مصارع الشهداء ومقاتل السعداء

- الشيخ سلمان آل عصفور المزيد...
373 /
5

بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيْمِ

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأشرف بريّته محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

وبعد فهذه مقدّمة وجيزة حول الكتاب والمؤلّف واُسلوب التحقيق.

ـ 1 ـ

الكتاب

قال المصنّف في المقدّمة بعد كلام له :

« إنّ الشوق قد قيّد أقدامي ، والحبّ قد ملك زمامي ، والولي قد قادني ، والبرّ قد ساقني ، إلى اقتحام مضمارٍ لست من فرسانه ، وولوج عرينٍ ما كنت من أقرانه ، والدخول في جملة قومٍ أنا أقلّ منهم ، طمعاً منّي في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من تشبّه بقومٍ فهو منهم ، ... وذلك لمّا رأيت جملة من الشيعة المؤمنين ، وجمهور الهداة في الدّين ، مكبين على إقامة فنون العزاء ، على مصاب سيّد الشهداء ، والأئمّة الأتقياء السعداء.

غير أنّ أكثر مصنّفيهم من العرب ، وجلّ مؤلّفيهم من ذوي الرتب ، قد سلكوا في نظم كتب المراثي نهجاً واضحاً ، ونهجوا مسلكاً ملحوباً لائحاً ، وأمّا علماء العجم وفضلاؤهم من أصحاب العلم ، فتفرّقوا في التصنيف ، واختلفوا في التأليف ، فمنهم من أطال في المراثي إطنابه ، حتّى غدى كتابه مثل ديوان الصبابة ، فألجأه ضيق المأخذ وطول المساحة ، إلى الركون لكلمات المؤرّخين ، وخرافات السالفين ، ومنهم من ضيق رحيب مضماره لشدّة اختصاره ، وكلاهما لم يصب سهمه الغرض ، ولا قام بما إليه نهض.

6

لكن لمّا كان مطلبهم الأقصى ، التقرّب لأولئك الكرماء ، والوقوف على أرباب العطاء ، صوّبت آراءهم في منهجهم ، وشكرتهم على بذل مهجتهم ، ولكلّ ضيف قرى ، ولكلّ عمل كرى.

فهناك دار في قلبي ، وارتسم بلوح لبّي ، جمع كتاب وجيز ، يزري بعسجد نظمه سبائك الذهب الابريز ، وأن اُسمّيه ب « مصارع الشهداء ، ومقاتل السعداء » جاعلاً لكلّ معصوم مقتلاً ، مبتدئاً بالنبيّ المصطفى ، مثنّياً بفاطمة الزهراء ، خاتماً بصاحب العصر والزمان ، وخليفة ربّنا الملك الديّان ، في هذه الأزمان ... ».

وقد ذكر هذا الكتاب الشيخ آغا بزرك الطهراني في موسوعته القيّمة : « الذريعة إلى تصانيف الشيعة » : ج 21 ص 98 وقال :

مصارع الشهداء ومقاتل السعداء في وفيات الأئمّة (عليهم السلام) في قرب عشرة آلاف بيت.

هذا والكتاب يستعرض حياة وشهادة كلّ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وفاطمة البتول وعليّ المرتضى وسيّدي شباب أهل الجنّة وزين العابدين ومحمّد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا ومحمّد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري والحجّة المهدي عليهم أفضل صلوات المصلّين ، مع ذكر نبذة من أحوالهم وفضائلهم باُسلوب أدبي لطيف من سجع وشعر في أوّله وآخره.

وقد تمّ تأليف الكتاب عام 1251 من الهجرة النبويّة كما ورد في آخر النسخة ، والنسخة الّتي اعتمدنا عليها هي مصوّرة من نسخة مكتبة أحد علماء البحرين ـ حفظه الله تعالى وأيّده بتأييداته ـ كتبها نعمة الله بن جواد الحسيني الكاظمي في سنة 1264 من نسخة المؤلّف كما يبدوا.

وقد جاء في الصفحة الاُولى بخطّ المصنّف وخاتمة هكذا :

هو الله المالك ، هو في حيازة مصنّفه كثير الجرم والقصور ، وراجي ربّه الغفور في يوم البعث والنشور ، سلمان بن عبد الله بن حسين آل عصفور ، في 7 شوّال سنة 1265. سلمان.

ثمّ كتب أسفله بخط آخر :

7

هذا الرباعي لسلمان بن عبد الله آل عصفور :

هذا وطن السرور فاقطع سفرك

واسرح برياضة وسرّح نظرك

فيه نفرٌ لا يألف الهمّ بهم

يا نفس بتذكارهم اقض وطرك

وجاء في ص 238 في آخر الكتاب :

معرفة أعمار الأئمّة الطاهرين عليهم أفضل صلوات المصلّين على جهة التعميه !.

حسن من وحسين نح له * * * وابنه زن وكذاك الباقر

جعفر سِه ثمّ موسى نِهْ له * * * مثله سنّاً عليّ الطاهر

وجوادٌ كِهْ له وابنٌ له * * * مِبْ وربع العام منه قاصر

حسن كِحْ وأبو الكلّ له * * * مثل سنّ المصطفى سِجْ ظاهر

وقد كتب الأعداد تحت الأسماء بين السطور هكذا :

47 ، 58 ، 57 ، 58 ، 65 ، 55 ، 55 ، 25 ، 42 ، 28 ، 63.

وقد اعتمد المصنّف في كتابه هذا على مجموعة من المصادر نذكرها حسب حروف المعجم : الإحتجاج للطبرسي ، والأربعين ل ... ، والإرشاد للمفيد ، والإكمال والأمالي للصدوق ، وأيضا الأمالي ل ... ، والأنوار ل ... ، وتذكرة الأئمّة ل ... ، وتفسير القمّي ، وثواب الأعمال للصدوق ، والخرائج للراوندي ، ودلائل الإمامة للطبري ، ورسائل الكليني ، وروضة الكافي للكليني ، والعلل والعيون للصدوق ، وعيون المعجزات ، وفقه الرضا لوالد الصدوق ، والكافي للكليني ، وتاريخ الطبري ، وكشف الغمة للإربلي ، والمجالس ل ... ، ومجمع البيان للطبرسي ، والمشارق للبُرسي ، والمصباح للكفعمي ، ومطالب السؤول لمحمّد بن طلحة الشافعي ، ومعالم العترة النبويّة للجنابذي ، والملهوف لابن طاوس ، والمناقب لابن شهر آشوب ، ونجب المناقب لحسين بن جبير ، والنصوص ل ... ، والمعجزات والنوادر ل ...

8

ـ 2 ـ

المؤلّف

قال الرازي في كتابه المنيف : « الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة » : ج 2 ص 603 :

« الشيخ سلمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ حسين العصفوري البحراني ، عالم فاضل.

كان من فضلاء هذا البيت الأعلام وفقهائه الكاملين ، نزل شيراز ، وكان من الراجع فيها ، له عدّة تصانيف ، منها : « مصارع الشهداء ومقاتل السعداء » ، وكتاب « الرزايا » وكتاب « وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) » المطبوع وغير ذلك.

توفي بعد سنة 1261 ه التي توفي فيها عمه الشيخ حسن ».

وقال أيضاً في « الذريعة إلى تصانيف الشيعة » : ج 21 98 : « مصارع الشهداء ومقاتل السعداء ... للشيخ سلمان بن عبد الله بن الشيخ حسين آل عصفور البحراني المتوفّى بعد 1261 في بلدة شيراز ».

أقول : ومن توقيع المصنّف على هذا الكتاب وكتابته وخطّه عليه يعرف أنّه كان حيّاً سنة 1265 في شوال حيث تملّك هذه النسخة ودخلت في حيازته.

وله من الكتب غير هذا الكتاب :

1 ـ الرزايا.

قال في الذريعة : 10 : 239 / 763 : مقتل في حجم منتخب الطريحي ... رأيته عند الشيخ خلف آل عصفور البوشهري المتوفّى سنة 1353.

2 ـ وفاة أميرالمؤمنين.

طبع سنة 1436 كما في الذريعة : ج 25 ص 117.

والمؤلف ينتمي إلى اُسرة آل عصفور ، وهي اُسرة مشهورة خرج منها علماء كان لهم دور في الحياة العلميّة والإجتماعيّة لمنطقة الخليج الفارسي.

9

وأمّا مسقط رأس المصنّف أعني بلاد البحرين والأحساء والقطيف وما والاها ، فقد اعتنقت الإسلام رغبة وطوعاً منذ القرن الأوّل الهجري وفي حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأقامت ثاني صلاة جمعة بعد صلاة الجمعة في المدينة المنوّرة ، ومسجدها في جواثى هو ثالث مساجد الإسلام ، وكان غالبيّة سكّانها آنذاك من عشيرة عبد القيس الّتي ورد عنها في الحديث النبويّ الشريف : « اللهمّ اغفر لعبد القيس » ، وقد كان لهذه البلاد وعبد القيس وربيعة دور ريادي في نشر الإسلام والتمسّك بالقرآن وأهل البيت بدءاً من حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى يومنا هذا.

وبرز منها في القرن الأوّل أعلام جهابذة مثل زيد بن صوحان العبدي وصعصعة بن صوحان العبدي وحكيم بن جبلة العبدي وغيرهم ، وكان لهؤلاء مواقف مشرفة في مواجهة الناكثين والقاسطين والمارقين ، ورثى أمير المؤمنين شهداءهم في وقعة البصرة بعد ما غدر بهم الناكثون ، بقوله :

يا لهفتيّاه على ربيعة * * * ربيعة السامعة المطيعة

نبئتها كانت بها الوقيعة

وفي القرن الثاني كان منها محدثين وشعراء مثل سفيان بن مصعب ويحيى بن بلال وغيرهما حتّى قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في سفيان : « علّموا أولادكم شعر العبدي ، فإنّه على دين الله ».

وفي كتاب أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين للشيخ علي البلادي البحراني : ص 45 نقلاً عن كشكول الشيخ بهاء الدين العاملي وغيره أنّ والده العالم الفقيه الشيخ حسين بن عبد الصمد كان في مكّة المشرّفة قاصداً الجوار فيها إلى أن يموت ، وأنّه رأى في المنام أنّ القيامة قد قامت وجاء الأمر من الله تعالى بأن ترفع أرض البحرين وما فيها إلى الجنّة ، فلمّا رأى هذه الرؤيا رجع عن مكّة وجاء إلى البحرين ، فكان مشتغلاً بالتدريس والتصنيف والعبادة والتأليف في قرية المصلّى إلى أن توفّي بها سنة 984.

وعلى أيّة حال فهذه البلاد كانت ولا تزال من القلاع الحصينة في الدفاع عن

10

حياض الإسلام والقرآن وأهل البيت ، ولهم دور مشرّف في التاريخ الإسلامي رغم تسلّط الأجلاف في بعض الأزمنة عليهم وكتبهم ، وحرمانهم من أبسط حقوقهم.

وما مؤلّفنا هذا إلاّ نموذجاً واحداً عن أولئك الأبطال الّذين شيّدوا معالم العزّ والفخر ، وأقاموا كيان المجد والعبوديّة لله تعالى والتمسّك بالقرآن وأهل البيت (عليهم السلام).

ـ 3 ـ

اُسلوب التحقيق

تمّ الإعتماد على نسخة خطيّة واحدة كانت بحَوزة المصنّف وعليها توقيعه كما تقدّم عند البحث عن الكتاب ، وحاولت جهد الإمكان تخريج الأحاديث المذكورة في الكتاب ، وبقي من الاُمور الّتي ينبغي أن تحقّق من هذا الكتاب القصائد والأبيات الّتي ذكرها المصنف في ثنايا كتابه هذا ولم يذكر قائلها ولا مصدرها ، وأملي من القرّاء الكرام وخاصّة خطباء المنبر الحسيني وأهل الأدب أن يساعدوني في تخريج هذه الأبيات وذكر مصادرها حتّى يُتلافى هذا النقص في طبعات لاحقة.

هذا ، والحمد لله أوّلاً وآخراً.

وقد طبع الكتاب على نفقة المؤمنة الصالحة خيريّة محمّد جزاها الله خير الجزاء وحشرها الله مع محمّد وآله الأطهار.

11

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي أظهر شعار آل محمّد كَنارٍ على علم ، ورفع منار فضلهم على رغم من نصب لهم وظلم ، وكثّر شيعتهم بعد قلّة العَدد ، وأعزّ ذلّتهم بعد ضعف العُدَد.

وكانوا فيما مضى من السنين والشهور ، وسلف من الأعوام والدهور ، كهلال اليقين في ليل الشك الأظلم ، أو كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأدهم ، قد عصفت بهم رياح الفتن ، ودارت عليهم رحى الإزراء والمحن ، فتخلّلوا غمار الناس ، واستتروا من الأرجاس في رثّ اللباس ، وتدرّعوا مدارع التقيّة خشيةً من طغاة بني أميّة ، وتجلببوا بجلابيب الإختفاء خوفاً من بني العباس الطلقاء ، إمتثالاً لأمر أئمّتهم الأنجاب ، وعملاً بما ورد في السنّة والكتاب.

ومع ذلك فالأرض حمراء من دمائهم المسفوكة ، والسجون مشحونة بأجسام أبنائهم وبناتهم المهتوكة ، حتّى أدّى بهم الحال العبوس ، إلى أن صارت مقاصر أبدانهم الحبوس ، وغدت منابر علمائهم شواهق المصالب في الشموس.

فلم ينههم ذلك الحال الشديد عن التمسّك بعروة الله الوثقى ، ولا منعهم ذلك القتل والتشريد عن سلوك طريق أئمّتهم المثلى ، فما يرحوا كذلك وعلى ذلك إلى أن أسفر الحقّ عن محيّاه ، ونادى الصدق يا بشراه ، فكسر قرن الضلال ، ونكّس علم

12

ذوي الجهل والنكال ، بظهور دولة بني حمدان إلى ساحة الظهور ، وبروز مستور شخص الإيمان بساطع النور ، فلله درّهم من ملوك عدل أحيوا دوارس مرابع آل الرسول ، وبذلوا الأموال في تشييد مباني أرباب المعقول والمنقول ، وكشفوا أسجاف الذلّ والتهوين عن محجّبات سرائر المؤمنين ، وأقاموا أعلاماً لتلك القبور الطاهرة يهتدي بها التايه عن سواء الطريق ، وجعلوا لهاتيك المشاهد الزاهرة سماتٌ تشير إلى الإذعان والتصديق ، ونصبوا أعمدة المآتم على أولئك الأعاظم ، ووضعوا قوانين المراثي على السادة الأكارم.

فغدر الدهر بعد أن وفى ، وأساء بعد أن أحسن لأرباب الوفا ، فانقرضت هذه الدولة الشريفة ، وكسفت شمس هذه السلطنة المنيفة ، وقامت الفتن على سوقها ، ودنت نفوس المؤمنين من سَوقها ، فما زالوا في كدّ وتعب مادام دولة بني أيوب في حلب ، والأراتقة في الشام والصقلب ، فتوطّأ كلّ جلف منهم سروج سبق الرياسة ، وتوطّد صدور محافل الملك والسياسة ، فعاد بدر المؤمنين إلى المحاق ، ورجع لجينهم إلى الاحتراق ، وغدت أعلام المؤمنين منكوسة ، وعلماء الموحدين في ربوات التحكم مرموسة.

حتّى افترّ ثغر الجلال عن نظيم الايمان ، وتنفّس فجر الكمال بنسيم اللطف والإحسان ، فلبست فتاة الشرك حلل التوحيد ، ورفلت خود التجسيم في غلائل التجريد ، وذهبت حسيكة النفاق ، واعوجت ألوية الجور والشقاق ، وصوّت مؤذّنوا الهداية في مساجد الوفا بحيّ على حبّ آل المصطفى ، وقامت الخطباء على ذروات منابر اليقين ، وصدعت البلغاء بتحرير فضائل الصدّيقين ، وذلك في زمن السلطنة العليّة والدولة الصفوية عطّر الله مراقدهم بطيب الغفران ، ونوّر ملاحدهم بأنوار الإيمان.

وما زال أمر الشيعة يستحكم وأركان الشريعة تحكم ، وأعلام الإسلام تنشر ، وألوية الظلام تُكسر ، حتّى شيّدت في جميع البقاع للشيعة مساجد ، وثنّيت لعلمائهم في صدور الدسوت المساند والوسائد.

13

وقد اختص من بين السلاطين بنصرة الميامين ، وتفرّد من بين الملوك والخواقين بتأييد شريعة سيّد المرسلين قطب الدائرة ودائرة القطب ، قلب المحبوب وحبيب القلب ، حسام الإيمان ومظهر الأديان ، عين الدهر بالإجماع ، وإنسان عين النبيّ المطاع ، إكليل التاج ودرّة الإكليل ، المفتخر برقم اسمه وجه التسجيل ، والمبتهج برسم نافذ حكمه مفرّق التعظيم والتبجيل ، السلطان بن السلطان الشاه إسماعيل ، واتصل ذلك إلى زمان الحري بالإمكان كريم خان ، فاشتد عضد الشيعة وصارت حوز[ ت ]هم منيعة ، وعاد قول علمائهم هو المركون إليه ، والحقّ يعلو ولا يُعلى عليه.

وحين استولت على الفرس ملوك القاجار ، وأدخلوا مملكة الأعاجم تحت قبضة الإقتدار ، توّجوا الدين المُحمّدي بتيجان الظهور ، وأركبوا طالبيه سبق السرور ، سيّما في عهد السلطان الأعظم والشاه الأفخم ، غرّة جباه سلاطين العرب والعجم ، مالك رقاب ملوك الترك والديلم ، شمس فلك الشرف والكرم ، بدر سماء العدل والشيم ، جمال التُخوت ، وجلال الدساكر والدسوت ، حامي حوزة الملك والسلطان ، بلوامع البواتر وذوابل الخرصان (1) ، العامل في كلّ زمان ، بقول العلي الديّان ، في محكم القرآن : ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) (2) ، صاحب الجيش الجرار ، وصارم الجزّار ، فتحعلي شاه قاجار ، فهناك دوّنت الدواوين والكتب ، ورصعت بلآلي المراثي والخطب ، وكلّلت عقود الإنشاء بفرائد العقيان ، وبيعت جواهر الشعر بنفائس الأثمان ، فما تسمع في شهر عاشوراء وصفر ط بكلّ ناد ومحضر ، إلّا وصوت منشد يقرّح الأكباد ، ونشيج باك يقطّع بحنينه نياط الفؤاد ، وأكثر الشيعة في هذين الشهرين يشتغلون بأنفسهم بالمآتم ، وينفقون من مالهم الجلّ المتعاظم.

وكان السلطان المذكور ؛ إذا هلّ عاشور اعتزل التخت والتاج ، وخلع ملابس

____________

(1) الخِرص : الجمل الشديد الضليع ، والجمع أخراص وخِرصان. ( المعجم الوسيط ).

(2) سورة النحل : 16 : 90.

14

المسرة والإبتهاج ، وتدرّع مدارع الكآبة والأسى ، وطلّق أبكار السلوة والعزا.

ولقد تواترت عنه النقول ؛ من العارفين به من ذوي العقول ، أنّه في مدّة هذه الشهور لا يجوّز معانقة بيض النحور ، وله في رثاء سيّد الشهداء شعر كمل رقّة ومعنى ، وكم له من مزايا تشهد له بحلول الصدور ، وصفات يجب أن ترقم بالنور على جباه الحور ، فما برح آخذاً بأزمّة التوفيق ، سالكاً مسالك الهداية والتحقيق ، فيا لها مرتبة تقاصر عنها أرباب الدول ، وانحسر عن إدراكها الملوك الأول.

إلى أن دعاه داعي الكرامة إلى مواطن البشرى والسلامة ، فأجاب داعي الله ، وانتقل إلى جوار الله ؛ بعد أن جعل الأمر من بعده لأشرف نسله وولده ، وأذلّ له المعاطس ، وذلّل له الشوامس ، علماً منه بأهليّته للمنصب السامي ، ومعرفة منه باستحقاقه للجاه المتسامي.

فقام الشبل مقام الأسد ، وفي الفرع ما في الأصل وأزود ، فماست بطلعته الأيّام في مطارف السرور ، وابتسمت ثغور رياض الآكام عن أشنب الزّهور ، ورجعت بدولته السنيّة كهول الدهر شباباً ، وعادت بيمن سلطنته شوارد البشر بواسماً بعد أن ولّت غضاباً ، وفرشت نمارق العدالة على البسيط ، ونقشت درانيك الايالة بفنون التطريز والتنميط ، فللأمان على رؤوس الأنام ظلّ ممدود ، فترى في جميع المراتع الشياه والأسود ، قد ميّز قسطاس الفراسة بين الناقص والراجح ، وفرّق نبراس السياسة بين الفاسد والصالح ، فانقادت الجبابرة لأحكامه ، ووضعت القياصرة جباهها خشية من صليل حسامه ، وتطوّقت الملوك بجوامع الطاعة ، وتقلّبت السلاطين في بحار الإنقياد بحدّ الإستطاعة ، وأظهرت الأرض أنواع بهجتها ، وماست ومالت بهبوب مسرّتها ، فهنالك الناس على سُرُر الأمان رقود ، وفوق بساط الاطمئنان هجود ، وهو السلطان بالتحقيق ، والخاقان الذي هو بالملك حقيق ، قطب فلك الرفعة ، ونقطة دائرة العز والمنعة ، علم الدين المنشور ، سيف اليقين المشهور ، سنام الفرقة الطاهرة ، ومقلة الحق الباصرة ، ذي الطلعة الشمسيّة ، والمنزلة الفرقدية ، والأوامر السليمانيّة ، واللويّة ! الفتحية ، والآراء

15

الحكميّة ، والنفوس العرفانيّة ، والتدبيرات الفلسفية ، والهمم الإسكندريّة ، والوزراء الطالوتية ، والجياد الرياحية ، والذوابل القعضبية ، والسيوف المشرفية ، درّة إكليل يافوخ الجلال ، يتيمة عقد جيد الإفضال ، رفرف الشرف ، وشرف التخت والرفرف ، بدر هالة التعظيم ، هالة قمر التفخيم ، واحد الذات وظلّ الواحد ، ماجد الصفاة وأثر صفات الماجد ، قاهر الملوك بالغلبة والسلطان ، فائق السلاطين في المرتبة وتواتر الأعوان ، الشاه الأعظم ، والسلطان الأفخم ، منبع عين الفخر والشيم ، سلطان العرب والعجم ، حضرت محمّد شاه قاجار ؛ ثبّت الله بسيط دولته برواسي التأييد ، وأقرّ أركان سلطنته ببنيان الدوام والتخليد ، وسيّر في ركابه جهابذ الدهور ، وذلّل لجنابه شوامس الأمور بالنور ، المنبسط على الطور ، فظهر في زمانه قمر الشيعة من استتاره ، وأطلق أسد الشريعة من إساره ، وأخصبت بوجوده مواحل مرابع الإسلام ، واستظلّت بأفيئة دولته كافّة الأنام ، فترى مساجدهم محشودة بطوائف العباد ، مأنوسة بنغمات التلاوة والأوراد ، وقضاتهم يفتون حسب ما أمروا أئمّتهم وعلماءهم ، يتذاكرون ما ورد عنهم ، قد أرغموا بمفاخراتهم أنوف الأضداد ، وأفحموا ببليغ عبارات احتجاجهم النواصب الأوغاد ، قد أبدلهم الله خوفهم بالذّعة ، وعوّضهم عن ضيقهم بالسعة ، فوطئوا بأخمص الاقتدار هامات أعدائهم الفجّار ، وأذلّوا أنوف الناصبين ، وقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله ربّ العالمين.

وبعد ، فيقول أقلّ الخليقة ، بل لا شيء في الحقيقة ، ذو الجرم والقصور ، وراجي الفوز في النشور ، سلمان بن عبد الله آل عصفور عامله الله بفضله ، ووضع عنه أثقال عدله : إنّ الشوق قد قيّد أقدامي ، والحبّ قد ملك زمامي ، والوليّ قد قادني ، والبرّ قد أساقني إلى اقتحام مضمار لست من فرسانه ، وولوج عرين ما كنت من أقرانه ، والدخول في جملة قوم أنا أقلّ منهم ، طمعاً منّي في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « من تشبّه بقوم فهو منهم » (1) ، وإلاّ فأين الذرّ من الأطواد ، وأنّى للفسكل

____________

(1) المعجم الأوسط للطبراني : 9 : 151 / 8323 ، مجمع الزوائد : 10 : 271 عن الطبراني ،

16

ورهان الجواد.

وذلك لما رأيت جملة الشيعة المؤمنين ، وجمهور الهداة في الدين ؛ مكبّين على إقامة فنون العزاء على مصاب سيد الشهداء والأئمّة الأتقياء السعداء ، غير أنّ أكثر مصنّفيهم من العرب ، وجلّ مؤلفّيهم من ذوي الرتب ؛ قد سلكوا في نظم كتب المراثي نهجاً واضحاً ، ونهجوا مسلكاً ملحوباً لائحاً.

وأمّا علماء العجم وفضلاؤهم من أصحاب القلم ، فتفرّقوا في التصنيف ، واختلفوا في التأليف ، فمنهم من أطال في المراثي إطنابه ، حتّى غدا كتابه مثل ديوان الصبابة ، فألجأه ضيق المأخذ وطول المساحة إلى الركون لكلمات المؤرّخين وخرافات السالفين ، ومنهم من ضيّق رحيب مضماره لشدّة اختصاره ، وكلاهما لم يصب سهمه الغرض ، ولا قام بما إليه نهض.

لكن لمّا كان مطلبهم الأقصى التقرّب لأولئك الكرماء ، والوفود على أرباب العطاء ، صوّبت آراءهم في منهجهم ، وشكرتهم على بذل مهجتهم ، ولكلّ ضيف قرى ، ولكلّ عمل كرى.

فهناك دار في قلبي ، وارتسم بلوح لبّي ؛ جمع كتاب وجيز ، يزرى بعسجد نظمه سبائك الذهب الإبريز ، وأن أسميه ب « مصارع الشهداء ومقاتل السعداء » ، جاعلاً لكلّ معصوم مقتلاً ، مبتدئاً بالنبي المصطفى ، مثنياً بفاطمة الزهرا ، خاتماً بصاحب العصر والزمان ، وخليفة ربّنا الملك الديّان في هذه الأزمان ، ومن الله أسأل التوفيق والهداية إلى واضح الطريق ، وأن يجعله أنفس زاده ليوم الحشر والمعاد ، إنّه كريم منّان ، وشأنه الفضل والإحسان ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير.

____________

مسند الشهاب للقضاعي : 1 : 244 / 390 ، بإسنادهم عن حذيفة.

الغدير : 11 : 155 عن أبي داود وابن حبّان من طريق ابن عمر.

17

المصرع الأوّل

وهو مصرع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

عباد الله الصالحين ، انظروا بعين المعتبرين ، وعوا بقلوب المتفكرّين ، واصغوا بآذان الموعين ، وتيقّنوا بأفئدة المذعنين ، إنّ الله ربّ العالمين ؛ لمّا تمّت حكمته بإيجاد المخلوقين ، واقتضت مشيئته وجود المعدومين ، جعل لذلك عللاً بالتعيين ، وأسباباً بالتبيين ، وصيّرها كالمادّة له كما صرّحت به البراهين ، إذ قد جاء في الحديث القدسي على لسان جبرائيل الأمين حيث قال ـ وهو أصدق القائلين ـ :

« لمّا أردت إيجاد خلقي وخلق عبادي ، خلقتها بتسعة أشياء : بالحبّ ، والإرادة ، والمشيئة ، والعلم ، والقدرة ، والقضاء ، والقدر ، والأجل ، والكتاب ». وقيل بعشرة وازداد الإذن فيها.

وجعل كلّ واحد من هذه الأسباب علة غائية في وجود الخلق ، وكلّ متقدّم منها علّة لوجود متأخّره ، فيكون الحبّ علة وجود العلل ، وبه وجد الوجود ، ووحّد المعبود ، وبه قامت السماء ، وسطحت الأرض على الماء ، الحبّ هو العقل الكلّي وكلّي العقل ، وهو الأغلوطة الّتي تاه في أودية معرفتها أولو الفضل ، الحبّ نبراس الهداية ، وقسطاس الدراية ، الحبّ لباس القلوب ، وجلاها من درن الشكوك والكروب ، به تداوى الأفئدة المكلومة ، وتفضّ الأسرار المختومة ، وهو الموصل إلى المحبوب ، والمجافى عن الذنوب ، بالحبّ صار جبرئيل أميناً ، وإسرافيل مكيناً ، وعزرائيل قابضاً ، وميكائيل فائضاً ، وبه سكن آدم بحبوحة الجنان ، وبه خدّت خدّيه العينان ، بالحبّ سهلت خزون الطوفان على نوح ، واستعذب الأجاج ولن يبوح ، وبه سار في البحر العجاج على ألواح الساج ، بالحبّ صار

18

بطن نونة يونس معراجاً ، واتّخذ سبيله في البحر منهاجاً ، بالحبّ نال إبراهيم خلّة الرحمان ، وبه برد عليه لهب النيران ، بالحبّ سعى موسى للجذوة ، ففاز بشرف النبوّة ، وبه نودي من وادي طوى : « لا تخف انّني أنا الله الأعلى » ، بالحبّ كلّم بلا ترجمان ؛ ولا حجاب عن العيان ، وبه أضحى عيسى روحاً ، ونفخ في الطين روحاً ، وكفى الحبّ رفعة ما جاء في الذكر الحكيم والقرآن الكريم : ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (1).

وليس الحبّ ما ذهب إليه الأوهام من جهّال الأنام ؛ أنّه التشبّب بالوجوه الحسان ، والأصغاء إلى أصوات رنّات العيدان ، أو أنّه شيء يحصل بالعزلة عن الناس ، أو [ ي ] تيسّر بلبس رَثّ اللباس ، كلاّ وربّ الراقصات ومن برأ الذرّات.

إنّما المراد بالعشق هو محمّد بن عبد الله النبي الهاشمي ، والمعشوق هو الله جلّ وعلا ، والعاشق الحقيقي عليّ المرتضى ، فمحمّد الواسطة بين العاشق والمحبوب ، وهو العلّة في الوجود وطبيب القلوب ، فوجود محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) سابق لوجود جميع المخلوقين ، وعلّة لإيجاد المصوّرين ، حيث قد خوطب ب : « لولاك لما خلقت الأفلاك ».

وكذلك ما روي عن أمير المؤمنين وسيّد المسلمين (عليه السلام) إذ قال : « أوّل ما خلق الله ربّ العالمين نور محمّد سيّد المرسلين ، وأشرف النبيّين ، قبل خلق الماء والطين والعرش والكرسي والسماوات والأرضين والجنان والنيران واللوح والقلم وحوّى وآدم والحجب والبحار والنباتات والأشجار بثمانين ألف عام ، ثمّ قال له : يا عبدي أنت المراد وأنا المريد ، وأنت خيرتي من خلقي ، وعزّتي وجلالي لولاك ما خلقت الأفلاك ، فمن أحبّك أحببته ، ومن أبغضك أبغضته (2) ».

____________

(1) سورة فصّلت : 41 : 11.

(2) بحار الأنوار : ج 57 ص 198 باب حدوث العالم وبدء خلقه من كتاب السماء والعالم : ح

19

ولله درّ من قال بيان الحبّ :

خلعة العشق جمال العاشقين * * * حُلية التقوى لأرباب اليقين

مظهر العشق صراط المستقيم * * * غاية العشق حُبور ونعيم

كلّ ذي عشق قرين الافتخار * * * قد زكا أصلاً وفرعاً ونجار

أوجه العشّاق مشكاة الهدى * * * باطن العشّاق كشّاف الردى

قيل لي ما العشق يا حلف الهوى * * * أفصح المرموز من سرّ الجوى

قلت إنّ العشق يا ربّ السؤال * * * علّة الأشيا ومصداق الكمال

قال ممّا ذاته يا ذا الوداد * * * ما اسمه عند ميامين العباد

قلت معنى العشق ذات الهاشمي * * * أحمد المختار فخر العالم

قال ما المعشوق من ذا العاشق * * * قل فإنّي مستهام وامق

قلت إنّ العاشق المومىٰ إليه * * * حيدر خير الثنا يُتلى عليه

وكذا المعشوق ربّي ذو الجلال * * * من تردّى بالمعالى والكمال

إنّ معنى العشق ذا يا ذا الفتى * * * ما سوى ذا عندنا لن يُثبتا

ليس معنى العشق يا ربّ الفطن * * * صوت شاذٍ مطرب أو خمر دن

أو بكاء في أسارير الظلام * * * أو نشيداً من زخاريف الكلام

لا ولا العشق اعتزال العالمين * * * والتواني في طريق المتّقين

منهج العشاق يُنهي للرشاد * * * واعتزال النسك يُغري بالفساد

يا نسيم الحبّ زائل عن حشا * * * مهجة المشتاق أسجاف الغشا

روي في كتاب مشارق الأنوار أنّه ورد في الحديث القدسي عن الربّ العلي أنّه قال : « عبدي ، أطعني أجعلك مثلي ، أنا حي لا أموت أجعلك حيّاً لا تموت ، أنا غني لا أفتقر أجعلك غنياً لا تفتقر ، أنا مهما أشاء يكن أجعلك مهما تشاء يكن ».

____________

145 عن أبي الحسن البكرى استاذ الشهيد الثاني في كتاب الأنوار ، مع إضافات كثيرة واختلاف لفظي.

20

وفيه : « إنّ لله عبادا أطاعوه فيما أراد ؛ فأطاعهم فيما أرادوه ، يقولون للشيء كن فيكون » ، وذلك لأنّ الكلّ عباد الله ، فإذا اختار الله عبداً ألبسه خلعة التفضيل وأذن له (1) في الممالك بالتصرّف والتبجيل ، وجعل له الولاية المطلقة ، فصار عبداً لحضرته ، وخالصاً لولايته ، ومولى لعباده وبريّته ، ووالياً في مملكته ، فهو المتصرّف الوالي بإذن الربّ المتعالي.

فيا أيّها الطائر في جوّ التقليد ، والمحلّق في سماء التبليد ، لا يأوي إلى غدران الحكماء ، ولا يرتع في رياض العلماء ، ولا يثبت في قلبه حبّ ، ولا ينيب لمحجّبات (2) الكتب ، إلى متى أنت ، أنت بعيد عن النور ، محجوب عن السرور ، غافل عن أسرار سواد السطور ، مكبّ على النظر في المسطور ، أما أسمعك منادي الرحمان : ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) (3) ، وحتّى متى أنت كشارب ماء البحر كلّما ازداد شرباً ازداد عطشاً ، ألم تر أنّ الله سبحانه خلق ألف ألف عالم مبدؤها نور الحضرة المحمّدية ، وسرّها الولاية الإلهيّة ، وختامها الخلافة المهدويّة ونور العصمة الفاطميّة ، وذلك كلّه قاض عن الكلمة السبحانية ، وهي ألف غير معطوف كما قالوا ألف غيب معطوف ، لا وألف غير معطوف ، وألف عنده الوقوف ، وألف هو منتهى الألوف ، خلقها وهو غني عن خلقها ، وسلّمها إلى الوليّ الكامل ، والخليفة العادل ، لأنه وليه ومقامه الّذي أقامه في خلقه مقامه ، والوليّ المطلق ، والمتصرّف العادل ، لا يسئل عمّا يفعل ، ولا يناقش فيما يعمل ، وكيف يسأل المؤيّد بالحكمة المخصوص بالعصمة ، الذي يريد الله ما يفعل ، لأنّ فعله الحقّ والعدل (4).

ولله درّ من قال :

يا حبّذا مُتحاببين تواصلا * * * دهراً وما أعتلقا بفحش أذيلا

____________

(1) في المصدر : « ونادى له ».

(2) في المصدر : « ولا ينبت إلاّ في محجّبات ».

(3) سورة النساء : 4 : 82.

(4) مشارق أنوار اليقين : ص 68.

21

لا شيء أجمل من عفاف زانه * * * ورع ومن لبس العفاف تجمّلا

طبعت سرائرنا على التقوى ومن * * * طبعت سريرته على التقوى علا

أهواه لا لخيانة حاشا ومن * * * أنهى الكتاب تلاوة أن يجهلا

لي فيه مزدجر بما أخلصته * * * في المصطفى وأخيه من عقد الولا

فهما لعمرك علّة الأشياء في * * * أهل الحقيقة إن عرفت الأمثلا

الأوّلان الآخران الباطنان * * * الظاهران الشاكران لذي العلا

الزاهدان العابدان الراكعان * * * الساجدان الشاهدان على الملا

خُلِقا وما خلق الوجود كلاهما * * * نوران من نور العليّ تفصّلا

في علمه المخزون مجتمعان لن * * * يتفرّقا أبداً ولن يتحوّلا

فاسأل عن النور الّذي تجدنّه * * * في النور مسطوراً وسائل من تلا

واسأل عن الكلمات لمّا أن بها * * * حقّاً تلقّى آدم فتقبّلا

ثمّ اجتباه فأودعا في صلبه * * * شرفاً له وتكرّما وتبجّلا

فاحمدوا يا إخواني ربّكم الأجلّ حيث ألبسكم خلعة الوجود ، واشكروا يا خلاّني نبيّكم الأفضل ؛ إذ هو الفيّاض عليكم زلال الجود ، به ختم الله المرسلين ، وكان هو علّة وجود النبيّين ، (صلى الله عليه وآله وسلم) حملة الكتاب ، والأدلاّء على الخير والصواب ، الّذين كانوا في الأجساد أشباحاً ، وفي الأشباح أرواحاً ، وفي الأرواح أنواراً ، وفي الأنوار أسراراً ، فهم الصفوة والصفاة ، والأصفياء والكلمات ، وإليهم الإشارة بقولهم : « لولانا ما عرف الله ، ولولاه ما عرفنا ».

روى في الكتاب المذكور (1) عن زياد بن المنذر ، عن ليث بن سعد قال : قلت

____________

(1) مشارق أنوار اليقين للبرسي : ص 71 مع اختلاف لفظي ، وزاد في آخره : ونجد في الكتب أنّ عترته خير البشر ، ولا تزال الناس في أمان من العذاب ما دامت عترته في الدنيا. فقال معاوية : يا أبا إسحاق : ومَن عترته ؟ فقال : من ولد فاطمة. فعبس معاوية وجهه وعضّ على شفته وقام من مجلسه.

22

لكعب الأحبار وهو عند معاوية : كيف تجدون صفة مولد النبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ وهل وجدتم لعترته فضلاً ؟ فالتفت كعب إلى معاوية لينظر كيف هو ، فأنطقه الله فقال : هات يا أبا إسحاق. فقال كعب : إنّي قرأت في سبعة وسبعين (1) كتاباً نزلت من السماء ، وقرأت صحف دانيال ، ووجدت في الكلّ مولده ومولد عترته ، وأنّ اسمه لمعروف ولم يولد ، نُبِّئ فنزلت عليه الملائكة قطّ ما عدا عيسى وأحمد ، وما ضرب على آدميّة حجاب الجنة غير مريم وآمنة ، وكان من علامة حمله أن نادى منادٍ من السماء في ليلة حمله : ابشروا يا أهل السماء ، فقد حملت آمنة بأحمد ، وفي الأرض كذلك [ حتّى في البحور ، وما بقي يومئذ في الأرض دابّة تدبّ ولا طائر يطير إلاّ وعلم بمولده (صلى الله عليه وآله وسلم) ] ، ولقد بني في تلك الليلة في الجنّة سبعون ألف قصر من ياقوتة حمراء وسبعون ألف قصر من لؤلؤة رطبة ، وسمّيت قصور الولادة ، وقيل للجنّة اهتزّي وتزيّني فإنّ في هذه الليلة ولد نبي أوليائك ، فضحكت يومئذ فهي ضاحكة إلى يوم القيامة ، وبلغنا أنّ حوتاً من حيتان البحر يقال له طمسوسا وهو سيد الحيتان له سبعمئة ألف ذنب يمشي على ظهور سبعمئة ألف ثَور ، الواحد أكبر من الدنيا ، لكلّ ثور سبعمئة الف قرن من زمرّد أخضر ، وقد اضطربت ليلة مولده فرحاً ، ولولا أنّ الله ثبّتها لجعلت الأرض عاليها سافلها ، ولا بقي جبل إلاّ لقى صاحبه بالبشارة وهم يقولون : « لا إله إلاّ الله » ، ولقد خضعت الجبال لأبي قبيس كرامة لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولقد ماست الأشجار أربعين يوما بأفنانها وأطيارها وأنهارها (2) ، ولقد نصب بين السماء والأرض سبعون عموداً من نور ، ولقد بشّر آدم بمولده فزاد في حسنه أضعافاً (3) ، ولقد اضطرب الكوثر

____________

(1) في المصدر : « في اثنين وسبعين ».

(2) في المصدر بدل « ولقد ماست ... وأنهارها » : ولقد قدست الأشجار أربعين يوماً بأغصانها وأنهارها وثمارها فرحاً بمولده.

(3) في المصدر بدل « ولقد ماست ... وأنهارها » : ولقد قدست الأشجار أربعين يوماً بأغصانها وأنهارها وثمارها فرحاً بمولده.

23

حتّى أسقط سبعين قصراً من الزمرّد نثاراً لمقدمه ، ولقد زمّ إبليس وكبّل وألقي في الحصر أربعين يوماً ، ولقد سقطت الأصنام ، وسمعت قريش أصواتاً من داخل الكعبة وقائلاً يقول : « يا قريش ، قد جاءكم البشير النذير معه عمود الأبد والربح الأكبر ، وهو خاتم الأنبياء ».

وكذلك ما ورد في الكتاب المذكور (1) أنّ الملك سيف بن ذي يزن قال لعبد المطلب (رضي الله عنه) : إنّي أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون أنّه يولد بتهامة غلام بين كتفيه علامة تكون له الإمامة ولولده إلى يوم القيامة ، يموت أبوه وأمّه ويكفله جدّه وعمّه.

وكان مولده (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة السابع عشر من شهر ربيع الأوّل عام الفيل ، وتوفّي أبوه وهو ابن شهرين ، وماتت أمّه وهو ابن أربع سنين ، ومات عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين ، وكفّله عمّه أبوطالب (رضي الله عنه).

فيا مدّعي الشرف قصّر خطاك وثقل حملك على مطاك ، ويا أيّها الطالب لسموّ المكانة ، والخاطب لمحجّبات الصيانة ، والراقد على فرش الإفتخار ، والراغب في عناق أبكار الأقدار ، امدد بصرك ، وأحدّ نظرك ، فقد طلعت شمس الأسرار من مطالع العناية ، ولمع نور الأنوار من مشارق الهداية ، وأنّ الحي القيّوم قد فضّل الحضرة المحمّدية ، بأن جعل نورها هو الفيض الأوّل ، وجعل سائر الأنوار تشرق منها وتشعشع عنها ، وجعل لها السبق الأوّل ، ولها السبق على الكلّ والرفعة على الكلّ والإحاطة بالكلّ ، فما أحرى ذلك بقول الناصح والحبيب الصالح حيث قال :

نقّل فؤادك ما استطعت من الهوى * * * ما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل

____________

(1) مشارق أنوار اليقين : لص 74 مع اختلاف في بعض الألفاظ فقط.

ورواه الشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة : ج 1 ص 176 ح 32 باب 13 في خبر سيف بن ذي يزن ، مع إضافات كثيرة.

24

صلى الله عليه صلاة تعمّ صلاة المصّلين ، وتفوق دعوات الداعين ، ما حنّت القلوب المفتونة به إليه ، وعطفت أعناق شوقها عليه.

لا تجل في صفات أحمد طرفاً * * * فهو الغاية الّتي لن تراها

قلّب الخافقين ظهراً لبطن * * * فرأى ذات أحمد فأجتباها

ليت شعري هل ارتقى قمم * * * الأملاك أم طأطأت له فرقاها

بل لسرّ من عالم الغيب فيه * * * دون إدراك لحظه أنهاها

ذاك ظلّ الإله لو ان حوته * * * أهل وادي جهنّم لحماها

وهو الآية المحيطة بالكون * * * ففي عين كلّ شيء تراها

بشّرت أمّه به الرسل طرّاً * * * طرباً بأسمه فيا بُشراها

تلتقى كلّ ذروة برسول * * * أيّ فخر للرّسل في ملتقاها

روى في كتاب الأحتجاج مرفوعاً الى معمل بن راشد قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : « أتى يهودي الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقام بين يديه يحدّ النظر فيه (1) ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا يهودي ما حاجتك ؟ فقال اليهودي : جئت أسألك : أنت أفضل أم موسى بن عِمران النبي الذي كلّمه الله عزّ وجلّ ، وأنزل عليه التوراة والعصا ، وفلق له البحر ، وأظلّه بالغمام ؟

فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّه يُكْرَه للعبد أن يزكّي نفسه ، ولكنّي أقول : إنّ آدم (عليه السلام) لمّا أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لما غفرت لي. فغفرها الله له ، وإنّ نوحا (عليه السلام) لمّا ركب في السفينة وخاف الغرق قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لما نجّيتني (2) من الغرق. فنجّاه الله عزّ وجلّ ، وإنّ إبراهيم (عليه السلام) لمّا ألقي في النّار قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لما أنجيتني منها. فجعلها الله عليه برداً وسلاماً ، وإنّ موسى (عليه السلام) لمّا ألقى

____________

(1) في المصدر : « إليه ».

(2) في المصدر : « أنجيتني ».

25

عصاه فأوجس في نفسه خيفة قال : اللهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد لما آمنتني. قال الله جل جلاله : ( لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَىٰ ) (1).

يا يهودي ، لو أنّ موسى (عليه السلام) أدركني (2) ثمّ لم يؤمن بنبوّتي ، لم ينفعه إيمانه شيئاً ، ولا نفعته النبوّة.

يا يهودي ، ومِن ذريّتي المهدي ، إذا خرج نزل المسيح لنصرته ، فيقدّمه ويصلّي خلفه ».

فصمت اليهودي كأنّما ألقم حجراً.

وروي عن الصادق (عليه السلام) ، عن أبيه ، عن أبيه علي بن الحسين (عليهم السلام) أنّه دخل عليه رجلان من قريش ، فقال : « إلاّ أحدّثكما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ ». قالا : بلى ، حدّثنا عن أبي القاسم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال : سمعت أبي يقول : « لمّا كان قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بثلاثة أيّام نزل [ عليه ] جبرئيل (عليه السلام) فقال : يا أحمد ، إنّ الله أرسلني إليك إكراماً وتفضيلاً [ لك ] وخاصّة ، يسألك عمّا هو أعلم به منك ، يقول : كيف تجدك يا محمّد ؟

فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : تجدُني يا جبرئيل مغموماً ، تجدني يا جبرئيل مكرُوباً.

فلمّا كان اليوم الثالث هبط جبرئيل ومعه ملك الموت (عليهما السلام) ، ومعهما مَلَكٌ يقاله له : « إسماعيل » في الهواء في سبعين ألف مَلَك ، فسَبَقَهُم جبرئيل (عليه السلام) فقال : يا

____________

(1) سورة طه : 20 : 68.

(2) في المصدر : « إنّ موسى لو أدركني ».

( ) رواه الطبرسي في الباب 28 ـ ذكر استشفاع أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) في دعوى الأنبياء عليهم السلام من الاحتجاج : ج 1 ص 106.

ورواه الصدوق في أماليه : المجلس 39 الحديث 4 ، والعلاّمة المجلسي في البحار : 26 : 319 ـ 320.

وأورده الفتّال في عنوان « مناقب آل محمّد (صلوات الله عليهم) » من روضة الواعظين : ص 272 ، والسبزواري في الفصل 4 من جامع الأخبار : ص 44 ـ 45 ح 48 / 9.

( ) في المصدر : « هبط ».

26

محمّد ، إنّ الله أرسلني إليك إكراماً وتفضيلاً ، يسألك عمّا هو أعلم به منك ويقول : كيف يَجِدك يا محمّد ؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : تجدُني يا جبرئيل مغموماً ، تجدُني يا جبرئيل مكروباً.

فاستأذن مَلَك الموت عليه ، فقال جبرئيل : يا محمّد ، هذا ملك الموت يستأذن عليك ، ولَم يستأذن [ على أحد قبلك ، لا يستأذن ] (1) على أحد بعدك ، فهل تأذن له ؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : نعم.

فأذن جبرئيل إليه ، فأقبل حتّى وقف بين يديه وقال : يا أحمد ، إنّ الله أرسلني إليك ، وأمرني أن أطيعك فيما تأمرني ، فإن أمرتني بقبض نفسك قبضتُها ، وإن كرهتَ تركتُها.

فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : أو تفعل ذلك يا ملك الموت ؟

قال : نعم ، بذلك أمِرتُ.

فقال جبرئيل (عليه السلام) : يا أحمد ، إنّ الله تبارك وتعالى قد اشتاق إلى لقائك.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا ملك الموت ، امضِ لما اُمِرتَ به.

فقال جبرئيل (عليه السلام) : هذا آخر هبوطي الأرض ، وإنّما كنتَ أنت حاجتي من الدنيا (2).

فلمّا أراد ملك الموت أن يقبض روحه قال له : « خفّف ». قال : خفّفت يا رسول الله ، ولكنّ النزع شديد.

قال : أو يكون لكلّ واحد من أمّتي مثل هذه الشدائد ؟

قال : وأضعاف هذا.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : ضع على روحي الشدّة حتّى يكون عليهم أهون.

____________

(1) من سائر المصادر.

(2) إلى هنا رواه الشيخ الصدوق في أماليه : المجلس 46 الحديث 11 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

27

فلمّا بلغت الروح نحره وصبّ الماء على صدره ، فقال : هوّن عليّ سكرات الموت ، فلمّا حبس لسانه وغمّضت عيناه حرّك شفتيه ، ثمّ نظر إلى عليّ (عليه السلام) وهو جالس يبكي ورأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجره ، فهبط رأسه وجعل يوصيه بأشياء لا يفهمها بينهما إلاّ جبرئيل ، ثم وضع أُذُنه على فمه وهو يقول : « أمّتي أمّتي ».

وتوفّي (صلى الله عليه وآله وسلم) في اليوم الثامن والعشرين من شهر صفر سنة [ أحد ] عشرة من الهجرة كما وردت به الروايات عن الأئمّة الثقات (1) ، ولله درّ من قال :

ألا طرق الناعي بليل فراعني * * * وارقّني لمّا استقلّ مناديا

فقلت له لمّا رأيت الّذي أتا : * * * ألا انع رسول الله إن كنت ناعيا

فحقّقت ما أشفقت منه ولم أنل * * * وكان خليلي عزّنا وجماليا

فو الله ما أنساك أحمد ما مشت * * * بي العيس في أرض تجاوزن واديا

وكنت متى أهبط من الأرض تلعة * * * أرى أثراً منه جديداً وعافيا

جرى رحيب الصدر نهد مصدّر * * * هو الموت مدعوّ عليه وداعيا

فوا لهف نفسي على علّة الوجود ، وينبوع المكارم والجود ، ويا طول تأسّفي على شمس الهداية والسعود ، كيف حجبتها غيوم اللحود ، وعلى ودود الملك الودود ، كيف صعّر الحمام منه الخدود ، على الحبل الممدود ، بين العبيد والمعبود ، كيف ابتلته مواضى القضاء المنفود ، وعلى مقيم السنن والحدود ، وكريم الآباء

____________

(1) رواه الشيخ في التهذيب : 6 : 2 في أوّل كتاب المزار ، وعنه المجلسي في البحار : 22 : 514 ، والطبرسي في إعلام الورى : ص 143 وعنه في البحار : 22 : 530.

والمشهور أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) توفّي سنة إحدى عشرة من الهجرة كما قال الشيخ الطوسي في مصباح المتهجّد : ص 890 ، والمجلسي في البحار : 22 : 514 ح 16 عن قصص الأنبياء ( مخطوط ) ، والمفيد في الإرشاد : ج 1 ص 189.

قال المجلسي في البحار : 22 : 530 : بيان : لعلّ قوله سنة عشرة مبني على اعتبار سنة الهجرة من أوّل ربيع الأوّل حيث وقعت الهجرة فيه ، والّذين قالوا سنة إحدى عشرة ينوه على المحرّم ، وهو أشهر.

28

والجدود ، كيف نهل من منهل الحين المورود ، فوا عجباً للجبال الشواهق لم تسنح بالهمود ، وللعيون كيف تنال سنة الهجود ، أما كان في هذا الحادث النكود ، والجائح الموقود سبب لاختلال نظام الوجود ، واصطلام نفس الوالد والمولود ، وعلى مثله فلتمزّق الكبود ، فضلاً عن البرود ، وتجزأ نيط القلب الكمود عوضاً من النواصي والجعود ، أو لا تكونون كمن طوق جيد صبره لهذه الرزيّة بعقود ، وطال له فيها القيام والقعود ، فرثاه بما سمحت به قريحته من الأبيات المزرية بلآلي العقود ، وهو من شيعته الباذلين فيه أقصى المجحود.

29

المصرع الثاني

وهو مصرع فاطمة الزهرا صلوات الله عليها

استنهضوا إخواني سبّق الصبابة وأجروها في ميادين المناخ ، وامتطوا كواهل عوامل الكآبة ، واهجروا كواعب الأفراح ، وأطفئوا وهج القلوب المذابة بالدمع السيّاح ، وواسوا كلوم الأفئدة المصابة بمراهم بذل الأرواح ، وتفكّروا فيما زعزع بيت النجابة منا لفادح المتاح ، فقد هزّ عليهم الدهر حرابه وأروى من دمائهم ظوامي الصفاح ، وألقى عليهم الزمان ركابه وأشفى منهم أولاد السفاح ، وترك جسومهم الطاهرة غنائمه ونهابه وأسمى رؤوسهم عوالي الرماح ، وضيّق عليهم فجاج البسيط ورحابه وشتتهم في البطاح ، فأوّل فادح قرعوا بابه ووردوا منه الأتراح ، وأوّل قادح أوتر نحوهم شهابه وناداهم لا براح ، ما جرى على الدرّة المنضّدة في عقود الكمال ، والقدوة المسدّدة من تطرّقات الضلال ، الإنسيّة الحوراء ، أمّ الأئمة النجباء ، فاطمة الزهرا صلوات الله وسلامه عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ، ولله درّ من قال من الميامين الأبدال :

ولقد وقفت على منازل من * * * أهوى وفيض مدامعي غمر

وسألتها لو أنّها نطقت * * * أم كيف ينطق منزل قفر

يا دار هل لك بالاُولى رحلوا * * * خبر وهل لمعالم خبر

أين البدور بدور سعدك يا * * * مغنى وأين الأنجم الزهر

أين الكفاة ومن أكفّهم * * * في النائبات لمعسر يُسر

أين الربوع المخصبات إذا * * * عفت السنون وأعوز البشر

أين الغيوث الهاطلات إذا * * * بخل السحاب وأفحم القطر

ذهبوا فما وأبيك بعدهم * * * للناس تبيان ولا غرّ

30

تلك المحاسن في القبور على * * * مرّ الزمان هوامد دثر

أبكي اشتياقاً كلّما ذكروا * * * وأخو الغرام يهيجه الذكر

روي (1) عن المفضّل بن عمر قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : كيف كانت ولادة فاطمة (عليها السلام) ؟ قال : « نعم ، إنّ خديجة لمّا تزوّج بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هجرتها نساء مكّة وكنّ لا يدخلن إليها ولا يسلّمن عليها ولا يتركن امرأة تدخل عليها ، فاستوحشت خديجة عند ذلك ، فلما حملت بفاطمة (عليها السلام) كانت فاطمة (عليها السلام) تحدّثها في بطنها وتصبّرها ، وكانت تكتم ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فدخل [ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ] يوماً فسمع خديجة تحدّث فاطمة صلوات الله عليها ، فقال لها : يا خديجة ، من تُحدّثين ؟

قالت : الجنين الّذي في بطني يحدّثني ويؤنسيني.

قال : يا خديجة ، هذا جبرئيل (عليه السلام) يبشّرني أنّها إبنتي وأنّها النسلة الطاهرة الميمونة ، وأنّ الله سيجعل نسلي منها ، وسيجعل من نسلها أئمّة ويجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقطاع وحيه.

فلم تزل خديجة كذلك حتّى حضرت ولادتها ، فوجّهت إلى نساء قريش ونساء بني هاشم أن تعالين لتليني منّي ما تلي النساء من النساء ، فأرسلن إليها عصيتينا ولم تقبلي منّا وتزوّجت محمّداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له ، فلسنا نجيء إليك ولا نلي من أمرك شيئاً.

____________

(1) ورواه الشيخ الصدوق في الأمالي : المجلس 87 ح 1 ، والطبري الإمامي في دلائل الإمامة : ص 76 ح 17 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

وأورده ابن شهر آشوب في المناقب : 3 : 388 في عنوان : « فصل في معجزاته (عليه السلام) » ، وابن حمزة في الثاقب في المناقب : ص 285 في الباب الرابع ، والفتال النيسابوري في روضة الواعظين : ص 143 ، والراوندي في الخرائج والجرائح : 2 : 524.

ورواه مختصراً القندوزي الحنفي في ينابيع المودة : ص 198 في الباب 56 وقال : أخرجه الملاّ في سيرته.

31

فاغتمّت خديجة لذلك ، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال كأنّهنّ من نساء بني هاشم ، ففزعت منهنّ لما رأتهنّ ، فقالت إحداهنّ : لاتحزني يا خديجة ، فإنّا رسل ربّك إليك ، ونحن أخواتك ، أنا سارة ، وهذه آسية بنت مزاحم ، وهي رفيقتك في الجنّة ، وهذه مريم بنت عمران ، وهذه كلثم أخت موسى بن عمران ، بعثنا الله إليك لنلي منك ما تلي النساء من النساء.

فجلست واحدة عن يمينها والأخرى عن يسارها والثالثة من بين يديها والرابعة من خلفها ، فوضعت فاطمة (عليها السلام) طاهرة مطهرة ».

وكانت ولادتها باليوم العشرين من جمادى الآخر قبل الهجرة بثمان سنين (1).

وكانت (عليها السلام) تنمو في اليوم كما ينمو غيرها في الشهر ، وتنمو في الشهر كما ينمو غيرها في السنة.

فلا غرو فهي سماء النبوّة وشمس الرسالة وقمر العصمة ودوحة الحكمة وجرثومة الشرف وبيت الفخار الأشرف.

بنت النبيّ الّتي فاقت عُلىً وسمت

شأناً فما مثلها شمس ولا قمر

البدر من خجل يخفى إذا طلعت

والشمس في أفقها بالغيم تعتجر

والغصن في الروض إن مرّت وإن خطرت

يغضي حياء وفي الأوراق يستتر

روي (2) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ذات يوم من الأيّام جالساً بإزاء المسجد الحرام إذ أتته جماعة من خواتين نساء قريش لابسين ثياباً من قباطّي مصر متلفّعين بأردية مذهّبة وهم في غبطة وفرح وسرور ، وقد سقاهم الدهر كأساً من الغرور ،

____________

(1) انظر دلائل الإمامة للطبري : ص 79 ح 18 وص 134 ح 43 ، وفي المناقب لابن شهر آشوب : 3 : 405 في عنوان : « فصل في حليتها وتواريخها (عليها السلام) » ، والبحار : ج 43 ص 9 ح 16.

(2) ورواه بنحو آخر الرواندي في الخرائج والجرائح : 2 : 538 في أعلام فاطمة البتول (عليها السلام) : ح 14 ، وعنه المجلسي في البحار : 43 : 30 ح 37 ، والبحراني في ترجمة فاطمة (عليها السلام) من العوالم : ص 219 باب 3 ح 2.

32

فجعلن بتبخترن في خطواتهن ينظرن لميال قاماتهن حتّى وصلن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلّمن عليه وقلن : يا محمّد ، إنّك ، وإن كنت فينا في الملّة غريباً فأنت منّا في النسب قريب ، فلا تقطع حبل النسب منّا ، ولا تختار البعد عنّا.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « وما ذاك ؟ »

قلن : إنّ عندنا عرساً وزفافاً ، ونلتمس من حضرتك الشريفة وطلعتك المنيفة أن ترسل معنا خاتون القيامة وأصل الإمامة فاطمة (عليها السلام) لتزيّن مجلسنا وتنوّر محلّنا ، ويكون لمجمعنا الرونق والنظام ، ويحصل لعرسنا العزّ والإكرام. وقد أرادوا بذلك خجل الزهرا (عليها السلام).

فأطرق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأسه مفكّراً وقال لهم : « نعم ما أشرتم ، غداً إن شاء الله أرسلها إليكم لتحوز ثواب زفافكم ».

فمضين النساء مسرعات ، وقام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من وقته إلى ابنته وشجرة عترته وقال لها : « يا قطعة جسدي ويا فلذة كبدي ، اعلمي أنّ خواتين قريش ، وأهل المفاخرة والطيش ، قد طلبوا منّي حضورك مجلسهم ، والتمسوا وصولك عرسهم ، لتحضري وقت زفافهم ، ويحملوك على أكتافهم ، وقد أمرنا فاطر السماوات وبارئ النسمات بأن نقابل جفاء الأعداء بالصبر ، ونوازي أذاهم بالشكر ».

فأطرقت الزهرا (عليها السلام) رأسها ساعة إلى الأرض ثمّ قالت : « أنا أمة الجبّار ، وخادمة لمحمّد المختار ، فلا أستطيع التجاوز عن حكمكما ، ولا التعدّي عن أمركما ، يا أبتاه سوف أمتثل أمرك العالي وأعمل بحكمك المتعالي ، ولكن دهرنا غدّار ، يخون بأهل الشرف والمقدار.

يا أبتاه بأيّ حلّة أتزيّن ، وبأيّ حلية أحتشم بها وأتبيّن ؟ أألبس ردائي المرقّع المخرّق ؟! أم قناعي العتيق الممزّق ؟!

يا أبتاه نسوة قريش متلوّنين بأفخر الملابس ، متّكئين على الأرائك في صدور المجالس ، فكيف بي إذا وصلت إليهم ، وجلست لديهم ، فكلّ منهم ينظرني بالطعن والتهكّم ، ويرمقني بالإستهزاء والتبسّم.

يا أبتاه إنّ هؤلاء كانوا لأمّي خديجة الكبرى خدّاماً ، فكم قبّلوا أعتابها إجلالاً وإكراماً ، واليوم هم في الحلل اليمانيّة ، والأردية الأرجوانية.

33

يا أبتاه إنّ نسوة قريش ما ينظرن إلاّ للزينة الدنيويّة ، ويعمون عن الزينة الأخروية ».

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لها : « يا ابنتي ويا نور مقلتي ، لا تغتمّي لهذه الدنيا الدانية ، والمدّة الفانية ، فإنّ ذا كلّه في معرض الزوال ، وما هي إلاّ كفيء نزّال ، يا بنيّة ، إن الفقر فخري والإعسار ذخري ».

فبينما هو كذلك إذ هبط الأمين جبرئيل عن الملك الجليل وقال : « يا محمّد ، ربّك يقرؤك السلام ، ويخصّك بالإكرام ، ويقول لك : أرسل ابنتك فاطمة تحضر زفافهم ، فإنّ الله سيظهر لها معجزات وكرامات ، وتفوز ببركة قدومها بعض النسوان بدولة الإسلام ».

فالتفت النبي إليها وأخبرها بما جاء به جبرئيل ، فقالت : « سمعاً لما قال به ربّي الجليل ».

فقامت ولبست مقنعة الفقر ، وتردّت برداء العصمة ، وتوجّهت نحو النسوة فريدة ، ليس لها خادمة تخدمها ، ولا أمة تحشمها ، فأرسل الله لها فوجاً من الحور العين ، فغيّبنها عن أعين الناظرين ، فلمّا وصلت مجلسهنّ ظهر منها نور شعشعاني ، أخذ بأبصارهنّ ، وحيّر أفكارهنّ ، فلمّا رأوها وقد أقبلت تمشي رويداً تسحب أذيال حلّة لم تر العيون مثلها ، وعلى رأسها تاج من الذهب مكلّل بالدرّ والجوهر ، وفي يديها أساوير من اللؤلؤ ، وفي رجليها خلاخل من الذهب الأحمر ، مرصّع بالفيروزج الأخضر ، ومعها وصائف كالنجوم الزاهرات ، حافّين بها من أربع الجهات ، رافعين أصواتهنّ بالتكبير والتهليل والتقديس للملك الجليل ، فلمّا دخلت المجلس تلجلجت ألسنتهنّ وحارت عقولهن وقالت بعضهن (1) لبعض : مَن هذه التي أرعبت قلوبنا وأدهشت عقولنا ؟ فمنهنّ من فرّت من المجلس لما أصابته من الغمّ ، ومنهن من حملته على السحر كما قيل لأبيها في القدم ، ومنهنّ من أسلمت على يد الزهرا ، وفازت بالسعادة الكبرى ، ثمّ قلن : يا بنت رسول الله ، مرينا بأمرك فإنّا سامعون ومطيعون.

فوا حسرتاه على ذلّها بعد أبيها ، وظلمها بعد مربّيها ، ووا لهفاه لاستهضامها ،

____________

(1) هذا هو الصحيح ، وفي النسخة : « السنتهم ... عقولهم ... بعضهم » بضمير المذكّر.

34

وتواثب ظلاّمها ، فقد غصبوها تراثها ، وحازوا ميراثها ، وأوجعوا جبينها ، وأغضبوا ربّها ، وتركوها حزينة عليلة ، ومكروبة ذليلة ، ولله درّ من قال من الرجال الأبدال (1) :

يا ابنة الطاهر كم تقرع بالظلم عصاك -

-غضب الله لخطب ليلة الطفّ عراك

كم تعرّضت لأمرٍ تاقه فانتهراك -

-وادّعيت النحلة المشهود فيها بالصكاك

كيف لم تقطع يد مدّ إليك ابن صهاك -

-فزوى الله عن الجنّة زنديقاً زواك

ونفى عن بابه الواسع شيطاناً نفاك -

-يا قبوراً بالغريين من الطف سقاك

كلّ محلول عرى المرزم محلوب السماك -

-فإن استغنيت من سقيا حياً عزّ حياك

تحت بطن الأرض حمس نفسه فوق السماك -

-وغريب الدار يلقى موطن الطعن العراك

خاطباً بالرمح أو تخضب أعراف المذاكي -

-يخرس الموت إذا سمّته أفواه البواكي

-بأبي في قبضة الفجّار منهم كلّ زاكي -

روي من طريق ورقة ، عن أَمَة فاطمة (عليها السلام) قالت : إنّه لمّا قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إفتجع له الصغير والكبير ، وكثر عليه البكاء ، وقلّ له العزاء ، وعظم رزؤه على الأقرباء ، والأصحاب والأولياء ، والأحباب والغرباء [ والأنساب ] ، فلم تلق إلاّ كلّ باك وباكية ، ونادب ونادبة.

فلم يكن في أهل الأرض أشدّ حزناً وأعظم بكاءاً وانتحاباً من مولاتي فاطمة الزهرا (عليها السلام) ، وكان حزنها يتجدّد ويزيد ، وبكاؤها يشتدّ ولا يبيد ، فجلست سبعة

____________

(1) قطعات من هذه الأبيات توجد في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 16 : 235.

35

أيّام لا يهدء لها أنين ، ولا يسكن منها الحنين ، وكلّ يوم جاء بكاؤها أكثر من اليوم الأوّل ، فلمّا كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن الكامن ، فلم تطق صبراً إذ خرجت وصرخت فكأنّها من فم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نطقت ، فتبادرت النسوان ، وخرجت الولائد والولدان ، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وجاء النّاس من كلّ مكان ، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات وجوه النساء ، وخيّل إلى الناس أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قام من قبره وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي تنادي وتندب أباها : « وا أبتاه ، وا ضيعتها ، وا محمّداه ، وا أبا القاسماه ، يا ربيع الأرامل واليتاما ، مَن للقبلة والمصلّى ؟ ومن لابنتك الواهلة الثكلى » ؟

ثم أقبلت تعثر في أذيالها ، وهي لا تبصر شيئاً من عبرتها ، وتواتر دمعتها ، حتّى دنت من قبر أبيها ، فلمّا نظرت إلى الحجرة الطاهرة ، ووقع طرفها على المأذنة ، قصّرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن أغمي عليها ، فتبادرت النسوة إليها ، فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها ، حتّى أفاقت من غشاها ، عادت إلى نحيبها وبكاها وهي تقول :

« رفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ، والكمد قاتلي.

يا ابتاه ، بقيت بعدك والهة وحيدة ، حيرانة فريدة ، قد انخمد صوتي ، وانقطع ظهري ، وتنغصّ عيشي ، وتكدّر دهري ، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي ، ولا رادّاً لدمعتي ، ولا معيناً لضعف قوّتي ، قد فني بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرئيل ومحلّ ميكائيل ، وانقلبت من بعدك يا أبتاه الأسباب ، وتغلقت دوني الأبواب ، فأنا للدنيا بعدك قالية ، وعليك ما تردّدت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ولا يفنى حزني عليك ».

ثم نادت : « يا أبتاه ، يا أبتاه ». ثمّ أنشأت تقول :

إنّ حزني عليك حزن جديد * * * وفؤادي والله صبّ عتيد

36

كلّ يوم يزيد فيه شجوني * * * واكتئابي عليك ليس يبيد

جلّ خطبي فبان عنّي عزائي * * * فبكائي في كلّ وقت يزيد

إنّ قلباً عليك يألف صبراً * * * أو عزاءً فإنّه لجليد

ثمّ نادت : « يا أبتاه ، انقطعت بك الدنيا وأنوارها ، وذوت زهرتها ، وكانت بهجتك زاهرة ، فقد اسودّ نهارها ، فصار يحكى حنادسها ، رطبها ويابسها.

يا أبتاه ، لا زلت آسفة عليك إلى التلاق.

يا أبتاه زال غمضي منذ حقّ الفراق.

يا أبتاه ، من للأرامل والمساكين ؟ ومَن للأمّة إلى يوم الدين ؟

يا أبتاه ، أمسينا بعدك من المستضعفين ؟

يا أبتاه ، أصبحت الناس عنّا معرضين ، ولقد كنّا بك معظّمين وفي الناس غير مستضعفين ! فأيّة دمعة لفراقك لا تنهمل ؟ وأيّ حزن عليك لا يتّصل ؟ وأيّ جفن بعدك بالنوم يكتحل ؟ وأنت ربيع الدين ونور النبيّين ، وكيف للجبال لا تمور ؟ وللبحار بعدك لا تغور ؟ والأرض لم تتزلزل ؟ والجبال بعدك لا تتهيّل ؟

رمتينا يا أبتاه بعدك بالخطب الجليل ، والفادح المهول ، ولم يكن رزؤك علينا بالقليل ، وطرقتنا يا أبتاه بالمصاب العظيم الثقيل.

قد بكتك يا أبتاه الأملاك ، ووقفت عن حركتها الأفلاك ، فمنبرك خال من ذاتك ، وقبرك فرح بمواراتك ، ومحرابك مستوحش لفقد مناجاتك ، والجنّة مشتاقة إليك وإلى دعواتك وصلواتك.

يا أبتاه ، ما أعظم ظلمة مساجدك ومجالسك وأوقاتك ! فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلاً عليك.

ولقد أثكل أبو الحسن المؤتمن أبو ولديك الحسن والحسين ، وأخوك ووليّك ، وحبيبك وصفيّك ، ومن ربّيته صغيراً ، وآخيته كبيراً ، وأجلّ أحبابك إليك وأعزّ أصحابك عليك ، من كان منهم سابقاً ومهاجراً ومحامياً وناصراً ، والبكاء قاتلنا والأسى لازمنا ».

37

ثمّ زفرت زفرة في أثر زفرة ، وأنّت أنّة في أثر أنّة ، كادت بها روحها أن تخرج (1).

____________

(1) وأورده المجلسي في البحار : 43 : 174 باب ما وقع عليها (عليها السلام) من الظلم : ح 15 ، والبحراني في العوالم : في تاريخ فاطمة (عليها السلام) : 255.

قال المجلسي : وجدت في بعض الكتب خبراً في وفاتها (عليها السلام) فأحببت إيراده وإن لم آخذه من أصل يعوّل عليه.

روى ورقة بن عبد الله الأزدي قال : خرجت حاجّاً إلى بيت الله الحرام راجياً لثواب الله ربّ العالمين ، فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء ، مليحة الوجه ، عذبة الكلام ، وهي تنادي بفصاحة منطقها وهي تقول :

« اللهمّ ربّ الكعبة الحرام ، والحفظة الكرام ، وزمزم والمقام ، والمشاعر العظام ، وربّ محمّد خير الأنام (صلى الله عليه وآله وسلم) البررة الكرام ، [ أسألك ] أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين وأبناءهم الغرّ المحجّلين الميامين.

ألا فاشهدوا يا جماعة الحجّاج والمعتمرين ، أنّ موالي خيرة الأخيار ، وصفوة الأبرار ، الّذين علا قدرهم على الأقدار ، وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار ، المرتدين بالفخار.

قال ورقة بن عبد الله : فقلت : يا جارية ، إنّي لأظنّك من موالي أهل البيت (عليهم السلام) ؟ فقالت : أجل. قلت : فمن أنت من مواليهم ؟ قالت : أنا فضّة أمة فاطمة الزهرا ابنة محمّد المصطفى صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.

فقلت لها : مرحباً بك وأهلاً وسهلاً ، فلقد كنت مشتاقاً إلى كلامك ومنطقك ، فأريد منك الساعة أن تجيبني عن مسألة أسألك ، فإذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتّى آتيك. وأنت مثابة مأجورة. فافترقنا [ في الطواف ].

فلمّا فرغت من الطواف وأردت الرجوع إلى منزلي جعلت طريق على سوق الطعام وإذا أنا بها جالسة في معزل عن الناس ، فأقبلت عليها واعتزلت بها وأهديت إليه هدية ولم أعتقد أنّها صدقة ، ثمّ قلت لها : يا فضّة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهرا وما الّذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال ورقة : فلمّا سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ثمّ انتحبت نادبة وقالت : يا ورقة بن عبد الله هيّجت عليّ حزناً ساكناً وأشجاناً في فؤادي كانت كامنة ، فاسمع الآن ما شاهدت منها (عليها السلام).

اعلم أنّه لمّا قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) افتجع له الصغير والكبير ، وكثر عليه البكاء وقلّ العزاء ،

38

____________

وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب ، ولم تلق إلاّ كلّ باك وباكية ، ونادب ونادبة ، ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب والأقرباء والأحباب أشدّ حزناً وأعظم بكاءً وانتهاباً من مولاتي فاطمة الزهرا (عليها السلام) ، وكان حزنها يتجدّد ويزيد ، وبكاؤها يشتدّ.

فجلست سبعة أيّام لا يهدأ لها أنين ، ولا يسكن منها الحنين ، كلّ يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأوّل ، فلمّا كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن ، فلم تطق صبراً إذ خرجت وصرخت ، فكأنّها من فم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تنطق.

فتبادرت النسوان وخرجت الولائد والولدان ، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وجاء الناس من كلّ مكان ، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النساء وخيّل إلى النسوان أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قام من قبره ، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي (عليها السلام) تنادي وتندب أباه : « وا أبتاه ، وا صفياه ، وا محمّداه ، وا أبا القاسماه ، وا ربيع الأرامل واليتامى ، مَن للقبلة والمصلّى ؟ ومَن لابنتك الوالهة الثكلى » ؟

ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها وهي لا تبصر شيئاً من عَبرتها ، ومن تواتر دمعتها ، حتّى دنت من قبر أبيها محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلما نظرت إلى الحجرة وقعت طرفها على المأذنة فقصرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن أغمي عليها ، فتبادرت النسوان إليها ، فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتّى أفاقت ، فلمّا أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول :

« رفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ، والكمَد قاتلي ، يا أبتاه ، بقيت والهة وحيدة ، وحيرانة فريدة ، فقد انخمد صوتي ، وانقطع ظهري ، وتنغصّ عيشي ، وتكدّر دهري ، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي ، ولا رادّاً لدمعتي ، ولا معيناً لضعفي ، فقد فني بعدك محكم التنزيل ومهبط جبرئيل ومحلّ ميكائيل ، انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب ، وتغلّقت دوني الأبواب ، فأنا للدنيا بعدك قالية ، وعليك ما تردّدت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ، ولا حزني عليك ».

ثمّ نادت : « يا أبتاه ، وا لبّاه ». ثم قالت :

إنّ حزني عليك حزن جديد * * * وفؤداي والله صبّ عنيد

كلّ يوم يزيد فيه شجوني * * * واكتئابي عليك ليس يبيد

جلّ خطبي فبان عنّي عزائي * * * فبكائي في كلّ وقت جديد

إنّ قلباً عليك يألف صبراً * * * أو عزاءً فإنّه لجليد

39

____________

ثمّ نادت : « يا أبتاه ، انقطعت بك الدنيا بأنوارها ، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة ، فقد اسودّ نهارها ، فصار يحكي حنادسها ، رطبها ويابسها ، يا أبتاه لا زلت آسفة عليك إلى التلاق ، يا أبتاه زال غمضي منذ حقّ الفراق ، يا أبتاه مَن للأرامل والمساكين ؟ ومَن للأمّة إلى يوم الدين ؟ يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين ، يا أبتاه أصبحت النّاس عنّا معرضين ، ولقد كنّا بك معظّمين في الناس غير مستضعفين ، فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل ، وأيّ حزن بعدك عليك لا يتّصل ؟ وأيّ جفن بعدك بالنوم يكتحل ؟ وأنت ربيعة الدين ، ونور النبيّين ، فكيف للجبال لا تمور ، وللبحار بعدك لا تغور ، والأرض كيف لم تتزلزل ، رميت يا أبتاه بالخطب الجليل ، ولم تكن الرزيّة بالقليل ، وطرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم وبالفادح المهول.

بكتك يا أبتاه الأملاك ، ووقفت الأفلاك ، فمنبرك بعدك مستوحش ، ومحرابك خال من مناجاتك ، وقبرك فرح بمواراتك ، والجنّة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك.

يا أبتاه ، ما أعظم ظلمة مجالسك ، فوا أسفاه عليك ، إلى أن أقدم عاجلاً عليك ، وأثكل أبو الحسن المؤتمن ، أبو ولديك الحسن والحسين ، وأخوك ووليّك وحبيبك ، ومن ربّيته صغيراً وواخيته كبيراً ، وأجلّ أحبابك وأصحابك إليك ، من كان منهم سابقاً ومهاجراً وناصراً ، والثكل شاملنا ، والبكاء قاتلنا ، والأسى لازمنا ».

ثمّ زفرت زفرة ، وأنّت أنّة ، كادت روحها أن تخرج ، ثمّ قالت :

قلّ صبري وبان عنّي عزائي * * * بعد فقدي لخاتم الأنبياء

عين يا عين اسكب الدمع سحّاً * * * ويك لا تبخلي بفيض الدماء

يا رسول الإله يا خيرة الله * * * وكهف الأيتام والضعفاء

قد بكتك الجبال والوحش جمعاً * * * والطير والأرض بعد بكي السماء

وبكاك الحجون والركن والمش * * * عر يا سيّدي مع البطحاء

وبكاك المحراب والدرس للقرآ * * * ن في الصبح معلناً والمساء

وبكاك الإسلام إذ صار في النا * * * س غريباً من سائر الغرباء

لو ترى المنبر الذي كنت تعلو * * * ه علاه الظلام بعد الضياء

يا إلهي عجّل وفاتي سريعاً * * * فلقد تنغّصت الحياة يا مولائي

قالت : ثم رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها ، وهي لا ترقأ دمعتها ، ولا تهدأ زفرتها.

40

____________

واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالوا له : يا أبا الحسن إنّ فاطمة (عليها السلام) تبكي الليل والنهار ، فلا أحد منا يتهنّأ بالنوم في الليل على فرشنا ، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معائشنا ، وإنّا نخبّرك أن تسألها إمّا أن تبكي ليلاً أو نهاراً. فقال (عليه السلام) : « حبّاً وكرامة ».

فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى دخل على فاطمة (عليها السلام) وهي لا تفيق من البكاء ، ولا ينفع فيها العزاء ، فلما رأته سكنت هنيئة له ، فقال لها : « يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إنّ شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إمّا أن تبكين أباك ليلاً وإمّا نهاراً ». فقالت : يا أبا الحسن ، ما أقلّ مكثي بينهم ، وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم ، فوالله لا أسكت ليلاً ولا نهاراً ، أو ألحق بأبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ». فقال لها علي (عليه السلام) : « افعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك ».

ثمّ إنّه بنى لها بيتاً في البقيع نازحاً عن المدينة يسمّى « بيت الأحزان » ، وكانت إذا أصبحت قدّمت الحسن والحسين (عليهما السلام) أمامها وخرجت إلى البقيع باكية ، فلا تزال بين القبور باكية ، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) إليها وساقت من بين يديه إلى منزلها.

ولم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد موت أبيها سبعة وعشرون يوماً ، واعتلّت العلّة التي توفّيت فيها ، فبقيت إلى يوم الأربعين ، وقد صلّى أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاة الظهر وأقبل يريد المنزل ، إذا استقبلته الجواري باكيات حزينات ، فقال لهن : « ما الخبر ، وما لي أراكنّ متغيّرات الوجوه والصور » ؟ فقلن : يا أمير المؤمنين ، أدرك ابنة عمّك الزهرا (عليها السلام) ، وما نظنّ تدركها.

فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) مسرعاً حتّى دخل عليها ، فإذا هي ملقاة على فراشها ، وهو من قباطي مصر ، وهي تقبض يمينا وتمدّ شمالاً ، فألقى الرداء عن عاتقه ، والعمامة عن رأسه ، وحلّ أزراره ، وأقبل حتّى أخذ رأسها وتركه في حجره ، وناداها : « يا زهرا » ، فلم تكلّمه ، فناداه : « يا بنت محمّد المصطفى » ، فلم تكلّمه ، فنادها : « يا بنت من حمل الزكاة في طرف ردائه وبذلها على الفقراء » ، فلم تكلّمه ، فناداه : « يا ابنة من صلّى للملائكة في السماء مثنى مثنى » ، فلم تكلّمه ، فناداها : « يا فاطمة كلّميني ، فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب ».

قالت : ففتحت عينيها في وجهه ونظرت إليه وبكت وبكى وقال : « ما الّذي تجدينه ، فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب ».

فقالت : « يا ابن العمّ ، إني أجد الموت الذي لابدّ منه ولا محيص عنه ، وأنا أعلم أنّك بعدي لا تصبر على قلّة التزويج ، فإن أنت تزوّجت امرأة اجعل لها يوماً وليلة واجعل لأولادي

41

____________

يوماً وليلة ، يا أبا الحسن ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين ، فإنّهما بالأمس فقدا جدّهما واليوم يفقدان أمّهما ، فالويل لأمّة تقتلهما وتبغضهما ».

ثمّ أنشأت تقول :

ابكني إن بكيت يا خير هادي * * * واسبل الدمع فهو يوم الفراق

يا قرين البتول أوصيك بالنسل * * * فقد أصبحا حليف اشتياق

ابكني وابك لليتامى ولا تنس * * * قتيل العدى بطفّ العراق

فارقوا فاصبحوا يتامى حيارى * * * يحلف الله فهو يوم الفراق

قالت : فقال لها علي (عليه السلام) : « من أين لك يا بنت رسول الله هذا الخبر ، والوحي قد انقطع عنّا » ؟ فقالت : « يا أبا الحسن ، رقدت الساعة فرايت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قصر من الدّر الأبيض ، فلما رآني : هلمّي إلَيّ يا بُنيّة فإنّي إليك مشتاق. فقلت : والله إني لأشدّ شوقاً منك إلى لقائك. فقالت : أنت الليلة عندي. وهو صادق لما وعد ، والموفي لما عاهد.

فإذا أنت قرأت يس فاعلم أنّي قد قضيت نحبي ، فغسّلني ولا تكشف عنّي ، فإنّي طاهرة مطهرة ، وليصلّ عليّ معك من أهلي الأدنى فالأدنى ، ومن رزق أجري ، وادفنّي ليلاً في قبري ، بهذا أخبرني حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ».

فقال علي : « والله لقد أخذت في أمرها ، وغسّلتها في قميصها ولم اكشفه عنها ، فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهّرة ، ثم حنّطتها من فضل حنوط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكفّنتها وأدرجتها في أكفانها ، فلمّا هممت أن أعقد الرداء ناديت : « يا أمّ كلثوم ، يا زينب ، يا سكينة ! يا فضّة ، يا حسن ، يا حسين ، هلمّوا تزوّدوا من أمّكم ، فهذا الفراق واللقاء في الجنّة ».

فأقبل الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما يناديان : « وا حسرتا ، لا تنطفئ أبداً من فقد جدّنا محمّد المصطفى وأمّنا فاطمة الزهرا ، يا أمّ الحسن يا أمّ الحسين إذا لقيت جدّنا محمّد المصطفى فاقرئيه منّا السلام وقولي له : إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا ».

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « إنّي أشهد الله أنّها قد حنّت وأنّت ومدّت يديها وضمّتهما إلى صدرها مليّاً ، وإذا هاتف من السماء ينادي : يا أبا الحسن ارفعهما عنها ، فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات ، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب ».

قال : فرفعتهما عن صدرها وجعلت أعقد الرداء وأنا أنشد بهذه الأبيات :

فراقك أعظم الأشياء عندي * * * وفقدك فاطم أدهى الثكول

سأبكي حسرة وأنوح شجواً * * * على خلّ مضى أسنى سبيل

42

فيا لها مصائب ينسى عندها يوسف يعقوب ، ونوائب يذهل ضرّه لديها أيّوب ، وفوادح صدّعت صفاة الإيمان ، وفوادح أورت نيران الصبابة في قلوب أنبياء الرحمان ، وكدّرت على أرباب الصفا موارد البشر والهنا.

وروي أنّها صلوات الله عليها لما جرى لها مع أبي بكر ما جرى من الاحتجاج ـ كما في الاحتجاج ـ انكفأت إلى منزلها مكسورة القلب ، باكية العين ، وأمير المؤمنين (عليه السلام) يتوقّع رجوعها ويتطلّع طلوعها ، فلمّا استقرّت بها الدار قالت لأمير المؤمنين (عليه السلام) : « يا ابن أبي طالب ، عليك منّي السلام ورحمة الله وبركاته ، اشتملت شلمة الجنين ، وقعدت حُجرة الظنين (1) ، نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل (2) ، هذا ابن أبي قحافة يبتزّ نحلة أبي وبلغة (3) بنيّ ، لقد أجهد

____________

ألا يا عين جودي واسعديني * * * فحزني دائم أبكي خليلي

ثمّ حملها على يده وأقبل بها إلى قبر أبيها ونادى : « السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا حبيب الله ، السلام عليك يا نور الله ، السلام عليك يا صفوة الله ، منّي السلام عليك ، والتحية واصلة منّي إليك ولديك ، ومن ابنتك النازلة عليك بفنائك ، وإنّ الوديعة قد استردّت ، والرهينة قد أخذت ، فوا حزناه على الرسول ، ثمّ من بعده على البتول ، ولقد اسودّت عليّ الغبراء ، وبعدت عنّي الخضراء ، فوا حزناه ثمّ وا أسفاه ».

ثمّ عدل بها على الروضة فصلّى عليه في أهله وأصحابه ومواليه وأحبّائه وطائفة من المهاجرين والأنصار ، فلمّا واراها وألحدها في لحدها أنشأ بهذا الأبيات يقول :

أرى علل الدنيا علَيّ كثيرة * * * وصاحبها حتّى الممات عليل

لكلّ اجتماع من خليلين فرقة * * * وإنّ بقائي عندكم لقليل

وإنّ افتقادي فاطماً بعد أحمد * * * دليل على أن لا يدوم خليل

(1) الظنين : المتّهم ، أي : اختفيت عن النّاس كالجنين ، وقعدت عن طلب الحقّ ، ونزلت منزلة الخائف المتّهم.

(2) الأجدل : الصقر ، وقادمة الأجدل : مقاديم ريشه. قال الجوهري في صحاح اللغة : 1 : 248 : خات البازي واختات : أي انقضّ على الصيد ليأخذه. على هذا فالأظهر أنّه كان في الأصل « خاتك » بالتاء المثناة الفوقانية كما في مناقب ابن شهر آشوب ، فصحّف.

(3) بزّ ثيابه : سلبه ، والبلغة ـ بالضمّ ـ : الكفاية ، وهو ما يكتفى به في العيش. ( مجمع البحرين ).

43

في خصامي ، وألفيته ألدّ في كلامي ، حتّى حبستني قيلة (1) نصرها ، والمهاجرة وصلها ، وغضّت الجماعة دوني طرفها ، فلا دافع ولا مانع ، خرجت كاظمة ، وعدت راغمة ، أضرعت خدّكَ ، يومَ أضعت جدّك ، افترست الذئاب ، وافترشت التراب ، ما كففت قائلاً ، ولا أغنيتَ عائلاً ، لا خيار لي ، ليتني متّ قبل هنيئتي ودون ذلّتي ، عذيري الله منك عادياً ، وفيك (2) حامياً ، ويلاي في كلّ شارق ، ويلاي في كلّ غارب ، مات العمد ووهى (3) العضد ، شكواي إلى أبي ، وعَدواي إلى ربّي ، اللهمّ إنّك أشدّ بأساً وأشدّ تنكيلاً ».

تشجّعه وهي العليمة أنّه * * * أخو السيف في ملمومة الدفعات

فقال لها أمير المؤمنين (عليه السلام) : « لا ويل لك ، بل الويل لشانئك ، نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة ، وبقيّة النبوّة ، فما ونيت في ديني ، ولا أخطأت مقدوري ، فإن كنت تريدين البلغة ، فرزقك مضمون ، وكفيلك موجود ، وما أعدّ لك أفضل ممّا قطع عنك ، فاحتسبي الله ».

فقالت : « حسبي الله ونعم الوكيل » (4).

اليوم شقّق جيب الدين وانتهبت * * * بنات أحمد نهب الروم والصين

اليوم قام بأعلى الطف نادبهم * * * يقول مَن ليتيم أو لمسكين

اليوم خرّت نجوم الفخر من مضر * * * على معاطس تذليل وتوهين

____________

(1) قليلة ـ بالفتح ـ بنت كاهل ، أمّ قبيلة الأوس من الأنصار. وفي النسخة : « القبيلة ».

(2) في المصدر : « ومنك ».

(3) في المصدر : « ووهن ».

(4) رواه الشيخ الطوسي في أماليه : المجلس 38 الحديث 8 ، وعنه المجلسي في البحار : 29 : 323 ح 9.

وأورده ابن شهر آشوب في المناقب : 2 : 237 في ظلامة أهل البيت (عليهم السلام) مع اختلاف في بعض الألفاظ ، وعنه المجلسي في البحار : 43 : 148.

ورواه الطبرسي في الاحتجاج : 1 : 280 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

44

اليوم اطفئى نور الله متّقدا * * * وجرّرت لمم التقوى على الطين

اليوم تهتك أسرار الهدى مزقاً * * * وبرقعت غرة الإسلام بالهون

اليوم زعزع قدس من جوانبه * * * وهاج بالخيل سادات الميامين

اليوم شقّ على الزهرا كِلَّتها * * * وساوروها بتنكيب وتوهين

اليوم نالت بنو حرب طلائبهم * * * ممّا صلوه ببدرٍ ثمّ صفّين

اليوم جدّل سبط المصطفى شرقاً * * * من نفسه بنجيع غير مسنون

نالوا أزمّة دنياهم ببغيهم * * * فليتهم سمحوا منها بماعون

يا عين لا تدّعي شيئاً لغادية * * * تهمى ولا تدعي دمعا لمحزون

وروي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل يوماً على فاطمة (عليها السلام) فرآها قد عجنت عجيناً للخبز ووضعت طيناً في الماء لتغسل به رؤوس أولادها ، فتعجّب أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال : « يا بنت رسول الله ، ما عهدتك تشتغلين بعملين من الدنيا في يوم واحد ، وما أظنّه إلاّ من سبب » !

فبكت فاطمة (عليها السلام) وتحدّرت عبراتها على وجناتها وقالت : « يا أمير المؤمنين ، هذا فراق بيني وبينك ، اعلم أنّي رأيت البارحة في منامي أبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو واقف في مكان مرتفع يلتفت يميناً وشمالاً كأنّه ينتظر أحداً ، فقلت له : يا أبتاه ، مضيت عنّي وتركتني وحيدة فريدة أبكي عليك ليلي ونهاري وعشيّتي وأبكاري ، لا ألتذّ بطعام ولا أتهنّى بمنام. فقال لي : يا فاطمة ، إني واقف هنا للانتظار. قلت : فلمَن تنتظر يا أبتاه ؟ قال : أنتظرك يا فاطمة ، فإنّ مدّة الفراق قد تجاوزت ، وليالي الهموم والأشواق قد تصرّمت ، وقرب وقت الارتحال ، لنفوز بالملاقاة والوصال ، وتقلعي أطناب خيمة بدنك من المضائق السفلية ، وتنصبيها في فضاء العوالم العلوية ، وتفرّي من مطمورة الدنيا ، وتسكني معمورة العقبى ، يا فاطمة ، عجّلي فإنّي في انتظارك ، ولا أبرح من مكاني حتّى تأتيني فأسرِعي ، وسأخبرك يا بنتي أنّ وقت وصولك إليّ في الليلة القابلة.

45

فلمّا رأيت الرؤيا أيقنت أنّي راحلة عنك في عشية الليلة المقبلة ، وهذا العجين أخبزه في هذا اليوم ، والطين أغسل به رؤوس أولادي ، لأنّك في غداة غد مشغول بتجهيزي وغسلي ، وأخاف أن تجوع أولادي وتبقى رؤوسهم مغبرّة وثيابهم دكنة (1) ، فعملت هذين العملين في هذا اليوم ».

وجعلت تغسل قميص ولدها وتمشط رأسيهما وهي تقول : « ليتني أعلم بالذي يقع عليكم من بعدي من القتل والسمّ ».

ثم التفتت إلى عليّ (عليه السلام) وقالت : « يا ابن العمّ ، لي عندك أربع وصايا : الأولى : إن كان وقع منّي تقصير لجنابك فاعف عنّي واسمح لي ».

فقال (عليه السلام) : « حاشاك يا سيّدة النساء والتقصير ، بل كنت في كمال المحبّة ونهاية المودة والشفقة عَليّ والرضا والقناعة بما يأتيك منّي ».

ثم قالت : « وأما الوصية الثانية : فإني أوصيك يابن العم إذا تزوّجت بامرأة فاجعل لها يوماً ولولديّ يوماً ، يا أبا الحسن بلّغهما آمالهما ولا تنهرهما ولا تصح في وجههما ، فإنّما يصبحان غريبين يتيمين منكسرين ، لأنّهما بالأمس فقدا جدهما واليوم أمّهما ».

فجلس عليّ (عليه السلام) عند رأسها ، وأمرت أسماء بنت عميس أن تصنع للحسن والحسين طعاما فيأكلان ويذهبان ، فبينما هي كذلك إذا أقبلا ، فوضعت لهما حصيراً وقدّمت لهما الطعام ، فقالا : « يا أسماء ، ما فعلت أمنّا ؟ وهل رأيت أيّنا نأكل بغير أمّنا » ؟

فقالت أسماء : يا ابني رسول الله ، إنّ أمّكما عندها بعض التصديع.

قال : فقاما ودخلا عليها ، فوجداها متّكئة على فراشها وعليّ عند رأسها ، فلمّا رأتهما قالت : « يا أبا الحسن ، امض بولديك إلى قبر جدّهما ». وكان مرادها عدم حضورهما عند وفاتها لئلا تنزعج قلوبهما ، فخرج بهما عليّ (عليه السلام).

قال الراوي : فلمّا كان اليوم الأربعون أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) يريد المنزل ،

____________

(1) دكن دكناً ودكنة : مال إلى الصواب ، والثوب اتّسح واغبرّ لونه. ( المعجم الوسيط ).

46

فاستقبلته الجوار [ ي ] وهنّ باكيات ، فقال (عليه السلام) لهنّ : « ما الخبر » ؟ فقلن : سيّدنا ، أدرك ابنة عمّك. فأقبل مسرعاً حتّى دخل عليها فإذا هي ملقاة على فراشها وهي تقبض يميناً وتمدّ شمالاً ، فألقى عن عاتقه الرداء ، ونزع العمامة عن رأسه وحلّ إزاره ، وأخذ رأسها في حجره وناداها : « يا زهرا ». فلم تكلّمه فنادى ثانية : « يا بنت محمّد المصطفى ، يا ابنة من حمل الزكاة بأطراف الرداء ». فلم تكلّمه ، فنادتها : « يا فاطمة ، أنا ابن عمك ». ففتحت عينها في وجهه وبكت وبكى ، ثمّ قال لها : « ما الّذي تجدين » ؟ قالت : « هو الموت الّذي لابدّ منه ولا محيص عنه ».

قال : ثمّ إنّ الحسن والحسين رجعا ودخلا عليها ، فوجداها متّكئة على فراشها تجود بنفسها الشريفة ، فجعلا يقبّلان يديها ورجليها ويقولان : « يا أمّاه ، افتحي عينك وانظري إلى يتيميك ». فلمّا سمعت صوتهما فتحت عينها فرأتهما وضمّتهما إلى صدرها وقالت : « ليتني أدري بما يقع عليكما من بعدي ». ثمّ أمرت بإحضار بناتها زينب وأم كلثوم وأوصت الحسن والحسين بهما.

وتوفّيت صلوات الله عليها في اليوم الثامن من شهر ربيع الثاني على أحد الأقوال سنة عشر من الهجرة.

فيا دموعي السواكب سيلي سيل الجداول ، ويا نيران وجدي اللواهب كنّى حنايا الضلوع النواحل ، ويا فؤادي الذاهب اتّخذ عن السلوة المعازل ، أو لا تكونون يا إخواني الأطائب وخلاني الأفاضل كمن رشقته سهام هذه المصيبة الصوائب فأصابت منه المقاتل ، وتجرّع كأس هذه الداهية العاطب ورشف أقداح الخطب الشامل ، فرثاهم بما سنح له من المراثي والنوادب ، ولله درّه من ثاكل.

47

المصرع الثالث

وهو مصرع أمير المؤمنين (عليه السلام)

إخواني ، قرّطوا آذان الإيمان بفكّ أقفالها ، وشنّفوا مسامع الإذعان بحلّ أغلالها ، وخفّفوا ظهور الإيقان بحطّ أثقالها ، وتيقّنوا أنّ الحكيم الأكمل لم يخلق الخلق بلا فائدة ، وتصوّروا أنّ الحاكم الأعدل لا يظلم في الأحكام النافذة ، واعلموا أنّ الغنيّ الجواد لا يرغب إلى رفد سواه ، وتحققوا أنّ الكريم المتفضّل لا يرجع فيما أسداه ، والطبع السليم أوجب شكر المنعم ، والعقل المستقيم حتّم حمد الرازق المتكرّم ، والشكر على جسيم الفواضل ضروريّ الوجوب ، والحمد لربّ الفضائل أمر مندوب.

فأعظم منن الله على العباد إرشادهم إلى طريق الرشاد ، وأجسم مواهب الملك الجواد إيصال عبده إلى جادة السداد ، ليفيض عليه نوالَيه ، حيث قد منحه بأصغَرَيه ، وكشف عن محجّبات عقله حجاب المتشكّكين ، وناداه بعد فتح باب المعرفة : ( ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ) (1).

وعلّة هذه النعمة وأصلها ومعناها وصورتها هي الولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، وبها يصل العبد إلى غاية المرام ، وذلك لأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أخو النبي ووصيّه ، ونائب الحق تعالى ووليّه ، وأسد الله وعليّه ، ومختاره ورضيّه ، الّذي واسى النبي وساواه ، وبمهجته في الملّمات وقاه ، وأجابه حين دعاه ولبّاه ، وشيّد الدين بعزمه وبناه ، وكان بيت النبوّة مرباه ومنشاه ، وشمس الرسالة عرشه ومرتقاه ، وغُصنَي الجلالة ولداه ، فكم نصر الرسول وحماه ، وغسّل النبي وواراه ، وقام بدَينه

____________

(1) سورة الحجر : 15 : 46.

48

وقضاه ، ولد الحرم وفتاه ، ربيب الكرم ومنشاه ، من أباد جميع الشرك وأفناه.

فعليّ نفس محمّد ووصيّه * * * وأمينه وسواه مأمون فلا

وشقيق بنعته وخير من اقتفى * * * منهاجه وبه اقتدى وله تلا

مولىً به قبل المهيمن آدماً * * * لمّا دعا وبه توسّل أوّلا

وبه استقرّ الفُلك من طوفانه * * * لمّا دعا نوح به وتوسّلا

وبه خبت نار الخليل فأصبحت * * * بَرداً وقد أذكت ضراماً مُشعلا

وبه دعا يعقوب حين أصابه * * * من فقد يوسف ما شجاه وأذهلا

وبه دعا الصدّيق يوسف إذ هوى * * * في هُوّة وأقام أسفل أسفلا

وبه أماط الله ضُرّ نبيه * * * أيّوب وهو المستكين المبتلا

وبه دعا موسى فأوضحت العصا * * * طُرقاً ولُجّة بَحرها طام ملا

وبه دعا عيسى فأحيا ميّتاً * * * من قبره وانشقّ عنه الجَندلا

وبه دعا داود حين غشاهم * * * جالوت مقتحماً يقود الجَحفلا

لقّاه دامغة فغادر شلوه * * * ملقىً وولّى جَمعُه مُستجفلا

العالم العلمَ الرضيّ المرتضى * * * نور الهدي سيف العليّ أخو العُلى

روى أبو مخنف (1) بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) قال : سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مولد علي (عليه السلام) ، قال : « يا جابر ، سألت عجيباً عن خير مولود ، اعلم أنّ الله لما أراد أن يخلقني ويخلق عليّاً قبل كلّ شيء ، خلق دُرّة عظيمة أكبر من الدنيا عشر مرات ، ثمّ إن الله تعالى استودعنا في تلك الدرّة ، فمكثنا فيها مئة ألف عام ، نسبّح الله تعالى ونقدّسه ، فلمّا أراد إيجاد الموجودات نظر إلى الدرّة بعين التكوين فذابت وانفجرت نصفين ، فجعلني ربّي في النصف الّذي احتوى على النبوة ، وجعل عليّاً في النصف الّذي احتوى على الإمامة.

____________

(1) ما عثرت على كتاب أبي مخنف ، وما وجدت الحديث في مقتله ، ولأبي مخنف كتب كثيرة لم تصل إلينا ، انظر رجال النجاشي ورجال الشيخ.

49

ثمّ إنّ الله تعالى خلق القلم وقال : اكتب. قال : وما أكتب ؟ قال : اكتب : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، علي وليّ الله.

فلمّا فرغ القلم من كتابة الأسماء قال : يا ربّ ، من هؤلاء الّذين قرنت اسمهما باسمك ؟

قال الله تعالى : يا قلم ، محمّد نبيّي وخاتم الأنبياء ، وعليّ وليّي وخليفتي في عبادي ، لولاهما ما خلقت خلقي ، فمن أحبّهما أحببته ، ومن أبغضهما أبغضته » (1).

فلا غرو ولا عجب من ارتقائه مفارق الجلال ، وحلوله في قمم الكمال ، فهو الاسم الأعظم الّذي تنفعل به الكائنات ، والحاكم المتصرّف في سائر الموجودات ، وهو الأوّل بالأنوار ، الظاهر بالأدوار ، الباطن بالأسرار ، الآخر بالآثار ، وذلك مقام الربّ العليّ.

نطقت فيه كلمته ، وظهرت عنه مشيئته ، فهو كهو بوجوب الطاعة وامتثال الأمر والرفعة على الموجودات والحكم على البريّات ، وليس هو هو بالذات المقدّسة المنزّهة عن الأشباه والأمثال المتعالية عن الصور والمثال ، اللهمّ لا فرق بينك وبينه إلاّ أنّه عبدك وخلقك.

سرّ الإله الّذي ما زال يظهر بال -

-آيات مع أنبياء الأعصر الاُول

شمس الهدى علّة الدنيا الّتي صدر -

-الوجود من أجلها من علّة العلل

الجوهر النبوي الأحمدي أبو -

-الأئمّة السادات الهادين للسبل

صنو النبيّ حبيب الله أشرف من -

-يمشي على الأرض من حاف ومنتعل

به يجاب دُعا الداعي وتقبل أعمال -

-العباد ويستشفى من العلل

____________

(1) رواه المحدّث البحراني في مدينة المعاجز : 2 : 367 برقم 610 مع إضافات كثيرة عن أبي مخنف.

50

فاقدحوا يا ذوي البصائر زند متواريات الأحزان بين الجوانح ، واستشبّوا متّقدات الأشجان في رؤوس رواسي الجوارح ، واتركوا متموّجات الأجفان في رياض الخدود سوافح ، واقطعوا جرثومات السلوان بباترات هذه الفوادح ، واسقوا ايكات الإطمئنان بمنهمر هذه القوادح ، وصوّحوا روضات الافتتان بسمائم الوجد اللوافح ، وتذكّروا ما وقع على علّة الإمكان من الأرزاء الجوائح وما لاقاه من الخطوب الّتي يحقّ لسماع ذكرها أن تسكن النفوس الضرائح.

روي في كتاب المناقب مرفوعاً إلى فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (عليه السلام) قالت : لمّا دخلت الكعبة شرّفها لله تعالى انسدّ الباب وإذا أنا بخمس نسوة كأنّهنّ الأقمار وعليهنّ ثياب الحرير والإستبرق ، فسلّمن عليّ وجلسن إلى جنبي ، فلمّا وضعت بولدي أمير المؤمنين (عليه السلام) خرّ ساجدا لله يتضرّع إلى ربّه ، ثم رفع رأسه الشريف وأذّن وأقام وشهد لله بالوحدانية ولرسول الله بالنبوّة والرسالة ، ولنفسه بالخلافة والولاية ، فبينما أنا كذلك وإذا برسول الله قد دخل ، فلمّا بصر به ولدي قال : « السلام عليك يا رسول الله ، ورحمة الله وبركاته ». فقال النبي : « وعليك السلام يا أخي وشقيقي ومن أقرّ الله به عيني ».

فقال : « يا نبي الله ، أتأذن لي أن أقرأ » ؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : « اقرأ ». فابتدأ بصحف آدم فقرأها حتّى لو حضر شيث لأقرّ أنه أعلم بها منه ، ثمّ تلى صحف نوح وصحف إبراهيم والتوراة والإنجيل والزبور ، ثم تلا : ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) (1). فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « قد أفلح المؤمنون بك ، أنت أميرهم ، تميرهم من علمك ، الحمد لله الذي جمع بيننا ». فنطق الإمام بلسان فصيح وقال : « مدّ يدك يا رسول الله ، فإنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّك محمّد عبده ورسوله ، بك تختم النبوّة ، وبي تختم الولاية » (2).

____________

(1) المؤمنون : 23 : 1 ـ 2.

(2) ورواه البرسي في مشارق أنوار اليقين : ص 75 مختصراً.

51

وكان مولده (عليه السلام) ليلة الجمعة ثالث عشر من شهر رجب سنة ثلاثين من عام الفيل (1).

وروي في كتاب الأربعين عن أنس بن مالك قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : « يا علي ، يا ولي ، يا ديان ، يا هادي ، يا سيّد ، يا صدّيق ، يا زاهد ، يا فتى ، يا طيّب ، يا طاهر ، مرّ أنت وشيعتك إلى الجنّة بغير حساب » (2).

وروى صاحب كتاب النخب (3) قال : تشاجر رجال في إمامة علي بن أبي طالب ، فجاءوا إلى شريك (4) فسألوه ، فقال لهم : حدثني سليمان الأعمش ، عن حذيفة بن اليمان ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : « إنّ الله تبارك وتعالى خلق عليّاً قضيباً في الجنة ، فمن تمسّك به فهو من أهلها ».

فاستعظم الرجال ذلك ، فجاءوا إلى ابن دراج (5) فأخبروه ، فقال : لا تعجبوا ، حدثني الأعمش ، عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « إنّ الله خلق قضيباً من نور في بطنان عرشه ، لا يناله إلاّ عليّ ومن تولاه ».

____________

(1) الإرشاد للشيخ المفيد : 1 : 5.

(2) ورواه البرسي في مشارق أنوار اليقين : ص 47 و 68 ، وابن شاذان في مئة منقبة : ص 138 في المنقبة 83 ، والخوارزمي في مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) : ص 319 في الفصل 19 ح 323 مع اختلاف قليل.

(3) أي نخب المناقب لآل أبي طالب ، منتخب من مناقب آل أبي طالب تصنيف محمّد بن علي ابن شهر آشوب ، والناخب هو أبو عبد الله الحسين بن جبير تلميذ نجيب الدين علي بن فرج الّذي كان تلميذ ابن شهر آشوب. ( الذريعة : ج 24 ص 88 رقم 462 ).

(4) هو شريك بن عبد الله بن الحارث النخعي الكوفي ، استقضاه المنصور على الكوفة سنة 153 ، وتوفّي بها في سنة 177.

(5) هو أبو محمّد نوح بن درّاج النخعي القاضي من أصحاب أبي حنيفة ، كان أبوه حائكاً من النبط ، ولي نوح القضاء بالكوفة وأصيبت عيناه فكان يقضي واستمرّ ثلاث لا يعلم أحد بعماه ، توفي سنة 182.

52

فقال الرجال : هذا من ذاك ! نمضي إلى وكيع (1) ، فجاؤه وأعلموه ، فقال : لا تعجبوا ، حدثني الأعمش ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « أركان العرش لا ينالها إلاّ عليّ وشيعته ».

فاعترفوا أولئك الرجال بفضل علي (2).

ومن كتاب المناقب قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إن لله عموداً من نور يضيء لأهل الجنّة كالشمس لأهل الدنيا ، لا يناله إلاّ علي وشيعته ، وإنّ حلقة باب الجنة لمن ياقوتة حمراء طولها خمسون عاماً ، إذا نقرت طنّت وقالت في طنينها : يا علي » (3).

ولله درّ من قال من الرجال الأبدال :

وإذا علت شرفاً ومجداً هاشم * * * كان الوصي لها المعم المخولا

لا جدّة تيم بن مرّة لا ولا * * * أبواه من نسل النفيل تنسّلا

ومكسّر الأصنام لم يسجد لها * * * متعفّراً فوق الثرى متذلّلا

لكن له سجدت مخافة بأسه * * * لما على كتف النبيّ عليّ علا

تلك الفضيلة لم يفز شرفاً بها * * * إلا الخليل أبوه في عصر خلا

إذ كسّر الأصنام حين خلا بها * * * سرّاً وولّى خائفاً مستعجلا

فتميّز العلمين بينهما وقس * * * تجد الوصيّ بها الشجاع الأفضلا

وانظر ترى أزكى البريّة مولداً * * * والفعل متّبع ! أباه الأوّلا

وهو القؤول وقوله الصدق الّذي * * * لا عيب فيه لمن وعى وتأمّلا

____________

(1) هو أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي ، ولد بالكوفة سنة 129 وتوفّي سنة 197.

(2) ورواه القاضي النعمان في شرح الأخبار : 2 : 269 رقم 577 ، والبرسي في مشارق أنوار اليقين 47 و 68 ، وابن شهر آشوب في المناقب : 3 : 233 في محبّته (عليه السلام) ، وعنه المجلسي في البحار : 39 : 259 في باب أنّ حبّه إيمان وبغضه كفر.

(3) رواه البرسي في مشارق أنوار اليقين : 48 و 68 ، والديلمي في إرشاد القلوب : 2 : 259 في فضائله (عليه السلام).

53

والله لو أنّ الوسادة اُثنيت * * * لي في الذي حضر العليّ وحلّلا

لحكمت في قوم الكليم بمقتضى * * * توراتهم حكماً بليغاً فيصلا

فيا من أسدلت عليه ستورها الفضائح ، وتوّجت هامته القبائح ، إلى كم أنت عن مركز الهداية نازح ، وحتّى متى تدّعي معرفة الناسخ ، ومن أين لك علم التناسخ ، وقدمك في طريق الحقّ غير راسخ ، أما علمت أنّ اسم الله الأعظم ينزل في كلّ تركيب ، وكلمة الله تظهر في كلّ صورة وتفعل كلّ عجيب ، فما لك لا تشكّ في قول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) : « أنا الفاتح الخاتم » ؟ وترتاب في قول عليّ : « أنا البصير العالم » ؟ أليس هما قسيمي النور وواحدي الذات في عالم الظهور ؟!

روي في كتاب المجالس (1) علي ، عن أبيه ، عن جدّه علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال : « كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الّذي توفّي فيه وكان رأسه في حجري والعبّاس يذبّ عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأغمي عليه إغماءةً ثمّ فتح عينيه فقال : يا عبّاس ، يا عمّ رسول الله ، اقبل وصيّتي واضمن دَيني وعدَتي.

فقال له العبّاس : يا نبي الله ، أنا شيخ ذو عيال كثير غير ذي مال ممدود ، وأنت أجود من السحاب الهاطل والريح المرسلة ، فاصرف عنّي ذلك إلى من أطوق منّي.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أمّا أنّي سأعطيها لمن يأخذ بحقّها ومن لا يقول مثل ما تقول ، يا علي ، هاكها لا يخالطك فيها أحد ، يا علي ، اقبل وصيّتي وانجز مواعيدي ، يا علي ، اخلفني في أهلي وبلّغ عنّي من بعدي ».

____________

(1) رواه الشيخ الطوسي في أماليه : المجلس 27 الحديث 1 ، وفي المجلس 22 الحديث 12.

وروى نحوه الشيخ الصدوق في باب 131 « العلّة التي من أجلها أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عليّ (عليه السلام) دون غيره » من علل الشرائع : ص 166 ح 1 وفي ص 168 ح 3 بسندين عن زيد بن علي.

انظر ترتيب الأمالي : ج 2 ص 560 ح 1051 و 1052.

ولاحظ المناقب لابن شهر آشوب : 1 : 293 عنوان : « فصل في وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) ».

54

فقال علي (عليه السلام) : « فلمّا نعى إليّ نفسه وجف فؤادي وألقى عَليّ بقوله البكاء فلم أقدر أن أجيبه بشيء ، ثمّ عاد لقوله فقال : يا عليّ ، أو تقبل وصيّتي » ؟

قال : « وقلت ـ وقد خنقتني العبرة ولم أكد أن أبِن ـ : نعم يا رسول الله.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا بلال ، آتني بسوادي ، آتني بذي الفقار ودرعي ذا الفضول ، آتني بمغفري ذات الجبين ورايتي العقاب ، وآتني بالفترة والممشوق. فأتى بذلك إلاّ درعةً كانت يومئذ مرتهنة.

ثمّ قال : آتني بالمرتجز والعضباء ، وآتني باليعفور والذلول. فأتى بها وأوقفها بالباب.

ثمّ قال : آتني بالأتحميّة والسحاب. فأتاه بهما ، فلم يزل يدعو بشيء شيء ، فافتقد عصابة كان يشدّ بها بطنه ، فطلبها فأتي بها إليه والبيت غاص يومئذ بمَن فيه.

ثم قال : يا عليّ ، قُم فاقبض هذا في حياة منّي وشهادة من البيت كيلا ينازعك أحد من بعدي. فقمت وما كدت أمشي على قدم حتّى استودعت ذلك جميعاً منزلي.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا علي ، أجلسني. فأجلسته وسنّدته إلى صدري وإنّ رأسه ليثقل ضعفاً وهو يقول : يسمع أقصى أهل بيتي وأدناهم : إن أخي ووصيّي ووزيري وخليفتي في أهلي علي بن أبي طالب ، يقضي دَيني وينجز موعدي.

يا بني هاشم ويا بني عبد المطلب ، لا تبغضوه ولا تخالفوا عن أمره فتضلوا ، ولا ترغبوا عنه فتكفروا ، اضجعني يا علي. فأضجعته.

فقال : يا بلال ، آتني بولدي الحسن والحسين. فانطلق فجاء بهما ، فأسندهما الى صدره فجعل يشمّهما حتّى ظننت أنّهما غمّاه وتأهّبت لآخذهما عنه ، فقال : دعهما يا علي أشمّهما ويشمّاني ، ويتزوّدان منّي وأتزوّد منهما ، فسيلقيان من بعدي زلزالاً وأموراً عضالاً ، فلعن الله من يجفيهما ، اللهمّ إني أستودعكهما وصالح المؤمنين ».