمع له كل هذه المفاخر لهو خليق بالتقديس والتبجيل والاعجاب والتقدير ، ولكن ماذا أراني دفعت الى

33

التوسع في أمر لم أكن أريد ان أطيل فيه ؟ وليس لي ان افرط في جنب الموضوع الذي احاوله بالتوسع في أمر آخر ، ولكنها الحماسة لذلك العصر هي التي دفعتني إلى ذلك ، فهو بلا ريب زين العصور في الروحانية والاستقامة أنا أفهم هذا جيداً ، واوافق عليه متحمساً ، ولكني لا أفهم ان يمنع عن التعمق في الدرس العلمي ، أو التمحيص التاريخي لموضوع كموضوعات الساعة التي نتكلم عنها من مراحل ذلك الزمن ، أو يحضر علينا ان نبدأ البحث في مسألة فدك على أساس ان أحد الخصمين كان مخطئاً في موقفه بحسب موازين الشريعة ومقاييسها ، أو ان نلاحظ أن قصّة الخلافة وفكرة السقيفة لم تكن مرتجلة ولا وليدة يومها اذ دلنا على ذلك سير الحوادث حينذاك ، وطبيعة الظروف المحيطة بها.

واكبر الظن ان كثيراً منا ذهب في تعليل مناقب ذلك العصر ومآثره مذهبا جعله يعتقد ان رجالات الزمن الخالي ، وبتعبير أوضح تحديداً انّ أبا بكر وعمر واضرابهما الذين هم من موجهي الحياة العامّة يومئذ لا يمكن ان يتعرضوا لنقد أو محاكمة ، لأنهم بناة ذلك العصر والواضعون لحياته خطوطها الذهبية ، فتاريخهم تاريخ ذلك العصر ، وتجريدهم عن شيء من مناقبهم تجريد لذلك العصر عن مثاليته التي يعتقدها فيه كل مسلم.

واريد ان اترك لي كلمة مختصرة في هذا الموضوع فيها مادة لبحث طويل ، ولمحة من دراسة مهمة قد اعرض لها في فرصة أخرى من فرص التأليف ، واكتفي الآن ان اتساءل عن نصيب هذا الرأي من الواقع.

صحيح ان الإسلام في أيّام الخليفتين كان مهيمنا ، والفتوحات متصلة والحياة متدفقة بمعاني الخير ، وجميع نواحيها مزدهرة بالانبعاث الروحي الشامل ، واللون القرآني المشع ، ولكن هل يمكن ان نقبل ان التفسير الوحيد لهذا وجود الصديق أو الفاروق على كرسي الحكم ؟.

34

والجواب المفصل عن هذا السؤال نخرج ببيانه عن حدود الموضوع ولكنا نعلم ان المسلمين في أيّام الخليفتين كانوا في اوج تحمسهم لدينهم ، والاستبسال في سبيل عقيدتهم ، حتى أن التاريخ سجل لنا ان شخصاً أجاب عمر حينما صعد يوماً على المنبر وسأل الناس : لو صرفناكم عمّا تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين ؟ ـ اذن كنا نستتيبك فان تبت قبلناك فقال عمر : وان لم ؟ ـ قال : نضرب عنقك الذي فيه عيناك. فقال عمر : الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من إذا اعوججنا اقام اودنا.

ونعلم ايضاً ان رجالات الحزب المعارض ـ واعني به أصحاب علي ـ كانوا بالمرصاد للخلافة الحاكمة ، وكان أي زلل وانحراف مشوه للون الحكم حينذاك كفيلاً بأن يقلبوا الدنيا رأساً على عقب ، كما قلبوها على عثمان يوم اشترى قصراً ، ويوم ولى أقاربه. ويوم عدل عن السيرة النبويّة المثلى ، مع انّ الناس في أيّام عثمان كانوا أقرب إلى الميوعة في الدين واللين والدعة منهم في أيّام صاحبيه.

ونفهم من هذا ان الحاكمين كانوا في ظرف دقيق لا يتسع للتغيير والتبديل في اسّس السياسة ونقاطها الحساسة لو ارادوا إلى ذلك سبيلا ، لانهم تحت مراقبة النظر الإسلامي العام الذي كان مخلصاً كل الإخلاص لمبادئه ، وجاعلاً لنفسه حق الاشراف على الحكم والحاكمين ، ولأنهم يتعرضون لو فعلوا شيئاً من ذلك لمعارضة خطرة من الحزب الذي لم يكن يزال يؤمن بان الحكم الإسلامي لابد ان يكون مطبوعاً بطابع محمدي خالص وان الشخص الوحيد الذي يستطيع ان يطبعه بهذا الطابع المقدّس هو علي وارث رسول الله ووصيه وولي المؤمنين من بعده.

وأما الفتوحات الإسلامية فكان لها الصدارة في حوادث تلك الأيام ولكننا جميعاً نعلم أيضاً ان ذلك لا يسجل للحكومة القائمة في ايام

35

الخليفتين بلونها المعروف مجداً في حساب التاريخ ما دام كل شان من شؤون الحرب ومعداته وأساليبه يتهيّأ بعمل أشبه ما يكون بالعمل الاجماعي من الأمة الذي تعبر به عن شخصيتها الكاملة تعبيراً عملياً خالداً ، ولا يعبر عن شخصيّة الحاكم الذي لم يصل إليه من لهيب الحرب شرر ، ولم يستقل فيه برأي ، ولم يتهيّأ له إلا بأمر ليس له فيه أدنى نصيب ، فان خليفة الوقت سواء أكان وقت فتح الشام أو العراق ومصر لم يعلم بكلمة الحرب عن قوة حكومته ومقدرة شخصه على أن يأخذ لهذه الكلمة أهبتها بل أعلن عن قوة الكلمة النبويّة التي كانت وعدا قاطعاً بفتح بلاد كسرى وقيصر اهتزت له قلوب المسلمين حماسة واملاً بل ايماناً ويقيناً ، ويحدثنا التاريخ ان كثيراً ممن اعتزل الحياة العملية بعد رسول الله لم يخرج عن عزلته إلى مجالات العمل إلا حين ذكر هذا الحديث النبوي ، فقد كان هو والايمان المتركز في القلوب القوة التي هيأت للحرب كل ظروفه وكل رجاله وامكانياته ، وأمر آخر هيأ للمسلمين أسباب الفوز ، وأنالهم النصر في معارك الجهاد لا يتصل بحكومة الشورى عن قرب أو بعد ، وهو الصيت الحسن الذي نشره رسول الله للإسلام في آفاق الدنيا ، واطراف المعمورة ، فلم يكن يتوجه المسلمون إلى فتح بلد من البلاد إلا كان امامهم جيش آخر من الدعايات والترويجات لدعوتهم ومبادئهم.

وفي أمر الفتوحات شيء آخر هو الوحيد الذي كان من وظيفة الحاكمين وحدهم القيام به دون سائر المسلمين الذين هيئوا بقية الأمور وهو ما يتلو الفتح من بثّ الروح الإسلامية ، وتركيز مثاليات القرآن في البلاد المفتوحة ، وتعميق الشعور الوجداني والديني في الناس الذي هو معنى وراء الشهادتين ، ولا أدري هل يمكننا أن نسجل للخليفتين شيئاً من البراعة في هذه الناحية أو نشك في ذلك كل الشك كما صار إليه بعض الباحثين وكما يدلّ عليه تاريخ البلاد المفتوحة في الحياة الإسلامية

36

كانت الظروف كلّها تشارك الخليفتين في تكوين الحياة العسكرية المنتجة التي قامت على عهدهما ، وفي بناء الحياة السياسية الخاصة التي اتخذاها.

ولا أدري ماذا كان موقفهما لو قدر لهما ولعلي ان يتبادلوا ظروفهم فيقف الصديق والفاروق موقف الإمام ويسود في تلك الظروف التي كانت كلّها تشجع على بناء سياسة ، ومنهج لحكم جديد ، وانشاء حياة لها من ألوان الترف ، وضروب النعيم حظ عظيم ، فهل كانا يعاكسان تلك الظروف كما عاكسها أمير المؤمنين ؟ .. فضرب بنفسه مثلاً في الإخلاص للمبدأ والنزاهة في الحكم.

وأنا لا أقصد بهذا أن أقول ان الخليفتين كانا مضطرين اضطراراً إلى سيرة رشيدة في الحكم ، واعتدال في السياسة والحياة ، ومرغمين على ذلك ، وانّما اعني انّ الظروف المحيطة بهما كانت تفرض عليهما ذلك سواء أكانا راغبين فيه أو مكرهين عليه.

كما انّي لا أريد ان اجردهما عن كل أثر في التاريخ ، وكيف يسعني شيء من ذلك وهما اللذان كتبا يوم السقيفة سطور التاريخ الإسلامي كله ، وانّما عنيت انهما كانا ضعيفي الأثر في بناء تاريخ ايامهما خاصة وما ازدهرت به من حياة مكافحة وحياة فاضلة.

اكتب هذا كله وبين يدي كتاب ( فاطمة والفاطميون ) للأستاذ عباس محمود العقاد ، وقد جئته بشوق بالغ لاُرى ما يكتب في موضوع الخصومة بين الخليفة والزهراء ، وأنا على يقين من ان أيّام التعبد بأعمال السالفين وتصويبها على كل تقدير قد انتهت وان الزمان الذي يتحاشى فيه عن التعمق في شيء من مسائل الفكر الإنساني ديناً كانت أو مذهباً

37

أو تاريخاً أو أي شيء آخر قد مضى مع ما مضى من تاريخ الإسلام بعد أن طال قروناً ، ولعل الخليفة الأول كان هو أوّل من أعلن ذلك المذهب عندما صرخ في وجه من سأله عن مسألة الحرية الإنسانية والقدر وهدده وتوعده ولكن أليس قد أراحنا الله تعالى من هذا المذهب الذي يسيئ إلى روح الإسلام واذن فكان لي ان اتوقع بحثاً لذيذاً يتحفنا به الأستاذ في موضوع الخصومة من شتى نواحيها ولكن الواقع كان على عكس ذلك فإذا بكلمة الكتاب حول الموضوع قصيرة وقصيرة جداً وإلى حد استبيح لنفسي أن أنقلها واعرضها عليك دون ان أطيل عليك فقد قال :

( والحديث في مسألة فدك هو كذلك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه غير انّ الصدق فيه لا مراء انّ الزهراء أجل من أن تطلب ما ليس لها بحقّ وانّ الصديق أجلّ من ان يسلبها حقّها الذي تقوم به البيّنة عليه ، ومن اسخف ما قيل انّه انّما منعها فدك مخافة ان ينفق علي من غلتها على الدعوة إليه فقد ولي الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولم يسمع ان أحداً بايعهم لمال أخذه منهم ولم يرد ذكر شيء من هذا في اشاعة ولا في خبر يقين وما نعلم تزكية لذمّة الحكم من عهد الخليفة الأول أوضح بيّنة من حكمه في مسألة فدك فقد كان يكسب برضى فاطمة ويرضى الصحابة برضاها وما أخذ من فدك شيئاً لنفسه فيما ادعاه عليه مدع وانّما هو الحرج في ذمة الحكم بلغ اقصاه بهذه القضية بين هؤلاء الخصوم الصادقين المصدقين (رضوان الله عليهم أجمعين) انتهى ).

ونلاحظ قبل كل شيء أنّ الأستاذ شاء أن يعتبر البحث في مسألة فدك لوناً من ألوان النزاع التي ليس لها قرار ولا يصل الحديث فيه إلى نتيجة فاصلة ليقدم بذلك عذره عن التوفر على دراستها ، واعتقد ان في محاكمات هذا الكتاب التي سترد عليك جواباً عن هذا ، وتلاحظ أيضاً.

38

أنّه بعد أن جعل مسألة فدك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه رأى انّ فيها حقيقتين لا مراء فيهما ولا جدال ( أحداهما ) انّ الصديقة أرفع من ان تنالها تهمة بكذب والأخرى انّ الصديق أجل من ان يسلبها حقّها الذي تثبته البيّنة. فإذا لم يكن في صحة موقف الخليفة واتفاقه مع القانون جدال ففيم الجدال الذي لا قرار له ولم لا تنتهي مسألة فدك إلى مقطع للقول متفق عليه.

وأنا أفهم انّ للكاتب الحرية في ان يسجل رأيه في الموضوع أي موضوع كما يشاء وكما يشاء له تفكيره بعد أن يرسم للقارئ مدارك ذلك الرأي وبعد أن يدخل تقديرات المسألة كلّها في الحساب ليخرج منها بتقدير معين ولكني لا أفهم ان يقول انّ المسألة موضوع لبحث الباحثين ثم لا يأتي إلا برأي مجرد عن المدارك يحتاج إلى كثير من الشرح والتوضيح وإلى كثير من البحث والنظر فإذا كانت الزهراء أرفع من كل تهمة فما حاجتها إلى البيّنة ؟ وهل تمنع التشريعات القضائية في الإسلام عن ان يحكم العالم استناداً إلى علمه ؟ واذا كانت تمنع عن ذلك فهل معنى هذا ان يجوز في عرف الدين سلب الشيء من المالك ؟ هذه أسئلة ومعها أسئلة أخرى أيضاً في المسألة تتطلب جواباً علمياً ، وبحثاً على ضوء أساليب الإستنباط في الإسلام.

واريد ان أكون حراً واذن فاني استميح الأستاذ ان الاحظ ان تزكية موقف الخليفة والصديقة معاً أمر غير ممكن ، لأنّ الأمر في منازعتهما لو كان مقتصراً على مطالبة الزهراء بفدك وامتناع الخليفة عن تسليمها له لعدم وجود مستمسك شرعي يحكم بواسطته لها بما تدعيه وانتهاء المطالبة إلى هذا الحد لوسعنا ان نقول انّ الزهراء طلبت حقّها في نفس الأمر والواقع ، وانّ الخليفة لما امتنع عن تسليمه لها لعدم تهيؤ

39

المدرك الشرعي الذي تثبت به الدعوى تركت مطالبتها ، لأنّها عرفت انّها لا تستحق فدكاً بحسب النظام القضائي وسنن الشرع ، ولكننا نعلم انّ الخصومة بينهما اخذت اشكالاً مختلفة حتى بلغت مبلغ الإتّهام الصريح من الزهراء واقسمت على المقاطعة.

واذن فنحن بين اثنتين : احداهما ان نعترف بأن الزهراء قد ادعت بإصرار ما ليس لها بحقّ في عرف القضاء الإسلامي والنظام الشرعي وان كان ملكها في واقع الأمر ، والأخرى ان نلقي التبعة على الخليفة ونقول انّه قد منعها حقّها الذي كان يجب عليه ان يعطيها إيّاه أو يحكم لها بذلك على فرق علمي بين التعبيرين يتضح في بعض الفصول الآتية ، فتنزيه الزهراء عن ان تطلب طلباً لا ترضى به حدود الشرع والإرتفاع بالخليفة عن أن يمنعها حقّها الذي تسخو به عليها تلك الحدود لا يجتمعان إلا إذا توافق النقيضان.

ولنترك هذا إلى مناقشة أخرى ، فقد اعتبر الأستاذ حكم الخليفة في مسألة فدك أوضح بيّنة ودليل على تزكيته وثباته على الحق وعدم تعديه عن حدود الشريعة لأنّه لو أعطى فدكاً لفاطمة لارضاها بذلك وارضى الصحابة برضاها ، ولنفترض معه انّ حدود القانون الإسلامي هي التي كانت تفرض عليه أن يحكم بأنّ فدكاً صدقة ولكن ماذا كان يمنعه عن أن ينزل للزهراء عن نصيبه ونصيب سائر الصحابة الذين صرح الأستاذ بأنّهم يرضون بذلك ؟ .. أكان هذا محرماً في عرف الدين أيضاً ؟ أو أنّ أمراً ما أوحى إليه بأن لا يفعل ذلك ؟ بل ماذا كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن اعطته وعداً قاطعاً بأن تصرّف حاصلاتها في وجوه الخير والمصالح العامّة ؟

وأمّا ما استسخفه الكاتب من تعليل لحكم الخليفة فسوف نعرف في هذا الفصل ما إذا كان سخيفاً حقاً.

40

اذا عرفنا ان مرتكزات الناس ليست وحياً من السماء لا تقبل شكاً ولا جدالاً ، وأن درس مسائل السالفين ليس كفراً ولا زندقة ولا تشكيكاً في أعلام النبوّة كما كانوا يقولون ، فلنا ان نتساءل عمّا بعث الصديقة إلى البدء بمنازعتها حول فدك على ذلك الوجه العنيف الذي لم يعرف أو لم يشأ ان يعرف هيبة للسلطة المهيمنة أو جلالاً للقوة المتصرفة يعصم الحاكمين من لهيبها المتصاعد ، وشررها المتطاير ، وبقي الحكم من اشعاعة نور متألقة تلقي ضوءاً عليه ، فتظهر للتاريخ حقيقته مجردة عن كل ستار بل كانت بداية المنازعة ومراحلها نذير ثورة مكتسحة أو ثورة بالفعل عندما اكتملت في شكلها الأخير ، ويومها الأخير ، تحمل كل ما لهذا المفهوم من مقدمات ونتائج ، ولا تتعرض لضعف أو تردد.

وما عساه ان يكون هدف السلطة الحاكمة ، أو بالاحرى هدف الخليفة (رضي الله عنه) نفسه في ان يقف مع الحوراء على طرفي الخط أو لم يكن يخطر بباله ان خطته هذه تفتح له باباً في التاريخ في تعداد أولياته ثم يذكر بينها خصومة أهل البيت ، فهل كان راضياً بأوليته هذه مخلصاً لها حتى يستبسل في امتناعه وموقفه السلبي بل الإيجابي المعاكس أو انّه كان منقاداً للقانون ، وملتزماً بحرفيته في موقفه هذا كما يقولون ، فلم يشأ ان يتعد حدود الله تبارك وتعالى في كثير أو قليل وان لموقفه الغريب تجاه الزهراء صلة بموقفه في السقيفة ، واعني بهذه الصلة الاتحاد في الغرض أو اجتماع الغرضين على نقطة واحدة ، وبالاحرى ان تقوم على دائرة واحدة متسعة اتساع دولة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها آمال بواسم ، وموجات من الاحلام ضحك لها الخليفة كثيراً وسعى في سبيلها كثيراً أيضاً.

اننا ندرك بوضوح ، ونحن نلاحظ الظرف التاريخي الذي حف بالحركة الفاطمية ان البيت الهاشمي المفجوع بعميده الأكبر قد توفرت له

41

كل بواعث الثورة على الأوضاع القائمة والانبعاث نحو تغييرها وانشائها انشاءاً جديداً وان الزهراء قد اجتمعت لها كل امكانيات الثورة ومؤهلات المعارضة التي قرر المعارضون ان تكون منازعة سليمة مهما كلف الأمر.

واننا نحسن أيضاً إذا درسنا الواقع التاريخي لمشكلة فدك ومنازعاتها بأنها مطبوعة بطابع تلك الثورة ، ونتبين بجلاء ان هذه المنازعات كانت في واقعها ودوافعها ثورة على السياسة العليا والوانها التي بدت للزهراء بعيدة عمّا تألفه من ضروب الحكم ، ولم تكن حقاً منازعة في شيء من من شؤون السياسة المالية ، والمناهج الاقتصادية التي سارت عليها خلافة الشورى وان بدت على هذا الشكل في بعض الاحايين.

واذا اردنا ان نمسك بخيوط الثورة الفاطمية من اصولها أو ما يصح ان يعتبر من أصولها فعلينا ان ننظر نظرة شاملة عميقة لنتبين حادثتين متقاربتين في تاريخ الإسلام كان احدهما صدى للاخر وانعكاساً طبيعياً له وكانا معاً يمتدان بجذورهما وخيوطهما الأولى إلى حيث قد يلتقي احدهما بالآخر أو بتعبير أصح إلى النقطة المستعدة في طبيعتها إلى ان تمتد منها خيوط الحادثتين.

أحدهما الثورة الفاطمية على الخليفة الأول التي كادت ان تزعزع كيانه السياسي ، وترمي بخلافته بين مهملات التاريخ.

والآخر موقف ينعكس فيه الأمر فتقف عائشة أم المؤمنين بنت الخليفة الموتور في وجه علي زوج الصديقة الثائرة على أبيها.

وقد شاء القدر لكلتا الثائرتين ان تفشلا مع فارق بينهما مرده إلى نصيب كل منهما من الرضا بثورتها ، والاطمئنان الضميري إلى صوابها وحظ كل منها من الانتصار في حساب الحق الذي لا التواى فيه وهو ان

42

الزهراء فشلت بعد ان جعلت الخليفة يبكي ويقول اقيلوني بيعتي والسيدة عائشة فشلت فصارت تتمنى انّها لم تخرج إلى حرب ولم تشق عصا طاعة.

هاتان الثورتان متقاربتان في الموضوع والاشخاص فلماذا لا تنتهيان إلى اسباب متقاربة وبواعث متشابهة.

ونحن نعلم جيداً ان سر الانقلاب الذي طرأ على السيدة عائشة حين اخبارها بأن علياً ولي الخلافة يرجع إلى الايام الأولى في حياة علي وعائشة حينما كان المنافسة على قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين زوجته وبضعته.

ومن شأن هذه المنافسة ان تتسع في آثارها فتثبت مشاعراً مختلفة من الغيظ والتنافر بين الشخصين المتنافسين وتلف بخيوطها من حولهما من الأنصار والاصدقاء ، وقد اتسعت بالفعل في احد الطرفين فكان ما كان بين السيدة عائشة وعلي فلابد ان تتسع في الطرف الآخر فتعم من كانت تعمل ام المؤمنين على حسابه في بيت النبي.

نعم ان انقلاب ام المؤمنين انّما هو من وحي ذكريات تلك الأيام التي نصح فيها علي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يطلقها في قصّة الافك المعروفة.

وهذا النصح ان دل على شيء فانه يدلّ على انزعاجه منها ومن منافستها لقرينته وعلى ان الصراع بين زوج الرسول وبضعته كان قد اتسع في معناه وشمل علياً وغير علي ممن كان يهتم بنتائج تلك المنافسة واطوارها.

نعرف من هذا ان الظروف كانت توحي إلى الخليفة الأول بشعور خاص نحو الزهراء وزوج الزهراء ولا ننسى انّه هو الذي تقدم لخطبتها فرده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم تقدم علي إلى ذلك فأجابه

43

النبي إلى ما أراد وذاك الرد وهذا القبول يولدان في الخليفة إذا كان شخصاً طبيعياً يشعر بما يشعر به الناس ويحس كما يحسون شعوراً بالخيبة والغبطة لعلي ـ إذا احتطنا في التعبير ـ وبأن فاطمة كانت هي السبب في تلك المنافسة بينه وبين علي التي انتهت بفوز منافسه.

ولنلاحظ أيضاً انّ أبا بكر هو الشخص الذي بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقرأ سورة التوبة على الكافرين ثم ارسل وراءه وقد بلغ منتصف الطريق ليستدعيه ويعفيه من مهمته لا لشيء إلا لأن الوحي شاء ان يضع امامه مرة أخرى منافسه في الزهراء الذي فاز بها دونه.

ولابد انّه كان يراقب ابنته في مسابقتها مع الزهراء على الاولية لدى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتأثر بعواطفها كما هو شأن الآباء مع الابناء.

وما يدرينا لعله اعتقد في وقت من الاوقات انّ فاطمة هي التي دفعت بأبيها إلى الخروج لصلاة الجماعة في المسجد يوم مهدت له ام المؤمنين التي كانت تعمل على حسابه في بيت النبي أن يؤم الناس ما دام النبي مريضاً.

انّ التاريخ لا يمكننا ان نترقب منه شرح كل شيء شرحاً واضحاً جلياً غير ان الأمر الذي تجمع عليه الدلائل انّ من المعقول جداً ان يقف شخص مرت به ظروف كالظروف الخاصة التي أحاطت بالخليفة من علي وفاطمة موقفه التاريخي المعروف وان امرأة تعاصر ما عاصرته الزهراء في أيّام أبيها من منافسات حتى في شباك يصل بينها وبين أبيها حري بها ان لا تسكت إذا أراد المنافسون ان يستولوا على حقّها الشرعي الذي لا ريب فيه.

44

هذه هي الثورة الفاطمية في لونها العاطفي وهو لون من عدة الوان أوضحها وأجلاها اللون السياسي الغالب على أساليبها وأطوارها.

وأنا حين أقول ذلك لا أعني بالسياسة مفهومها الرائج في أذهان الناس هذا اليوم المركز على الالتواء والافتراء. وانّما أقصد بها مفهومها الحقيقي الذي لا التواء فيه فالممعن في دراسة خطوات النزاع وتطوراته والاشكال التي اتخذها لا يفهم منه ما يفهم من قضية مطالبة بأرض بل يتجلى له منها مفهوم أوسع من ذلك ينطوي على غرض طموح يبعث إلى الثورة ويهدف إلى استرداد عرش مسلوب وتاج ضائع ومجد عظيم وتعديل امة انقلبت على اعقابها.

وعلى هذا كانت فدك معنى رمزياً يرمز إلى المعنى العظيم ولا يعني تلك الأرض الحجازية المسلوبة. وهذه الرمزية التي اكتسبتها فدك هي التي ارتفعت بالمنازعة من مخاصمة عادية منكمشة في افقها محدودة في دائرتها إلى ثورة واسعة النطاق رحيبة الأفق.

ادرس ما شئت من المستندات التاريخية الثابتة للمسألة ، فهل ترى نزاعاً مادياً ؟ أو ترى اختلافاً حول فدك بمعناها المحدود وواقعها الضيق أو ترى تسابقاً على غلات أرض مهما صعد بها المبالغون وارتفعوا ؟ فليست شيئاً يحسب له المتنازعان حساباً.

كلا !. بل هي الثورة على اسّس الحكم والصرخة التي أرادت فاطمة ان تقتلع بها الحجر الأساسي الذي بنى عليه التاريخ بعد يوم السقيفة.

ويكفينا لاثبات ذلك ان نلقي نظرة على الخطبة التي خطبتها الزهراء في المسجد امام الخليفة وبين يدي الجمع المحتشد من المهاجرين والأنصار فانّها دارت اكثر ما دارت حول امتداح علي والثناء على مواقفه الخالدة

45

في الإسلام وتسجيل حق أهل البيت الذين وصفتهم بأنّهم الوسيلة إلى الله في خلقه وخاصته ومحل قدسه وحجته في غيبه وورثة انبيائه في الخلافة والحكم والفات المسلمين إلى حظهم العاثر واختيارهم المرتجل وانقلابهم على اعقابهم ، وورودهم غير شربهم ، واسنادهم الأمر إلى غير أهله ، والفتنة التي سقطوا فيها ، والدواعي التي دعتهم إلى ترك الكتاب ومخالفته فيما يحكم به في موضوع الخلافة والامامة.

فالمسألة اذن ليست مسألة ميراث ونحلة إلا بالمقدار الذي يتصل بموضوع السياسة العليا ، وليست مطالبة بعقار أو دار ، بل هي في نظر الزهراء مسألة اسلام وكفر ، ومسألة ايمان ونفاق ، ومسألة نص وشورى.

وكذلك نرى هذا النفس السياسي الرفيع في حديثها مع نساء المهاجرين والأنصار ، اذ قالت فيما قالت : أين زحزحوها عن رواسي الرسالة. وقواعد النبوّة ، ومهبط الروح الأمين والطبين بأمر الدنيا والدين إلا ذلك هو الخسران المبين ، وما الذي نقموا من أبي حسن نقموا والله نكير سيفه ، وشدة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمره في ذات الله ، وتالله لو تكافؤا عن زمام نبذه إليه رسول الله (ص) لاعتلقه وسار اليهم سيراً سجحا لا تكلّم حشاشه ، ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم منهلاً نميراً فضفاضاً تطفح فضفاضه ، ولأصدرهم بطانا قد تحير بهم الرأي غير متحل بطائل إلا بغمر الناهل وردعه سورة الساغب ، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون ، إلا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجباً وان تعجب فقد اعجبك الحادث إلى أي لجأ استندوا وبأي عروة تمسكوا ، لبئس المولى ولبئس العشير ، ولبئس للظالمين بدلاً استبدلوا والله الذنابى بالقوادم والعجز بالكاهل فرغماً لمعاطس قوم يحسبون انّهم يحسنون صنعاً ، إلا انّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ويحهم أفمن

46

يهدي إلى الحق أحقّ أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ؟ فما لكم كيف تحكمون.

ولم يؤثر عن نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انهن خاصمن أبا بكر في شيء من ميراثهن أكن أزهد من الزهراء في متاع الدنيا ، وأقرب إلى ذوق أبيها في الحياة ؟ أو أنهن اشتغلن بمصيبة رسول الله ولم تشتغل بها بضعته ؟ أو أن الظروف السياسية هي التي فرقت بينهن فأقامت من الزهراء معارضة شديدة ، ومنازعة خطرة دون نسوة النبي اللاتي لم تزعجهن اوضاع الحكم.

وأكبر الظن انّ الصديقة كانت تجد في شيعة قرينها ، وصفوة أصحابه الذين لم يكونوا يشكون في صدقها من يعطف شهادته على شهادة علي وتكتمل بذلك البيّنة عند الخليفة أفلا يفيدنا هذا ان الهدف الأعلى لفاطمة الذي كانوا يعرفونه جيداً ليس هو اثبات النحلة أو الميراث ، بل القضاء على نتائج السقيفة وهو لا يحصل باقامة البيّنة في موضوع فدك ، بل بان تقدم البيّنة لدى الناس جيمعاً على انّهم ضلوا سواء السبيل. وهذا ما كانت تريد ان تقدمه الحوراء في خطتها المناضلة.

ولنستمع إلى كلام الخليفة بعد أن انتهت الزهراء من خطبتها وخرجت من المسجد فصعد المنبر وقال : أيّها الناس ما هذه الدعة إلى كل قالة لأن كانت هذه الأماني في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا من سمع فليقل. ومن شهد فليتكلم انّما هو ثعالة شهيده ذنبه مرب لكل فتنة كام طحال أحبّ اهلها إليها البغي. إلا انّي لو اشاء أن أقول لقلت ولو قلت لبحت انّي ساكت ما تركت ، ثم التفت إلى الأنصار وقال : قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم واحق من لزم عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انتم فقد جاءكم فآويتم ونصرتم ، إلا انّي لست باسطاً يداً ولا لساناً على من لم يستحق ذلك.

47

وهذا الكلام يكشف لنا عن جانب من شخصيّة الخليفة ، ويلقي ضوءاً على منازعة الزهراء له ، والذي يهمنا الآن ما يوضحه من أمر هذه المنازعة وانطباعات الخليفة عنها ، فانّه فهم حق الفهم انّ احتجاج الزهراء لم يكن حول الميراث أو النحلة ، وانّما كان حرباً سياسية كما نسميها اليوم وتظلماً لقرينها العظيم الذي شاء الخليفة وأصحابه أن يبعدوه عن المقام الطبيعي له في دنيا الإسلام ، فلم يتكلم إلا عن علي فوصفه بأنّه ثعالة وانّه مرب لكل فتنة وانّه كام طحال وان فاطمة ذنبه التابع له ، ولم يذكر عن الميراث قليلاً أو كثيراً.

ولنلاحظ ما جاءت به الرواية في صحاح السنة من انّ علياً والعباس كانا يتنازعان في فدك في أيّام عمر بن الخطاب فكان علي يقول انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعلها في حياته لفاطمة ، وكان العباس يأبى ذلك ويقول هي ملك رسول الله وأنا وارثه ويتخاصمان إلى عمر فيأبى أن يحكم بينهما ويقول انتما أعرف بشأنكما اما أنا فقد سلمتها اليكما.

فقد نفهم من هذا الحديث إذا كان صحيحاً ان حكم الخليفة كان سياسياً موقتاً وانّ موقفه كان ضرورة من ضرورات الحكم في تلك الساعة الحرجة وإلا فلما أهمل عمر بن الخطاب رواية الخليفة وطرحها جانبا وسلم فدكاً إلى العباس وعلي وموقفه منهما يدلّ على انّه سلم فدكاً اليهما على أساس انّها ميراث رسول الله لا على وجه التوكيل ، اذ لو كان على هذا الوجه لما صحّ لعلي والعباس ان يتنازعا في أن فدكاً هل هي نحلة من رسول الله لفاطمة أو تركة من تركاته التي يستحقها ورثته وما أثر هذا النزاع ولو فرض انّها في رأي الخليفة مال للمسلمين وقد وكلهما في القيام عليه ، ولفض عمر النزاع وعرفها انّه لا يرى فدكاً مالاً موروثاً ولا من املاك فاطمة وانّما اوكل أمرها اليهما لينوبا عنه برعايتها وتعاهدها كما ان عدم حكمه بفدك لعلي وحده معناه انّه لم يكن واثقاً بنحلة رسول

48

الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدكاً لفاطمة فليس من وجه لتسليمها إلى علي والعباس إلا الإرث.

واذن ففي المسألة تقديران ( أحدهما ) انّ عمر كان يتهم الخليفة بوضع الحديث في نفي الإرث ( والآخر ) انّه تأوله وفهم منه معنى لا ينفي التوريث ولكن لم يذكر تأويله ولم يناقش به أبا بكر حينما حدث به وسواء أصح هذا أو ذاك ، فالجانب السياسي في المسألة ظاهر وإلا فلماذا يتهم عمر الخليفة بوضع الحديث إذا لم يكن في ذلك ما يتصل بسياسة الحكم ، يومئذ ، ولماذا يخفي تأويله وتفسيره ، وهو الذي لم يتحرج عن ابداء مخالفته للنبي أو الخليفة الأول فيما اعترضهما من مسائل.

واذا عرفنا انّ الزهراء نازعت في أمر الميراث بعد استيلاء الحزب الحاكم عليه ، لأن الناس لم يعتادوا ان يستأذنوا الخليفة في قبض مواريثهم أو في تسليم المواريث إلى أهلها ، فلم تكن فاطمة في حاجة إلى مراجعة الخليفة ولم تكن لتأخذ رأيه وهو الظالم المنتزي على الحكم في رأيها فالمطالبة بالميراث لابد انّها كانت صدى لما قام به الخليفة من تأميمه للتركة على ما نقول اليوم والاستيلاء عليها.

( أقول ) : إذا عرفنا هذا وانّ الزهراء لم تطالب بحقوقها قبل ان تنتزع منها : ـ تجلى لدينا ان ظرف المطالبة كان مشجعاً كل التشجيع للمعارضين على أن يغتنموا مسألة الميراث مادة خصبة لمقاومة الحزب الحاكم على أسلوب سلمي كانت تفرضه المصالح العليا يومئذ واتهامه بالغصب والتلاعب بقواعد الشريعة والاستخفاف بكرامة القانون.

* * *

واذا أردنا ان نفهم المنازعة في اشكالها واسبابها على ضوء الظروف المحيطة بها وتأثيرها كان لزاماً علينا ان نعرض تلك الظروف عرضاً

49

مستعجلاً ونسجل صورة واضحة الألوان للعهد الانقلابي بالمقدار الذي يتصل بغرضنا.

ولا أعني بالانقلاب حين أصف عهد الخليفة الأول بذلك إلا مفهومه الحقيقي المنطبق على تلوّن السلطة الحاكمة بشكل جمهوري يتقوم بالثورة ويكتسب صلاحياته من الجماعات المنتخبة ونزعها لشكلها الأول الذي يستمد قوته وسلطته من السماء.

فقد كانت تلك اللحظة التي ضرب بها بشير بن سعد على يد الخليفة نقطة التحول في تأريخ الإسلام التي وضعت حداً لأفضل العهود وأعلنت عهداً آخر نترك تقريضه للتاريخ.

وقد كان ذلك في اليوم الذي حانت فيه الساعة الأخيرة في تاريخ النبوات التي قطعت اقدس اداة وصل بين السماء والارض وابركها وأفيضها خيراً ونعمة واجودها صقلاً للانسانية اذ لفظ سيد البشر نفسه الأخير وطارت روحه إلى الرفيق الأعلى فكان قاب قوسين أو أدنى فهرع الناس إلى بيت النبوّة الذي كان يشرق باضوائه لتوديع العهد المحمدي السعيد وتشييع النبوّة التي كانت مفتاح مجد الأمة وسر عظمتها واجتمعوا حوله تتقاذفهم شتى الخواطر وترتسم في افكارهم ذكريات من روعة النبوّة وجلال النبي العظيم وقد خيل اليهم ان هذه السنوات العشر التي نعموا فيها برعاية خير الأنبياء وأبر الآباء كانت حلماً لذيذاً تمتعوا به لحظة من زمان وازدهرت به الإنسانية برهة من حياتها وهاهم قد افاقوا على أسوا ما يستيقظ عليه نائم.

وبينما كان المسلمون في هذه الغمرة الطاغية ، والصمت الرهيب لا ينطق منهم أحد بكلمة ، وقد اكتفوا في تأبين الراحل العظيم بالدموع والحسرات والخشوع والذكريات يفاجؤون بصوت يجلجل في الفضاء ويقطع خيط الصمت الذي لف المجتمعين وهو يعلن انّ رسول الله (ص)

50

لم يمت ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وارجلهم ممن ارجف بموته : لا أسمع رجلاً يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي.

والتفت الأنظار إلى مصدر الصوت ليعرفوا القائل فوجدوا عمر ابن الخطاب قد وقف خطيباً بين الناس وهو يجلجل برأيه في شدة لا تقبل نزاعاً وشاعت الحياة في الناس من جديد فتكلموا وتحدثوا في كلام عمر والتف بعضهم حوله.

واكبر الظن ان قوله وقع من أكثرهم موقع الاستغراب والتكذيب وحاول جماعة منهم ان يجادلوه في رأيه ولكنه بقي شديداً في قوله ثابتاً عليه والناس يتكاثرون حوله ويتكلّمون في شأنه ويعجبون لحاله حتى جاء أبو بكر وكان حين توفي النبي في منزله بالسنح والتفت إلى الناس وقال من كان يعبد محمداً فانه قد مات ومن كان يعبدالله فانه حي لا يموت قال الله تعالى ( انك ميت وانهم ميتون ) وقال ( أفان مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم ) ولما سمع عمر ذلك اذعن واعترف بموت رسول الله (ص) وقال كأني ما سمعتها ـ يعني الآية.

ونحن لا نرى في هذه القصّة ما يراه كثير من الباحثين من أن الخليفة كان بطل ذلك الظرف العجيب. والرجل الذي تهيّأت له معدات الخلافة بحكم موقفه من رأي عمر لأن المسألة ليست من الأهميّة بهذا الحد ولم يحدثنا التاريخ عن شخص واحد انتصر لعمر في رأيه فلم يكن إلا رأياً شخصياً لا خطر له ولا شأن للقضاء عليه.

وقد يكون من حق البحث ان الاحظ ان شرح الخليفة لحقيقة الحال في خطابه الذي وجهه إلى الناس كان شرحاً باهتاً في غير حد لا يبدو عليه من مشاعر المسلمين المتحرقة في ذلك اليوم شيء ، بل لم يزد في بيان الفاجعة الكبرى على ان قال انّ من كان يعبد محمداً فانّ محمداً قد مات

51

وقد كان الموقف يتطلب من أبي بكر إذا كان يريد ان يقدم في نفسه زعيماً لتلك الساعة تأبيناً للفقيد الأعظم يتّفق مع العواطف المتدفقة بالذكريات والحسرات يومئذ.

ومن الذي كان يعبد سيد الموحدين حتى يقول من كان يعبد محمداً فانه قد مات وهل كان في كلام عمر معنى يدلّ على انّه كان يعبد رسول الله (ص) أو كانت قد سرت موجة من الارتداد والالحاد في ذلك المجتمع المؤمن الذي كان يعتصر دموعه من ذكرياته وصبره وتماسكه من عقيدته حتى يعلن لهم ان الدين ليس محدوداً بحياة رسول الله لأنّه ليس بالاله المعبود.

اذن فلم يكن لكلام أبي بكر الذي خاطب به الناس صلة بموقفهم ولا علاقة برأي عمر ولا انسجام مع عواطف المسلمين في ذلك اليوم وشؤونهم وقد سبقه به غيره ممن حاول مناقشة الفاروق كما سيأتي.

وكان يعاصر هذا الإجتماع الذي تكلمنا عنه اجتماع آخر للانصار عقدوه في سقيفة بني ساعدة برئاسة سعد بن عبادة زعيم الخزرج ودعاهم فيه إلى اعطائه الرئاسة والخلافة فأجابوه ثم ترادوا الكلام فقالوا فان أبى المهاجرون وقالوا نحن أولياؤه وعترته فقال قوم من الأنصار نقول منا أمير ومنكم أمير فقال سعد فهذا أوّل الوهن وسمع عمر الخبر فأتى منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفيه أبو بكر فارسل إليه ان اخرج اليّ فارسل انّي مشغول فارسل إليه عمر ان اخرج فقد حدث أمر لابد ان تحضره فخرج فأعلمه الخبر فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة فتكلم أبو بكر فذكر قرب المهاجرين من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنهم أولياؤه وعترته ، ثم قال نحن الأمراء وأنتم الوزراء لا نفتات عليكم بمشورة ولا نقضي دونكم الأمور ، فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فانّ الناس في ظلكم ولن

52

يجترئ مجترئ على خلافكم ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم أنتم أهل العزة والمنعة وأولوا العدد والكثرة وذووا البأس والنجدة وانّما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم أموركم فان أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير فقال عمر هيهات لا يجتمع سيفان في غمد والله لا ترضى العرب ان تؤمركم ونبيها من غيركم ولا تمتنع العرب ان تولي أمرها من كانت النبوّة منهم من ينازعنا سلطان محمّد ونحن اولياؤه وعشيرته ، فقال الحباب بن منذر يا معشر الأنصار املكوا أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فان أبوا عليكم فاجلوهم من هذه البلاد وانتم أحقّ بهذا الأمر منهم فانه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب أنا أبو شبل في عرينة الأسد والله ان شئتم لنعيدها جذعة فقال عمر اذن يقتلك الله ، قال بل إيّاك يقتل فقال أبو عبيدة يا معشر الأنصار انكم أوّل من نصر فلا تكونوا أوّل من بدل وغير ، فقام بشير بن سعد والد النعمان بن بشير فقال : يا معشر الأنصار الا أنّ محمداً من قريش وقومه أولى به وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر فقال أبو بكر هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم فقالا والله لا نتولى هذا الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله (ص) في الصلاة وهي أفضل الدين أبسط يدك فلما بسط يده ليبايعان سبقهما بشير من سعد فبايعه فناداه الحباب ابن المنذر يا بشير غفتك غفاق أنفست على ابن عمك الامارة ، فقال أسيد ابن خضير رئيس الأوس لأصحابه والله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبداً ، وبايعوا أبا بكر واقبل الناس يبايعونه من كل جانب (1).

ونلاحظ في هذه القصّة انّ عمر هو الذي سمع بقصة السقيفة

____________

(1) الجزء الأول من شرح النهج ص 127 ـ 128.

53

واجتماع الأنصار فيها واخبر ابا بكر بذلك ومادمنا نعلم ان الوحي لم ينزل عليه بذلك النبأ فلابد انّه ترك البيت النبوي بعد ان جاء أبو بكر واقنعه بوفاة النبي فلماذا ترك البيت ولما اختصّ أبا بكر بنبأ السقيفة إلى كثير من هذه النقاط التي لا نجد لها تفسيراً معقولاً أولى من ان يكون في الأمر اتفاق سابق بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة على خطة معينة في موضوع الخلافة وهذا التقدير التاريخي قد نجد له شواهد عديدة تجيز لنا افتراضه.

الاول : تخصيص عمر لأبي بكر بنبأ السقيفة كما سبق واصراره على استدعائه بعد اعتذاره بأنّه مشغول حتى اشار إلى الغرض ولمح إليه خرج مسرعاً وذهبا على عجل إلى السقيفة ، وكان من الممكن ان يطلب غيره من أعلام المهاجرين بعد اعتذاره عن المجييء ، فهذا الحرص لا يمكن ان نفسره بالصداقة التي كانت بينهما ، لأنّ المسألة لم تكن مسألة صداقة ولم يكن أمر منازعة الأنصار يتوقف على أن يجد عمر صديقاً له بل على أن يستعين بمن يوافقه في أحقيّة المهاجرين أياً كان.

ولا ننسى ان نلاحظ انّه أرسل رسولاً إلى أبي بكر ، ولم يذهب بنفسه ليخبره بالخبر خوفاً من انتشاره في البيت تسامع الهاشميين أو غير الهاشميين به وقد طلب من الرسول في المرة الثانية ان يخبره بحدوث أمر لابد ان يحضره ونحن لا نرى حضور أبي بكر لازماً في ذلك الموضوع إلا إذا كانت المسألة مسألة خاصة وكان الهدف تنفيذ خطة متفق عليها سابقاً.

الثاني : موقف عمر من مسألة وفاة النبي (ص) وادعاؤه انّه لم يمت ولا يستقيم في تفسيره ان نقول انّ عمر ارتبك في ساعة الفاجعة وفقد صوابه وادّعى ما ادّعى. لأنّ حياة عمر كلّها تدل على انّه ليس من هذا الطراز وخصوصاً موقفه الذي وقفه في السقيفة بعد تلك القصّة مباشرة

54

فالذي تؤثر المصيبة عليه إلى حد تفقده صوابه لا يقف بعدها بساعة يحاجج ويجادل ويقاوم ويناضل.

ونحن نعلم أيضاً انّ عمر لم يكن يرى ذلك الرأي الذي أعلنه في تلك الساعة الحرجة قبل ذلك بأيام أو بساعات حينما اشتدّ برسول الله (ص) المرض واراد ان يكتب كتاباً لا يضلّ الناس بعده فعارضه عمر وقال ان كتاب الله يكفينا وانّ النبي يهجر أو قد غلب عليه الوجع كما في صحاح السنة فكان يؤمن بأن رسول الله يموت وانّ مرضه قد يؤدّي إلى موته وإلا لما اعترض عليه.

وقد جاء في تاريخ ابن كثير انّ عمر بن زائدة قرأ الآية التي قرأها أبو بكر على عمر قبل ان يتلوها أبو بكر فلم يقتنع عمر وانّما قبل كلام أبي بكر خاصة واقتنع به.

فما يكون تفسير هذا كله إذا لم يكن تفسيره انّ عمر شاء ان يشيع الاضطراب بمقالته بين الناس لينصرفوا إليها وتتجه الأفكار نحوها تفنيداً أو تأييداً مادام أبو بكر غائباً لئلا يتم في أمر الخلافة شيء ويحدث أمر لابد ان يحضره أبو بكر ـ على حد تعبيره ـ وبعد ان أقبل أبو بكر اطمأن باله وامن من تمام البيعة للبيت الهاشمي مادام للمعارضة صوت في الميدان وانصرف إلى تلقط الأخبار حادساً بما سيقع فظفر بخبر ما كان يتوقعه.

الثالث : شكل الحكومة التي تمخضت عنها السقيفة ، فقد تولّى أبو بكر الخلافة وأبو عبيدة المال وعمر القضاء (1) وفي مصطلحنا اليوم ان الأول تولّى السياسة العليا والثاني تولّى السياسة الاقتصادية والثالث تولّى السلطات القضائية وهي الوظائف الرئيسية في مناهج الحكم

____________

(1) راجع الجزء الثاني من تاريخ ابن الأثير صفحة 161.

55

الإسلامي وتقسيم المراكز الحيوية في الحكومة الإسلامية يومئذ بهذا الأسلوب على الثلاثة الذين قاموا بدورهم المعروف في سقيفة بني ساعدة لا يأني بالصدفة على الأكثر ولا يكون مرتجلا.

الرابع : قول عمر حين حضرته الوفاة لو كان أبو عبيدة حياً لوليته (1).

وليست كفاءة أبي عبيدة هي التي أوحت إلى عمر بهذا التمني لأنّه كان يعتقد أهلية علي للخلافة ومع ذلك لم يشأ أن يتحمل أمر الأمة حياً وميتاً (2).

وليست أمانة أبي عبيدة التي شهد له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بها ـ بزعم الفاروق ـ هي السبب في ذلك ، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخصه بالاطراء ، بل كان في رجالات المسلمين يومئذ من ظفر بأكثر من ذلك من ألوان الثناء النبوي كما تقرر ذلك صحاح السنة والشيعة.

الخامس : إتهام الزهراء للحاكمين بالحزبية السياسية ، كما سنرى في الفصل الآتي.

السادس : قول أمير المؤمنين ـ (صلوات ا‏لله عليه) ـ للفاروق (رضي الله عنه) : احلب يا عمر حلباً لك شطره أشدد له اليوم أمره ليرد عليك غداً (3).

ومن الواضح انّه يلمح إلى تفاهم بين الشخصين على المعونة المتبادلة واتفاق سابق على خطة معينة وإلا فلم يكن يوم السقيفة نفسه ليتسع لتلك المحاسبات السياسية التي تجعل لعمر شطراّ من الحلب.

____________

(1) شرح النهج ج 1 ص 64.

(2) الانساب للبلاذري ج 5 ص 16.

(3) ج 2 ص 5 من شرح النهج.

56

السابع : ما جاء في كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى محمّد بن أبي بكر ( (رضوان الله عليه) ) في إتهام أبيه وعمر بالاتفاق على غصب الحق العلوي والتنظيم السري لخطوط الحملة على الإمام اذ قال له فيما قال : فقد كنا وأبوك نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازماً لنا مبروراً علينا فلما اختار الله لنبيه ( (عليه الصلاة والسلام) ) ما عنده واتم وعده وأظهر دعوته فابلج حجته وقبضه إليه ( (صلوات ا‏لله عليه) ) كان أبوك والفاروق أوّل من ابتزه حقه وخالفه على أمره على ذلك اتفقا واتسقا ثم انهما دعواه إلى بيعتهما فابطا عنهما وتلكأ عليهما فهما به الهموم وأراد به العظيم (1).

ونحن نلاحظ بوضوح عطفه طلب أبي بكر وعمر (رض) للبيعة من الإمام بثم على كلمتي اتفقا واتسقا. وهو قد يشعر بأن الحركة كانت منظمه بتنظيم سابق وانّ الإتفاق على الظفر بالخلافة كان سابقاً على الإيجابيات السياسية التي قاما بها في ذلك اليوم.

ولا أريد أن أتوسع في دراسة هذه الناحية التاريخية أكثر من هذا ولكن هل لي أن الاحظ على ضوء ذلك التقدير التاريخي ان الخليفة لم يكن زاهداً في الحكم كما صوره كثير من الباحثين بل قد نجد في نفس المداورة التي قام بها الخليفة في السقيفة دليلاً على تطلعه للأمر فإنه بعد أن أعلن الشروط الأساسية للخليفة شاء ان يحصر المسألة فيه فتوصل إلى ذلك بأن ردد الأمر بين صاحبيه الذين لن يتقدما عليه وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الترديد ان يتعين وحده للأمر.

فهذا الاسراع الملحوظ من الخليفة إلى تطبيق تلك الصورة التي قدمها للخليفة الشرعي في رأيه على صاحبيه خاصة الذي لم يكن يؤدّي إلا إليه كان معناه انّه أراد أن يسلب الخلافة من الأنصار ويقرها في شخصه في آن واحد ولذا لم يبد تردداً أو ما يشبه التردد لما عرض الأمر

____________

(1) مروج الذهب ج 2 ص 315.

57

عليه صاحباه وعمر نفسه يشهد لأبي بكر بأنّه كان مداوراً سياسياً بارعاً في يوم السقيفة في حديث طويل له يصفه فيه بأنّه أحسد قريش (1).

ونجد فيما يروي عن الخليفتين في أيّام رسول الله (ص) ما يدلّ على هوى سياسي في نفسيتهما وانهما كانا يفكران في شيء على أقل تقدير فقد ورد في طرق العامّة انّ رسول الله (ص) قال : ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فقال أبو بكر أنا هو يا رسول الله قال : لا ، قال عمر : أنا هو يا رسول الله ، قال : لا ولكن خاصف النعل يعني علياً.

والمقاتلة على التأويل انّما تكون بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمقاتل لابد أن يكون أمير الناس فتلهف كل من أبي بكر وعمر على أن يكون المقاتل على التأويل مع انّ القتال على التنزيل كان متيسراً لهما في أيّام رسول الله (ص) ولم يشاركا فيه بنصيب قد يدلّ على ذلك الجانب الذي نحاول ان نستكشفه في شخصيتهما.

بل أريد ان اذهب أكثر من هذا فألاحظ ان أناساً متعددين كانوا يعملون في صالح أبي بكر وعمر (2) وفي مقدمتهما عائشة وحفصة اللتان اسرعتا باستدعاء والديهما عندما طلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حبيبه في لحظاته الأخيرة التي كانت تجمع دلائل الظروف على

____________

(1) راجع شرح النهج ج 1 ص 125.

(2) وقد سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما هدّد طائفة من قريش برجل قرشي امتحن الله قلبه للايمان يضرب رقابهم على الدين ان ذلك الرجل هل هو ابو بكر فقال لا فقيل فعمر قال لا الخ ، راجع مسند أحمد ج 3 ص 33 والرواية تهمل اسم السائل الذي توهم ان الشخص الذي وصفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أبو بكر أو عمر واذا لم يكن أبو بكر وعمر معروفين بشجاعة وبسالة في المشاهد الحربية على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلابد أن أمرا آخر دعى السائل إلى ان يسأل ذينك السؤالين والبقية اتركها لك.

58

انها الظرف الطبيعي للوصية ولابد انهما هما اللتان عنتهما الرواية التي تقول انّ بعض نساء النبي ارسلن رسولا إلى اسامة لتأخيره عن السفر (1) فإذا علمنا هذا وعلمنا ان هذا لم يكن باذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلا لما أمره بالاسراع بالرحيل لما قدم عليه بعد ذلك وان سفره مع من معه كان يعيق عن تحقق النتائج التي انتجها يوم السقيفة خرجت لدينا قضية مرتبة الحلقات على أسلوب طبيعي يعزر ما ذهبنا إليه من رأي.

ومذهب الشيعة في تفسير ما قام به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من تجنيد جيش اسامة معروف وهو انّه احس بأنّ اتفاقاً ما بين جملة من أصحابه على أمر معين ، وقد يجعل هذا الإتفاق منهم جبهة معارضة لعلي.

ونحن ان شككنا في هذا فلا نشك في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جعل أبا بكر وعلياً في كفتي الميزان مراراً امام المسلمين جميعاً ليروا بأعينهم انهما لا يستويان في الميزان العادل وإلا فهل ترى اعفاء أبي بكر من قراءة التوبة على الكافرين بعد ان كلف بذلك امراً طبيعياً ولماذا انتظر الوحي وصول الصديق إلى منتصف الطريق لينزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويأمره باسترجاعه وارسال علي للقيام بالمهة أفكان عبثاً أو غفلة أو امراً ثالثاً وهو انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحس بأن المنافس المتحفز لمعارضة ابن عمه ووصيه هو أبو بكر فشاء وشاء له ربّه تعالى أن يرسل ابا بكر ثم يرجعه بعد ان يتسامع الناس جميعاً بارساله ليرسل علياً الذي هو كنفسه ليوضح للمسلمين مدى الفرق بين الشخصين وقيمة هذا المنافس الذي لم يأتمنه الله على تبليغ سورة إلى جماعة فكيف بالخلافة والسلطنة المطلقة.

____________

(1) راجع الجزء الأول من شرح النهج ص 53.