وصايا الرّسول لزوج البتول عليهم السلام

- السيد علي الصدر المزيد...
645 /
7

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصي نعماءَه العادّون ، ولا يؤدّي حقّه المجتهدون ، وصلوات الله على الرسول الأمين وخاتم النبيّين الذي بعثه لإنجاز عِدَته وتمام نبوّته وتبليغ رسالته.

وسلام الله على أهل بيته المعصومين الذين هم أساس الدين ومنار اليقين ، والذين لهم حقّ الولاية وفيهم الوراثة والوصاية ..

ولعنة الله على أعدائهم وظالميهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم من الأوّلين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

وبعد .. فقد إمتاز الدين الإسلامي الحنيف في خطاب الكتاب وبيان الرسول وهدى أهل البيت بخصوصية جامعيّته لجميع شؤون الإنسان في جميع العصور والأزمان ، بحيث رَسَمَ له المنهج الكامل والنهج المتكامل في عامّة المجالات وكافّة المناسبات الإعتقادية والعمليّة ، والإجتماعيّة والشخصيّة ، والأخلاقيّة والسلوكية بعباداته ومعاملاته ، وعقوده وإيقاعاته ، ومواعظه وإرشاداته .. في جميع ما يحتاج إليه الفرد والاُسرة ، للدنيا والآخرة.

وذلك ببركة كتاب الله الكريم الذي هو مصباح الهدى ومنار الحكمة ودليل المعرفة الذي من جعله أمامه قاده إلى الجنّة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار.

ثمّ بفضل رسوله العظيم الذي أرسله الله تعالى شاهداً ومبشّراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، مع أهل بيته الأكرمين الذين أنزل فيهم آية التطهير ، ثمّ

8

جعلهم الحفظة لهذا الدين والأوصياء الخلفاء لسيّد المرسلين ، والمظهرين لأحكام الشرع المبين فكانوا نجوم الهداية وسفن النجاة التي من تمسّك بها نجى ومن تخلّف عنها غرق وهوى.

وجعل سيّدهم وسندهم أمير المؤمنين وسيّد الوصيين باباً لمدينة علم نبيّه وهادياً لاُمّته ، محوراً للحقّ وكشّافاً للحقيقة ، وعلّمه النبي ألف باب من العلم ينفتح من كلّ باب منها ألف باب .. كما ثبت بالطرق المتواترة من الخاصّة والعامّة .. (1).

وكان ممّا أفاض عليه من العلم والحكمة وصاياه الجامعة ، ومواعظه النافعة ، ومعالمه البارعة التي جمعت الخير الكامل وحثّت على أسنى الفضائل.

وقد كانت وصاياه له (عليه السلام) بالمقدار الكثير الكثير الذي لم يتحقّق وِزانُه لأيّ واحد من الأصحاب ولا لفرد آخر من الأطياب .. بل خصّه النبي بها وجعله الباب إليها ، ليرتوي منه المؤمنون ، وينتهل من نميره المسلمون ، بل يهتدي به الخَلَف أجمعون ، فتكون خير دليل لخير سبيل ، وكفاها سموّاً أنّها صدرت من أفصح من نطق بالضّاد لأفصح الناس بعده من العباد.

وحسبها علوّاً أنّها وصايا أرشد إليها عقل الكلّ لكلّ العقل.

ويكفيها رفعةً أنّها أوصى بها سيّد الأنبياء الذي عصمه الله تعالى بقوله : ( وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (2) لسيّد العترة الذي طهّره الله عزّوجلّ

____________

1 ـ لمزيد المعرفة لاحظ أحاديث الفريقين في أنّ علياً (عليه السلام) وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق الخاصّة مائة حديث ومن طرق العامّة سبعون حديثاً ، في غاية المرام ، ص 150 ـ 190 ، وفي انّ علياً (عليه السلام) باب علم الرسول (صلوات الله عليه وآله) ومدينة علمه وحكمته من طرق الخاصّة أربعون حديثاً ، ومن طرق العامّة ثلاثة وعشرون حديثاً ، في غاية المرام ، ص 517 ـ 524 ، ويمكنك ملاحظة الأدلّة الوافية على وصاية الأئمّة (عليهم السلام) في كتابنا العقائد الحقّة ، ص 290.

2 ـ سورة النجم ، الآية 3 و 4.

9

بقوله : ( ... إنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1).

هذا هو موضوع الكتاب الذي بين يديك ، وكان المرجوّ فيه أن يجمع وصايا الرسول لزوج البتول.

واعلم أنّ الوصيّة لغةً هو التقدّم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظ .. مأخوذة من قولهم ، أرض واصية أي متّصلة النبات (2).

إذ الوصيّة في الأصل فعيلة بمعنى الإتّصال من وصى يصي إذا وصل الشيء بغيره (3).

وقد قالوا وصي البيت إذا اتّصل بعضه ببعض .. فكأنّ الموصي بالوصيّة وصل جلّ اُموره بالموصى إليه ، والوصية والأمر والعهد بمعنى واحد ، كما في مجمع البيان (4) عند قوله تعالى : ( وَوَصّى بِها إبراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاّ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ ) (5).

وعليه فالوصية في مؤدّاها هي : ( العهد الذي يؤخذ على الإنسان في مجال النصح ، والحثّ على الفضائل والأخلاق الحسنة ، وفعل الخيرات وإجتناب المنكرات ) (6).

ولذا قال في اللسان ، « أوصى الرجل ووصّاه ، عهد إليه » (7).

____________

1 ـ سورة الأحزاب ، الآية 33.

2 ـ مفردات الراغب ، ص 525.

3 ـ مجمع البحرين ، ص 93.

4 ـ مجمع البيان ، ج 1 ، ص 213.

5 ـ سورة البقرة ، الآية 132.

6 ـ وصايا الرسول ، ص 9.

7 ـ لسان العرب ، ج 15 ، ص 394.

10

وقال في القاموس ، « أوصاه ووصّاه توصية ، عهد إليه ، والإسم الوَصاة ، والوصاية ، والوصيّة » (1).

وفي التاج ، « أوصاه إيصاءً ، ووصّاه توصيةً ، إذا عهد إليه » (2).

وجاء في المصباح ، « أوصيته بولده ، إستعطفته عليه ، وأوصيته بالصلاة ، أمرته بها ، ولفظ الوصيّة مشترك بين التذكير والإستعطاف وبين الأمر ، ويتعيّن حمله على الأمر » (3).

وقال في المجمع ، « العهد ، الوصيّة والأمر ، يقال : عهد إليه بعهد من باب تعب إذا أوصاه ، ومنه قوله تعالى : ( وعَهِدنا إلى إبراهيم ) أي وصّيناه وأمرناه » (4) فالمستفاد عرفاً ولغةً أنّ الوصايا هي العهود المأخوذة ، والأوامر الواردة والنواهي الواصلة ، والمواعظ الصادرة من الموصي للوصي.

والوصايا النبوية المقصودة هنا هي العهود والأوامر والنواهي والمواعظ والآداب الموجّهة من سيّدنا النبي لوصيّه الإمام أمير المؤمنين علي عليهما وآلهما السلام الذي هو المشكاة النبراس لهداية الناس ( ... مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاة فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ فِي زُجاجَة الزُّجاجَةُ كَأنّها كَوكَبٌ دُرّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَة مُبارَكَة زَيْتُونَة لاَّ شَرْقيَّة وَلاَ غَرْبِيَّة يَكادُ زَيّتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُور يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ ) (5).

هذا .. والذي نأمله في هذا الكتاب الجامعية في وصايا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)

____________

1 ـ القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 400.

2 ـ تاج العروس ، ج 10 ، ص 392.

3 ـ المصباح المنير ، مادّة وَصَى.

4 ـ مجمع البحرين / ص 220.

5 ـ سورة النور ، الآية 35.

11

للإمام أمير المؤمنين عليه صلوات المصلّين ..

وقد كانت متفرّقة في مختلف الكتب على إختلاف الأبواب مطبوعها ومخطوطها فأحببت جمعها وتوضيح ما لزم بيانه وتبيانه من كلماتها ومضامينها وشرح غريبها لتكون هدىً لنفسي وهديّةً لأحبّتي.

وأسأل الله تعالى التوفيق المأمول والتفضّل بالقبول.

-قم المشرّفة ـ عيد الفطر المبارك ـ سنة 1417 هجرية

علي بن السيّد محمّد الحسيني الصدر

12

-

13

1

في كتاب الفقيه ، روى (1) حمّاد بن عمرو ، وأنس بن محمّد ، عن أبيه جميعاً ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال له :

يا علي ، اُوصيك بوصيّة فاحفظها فلا تزالُ بخير ما حفظتَ وصيّتي :

يا علي ، مَن كظَم غيظاً (2) وهو يَقدر على إمضائِه أعقبَه اللّهُ يومَ القيامةِ أمْناً وإيماناً يجدُ طعمَه (3).

________________________________________________

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلواته على سادة خلقه محمّد وآله الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى قيام يوم الدين ، آمين ربّ العالمين.

(1) هذه الوصيّة الشريفة من الوصايا الجامعة والمواعظ البالغة التي أوصى بها رسول الله إلى أمير المؤمنين ، فكانت منار النور ومصباح الديجور للاُمّة المهتدية بهدى نبيّها والسالكة طريق عَليِّها ... رزقنا الله تعالى الإستضاءة بنورهم والتمسّك بولايتهم التي هي سعادة الحياة وصراط النجاة .. وهي الأمان من الضلالة ، والضمان للهداية حتّى الورود على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

(2) كظم الغيظ هو حبسه وتجرّعه ممّن هو قادر على إمضائه وإنفاذه.

(3) فمرارة كظم الغيظ تثاب بحلاوة طعم الأمن والإيمان ، وتعوّض

14

يا علي ، مَن لم يُحسن وصيَّته عندَ موته (4) كان نقصاً في مروءَته (5) ،

________________________________________________

بالطمأنينة في القلب ولذّة اليقين والإرتباط بالله تعالى.

(4) حُسن الوصيّة إتيانها بحدودها وشروطها ومستحبّاتها كاملة مع حسن التدبير فيما خلّف ، وعدم الإضرار بالورثة والعهد إلى الله (1).

فإن لم يأت الإنسان بالوصيّة أو أوصى بخلاف المشروع أو وصّى بما لا ينفعه أو لم يوصّ بخير في ثلثه أو لم يوصّ بإنفاذ وأداء ما إشتغلت به ذمّته ، أو لم يوصّ بشيء لذوي قرابته ممّن لا يرثه لم يحسن الوصيّة ..

فاللازم أن يوصي ويحسن ويجعل أحد المؤمنين الثقات وصيّاً له بل الأولى أن يجعل وصيّه ثقتين أو يجعل أحدهما وصيّاً والآخر ناظراً على تنفيذ الوصيّة ، بل يجب إن أمكن أن يفرغ من ديونه قبل أن يموت لتحصل له البراءة اليقينيّة كما أفاده والد المجلسي (قدس سره) (2).

(5) المروءة بالهمزة وقد تشدّد ويقال : مروّة فُسّرت في كلام الإمام المجتبى (عليه السلام) بأنّها ، شُحّ الرجل على دينه وإصلاحه ماله وقيامه بالحقوق (3).

هذا في الحديث ، وامّا في اللغة (4) فالمستفاد منها أنّ المروءة من الآداب النفسية التي تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات وقد تتحقّق بمجانبة ما يؤذن بخسِّة النفس (5).

____________

1 ـ لاحظ وسائل الشيعة ، ج 13 ، ص 353 ، ب 3 ، ح 1.

2 ـ روضة المتّقين ، ج 12 ، ص.

3 ـ سفينة البحار ، ج 8 ، ص 51.

4 ـ كثيراً ما نذكر في هذا الكتاب الحاصل المستفاد من اللغة في شرح الكلمة من دون ذكر نصوص كلمات اللغويين رعاية للإختصار فليُعلم.

5 ـ مجمع البحرين ، مادّة مرأ ، ص 82.

15

ولم يملِك الشفاعة (6).

يا علي ، أفضلُ الجهادِ مَن أصبح لا يَهِمُّ بظلمِ أحد (7).

يا علي ، مَن خاف الناسُ لسانَه فهو من أهلِ النار (8).

________________________________________________

وفُسّرت أيضاً بأنّها تنزيه النفس عن الدناءة التي لا تليق بأمثاله كما قاله الشهيد الأوّل (قدس سره) (1).

(6) أي لا يستحقّ أن يشفع لأحد أو أن يشفع له أحد لتفريطه في الإحسان إلى نفسه حيث لم يوص بعمل خير في ثلثه كما في حاشية المولى التفرشي على الفقيه المسمّاة بالتعليقة السجّادية.

وهذا البيان منه (صلى الله عليه وآله وسلم) يكذّب قول مَن ادّعى أنّه (صلوات الله عليه وآله) مات ولم يوصّ إلى أحد وترك الأمر للاُمّة حتّى تختار خليفتها وحاشاه أن يترك الأمر سُدى أو يفعل ما عنه نَهى.

(7) أي صار بحيث لا يريد أن يظلم أحداً ، وسمّي ترك الظلم جهاداً لإشتماله على مجاهدة النفس التي هي الجهاد الأكبر كما في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) ، أنّ النبي بعث بسريّة فلمّا رجعوا قال : مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقى الجهاد الأكبر ، قيل ، يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال : جهاد النفس (2).

(8) أي خاف الناس من لسانه بالغيبة والإفتراء والإيذاء ممّا حرّمه الله تعالى ، وفي حديث عبدالله بن سنان أيضاً عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) ، « من خاف الناس لسانه فهو في النار » (3).

____________

1 ـ الدروس ، ص 190 ، كتاب الشهادات.

2 ـ فروع الكافي ، ج 5 ، ص 12 ، باب وجوه الجهاد ، ح 3.

3 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 327 ، ح 3.

16

يا علي ، شرُّ الناسِ مَن أكرمهُ الناسُ اتّقاءَ فحشه ـ ورُوي شرّه ـ (9).

يا علي ، شرُّ الناسِ مَن باع آخرتَه بدنياه (10) ، وشرٌّ من ذلك مَن باعَ آخرتَه بدنيا غيرِه (11).

يا علي ، مَن لم يقبل العذرَ من متنصّل (12) صادقاً كان أو كاذباً لم يَنَلْ ...

________________________________________________

(9) وقد ورد في حديث أبي بصير ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، « انّ من شرّ عباد الله من تُكره مجالسته لفحشه » (1).

وفي حديث جابر بن عبدالله الأنصاري قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، « شرّ الناس يوم القيامة الذين يُكرمون اتّقاء شرّهم » (2).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، « ألا ومَن أكرمه الناس إتّقاء شرّه فليس منّي » (3).

(10) فإنّها بئست الصفقة لمن يبيع آخرته الباقية بدنياه الفانية ، بأن يكذب ويدلّس مثلا فيما ينفعه لدنياه ، فيخسر آخرته.

(11) وهذا أكثر شرّاً وأخسر صفقة بأن يبيع آخرته وحياته الأبدية لا لنفع نفسه بل لدنيا غيره ، كأن يشهد شهادةً باطلة حتّى تحصل لغيره منفعة دنيويّة ، ويخسر هو حياته الاُخروية.

(12) التنصّل من الذنب هو التبرّي منه .. والمتنصِّل هو المتبرّي من ذنبه والمعتذر منه.

____________

1 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 326 ، ح 1.

2 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 326 ، ح 4.

3 ـ سفينة البحار ، ج 1 ، ص 695.

17

... شفاعتي (13).

يا علي ، إنّ اللهَ عزّوجلّ أَحبَّ الكذبَ في الصلاحِ (14) ، وأبغَضَ الصدقَ في الفساد (15).

________________________________________________

(13) فإنّ الندامة من الذنب كافية لقبول العذر وإن لم يكن عذره صحيحاً كما يرجو الإنسان من الله تعالى أن يقبل توبته ويعفو عن ذنبه وتشمله الشفاعة وإن لم يكن له عذر في المعصية.

(14) للآثار الحسنة التي تترتّب عليه فلا يكون من الكذب المحرّم بل قيل ، أنّه لا يسمّى كذباً إصطلاحاً وإن كان كذباً لغةً ، لأنّ الكذب في الشرع هو ما لا يطابق الواقع ويذمّ قائله وهذا لا يذمّ قائله كما أفاده العلاّمة المجلسي (1) ، ذاكراً بعده أحوطيّة التورية في مثل هذه المقامات ، والتورية هي ، قصد المعنى الخفي الصادق من اللفظ.

وقد ورد في فضيلة الإصلاح بين الناس باب واف من الأخبار الشريفة في اُصول الكافي ، منها ، حديث حبيب الأحول قال سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : « صدقة يحبّها الله ، إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا ، وتقارب بينهم إذا تباعدوا » (2).

وفي حديث المفضّل قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) ، « إذا رأيت بين إثنين من شيعتنا منازعةً فافتدها من مالي » (3).

(15) للآثار السيّئة التي تترتّب عليه وفي حديث المحاربي ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن علي (عليه السلام) قال : قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، « ثلاث يحسن فيهنّ الكذب ، المكيدة في الحرب ، وعِدَتُك زوجتك ، والإصلاح بين الناس ، وقال : ثلاث يقبح فيهنّ الصدق ، النميمة ، وإخبارك الرجل عن أهله بما يكرهه ،

____________

1 ـ مرآة العقول ، ج 9 ، ص 146.

2 و 3 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 209 ح 1 و 3.

18

يا علي ، مَن ترك الخمرَ لغيرِ اللّهِ (16) سقاهُ اللّهُ من الرحيقِ المختوم (17) ، فقال علي (عليه السلام) ، لغيرِ اللّه؟! قال : نعم واللّهِ صيانةً لنفسهِ يشكرُه اللّهُ على ذلك (18).

يا علي ، شاربُ الخمرِ كعابدِ وَثَن (19).

________________________________________________

وتكذيبك الرجل عن الخبر ... » (1).

(16) أفاد المولى التقي المجلسي ، الظاهر أنّ مجرد ترك المعاصي كاف في الإمتثال وعدم العقاب ، وأمّا الثواب على تركها فهو مشروط بالنيّة ، واستثنى منها ترك شرب الخمر فانّه يؤجر ويثاب عليه وان لم ينوِ القربة أو كان الترك لأجل صيانة النفس وحفظ شرفه وكرامته أو لسلامته عن أضرار الخمر الصحّية أو مفاسدها الإجتماعية.

(17) الرحيق هو الشراب الخالص وخمر الجنّة ، والمختوم أي تكون رؤوس أوانيها مختومة بالمسك فلا يتغيّر طعمها بل تكون رائحتها برائحة المسك .. ويشهد له قوله تعالى : ( خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ ) (2).

(18) أي يثيبه على الترك أو يذكره الله تعالى في الملأ الأعلى بأنّ عبدي لا يشرب الخمر.

(19) أي مثله في أنّه لا يعرف ربّه في الساعة التي يسكر فيها كما يأتي في نفس حديث الوصيّة هذه ، ومثله أيضاً في العقوبة العظمى ولهذا قرنها الله بعبادة الأصنام في قوله تعالى : ( إنَّمَا الْخَمْرُ والمَيْسِرُ والأَنصَابُ والأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ

____________

1 ـ بحار الأنوار ، ج 71 ، ب 60 ، ص 8 ، ح 11.

2 ـ سورة المطفّفين ، الآية 26.

19

يا علي ، شاربُ الخمرِ لا يقبل اللّهُ عزّوجلّ صلاتَه أربعينَ يوماً (20) ، فإن ماتَ في الأربعينِ مات كافراً (*).

________________________________________________

عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) (1) ، وأمّا في مقدار العقوبة فلا يستويان لأنّ الكافر مخلّد في النار دون الفاسق الشارب للخمر إلاّ بالمعنى الذي وجّهه الصدوق (قدس سره) يعني مستحلّ الخمر فيكون هكذا شارب للخمر كافراً كالوَثَني.

(20) قال الشيخ البهائي ، لعلّ المراد بعدم القبول هنا عدم ترتّب الثواب عليها في تلك المدّة لا عدم إجزائها فإنّها مجزية إتّفاقاً وهو يؤيّد ما يستفاد من كلام السيّد المرتضى ، من أنّ قبول العبادة أمر مغاير للإجزاء ، فالعبادة المجزية هي المبرأة للذمّة المخرجة عن عهدة التكليف .. بينما العبادة المقبولة هي ما يترتّب عليها الثواب ، ولا تلازم بينهما ولا إتّحاد كما يُظن ، وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى : ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ المُتَّقِينَ ) (2) ، كما نقله السيّد الشبّر (3). ثمّ نقل عن العلاّمة المجلسي في توجيه كون عدم القبول في خصوص أربعين يوماً فقط إحتمال أن يكون بدن الإنسان على وجه يحصل التغيّر الكامل فيه بعد أربعين يوماً كالتغيّر من النطفة إلى العلقة وإلى سائر المراتب ، فالتغيّر عن الحالة التي حصلت في البدن من شرب الخمر إلى حالة اُخرى بحيث لا يبقى فيه أثر منها لا يكون إلاّ بعد مضيّ تلك المدّة ..

وذلك في حديث الصدوق في علل الشرائع ، باسناده عن الحسين بن خالد قال : قلت للرضا (عليه السلام) ، « إنّا روينا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ من شرب الخمر لم تحسب

____________

* ـ قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) ، يعني إذا كان مستحلاًّ لها.

1 ـ سورة المائدة ، الآية 90.

2 ـ سورة المائدة ، الآية 27.

3 ـ مصابيح الأنوار ، ج 2 ، ص 208.

20

يا علي ، كلُّ مسكر حرامٌ ، وما أسكر كثيرُه فالجرعةُ منه حرام (21).

يا علي ، جُعِلَت الذنوبُ كلُّها في بيت ، وجُعِلَ مفتاحُها شُربُ الخمر (22).

________________________________________________

صلاته أربعين صباحاً فقال : صدقوا ، فقلت ، وكيف لا تحسب صلاته أربعين صباحاً لا أقلّ من ذلك ولا أكثر؟ قال : لأنّ الله تعالى قدّر خلق الإنسان فصيّر النطفة أربعين يوماً ، ثمّ نقلها فصيّرها علقة أربعين يوماً ، ثمّ نقلها فصيّرها مضغة أربعين يوماً ، وهكذا إذا شرب الخمر بقيت في حشاشته على قدر ما خلق منه ، وكذلك يجتمع غذاؤه وأكله وشربه تبقى في حشاشته أربعين يوماً » (1).

(21) وتحريم الخمر موضع وفاق بين المسلمين وهو من ضروريّات الدين ، والمعتبر في التحريم إسكار كثيرها فيحرم قليلها أيضاً ، وحرمتها ثابتة في جميع الأديان كما يدلّ عليه حديث أبي بصير ، عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال : « ما زالت الخمر في علم الله وعند الله حرام ، وإنّه لا يبعث الله نبيّاً ولا يرسل رسولا إلاّ ويجعل في شريعته تحريم الخمر ... » (2).

(22) فإنّ شرب الخمر يفتح الباب إلى كلّ شرّ وذنب ، وفي الفقه الرضوي ، « وإنّ الله تعالى حرّم الخمر لما فيها من الفساد ، وبطلان العقول في الحقائق ، وذهاب الحياء من الوجه ، وأنّ الرجل إذا سكر فربما وقع على اُمّه أو قتل النفس التي حرّم الله ، ويفسد أمواله ، ويذهب بالدين ، ويسيء المعاشرة ، ويوقع العربدة ، وهو يورث الداء الدفين » (3).

____________

1 ـ علل الشرائع ، ص 345 ، ب 52 ، ح 1.

2 ـ بحار الأنوار ، ج 66 ، ص 488 ، ب 1 ، ح 23.

3 ـ الفقه الرضوي ، ص 37.

21

يا علي ، يأتي على شاربِ الخمرِ ساعةً لا يعرفُ فيها ربَّه عزّوجَلّ (23).

يا علي ، إنّ إزالةَ الجبالِ الرواسي أهونُ (24) ...

________________________________________________

والداء الدفين هو الداء المستتر ، ولعلّه إشارة إلى الأمراض الخطيرة التي يُورثها إدمان الخمر كالصرع والرعشة ، والفالج ، وتورّم الأحشاء ، والتهاب الكبد والكلى ، وترهّل البدن ، وإختلال الأعصاب ، وذات الرئة ، وسرطان جهاز الهضم ، وضياع المعدة وغيرها من المساوىء التي صرّحت بها الكتب الطبية وكشفتها المؤسّسات العالمية (1).

(23) في حديث الإحتجاج سأل زنديقٌ أبا عبدالله (عليه السلام) ، لِمَ حرّم الله الخمر ولا لذّة أفضل منها؟ فقال : « حرّمها لأنّها اُمّ الخبائث ، ورأس كلّ شرّ ، يأتي على شاربها ساعة يُسلب لُبّه ، فلا يعرف ربّه ، ولا يترك معصية إلاّ ركبها ، ولا يترك حرمة إلاّ إنتهكها ، ولا رحماً ماسّة إلاّ قطعها ، ولا فاحشةً إلاّ أتاها ، والسكران زمامه بيد الشيطان ، إن أمره أن يسجد للأوثان سجد ، وينقاد حيثما قاده » (2).

وما أحلى هذا الحديث من بيان ، وكشف الحقيقة للإنسان ، في تعرفة الآثار السيّئة ، والعواقب الرديئة ، بإرتكاب الشنائع والإتيان بالفجائع التي تجرّ الندم الدائم والشرّ الهائم في العباد والبلاد.

(24) أي الجبال الثابتة في أماكنها التي هي راسخة لا تزول لعظمتها وأهون بمعنى أيسر.

____________

1 ـ راجع كتاب المعتمد ، ص 136. ونسخة العطّار ، ص 538.

2 ـ الإحتجاج ، ج 2 ، ص 92.

22

من إزالةِ مَلِك مؤجّل لم تنقضِ أيّامُه (25).

يا علي ، مَن لم تنتفعْ بدينِه ولا دنياه فلا خيرَ لكَ في مجالستِه (26) ،

________________________________________________

(25) فإذا إنقضت أيّامه وإنتهت مدّته حصل أسباب زواله.

(26) فانّه تضييع للعمر بل تعرّض للضرر الدنيوي أو الاُخروي غالباً .. وقد ورد في أحاديثهم الشريفة ذكر من ينبغي إجتناب مصاحبته وبيان من ينبغي إختيار صحبته.

أمّا الأوّل : ففي حديث محمّد بن مسلم أو أبي حمزة ، عن أبي عبدالله الصادق ، عن أبيه (عليهما السلام) قال : قال لي علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) ، يابنيَّ انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا توافقهم في طريق فقلت ، يا أبة من هم؟ قال : إيّاك ومصاحبة الكذّاب فإنّه بمنزلة السراب يقرِّب لك البعيد ويباعد لك القريب ، وإيّاك ومصاحبة الفاسق فإنّه بايعُكَ بأُكلة أو أقلّ من ذلك ، وإيّاك ومصاحبة البخيل فإنّه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه ، وإيّاك ومصاحبة الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك ، وإيّاك ومصاحبة القاطع لرحمه فإنّي وجدته ملعوناً في كتاب الله عزّوجلّ في ثلاث مواضع ، قال الله عزّوجلّ : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * اُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) (1) وقال : ( وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) (2) وقال في سورة البقرة : ( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِه وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ

____________

1 ـ سورة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الآية 22 ـ 23.

2 ـ سورة الرعد ، الآية 25.

23

ومن لم يوجبْ لكَ فلا توجبْ له ولا كرامة (27).

يا علي ، ينبغي أن يكونَ في المؤمنِ ثمانُ خصال ، وقارٌ عندَ الهزاهز (28) ، وصبرٌ عندَ البلاء ، وشكرٌ عندَ الرَّخاء ، وقنوعٌ بما رزقه اللّهُ عزّوجَلّ (29) ، لا يظلمُ الأعداءَ (30) ،

________________________________________________

بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ ) (1) ـ (2).

وأمّا الثاني : فقد ورد في حديث جابر بن عبدالله الأنصاري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « لا تجلسوا إلاّ عند كلّ عالم يدعوكم من خمس إلى خمس ، من الشكّ إلى اليقين ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الرغبة إلى الرهبة ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن الغشّ إلى النصيحة » (3).

وقال الحواريون لعيسى (عليه السلام) ، « مَن نجالس؟ فقال : من يذكّركم الله رؤيته ، ويرغّبكم في الآخرة عمله ، ويزيد في منطقكم علمه » (4).

(27) أي من لا يعرف حقّك ولا يعظّمك فلا يجب عليك تعظيمه وتكريمه ..

(28) أي يكون له حلم ورزانة وتثبّت عند الهزاهز وهي الفتن وتحريكات الحروب.

(29) من القناعة بمعنى الرضا بما قُسم له.

(30) فيلزم أن لا يخرج المؤمن عن حقّه ولا يفضى به سخطه إلى التعدّي إلى ما ليس له بحقّ حتّى على عدوّه.

____________

1 ـ سورة البقرة ، الآية 27.

2 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 376 ، باب مجالسة أهل المعاصي ، ح 7.

3 ـ بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 188 ، ب 12 ، ح 18.

4 ـ بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 189 ، ب 13.

24

ولا يتحاملُ على الأصدقاءِ (31) ، بدنُه منه في تَعَب ، والناسُ منه في راحة (32).

يا علي ، أربعةٌ لا تُردُّ لهم دعوة (33) ، إمامٌ عادل ، ووالدٌ لولدِه ، والرجلُ يدعو لأخيهِ بظهرِ الغيب ، والمظلوم ، يقول اللّه عزّوجلّ ، وعزّتي وجَلالي لأنتصرنَّ لكَ ولو بَعد حين.

________________________________________________

(31) أي لا يُلقي كَلَّه على أصدقائه ولا يكلّفهم ما لا يطيقون ، وفي حديث الكافي ، « ولا يتحامل للأصدقاء » باللام ، أي لا يتحمّل الآثام كشهادة الزور والحكم بالباطل وإرتكاب المعاصي لأجلهم.

(32) هذه هي الصفات الفاضلة التي ينبغي أن يتحلّى بها المؤمن بوصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويجدر في المقام التدبّر في صفات المؤمنين المتّقين أيضاً التي بيّنها وصيّه الحقّ أمير المؤمنين في خطبة همّام الواردة في نهج البلاغة (1).

(33) وبمضمونه أحاديث كثيرة اُخرى يستفاد منها أنّ أدعية هؤلاء لا تحجب عن السماء فيستجيب الله عزّوجلّ لهم. وحبّذا لو روعيت آداب الدعاء والداعي مثل طيب المكسب ، والوثوق بالله تعالى ، وعدم القنوط ، والإقبال بالقلب ، والإلحاح في المسألة ، ورفع اليد بالدعاء ، والبكاء أو التباكي ، والإبتداء في الدعاء بحمد الله تعالى وذكر نعمه التي أنعم بها على الداعي ثمّ شكره ، ثمّ الصلاة على محمّد وآل محمّد ثمّ تذكّر الداعي ذنوبه والإستعاذة أو الإستغفار منها ثمّ يدعو ثمّ يصلّي بعد الدعاء أيضاً على النبي والآل ، ويكون الدعاء في صلاة الوتر أو بعد الفجر أو عند الزوال أو بعد الظهر أو بعد المغرب أو عند قراءة القرآن أو عند الأذان أو عند

____________

1 ـ نهج البلاغة ، ص 303 ، الخطبة 193.

25

يا علي ، ثمانيةٌ إن أُهينوا فلا يلومُوا إلاّ أنفسَهم (34) ، الذاهبُ إلى مائدة لم يُدعَ إليها ، والمتأمّرُ (35) على ربِّ البيت ، وطالبُ الخيرِ من أعدائِه ، وطالبُ الفضلِ من اللئام (36) ، والداخلُ بين إثنين في سرّ لم يُدخلاهُ فيه ، والمستخفُّ بالسُلطان ، والجالسُ في مجلس ليس له بأهل (37) ، والمقبلُ بالحديثِ على من لا يسمعُ منه.

يا علي ، حَرّمَ اللّهُ الجنّةَ على كلِّ فاحش بذيّ (38) لا يُبالي ما قال ولا ما قيل له.

________________________________________________

نزول الغيث أو عند التقاء الصفّين للشهادة ، أو في سحر ليلة الجمعة ممّا تلاحظها في أبواب الدعاء.

(34) حيث انّهم عرّضوا أنفسهم للإهانة في موردها فكان إقداماً منهم على إهانة النفس.

(35) أي المتسلّط بالأمر بإحضار شيء أو إبعاد شيء.

(36) اللئام ـ جمع اللئيم ـ ، وهو من كان دنيء الأصل وخسيس النفس.

(37) أي ليس من شأنه الجلوس في ذلك المجلس والمكان .. مثل أن يكون المجلس أرفع من شأنه وأعلى من قدره.

(38) البذيء على وزن فعيل أي بذيء اللسان من قولهم ، بذا على القوم أي سفه عليهم وأفحش في منطقه وليس هو من صفات الكرام ففي حديث الإمام الباقر (عليه السلام) ، « سلاح اللئام قبيح الكلام » (1).

____________

1 ـ سفينة البحار ، ج 7 ، ص 31.

26

يا علي ، طُوبى (39) لمن طالَ عُمرهُ وحَسُنَ عملُه (40).

يا علي ، لا تمزحْ فيذهب بهاؤُك ، ولا تكذب فيذهب نورُك ، وإيّاكَ وخصلتين ، الضجر (41) والكسل ، فانّك إن ضجرتَ لم تصبر على حقّ ، وإن كسلت لم تؤدِّ حقّاً.

يا علي ، لكلّ ذنب توبة إلاّ سوءُ الخُلُق ، فإنّ صاحبَه كلّما خرج من ذنب دَخَل في ذنب (42).

يا علي ، أربعةٌ أسرعُ شيء عقوبةً ، رجلٌ أحسنتَ إليه فكافأك بالإحسانِ إساءة ، ورجلٌ لا تبغي عليه وهو يبغي ...

________________________________________________

(39) طوبى ، على وزن فُعلى بالضمّ ، مأخوذة من الطيب ، مصدر طاب ، مثل بُشرى مصدر بَشِرَ ، دعاء الخير بأطيب العيش وأحسنه في الجنّة ، وهي في أصل المعنى شجرة مباركة في الجنّة أصلها في دار رسول الله وأمير المؤمنين (سلام الله عليهما وآلهما) ، وفي دار كلّ مؤمن في الجنّة غصن منها ، لا يخطر على قلب المؤمن ما يشتهيه إلاّ وأتاه به ذلك الغصن (1).

(40) فتكثر أعماله الحسنة بكثرة سني عمره.

(41) الضَجَر ، القلق من الشيء والإغتمام منه ، والمنهي عنه هنا هو إظهاره ، فانّ المؤمن حزنه في قلبه وبُشره في وجهه ، مع أنّه يمكن رفع الهمّ والقلق وتسكين النفس بالمواعظ الربّانية .. ( أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ) (2).

(42) يُدخله في ذلك سوء خُلُقه ويدعوه إليه رذالة أخلاقه .. وفي بعض النسخ [ في ذنب آخر ].

____________

1 ـ بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 117 ، ب 23 ، ح 2 ـ 3. ومجمع البحرين ، ص 125.

2 ـ سورة الرعد ، الآية 28.

27

عليك (43) ، ورجلٌ عاهدتَه على أمر فوفيت له وغدرَ بك (44) ، ورجلٌ وَصَل قرابتَه فقطعوه.

يا علي ، من استولى عليه الضجَر رحلت عنهُ الرّاحة.

يا علي ، إثنتا عشرة خصلة ينبغي للرجلِ المسلمِ أن يتعلّمها على المائدة ، أربعٌ منها فريضة ، وأربعٌ منها سنّة ، وأربعٌ منها أدَب (45) ، فأمّا الفريضةُ ، فالمعرفةُ بما يأكل (46) والتسميةُ والشكرُ والرضا ، وأمّا السنّةُ ، فالجلوسُ على الرِّجْلِ اليُسرى ، والأكلُ بثلاثِ أصابع ، وأن يأكلَ ممّا يليه ، ومصُّ الأصابع ، وأمّا الأدبُ ، فتصغيرُ اللقمةِ ، والمضغُ الشديدُ ، وقلّةُ النظرِ في وجوهِ الناس ، وغسلُ اليدين.

يا علي ، خَلَقَ اللّه عزّوجلّ الجنّةَ من لبنتين ، لبنة من ذهب ولبنة من فضّة ، وجعل حيطانَها الياقوت وسقفَها الزَّبرجد ، وحصاها اللؤلؤ ، وترابُها الزعفران والمسكُ الأذفر (47) ، ثمّ قال لها ، تكلّمي فقالت :

________________________________________________

(43) من البغي بمعنى الظلم والفساد والتجاوز والإعتداء.

(44) الغدر ، نقض العهد وترك الوفاء.

(45) أي من محاسن الأخلاق والسجايا الطيّبة.

(46) فيلزم أن يعرف أنّه ممّا يحلّ له أكله ويجوز له تناوله ، ويكون طيّباً غير خبيث ، وطاهراً غير نجس ، وحكي عن بعض النسخ [ فالمعرفة ] بدون قوله ، بما يأكل ، وفسّر بمعرفة المنعم أو الحلال والحرام.

(47) المسك هو الطيب المعروف والأذفر بمعنى الجيّد .. وهو المسك الذي تفوح منه الرائحة الطيّبة الشديدة .. من الذَفَر بمعنى شدّة ذكاء الرائحة.

28

لا إله إلاّ اللّهُ الحيُّ القيّومُ قد سَعَدَ من يدخلني ، قال اللّهُ جلّ جلالُه ، وعزّتي وجَلالي لا يدخُلها مدمنُ خمر (48) ، ولا نمّام (49) ، ولا دَيّوث (50) ، ولا شُرطيُّ (51) ، ولا مُخنّث (52) ، ولا نَبّاش (53) ، ولا عَشّار (54) ، ولا قاطعُ رَحِم (55) ، ولا قَدَري (56).

________________________________________________

(48) يقال : فلان مدمن خمر أي مداوم على شربها ، وفي الحديث ، « ليس مدمن الخمر الذي يشربها كلّ يوم ولكن يوطّنُ نفسه إذا وجدها شربها » (1).

(49) من النميمة وهي نقل الحديث من شخص إلى شخص أو من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد والفتنة.

(50) الديّوث هو الذي تزني امرأته وهو يعلم بها ، ومن يدخل الرجل على زوجته ، ومن لا غيرة له على أهله.

(51) الشرطي هو المنسوب إلى الشرطة وهم أعوان الظلمة والسلاطين والولاة.

(52) المخنّث هو من يوطىءُ في دبره .. مأخوذ من الإنخناث بمعنى اللين والتكسّر.

(53) أي من ينبش القبور ويسرق من الموتى.

(54) هو آخذ العُشر من أموال الناس بأمر الظالم.

(55) أي من لا يصل أرحامه وأقاربه ويأتي إن شاء الله تعالى بيان معنى الرحم وصلته وقطعه عند قوله (عليه السلام) (2) ، « سرّ سنة صل رحمك ».

(56) القدريّة هم الذين يقولون ، أنّ العبد مستقل بنفسه في الأفعال ولا مَدْخل لتوفيق الله تعالى فيها فكانوا بضلالتهم من المفوّضة.

____________

1 ـ مجمع البحرين ، مادّة دَين ، ص 557.

2 ـ الآتي في صفحة 48 من هذا الكتاب.

29

يا علي ، كَفَرَ باللّهِ العظيم (57) من هذه الاُمّة عشرةٌ ، القتّاتُ (58) ، والساحرُ ، والديّوثُ ، وناكحُ المرأةِ حراماً في دبرِها (59) ، وناكحُ البهيمةِ ، ومن نكح ذاتَ مَحْرم ، والساعي في الفتنةِ (60) ، وبايعُ السلاحِ من أهلِ الحربِ ، ومانعُ الزكاةِ ، ومَن وجدَ سعةً فمات ولم يَحجّ.

يا علي ، لا وليمة (61) إلاّ في خمس :

________________________________________________

(57) الكفر في هذه الموارد يكون مع الإستحلال أو الجحود .. بأن يرى حليّة النميمة مثلا أو يجحد وجوب الحجّ فرضاً كما يستفاد من الشيخ الطوسي (1) في تفسير قوله تعالى : ( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلا وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمَينَ ) (2).

وقال والد المجلسي (قدس سره) ، « الظاهر أنّه كفر الكبائر وإطلاقه عليه شائع » (3).

(58) وهو النمّام وقد تقدّم معناه كما تقدّم معنى الديّوث أيضاً.

(59) التقييد بالدبر لعلّه لدفع توهّم أنّ الوطي في الدبر ليس بزنا ، ولأجل كونه أقبح بواسطة إجتماع الحرمة والكراهة فيه وتخيّل الواطىء الحليّة كان كفراً بالإستحلال.

(60) أي الساعي في الشرّ والفساد والعداوة بين المؤمنين.

(61) الوليمة في اللغة تطلق على طعام العرس ، وكلّ إطعام سُنّة لدعوة وغيرها ، وكلّ طعام يتّخذ لجمع ونحوه.

____________

1 ـ التبيان ، ج 2 ، ص 537.

2 ـ سورة آل عمران ، الآية 97.

3 ـ روضة المتّقين ، ج 12 ، ص 63.

30

في عِرس أو خُرس أو عذار أو وكار أو ركاز ، فالعرس التزويج ، والخرس النفاس بالولد ، والعذار الختان ، والوكار في بناء الدار وشرائها ، والركاز الرجل يقدم من مكّة (62).

يا علي ، لا ينبغي للعاقلِ أن يكونَ ظاعناً (63) إلاّ في ثَلاث ، مرمّةٌ لمعاش (64) ،

________________________________________________

(62) أفاد الشيخ الصدوق هنا ما نصّه ، « قال مصنّف هذا الكتاب (رحمه الله) ، سمعت بعض أهل اللغة يقول في معنى الوكار ، يقال للطعام الذي يدعى إليه الناس عند بناء الدار أو شرائها : ( الوكيرة ) والوكار منه ، والطعام الذي يتّخذ للقدوم من السفر يقال له : ( النقيعة ) ويقال له : ( الركاز ) أيضاً ، والرِّكاز الغنيمة كأنّه يريد أنّ في اتّخاذ الطعام للقدوم من مكّة غنيمة لصاحبه من الثواب الجزيل ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ( الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة ) » (1).

وجاء هذا الكلام منه في معاني الأخبار وأضاف عليه ما يلي ، « وقال أهل العراق ، الركاز ، المعادن كلّها ، وقال أهل الحجاز ، الركاز ، المال المدفون خاصّة ممّا كنزه بنو آدم قبل الإسلام ، كذلك ذكره أبو عبيدة ... أخبرنا بذلك أبو الحسين محمّد ابن هارون الزنجاني فيما كتب إليّ عن علي بن عبدالعزيز ، عن أبي عبيدة القاسم بن سلام » (2).

(63) الظعن على وزن نفع هو السير والإرتحال .. والظاعن هو السائر في السفر وغيره.

(64) رممت الشيء بمعنى أصلحته ومرمّة المعاش هو إصلاح المعيشة واُمورها.

____________

1 ـ من لا يحضره الفقيه ، ج 4 ، ص 356.

2 ـ معاني الأخبار ، ص 272.

31

أو تزوّدٌ لمعاد (65) ، أو لذّةٌ في غير مُحَرَّم.

يا علي ، ثلاثٌ من مكارمِ الأخلاق في الدنيا والآخرة (66) ، أن تعفَو عمّن ظَلَمك ، وتصلَ من قطعكَ ، وتَحْلُم عمّن جَهِلَ عليك.

يا علي ، بادر بأربع (67) قبل أربع ، شبابَك قبل هرمِك ، وصحّتَك قبل سُقمِك ، وغناكَ قبل فَقرِك ، وحياتَك قبل موتِك.

يا علي ، كره اللّه عزّوجلّ لاُمّتي (68) ...

________________________________________________

(65) أي حمل الزاد للمعاد والعمل لثواب الآخرة ، وخير الزاد للدار الاُخرى هو التقوى.

(66) أي من محاسن الأخلاق والسجايا والطبايع الطيّبة التي تكون عزّةً للإنسان في الدنيا ومثوبةً في الاُخرى.

(67) من المبادرة بمعنى المسارعة أي سارع فيها واغتنمها وإسع للخير فيها قبل أن تأتي الاُمور التي لا يمكن السعي للخير فيها .. فالعقل يدعو إلى إنتهاز الفرصة وعدم تأخير عمل الخير لحظة .. فانّه قد يحصل المانع وتعرض الطوارىء لذلك ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، « إذا هممت بخير فبادِر فإنّك لا تدري ما يَحدُث » (1).

(68) يقال : كره الأمر كراهة فهو كريه مثل قبيح وزناً ومعنىً ، والشيء المكروه هو ضدّ المحبوب .. والمكروه هنا أعمّ من أن تكون فيه مفسدة فيحرم ، أو فيه حزازة فيكره إصطلاحاً ، فبعض ما ذكر هنا محظور وبعضه مكروه بالإصطلاح الفقهائي .. وكلّها يكرهها الله تعالى لما فيها من فساد أو سوء.

____________

1 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 142 ، باب تعجيل فعل الخير ، ح 3.

32

العبثَ في الصلاةِ (69) ، والمَنَّ في الصدقةِ (70) ، وإتيانَ المساجد جنباً (71) ، والضحكَ بين القُبور (72) ، والتطلّعَ في الدُور (73) ، والنظَر إلى فروجِ النساءِ لأنّه يُورثُ العمى ، وكره الكلامَ عند الجماع لأنّه يورثُ الخرس ، وكرَه النوم بين العشائين لأنّه يُحرم الرزق ، وكره الغسلَ تحت السماءِ إلاّ بمئزر ، وكره دخول الأنهارِ إلاّ بمئزر فإنّ فيها سُكّاناً من الملائكة ، وكره دخولَ الحمّامِ إلاّ بمئزر ، وكره الكلامَ بين الأذانِ والإقامةِ في صلاةِ الغَداة ، وكره ركوبَ البحرِ في وقت هَيَجانهِ ، وكره النومَ فوقَ سطح ليسَ بمُحَجّر (74) ، وقال : من نامَ على سطح غير مُحجَّر فقد برئَت ...

________________________________________________

(69) العبث هو اللعب وعمل ما لا فائدة فيه كأن يلعب بشعر لحيته أو رأسه في الصلاة ، وهو يكشف عن عدم التوجّه والخشوع.

(70) فانّه يبطل الصدقة ويذهب بأجرها. ذكر الشيخ الطريحي ، أنّ المنّ في الصدقة هو أن يقول : ألم اُعطك ، ألم اُحسن إليك؟ ونحو ذلك (1).

(71) فانّه محرّم إلاّ أن يكون بنحو الإجتياز والعبور من غير مكث إلاّ في المسجد الحرام والمسجد النبوي فلا يجوز للجنب حتّى إجتيازهما والعبور منهما.

(72) فانّه خلاف الإعتبار والإتّعاظ بالموت الذي هو المطلوب في هذه الأماكن.

(73) التطلّع هو الإشراف من علوّ للإطلاع على ما في الدور ، وقد يحصل بالإشراف كشف عورات المؤمنين ، وهو قبيح.

(74) أي ليس له حائط من حجر ونحوه بحيث يقي عن السقوط من شاهق.

____________

1 ـ مجمع البحرين ، ص 572.

33

منه الذِّمّة (75) وكره أن ينامَ الرجلُ في بيت وحَده ، وكره أن يغشي (76) الرجلُ امرأتَه وهي حائض فإن فعل وخرج الولد مجذوماً أو به برص فلا يلومنَّ إلاّ نفسَه ، وكره أن يكلّم الرجلُ مجذوماً إلاّ أن يكون بينه وبينه قدرِ ذراع وقال (عليه السلام) ، « فرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد » ، وكره أن يأتي الرجلُ أهلَه وقد احتلم حتّى يغتسلَ من الإحتلام فإن فَعَل ذلك وخرج الولدُ مجنوناً فلا يلومنَّ إلاّ نفسَه ، وكره البولَ على شطّ نهر جار (77) ، وكره أن يُحدث الرجلُ تحت شجرة أو نخلة قد أثمَرت ، وكره أن يُحدث الرجلُ وهو قائم ، وكره أن يتنعّلَ (78) الرجل وهو قائم ، وكره أن يدخُلَ الرجلُ بيتاً مظلماً إلاّ مع السراج.

يا علي ، آفةُ الحَسَبِ (79) الإفتخار.

________________________________________________

(75) قال في المجمع ، معناه أنّ لكلّ أحد من الله عهداً بالحفظ والكلاءة فإذا ألقى بيده إلى التهلكة أو فعل ما حرّم أو خالف ما أمر به خذلته ذمّة الله (1).

(76) غشى الرجل المرأة غشياناً أي جامعها.

(77) أي في جانب ذلك النهر .. من الشاطيء وهو جانب النهر وحافّته.

(78) التنعّل هو لبس النعل ، والنعل هي ما تقي القدم من الأرض ومنها النعل العربية والسندية.

(79) الحَسَب بفتحتين هو الشرف الثابت بالآباء ، ويطلق على الفعال الصالح ، مقابل النَسَب وهو الأصل. وشرافة الآباء بنفسها من المحاسن إلاّ أنّ التفاخر بها من الآفات.

____________

1 ـ مجمع البحرين ، مادّة بَرَأ ، ص 10.

34

يا علي ، من خافَ اللّهَ عزَّوجلّ خاف منه كلُّ شيء (80) ، ومن لم يَخَفِ اللَّهَ عزّوجلّ أخافه اللّهُ من كلِّ شيء (81).

يا علي ، ثمانيةٌ لا يقبل اللّهُ منهم الصلاةَ ، العبدُ الآبق (82) حتّى يرجعَ إلى مَولاه ، والناشزُ (83) وزوجُها عليها ساخِط ، ومانعُ الزكاةِ ، وتاركُ الوضوءِ ، والجاريةُ المدركةُ تصلّي بغير خمار ، وإمامُ قوم يصلّي بهم وهم له كارهون ، والسكرانُ والزَّبين (84) ـ وهو الذي يدافع البولَ والغائط ـ.

________________________________________________

(80) فبالخوف من الله تعالى تحصل هذه المعنوية والهيبة الربّانية.

(81) وهذا من أثر عدم الخوف منه تعالى ، فلابدّ أن يكون العبد خائفاً من الله تعالى إلى جانب رجائه وإلاّ لخاف من غير الله تعالى.

وفي الكافي ، عن الحارث بن المغيرة أو أبيه ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « قلت له ، ما كان في وصيّة لقمان؟ قال : كان فيها الأعاجيب وكان أعجب ما كان فيها أن قال لإبنه ، خف الله عزّوجلّ خيفةً لو جئته ببرِّ الثقلين لعذّبك ، وارج الله رجاءاً لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك ، ثمّ قال أبو عبدالله (عليه السلام) ، كان أبي يقول : انّه ليس من عبد مؤمن إلاّ وفي قلبه نوران ، نور خيفة ونور رجاء ، لو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا » (1).

(82) وهو العبد الذي فرّ من مولاه.

(83) نشوز المرأة ، معصيتها لزوجها وتعاليها عمّا أوجب الله تعالى عليها من طاعة الزوج كأن تمتنع على زوجها إذا دعاها إلى الإستمتاع.

(84) الزّبين على وزن سكّين هو مدافع الأخبثين البول والغائط مأخوذ من

____________

1 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 67 ، باب الخوف والرجاء ، ح 1.

35

يا علي ، أربعٌ من كنّ فيه بنى اللّهُ تعالى له بيتاً في الجنّة ، من آوى (85) اليتيم ، ورحِمَ الضعيف ، وأشفَقَ (86) على والديه ، ورفق (87) بمملوكه.

يا علي ، ثلاثٌ من لقى اللّه عزّوجلّ بهنّ (88) فهو من أفضلِ الناس ، من أتى اللّهَ بما افترضَ عليه فهو من أعبدِ الناس (89) ،

________________________________________________

الزَبَن وهو الدفع.

(85) الإيواء هو الإسكان ، والمأوى هو المنزل .. أي اسكن اليتيم في مسكن ومنزل.

(86) من الشفقة بمعنى الحنان .. أي حنَّ على والديه.

(87) الرفق ، لين الجانب وهو ضدّ العنف ، أي يليّن الجانب ويحسن العمل ولا يخرق بمملوكه.

(88) أي أتى في حياته بهذه الخصال حتّى مات عليها ولقى الله تعالى بها.

(89) أي يأتي بالواجبات التي فرضها الله تعالى عليه فيُعدّ من أعبد الناس ، حيث يكون أعبد ممّن يفعل المستحبّات ويترك بعض الواجبات .. ومن المعلوم انّ الفرائض هي أحبّ إلى الله تعالى وأحقّ بأن يتعبّد بها .. وقد ورد في الحديث ، عن أبي حمزة الثمالي قال : قال علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) ، « من عمل بما إفترض الله عليه فهو من خير الناس ».

وعن السكوني ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، « إعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس ».

وعن محمّد الحلبي ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال الله تبارك وتعالى ، « ما

36

ومن ورِعَ عن محارمِ اللّهِ عزّوجلّ فهو من أورعِ الناس (90) ، ومن قنع بما رزقُه اللّهُ فهو من أغنى الناسِ (91).

________________________________________________

تحبّب إليَّ عبدي بأحبّ ممّا إفترضت عليه » (1).

(90) الورع في أصل اللغة بمعنى الكفّ عن المحارم والتحرّز منها ثمّ إستعمل للكفّ المطلق .. فإذا كفّ الإنسان عن المحرّمات عُدّ أورع الناس ، ويكون أورع ممّن يجتنب المكروهات مع إجترائه على المحرّمات .. والمحارم أولى بالترك فيكون تاركها أورع .. وقد ورد بهذا أحاديث عديدة.

فعن أبي سارة الغزال ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : قال الله عزّوجلّ : « إبن آدم إجتنب ما حرَّمت عليك ، تكن من أورع الناس ».

وعن الفضيل بن يسار قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) ، « إنّ أشدّ العبادة الورع ».

وعن يزيد بن خليفة قال : وعظنا أبو عبدالله (عليه السلام) فأمر وزهَّد ، ثمّ قال : « عليكم بالورع ، فإنّه لا ينال ما عند الله إلاّ بالورع » (2).

(91) القناعة بفتح القاف هو الرضا بما رزقه الله تعالى وإن كان يسيراً ، والقانع برزقه من أغنى الناس لأنّ الغناء هو عدم الحاجة والقانع بما رزقه الله لا يحتاج إلى السؤال عن غير الله تعالى فيكون من أغنى الناس.

فعن أبي حمزة ، عن أبي جعفر أو أبي عبدالله (عليهما السلام) قال : « من قنَع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس ».

وعن الهيثم بن واقد ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : « من رضي من الله باليسير من المعاش رضي الله منه باليسير من العمل » (3).

____________

1 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 81 ، باب أداء الفرائض ، الأحاديث 1 و 4 و 5.

2 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 77 ، باب الورع ، الأحاديث 7 و 5 و 3.

3 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 137 ، باب القناعة ، الأحاديث 3 و 9.

37

يا علي ، ثلاثٌ لا تطيقُها هذه الاُمّة (92) ، المواساةُ للأخ في مالِه (93) ، وإنصافُ الناسِ من نفسِه (94) ، وذكرُ اللّهِ على كلِّ حال ، وليس هو سبحانَ اللّهِ والحمدُ للّه ولا إلَه إلاّ اللّهُ واللّهُ أكبر ، ولكن إذا وَرَدَ على ما يحرمُ عليه خافَ اللّهَ عزّوجلّ عندَه وتَرَكَه (95).

________________________________________________

(92) وفي نسخة البحار ، « لا يطيقها أحد من هذه الاُمّة » أي لا يطيقونها لصعوبتها فلابدّ من بذل الجهد فيها والإهتمام بها.

لذلك ورد في حديث الحسن البزاز قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) ، « ألا اُخبرك بأشدِّ ما فرض الله على خلقه [ ثلاث ]؟ قلت ، بلى قال : إنصاف الناس من نفسك ، ومؤاساتك أخاك ، وذكر الله في كلّ موطن ، أما إنّي لا أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله اكبر وإن كان هذا من ذاك ولكن ذكر الله جلّ وعزّ في كلّ موطن ، إذا هجمت على طاعة أو على معصية » (1).

(93) مواساة الأخ هو تشريكه وإسهامه في الرزق والمعاش والمساواة معه.

(94) الإنصاف هي المعاملة بالقسط والعدل ، وإنصاف الناس من نفسه هو أن يعترف بالحقّ فيما له أو عليه ، حتّى أنّه لا يرضى لنفسه بشيء إلاّ رضي لهم مثله.

(95) فانّ ذكر الله تعالى حسن في كلّ حال وبكلّ ذكر ، وهو كثير وفير كما تلاحظه مجموعاً في السفينة (2) إلاّ أنّ الذكر الذي لا تطيقه الاُمّة من حيث الصعوبة هو أن يذكر الله تعالى عند ما يهمّ بالمعصية وتسوّل له نفسه اللذّة المحرّمة فيتركها ، فهذا يكون ذكراً لله تعالى.

____________

1 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 145 ، باب الإنصاف والعدل ، ح 8.

2 ـ سفينة البحار ، ج 3 ، ص 200.

38

يا علي ، ثلاثةٌ إن أنصفتَهم ظلمُوك (96) ، السفلةُ (97) وأهلُك وخادمُك ، وثلاثةٌ لا ينتصفونَ من ثلاثة (98) ، حرٌّ من عَبد ، وعالمٌ من جاهل ، وقويٌّ من ضَعيف (99).

يا علي سبعةٌ من كنّ فيه فقد استكملَ حقيقةَ الإيمان وأبوابَ الجنّة مفتّحةٌ له ، من أَسَبغَ وضوءَه (100) ،

________________________________________________

(96) ليس معنى هذا الدعوة إلى عدم الإنصاف .. بل المستفاد منه بيان الحقيقة والواقع من روحيات مثل الأهل والخادم والسفلة بأنّهم حتّى إن أنصفتهم ولم تظلمهم ظلموك ولم ينصفوك.

ويشهد له أنّ في نسخة من البحار ، « وإن أنصفتهم ظلموك ».

(97) السِفلة بكسر السين وسكون الفاء أو فتحه هو الساقط من الناس كما ذكره في المجمع (1) ، ثمّ نقل عن الفقيه أنّه جاءت الأخبار في السفلة على وجوه منها ، أنّ السفلة هو الذي لا يبالي بما قال ولا ما قيل له ، ومنها ، أنّه هو من يضرب بالطنبور ، ومنها ، أنّه هو من لم يسره الإحسان ولم تسؤه الإسائة ، ومنها ، أنّه هو من ادّعى الإمامة بغير حقّ.

(98) الإنتصاف هو أخذ الحقّ كاملا يقال : إنتصفت منه وتنصّفت ، أخذت حقّي كَمَلا (2).

(99) أي أنّ هذه الأصناف ينبغي أن لا ينتصف منهم ولا يقابلوا بما اجترموا بل يُعفى عنهم لعدم التكافؤ.

(100) إسباغ الوضوء ، إتمامه وإكماله ، فيأتي بالوضوء التامّ الكامل .. وفسّره

____________

1 ـ مجمع البحرين ، مادّة سفل ، ص 478.

2 ـ المحيط في اللغة ، ج 8 ، ص 157.

39

وأحسنَ صلاته (101) ، وأدّى زكاةَ مالِه ، وكفَّ غضبَه (102) ،

________________________________________________

في المجمع (1) بقوله ، إتمامه على ما فرض الله تعالى ، وإكماله على ما سَنَّهُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومنه أسبغوا الوضوء بفتح الهمزة أي أبلغوه مواضعه وأوفوا كلّ عضوحقَّه.

(101) برعاية واجباتها ومندوباتها والإخلاص بها وحضور القلب عندها والخشوع فيها كما في الصلاة الجامعة التي صلاّها الإمام الصادق (عليه السلام) التي وردت في صحيحة حمّاد البيانية (2) فلاحظها فانّها ممّا ينبغي ملاحظتها والتدبّر فيها.

(102) كفّ الغضب ، منعه ، والغضب مفتاح كلّ شرّ ومفسد للإيمان .. فيكون تركه موجباً لإستكمال حقيقة الإيمان فيمنع غضبه ويسكن فورته بمثل العفو عن المسيء وتبديل الحال.

ففي حديث حبيب السجستاني ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عزّوجلّ به موسى (عليه السلام) ، يا موسى أمسك غضبك عمّن ملّكتُك عليه أكفُّ عنك غضبي ».

وفي حديث ميسر قال : ذُكر الغضب عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال : « إنّ الرّجل ليغضب فما يرضى أبداً حتّى يدخل النار ، فأيّما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك ، فإنّه سيذهب عنه رجز الشيطان ، وأيّما رجل غضب على ذي رحم فليَدْنُ منه فليمسّه ، فانَّ الرَّحم إذا مُسَّت سكنت » (3).

____________

1 ـ مجمع البحرين ، مادّة سبغ ، ص 397.

2 ـ وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 673 ، ب 1 ، ح 1.

3 ـ اُصول الكافي ، ج 7 ، ص 303 ، باب الغضب ، الأحاديث 2 و 7.

40

وسَجَنَ لسانَه (103) ، واستغفَر لذنبِه (104) ،

________________________________________________

(103) أي سجن لسانه وحفظه عن الباطل وعمّا لا يعنيه وعن الكذب والغيبة والنميمة والفحش ، فإنّ اللسان قد يكون مفتاحاً للشرّ ووسيلةً لسفك الدم أو نهب المال أو هتك العرض ، فيلزم على الإنسان أن يختم لسانه بختم الحفاظ كي يحفظ إيمانه ..

ولذلك ورد في الحديث ، « أنّه جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : يا رسول الله أوصني ، فقال : إحفظ لسانك ، قال : يا رسول الله أوصني ، قال : احفظ لسانك ، قال : يا رسول الله أوصني ، قال : إحفظ لسانك ، ويحك وهل يكبُّ الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم » (1).

(104) بأن يستغفر لساناً ويندم قلباً ويتدارك ما كان يلزم فيه التدارك عملا .. والله هو الغفور الرحيم يستر عليه ذنبه ، ويمحو سيّئته ، وتُرفع صحيفة عمله بيضاء نقيّة ، فانّ الإستغفار من الحسنات التي تذهب بالسيّئات عن المؤمن.

ويحسن ملاحظة صيغ الإستغفار الواردة في الأحاديث الشريفة ومنها :

1 ـ « أستغفر الله الذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم الغفور الرحيم ذو الجلال والإكرام وأتوب إليه ».

2 ـ « أستغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم » ثلاث مرّات.

3 ـ « أستغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والإكرام وأسأله أن يصلّي على محمّد وآل محمّد وأن يتوب عليّ ».

4 ـ « اللّهمّ إنّي أستغفرك ممّا تبت إليك منه ».

____________

1 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 115 ، باب الصمت وحفظ اللسان ، ح 14.

41

وأدّى النصيحَة لأهلِ بيتِ نبيِّه (105).

يا عليُّ ، لَعَنَ اللّهُ ثلاثةً (106) ، آكل زادِه وحدَه ، وراكب الفلاتِ وحدَه ، والنائم في بيت وحدَه.

يا عليُّ ، ثلاثة يُتخوَّفُ منهنَّ الجنون ، التغوُّطُ بين القبور ،

________________________________________________

5 ـ الإستغفارات المفصّلة التي تلاحظها في كتب الأدعية الشريفة ، كالإستغفارات السبعين لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ركعتي الفجر الواردة في البلد الأمين (1).

(105) النصح ، ضدّ الغشّ ، وأصل النصيحة في اللغة هو الخلوص ، وأهل البيت هم أهل آية التطهير وأولادهم الأئمّة المعصومون (عليهم السلام) ، وأداء النصح لهم هو مودّتهم ومعرفة أنّهم منصورون من قبل الله تعالى وأنّهم معصومون وأنّ طاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله ، وأنّهم أولى بنا من أنفسنا (2) والإنقياد لهم في أوامرهم ونواهيهم وآدابهم وأعمالهم وحفظ شرائعهم وإجراء أحكامهم وعدم الخروج عليهم (سلام الله عليهم) (3).

(106) اللعن من الله تعالى هو الطرد والإبعاد من الرحمة .. وفعل المكروه يُبعِّد الإنسان من رحمة الله تعالى لذلك ورد اللعن في الطوائف الثلاثة الآتية لأنّها تفعل المكروه ، والزاد هو الطعام ، والفلات هي الصحراء القفر التي لا ماء فيها ، والبيت واحد البيوت وهي المساكن.

____________

1 ـ البلد الأمين ، ص 38.

2 ـ لاحظ روضة المتّقين ، ج 12 ، ص 104.

3 ـ مرآة العقول ، ج 9 ، ص 142.

42

والمشيُ في خُفّ واحد ، والرّجلُ ينام وحدَه (107).

يا علي ، ثلاثٌ يحسن فيهنّ الكذب ، المكيدةُ في الحرب ، وعِدَتُك زوجتَك ، والإصلاحُ بينَ الناس (108) ،

________________________________________________

(107) جاء هذا الحديث في فروع الكافي (1) أيضاً في باب كراهية أن يبيت الإنسان وحده وهذه الخصال منهيٌّ عنها لعلّة مخوفة وجاء في نظيره من أحاديث الباب بيان أنّ الشيطان أسرع ما يكون إلى الإنسان وهو على بعض هذه الحالات .. وأنّه يهمّ به الشيطان.

(108) فإنّه وإن كان أصل الكذب من المعاصي الكبائر بل ممّا عدّ من مخرّبات الإيمان إلاّ أنّه استثنيت هذه الموارد الثلاثة لما لها من أهميّة المصلحة وأقوائية الملاك وإرتكاب أقلّ القبيحين عند التزاحم فيتغيّر حكمه وتزول حرمته ويحكم العقل بحسنه ويرفع الشارع عقوبته.

فيكيد في الحرب لنصرة الدين ، ويُعِد زوجته ليرضيها ولا يفي بوَعده ليتخلّص من الحرام أو الإسراف ، ويكذب للإصلاح بين المؤمنين.

وجاء في اُصول الكافي (2) ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، « كلّ كذب مسؤول عنه صاحبه يوماً إلاّ في ثلاثة » ؛ وعدّ هذه الموارد وأفاد في مرآة العقول (3) ، انّ مضمون هذا الحديث متّفق عليه بين الخاصّة والعامّة .. ثمّ نقل عن بعض الإتيان بالكذب في هذه الموارد بصورة التورية مثل أن يعد زوجته بأن يفعل لها ويحسن إليها بنيّة أنّه إن

____________

1 ـ فروع الكافي ، ج 6 ، باب كراهية أن يبيت الإنسان وحده ... ، ص 533.

2 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 342 ، باب الكذب ، ح 18.

3 ـ مرآة العقول ، ج 10 ، ص 341.

43

وثلاثةٌ مجالستُهم تُميتُ القلب (109) ، مجالسةُ الأنذال (110) ، ومجالسةُ الأغنياء ، والحديثُ مع النساء.

يا عليُّ ، ثلاثٌ من حقائقِ الإيمان (111) ، الإنفاقُ من الإقتار (112) ، وإنصافُك الناسَ من نفسِك (113) ، وبذلُ العلمَ للمتعلّم (114).

________________________________________________

قدّر الله ذلك ، أو يقول لعدوّه في مكيدة الحرب ، انحلّ حزام سرجك ويريد فيما مضى. وهكذا.

(109) فتؤثّر في الروح وتوجب زوال حيويّتها ونورانيّتها بواسطة التوجّه إلى الاُمور الدنيويّة الخسيسة والإنصراف عن الاُمور الربانيّة الخالصة.

(110) الأنذال جمع نذل بسكون الذال وهو الخسيس المحتَقَر من الناس في جميع أحواله.

(111) أي لهنّ مدخليّة في حقيقة الإيمان ، بحيث إنّ الإيمان الحقيقي لا يحصل إلاّ بوجود هذه الخصال.

(112) الإقتار هي القلّة والتضييق على الإنسان في الرزق .. فينفق على المستحقّ مع الإقتار على نفسه ، ويؤثرِ المستحقّين على نفسه ولو كان به خصاصة.

(113) الإنصاف هي المعاملة بالقسط والعدل .. وفي حديث عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، سيّد الأعمال ثلاثة ، وعَدَّ منها ، « إنصاف الناس من نفسك حتّى لا ترضى بشيء إلاّ رضيت لهم مثله ... » (1).

(114) حيث إنّه قد أخذ به العهد وهو زكاة العلم ، كما في الأحاديث (2).

____________

1 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 144 ، باب الإنصاف والعدل ، ح 3.

2 ـ اُصول الكافي ، ج 1 ، ص 41 ، باب بذل العلم ، الأحاديث.

44

يا عليُّ ، ثلاثٌ من لم يكنّ فيه لم يتمّ عملُه (115) ، ورعٌ يحجزُه عن معاصي اللّه ، وخُلُقٌ يداري به الناسَ ، وحِلمٌ يردُّ به جهلَ الجاهل (116).

يا عليُّ ، ثلاثُ فرحات للمؤمن في الدنيا (117) ، لقاءُ الاخوان ، وتفطيرُ الصائم ، والتهجّدُ من آخرِ الليل (118).

يا عليُّ ، أنهاكَ عن ثلاثِ خصال (119) ، الحسد (120) ،

________________________________________________

(115) أي كانت أعماله ناقصة غير كاملة ، أو غير مقبولة .. فالورع مؤثّر في قبول الطاعات ، كما وأنّ صفتي الحلم والمدارات الأخلاقية مؤثّرتان في كمال ومقبوليّة الأعمال في المعاشرات.

(116) أي سفاهته ، وفي بعض النسخ ، « وحلم يردّ به جهل الجهّال ».

(117) حيث يعلم المؤمن عظيم ثوابها وفوائدها فيكون مسروراً بها.

(118) أي التيقّض فيه بالعبادة وقراءة القرآن وصلاة الليل ، وفي بعض النسخ ، « والتهجّد في آخر الليل ».

(119) لعلّ تخصيصها بالذكر من بين الصفات الذميمة من حيث كونها من اُمّهات الرذائل ومن أعظم الكبائر وهي آفة الدين وقد توجب الكفر بربّ العالمين .. وقد وردت في ذمّها أحاديث كثيرة عن أهل بيت العصمة (سلام الله عليهم) نشير إليها فيما يلي عند ذكرها.

(120) الحسد هو تمنّي زوال النعمة عن صاحبها .. بينما الغبطة تمنّي النعمة لنفسه مثل ما لصاحبها مع عدم إرادة زوالها عنه وتلاحظ باب أحاديث ذمّ الحسد في اُصول الكافي (1).

____________

1 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 306 ، باب الحسد.

45

والحِرص (121) ، والكِبر (122).

________________________________________________

من ذلك الحديث الثاني من الباب عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « إنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب ».

(121) الحرص هو الحثّ على شيء من اُمور الدنيا وطلب الزيادة عمّا يكفيه ، وتلاحظ أحاديث ذمّه في اُصول الكافي (1).

منها الحديث الأوّل من الباب عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « رأس كلّ خطيئة حبُّ الدنيا ».

(122) الكبر بكسر الكاف وسكون الباء مصدر مجرد للتكبّر والإستكبار الذي هو في اللغة بمعنى طلب الترفّع (2) ، وهي الحالة التي يتخصّص بها الإنسان من إعجابه بنفسه ، ويرى نفسه أكبر من غيره .. (3).

وأعظم التكبّر هو التكبّر على الله تعالى بالإمتناع من قبول الحقّ والإذعان له بالعبادة ..

وبعده التكبّر على الرسل والأوصياء (عليهم السلام) بعدم الإيمان بهم.

وبعده التكبّر على العباد بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره فتأبى نفسه عن الإنقياد لهم ، وتدعوه نفسه إلى الترفّع عليهم فيزدريهم ويستصغرهم ويأنف عن مساواتهم ويتقدّم عليهم في مضائق الطرق ويرتفع عليهم في المحافل وينتظر أن يبدؤوه بالسلام ، وإن وُعظ أنف من القبول ، وإن وَعظَ عَنَّف في النصح ، وإن رُدّ عليه شيء غضب ، وإن عَلَّمَ لم يرفق بالمتعلّمين واستذلّهم وانتهرهم وامْتَنّ عليهم

____________

1 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 315 ، باب حبّ الدنيا والحرص عليها.

2 ـ مجمع البحرين ، مادّة كبر ، ص 298.

3 ـ سفينة البحار ، ج 7 ، ص 401.

46

يا عليُّ ، أربعُ خصال من الشَقاوة (123) ، جمودُ العين (124) ، وقساوةُ القلب (125) ، وبُعدُ الأمل (126) ، وحبُّ البقاء (127).

________________________________________________

واستخدمهم ... وتلاحظ أحاديث ذمّ التكبّر في اُصول الكافي (1).

ومنها الحديث الثالث من الباب المروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال : « العزّ رداء الله والكبر إزارُه فمن تناول شيئاً منه أكبّه الله في جهنّم ».

(123) الشقاوة بفتح الشين خلاف السعادة ، وهذه الخصال الذميمة توجب أن يكون المتّصف بها شقيّاً غير سعيد ، وسيأتي تفصيل معنى الشقي في وصيّة ابن القاساني الآتية عند قوله ، وللشقي ثلاث خصال ...

(124) جمود العين قلّة مائها وعدم الدمع فيها .. بمعنى عدم البكاء وهو ملازم لقسوة القلب .. كما أنّ في عكسه يكون البكاء ملازماً لرقّة القلب.

(125) القساوة بفتح القاف ، والإسم منها القسوة وهي غلظة القلب وصلابته وقلّة الرحمة فيه وهذه الصفات توجب القساوة وعدم خشوع القلب وعدم قبول المواعظ وعدم الخوف من الله تعالى ، بل توجب البُعد من الله تعالى ، ففي حديث فيما ناجى الله عزّوجلّ موسى (عليه السلام) ، « يا موسى لا تطوّل في الدنيا أملك فيقسو قلبك والقاسي القلب منّي بعيد » (2).

(126) أي طول الأمل في الدنيا والاُمور الدنيوية فإنّه ينسي الآخرة .. وهو ملازم للقساوة أيضاً.

(127) أي حبّ البقاء في هذه الدنيا الدنيّة بحيث لا يشتاق إلى جوار الله ورحمته.

____________

1 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 309 ، باب الكبر.

2 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 329 ، باب القسوة ، ح 1.

47

يا عليُّ ، ثلاثٌ درجات ، وثلاثٌ كفّارات ، وثلاثٌ مهلكات ، وثلاثٌ منجيات ، فأمّا الدرجات (128) ، فإسباغُ الوضوءِ في الَسبِرات (129) ، وإنتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاة (130) ، والمشيُ بالليلِ والنهارِ إلى الجماعات (131) ، وأمّا الكفّارات (132) ، فإفشاءُ السَّلام (133) ، وإطعامُ الطعام ، والتهجّدُ بالليلِ والناسُ نيام (134). وأمّا المهلكات (135) ،

________________________________________________

(128) أي الاُمور التي توجب إرتفاع كمالات الإنسان في الدنيا وإرتقاء مقاماته في الآخرة.

(129) إسباغ الوضوء إتمامه وإكماله وإيفاء كلّ عضو حقّه كما مضى ، والسبرات جمع سبرة بسكون الباء هي شدّة البرد.

(130) كانتظار الفريضة بعد إتيان النافلة ، أو إنتظار الفريضة الثانية بعد أداء الفريضة الاُولى.

(131) أي المشي إلى صلاة الجماعة في الصلوات الليلية والنهارية.

(132) أي الاُمور التي تكفّر الذنوب يعني تسترها وتمحوها وتغطّيها مأخوذة من الكفر بفتح الكاف وهي التغطية.

(133) ورد الإفشاء في اللغة بمعنى الإظهار والإكثار والإنتشار ، وإستظهر في معنى إفشاء السلام بأن يسلّم الإنسان على كلّ مسلم ، ويُسمع سلامه المسلَّم عليه ، ويجهر بسلامه.

(134) مرّ أنّ التهجّد هو التيقّض في الليل بالعبادة وتلاوة القرآن وصلاة الليل.

(135) أي الاُمور التي توجب الهلاك والعطب والفساد في الإنسان ، وتوجب إستحقاقه العقاب والبعد من رحمة الله تعالى.

48

فشُحٌّ مُطاع (136) ، وهَوىً مُتّبع (137) ،

________________________________________________

(136) الشُحّ ، بضمّ الشين هو البخل مع الحرص فيكون أشدّ من البخل ، لأنّ البخل يكون في المال بينما الشحّ يكون في المال وفعل المعروف ، ومنه قوله تعالى : ( أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ) (1) ، وعليه فالشحّ هو اللؤم وكون النفس حريصة على المنع (2) ، والشحّ المطاع هو اللؤم في النفس يطيعه الإنسان ويعمل به .. وأمّا إذا خالفه فهو من الطاعات.

(137) أي ما تميل إليه النفس وتحبّه ، يطيعه الإنسان ويعمل به فيكون هوىً متّبعاً وهو يصدّ عن الحقّ ويضلّ عن سبيل الله تعالى .. والهوى ، ميل النفس إلى الشهوة ، ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة ، وقيل ، سمّي بذلك لأنّه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كلّ داهية وفي الآخرة إلى الهاوية .. (3).

وقد عقد له ثقة الإسلام الكليني (قدس سره) باباً في أحاديثه فلاحظ (4).

واعلم أنّه قد أوضح العلاّمة المجلسي (5) ، أنّ ما تهواه النفس ليس كلّه مذموماً وما لا تهواه النفس ليس كلّه ممدوحاً ..

بل المعيار هو أنّ كلّ ما يرتكبه الإنسان لمحض الشهوة النفسانية واللذّة الجسمانية والمقاصد الدنيوية الفانية ولم يكن الله مقصوداً له في ذلك بل كان تابعاً للنفس الأمّارة بالسوء فهو من الهوى المذموم ..

____________

1 ـ سورة الأحزاب ، الآية 19.

2 ـ مجمع البحرين ، مادّة شحح ، ص 180.

3 ـ المفردات ، ص 548.

4 ـ اُصول الكافي ، ج 2 ، ص 335 ، باب اتّباع الهوى.

5 ـ مرآة العقول ، ج 10 ، ص 311.

49

وإعجابُ المرءِ بنفسه (138).

________________________________________________

وأمّا ما يرتكبه الإنسان لإطاعة أمر الله تعالى وتحصيل رضاه وإنْ كان ممّا تشتهيه نفسه وتهواه فليس من الهوى المذموم كمن يأكل ويشرب لأمره تعالى بهما أو لتحصيل القوّة على العبادة ، وكذا من يجامع لتحصيل الأولاد الصالحين أو لئلاّ يبتلى بالحرام ، فهذه لذّة لا يلزم إجتنابها ، بل كثير من العلماء يلتذّون بعلمهم أكثر ممّا يلتذّ الفسّاق بفسقهم .. فليس كلّ ما تهواه النفس مذموماً ..

وفي مقابل ذلك ليس كلّ ما لا تهواه النفس ممدوحاً يحسن إرتكابه كأكل القاذورات أو الزنا بالجارية القبيحة فذمّ الهوى مطلقاً امّا مبني على انّ الغالب فيما تشتهيه الأنفس مخالفة لما ترتضيه العقول.

أو على أنّ المراد بالنفس هي النفس الأمّارة بالسوء الداعية إلى الشرّ.

أو على أنّ الهوى صار حقيقة شرعية في الاُمور القبيحة والمعاصي التي تدعو النفس إليها.

(138) بأن تروقه نفسه ، ويرى نفسه خارجاً عن حدّ التقصير.

والعُجب إستعظام العمل الصالح وإستكثاره والإبتهاج له والإدلال به .. وأمّا السرور به مع التواضع لله تعالى وشكره على التوفيق لذلك وطلب الإستزادة منه فهو حسن ممدوح.

والمعجب بنفسه يغترّ بنفسه ويأمن من مكر الله وعذابه ، ويظنّ أنّ له على الله منّة وحقّاً بأعماله التي هي نعمة من نعمه وعطيّة من عطاياه.

والعجب يفسد الطاعات ويدعو إلى نسيان الذنوب والإستنكاف عن الإستفادة والإستشارة وسؤال من هو أعلم إلى غير ذلك من الآفات الكثيرة (1).

____________

1 ـ مرآة العقول ، ج 10 ، ص 218.

50

وأمّا المنجيات (139) ، فخوفُ اللّهِ في السرِّ والعلانية ، والقصدُ في الغنى والفقر (140) ، وكلمةُ العدلِ في الرضا والسَخَط (141).

يا عليُّ ، لا رضاعَ بعد فِطام (142) ، ولا يُتْمَ بعد إحتلام (143).

________________________________________________

(139) أي الاُمور التي تنجي من الهلاك وتوجب الخلاص وتقتضي النجاة من المعاصي والعقوبات.

(140) القصد هو الإعتدال والتوسّط بين التبذير والتقتير ، وعدم الإفراط والتفريط.

(141) العدل خلاف الجور ، ومن المنجيات أن لا يجور الإنسان في كلامه في كلتا حالتي الرضا والسخط.

(142) من الفطم وهو فصل الولد عن الرضاع وفَسّر هذا الحديث ثقة الإسلام الكليني بقوله ، فمعنى قوله ، « لا رضاع بعد فطام » أنّ الولد إذا شرب من لبن المرأة بعد ما تفطمه لا يحرّم ذلك الرضاع التناكح. ذكر هذا بعد القواعد الفقهية الشريفة الواردة في حديث منصور بن حازم ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، « لا رضاع بعد فطام ، ولا وصال في صيام ، ولا يُتْمَ بعد إحتلام ، ولا صمت يوم إلى الليل ، ولا تعرُّب بعد الهجرة ، ولا هجرة بعد الفتح ، ولا طلاق قبل النكاح ، ولا عتق قبل ملك ، ولا يمين للولد مع والده ولا للمملوك مع مولاه ولا للمرأة مع زوجها ، ولا نذر في معصية ، ولا يمين في قطيعة » (1).

(143) أي لا يترتّب أحكام اليتم على اليتيم أي فاقد الأب بعد إحتلامه فينقطع اليتم بعد بلوغ الحُلُم.

____________

1 ـ فروع الكافي ، ج 5 ، ص 443 ـ 444 ، باب أنّه لا رضاع بعد فطام ، ح 5.

51

يا علي ، سِرْ سنتَين برَّ والديك (144) ، سِر سنةً صِل رحمك ، سِر ميلا عُدْ مريضاً ، سِر ميلين شيّعْ جنازة ، سِرْ ثلاثةَ أميال أجبْ دعوة ، سِر أربعةَ أميال زُرْ أخاً في اللّه ، سِرْ خمسةَ أميال أجبْ المَلهوف (145) ، سِرْ ستّة أميال أُنصر المظلوم ، وعليكَ بالإستغفار.

يا عليُّ ، للمؤمن (146) ثلاثُ علامات ، الصلاةُ والزكاةُ والصيامُ ، وللمتكلِّف (147) ثلاث علامات ، يتملّقُ إذا حضر (148) ، ويغتابُ إذا غاب ، ويشمتُ بالمصيبةِ ، وللظالم ثلاث علامات ، يَقْهرُ من دونَه بالغلبة ومن فوقَه بالمعصية ، ويُظاهرُ الظَلَمة (149) ،

________________________________________________

(144) أي أنّه إن كان برّ الوالدين يتوقّف على طيّ مسافة تقطع في سنتين فسِر هذه المسافة وبرّ والديك .. وكذا في البواقي.

(145) الملهوف واللهفان واللاهف هو المضطرب الذي يستغيث.

(146) أي المؤمن الحقيقي ، ومقابله المتكلِّف الذي يأتي ذكره وهو من ليس إيمانه حقيقيّاً.

(147) المتكلِّف هو الذي يدّعي الشيء وليس بذاك الشيء كمن يدّعي العلم وليس بعالم .. والمتكلّف هنا هو من يدّعي الإيمان الحقيقي .. وليس بمؤمن حقيقي.

(148) التملُّق هو إظهار المحبّة والمودّة الكاذبة .. والمتملِّق هو من يعطي بلسانه ما ليس في قلبه.

فالمتكلّف يتملَّق للإنسان إذا حضر عنده ، بينما يغتابه إذا غاب عنه ، ويشمت به ويفرح إذا أصابته مصيبة.

(149) أي يعين الظالمين ، من المظاهرة بمعنى المعاونة .. والظهير هو المعين.

52

وللمرائي (150) ثلاث علامات ، يَنْشط إذا كان عندَ الناس ، ويكسَلْ إذا كانَ وحدَه ، ويُحبُّ أن يُحْمَدَ في جميع اُمورِه ، وللمنافق (151) ثلاث علامات ، ...

________________________________________________

(150) وهو المتّصف بصفة الرياء المعبَّر عنه بالشرك الأصغر المبطل للعمل والمنافي للإخلاص والمقرون بالخدعة.

وعن بعض المحقّقين أنّ الرياء مشتقّ من الرؤية ، وأصل الرياء طلب الجاه والمنزلة في قلوب الناس بإرائتهم خصال الخير .. ويجب التحرّز عنه فإنّه يلحق العمل بالمعاصي (1).

ونبّه الشهيد الأوّل على أنّ كلّ عبادة اُريد بها غير الله تعالى ليراه الناس فهي مشتملة على الرياء سواء اُريد مع ذلك القرب إلى الله تعالى بها أم لا ..

وأمّا إذا كان للعمل غاية دنيويّة شرعيّة أو اُخرويّة فأراده الإنسان مع القربة فإنّه لا يُسمّى رياءً كطلب الغازي الجهاد لله وللغنيمة ، وقراءة الإمام للصلاة وللتعليم ، والصيام لله وللصحّة ، والوضوء للقربة والتبرّد (2).

ثمّ إنّ نشاط المرائي في هذا الحديث بمعنى نشاطه في العمل فيعمل كثيراً بطيب النفس إذا كان أمام الناس (3).

(151) أفاد المحدّث القمّي (4) أنّ المنافق يطلق على معان ، منها أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر وهو معناه المشهور ، ومنها أن يظهر الحبّ ويكون في الباطن عدوّاً ،

____________

1 ـ مرآة العقول ، ج 10 ، ص 87.

2 ـ القواعد والفوائد ، ص 248 ، القاعدة 196.

3 ـ روضة المتّقين ، ج 12 ، ص 138.

4 ـ سفينة البحار ، ج 8 ، ص 306.

53

إذا حَدّثَ كَذِب ، وإذا وَعَدَ أخلَف ، وإذا ائتُمِنَ خان.

يا عليُّ ، تسعةُ أشياء تورث النِسيان (152) ، أكلُ التفاحِ الحامض ، وأكلُ الكُزْبُرة (153) ،

________________________________________________

ومنها أن يُظهر الصلاح ويكون في الباطن فاسقاً ، ومنها أن يدّعي الإيمان ولم يعمل بمقتضاه ولم يتّصف بالصفات التي ينبغي أن يكون المؤمن عليها فكان باطنه مخالفاً لظاهره وكأنّ هذا المعنى الأخير هو المراد هنا في مثل هذا الحديث ..

وأفاد الشيخ الطريحي (1) ، أنّ المنافق مأخوذ من النَّفْق وهو السرب في الأرض خفية ، وقيل ، مأخوذ من نافَقَ اليربوع ، إذا طُلب من النافقاء خرج من القاصعاء وبالعكس ، وهما جُحرتا اليربوع.

(152) النسيان ، بكسر النون ضدّ الذُكْر والحفظ .. وهي الحالة التي تعرض على الإنسان فلا يضبط ما استودع.

(153) الكُزْبُرة ، بضمّ الكاف وسكون الزاء وضمّ الباء ، وقد تفتح الكاف والباء ، عربية أو معربة من كزبرناء بالسرياينة وهي بالفارسية « گشنيز » ، كما قاله في القرابادين (2) ، ذاكراً أنّ الإكثار منها يورث النسيان وإختلاط الذهن ، بل في المعتمد ، أنّ بذرها أيضاً إذا شرب منه شيء كثير خلط الذهن فينبغي أن يُحترز من إدمانه والإستكثار منه (3).

وقال العلاّمة المجلسي ، أنّه إختلف الأطباء في طبعها فقيل بارد .. ، وقيل إنّها مركّبة القوى ، وذكروا لها فوائد كثيرة شرباً وضماداً ، لكن ذكروا أنّ إدمانها

____________

1 ـ مجمع البحرين ، مادّة نفق ، ص 446.

2 ـ القرابادين ، ص 358.

3 ـ المعتمد ، ص 423.

54

والجُبُن (154) ، وسؤُر الفأرة ، وقراءةُ كتابةِ القبور ، والمشيُ بين امرأتين ، وطرحُ القُمّلة (155) ، والحجامةُ في النُقرة (156) ،

________________________________________________

والإكثار منها يخلِّط الذهن ، ويظلم العين ، ويجفِّف المني ، ويسكِّن الباه ، ويورث النسيان ، ولا يبعد حمل الأخبار المستفاد منها الذمّ على الإكثار (1).

(154) في المصباح ، أنّ الجبن المأكول فيه ثلاث لغات رواها أبو عبيدة عن يونس بن حبيب سماعاً ، عن العرب أجودها سكون الباء ـ أي مع ضمّ الجيم ـ ، والثانية ضمّها للاتباع ، والثالثة وهي أقلّها التثقيل .. ومنهم من يجعل التثقيل من ضرورة الشعر (2).

وفي القرابادين (3) ، ذكر له فوائد ومضارّ وأفاد أنّه يصلحه الجوز ..

بل في الحديث عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنّه قال : « الجبن والجوز إذا اجتمعا في كلّ واحد منهما شفاء ، وإن افترقا كان في كلّ واحد منهما داء ».

وعنه (عليه السلام) في الجبن ، « هو ضارّ بالغداة ، نافع بالعشيّ » (4).

(155) الطرح ، بفتح الطاء وسكون الراء هو الرمي يقال : طرحته أي رميته ، والقُمَّل بضمّ القاف وتشديد الميم المفتوحة هو الحيوان المعروف ، وفُسِّر بطرح القمل والقاءه حيّاً على الأرض.

(156) النقرة ، بضمّ النون وسكون القاف هي الحفرة خلف الرأس تقرب من أصل الرقبة.

____________

1 ـ بحار الأنوار ، ج 66 ، ص 244.

2 ـ المصباح المنير ، مادّة جَبَنَ.

3 ـ القرابادين ، ص 152.

4 ـ طبّ الأئمّة للسيّد الشبّر ، ص 190.

55

والبول في الماءِ الراكد (157).

يا عليُّ ، العيشُ في ثلاثة ، دار قَوراء (158) ، وجارية حَسناء ، وفرس قَبّاء (159).

________________________________________________

(157) ذكر المحقّق الطوسي ، أنّ ممّا يورث النسيان أيضاً ، المعاصي ، وكثرة الهموم والأحزان في اُمور الدنيا ، وكثرة الإشتغال والعلائق الدنيوية ، والنظر إلى المصلوب ، والمرور بين قطار الجمل ، وكلّ ما يزيد في البلغم (1).

(158) القوراء ، بفتح القاف يعني الواسعة مؤنث الأقور بمعنى الواسع.

(159) القباء ، بفتح القاف وتشديد الباء .. الفرس الاُنثى الضامر بطنها ، وضمور البطن من محاسن الفرس وممّا يساعده على سرعة العَدْوِ في السير .. وللشيخ الصدوق هنا كلامٌ مفسّر للقباء بهذا الضمور إستشهاداً بالشعر.

قال (رحمه الله) ، [ سمعت رجلا من أهل المعرفة باللغة بالكوفة يقول : الفرس القبّاء ، الضامر البطن ، يقال : فرس أقبّ وقبّاء ، لأنّ الفرس يذكّر ويؤنّث ، ويقال للاُنثى ، قبّاء لا غير ، قال ذو الرمّة (2) :

صُحرٌ سماحيج في أحشائِها قِبَبُ تَنَصّبَتْ حولَه يوماً تراقبُه

الصحر ، جمع أصحر وهو الذي يضرب لونه إلى الحمرة ، وهذا اللون يكون في الحمار الوحشي ، والسماحيج الطوال ، واحدها سمحج (3) ، والقبب الضمر ].

____________

1 ـ آداب المتعلّمين ، ص 133.

2 ـ ذو الرِّمة ، هو أبو حرث غيلان بن عقبة أحد فحول الشعراء العرب قيل في حقّه ، فُتح الشعر بامرىء القيس وخُتم بذي الرِّمة. لاحظ الكنى والألقاب ، ج 2 ، ص 227.

3 ـ السمحج ، الأتان الطويلة الظهر وكذلك الفرس ولا يقال للذكر ، كذا قاله الجوهري. مجمع البحرين ، مادّة سمحج ، ص 166.

56

يا عليُّ ، واللّهِ لو أنّ الوضيعَ في قعرِ بئر لبعثَ اللّهُ عزّوجلّ إليه ريحاً ترفعه فوقَ الأخيار في دولةِ الأشرار (160).

يا عليُّ ، من انتمى إلى غير مواليه (161) فعليه لعنةُ اللّه ، ومن منع أجيراً أجرَه فعليه لعنةُ اللّه ، ومن أحدَثَ حَدَثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنةُ اللّه ، فقيل ، يا رسولَ اللّهِ وما ذلكَ الحَدَث؟ قال : القَتْل.

يا علي ، المؤمنُ مَن أمنهُ المسلمون على أموالِهم ودمائِهم ، والمسلمُ مَن سَلِمَ المسلمونَ من يدِه ولسانِه ، والمهاجرُ مَن هَجَر السيّئات (162).

يا عليُّ ، أوثقُ عرى الإيمان (163) الحبُّ في اللّهِ ، والبغضُ في اللّه.

يا عليُّ ، من أطاعَ امرأتَه أكبَّهُ اللّهُ عزّوجلّ على وجهِه في النار ،

________________________________________________

(160) الوضيع من الناس هو الدني الذي فيه خسّة وضعة .. وهذا بيان ترفع الأدنياء على الأخيار في دولة الأشرار وترفيع الأدنين الساقطين في دولتهم.

(161) أي إنتسب إلى غير مواليه الذين جعلهم الله تعالى مواليه الذين هم الهداة المعصومون أهل الدين (صلوات الله عليهم أجمعين) ، كما يستفاد من حديث المعاني (1).

(162) هذا بيان المهاجرة الكاملة الحقيقيّة التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن المسلم المهاجر في سبيل الله تعالى.

(163) العُرى ، جمع عروة .. وهي التي يتمسّك بها .. وهذا على التشبيه بالعروة التي يتمسّك بها ، وعروتا الإيمان هما الحبّ في الله والبغض في الله فيلزم التمسّك والأخذ بهما وأن يكون في المؤمن كلاهما.

____________

1 ـ معاني الأخبار ، ص 379 ، ح 3.