نظرات معاصرة في القرآن الكريم

- د. محمد حسين الصغير المزيد...
139 /
5

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

يتبوأ القرآن العظيم مقعد صدقٍ في الضمائر المؤمنة الحية ، تستلهم هدايته ، وتستطلع إفاضته ، وتستوحي إشارته.

والقرآن نص إلهي تفرد بجمال الأسلوب ، ودقة العبارة ، وعمق العطاء ، وهو كتاب الله الذي نصبه مناراً للإعجاز في شتى عوالمه التشريعية والبلاغية والأسلوبية والتأريخية وسواها ، فليس هناك غرابة أن يجتمع فيه تأصيل الغرض الديني بإعتباره كتاب العربية الأكبر.

إنطوت أربعة عشر قرناً أو تزيد على ميلاد هذا الكتاب المجيد ، وما زال جديداً في عطائه ، وجديداً في أفكاره ، وجديداً في ملامحه البيانية الفذّة ، تحدى الله به الأمم والشعوب والقبائل فوجموا أمام بلاغته العربية ، ونازل به عالم العلماء والعباقرة فآنحنت الرؤوس ، وشخصت الأبصار ، وعنت العقول ، وطاول به النصوص الأدبية والتشريعية فآنهزمت بين يديه ، كل هذا وفوق هذا مما إمتاز به القرآن الكريم ، فلا غرابة إن حديث المشاعر الإنسانية على مدارسته ، ونصب الفكر البشري في إستكناهه ، فما زال الزمان والتقدم الحضاري معاً يوليان هذا المنبع الثّر أهمية خاصة ، فهو الرافد الذي واكب حياة الأجيال ، وهو الشعاع الذي رافق مسيرة الحضارة.

وقد قدرّ لي أن أرافق طبقة مختارة في الجامعات والمجامع العلمية ، والجماهير المثقفة ، وأرى الجميع يتطلعون إلى شذرات من معارف القرآن ، بل ويسألون بألحاف وإلحاح عن طائفة كبيرة من خصائصه وتعليماته ، ويتشوفون شوقاً إلى الإجابة المعاصرة بعيداً عن الأفق التقليدي المتزمت ،

6

وكنت مغتبط النفس لهذا التوجه ، مطمئن الضمير لصحة المنطلق ، أجيل فكراً نابضاً في إستقراء المجهول ، وأقدم عرضاً متواضعاً في ضوء ما أحسن ، ومن خلال هذه المناظرات والطرح المعاصر لفكر القرآن ، تولدت جملة من الأفكار الصالحة التي يفيد منها الراهب في صومعته ، والمفكّر في مكتبته ، والمثقف في جامعته ، والجمهور في حدود معرفته ، وإستحضرت لذلك المؤتمرات العلمية والندوات المتخصصة ، فكانت ميداناً متسعاً لهذه الأفكار تقابلها بالرضا حيناً ، وبالمناقشة الحرّة حيناً آخر ، وقد تسجل بأجهزة الاعلام ، وقد تصوّر كاملة بأشرطة الفيديو ، فكانت هذا الكتاب.

هذا الكتاب عبارة عن محاضرات علمية في نظرات معاصرة للقرآن الكريم ، ألقيت في المؤتمرات والندوات المتخصصة ، وهي خاضعة للردّ والقبول والنقاش ، ولكنها بأية حال صورة عما أفهم ، وأطروحة لما أؤمن به ، ليس فيها تنطعّ المتزمتين ، ولا إغلاق المتفلسفين ، جاءت كما هي عليه تعبيراً واضحاً مفهوماً بمنأى عن الالتواء والتعنت ، وكانت حصة هذا الكتاب منها سبع محاضرات ، ودّونت بعد عنوانها مكان وزمان إلغائها ، وهي كالآتي :

1 ـ ملامح الإعجاز في القرآن العظيم.

2 ـ البعد العالمي في القرآن.

3 ـ مدرسة الكوفة في تفسير القرآن العظيم.

4 ـ أثر القرآن الكريم في الحفاظ على أصالة اللغة العربية.

5 ـ الأسلوب النفسي لمكافحة الجريمة في القرآن الكريم.

6 ـ تحريم الخمر في القرآن الكريم.

7 ـ مسيرة الكائن الإنساني ورسالة السماء في القرآن العظيم.

وقد أسميتها مجتمعة « نظرات معاصرة في القرآن الكريم » أرجو أن يلتمس بها القارئ شيئاً جديداً ، وأن يتطلع لها الشباب بأفق متفتح ، وأن يفيد منها الباحث الموضوعي ، عسى أن تكون لنا ذخراً يوم الدين ، نعدّ فيه

7

من حَمَلَة القرآن ، ونعتبر في بركته من خَدَمَتِهِ ، فيوردنا مورد الكرامة ، ويطلّ بنا على ساحة القدس ، وهذا أكبر رجائنا وأعظم أملنا.

وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم عليه توكلت ، وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

-النجف الأشرف

الدكتور محمد حسين علي الصغير

أستاذ في جامعة الكوفة

8

-

9

ملامح الإعجاز في القرآن العظيم

ألقيت في الحرم الحيدري الشريف عند الرواق في مؤتمر الاعجاز القرآني في النجف الاشرف ليلة 23 رمضان 1410 هـ 18 نيسان 1990 بحضور وفود علماء العرب والاسلام وبحشد حافل من علماء وأدباء النجف الاشرف ، وقد حصل البحث على التقييم الأول ونشر في وقائع المؤتمر. وأردف البحث بمحاضرة مرتجلة استمرت زهاء الساعة عن « إنسانية القرآن » ألقيت في الندوة العلمية لآل محي الدين في النجف الأشرف مساء يوم 15 رمضان 1417 هـ / الموافق 25 / 1 / 1997 م.

10

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم

الاعجاز بمفهوم بديهي : عبارة عن خرق لنواميس الكون ، وتغيير في قوانين الطبيعة ، وقلب للنظام الثابت في الموازين إلى نظام متحول جديد.

فالثابت هو الأصل الجاري على سنن الحياة ، والمتحول هو الحالة المغايرة لأنظمة المعادلات الكونية المتكافئة. هناك إذن مَعْلَمات : معلم طبيعي بسيط ، ومعلم خارق معقد ، والمعلم الطبيعي لا تجد عنه متحولاً ، فهو سنة الله في الإبداع والمعلم الخارق ما تجد فيه قلباً لتك السنن ، ومجابهة لمجريات الأحداث الرتيبة ، بأخرى إعجازية. فزوجية الكائنات هي الأصل في بعث حقائق الأشياء ، والطريق إلى تسيير حياة الكائنات في العوالم المرئية والمسموعة والمدركة والمتخيلة بدليل قوله تعالى :

( سُبْحاَنَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ (36) ) (1).

وفي هذا الضوء يكون الايجاد الطبيعي للإنسان منسجماً مع نظام الزوجية العام في حالة متأصلة إعتيادية ، ويكون الأصل التكويني للبشرية في خلق آدم من التراب دون الطريق الطبيعي في التناسل هو الحالة الفريدة ، وهي الاعجاز ، ويحمل عليها كلما قابل العادة ، ولم يخضع إلى التجربة كما في إيجاد عيسى (عليه السلام) بما مثله القرآن : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) ) (2).

وليس السبق في العلم إعجاز بل هو من مفردات إكتشاف المجهول ،

____________

(1) يس : 36.

(2) آل عمران : 59.

11

وتحقيق الزيادة في أولية الاستقراء والاستنباط. إذ قد يتوصل الكثيرون إلى ذلك فيما بعد بنظام أفضل ، ومواصفات متكاملة ، فيكون الرائد في الاكتشاف أو الاختراع قد سبق الآخرين وحقق ما لم يحققوه دون إعجاز كما هي الحال في التقنيات الحديثة ؛ وإنما الإعجاز هي التفرد بالشيء في محور إلهي على يد الأنبياء بين يدي رسالاتهم على سبيل التحدي ، فالسبق إلى الاكتشاف كيفية مشتركة بين فرد أو جماعات على نحو الإبتكار ، لا على سبيل التحدي ، والمعجزة مختصة بالنبي على سبيله ، فالمبتكر ـ إذن ـ يحقق سبقاً علمياً ، والمتحدي يحقق إعجازاً إلهياً ، وفرق بين الأمرين.

والمعجزة الإلهية في هذا الملحظ على نوعين : وقتية ودائمية ، وجميع معاجز الأنبياء وقتية ـ كما يدل عليه الاستقراء ـ ذهبت بذهابهم ، إلا معجزة محمد وهي القرآن فإنها باقية ما بقي الدهر ؛ على أن النبي قد شارك سائر الأنبياء في معاجزهم الموقوتة ، فكان له انشقاق القمر وتسبيح الحصى ، وسعي الأشجار ، وشهادة الغيب .. الخ.

ومعجزة كل نبي شيء ورسالته شيء آخر ، فمعجزة موسى (عليه السلام) في العصا واليد البيضاء والآيات البينات ، ولكن رسالته هي التوراة. ومعجزة عيسى في إبراء الاكمه والابرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى ، ولكن رسالته هي الانجيل ، إلا نبينا محمد فإن معجزته عين رسالته ، ورسالته هي معجزته ، وهما معاً القرآن (1).

وبراعة الإعجاز تتجلى في ملائمة قضية الإعجاز لكل نبي بما يلائم عصره ، وينسجم مع فنون جيله ، ويعزى إلى حياة قومه فيما هو طبيعي أو خارق دون تحد.

وكان الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أول من نبه إلى هذه الحقيقة العالية فيما رواه ابن السكيت ( ت : 244 هـ ) قال ابن السكيت للإمام الرضا (عليه السلام) : « لماذا بعث الله موسى بن عمران (عليه السلام) بالعصا ويده البيضاء ، وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بالكلام والخطب؟ فقال الإمام الرضا : إن الله لما بعث موسى (عليه السلام) كان الغالب على أهل

____________

(1) ظ : مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 130.

12

عصره السحر ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن في وسعهم مثله ، وما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجة عليهم ، وأن الله بعث عيسى (عليه السلام) في وقت قد ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب ، فأتاهم من عند الله بما لم يكن عندهم مثله ، وبما أحيا به الموتى ، وأبرأ الاكمه والأبرص بإذن الله ، وأثبت به الحجة عليهم.

وأن الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) في وقت كان الغالب على أهل عصره الخطب والكلام ـ وأظنه قال : الشعر ـ فأتاهم من عند الله من مواعظه وحكمه ما أبطل به قولهم ، وأثبت به الحجة عليهم ؛ قال : فقال ابن السكيت : تالله ما رأيت مثلك قط ، فما الحجة على الخلق اليوم؟ فقال (عليه السلام) : العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه ؛ فقال ابن السكيت : هذا والله هو الجواب (1).

ولم يكن الأنبياء ليستعملوا الطريق الطبيعي في المعجز ، وإنما كانوا يتحدون هذا الطريق ، فموسى تحدى سحر السحرة ( وَأُلقِىَ السَّحَرَةُ ساَجِدِينَ (120) قَالُوا ءَامَنَّا بِرَبِّ العَلَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) ) (2) فكان إعترافهم بصحة دعوى موسى دليلاً على إعجازه ، لأن ما جاء به ليس من سنخ ما يعرفون.

وعيسى لم يستعمل مضادات الأمراض ، وإعطاء الدواء ، فيحقق سبقاً طبياً ، وإنما كان يبرئ الاكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله دون وسائل الأطباء والرسول الأعظم لم يصك العرب ببلاغة القرآن ، إلا لأنهم أئمة البلاغة وأرباب البيان ، ولكنه من الله : ( وَلَو تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِآلْيَمِيِنِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ (46) ) (3).

فكله من عند الله ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وُحْىٌ يُوحَى (4) ) (4) قال الجاحظ ( ت : 255 هـ ) « ولأن رجلاً من العرب لو قرأ على رجل من

____________

(1) الكليني ، الأصول من الكافي : 1 / 24.

(2) الأعراف : 120 ـ 122.

(3) الحاقة : 44 ـ 46.

(4) النجم : 3 ـ 4.

13

خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة طويلة أو قصيرة ـ لتبين له في نظامها ومخرجها ، وفي لفظها وطبعها أنه عاجز عن مثلها ، ولو تجدي بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها » (1). فعبارة القرآن إذن من سنخ ما يعرفون ويدركون ، ولكنها ليس من جنس ما يحسنون لا كمّاً ولا كيفاً ، فطلب إليهم الأتيان بمثله فما أستطاعوا ، وتنزل على عشر سورة فما أطاقوا ، فتحداهم بسورة واحدة فقال : ( وَإِن كُنتُم في رَيبٍ مّمَّا نَزَّلنَا عَلَى عَبدِنَا فَأتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثلِهِ وَآدعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ آللهِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ (23) ) (2) وقد دل الاستقراء أن أقصر سور القرآن هي الكوثر بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنَّآ أَعْطَيْناَكَ الكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (3) ) (3).

فما بال الأمم لا تأتي بسطر واحد من هذا الجنس؟ وإذا كان القرآن قد أعجز العرب ، فغير العرب أشد عجزاً لأمرين :

الأول : أن العرب هم أهل اللسان ، وقد عجزوا عن مجاراة القرآن ، فغير أهل اللسان عاجزون من باب أولى.

الثاني : أن اللغة العربية الشريفة ليست لغزاً من الألغاز ، وهي قابلة للتعلم ، وقد نبغ فيها كثير من مسلمي غير العرب ، وأتقنها حملة من المستعربين والمستشرقين حتى ترجموا القرآن إلى لغاتهم وقدموا أفضل الدراسات القرآنية ، وإنما التحدي أو يتحدى الإعجاز القرآني من كل أمة علماءها ، وعلماء الأمم يتمكنون من العربية ، فتوجه إليهم التحدي وعجزوا عن ذلك في كل زمان ومكان.

( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلَى أَن يَأتُوا بِمِثلِ هَذَا القُرءَانِ لاَ يَأتُونَ بِمِثلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعضُهُمْ لِبَعضٍ ظَهِيراً (88) ) (4).

وقد يقال بأن الله قد صرف قلوب الناس ، وحبس ألسنتهم عن أن

____________

(1) الجاحظ ، رسائل الجاحظ ، تحقيق السندوبي : 120.

(2) البقرة : 23.

(3) الكوثر : 1 ـ 3.

(4) الإسراء : 88.

14

يأتوا بمثل هذا القرآن ، فيسمى ذلك إعجازاً بالصرفة ، وهو رأي المعتزلة (1).

ولكن الرأي الأمثل ، أن الله قد يسر جميع القدرات البيانية ، ووهب مستلزمات البلاغة للناس وتحداهم فلم يتمكنوا من الأتيان بمثل لهذا القرآن ، وذلك أبلغ في الإعجاز.

فما هي وجوه هذا الإعجاز في القرآن وما هي مظاهره؟ أحاول فيما يلي أن أضع ملخصا بأبرز وجوه الاعجاز ومظاهره على نحو الإجمال.

1 ـ الإعجاز الغيبي ، ويتمثل بما تحدث عنه القرآن الكريم بضرس قاطع في الأنباء عن الغيب الماضي والمستقبلي :

أ ـ عرض القرآن سيرة الأمم السالفة وجزئيات أحداثها ، وكبريات أنبائها بلهجة الجزم واليقين ، فأخبر عن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وذي القرنين وأهل الكهف ، وقوم عاد وثمود ولوط وشعيب ، وجمهرة عظيمة ممن أصابهم عذاب الاستئصال بمجريات أحوالهم بما يعتبر كشفاً لأدق التفصيلات التأريخية بما لا علم لأحد به على وجه الكمال ، وهي حالة لا عهد بها للمجتمع العربي في مكة ، مما كعلهم يتهافتون على هذه الأخبار ، ويتمثلون وقائعها بالمقياس التأريخي للإفادة من عبرها وأحداثها ومواردها.

ب ـ وتحدث القرآن عن الأحداث المستقبلية بلغة التأكيد بعدة مناسبات أبرزها ، وقعة بدر ( سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) ) (2) وغلبة الروم وانتصارها فيما بعد ( الم (1) غُلِبَتِ الرُّومَ (2) فِي أَدنَى الأَرضِ وَهُم مِّن بَعدِ غَلَبِهِم سَيَغلِبُونَ (3) ) (3)

وعن فتح مكة ( لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ ءَامِنِينَ ) (4) وهزمت قريش بعليائها وجبروتها في معركة بدر الكبرى ، وانتصر الروم على

____________

(1) ظ : عبد الكريم الخطيب ، الاعجاز في دراسات السابقين : 176 ـ 178.

(2) القمر : 45.

(3) الروم : 1 ـ 3.

(4) الفتح : 27.

15

الفرس بعد سنين من غلبة الفرس (1) ، ودخل النبي مكة فاتحاً ، وقد كان فتح مكة غير وارد في الحساب التخطيطي ، إذ كيف يمكن لهذا المهاجر مع طائفة قليلة من أهل بيته وأصحابه وهو ضعيف مستضعف ، أن يقتحم جبروت قريش ويغزوها في عقر دارها ، وكان ذلك دليلاً واضحاً ومنتشراً في البلاد على الاعجاز الغيبي ..

2 ـ الإعجاز التشريعي : ويتمثل بما فصله القرآن بآيات الأحكام وفقه القرآن بما لا عهد لمناخ الجزيرة بتفصيلاته الدقيقة ، فقد نظم حياة الفرد والأمة بأحكام لا مزيد على إبرامها برباط الحرية دون فوضى وبريقة الامتثال دون إستعباد ، فالأحوال الشخصية قد نظمت بأحكامها الجديدة في الزواج والطلاق والعدة والنفقة والمواريث والوصايا والحدود والديات والجروح والقصاص والديون والعقود بما لم تسبق إليه أعرق الأمم تشريعاً ، وأعمقها تفقهاً ، بل كانت مفردات حياة جديدة متأطرة باطار التطوير الإنساني ثم تكفل القرآن ببيان فروض وواجبات وطقوس منظمة ضمن الحياة اليومية كالصلاة بفرائضها ونوافلها ، وفي جملة من الشهور كالصوم والحج والعمرة ، وفي خلال السنة كالزكاة والخمس في المحاصيل والغنائم.

إن هذه الأبعاد المترامية الأطراف في التشريع لا يمكن أن يصدر تعاليمها إلا خالق هذا الكون ومنظم شؤونه ، إذ لم تعرف الحضارة البشرية هذا التفصيل الدقيق في نوعية الاحكام وجزئيتها.

3 ـ الإعجاز العلمي : ونريد به ما أورده القرآن من نظريات وقوانين توصل إليها العلم الحديث فيما بعد في مسار الأرض وإنشطار النجوم ، وتعدد الأفلاك ، وابعاد السماوات ، وزوجية الكائنات ، دون إستعمال القرآن لقوانين الحس والتجربة والمعادلة وإنما جاء ذلك ابتداء ، وما ورد فيه كان دون سابق معرفة بشرية بالحيثيات المتناثرة فيه حتى ثبت أن القرآن لا يعارض ما يتوصل إليه العلم بل هو الأساس في ذلك فيما أفاده جملة من المتخصصين ، ولا يراد بهذا الاعجاز الاتساع الفضفاض

____________

(1) ظ : للتفصيل : الخوئي ، البيان في تفسير القرآن : 68 وما بعدها.

16

الذي يخرج بالقرآن عن مهمته الأولى والأساسية ؛ فهو كتاب هداية وتشريع لا كتاب صناعة وتقنيات ، مع دعوته للتفكر والتدبر في بدائع السماوات والأرض (1).

4 ـ الإعجاز الصوتي : ويتمثل في جزء منه في الحروف المقطعة بفواتح بعض السور القرآنية ، فهي حالة فريدة من الاستعمال وقف عندها العرب موقف المتحير ، ولا سابق عهد لهم بأصدائها الصوتية ، مما قطعوا به أن هذه الأصوات المركبة من جنس حروفهم هي نفسها التي تركب منها القرآن ولكن لا يستطيعون أن يأتوا بمثله. وهو ما أفردنا بعمل مستقل (2).

5 ـ الإعجاز العددي ، وقد وفق الأستاذ عبد الرزاق نوفل إلى اشتعراء الإعجاز العددي في القرآن ، في مقارنات سليمة ، وموازنات حسابية دقيقة ، فقد قام بعمليات إحصائية لورود الألفاظ المتناظرة ، والمتقابلة ، والمتضادة ، والمتناقضة ، وقابلها بعضها ببعض بالعدد نفسه ، أو نصيفه ، أو شطره ، أو ما يقاربه ، مما شكل ثروة عددية تنبئ بالضرورة أن القرآن لم يستعملها صدفة ، بل بميزان ، وذلك الميزان لا يمكن أن يكون من صنع البشر ، فهو إذن من أدلة إعجازه (3).

6 ـ الإعجاز الاجتماعي : إن المتمرس بتأريخ الجزيرة العربية ، في بدء الرسالة الاسلامية ليبهر ـ حقاً ـ بهذا التوحيد المفاجئ ، والتغيير الاجتماعي العاجل ، والتسخير لطاقات العرب في ظل القرآن حتى جعل منهم أمة تحمل هذه الرسالة للأجيال ، فتتناسى حروبها وشحنائها ، وتضرب صفحاً عن عرقيتها وعشائريتها ، لتنتظم في ظل الاسلام وتهتدي بشعلة القرآن ، فيفتح الله على يديها شرق الأرض وغربها ، وتتسلم مقاليد الاسلام بعد الوثنية ، وأولية التوحيد بعد الإشراك وإذا بكيانها ينصهر بتعاليم القرآن فجأة ، وهو ما يحقق

____________

(1) للتفصيل في الاعجاز العلمي ظ : طفطفاوي جوهري / تفسير الجواهر.

(2) لتفاصيل هذه النظرية ظ : بحثنا : الصوت اللغوي في فواتح السور القرآنية.

(3) ظ : عبد الرزاق نوفل ، الاعجاز العددي في القرآن الكريم.

17

الاعجاز الاجتماعي في جملة التغيير الجذري للأعراف والتقاليد والمخلفات.

7 ـ الإعجاز البياني : ويتمثل بالتركيبة الخاصة المتميزة لألفاظ القرآن ومعانيه ، وفي مجموعة العلاقات المجازية والاستعارية والتشبيهية والكنائية والرمزية والايحائية بين المعاني والألفاظ ، وذلك السر الأكبر في إعجاز القرآن ، فالعرب أمة بيان ، ورجال بلاغة ، تطربهم الكلمة ، وتهزهم الخطبة ، ويستهويهم الشعر ، وقد وقفوا عند بلاغة القرآن باهتين بما عبر عنه الوليد ( والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وما يقول هذا بشر ) (1).

والحديث عن الاعجاز البياني مستفيض ينهض بعمل مثقل مستقل ، ويكفي في عظمته أن الإمام علياً (عليه السلام) من أوائل رواده في الافادة والاستفادة ، وأن ما ورد في نهج البلاغة كان إمتداداً طبيعياً للاعجاز البياني في القرآن لتأثر الامام في القرآن وهذا المنهج مدين إلى علماء الاعجاز كعلي بن عيسى الرماني ( ت : 386 ) (2) وحمد بن سليمان الخطابي ( ت : 388 ) (3) والشريف الرضي ( ت : 406 ) (4) وعبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 هـ ) (5) حتى تسلمه جار الله الزمخشري ( ت : 538 هـ ) فجعل تفسيره الكشاف مضماراً للاعجاز البياني ، وفتح فيه عمق دراسة جديدة في البلاغة القرآنية التطبيقية التي إعتمدت التسلسل المصحفي ، إذ فسر القرآن كاملاً ناظراً فيه الوجوه البيانية ، ومستلهماً المناخ الفني حتى عاد تفسيره كنزاً بيانياً لا تنتهي فرائده ، وقد تجلى فيه ما أضافه من دلالات جمالية في نظم

____________

(1) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن : 19 / 72.

(2) ظ : النكث في إعجاز القرآن.

(3) ظ : بيان القرآن.

(4) ظ : تلخيص البيان في مجازات القرآن.

(5) ظ : أسرار البلاغة ودلائل الاعجاز.

18

المعاني ، وما بحثه من المعاني الثانوية في تقديم العبارة ، وعائدية الضمائر ومعنى المعنى ، وتعلق البيان بعضه ببعض (1).

إن الحضارة الانسانية اليوم بحاجة إلى هذا المنهج في استجلاء جمال القرآن ، وإستقراء خفايا مكنوناته ، أما التعدي على مقام القرآن ووحدته الفنية بالإيغال في النزاعات التقليدية ، والاصحار بمتاهات الخصومات ، فأمر ترفضه عقلية المثقف العصري ، وتلفظه روحية البحث الموضوعي ، وحسبك في كتب الكلام ومصنفات الاحتجاج وصنوف المقالات غنية عن ذلك.

وللتاريخ فإن صاحب هذا المنهج في القرن العشرين هو أستاذنا العلامة الشيخ أمين الخولي ( ت : 1966 م ) حينما أنيط به تدريس التفسير والأدب معاً في الجامعة المصرية ، فأتى على درس التفسير وجعله كاشفاً عن إعجاز القرآن البياني ، وأوضح منهجه بذلك في مناهج تجديد ، وترجمه بمحاضراته في أمثال القرآن (2). فالقرآن كما يقول : « كتاب العربية الأكبر ، وأثرها الأدبي الأعظم ، فهو الكتاب الذي أخلد العربية ، وحمى كيانها ، وخلد معها ، فصار فخرها ، وزينة تراثها ... إن التفسير اليوم هو : الدراسة الأدبية الصحيحة المنهج ، الكاملة المناحي ، المتسقة التوزيع ، والمقصد الأول للتفسير أدبي محض صرف » (3).

وإتجه لهذا المنهج كوكبة من أساتذة الجامعات في الوطن العربي غيرة منهم على القرآن وترسيخ مبادئ إعجازه ، ومن أبرزهم في هذا المضمار الدكتورة بنت الشاطيء فأصدرت الاعجاز البياني للقرآن الكريم والتفسير البياني للقرآن الكريم.

وهناك ملحظ مهم يتعلق بهذا المنهج ، وهو الحفاظ على سلامة اللغة العربية من التدهور والضياع فهي لغة كتاب مقدس ، والحفاظ عليها يرتبط

____________

(1) ظ : المؤلف ـ المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم : 104.

(2) ظ : أمين الخولي ـ مناهج تجديد في التفسير والأدب والنحو + محاضرات في أمثال القرآن ـ مخطوطة في حوزة الدكتور مصطفى ناصف.

(3) أمين الخولي ـ دائرة المعارف الأسلامية ، مادة تفسير : 366 ـ 367.

19

بالحفاظ على هذا الكتاب تأريخياً ، وهذا التأريخ المشترك يمثل مظهراً اجتماعياً مركزياً متلازماً ، فالتقصير في جانب يطبع أثره على الجانب الآخر ، وقد مرت اللغة العربية بظروف وبيئات مختلفة ، خضعت معها إلى عوامل اللهجات المتباينة ، وأمتزجت بها ثقافة اللغة الأخرى ، وتطور من مفرداتها ما تطور ، وبقي ما بقي ، وهذه عوامل كان من الممكن أن تخضع اللغة معها إلى كثير من التبدل والتغيير ، وأن تتعرض مفرداتها للنسخ أو التجوز ، ومع هذا فقد بقيت هذه اللغة سليمة لم تتأثر بعوامل الأنحطاط والضعف ، ولم تتلكأ مسيرتها التأريخية بوهن أو خور ، وسبب هذا البقاء والسيرورة يرجع إلى بيان القرآن ، والدفاع عن القرآن ، وصيانة لغة القرآن ، ففي الوقت الذي تتجاوز فيه هذه اللغة موطنها الأصلي ، ويمتد سلطانها إلى أرجاء فسيحة من العالم فإنها تبقى متميزة بمناخ الصحراء لهجة ، وبطابع البداوة مصدراً ، لأنها اللغة الرسمية للقرآن ، وهو لا يتهاون في قدسية لغته ، ولا يجد عنها منصرفاً ، فارتبط وجودها بوجوده ، وإستمرار رقيّها بإستمراره ، ولم يداهمها الفناء أو الاضمحلال أو التقلب ، في حين تنطوي به الأمم ولغاتها ، وتتلاشى الشعوب وتراثها ، بينما تطوي العربية أمدها الطويل سليمة متناسقة تتسنم مدارج الخلود ، وتناطح هجمات الدهر ، ولما كان القرآن الكريم معجزة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الخالدة ، وهو مرقوم بهذه اللغة الشريفة ، فالخلود ملازم لهما رغم عادية الزمن ، وهذا أمر يدعو إلى الاطمئنان على سلامة اللغة ، وأصالة منبتها ، وهنا يتجلى أثر تيسير القرآن وفهمه بيانياً بالكشف عن الأسرار ، فهو يشد إليه الباحث شداً ، دون عسر أو عناء ، وبكل يسر وسماح.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

20

-

21

البعـد العالمي في القرآن

« ألقي البحث في الندوة المتخصصة تحت شعار « عالمية القرآن » التي أقامها قسم علوم القرآن في كلية التربية / جامعة الكوفة / النجف الأشرف بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الجامعة وذلك مساء يوم الاثنين 6 رمضان المبارك 1418 هـ = 5 / 1 / 1998.

22

-

23

ما برح القرآن العظيم يتبوأ القمة الشامخة في حياة الانسانية ، وما زالت تعليماته الهادفة تنطلق مع الانسان في مسيرته الواعية ، فهو نبع ثرٌّ من المعارف لا يغور ، وهو ألقٌ حيٌّ من الفضائل لا يخبو ، وهو يجمع إلى عمق النهج الديني أروع مظاهر النهج الفني ، فيلتقي هذان الملحظان بقدر يعجز معه فقه البشر على أن يأتي بشيء من مثله ، وكلما تقدمت الحضارة شوطاً في المعرفة والوعي أدركت في القرآن ما لا يدرك في سواه ، ذلك أنه كلام الله المنزل على نبيه المرسل.

والمتخصصون في علوم القرآن وعوالم التأويل وحقائق التفسير أولئك وحدهم الذي يصح لهم فنياً خوض غمار هذا البحر المتلاطم الأمواج ، فيغوصون إلى أعماقه الرهيبة ملتقطين غرر جواهره ، ومكتشفين كنوزه الثمينة ومع مسيرة الاجيال المتحررة يتبلور الجديد النابض من عطاء القرآن ، ويتمحور المجهول في كشوفه الابداعية ، فتتـقاطر الأسرار الإلهية زاخرة بالمثل العليا.

القرآن كتاب هداية وتشريع لا شك في هذا ، ولكنه كتاب استقراء لمجاهيل الكون ، وأثباج الطبيعة ، ومفاوز الفضاء ، ومسالك ما تحت الأرض ، وهو أيضاً المصدر الحقيقي الدقيق لتأريخ الديانات السماوية ، وحياة الرسل والأنبياء والشهداء والصديقين ، وهو كذلك النموذج الأرقى في استيعاب مشكلات الأزمنة المتناقضة بين السلب والايجاب ، يجد حلولها ، ويوفر علاجها.

هذا المنظور الرائع للقرآن يوحي بعالمية القرآن ، وهذا الفهم الرصين لمناخ القرآن يقضي بإنسانية رسالته بعيداً عن النظرة الاقليمية الضيقة ، وهذا

24

الواقع المعاصر في تقييم القرآن هو الذي يؤكد حقيقة الصيغ العالمية في مفاهيم القرآن.

في ضوء هذا المنطلق الرحيب نقول مطمئنين :

إن القرآن وإن كان عربي النص إلا أنه عالمي الدلالية ، وهو وإن إنساني الرسالة إلا أنه عربي العبارة. وهو مع هذين الملحظين التكوينيين يبقى شامخاً بلمح من عربيته المحضة الفصحى ، لأن عربيته الخالصة يمكن فيها الكثير من معالم إعجازه بل الاعجاز البلاغي فيه هو الوجه الناصع لملامح الاعجاز المتعددة الظواهر ، وبإنضمامه إلى إعجازه التشريعي والغيبي والاجتماعي والعلمي والاحصائي والصوتي والكوني والاقناعي يترشح نظام الاعجاز الكلي في القرآن.

ولما كان الاعجاز بهذا المستوى التكاملي في شتى المجالات كان القرآن بالمستوى العالمي في بعده الموضوعي.

والبعد العالمي في القرآن محور مستفيض من محاور البحث العلمي المتجدد ، والخوض في مشتقاته الفعلية يستدعي التفرغ إلى عمل أكاديمي متطور ينهض بمؤلف ضخم يلم شتاته ، ويجمع متفرقاته ، ويستقرئ جزئياته.

والخطوط الأولية للموضوع قد تعطي ثمارها التوفيقية ضمن إطار أولي محدد يعنى بالتركيز على ظواهر عالمية القرآن ضمن الاشارة الموحية ، والادراك الفاحص في جملة من المحاور الآتية :

أولاً : إن عالمية الاسلام تعني بالضرورة عالمية القرآن ، وذلك أن القرآن هو رسالة الاسلام ، وهذه العالمية المبرمجة قد خطط لها القرآن نفسه بما لا يقبل الشك في كل آياته التي تشير إلى عالمية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في رسالته للبشرية جمعاء. قال تعالى :

( قُل يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ آللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) الأعراف / 158 ، والآية في مقام الأمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إشعار الناس كافة بالقول لهم أنه رسول الله إليهم ، ومعنى هذا عالمية رسالته ، وإستقطابها شعوب الأرض ومختلف الأمم ، فمحمد بهذا رسول الله إلى الأبيض والأسود والأحمر والأصفر ،

25

وهوؤلاء هم الناس ورسالته شاملة لأفرادهم ، مستغرقة لأجناسهم دون اختصاص بقوم عن قوم ، ولا أمة دون أمة ، يعضده قوله تعالى : ( وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) سبأ / 28. فإذا جمعنا له قوله تعالى : ( وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلاَّ رَحمَةً لِّلعالَمِينَ (107) ) الأنبياء / 107 ، خلص لنا أنه رسول البشرية ، وما إرساله إلا رحمة للعالمين ، وهذا الارسال يحمل في طياته ملامح البشارة الرضية المرضية ، وصرخة النذارة الهادرة المدوية ، ذلك ما يعلنه قوله تعالى : ( إِنَّآ أَرسَلنَاكَ بِالحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ) البقرة / 119. ويؤكده قوله تعالى : ( يَأَيُّهاَ آلنَّبِيُّ إِنَّا أَرسَلنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِراً وَنَذِيراً (45) ) الأحزاب / 45. وهنا تضاف الشهادة إلى البشارة والنذارة لتتم حلقة الوصل العالمية في التدرج البياني ليصل إلى ذروته في التبليغ بقوله تعالى : ( وَأَرسَلنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهيداً ) النساء / 79. وقد وضع الله تعالى على الناس ذاته القدسية شهيداً على هذا الارسال العالمي.

ثـانياً : والمنطلق البارز في تشخيص عالمية القرآن نصاً ومضموناً تأكيد القرآن على خطاب الناس ـ كل الناس ـ في تعليماته الإلهية ؛ وهذا المنطلق يتحدث فيه القرآن إلى الناس في مختلف شؤونهم ، ويدعوهم بعامة إلى الأخذ بالأصلح من الأنظمة ازاء تدوير الواقع البشري المتقلب ليقف به على مرفأ الأمان ، ويستقر مستوياً بشاطيء الخلاص ، وأول ما يدعوهم إليه سنن التوحيد المطلق في ظلال ملكوته قال تعالى : ( يَأَيُهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ) البقرة / 21 ، يدعم ذلك الملحظ بالكتاب الذي أخرج كل الناس إلى النور .. ( الر كِتاَبٌ أَنزَلنَهُ إِلَيكَ لِتُخرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) إبراهيم / 1. ويوجه هؤلاء الناس نحو الله بإعتبارهم مضطرين له ، فقراء إليه ، وهو في غنى وعز ومنعة عنهم ، يُحمد بغناه ، ويعبد لآياته : ( يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلىَ اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِىُّ الحَمِيدُ (15) ) فاطر / 15. وإذا كان الناس بهذه الفاقة ، محتاجين ولا يحتاج إليهم ، فحري بهم أن يتجهوا نحو الله في الشؤون والشجون والآمال ، ولا يتكلوا على الأحلام والأماني ، فوعد الله حق ، ووعد غيره الغرور. قال تعالى : ( يَأَيُّهاَ النَّاسُ إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا ) فاطر / 5 ، ولا يقف القرآن عند هذا الحد في تذكير الناس وتحذيرهم ، وتقويمهم ومتابعتهم ، بل يتسع في

26

الحديث إليهم ، بما خولهم به الحياة الدنيا ، وما أسبغه عليهم من نعم ظاهرة وباطنة ، وما سخره لهم من أكوان وأديان وظواهر تصب في محيط واحد هو سعادة الناس في دنياهم ، وسلامتهم من الأهوال في آخراهم ، كل أولئك يتمثل في مراصد قرآنية أبرزها :

1 ـ الايحاء بإدراك نعم الله التي لا تحصى ، والتذكير بآلائه التي لا تستقصى ، بما في ذلك النعم المادية والمعنوية.

قال تعالى : ( يَأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيكُمْ ) فاطر / 3.

وقال تعالى : ( وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ عَلَيكُم وَمَا أَنَزَلَ عَلَيكُم مِّنَ الكِتاَبِ ) البقرة / 231.

وقال تعالى : ( وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ عَلَيكُمْ إِذ كُنتُمْ أَعدَاءً فَـأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ) آل عمران / 103.

وقال تعالى : ( وَاذكُرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ ) المائدة / 7.

وقال تعالى : ( وَاشكُرُوا نِعمَتَ اللهِ إِن كَنتَمْ إِيَّاه تَعْبُدُونَ ) النحل / 114.

وقال تعالى : ( وَإِن تَعُدُّوا نِعمَتَ اللهِ لاَ تُحصُوهَا إِنَّ آللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18) ) النحل / 18.

وقال تعالى : ( وَأَسبَغَ عَلَيكُم نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) لقمان / 20 ،

حتى قوله تعالى : ( اليَومَ أَكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم وَأَتْمَمتُ عَلَيكُم نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً ) المائدة / 3.

هذا الحشد الهائل من التأكيد على النعمة يوحي بعظمة قدرها ، وسبوغ رحمتها ، وشيوع مفرداتها ، وشمول ظلالها للناس كافة.

2 ـ الأمر على نحو الاباحة بالتمتع بما خلق الله من الأرزاق الكائنة فيما تنبت الأرض ، وما يخرج منها ، وما يربو فيها ، وما باركه من ثمرها وشجرها ومرافقها وأنهارها ومناخها مما جعله مسخراً للانسان لتيسير مرافق الحياة ، وهو الذي يسره وسخره وفجره وجعله سائغاً هنيئاً مريئاً.

قال تعالى : ( يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي آلأَرضِ حَلَلاً طَيِباً ) البقرة / 168.

وقال تعالى : ( كُلُوا وَاشرَبُوا مِن رِّزقِ اللهِ وَلاَ تَعثَوا فِي الأَرضِ مُفسِدِينَ )

27

البقرة / 60. وقال تعالى : ( أَنفِقُوا مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخرَجنَا لَكُم مِّن الأَرضِ ) البقرة / 267. وقال تعالى : ( وَلَقَد مَكَّنّاَكُم فِى الأَرضِ وَجَعَلنَا لَكُم فِيهَا مَعَيِشَ ) الأعراف / 10. وقال تعالى : ( وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزقٍ فَأَحيَا بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِهَا ) الجاثية / 5. وقال تعالى : ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزقُهَا ) هود / 6. وقال تعالى ( هُو أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرضِ وَاستَعمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ) هود / 61. وقال تعالى : ( وَفِي الأَرضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعنَابٍ وَزَرْعٌ ) الرعد / 4. وقال تعالى : ( وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الأَرضِ مُخْتَلِفاً أَلوَنُهُ ) النحل / 13. أن هذا التأكيد على الأرض وما أخرج منها إنما يكون للبشر كافة فهو الذي أنشأهم منها ، وهو الذي رزقهم فيها ، وهو الذي سخرها لهم.

3 ـ بعد ما سيره القرآن من النعم وإستثمار الأرض ، وما أظهره له من التوسع وبحبوحة النعيم حذرهم الله ظلمهم في الحياة الدنيا ، وأنذرهم العذاب في الحياة الأخرى ، ووجه العناية بهذا الملحظ ليكف الناس عن الباطل ، وليتوجه الجمع نحو الحق.

قال تعالى : ( وَلَو يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيهَا مِن دَابَّةٍ ) النحل / 61. وقال تعالى : ( وَيَومَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَالَيتَنِي اتَّخَذتَ مَعَ آلرَّسُولِ سَبِيلاً (27) ) الفرقان / 27. وقال تعالى : ( وَكَم قَصَمْنَا مِن قَريَةٍ كَانَت ظَالِمَةً ) الأنبياء / 11. وقال تعالى : ( وَكَذَلكِ أَخذَ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ) هود / 102 وقال تعالى : ( وَلَو تَرَى إِذِ آلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوتِ ) الأنعام / 93. وقال تعالى : ( وَلاَ تَحسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعمَلُ الظَّلِمُونَ ) إبراهيم / 42. وقال تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُهلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهلُهَا ظَالِمُونَ ) القصص / 59. وقال تعالى : ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) البقرة / 270. وقال تعالى : ( وَاللهُ لاَ يَهْدِى القَومَ الظَّالِمِينَ ) آل عمران / 86. وقال تعالى : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَينَهُم أَن لَّعنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) الأعراف / 44. وقال تعالى : ( فَانظُر كَيفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) يونس / 39. وهذا التقريع على الظلم ، والوصف له ، والتحدث عن مآله لا يخص مجتمعاً دون آخر ، ولا يختص بأمة دون أمة ، فهو موجه للناس كل الناس للابتعاد عن معالمه ومهالكه.

4 ـ ويتحدث القرآن عن الظواهر الكونية ، والآيات السماوية ويجعل من ذلك مناراً لأولى النهى ، وحديثاً للتدبر والتفكر والتبصر والاعتبار

28

لذوي الألباب والعقول :قال تعالى : ( الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيِتِفِكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَطِلاً سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ) آل عمران / 191. وقال تعالى : ( اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَ اسْتَوَى عَلَى العَرشِ وَسَخَّرَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌ يَجرِي لأَجَلٍ مُّسَمّىً ) الرعد / 2. وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ آثْنَيْنِ يُغْشِي الَّليْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) ) الرعد / 3. وقال تعالى : (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرقَ خَوفاً وَطَمَعاً وَيُنشِيءُ بلسَّحَابَ الثِّـقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ آلرَّعدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرسِلُ آلصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُم يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيِدُ المِحَالِ (13) ) الرعد / 12 ـ 13. وقال تعالى : ( قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا تُغنِي الأَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَومٍ لاَّ يُؤمِنُونَ (101) ) يونس / 101. وقال تعالى : ( وَءَايَةٌ لَّهُمُ آلَّليلُ نَسلَخُ مِنهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظلِمُونَ (37) وَالشَّمسُ تَجرِي لِمُستَقَرٍ لَّهَا ذَلِكَ تَقدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ (38) وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرجُونِ القَدِيمِ (39) لاَ الشَّمسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدرِكَ القَمَرَ وَلاَ الَّليْلُ سَابِقٌ آلنَّهَارِ وَكُلٌ فِي فَلَكٍ يَسبَحُونَ (40) ) يس / 37 ـ 40. قال تعالى : ( يَسئَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَللحَجِّ ) البقرة / 189.

إن هذه الإرهاصات في عالم السموات والأرض والعرش والشمس والقمر ومد الأرض وخلق الرواسي واصطفاق الأنها وزوجية الكائنات والثمرات وحياة الشمس والقمر والأهلة ، كل أولئك ما سخره الله للناس بعامة ، وللمؤمنين بخاصة بقصد الاعتبار والاستبصار.

5 ـ وأخيراً أمر القرآن الناس بدرء الفساد والمكر في الأرض ، ونعى جريمة القتل ، فآعتبر قتل النفس قتلاً للناس ، وعد إحياء الفرد الانساني إحياء للناس أيضاً ، وبذلك تتكامل الصورة العالمية للقرآن في أرسخ حدودها الأفقية :قال تعالى : ( مِن أَجلِ ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفسًا بِغَيرِ نَفسٍ أَو فَسَادٍ فِي الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَن أَحيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) المائدة / 32. وقد يكون هذا القتل وذلك الإحياء مادياً أو معنوياً ، وكلاهما واردان

29

في مقام التفصيل ، والتعليل ليس هذا موقعه.

6 ـ ولك أن تعجب كل العجب لترى القرآن يجعل أهم شعيرة من شعائره وهو الحج ، والبيت الحرام وهو أول بيت وضع للناس ، والأذان إلى الحج كل أولئك للناس كافة لا للمسلمين وحدهم قال تعالى : ( وَللهِ عَلَى النَّاس حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً ) آل عمران / 97. والحج كما يجب على المسلمين ، فإنه واجب على الكافرين ، إلا أن الكافر يجب عليه الحج ولا يصح منه لا شتراط الايمان في الأداء ، وقال تعالى : ( وَإِذا جَعَلنَا البَيتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمناً ) البقرة / 125. وقال تعالى : ( وَأَذَنٌ مِّنَ آللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَومَ الحَجِّ الأَكبَرِ ) التوبة / 3.

ثـالثاً : وتتأكد عالمية القرآن في اطار إهتماماته القصوى بالانسان ، فهو يتابعه ويلاحقه منذ خلقته وتكوينه وولادته حتى حياته ومعاشه إلى حين وفاته ومدفنه ونشره وحشره وعاقبته ، ومعنى هذا أن القرآن ذو عناية خاصة بمسيرة الكائن الانساني منذ البداية وهو معنيٌّ أيضاً بمصير الانسان الجماعي حتى النهاية.

ففي خلق الانسان وإيجاده خليفة في الأرض ، هناك مدركان بارزان : المدرك الابداعي في التكوين الخلقي من الأرض ، كخلق آدم (عليه السلام) ؛ والمدرك الرتيب في الخلق عن طريق التزاوج فالتناسل ، وفي هذه المسافة المتباعدة بين الخلقين قد اختصرت الحقيقة التكوينية كلها.

وقال تعالى : ( إِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنيِ خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينِ (71) ) ص / 71. وقال تعالى متحدثاً عما تحقق : ( وَلَو تَرَى إِذِ المُجرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِم عِندَ رَبِّهِم رَبَّنَا أَبصَرنَا وَسَمِعنَا فَارجِعنَا نَعمَل صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (12) ) المؤمنون / 12. فبين تعالى الأصل في الخلق من الطين ، وهو عنصر أرضي يحمل بين طياته عناصر أرضية أخرى ، فهو مجموعة عناصر تتمثل فيها الأرض بمركباتها ، وهو البداية الابتداعية لهذا الايجاد المتباعد الأطراف في التركيب والتكوين والتأسيس بما يستوعبه هذا الكلي العام من ملايين الجزيئات المعقدة في العدد والكمية والوزن والمدارك جسمياً وعقلياً ونفسياً وتصويراً وتخييلاً وقابليات ومعدات وأجهرةٌ وتجاويف وعصيات وحفيات وأقواس وجينات وخلايا وأعصاب وعضلات ما ظهر من ذلك وما خفي

30

مما لا يحيط به الادراك الحسّيّ كثيراً. والذي أجمله تعالى بقوله : ( الَّذِي أَحسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رَّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَالأَبصَرَ وَالأَفئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشكُرُونَ (9) ) السجدة / 7 ـ 9. ولنقف قليلاً عند الآية الأولى التي تتحدث عن الملحظ الإيجادي في الخلق لا على نحو المثال ، ولا على صيغة من وجود سابق ، إذ لا وجود هناك لهذا المخلوق الجديد لأنه بعد لم يوجد ، فلما وجد قيل له بأنه الانسان. قال تعالى : ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهرِ لَمْ يَكُن شَيئاً مَّذكُوراً (1) ) الانسان / 1. والتفسير الأولي أن الانسان جسد وروح ، أي أنه مركب من حقيقتين متغايرتين ، وحينما إتحدا كان الانسان كائناً حياً ، فإذا افترقا كان هذا الانسان نفسه ميتاً وعاد جثماناً ، وهذا وإن كان صحيحاً في حد ذاته ، ومقدماته تبني عن نتائجه ، إلا أن القرآن العظيم يومي إلى أبعد من هذا تحديداً حينما جعل الانسان حقيقة واحدة ، فهو إنسان بروحه وبدنه ، وهو أنسان حين مفارقة روحه لبدنه ، فمثله كمثل الماء والتراب حينما يكونان حقيقة واحدة عند التماسك أو عند الانحلال. وقوله تعالى : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ آلمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم ) السجدة / 11. فيه دلالة على أن الانسان هو نفس الانسان ، فإذا اتصلت الروح بجسده فهو حيٌّ ، وإذا انفصلت عنه فهو ميت ، إذن هو إنسان في الحالين ، والنص القرآني في مجموعة دلالاته « يفيد أن الروح التي يتوفاها ويأخذها قابض الأرواح هي التي يعبر عنها بلفظة « كم » وهو الانسان بتمام حقيقته لا جزء من مجموع » (1). ويصور هذا الملحظ « لم يكن شيئاً مذكوراً ». فهذا الانسان بالطريق الاعجازي في الخلق إنما كان طيناً لازباً يندك في طول هذه الارض وعرضها ، فلم يكن ذا ذكر فهو غير متعين ولا محدد ، وهو حينما صور هذا التصوير البديع ، في خلقه الأول ، وولجته الروح بأمره تعالى ، عاد إنساناً معلوماً وموجوداً فكان مذكوراً ، فهو باللحاظ الأول شيء غير مذكور ، وهو باللحاظ الثاني كيان مذكور ، وهذا ما تفسره رواية الإمام الباقر (عليه السلام) : قال : « كان مذكوراً في العلم ، ولم يكن

____________

(1) الطباطبائي ، تفسير الميزان : 20 / 139.

31

مذكوراً في الخلق » (1). وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام) رواها زرارة بن أعين في تفسير جزء الآية ، يقول الباقر (عليه السلام) : « كان شيئاً ولم يكن مذكوراً » (2). فالانسان كان شيئاً في علم الله وتقديره ، وإن كان معدوماً بعد لم يوجد ، ثم صار شيئاً مذكوراً بعد خلقه وتكوينه ، سواءً أنظرنا في ذلك إلى الطريق الاعجازي في الخلق ، أو الطريق الفطري في التكوين المتسلسل المنظور إليه في قوله تعالى : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحسَنِ تَقوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسفَلَ ساَفِلِينَ (5) ) التين / 4 ـ 5. وهذا أيضاً طريق إعجازي محض أن يخلق من هذه المادة الميتة إنساناً متكاملاً في أحسن تقويم فكان ذا هيئة حسنة ، وصورة مترفة ، وروعة نادرة ، حتى عاد مستوياً أيام شبابه ونضارته مثلاً ، ثم ردّ إلى الهرم والشيخوخة ، وورد مورد العجز والكبر ، فتسافل في خلقه من قوة إلى ضعف ، ومن نضارة إلى إنهدام ، ومن جمال الفتوة إلى تلاشي القوة ، فبعد أن كان ذا هيئة مشرقة وضاءة إستبدلها بالكبر والانحناء والخور.

ولكن الشذرات الثمينة المتناثرة في القرآن الكريم ، تقتضي الاضافة لهذا الفهم ـ وإن كان حقاً في واقعه ـ وتريد منا أن نرتفع إلى المستوى الأعظم الذي يحدب على تبليغه القرآن بياناً إلهياً شمولياً لا يغادر شيئاً ، وذلك : أن الانسان قد خلق بإرادة الله تعالى ولطف عنايته خلقاً خاصاً فكان نموذجاً راقياً للتقويم والثبات والكمال ، وهذا كله يقتضي له ان يتصاعد بروحه وتفكيره وتقدير إلى أعلى عليين ، وهو ما قدره له الله تعالى لو تمثل الشكر لنعمه المتواترة ، اعتداداً بهذا العطاء الفياض في الخلق صورة وعلماً وإرادة وتفكيراً واختياراً وإبداعاً وفلسفة ، فهو بهذا حريّ بأن يعرج بمستواه الخلقي في كل وجوه الخلق الظاهرة والباطنة ، المعروفة لديه والمجهولة إلى حيث يصبح من أهل السعادة والنّعيم السرمدي الخالد. ولكن هذا الانسان ـ إلا القليل من جنسه ـ قد إنحط بنزعانه اللاإنسانية وسلوكه المنحرف إلى سلخ معنى الانسانية عن نفسه فردّ إلى أسفل سافلين ، وهو نهاية ما يمكن أن يردّ به الله إنساناً بإنحطاطه إلى الدرجات السفلى المخصصة لأهل العذاب والشقاء والانهيار التام ، فكتب على نفسه

____________

(1) (2) الطبرسي : مجمع البيان : 5 / 406.

32

الانحدار والانزلاق في الهوة السحيقة التي كان ينبغي له أن يتجنبها ويكون في أمن من مزلقتها وتدهورها.

هذا الطرح الموضوعي لمعنى الآية هو الذي يلائم الاستثناء المنقطع بعد الآيتين في

قوله تعالى : ( إِلاَّ لَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) ) التين / 6. بدليل أن حكم الخلق التركيبي للانسان يستوي فيه المؤمن والكافر ، الموحد والملحد ، الصادق والمنافق ، بدليل

قوله تعالى : ( وَمَن نُّعَمِّرهُ نُنُكِسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلاَ يَعقِلُونَ (68) ) يس / 68. و « من » من أدوات العموم ، فكل معمّر من الناس ينتكس في الخلق.

هذه هي الحقيقة الأولى ؛ والحقيقة الثانية أن لله خلقاً آخر من الناس ليس من الطين ، وليس من طريق التزاوج التلقيحي ، ولكنه خلق إعجازي آخر بإرادته التكوينية المطلقة ، ونموذج هذا الخلق هو عيسى بن مريم (عليه السلام) ، قال تعالى : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كَن فَيَكُونُ (59) ) آل عمران / 59. قال ابن عباس والحسن وقتادة : « هذه الآية نزلت في وفد نجران : السيد والعاقب ، قالا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : هل رأيت ولداً من غير ذكر؟ » (1). فبدأ بيان ذلك بالرد على هؤلاء بالأصل التركيبي للأنسان وهو التراب ، وبالأب الأكبر للبشر وهو آدم ، فخاطب القرآن الذائقة الفطرية بالمنطق الفطري ، واستنزل الحجة الصغرى بالحجة الكبرى ، وأبان أن منطق الأعجاز في الخلق يختلف عن المنطق الطبيعي في التكوين لدى التزاوج والتلاقح والتناسل ، فالأصل التركيبي للبشر هو التراب ، وهذا ما يقاس عليه عيسى (عليه السلام) في التكوين ، فآدم : نشأته وتكوينه مباشران لم يسبقا بقانون طبيعي وكذلك عيسى ، وكلاهما خاضعان للأرادة التكوينية من قبل الله تعالى « كن فيكون » ، وهذا سر الحياة الذي لا يعلمه إلا الله ، دون التقاء ذكر بأنثى ، أو تلاقح خلية ببيضة ، وذلك طريق الأخصاب ، وسنن الانجاب (2).

والقرآن يكاد يستقطب الحديث عن المدرك الطبيعي والاعجازي في

____________

(1) الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن : 3 / 482

(2) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 296.

33

خلق الأنسان في جزئيات دقيقة تغوص في عمق الموضوع جذباً وإستئناساً ووقوفاً عند أمثل مظاهر ، وأبرز جوانبه الكلي ، مشيراً بادء ذي بدء إلى الأصلين معاً كما في قوله تعالى حاكياً : ( أَكَفَرتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ من نُّطفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ) الكهف / 37. ومفرعاً على ذلك في تأكيد مراحل الحقيقتين معاً بقوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُّطفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخرِجُكُم طِفلاً ثُمَّ لِتَبلُغُوا أَشُدَّكُم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبلُ وَلِتَبلُغُوا أَجَلاً مُّسَمىً وَلَعَلَّكُم تَعقِلُونَ (67) ) المؤمن / 67. ويتبلور هذا الملحظ شيوعاً بالاستدلال على البعث يوم القيامة من جهة ، والاعتبار بتقلبات الخلقة وتطويرها من حقيقة إلى حقيقة أخرى ، حتى تنتهي مراحل العمر بالعودة إلى أرذله أو بالوفاة ، يتمثل ذلك في قوله تعالى : ( يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُم فِي رَيبٍ مِّنَ البَعثِ فَإِنَّا خَلَقنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضغَةٍ مُّخَلَقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُم وَنُقِرُّ فِي الأَرحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مَّسَمًّى ثُمَّ نُخرِجُكُم طِفلاً ثُمَّ لِتَبلُغُوا أَشُدَّكُم وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرذَلِ العُمُرِ لِكَيْلاَ يَعلَمَ مِن بَعدِ عِلمٍ شَيئاً وَتَرَى الأَرضَ هَامِدَةٍ فَإِذَا أَنزَلنَا عَلَيهَا المَاءَ اهتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كَلِّ زَوجٍ بَهِيجٍ (5) ) الحج / 5. أرأيت هذه الحيثيات المنوعة في مراحل الانشاء المتعددة ، ثم قف عندها قليلا لتجدها عالمية الايجاد لأبناء البشر كافة ، فهي حقيقة فوق الحقائق ، ومنظور إنساني لم يتأقلم ، وقاعدة عامة في الاسترسال التكويني بكل مقوماته لهذا الانسان المخلوق كما هو عليه في قوله تعالى : ( وَلَقَد خَلَقنَا الإِنسَنَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلنَهُ نُطفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقنَا النُّطفَةَ عَلَقَةً فَخَلقَنَا آلعَلَقَةَ مُضغَةً فَخَلَقنَا آلمُضغَةَ عِظَمًا فَكَسَونَا العِظَمَ لَحمًا ثُمَّ أَنشَأنَهُ خَلقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحَسَنُ الخَالِقِينَ (14) ) المؤمنون / 12 ـ 14. ويتابع القرآن مطلق الانسان في الحياة فيذكره بضعفه الواهن فيقول : ( وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ) النساء / 28.

ويقيمه وهو يتعرض للبلاء فيلتجئ إلى الله مخلصاً له الدين كما في قوله تعالى : ( وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَو قَاعِداً ) يونس / 12. ويمثل غطرسته في ضد هذا فيصوره وقد أنعم الله عليه معرضاً ، قال تعالى : ( وَإِذا أَنعَمنَا عَلَى لإِنسَانِ أَعرَضَ وَنَئَا بِجَانِبِهِ ) الاسراء / 83. ثم بعد هذا يجعله

34

ميزاناً فيما بينه وبين نفسه كما فيقوله تعالى : ( بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفسِهِ بَصِيرَةٌ (14) ) القيامة / 14. ثم يشير إلى طبيعته في التمرد وتجاوز الحدود ظلماً وكفراناً كما في قوله ( إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومُُ كَفَّارُُ ) إبراهيم / 34. ويعبر عنه مستفضعاً ما جبلت عليه نفسه عناداً وإصراراً وطغياناً بما قال تعالى : ( قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكفَرَهُ (17) ) عبس / 17. وحقق القرآن مع الانسان فيما يبقى له ، وما يتواجد معه ، بعد مفارقته الدنيا ووفوده على الله تعالى متحدثاً عما ينفعه فيما عمل فقال : ( وَأَن لَّيسَ لِلإِنسَانِ إلاّ مَا سَعَى (39) ) النجم / 39. أشار أنه سوف يتذكر ذل( يَومَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى (53) ) النازعات / 35. ومع كل هذا التقويم لا يترك القرآن الإنسان دون عظة وعبرة ونصح كريم :( أَيَحسَبُ الإِنسَانُ أَن يُترَكَ سُدًى (36) ) القيامة / 36. فيهزه من الأعماق ليقف به على تجاوزه وتعديه بما يكشف عنه قوله تعالى : ( يَأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ (6) ) الانفطار / 6. وقد يقال في جواب هذا أنه ألهمه الجواب الناجع : غرني يا رب كرمك. وهذا فضل جديد يضاف للأفضال السابقة ، وهنا يتطامن هذا الطاغوت لينظر إلى أولياته في التكوين ، ليكبح من جماح نفسه ، ويخفف من غلواء جبروته فيصكه الله تعالىبقوله : ( فَليَنظُرِ الإِنسَانَُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (6) يَخرُجُ مِن بَينِ الصُّلبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجعِهِ لَقَادِرًً (8) ) الطارق / 5 ـ 8. فإذا رجع إلى الله ، ووقف للحساب الجديد ، هنالك : ( يَقُولُ الإِنسَانُ يَومَئِذٍ أَينَ المَفَرُّ (10) كَلاَّ لاَ وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَومَئِذٍ المُستَقَرُّ (12) يُنَبَّؤُا الإِنسَانُ يَومَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) ) القيامة / 10 ـ 13

هنا يصطدم هذا الانسان الغر الجاهل المتعنت الضعيف بالحقيقة الهائلة الكبرى إذ يقف بين يدي أعماله وذنوبه وجهاً لوجه ، لا ستار ولا حجاب ، ولا إستقالة :( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخرِجُ لَهُ يَومَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلقَاهُ مَنشُوراً (13) ) الاسراء / 13

هذه المفاجأة لجنس الانسان إلا المتقين يجب أن يقف بإزائها وقفة الصامد الخبير ، فأعماله متمثلة أمامه ، وأفعاله وأقواله متجسدة في قوالبها لديه ، والشاهد هو الحاكم ، والحاكم هو الله ، وكفى في ذلك شدة وروعة وترويعاً وذهولاً ، لهذا فقد حذر هذا الانسان من أهوال ذلك اليوم ومشاهده ،قال تعالى : ( يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم إِنَّ زَلزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ

35

عَظِيمٌ (1) يَومَ تَرَونَهَا تَذهَلُ كُلُّ مُرضِعةٍ عَمَّا أَرضَعَت وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَملٍ حَملَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ (2) ) الحج / 1 ـ 2. أنها الواقعة والراجفة والطامة والنازلة الكبرى ، تصدق في كل جزئياتها ، وتجد في كل ساعاتها ، فلا كذب ولا لعب :( إِذَا وَقَعَتِ لوَاقِعَةُ (1) لَيسَ لِوَقعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) ) الواقعة / 1 ـ 2. هنالك يمتاز الناس إلى أزواج ثلاثة كما ينص القرآن العظيم :( وَكُنتُم أَزوَاجاً ثَلاَثَةٍ (7) فَأَصْحَابُ المَيمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ المَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ المَشْئَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنّاَتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةُُ مِّنَ الأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلُُ مِّنَ الأَخِرِينَ (14) ) الواقعة /7 ـ 14. وذلك أن الناس يوم الحشر بهذا الاعتبار يصنفون إلى : أصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال ، والسابقين. فأهل الجنة هم أصحاب اليمين ، وأهل النار هم أصحاب الشمال ، والسابقون هم تلك الطبقة العليا التي اهتبلت فرصة الحياة الدنيا فقفزت باتجاه واحد نحو الله وحده ، سبقوا إلى الايمان ، وسبقوا إلى الخيرات ، وسبقوا إلى العبادة بأنصع مظاهرها فتسنموا الدرجة الراقية في الزلفى. وفي هذا الضوء تنقسم ساحة المحشر للعباد إلى منحنيات متميزة حينئذ : أصحاب الجنة / أصحاب النار / رجال الأعراف ، وحينئذ تصدر النداءات المتداولة بين هذه الأصناف النازلة في الساحة ، بعد عرفان كل شيء ، ورفع الحجب والأستار ، والوقوف عند الحقيقة الهائلة.

قال تعالى : ( وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَد وَجَدنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًا فَهَل وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُم حَقًا قَالُوا نَعَم فَأَذَّنَ مُؤَذِنُُ بَينَهُم أَن لَّعنَةُ اللهِ عَلَى آلظَّالِمِينَ (44) ) الاعراف / 44.

وفي قبال هذا النداء الضخم المشتمل على كثير من الاستظهار والتحدي والتشفي والاطمئنان المتكامل يصدر النداء الآخر :

( وَنَادَى أَصحَابُ النَّارِ أَصحَابَ الجَنَّةِ أَن أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ المَاءِ أَو مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الكَافِرينَ (50) ) الاعراف / 50. فكل أماني هؤلاء الطغاة شيء من الماء أو قليل من الرزق ، ويجبهون يأسا وحرمانا وبعدا بأن الله حرمهما على الكافرين.

وهنا يتجلى دور رجال الاعراف الريادي في المنزلة والحجة وقرع الدليل بالدليل ، وتتحقق تلك المنزلة الرفيعة لهؤلاء الرجال « وبينهما حجاب

36

وعلى الاعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم ». فهؤلاء في حالة وجود الحجاب الحاجز بين أهل الجنة وأهل النار ، وهناك السماك المرتفع الذي يطل منه أصحاب الأعراف على الجمع ، وهؤلاء أنفسهم لهم صلاحية متميزة خاصة عرفوا بها ، إنهم يعرفون أهل الجنة بسيماهم ، وأهل النار بسيماهم ، فهي خاصية كبرى فريدة ، لا تقاربها خاصية أخرى يومئذ ، تلك الخاصية تنبئ عن القرب الملكوتي من الله تعالى ، وتتحدث عن التصرف بأمره تعالى ، فهم يشرفون على الجمع في ساحة البعث ، فيعرفون كل ذات بالسمة المجردة لها ، والمعرفة بها من الأولين والآخرين ، سواء في ذلك من كان منهم في أعلى عليين ، ومن هبط منهم وانحدر أسفل سافلين.

وهنا يتحدّد الوعد الآلهي الحق بأنهم المنصورون ، وأنهم المقربون ، وأنهم الشفعاء ، وأنهم الشهداء ، وذلك في تمام الآية مباشرة : ( وَنَادَوا أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيكُم لَم يَدخُلُوهَا وَهُم يَطمَعُونَ ) الاعراف / 46.

فهذا النداء بهذا الامر إنما تحصل قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة ، وهم يطمعون بدخولها ، وصيغة النداء سلام عليكم. ولا تنفس يومئذ ولا تكلم « هذا يوم لا ينطقون ». وحين إعتلاء هذه الحالة آفاق المحشر ، تنحدر الأبصار للطرف الآخر :

(* وَإِذَا صُرِفَت أَبصَارُهُم تِلقَاءَ أَصحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لاَ تَجعَلنَا مَعَ القَومِ الظِّالِمِينَ (47) ) الأعراف / 47.

وقد يقال بأن هذا دعاء أصحاب الأعراف ولا مانع من ذلك أن يتعوذ المؤمن من الكون مع الظالمين ؛ ولكن التدبر في السياق ، وهو يريد أن يتحدث عن منزلة رجال الأعراف وموقعهم في ذلك اليوم يوحي بأن الضمير في « أبصارهم » و « قالوا » يعود إلى أهل الجنة ، لأنهم في تلك الحال يدعون ويتضرعون كما هو شأن الأبرار ، والتوقيت قبل دخول أهل الجنة الجنة ، وقبل دخول أهل النار النار أيضاً.

وهنا تبدو الحقيقة الأخرى في خطاب أصحاب الأعراف رجالاً من أهل النار :

( وَنَادَى أَصحَابُ الأَعرَافِ رِجَالاً يَعرِفُونَهُم بِسِيمَاهُم قَالُوا مَا أَغنَى عَنكُم جَمعُكُم وَمَا كُنتُم تَستَكبِرُونَ (48) ) الأعراف / 48.

هذا النداء الصادر من أصحاب الأعراف للجمع المتكبر من الجبابرة .. فيه تقريع لهم ، وشماتة بهم ، وسخرية بواقعهم ، وتأنيب على

37

ظنهم ، وقد تقطعت بهم الأسباب بعد ذاك التطاول والشموخ والاستعلاء ، فما أغنى عنهم ما جمعوا من العدة والعدد ، والخول والخدم ، والمال والعقار ، كلها ذهبت هباءً ، وتطايرت في مهب الاحلام ، فلا جمع ولا استكبار ، بل خنوع وخضوع ، وذل وإذلال ، وليت الأمر وقف بهم عند هذا الملحظ بل صكهم الاستفهام التقريري بالاشارة إلى أهل الجنة بما أفاضه أهل الأعراف :

( أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقسَمتُم لاَ يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحمَةٍ ) الأعراف / 49.

« أي هؤلاء هم الذين كنتم تجزمون قولاً أنهم لا يصيبهم فيما يسلكونه من طريق العبودية خير ، وإصابة الخير هي نيله تعالى إياهم برحمة ، ووقوع النكرة ـ برحمة ـ في حيز النفي يفيد استغراق النفي للجنس ، وقد كانوا ينفون عن المؤمنين كل خير » (1).

ثم تعالى صوت أهل الاعراف لأولئك المستضعفين من المؤمنين ، بتفويض خاص ، وبأمر خاص من الله دون ريب قائلين لهم

( ادخًلُوا الجَنَّةَ لاَ خَوفٌ عَلَيكُم وَلاَ أَنتُم تَحزَنُونَ ) الأعراف / 49.

وهو أمر من رجال الأعراف لأصحاب الجنة بدخول الجنة بعد تقرير حالهم عند الكفرة بالاستفهام ، وكان الأمر نهائياً بتخويل نهائي لا يجزأ ولا ينشطر ، ولا يرد ولا يبدل ، لأنه إقترن بإشاءة الله وإرادته ، ولا رادّ لذلك.

إذن من هم رجال الأعراف ، وأصحاب الاعراف في سورة الأعراف؟

المروي عن الامام الباقر أنه قال : « هم أكرم الخلق على الله تبارك وتعالى » (2). وهذا إجمال يفصله الامام الباقر نفسه ويبينه في رواية أخرى وقد سئل ما يعني بقوله تعالى « وعلى الاعراف رجال » ، قال الباقر (عليه السلام) : « ألستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم ليعرفوا من فيها من صالح أو طالح ، قلت بلى : فنحن أؤلئك الرجال الذين يعرفون كلاً بسيماهم » (3).

وهم لدى المفسرين : إما أن يكونوا رجالاً مخصوصين بالحباء

____________

(1) الطباطبائي ، الميزان : 8 / 132.

(2) المصدر نفسه : 8 / 144.

(3) العياشي ، التفسير : 1 / 280.

38

الكامل لأنهم في أعلى درجات السابقين ، فكانوا في أرقى درجات القربى من الله تعالى ، وهم النبي وأهل البيت (عليهم السلام). وإما أن يكونوا من تساوت حسناتهم وسيئاتهم في قول ساذج ، وهذا الملحظ لا يقع أصلاً فليس هناك من تتساوى سيئاته وحسناته يوم القيامة قطعاً ، لأن الحسنات يذهبن السيئات ، فالحسنات جديرة برفع المسيء إلى درجة المحسن ، إذا أحسن بعد توبة نصوح ، والسيئات العظمى قد تحبط الحسنات ، فيدنو المحسن من الهاوية لو كانت لديه حسنات إذا حبطت أعماله ، ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ، ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا سيئة مثلها ، هذا كله وغير هذا يقوي النظر والقول بعدم تساوي الحسنات والسيئات وهو الذي يحكم به العقل والشرع والعرف.

فإذا أضفنا إلى هذه المدارك ثقل الموازين وخفة الموازين يوم القيامة ، علمنا أن هناك قسمين لا ثالث لهما ، وهذان القسيمان هما أهل الحسنات فيما تثقل به الموازين وهم أهل الجنة ، وأهل السيئات فيما تخف به الموازين وهم أهل النار ، كما تصرح بذلك الآيات :

قال تعالى : ( وَالوَزنُ يَومَئِذٍ الحَقُ فَمَن ثَقُلَت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ آلمُفلِحُونَ (8) وَمَن خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِئَايَتِنَا يَظلِمُونَ (9) ) الأعراف / 8 ـ 9.

وقال تعالى : ( فَمَن ثَقُلَت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ (102) وَمَن خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) ) المؤمنون / 102 ـ 103.

وقال تعالى : ( فَأَمَّا مَن ثَقُلَت مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَن خَفَّت مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُهُ هَاوِيةٌ (9) وَمَا أَدراَكَ مَا هِيَه (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) ) القارعة / 6 ـ 11.

وهذا من أقطع الأدلة على رفض القول بتساوي الحسنات والسئيات.

وهناك قول للمفسرين بأن رجال الأعراف هم الملائكة في صورة الرجال يعرفون أهل الجنة والنار ، ويكونون خزنة الجنة والنار ، أو يكونون

39

حفظة الأعمال الشاهدين بها في الآخرة (1).

ويرد هذا القول بأمور :

الأول : أنه صرف لظاهر القرآن بدون قرينة تدل على التجوز في تسمية الملائكة رجالاً.

الثاني : لم يجر في القرآن ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، ولا عند العرب إعتبار الملائكة رجالاً ، ولو بالاشارة.

الثالث : القرآن يتحدث عن واجبات الملائكة يوم القيامة بالتنفيذ وإطاعة الأوامر ، ولم يتحدث عن مثل هذه الصلاحيات المطلقة لهم ، بل هم يفعلون ما يؤمرون.

بقي الاحتمال الأول أنهم الرجال المقربون ذوو المنزلة العظمى جزاءً وفاقاً بما كانوا يعملون ، وهو ما يساعد عليه السياق القرآني في إبانة فضلهم وبيان قيمتهم وقدرهم ذلك اليوم ، وهو أيضاً ما يدل عليه الاعتبار والقبول للروايات الصحيحة المسندة ، وهما معاً ـ السياق القرآني والرواية الصحيحة ـ السبيل إلى فهم القرآن فهماً بعيداً عن التحمل في مثل هذه المقامات.

ففي صحيحة أبي بصير عن الامام جعفر بن محمد الصادق أنه قال في تفسير الآية « نحن أصحاب الاعراف من عرفنا فمآله إلى الجنة ، ومن أنكرنا فمآله إلى النار » (2).

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لأمير المؤمنين : « يا علي كأني بك يوم القيامة وبيدك عصا عوسج تسوق قوماً إلى الجنة وآخرين إلى النار » (3).

ويؤيده ما رواه أبو القاسم الحسكاني عن علي (عليه السلام) ، وقد سأله ابن الكوا عن الآية ، فقال أمير المؤمنين : « ويحك يا ابن الكوا نحن نقف يوم القيامة بين الجنة والنار فمن ينصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة ، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار » (4).

____________

(1) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : 2 / 423.

(2) الطباطبائي ، الميزان : 8 / 144.

(3) (4) الطبرسي ، مجمع البيان : 2 / 423.

40

وهذا بحد ذاته يشكل بعداً عالمياً لقيادة أهل البيت (عليهم السلام) ، إذ يتحدث بها القرآن في بعده العالمي عن الناس كافة لدى الجمع الاستيعابي للبشرية على صعيد القيامة.

المحور الرابع : بقي أن نبتعد بك عن المناخ الجدلي والاحتجاجي في عالمية القرآن إلى المناخ الكوني العام في عالميته التي لا تحد ولا تحتجز بل تمتد وتتسع لتشمل الأفاق والمشارق والمغارب ، والأبعاد الفضائية ، والمسافات الكونية الهائلة التي قد يعجز البشر عن الاحاطة بكثير من معاييرها الدقيقة.

1 ـ فحينما يريد أن يقرب القرآن تصور البعد بين الحقيقتين المحسوستين إدراكاً يحدد ذلك بأطول مسافة يدركها الحدس العلمي

فيقول : ( حَتَّى إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَالَيتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعدَ آلمَشرِقَينِ فَبِئسَ القَرِينُ (38) ) الزخرف / 38.

فالمراد هنا أما أن يكون بعد مشرقي الشمس والقمر ، أو بعد مشرقي الشمس في الصيف والشتاء ، وكلاهما مقاس في الفضاء ، ولكنه غير معروف لدى أهل الأرض جميعاً ، وإنما هو معروف لدى المتخصصين بالبعد الفلكي أو المسح الأرضي ، أما إذا أعتبرنا تلك المسافة إنما تقاس على سطح الأرض ، فيقتضي الأمر أن يراد بها جزئَي الكرة الأرضية ليلاً ونهاراً ، فالمشرق يكوّن بعده نصف المسافة والمغرب يكوّن النصف الآخر ، بمعنى حدوث المشرق في نصف الكرة الأرضي وحدوث غروبها في النصف الآخر ، وهو ما يعتبر لكل منهما نصف محيط الأرض ، فما كان ليلاً كان النصف الأول وما كان نهاراً كان النصف الثاني.

2 ـ وحينما يريد القرآن أن يعطي القوة غير المحدودة في تفصيلات الأبعاد الهائلة غير المحسوبة فإنه يقول :

( فَلاَ أُقسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) ) المعارج / 40.

فالشمولية بهذا القسم العظيم تمتد لتتسع لمشارق الأرض ومغاربها ، ومشارق القمر ومغاربه ، ومشارق الشمس ومغاربها ، ومشارق الكواكب ومغاربها ، ومشارق النجوم ومغاربها ، وكلما يمكن تصوره في الوجدان مما له مشارق ومغارب في كل الأفلاك مما يقتضي عالمية التصوير للعوالم كافة في أبعادها الحسابية

41

التي لا يتحقق حصرها ولا تخمينها مسافات ومساحات وأبعاداً. فإذا علمنا أن أقرب نجم منا يبعد حوالي ( 8 ، 41 ) مليون مليون كيلومتر عن الشمس ، فما هو رأيك في أبعد نجم عنا ، وكيف يتم رصد ذلك زمنياً وحسابياً ورياضياً ، لذلك عمدوا إلى قياس ذلك بالسنوات الضوئية ، والمراد بها ما يقطعه الضوء في السنة ، فإذا عرفت أن سرعة الضوء هي ( 300 ) ألف كيلومتر في الثانية ، كانت سرعته في السنة ( 460 ، 9 ) مليون مليون كيلومتر. وهي السنة الضوئية.

3 ـ وحينما يريد القرآن منك أن تتأمل بعض الظواهر الكونية في الرعد والبرق والظلمات والأمواج والسراب والالتماع في المفاوز ، تندفع في ظلاله العجيبة وأنت أكثر إندهاشاً مما ترى ، وأنت أكثر إبتهاجاً فيما تتوصل إليه من المشاهد العالمية المجردة عن الطلاء والتزويق بل هي حقائق هائلة مدركة بالحس والوجدان دون حاجة إلى إستدلال أو برهان أو شواهد قال تعالى : ( أَو كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعدٌ وَبَرقٌ يَجعَلُونَ أَصَابِعَهُم فِي ءَاذَانِهِم مِّنَ الصَّاوَعِقِِ حَذَرَ المَوتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالكَفِرينَ (19) يَكَادُ البَرقُ يَخطَفُ أَبصَارَهُم كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوا فِيهِ وَإِذَا أَظلَمَ عَلَيهِم قَامُوا وَلَو شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمعِهِم وَأَبصَارِهِم إِن اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (20) ) البقرة / 19 ـ 20.

وهذا المثل القرآني ، وهو في سياق التعبير عن حيرة المنافقين ، يستقطب إستعمال ما هو شائع ومعروف في بقاع الأرض المختلفة وآفاق السماء ، مما يفهمه أهل المعمورة ، ويترصدون مخاوفه وأهواله ، فالمثل هنا عالمي الدلالة غنيٌّ بضمامة التصوير ، ورعب الأضواء الكاشفة والغامضة ، والانهمار الانصبابي للمطر تدفعه ظلمات عاصفة بأصوات الرعد ، وأمواج البرق ، وعصف الرياح ، وظلمة المناخ ، فانحجب الضياء وتلاشى الأمان حتى بالغوا في إدخال أصابعهم في آذانهم نتيجة لاصطكاك الصواعق بأجرام السحاب ، وما يحدثه ذلك من هزات وأصوات ، والله محيط بهم من كل جانب إحاطة تحصى عليهم كل شيء فوق حقيقة الاحاطة الزمانية والمكانية والكتلة وسرعة الضوء ، فأين يذهبون؟ والبرق يأخذ بأبصارهم ، ويستلب نورها كلمح البصر ، وهم في حيرة وتردد لا يملكون من الأمر

42

شيئاً (1). هذا المناخ المتلاطم عالمي المصداق والمفهوم ، إنساني الفهم والتصور.

4 ـ وهناك من أمثال القرآن ما تقف عنده متأملاً مترصداً ، ولنتائجه خاشعاً متحققاً ، يأخذ بيدك إلى حياة أوسع ، وتصور أشمل ، وتدقيق أروع ، تلمس من خلال ذلك كله رسالة القرآن العالمية ، أنت الآن إزاء مثلين متراصفين في سورة واحدة ، يتحدث الأول منهما عن حياة الصحراء والسراب الخادع فيها ، وما يترشح في ضوء ذلك من معنى إيحائي يتمثله العربي في باديته ، ويتمرسه البدوي في حياته.

قال تعالى : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعمَالُهُم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحسَبُهُ الظَّمئَانُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَم يَجِدهُ شَيئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفّاَهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ (39) ) النور / 39.

فالمثل القرآني تصوير بالتمثيل التشبيهي لأعمال الكافرين مشبهة بذلك السراب المنتشر في الصحراء ، يتخيله الظامئ ماءً ، ويكتشفه لدى التحقيق التماعاً خلّباً ، وهو بأمس الحاجة إلى الماء ، ولا ماء ، فهو لا يجده ولكنه يجد الله عنده فيوفيه الحساب بسرعة مذهلة ، ولك أن تتصور هذا السراب في صحراء نجد وبادية الحجاز وطرق الشام. هذا الفهم العربي الخالص لهذا المناخ يتقاطع بمناخ آخر تتحدث عنه البحار الهادرة في محيط كالمحيط الأطلسي أو الهادي ، وتتجلى صوره في بلاد كبلاد الضباب الدائم والظلمات المتراكبة والسحاب الجاثم ، مما لا عهد به للعرب ، ولا علاقة له بأثباج جزيرة العرب.

قال تعالى : ( أَو كَظُلُمَاتٍ فِي بَحرٍ لُّجِّيٍّ يَغشاَهُ مَوجٌ مِّن فَوقِهِ مَوجٌ مِن فَوقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعضُهَا فَوقَ بَعضٍ إِذَا أَخرَجَ يَدَهُ لَم يَكَد يَرَاهَا وَمَن لَّم يَجعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (40) ) النور / 40.

هذه ظلمات في بحر لجي لا قعر له ولا ساحل ، عميق غزير المادة تحوطه الأمواج المتدافعة ، ويعلوه السحاب الثقال ، وتملؤه الظلمات المرعبة ، ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة الغمام ، حتى ليخطئ الانسان فيه تشخيص يديه ، فلا يرى ذلك أصلاً (2).

____________

(1) المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 293.

(2) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية : 282 + مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 356.

43

هذا المثل إذن ليس كسابقه فهو يتحدث عن تراث خاص متميز ، في مناخ خاص متميز ، يغوص إلى أعماق البحار ، ويتأمل في جغرافية المحيطات ، وتمرس في ظواهر إمتصاص الضوء وخفاء الأنوار.

المثل الأول : بدوي بطبيعته العربية المحضة.

المثل الثاني : غربي بطبيعته المناخية الخالصة.

ألا تخشع عند هذه الظاهرة الكبرى لتفيد منها : أن القرآن يتحدث إلى كل جيل في كل الأرض ، ليتجاوز الحدود الاقليمية إلى البعد العالمي الرحيب.

أما أنا فلا أعتقد غير هذا ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

44

-

45

مدرسة الكوفة في تفسير القرآن العظيم

ألقي في المؤتمر العلمي الثالث لكلية الفقه في النجف الاشرف / جامعة الكوفة المنعقد في 14 رمضان 1408 هـ 3 ـ 4 / 5 / 1988 م في قاعة الإدراة المحلية ، ونشر في العدد الممتاز المتخصص بدراسات القرآن لمجلة المورد الصادر بتأريخ 1988.

وكان شعار المؤتمر « دور الكوفة في التراث العربي والاسلامي ».

46

-

47

هبط القرآن الكريم في جزيرة العرب ، والأمة العربية تمثل ذروة قدراتها الإبداعية في فن القول.

والقرآن العظيم ، وهو إنساني الرسالة ، إلا أنه عربي النص ، مستشرف العبارة ، مشرق الديباجة بوجه من عروبته الناطقة ، وتبقى هذه العربية أصلاً قويماً في دلائل إعجازه ، بل الأصل الأول ، وما تبقى من دلائل فروع هذا الأصل العريق.

القرآن من وجه ثروة بلاغية لا تنفد ، ومعين تراثي لا ينضب ، وهو كتاب هداية وإرشاد وتشريع من وجه آخر.

هذا التقييم الطبيعي للقرآن مختص به ، لا يشاركه في أبعاده أي كتاب إلهي أو بشري.

إذن : إجتمع في القرآن أصل من عربيته الفصحى ، وقيمتان : بلاغية وتشريعية متميزتان ، ذلك ما دعا علماء العرب ، وجهابذة المسلمين ، وفحول المستشرقين ، وجملة من الأوربيين ، أن ينهلوا من روافده حيناً ، وأن يحدبوا على فهمه الحقيقي بعض الأحايين ، وقد نتج عن هذا المنطلق الأثير إمتداد يد الباحثين الأمينة للقرآن ، فعالجت شتى علومه ، وأستخرجت جملة من كنوز أسراره ، فأضفت على البحث الموضوعي برداً من الجدة لا يبلى ، وأفاضت سبيلاً من المعارف لا يفنى. وكان دور العرب والمسلمين في هذا المجال بارزاً غير خفي ، وِقدحهم المعلى في الميادين كافة.

نشأت المدارس الحضارية التي تعنى بالتراث في ظل حضارة الاسلام في الحواضر العربية في كل من :

48

مكة المكرمة ، المدينة المنورة ، البصرة ، الكوفة ، بغداد ، الموصل ، النجف الأشرف ، القاهرة ، الشام ، إشبيلية ، غرناطة ، القيروان وتونس.

كان بعض هذه المدارس كياناً مستقلاً ، وبعضها كان أمتداداً للمدارس الأم. إذ كانت النشأة مختلفة في جملة من المجالات ، فالأصل دون نزاع المدرستان العراقيتان العريقتان في البصرة ، تأسست في العام الخامس عشر الهجري ، وفي الكوفة تأسست في العام السابع عشر الهجري ، وبدأ العطاء العلمي فيهما مع التأسيس حتى البناء المتكامل.

مدرسة مكة أندر عطاء ، ومدرسة المدينة أكثر حيوية ، ومدرسة البصرة أوسع مادة ، ومدرسة الكوفة أغلى قيمة ، وأعظم شهرة ، فمولد الاسلام في مكة ، وترعرعه في المدينة ، ونشأته الحضارية المتحفزة في كل من البصرة والكوفة.

حقاً لقد كانت نصيب العراق العلمي والتأسيسي غنياً في هذه المسيرة الأكاديمية المتطورة ، فبعد البصرة في إزدهارها ، والكوفة في عطائها ، زهت مدرسة بغداد التراثية على يد ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) ، في العصر العباسي الأول ، وتأسست مدرسة النجف الأشرف على يد الشيخ الاكبر أبي جعفر الطوسي ( ت : 460 هـ ) في العصر العباسي الثاني ، وتبلورت مدرسة الموصل الحدباء بجهود ابنا الأثير مجتمعين لا سيما ضياء الدين ( ت : 637 هـ ) في أواخر الدولة العباسية. وأعطت كل مدرسة ثمرات أوراقها في النحو وعلوم القرآن والتفسير واللغة والنقد والأدب والفقه والأصول والبلاغة والفلسفة والترجمة ، والتأريخ والجغرافيا ، والببلوغرافيا ، والكيمياء ، والجبر والفلك والهندسة والطب وعلم الأصوات والايقاع الموسيقي وغيرها.

وهذه مفردات علمية هائلة يحتاج النهوض فيها الى جمهرة من العلماء والباحثين والمهرة والطلاب وشيوخ الصناعة في كل فنّ ، رؤساء الجامعات في العصر الحديث أدرى بحجم هذه المفردات وأوعى لمشكلاتها ، وأعلم بدلائلها الموسوعية.

وكان الأزهر في القاهرة ، والشام في كل من : بيت المقدس ودمشق وحلب الشهباء ، وجامع الزيتونة في تونس ، والقرويين في المغرب ، مدارس سيارة لفنون العرب والاسلام.

49

وكانت الدولة العربية في الأندلس تحتضن الحواضر العلمية في كل من إشبيلية وغرناطة وطليطلة وقرطبة ، فانتشرت الثقافة وكثر التصنيف ، وحملت المجامع والجوامع برؤوس التراثيين الاعلام.

وكان المشرق الاسلامي في حواضره العلمية يغذي الحركة الثقافية بأمداد من فيضه المتدفق في الفقه والحديث والأصول والأدب وعلوم القرآن والتفسير فكان اقليم خوارزم ، وخراسان ، وجرجان وطبرستان والري حواضر علم ، ومحافل شعر ، ومقرّات تصنيف وتأليف ، ومجامع الفحول من علماء العربية والاسلام.

وكان القرآن الكريم في جميع ما ذكرنا من مدارس وأقاليم ودول ومشاهد هو المتصدر لحلقات الدرس والبحث والاستكشاف العلمي ، وكانت الريادة فيه تعني سبر ما في أغواره من عمق ، وبيانه من إتساق ، وأبعاده من بلاغة ، وسوره من إعجاز ، وآياته من تأويل وكشف وتفسير.

وتبقى مدارسة القرآن في جدية ، واستيعاب جزئياته بنهم ، تكويناً وأصالة من نصيب مكة والمدينة في مرحلة البداية ، ومدرستي البصرة والكوفة في مرحلة التأصيل لهذا الفن ، وآمتد فيما بعد ذلك الشعاع الهادي إلى الحواضر العربية تدريجياً حتى إستقطبها جميعاً في أبعاد متفاوتة ، وكان ما قدمته هذه الحواضر من جهود قرآنية ، يصل بها إلى الذروة الصاعدة من بين الجهود الانسانية المبدعة.

ولا غرابة أن تكون مرحلة التكوين لعلم التفسير وقد رسخت النواة الصالحة التي انبثقت عنها مدونات علم التفسير في مرحلة التأصيل ، ويمكننا إلقاء الضوء عليها بما يلي :

1 ـ مدرسة مكة ، وكان قوامها بعد النبي وآله وأصحابه : النخبة الرائدة من أصحاب ابن عباس ( ت : 68 هـ ) وابن عباس رأسها. وقد نبغ فيها كنموذج أرقى : مجاهد بن جبر المكي ( ت : 100 ـ 103 هـ ) وعكرمة مولى ابن عباس ( ت : 104 هـ ) وأمثالهما من الرواد الأوائل ، ممن أخذ عن ابن عباس أخذاً حثيثاً متواصلاً.

50

وكان ابن عباس قد أخذ لباب هذا العلم وطريقته عن الامام علي كما هو منصوص عليه (1).

2 ـ مدرسة المدينة : وكان قوامها في مرحلة التكوين ثلاثة من أئمة أهل البيت هم : الامام علي بن الحسين زين العابدين ( ت : 95 هـ ) والامام محمد الباقر ( ت : 114 هـ ) والامام جعفر الصادق ( ت : 148 هـ ) كما اعتمدت هذه المدرسة طائفة من تلامذة أبي بن كعب ( ت : ) وأصحاب زيد بن أسلم ( ت : 136 هـ ).

وقد امتازت هذه المدرسة بالتجرد والموضوعية ، والكشف عن مراد الله من كتابه ، فيما أثر عنها من روايات محددة.

3 ـ مدرسة البصرة ، وكان على رأسها الحسن البصري ( ت : 114 هـ ) وأبو عمرو بن العلاء ( ت : 145 هـ ) وهو أحد القراء السبعة ، وعيسى بن عمر الثقفي ( ت : 149 هـ ) وكان من مشاهير القراء ، والخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : 175 هـ ) فيما آثر عنه من دروس ، وكان قد كتب في جملة العلوم العربية المتخصصة ، وفي كتابه ( العين ) شذرات قرآنية أملتها طبيعة البحث اللغوي في الاستشهاد والاستنباط على حد سواء (2).

وكان أبو عبيدة ، معمر بن المثنى الليثي ( ت : 210 هـ ) في كتابه « مجاز القرآن » قد قفز بالتفسير اللغوي للقرآن عند البصريين إلى مرحلة التأصيل مستفيداً من تجربة الفراء ( ت : 207 هـ ) أو موازياً له في المنهج بحدود كثيرة (3).

هذه خلاصة موجزة إقتضها طبيعة البحث في التمهيد لنقف عند مدرسة الكوفة وجهودها في تفسير القرآن العظيم.

إذا استعرضنا حياة مدرسة الكوفة التفسيرية ، وجدناها تمثل إتجاهيين

____________

(1) ظ : الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 2 / 157.

(2) حققه الدكتور مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي ، وطبعته وزارة الاعلام في ثمانية أجزاء.

(3 ) حققه الدكتور فؤاد سزكين ، ونشرته مكتبة الخانجي ، الطبعة الثانية ، القاهرة / 1970.

51

رئيسين في مرحلة التكوين والتدوين معاً وهما :

أ ـ الاتجاه التدريسي ؛ ويمثلها بن مسعود ( ت : 32 هـ ) فقد كان صاحب مصحف معروف ، وكان مفسراً للقرآن ، وحافظاً له ، ومقرناً فيه ، وجملة تابعة له من تلامذته ، وفي طليعتهم مسروق بن الاجدع ( ت : 63 هـ ) والاسود بن يزيد ( ت : 75 هـ ) والربيع بن خثيم ، وعامر الشعبي ( ت : 105 هـ ) وأمثالهم من المفسرين الأول لنتفٍ من آيات القرآن سائرة في ركاب علم الحديث تجدها في مظانها من كتب التفسير ، وكان ذلك بهدف تعليم القرآن استناداً إلى قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) « من أحب أن يسمع القرآن غضاً فليسمعه من ابن أم عبد » (1) ، يعني ابن مسعود ، وكان ذلك حثاً على تلقي القرآن منه ، مضافاً إلى توجيهاته له ، مما عنى تشكيل مدرسة الكوفة التفسيرية والقراءتية والتعليمية بوقت واحد في شكلها الأولي.

ب ـ الاتجاه النصي ، ويمثله تلامذة الامامين محمد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام) ، وقد نشأت عنه طبقتان تقيدت بنقل النصوص رواية وكتابة ، وإن إجتهدت الطبقة الثانية في حدود لا تتعدى توضيح النص وشرحه :

أ ـ طبقة الرواة ، وفي طليعتهم : زرارة بن أعين الكوفي ، وعلي بن الحسن الوشار الكوفي ، ومحمد بن مسلم الكوفي ، ومعروف بن خربوذ الكوفي ، وحريز بن عبد الله الأزدي الكوفي (2).

وقد امتازت روايات هؤلاء بالدقة والضبط والأمانة ، وهم معروفون بالوثاقة والدراية وحفظ الرواية.

ب ـ طبقة المؤلفين ؛ وهم الذين أبقوا لنا أثراً تفسيرياً معتمداً قيماً ، وفي طليعتهم : فرات بن إبراهيم الكوفي ، وأبو حمزة الثمالي الكوفي ،

____________

(1) الكشي ، الرجال ، عن الكنى والألقاب : 1 / 216.

(2) ظ : الخوئي ، معجم رجال الحديث : 4 / 255 فيما يتعلق بترجمة ( حريز ) ، وسماه البرقي : 90.

52

ومحمد بن إبراهيم النعماني الكوفي وأضرابهم (1) ، وألف أبان بن تغلب ( ت : 141 هـ ) كتاب الغريب في القرآن ، وذكر شواهده من الشعر (2).

وقد ألف محمد بن السائب الكلبي الكوفي ( ت : 146هـ ) تفسيراً للقرآن (3).

وبحدود هذا التأريخ نسب الاستاذ بروكلمان للامام جعفر الصادق ( ت : 148 هـ ) كتاباً يسمى ( تفسير القرآن ) (4).

وأبو النضر ، محمد بن مسعود بن محمد السلمي الكوفي المعروف بالعياشي ( ت : 300 هـ ) لم يصلنا من كتاباته الكثيرة إلا كتابه في التفسير الذي نقحه علي بن إبراهيم الكوفي ، وهو المعروف اليوم بـ ( تفسير العياشي ).

ومن أبرز علماء التفسير في القرن الرابع في الكوفة : علي بن إبراهيم بن هاشم الأشعري نسباً ، والكوفي مولداً ونشأة ، والقمي هجرة وشهرة ، وله تفسير القرآن ، مطبوع عدة مرات.

وطبقة المؤلفين الأوائل هذه ، لم يصلنا من تآليفهم التفسيرية إلا النزر القليل ، مما هو مطبوع طبعاً رديئاً ، أو مما هو مخطوط لم تمتد له يد التحقيق ، ومما علمنا به من خلال النقل عنه في كتب التراث ولم نره.

بيد أن ما وقفنا عليه من سرد لأسماء المصنفين والاعلام ، والمؤلفات التفسيرية في الفهارس ، وما شاهدناه فيما بعد فترة التكوين من جهود تفسيرية بناءة ، جعلنا نتجه إلى واقع المذهب الكوفي في التفسير بعناية إكتشافه والتحقق من منهجيته فرأيناه بايجاز يميل إلى ظاهرة الاستعمال اللغوي ، والتبادر الذهني عند العرب لدى إطلاق الألفاظ في مداليلها ، والتوجه إلى فروق اللغة وخصائص العربية ، والاهتمام بالتعبير

____________

(1) ظ : محمد حسين الطباطبائي ، القرآن في الاسلام : 60.

(2) ظ : الخوئي ، معجم رجال الحديث : 1 / 23.

(3) (4) ظ : بروكلمان ، تأريخ الأدب العربي : 4 / 9 ـ 11.

53

البدوي في الشعر الجاهلي ونحو ذلك ، فضلاً عن العناية المركزية بالمأثور ، وما يتعلق فيه من روايات ومقارنات ودراسات وملخاصات.

فإذا قارنا بين هذا وذاك وجدنا ، الأثر الروائي والأثر اللغوي ، بكل تشعباتهما ، يشكلان مدرسة الكوفة التفسيرية ، ويمثلان معلماً بارزاً من معالم التفسير ، فإذا ضغطنا العلاقات التراثية بين الأثرين ، اقتضى ذلك كشف الجهد المشترك بين هذين الأصلين من أجل الوصول إلى القاعدة التي ترسو عليها مدرسة الكوفة في تفسير القرآن العظيم.

كان علي بن حمزة الكسائي ( ت : 189 هـ ) شيخ مدرسة الكوفة النحوية دون منازع ، وهو التلميذ الوفي لمؤسس هذه المدرسة أبي جعفر الرؤاسي الكوفي. وكان الرؤاسي معاصراً للخليل بن أحمد الفراهيدي ، وكتابه « الفيصل » في النحو يأخذ عنه سيبويه ( ت : 180 هـ ) فإذا ذكر في الكتاب : الكوفي ، فإنما يعني أبا جعفر الرؤاسي (1).

ولقد إختار الكسائي لنفسه طريقة خاصة في القراءة وعدّ بها من القراء السبعة ، وكان قد أخذ القراءة مذاكرة عن حمزة الزيات ، وسمع من الامام جعفر الصادق (2).

ولقد أثنى ابن جني ( ت : 392 هـ ) على دقة الكسائي في النحو وضبطه في العربية (3).

وللكسائي كتابان في القرآن هما :

كتاب المشتبه في القرآن (4).

كتاب ما إشتبه من لفظ القرآن ، وتناظر من كلمات الفرقان (5).

وتجد في منهج الكسائي التأليفي في هذا النمط مزجاً كلياً بين تفسير

____________

(1) ظ : بروكلمان ، تأريخ الادب العربي : 2 / 197 ، و ظ : مصادره.

(2) ظ : الخوئي ، البيان في تفسير القرآن : 155.

(3) ظ : ابن جني ، الخصائص : 1 / 84.

(4) موجود في : باريس أول 665 ، رقم (4) وهو نفسه كتاب : المشبهات في القرآن.

(5) ظ : بروكلمان ، تأريخ الأدب العربي : 2 / 199.

54

مفردات القرآن ، ومدارك اللغة ، وقضايا الصرف والموازين ، ومذاهب القراء ، ومصادر النّحو العربي.

على أن الفراء أشهر تلاميذ الكسائي ، وهو يحيى بن زياد الكوفي ( ت : 207 هـ ) هو أول من تناول مسائل النحو ، ومصادر اللغة ، وفلسفة العربية الفصحى في كتابه الجليل : « معاني القرآن » (1).

وقد بدأ الفراء بإملاء هذا الكتاب على تلامذته استقراءً من فاتحة الكتاب حتى استوفى القرآن العظيم ، فكان الرجل من تلامذته يقرأ الآية ، والفراء يفسر ، وهكذا حتى أتم الكتاب إملاءً من غير نسخة (2).

وإنتشر الكتاب في بغداد إنتشار النار في الهشيم ، ولا أحسب الخطيب البغدادي مبالغاً فيما رواه عن أبي بديل الوضاحي في هذا الصدد ، قال : فأردنا أن نعد الناس الذين إجتمعوا لإملاء كتاب المعاني ، فلم يضبط قال : فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضياً » (3).

وقد ذهب ثعلب ( ت : 291 هـ ) مذهباً إفتائيًّا في الثناء عليه فقال : « لم يعمل أحد قبله مثله ، ولا أحسب أن أحداً يزيد عليه » (4).

وقد إعتبر الاستاذ بروكلمان : الفراء : أول من قعد لدرس تفسير القرآن في مسجد من مساجد بغداد ، ونقل قول ثعلب : « ولولا الفرّاء لما كانت اللغة ، لأنه خلصها وضبطها ، ولولا الفّراء لسقطت العربية ، لأنها كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد ، ويتكلم الناس على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب » (5).

والدقة تقتضي : أن يقال : إن الفراء هو أول منظم لدرس التفسير أسبوعياً من ناحية الزمن ، وتسلسلياً من ناحية ترتيب المصحف ، وتكاملياً من حيث استقطب كل سور القرآن ، وليس هو أول من ألقى دروساً مستقلة

____________

(1) حققه الاستاذ محمد علي النجار.

(2) ظ : مقدمة المعاني : 1 / 13.

(3) ظ : معاني القرآن ، مقدمة التحقيق : 1 / 13.

(4) ابن النديم ، الفهرست : 66.

(5) ظ : بروكلمان ، تأريخ الادب العربي : 4 / 9 وانظر مصادره.