كتاب القضاء - ج1

- الميرزا حبيب الله الرشتي المزيد...
365 /
3

[مقدمة التحقيق]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين، محمد سيد الأولين و الآخرين، و على آله و ذريته الطيبين الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين.

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

تقديم

الأسس القضائية في التشريع الإسلامي تتباين كثيرا عن الأسس الموضوعة للقضاء في القوانين الوضعية المستقاة من القوانين الغربية الحديثة المعمولة في أكثر البلدان الإسلامية، فإن الإسلام قد اشترط في القاضي و المقضي فيه و المقضي له و في المواد القضائية شروطا كثيرة تعنى بالتهذيب النفسي و التربية الروحية أكثر من العناية بالجانب المادي، و لو أنه لم يهمل ابدا الجانب المادي أيضا بل يهتم به الى حد معقول من الاهتمام اللازم.

الإسلام يحاول في تشريعاته الفقهية و تعاليمه الأخرى ان يوجد وازعا دينيا اخلاقيا في ضمير الإنسان و دخيلة نفسه، يدفعه في اعماله و أقواله و حتى في نياته الى الخير و السلام و حفظ المصالح العامة و الخاصة، و لا يكتفى بوضع مراقبين على أعماله و تصرفاته و سن قوانين جافة لتحد من جموح هواه و شهواته و نزواته المتغلبة في كثير من الأحيان على عقله و فكره السليم.

6

انه يربيه تربية صالحة يحس دائما في قرار نفسه انه محاسب على ما يصدر منه من قبل علام الغيوب و المطلع على الخفيات و السرائر، و هو بهذا يرتدع بنفسه عما يخالف الشرع الحنيف و القوانين الدينية الإلهية، و تسير الأمور في المجتمع المتدين سيرا مستقيما لا تقعيد فيه و لا انحراف و لا تعد على الحقوق و لا إجحاف.

لقد دلت التجارب على ان سن القوانين وحدها و وضع مراقبين على اعمال الناس لا يكفيان في الحد من الفجائع التي تعتري البشرية، فان بلادا راقية في نشرياتها تعانى الويلات الأخلاقية و الاجتماعية لأنها اتكأت على القانون الموضوع من قبل أناس ليس لهم طريق إلى الضمائر و لم يفتحوا لتربية الوجدان البشرى أى حساب.

ان الإنسان لو لم يحس من نفسه رادعا يحاسبه على اعماله و كل صغيرة و كبيرة تصدر منه، لم يمنعه شيء قط من الاقدام على ما تمليه عليه مئاربه و مصالحه الخاصة، فهو يسعى دائما في أن يسدل الستار على اعماله المخالفة، فربما ينكشف و يفتح و يؤاخذه القانون و لكن كثيرا ما لا تعرف خفايا اعماله و تبقى تبعاتها و بالأعلى المجتمع.

و حتى واضع القانون نفسه لو لم يحكم عليه الدين الذي يدفع وجدانه إلى الاستقامة و يحيى فيه ضميره الإنساني، لحاد هذا المقنن عن الطريق المستقيم و أقدم على وضع قوانين تجحف بحقوق المستضعفين، و لذا نرى الدول الاستعمارية ترتكب المآسى اللاانسانية ثمَّ تحاول في قوانينها تبرير هاتيك الاعمال و خنق الأصوات و قتل الحريات و تسمى ما تفعله باسم العدالة القانونية و الدفاع عن الحقوق.

من هنا حاول الإسلام- كما قلنا- ان يوجد في الإنسان نفسه وازعا يمنعه عن ارتكاب المآثم و الجرائم قبل ان يحاول وضع مراقبين على

7

اعماله، ذلك لأنه أراد استئصال الفساد من الجذور و تربية الإنسان على حب الخير و الصلاح و الاستقامة في أفعاله و أقواله و خطرات قلبه.

فالقضاء الإسلامي له أسسه الخاصة التي تعنى بتربية الضمير و الوجدان قبل العناية بالرقيب الظاهري، و توقظ فيه الشعور بالمسؤولية أمام اللّه تعالى والدين، و توجهه توجيها صحيحا الى واجباته تجاه الآخرين من القريب و الغريب. و يكفى للتدليل على ما قلناه ما اشترطه الفقهاء في القاضي أن يكون عادلا، فإن العدالة معناها هنا حفظ النفس عن الجور في القضاء و عدم التعدي في الأموال و الأنفس و غض الطرف عن الاعراض و النواميس.

و هذا الشرط له مدلوله الروحي الخاص في الضبط عن كثير من الانحرافات التي تصيب القضاء لولاه.

و في هذا الوقت الذي يمر بلادنا فيه بتجربة لتطبيق الإسلام، يحس أكثر من ذي قبل بضرورة تجديد المعالم الإسلامية و إحيائها في مختلف المستويات و بشتى الاشكال العلمية، من التدريس و التنقيب و الكتابة و التأليف و نشر المؤلفات القيمة من آثار أعلامنا الماضين.

لا تتركز دعائم دولة إسلامية إلا بعد بث معارفه الصحيحة الخالصة عن الشوائب في المجتمع و بين الشعب، فان بث المعارف الإسلامية هو الطريق الانجع لتربية مؤمنين مركزى الايمان يقفون اطوادا راسخة امام الزيغ و الكفر لا تزلزلهم العواصف الهابة من وراء حدود بلاد المسلمين.

و لقد أحسن فقيه العصر المرجع الديني الورع سماحة آية اللّه العظمى السيد محمد رضا الكلپايكاني دام ظله الوارف، إذ بدأ بتدريس القضاء على المستوي الفقهي الرفيع في الحوزة العلمية بقم لتنشئة فقهاء

8

مجتهدين في القضاء الشرعي و تدريبهم على مسائله و فروعه.

و إلى جانب تدريسه- (أدام اللّه ظله)- أبدى رغبته الأكيدة في إحياء بعض المؤلفات الهامة في الموضوع لإعلام الفقهاء السابقين- (قدس اللّه أسرارهم)- كي تتوسع آفاق طلاب العلوم الدينية و يقفوا على أكثر ما يمكن الوقوف عليه من الآراء و النظرات الفقهية.

و كان من المؤلفات المختارة بهذا الصدد «كتاب القضاء» الذي ألفه الفقيه الجليل المحقق البارع شيخنا المقدس الميرزا حبيب اللّه الرشتي- تغمده اللّه برحمته و رضوانه- و هو كتاب جليل يعتنى بالاستدلال للمسائل و الفروع عناية تامة و يبحث فيها بحوثا بارعة تدرب الطالب الحوزوى على التعمق في التفكير الفقهي و الخروج عن السطحية في الاستنباط و الاجتهاد.

و قد أمرني سماحته بإعداد هذا الكتاب للطبع و تصحيحه و إخراجه بالشكل اللائق بالذوق العصرى، و انا إذ امتثل امره المبارك و أقوم بهذا الجهد أرجو أن أقدم خدمة للحوزة العلمية تسد بعض ما احسه من الفراغ فيها.

و اللّه تعالى المسؤول في ان يسدد خطانا و يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، انه جل شأنه خير من سئل و أفضل من اعطى.

قم: أول شهر رمضان المبارك 1401 ه.

السيد أحمد الحسيني

9

ترجمة المؤلّف (1) الشيخ ميرزا حبيب اللّه الرشتي (1234- 1312)

الشيخ ميرزا حبيب اللّه بن الميرزا محمد علي خان بن إسماعيل خان بن جهانگيرخان القوچاني الرانكوئي الگيلاني الرشتي.

عالم مؤسس و محقق مدقق، من أكابر علماء عصره و أساتذة فقهاء أوانه المشاهير.

كان أصل أسرته من «قوچان» الا أن بعض السلاطين الصفوية ألزمهم

____________

(1) هذه الترجمة مقتبسة من نقباء البشر 1/ 357- 360 و أعيان الشيعة 20/ 95- 102. و انظر أيضا للتوسع: معارف الرجال 1/ 204، ريحانة الأدب 2/ 307، أحسن الوديعة 1/ 131، تكملة نجوم السماء 2/ 138، لباب الألقاب ص 112، معجم المؤلفين 3/ 188، علماء معاصرين ص 50.

10

بالنزول الى «رانكوى» من قرى كيلان رشت، و دفاتر أملاكهم من لدن عصر الصفوية إلى عصرنا موجودة.

و كان والد المترجم من أعاظم الملاكين و الأعيان المتمكنين، و من العرفاء الصلحاء و أهل الباطن و الصفاء، و قد رأى في ولده هذا منامات صادقة قبل ولادته و بعدها تشعر بأنه يصير عالما، و قد تفرس فيه بعد نشؤه و تأكد بعض التفاؤلات فيه، فعزله عن اخوته و أحضر له معلما في بيته يتعهد تربيته و تعليمه الى أن بلغ من العمر حدود ثمانية عشر عاما، فبعثه الى «قزوين» لتكميل اشتغاله و هيأ له أسباب الرفاه و لوازم العيش و عين له زوجة من عشيرة «أرباب» المعروفة هناك بالشرف.

بقي في «قزوين» مشتغلا على العلامة المولى عبد الكريم الايرواني، حتى صدرت له منه الإجازة و هو ابن خمس و عشرين سنة في الهجرة إلى «النجف الأشرف» جامعة العلم و الدين الكبرى و موئل العلماء من مختلف الأقطار الإسلامية.

هاجر الى «النجف» بأهله و دخلها قبل وفاة الفقيه الأكبر الشيخ محمد حسن النجفي (صاحب الجواهر) بثلاث سنين، فحضر بحثه يوما فعرضت له شبهة عرضها عليه و لم يسمع منه جوابا و تكلم فيها بعض التلاميذ، ثمَّ قيل له: ان كشف شبهاتك عند الشيخ المرتضى الأنصاري. فقصده و عرضها عليه فأجابه الشيخ و أبان له الفرق بين «الحكومة» و «الورود».

بهت شيخنا المترجم حيث سمع اصطلاحا جديدا لم يطرق آذانه، فقال له الشيخ المرتضى: ان اشكالك لا يرتفع الا بالحضور عندي مدة أقلها شهرين.

11

و كان المترجم إذ ذاك عازما على الرجوع الى «قزوين»، و لكنه أعرض عن الرجوع و حضر بحث الشيخ فرآه بحرا لا يبلغ قعره و لا ينال دركه، فعزم على الإقامة بالنجف و الاستفادة من درس الشيخ.

بقي مشتغلا في الحوزة العلمية بغاية الجد و الاجتهاد في الفقه و الأصول ملازما لاستاذه المذكور و مقتبسا من أنواره و مغترفا من بحار علومه، و مما يؤثر عنه قوله: «ما فاتني بحث من أبحاث الشيخ منذ حضرت بحثه الى يوم تشييعه مع أني كنت مستغنيا عن الحضور قبل وفاته بسبع سنين».

و لما توفي الشيخ المرتضى انتهى أمر التدريس الى المترجم له، فكانت حوزته تعد بالمئات، و أكثرهم من شيوخ العلماء و أفاضل الفقهاء و المجتهدين، و لم يكن في زمانه أرقى منه تدريسا و أكثر نفعا، حتى أن أكثر العلماء المشاهير الذين نبغوا بعده في سائر المناطق الشيعية قد تخرجوا عليه و أخذوا عنه، و كان مجلس درسه محتويا على أصناف العلماء من العرب و العجم من المحققين في الفقه و الأصول و المعقول و المنقول و غير ذلك، لأنه كان وحيد عصره في ابتكار الأفكار الحسنة و التحقيقات المستحسنة و حلاوة التعبير و رشاقة البيان.

هذا ما كان من جهة علمه، و أما ورعه و نسكه و زهده فهو مما لا يحده القلم و لا يصفه البيان، فقد كان في غاية الورع و التقوى و الزهد عن حطام الدنيا، و كان سليم الذات صافي النية بسيطا للغاية أعرض عن الرئاسة كل الاعراض، و لذا لم يقلد و لم تجب اليه الأموال، و انما كانت المرجعية التقليدية و الزعامة الروحية لمعاصره و شريكه في الدرس عند الشيخ الأنصاري، و هو السيد الميرزا محمد حسن المجدد الشيرازي نزيل سامراء. و لم يرض أن يقلده أحد لكثرة

12

تورعه في الفتوى و شدة احتياطه فيها، و لم يتصد للوجوه و لم يقبلها من أحد.

و قد كان معاشه يأتيه من والده أيام حياته، و بعد وفاته استحضره اخوته لتقسيم الأموال و الاملاك الكثيرة، فلما رأى تكالبهم عليها و تفانيهم دونها أعرض عنهم و عاد الى «النجف» منصرفا عن استحقاقه، فانقطع معاشه الى سبع سنين باع خلالها كل ما كان يملكه من الأسباب و استقرض ما وسعه القرض، حتى لقد عجز عن شراء الماء في بعض الأيام. فتشرف أخوه الميرزا نصر اللّه خان الى الزيارة، فرأى وضعه و قرر له معاشا يسيرا الى سبع سنين.

و يقال انه قبل شيئا ذات مرة من العلامة الشيخ جعفر التستري و أخرى من آخر، و لما توسعت حاله صرف قدرهما على الفقراء.

و أما عبادته فقد حكي أنه ما طلع الفجر عليه و هو نائم منذ بلغ الحلم، و قد قضى فرائض والديه ثلاث مرات، مرة تقليدا و مرتين اجتهادا.

قال تلميذه سيدنا الحسن الصدر في «التكملة»: انه كان شديد الاحتياط دائم العبادة مواظبا على السنن كثير الصلاة و الصمت دائبا في العبادة حتى في السفر، فهو في جميع عمره حتى في أوقات خروجه الى الدرس كان مشغولا بالعبادة، و كان من الزهد في جانب عظيم، و كان دائم الطهارة، تخرج على يده مئات من العلماء، و لم يكن في زمانه أوفى تدريسا منه، و له التدريس العالم المشتمل على أصناف العلماء.

له تصانيف كثيرة نافعة تموج بالتحقيقات، منها:

1- تقريرات بحث الشيخ الأنصاري فقها و أصولا.

2- بدائع الأصول، في أصول الفقه مطبوع.

3- مقدمة الواجب، رسالة مبسوطة.

13

4- المشتق، رسالة مطبوعة.

5- الاجزاء.

6- المفهوم و المنطوق.

7- التعادل و التراجيح.

8- اجتماع الأمر و النهي.

9- حاشية المكاسب.

10- شرح شرائع الإسلام، خرج منه مجلدات في الطهارة و الصلاة و الزكاة و بعض كتب أخرى غير تامة.

11- خلل الصلاة.

12- كتاب التجارة.

13- كتاب الغصب.

14- كتاب القضاء و الشهادات.

15- كتاب الوقف و الرهن و اللقطة.

16- كاشف الظلام في علم الكلام، فارسي في أصول الدين.

17- الإمامة، رسالة مبسوطة.

18- حاشية تفسير الجلالين.

خلف ثلاثة أولاد علماء فضلاء: أكبرهم الشيخ محمد المتوفى سنة 1316، ثمَّ الشيخ إسماعيل المتوفى سنة 1343، ثمَّ الشيخ إسحاق المتوفى سنة 1357.

توفي (رحمه اللّه) ليلة الخميس رابع عشر جمادى الثانية سنة 1312، و دفن وراء شباك الحجرة الواقعة على يسار الداخل الى الصحن العلوي الشريف من باب السوق الكبير و مرقده مزار للرواد.

14

و قد رثاه جماعة من الشعراء، منهم الشاعر المعروف السيد جعفر الحلي، فقال يرثيه و يعزي عنه ابن إمام الجمعة بطهران الذي قد أقام له مجلس الفاتحة:

على م دموع أعيننا تصوب * * * إذا لحبيبه اشتاق الحبيب

أصابك يا حبيب اللّه حتف * * * أصيب به القبائل و الشعوب

أقم، و اللّه جارك، في ضريح * * * موسدة به معك القلوب

ألا لا حان يومك فهو يوم * * * على دين الهدى يوم عصيب

نظرت بنور ربك كل غيب * * * فكانت نصب عينيك الغيوب

ترى العلماء حشدا و احتفالا * * * لتعلم كيف تسأل أو تجيب

سترت عيوب هذا الدهر حينا * * * فبعدك ملء عيبته عيوب

و كنت بقية الحسنات منه * * * فبعدك كل ما فيه ذنوب

نشرت العلم في الافاق حتى * * * طوى أضلاع شانئك الوجيب

تساقط حكمة فتطير فيها * * * الى الناس الشمائل و الجنوب

قضيت العمر في تعب و جهد * * * و ما نال المنى الا التعوب

فلم يرقدك عن علم شباب * * * و لم يقعدك عن نفل مشيب

و تترك ما يريبك كل حين * * * مجاوزة الى ما لا يريب

أرواد العلوم إلا أقيموا * * * بيأس ان مرتعه جديب

فقد و اللّه قشع عن سماه * * * ضحوك البرق و كاف سكوب

ألا يا دهر هذا منك خطب * * * علينا فيه هونت الخطوب

فبعد صنيعك ارم فلا نبالي * * * أ تخطئنا سهامك أم تصيب

فيا صبرا امام الناس صبرا * * * فكل الناس مثلك قد أصيبوا

لقد صدق المخيلة منك بشر * * * يلوح وراءه كرم و طيب

15

و بشر سواك كان له شبيها * * * سراب القاع و البرق و الخلوب

لقد كرمت طباعك في زمان * * * به كرم الطباع هو العجيب

أقول لمن يحاول أن يباري * * * علاك و غره الأمل الكذوب

نعم ستنال ما تبغي و لكن * * * إذا ما عاد للضرع الحليب

و قال أيضا مؤرخا عام وفاته (رحمه اللّه):

بكته الملة الغرا فأرخ * * * بكى لحبيبها الشرع الشريف

16

العمل في الكتاب

لقد قابلنا هذا الكتاب و صححناه على:

1- نسخة سماحة آية اللّه السيد مصطفى الحسيني الخونساري، و هي بخط والده المغفور له آية اللّه السيد أحمد الحسيني الخونساري، و كانت في مجموعة معها القسم الفقهي من كتاب «الاقتصاد الهادي إلى سبيل الرشاد» للشيخ الطوسي و جاء في آخرها:

«لقد وقع الفراغ من نسخ هذا الكتاب الشريف بتوفيق اللّه و عونه بيد العبد الإثم أقل السادة أحمد بن محمد رضا الحسيني في يوم السابع من ربيع الثاني من عام الخامس و الأربعين و ثلاثمائة بعد الالف.».

و هذه النسخة تامة الا أنها لا تخلو من بعض الاغلاط و التحريفات.

2- نسخة فضيلة العلامة الشيخ رضا الاستادي، و هي من أول الكتاب الى

17

ما يقرب من ثلثه، و هي مصححة مقابلة جيدة عليها تملك الشيخ إسحاق ابن المؤلف و لعله هو الذي قابلها و صححها.

هذا و قد رأينا أن نصحح الأخطاء الأدبية التي قد سبقت الى قلم المؤلف، و لكن لم نرتكب ذلك كلما وجدنا لها مخرجا و تأويلا من قواعد العربية.

كما رأينا أن نضيف في الكتاب عناوين من عندنا تعيين القارئ على معرفة كل مقطع من الموضوع، و قد جعلناها بين معقوفتين هكذا [] ليتمايز ما وضعناه نحن عما هو من أصل الكتاب.

و قد أعاننا مشكورا سماحة العلامة الجليل الشيخ محمد علي أحمديان الأصبهاني في تخريج الأحاديث، و بعمله هذا يسر علينا بعض الوقت و زاد في قيمة الكتاب العلمية.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

كتاب القضاء

24

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

25

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

(كتاب القضاء) و مقاصده ثلاثة:

الأول: في القاضي و صفاته.

الثاني: في كيفية القضاء.

الثالث: في أحكام الدعاوي.

26

المقصد الأول [في القاضي و صفاته]

(في القضاء)

[مقدمة]

القضاء في اللغة لمعان كثيرة، منها ما هو المراد به في المقام، أعني الحكم و الإلزام.

و في عرف الفقهاء عبارة عن ولاية الحكم شرعا لمن له أهلية الفتوى.

و يدل على شرعيته في الجملة الأدلة الأربعة، من الكتاب آيات كثيرة، أوضحها دلالة قوله تعالى في سورة ص «يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ وَ لٰا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» (1) دلت صريحا على شرعية الحكم بين الناس، بمعنى فصل الخصومات الواقعة فيما بينهم و قطع المنازعات، لان الحكم بين الناس لا معنى له سوى الحكومة بالمعنى المبحوث عنه، أعني فصل الخصومات، و به امتاز عن سائر آيات الحكم في الذكر، لأنها انما تدل على الحكم بما أنزل اللّه، و هو غير صريح بالمعنى

____________

(1) سورة ص: 25.

27

المقصود، أعني الإلزام، لأن الحكم بما أنزل اللّه عبارة عن الاخبار به، و هو لا يستلزم شريعة الإلزام و الحكومة التي هي من شعب الرئاسة. و لذا كان المرجع فيه عند الشك هو أصالة العدم، بخلاف الحكم بمعنى الاخبار بما أنزل اللّه، فإن الأصل فيه اما الوجوب فافهم أو الإباحة كما تأتي الإشارة الى ذلك.

[وجوب الحكم بالحق و جوازه]

ثمَّ مدلول الآية الشريفة يحتمل وجوب الحكم بالحق و جوازه، على أن يكون رفعا للحظر المتوهم أو المحقق، و على الأول يحتمل وجهين أيضا:

(الأول) أن يكون الوجوب متعلقا بالمقيد خاصة، أعني كون الحكم بالحق، فالمعنى أن المتفرع على الخلافة و المتوقف عليها وجوب كون الحكم بالحق و عدم متابعة الجور (الهوى)، فلا يدل حينئذ على وجوب أصل المقيد- أعني الحكم- بل يكون في المعنى نظير قوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (1) فيكون حال أصل الحكم في حق الخليفة و غيره من حيث الجواز و الوجوب و التحريم مسكوتا عنه.

نعم يدل على جواز أصل الحكم القدر المشترك بين الوجوب و غيره مهملة لا مطلقة، لأن وجوب القيد يقتضي جواز المقيد في الجملة.

فإن قلت: لا معنى لتفريع كون الحكم بالحق على الخلافة، لأن الحكم بخلاف الحق لا يجوز لأحد، فوجوب كون حكم الحاكم إذا حكم على نهج الحق ليس من خواص كون الحاكم خليفة، لأن وجوبه عقلي ناش من قبح الجور و الافتراء.

قلت: نعم لكن لما كان وجوبه في حق الخليفة آكد منه في حق غيره جعل

____________

(1) سورة النساء آية 57.

28

الاية من متفرعات الخلافة، و هذا مثل قول القائل لإمام الجماعة: أنت إمام الناس فاخضع في صلاتك، فان الخضوع و الخشوع في الصلاة أمر مرغوب إليه في حق كل مصل الا أنه مؤكد في حق الامام، بل في حق المقربين مطلقا على حسب مقدار قربهم.

(الثاني) أن يكون المتفرع على الخلافة أصل وجوب الحكم المقيد، فيدل حينئذ على عدم وجوبه لغير الخليفة، و أما عدم الجواز فلا.

و على الثاني- أعني كون مدلول الآية جواز الحكم بعد الخلافة نظرا الى ورود الأمر به- مقام رفع الحظر يدل على عدم الجواز لغير من يكون خليفة من جانب اللّه، فالاية حينئذ دليل لفظي على عدم شرعية القضاء لغير الخلفاء زيادة على الأصل المشار اليه. فاحفظ ذلك تنتفع به، و اللّه العالم.

التقاط [ما يعتبر في القاضي]

يعتبر في القاضي أمور اتفاقية و أمور خلافية:

و من الأولى العدالة

التي هي أخص من الايمان الذي هو أخص من الإسلام.

قال في الشرائع: و يدخل فيها الامانة و فعل الواجبات.

و في هذه العبارة شائبة إجمال، لأنه إن أراد بالأمانة ضد الخيانة فحسن، لكن يشبه بإيضاح الواضحات لمن عرف من مفهوم العدالة شيئا مع أن تخصيصه بالذكر بين سائر الكبائر مع كونها من الافراد الواضحة الجلية يخلو عن الفائدة.

و ان أراد بها أمرا زائدا عن مفهوم العدالة في سائر المقامات مثل ترك استعمال

29

الحيل الشرعية الذي لا يوجب فسقا في غير المقام، ففي اعتباره هنا في القاضي تأمل أو منع.

و الظاهر أنه نوع تعريض على من جمع بين العدالة و الامانة، و ان ذكر العدالة يغني عن ذكرها بناء على ارادة قصد الخيانة، كما يشعر به ذكره بعد الفراغ عن ذكر ما يعتبر في العدالة.

و يمكن أن يقال أيضا بأن وجه التخصيص هو كونها أمرا وجوديا بعد الايمان من بين ما يعتبر في ماهية العدالة، بخلاف غيرها فإنها أمور عدمية، و لهذا أردفه بفعل الواجبات، لأنه أيضا مثله في الوجودية- فافهم.

و من الأمور الاتفاقية الاستقلال بالفتوى

يعني كون الحاكم صاحب ملكة الاجتهاد و قوة استنباط الاحكام كلا أو بعضا، على الخلاف في مسألة التجزي.

و قد صرح بالاتفاق على اعتبارهما مثل صاحب المسالك ممن يعتبر منه نقل الإجماع لكمال خبرته و اطلاعه.

و استدلوا عليه بما دل على اعتبار العلم في القاضي و ان التقليد ليس بعلم كما لا يخفى، لكن بعض أساطين متأخري المتأخرين- كالمحقق القمي على ما نقل عنه في جواب سؤاله، و بعض من عاصرناه من مشايخنا اكتفى في العلم بمجرد التقليد، فصرح بجواز قضاء المقلد.

و قبل تنقيح المسألة لا بد من تأسيس الأصل و تحرير محل النزاع، فنقول:

أما الأصل فقد أشرنا إلى أنه يقتضي المنع، لأن سلطنة الشخص على إلزام شخص آخر- و لو فيما يقتضيه تكليف ذلك الشخص فضلا عما لا يقتضيه تكليفه- أمر وضعي مختص بمن له السلطنة المطلقة ذاتا، أعني المولى الحقيقي

30

جل اسمه، أو بمن جعله سلطانا من طرفه و خليفة عن جانبه كالنبي و الوصي، فحيث شككنا في ثبوتها فالأصل المحكم فيه هو العدم كسائر الأحكام الوضعية.

و من هنا يعلم أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على وجه يباح به معه مقاتلة فاعل المنكر مثلا أمر على خلاف الأصل الاولي، و لو قيل بأنه من المستقلات العقلية، لأن استقلال العقل بذلك لا ينافي الشك في ثبوته لآحاد الناس، و الرجوع الى الأصل في مورد الشك.

و دعوى عدم تعقل الشك في الأحكام العقلية، مدفوعة بأن الغير المتعقل انما هو الشك في موضوع حكم العقل لا في تشخيص مصاديقه، فان حكم العقل بقبح تناول المضر لا ينافي الشك في قبح شيء باعتبار الشك في كونه مضرا، فحكم العقل بوجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بمعنى لابدية قيام شخص بذلك لا ينافي الشك و عدم العلم بخصوص من يقوم به.

لكن الإنصاف أن الأمر بالمعروف- على تقدير حسنه العقلي لزوما أو رجحانا- ثابت في حق كل مكلف. نعم إلزام الشخص فيما لا تقتضيه تكليفه الذي ستعرف أنه المراد من القضاء المصطلح من المستقلات التي لم تثبت إلا في الجملة، بمعنى استقلال العقل بوجود فاصل للخصومات و المنازعات حفظا للنوع عن الاختلال و الحرج و الضياع و الفتنة و الفساد. و أما أن الفاصل من هو و كم هو فليس للعقل اليه سبيل كما لا يخفى، فيكون الجهل بخصوص القائم بالفصل مع الاستقلال بأصل وجوده كالجهل بقبح الشيء للشك في كونه مضرا.

و أما محل النزاع فقد ظهر مما ذكرنا في تأسيس الأصل، و حاصله: ان الإلزام قد يكون فيما يقتضيه تكليف الملزم عليه و قد يكون في غير ما يقتضيه تكليفه:

أما الأول فهو خارج عن مسألة القضاء المبحوث عنها، بل هو يرجع الى

31

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، بناء على اختصاصه بما هو معروف و منكر في نظر الفاعل لا في نظر الأمر حتى يندرج فيه مسألة إرشاد الجاهل، على ما صرح به بعض أجلاء المتأخرين، و إلا فيكون دائرة الأمر بالمعروف أوسع من الإلزام فيما يقتضيه التكليف و أما هو فأخص مطلقا كما لا يخفى.

فظهر أن المقصود بالبحث فيما نحن فيه هو إلزام الشخص في غير ما يقتضيه تكليفه، مثل أن يكون الشخص معتقدا لبطلان مقالة الشخص فيحكم عليه بخلاف المعتقد و خلاف ما يقتضيه تكليفه، لان القضاء المبحوث عنه ليس الا ذلك.

و أكثر موارد القضاء من هذا القبيل، حتى الحكم بالبينة التي يجب على جميع المكلفين ترتيب آثارها مدعيا و منكرا و غيرهما، لان العمل بها انما يجب في صورة الشك و الجهل، فإلزام المنكر المعتقد بكذب البينة مثلا إلزام بغير ما يقتضيه تكليفه.

نعم قد يقال: ان الحكم في صورة الشك- أي شك من قام عليه البينة مثلا- إلزام بحسب التكليف، لكن يمكن منع كون ذلك من باب القضاء بل من باب الأمر بالمعروف، نظرا الى أن مجرد قيام البينة في حق الشاك يوجب العمل بمقتضاها من غير ضم حكم الحاكم، فحكم الحاكم يشبه الأمر بالمعروف.

الا أن يقال: ان الإلزام على وجه الأمر بالمعروف لا يستتبع على ما يترتب على القضاء من الأحكام، فإرجاع القضاء هنا الى ذلك لا وجه له، بل الوجه أن القضاء كما يكون بما لا يقتضيه تكليف الملزم عليه كذلك يكون بما يقتضيه تكليفه و أما انه لا بد أن يكون من قبيل الأول فلا.

و هذا يكفي في الفرق بينه و بين الأمر بالمعروف، فإنه لا يكون إلا في الثاني، فالقضاء أعم من وجه موردا، و مرجعه في صورة الاجتماع اجراء حكم اللّه الكلي في حق المحكوم عليه و إلزام جزئيته عليه. و اللّه العالم. و ان كان مرجع

32

الأمر بالمعروف في تلك الصورة أيضا ذلك، الا أن هذا الإلزام إذا صدر من الحاكم على وجه الحكومة تأكد به وجوب الالتزام على المحكوم عليه.

و توضيح ذلك و حقيقة الفرق بين الأمر بالمعروف و القضاء هو أن الإلزام على وجه الأمر بالمعروف لا يزيد في تكليف الملزم عليه شيئا على ما يقتضيه أدلة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من الالتزام بخلاف الإلزام على وجه القضاء، فإنه سبب لوجوب الالتزام بما الزم، سواء طابق تكليفه أم خالف.

و بعبارة أخرى سواء كان الملزم به لازما في حق الملزم عليه مع قطع النظر عن الإلزام أم لا، فالملزوم و الالتزام سبب للإلزام على وجه الأمر بالمعروف و مسبب عن الإلزام على وجه القضاء، و لازمه تأكد اللزوم إذا طابق التكليف كما قلنا.

فظهر مما ذكرنا مادة الافتراق و مادة الاجتماع، فإن الإلزام بما لا يقتضيه التكليف مادة افتراقه عن الأمر بالمعروف، و الإلزام بما يقتضيه تكليف الملزم عليه دون الحاكم الملزم مادة افتراقه من القضاء و الإلزام فيما يقتضيه التكليف مورد اجتماعهما الموردي.

و يمكن الفرق أيضا في هذه الصورة باختلاف الجهة، فإن الحاكم إذا ألزم بعنوان الأمر بالمعروف الذي هو مشترك بين العامي المقلد و بينه، فهذا لا يزيد في لزوم الحكم و وجوب التزامه، و ان الزم بعنوان القضاء فهو يوجب تأكد الوجوب، حيث أن التمرد عن الحكم حينئذ معصية من جهة مخالفته لأدلة الحكم و من جهة رده على الحاكم- فافهم.

[في قضاء المقلد]

إذا تحقق ذلك فاعلم أن مسألة قضاء المقلد تشتمل على مسائل ثلاث:

(الأولى) قضاؤه مستقلا من غير نصب المجتهد له للقضاء أو توكيل له في

33

ذلك. و غاية ما يتوهم دلالته على ذلك أمور:

الأول- إطلاق ما دل على وجوب الحكم بما أنزل اللّه من الايات و الاخبار كقوله تعالى «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ» (1)، و قوله تعالى «وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (2)، و قول الصادق (عليه السلام) في تعداد القضاة «و رجل قضى بالحق و هو يعلم فهو في الجنة» و غيرها من الايات و الاخبار.

و يرد: أولا بمنع الإطلاق لاهمالهما و ورودهما في مقام بيان حكم آخر، و هو كون الحكم لا بد أن يكون بما أنزل اللّه و عن علم و غير ذلك مما لا يخفى على من لاحظها مع سياقها و مصبها. و ثانيا بعد تسليم الإطلاق القابل للاستدلال بأن المأمور بالحكم هو الذي كان عالما بالحق و بما أنزل اللّه تعالى في الشبهات الموضوعية التي هي محل استعمال القاضي للبينة و الايمان، مثل اختلاف المتخاصمين في دين أو بيع أو غصب أو نحوها من الشبهات الموضوعية لا تتوجه هذه الإطلاقات إلى المقلد الجاهل بالحال، و بأن الحق فيما يقوله المدعي أو المدعى عليه، كما لا يتوجه الى المجتهد الجاهل بالموضوع أيضا، مع قطع النظر عن قوله (عليه السلام) «استخراج الحقوق بأربعة» و نحوها مما يعطي ميزانا للقضاء عند الجهل بالموضوع.

فان قلت: بعد ملاحظة أدلة البينة و اليمين و نحوها من الموازين المقررة نقول: ان المقلد في الشبهات الموضوعية ليس بجاهل للحق، و هو مؤدى البينة مثلا، فيجب عليه الحكم به لكونه حكما بما أنزل اللّه تعالى.

قلت: هذا مبني على مجيء أدلة البينة و سائر الموازين في حق المقلد أيضا،

____________

(1) سورة المائدة: 44.

(2) سورة النساء: 58.

34

و ستعرف عدم المجيء، لمنع إطلاقها على وجه يشمل المقلد أيضا.

هذا في الشبهة الموضوعية، و أما الشبهة الحكمية- بأن كان اختلاف المتخاصمين باعتبار اختلافهما في حكم المسألة مثل مسألة المنجزات و مثل مسألة تحريم عشر رضعات و نحوهما من المسائل الخلافية- فهي على قسمين: أحدهما ما كان رأي الحاكم عن تقليد موافقا لرأي المحكوم عليه في الحكم الشرعي، بأن ترافعا الى مقلد يوافق المدعى عليه في الحكم الشرعي. و الثاني ما كان رأيهما مختلفين.

و لا ريب أن إطلاق الأمر بالحكم بمعنى الإلزام بالحق و بما أنزل اللّه على فرض تسليمه قاصر عن شمول الصورة الأخيرة: اما لان منصرف الإطلاقات غير ذلك، و هو ما كان الحكم الواقعي فيه متحدا عند الحاكم و المحكوم عليه، فلو اختلفا كان الحكم بما يراه الحاكم و هو غير مشمول لتلك الإطلاقات. أولان مجرد الإلزام بالحكم الواقعي مع قطع النظر عن سلطنة الملزم و نصبه رئيسا غير معقول مع اختلاف المحكوم عليه للحاكم في الحكم الواقعي، لأن الإلزام إنما يتصور على المتمردين عن الحكم الواقعي. و من يعتقد تقليدا أو اجتهادا أن الحكم الواقعي غير ما يقوله الحاكم و ان حكمه حكم الجاهلية فليس بمتمرد عن الحكم الواقعي على تقدير عدم قبوله لحكم الحاكم الذي اعتقد كونه حكم الجاهلية بل يجب عليه التجافي عن ذلك، لأنه مأمور بأن يكفر بما ليس بحكم اللّه تعالى و بحكم الجاهلية.

توضيح هذا المقال: ان الحكم الذي أمر الناس بإلزامه على المتمردين اما أن يكون هو حكم اللّه الواقعي من غير تقييد له باعتقاد الملزم- أعني الحاكم- أو يكون مقيدا بما اعتقده الحاكم، على معنى وجوب إلزام الحكم الذي اعتقده الحاكم أنه حكم اللّه تعالى.

35

و بعبارة أخرى: اعتقاد الملزم يؤخذ تارة طريقا الى الحكم الواقعي الذي يجب إلزامه و أخرى موضوعا و قيدا للملزم به، و على الأول فالملزوم عليه لا يخلو عن أحوال ثلاث: الاولى أن يكون جاهلا بالحكم الواقعي، و الثانية أن يكون عالما به تقليدا أو اجتهادا بالعلم المطابق لعلم الحاكم، و الثالثة أن يكون عالما بالعلم المخالف. و في الحالتين الأوليين يعقل إلزام الحاكم بالحكم الواقعي كما لا يخفى، و في الحالة الثالثة فالإلزام به غير معقول، إذ المفروض أن الملزم به ليس الا الحكم الواقعي باعتقاد الملزم الذي فرض طريقا اليه، و الحكم الواقعي باعتقاد المحكوم عليه غير الذي اعتقده لحاكم. و إذا أراد الحاكم إلزامه بمعتقده فله الامتناع عن ذلك قائلا بأنك إنما أمرت بإلزام الواقع و هذا الذي تلزمني به ليس هو الواقع بل هو حكم الجاهلية الذي أمرت أنا بكفرانه.

و على الثاني- يعني على تقدير كون الملزم به هو الحكم الذي اعتقده الحاكم الملزم بأن يكون الملزم به الحكم الفعلي للحاكم- فالإلزام بالواقع بهذا النحو معقول في الحالات الثلاث، لكنه تقييد في آيات الحكم أو تجوز بين، لان الحكم المأمور به انما هو الحكم الواقعي الذي تختلف فعليته بالقياس الى الحاكم و المحكوم عليه و تقييده باعتقاد الحاكم، و ارادة الحكم الفعلي الخاص منه لا بد له من التماس دليل آخر، كأدلة النصب و النيابة التي تعرف قصورها عن شمول المقلد.

و دعوى أن الحكم الذي أمر الناس بإلزامه لا يعقل أن يكون طريقة غير اعتقاد الملزم لا تنفع، لان اعتبار اعتقاده طريقا غير اعتباره موضوعا و قيدا للحكم الواقعي كما لا يخفى على المتدرب.

هذه حال الصورة الأخيرة، و أما الصورة الاولى- و هي صورة الموافقة في الطريق- فوجوب الإلزام حينئذ مسلم، بمعنى أنه يجب على كل أحد إلزام المتمرد عن الحق و الحكم الواقعي إذا كان موافقا مع الملزم في الحكم الفعلي

36

لكنه لا ينفع لان مرجعه حينئذ الى الأمر بالمعروف الذي لا ينكره أحد بشرائطه فلا يؤثر إلزامه حينئذ في تكليف الملزم عليه زيادة على ما يقتضيه تكليفه، و قد عرفت أن الكلام في الإلزام الذي هو سبب لوجوب الالتزام لا مسبب عنه.

فان قلت: بعد تسليم إطلاق الأدلة بالنسبة إلى المقلد يثبت أن إلزامه حيثما يعقل- كما في صورة الموافقة- سبب لإلزام الملزم عليه زيادة عن الالتزام الذي كان يقتضيه تكليفه، فيحرم عليه مخالفته من جهتين: من جهة نفس أدلة الملزم به الذي يتبعها الإلزام على وجه الأمر بالمعروف، و من جهة إلزام الملزم المدلول عليه بآيات الحكم الذي يرجع الى القضاء، فاذا ثبت قضاء المقلد في هذه الصورة ثبت في صورة المخالفة لعدم القول بالفصل.

قلت: نمنع عدم القول بالفصل فيما ذكر، لان الفصل المنفي انما هو ثبوت أحكام القضاء لا إلزام المقلد في بعض دون بعض، فلو ثبت أن إلزام المقلد و حكمه يترتب عليه أحكام القضاء في صورة الموافقة ثبت أيضا ذلك في صورة المخالفة لا أنه إذا ثبت إلزام المقلد المعرى عن جميع الاحكام في الصورة الأولى ثبت أيضا في الصورة الثانية. كيف و قد عرفت أن الإلزام في صورة المخالفة لا يساعده دليل الخصم من أدلة الحكم.

فان قلت: إذا ثبت في صورة الموافقة أن إلزام المقلد مؤثر زيادة على ما يقتضيه الأمر بالمعروف ثبت أيضا ترتب أحكام القضاء عليه، لأن القائل بعدم الترتب النماء يقول ان إلزام المقلد لا يرجع الا الى الأمر بالمعروف، لا أنه إلزام موجب لتكليف زائد و مع ذلك لا تترتب عليه أحكام القضاء.

قلت: نمنع تأثير إلزام المقلد في التكليف زيادة على ما يقتضيه الأمر بالمعروف و ما ذكرنا من تسليم الإطلاق لا يفيد ذلك.

نعم لو ثبت الإلزام في الصورة المخالفة أيضا لم يكن له معنى سوى اقتضائه

37

في نفسه تكليف الملزم عليه بما الزم، و أما إذا لم يثبت ذلك أو ثبت عدم اندراج هذه الصورة تحت الإطلاقات فالإلزام الذي دلت عليه الإطلاقات لا يقصد به حينئذ سوى معنى الأمر بالمعروف. فغرضنا من تسليم الإطلاق و منع شموله لصورة المخالفة بيان أن مفاد الإطلاقات شيء وراء القضاء المصطلح الذي يؤثر في تكليف المقضي عليه.

و حاصل الكلام: ان إطلاق الحكم لو شمل صورة المخالفة (1) لم يكن له معنى سوى الإلزام القضائي، لان الإلزام القدر المشترك بين هذه الصورة و غيرها من صور المخالفة لا يعقل سوى ذلك، و أما إذا قلنا بعدم الشمول و الحصر في مجاري الأمر بالمعروف لم يزد في المقتضي على ما يقتضيه الأمر بالمعروف شيئا، فيكون من جملة أدلته- فافهم.

و ثالثا- أي بعد تسليم الإطلاق مطلقا- بأن الإطلاق مقيد بما دل على اشتراط اذن الامام من الإجماع و الاخبار و لم يقم دليل على أن المقلد مأذون في القضاء كالمجتهد.

فان قلت: الكلام في المقام بعد الفراغ عن اذن الامام لأنه شرط إجماعا، لأن القائل بجواز قضاء المقلد يريد نفي شرطية الاجتهاد لا نفي شرطية الاذن، فالاجتهاد عنده مثل الحرية المختلف فيها، فكما أن القول بعدم اعتبار الحرية ليس نفيا لاعتبار اذن الامام فكذلك نفي اعتبار الاجتهاد ليس نفيا للاذن. و الدليل على ذلك أن العملاء ذكروا شرط الاذن مستقلا مدعيا للإجماع فيه و شرط الاجتهاد أيضا مستقلا، فرد إطلاق الأدلة بأنها مقيدة بما دل على للاذن ليس في محله.

قلنا: ان ثبت عند هذا القائل اذن الامام للمقلد فهو يكفي، لأن إذنه دليل على عدم شرطيته، لأن الإمام لا يأذن في غير المشروط، و ان لم يثبت عنده الاذن

____________

(1) «الموافقة» خ ل.

38

فأي فائدة له في هذه الإطلاقات.

فإن قلت: فائدته إثبات اذن الامام بذلك فإنهما متلازمان، إذ بعد ما ثبت أن الحكم بين الناس حكم من الأحكام الواقعية الإلهية نظير سائر التكاليف التعبدية بإطلاق الاية الرافع لتوهم كونه من خصائص الامام و منصوبيه، فيثبت أيضا اذن الامام لأن كلا من الحكم الشرعي و الاذن كاشف عن الأخر عندنا معاشر الإمامية القائلين بالعصمة و الوحي دون الخطأ و الاجتهاد.

قلت: ان كان الحكم بين الناس من الأحكام الشرعية كحرمة الخمر و وجوب الصلاة و اباحة المسكر و نحو ذلك فلا معنى لاشتراطه بإذن الإمام، لأن الأحكام تعم الناس الامام و المأموم على حد سواء، فلا معنى لقوله باشتراط الاذن، و لا معنى لإجماع العلماء على ذلك. و اشتراط وجوب صلاة الميت بإذن الولي يرجع الى كونه شرطا للواجب دون الوجوب- فتأمل.

و ان كان أمرا من الأمور المقررة لأهل المنصب و الرئاسة فما ذكرنا من التقييد وارد عليه، فان الإطلاق مع ثبوت شرطية اذن الامام بالأدلة اللفظية بل الإجماع لا يجدي في مطلوب الخصم، فانا نقول حينئذ: ان الحكم بين الناس بمعنى القضاء في نفسه قابل للثبوت في حق المجتهد و المقلد، لكنه يحتاج إلى إذن الرئيس الواقعي و نصبه، و القدر الثابت منه في حال الغيبة انما هو الاذن للمجتهد لا المقلد.

و دعوى عموم الاذن لهما بإطلاق أدلة النصب. يعرف ضعفها إنشاء اللّه تعالى.

(الدليل الثاني) مشهورة ابي خديجة عن الصادق (عليه السلام): إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا الى أهل الجور، و لكن انظروا الى رجل منك يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه قاضيا بينكم فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه (1).

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 1 من أبواب صفات القاضي ج 5.

39

وجه الاستدلال: ان المراد بالعلم ما يشمل الظن الذي دل الدليل على حجيته بعلاقة المشابهة، و هي وجوب العمل، للإجماع على عدم اختصاص القضاوة بالعالم المستيقن و نفوذ قضاء المجتهد.

لا يقال: يبقى العلم على ظاهره و تحكم عليه الأدلة الظنية بعد قيام القاطع على اعتبارها، فلا حاجة الى صرف اللفظ عن ظاهره بإرادة عموم المجاز.

لأنا نقول: العلم أخذ موضوعا للقضاء لا طريقا إليه، و تحكيم الدليل الدال على الظن على ما يعتبر فيه العلم انما يتصور في العلم الطريقي لا في العلم الموضوعي، فان التحكيم حينئذ لا بد فيه من التماس دليل آخر سوى أدلة الظنون كما تقرر في محله. مع أن ذلك لا يضر المستدل، لأن أدلة التقليد حينئذ حاكمة على الرواية كما لا يخفى. فاذا ثبت أن المراد بالعلم ما يشمل الظن الواجب العمل دخل فيه ظن المقلد أيضا.

فإن قلت: المقلد ليس بظان بل هو متعبد بقول المجتهد.

قلت: المراد بالظن كل أمارة يجب العمل بها و لو تعبدا كما لا يخفى.

و الجواب عنها:

أولا- ان إطلاق العلم على ما يشمل الظن- و ان ذكره بعض في تعريف الفقه- لكنه ليس بمعهود في لغة العرب، لان المجازات و ان كانت نوعية الا أن علاقة المشابهة التي هي من أنواعها لا بد أن تكون في الصفات الظاهرة و الجامع القريب لا كل جامع يمكن أن يفرض. و لا ريب أن وجوب العمل ليس من هذا الباب، خصوصا على طريقة غير أهل الانسداد ممن يقول باعتبار الظنون الخاصة، فإن مرجع ذلك في الحقيقة إلى التعبد الصرف، نظرا الى كون الظنون الخاصة ظنونا نوعية غير مشروط بإفادتها الظن في مجاريها، فليس في مقام العمل بها ظن حتى يشبه بالعلم لمشابهة وجوب العمل، الا أن يلاحظ المشابهة حينئذ

40

بين الاحتمال الصرف أو بين ذات الأمارة النوعية و بين العلم.

و ثانيا- ان إحراز صفة العلم بالحكم الواقعي في الحاكم لا بد أن يكون منوطا بنظر المحكوم عليه، كإحراز صفة الرجولية، لأن إحراز قيود الموضوع يستحيل أن يكون منوطا بنظر غير المخاطب الا بدليل آخر. فإذا أحرز الشخص عند نفسه شخصا جامعا بين الصفتين- أعني الرجولية و العلم بالحكم الواقعي- فعليه التحاكم إليه. و من الواضح أن الجاهل بالحكم لا يعقل في حقه إحراز العلم به في شخص أو الظن به، لان ما في وسعه إحراز شخص ظن بأن حكم الخمر الحرمة مثلا، و هو غير إحراز ظنه بحكم الخمر، و العلم بأن زيدا ظن بكون حكم الخمر هو الحرمة و العلم بأنه ظن حكم الخمر الواقعي، بينهما فرق واضح بين.

و لعل المحقق القمي تفطن الى هذه الدقة حيث طابق الاستدلال بالرواية في محكي جواب سؤال على صورة علم المترافعين أو ظنهما بالحكم تقليدا فترافعا الى من يوافقهما في التقليد، فان الحاكم حينئذ واجد لصفة الظن بالحكم في نظر هما جدا.

لكن نقول في الجواب حينئذ ما مر في صورة الموافقة من القول بالموجب و عدم بهوضه بالمقصود، لان الحكم و الإلزام بما يقتضيه تكليف المحكوم عليه لا يكون يقتضي أزيد مما هو قضية الأمر بالمعرف- الى آخر ما ذكرنا ثمة.

فان قلت: على ما ذكرت يسقط الاستدلال بالرواية على نفوذ القضاء مطلقا حتى في حق المجتهد، مع أنها من أعظم ما استدلوا به على نفوذ حكم المجتهد في زمن الغيبة.

قلت: الاستدلال بها انما هو لأجل إثبات شرعية القضاء في الجملة، و ان ما ورد من نواهي الحكومة كقوله (عليه السلام) (1) «اتقوا الحكومة فإنما هي للإمام

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 3 من أبواب صفات القاضي.

41

القائم العالم» الحديث، مختص بالمخالفين.

و أما الاستدلال بها على اشتراط الاجتهاد أو أن الحاكم هو المجتهد، فلم نجد من معتمد، لأن العمدة في هذا الباب هو مقبولة ابن حنظلة (1) مع أن بين المجتهد و المقلد فرقا واضحا، لان المجتهد باعتبار اتصافه بالعلم ببعض الاحكام و قوة النظر و الاجتهاد في الباقي يصدق عليه عرفا العالم دون المقلد. فلو أبقى الحديث على ظاهره العرفي من دون ارتكاب ذلك التجوز الركيك ثمَّ الاستدلال به على نفوذ قضاء المجتهد أيضا- و ان كان لا بد من الاستدلال بالمشهور و ما يقاربها من الروايات- فليستدل بأحسن الطرق، و هو حمل القضايا على الأحكام الفعلية الأعم من الأحكام الواقعية و الظاهرية، فإن العمل بالأحكام الفعلية يعم المجتهد و المقلد على حد سواء كما لا يخفى.

لكن نجيب حينئذ: ان هذا الحمل خلاف ظاهر الحديث، إذ لو كان المراد ما ذكر ينبغي أن يقال شيئا من قضاياهم لا شيئا من قضايانا، فإضافة القضايا إليهم (عليهم السلام) ظاهرة أو صريحة في الأحكام الواقعية المختصة- فافهم.

و ثالثا- بعد الإغماض عن جميع ذلك انها مخصصة بمقبولة عمر بن حنظلة الواردة في مقام تحديد القاضي الحاكم و تشخيصه، فإنها ظاهرة في المجتهد. قال الراوي بعد حكم الامام (عليه السلام) بعدم التحاكم الى المخالفين و أن التوصل كل إلى الحق الثابت بحكمهم توصل الى السحت: فكيف يصنعان- يعني الرجلين المتخاصمين المذكورين في صدر الرواية؟ قال (عليه السلام): انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما- الحديث (2).

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 1 من أبواب صفات القاضي ج 4.

(2) الوسائل ج 18 ب 1 من أبواب صفات القاضي ج 4.

42

دلت كل واحدة من الفقرات الثلاث بملاحظة ورودها في مقام التحديد المطرد و المنعكس- كما هو الشأن في قيود الحدود- على اختصاص الحكم بالمجتهد، لظهورهما فيه. لأن رواية الحديث سواء حملت على الرواية المصطلحة في ذلك الزمان أو على المعنى اللغوي- أعني تحمل قول المعصوم (عليه السلام) بمعنى فهم معناه الذي هو حكم اللّه الواقعي- بعيد الانطباق على المقلد، لأنه ليس من أهل الرواية بأحد المعنيين كما لا يخفى.

و دعوى أن المجتهد أيضا ليس من أهلها فيختص مضمون الرواية في زمن الأئمة (عليهم السلام) بالرواية. مدفوعة بأن المجتهد أخص من الراوي، فكل مجتهد رأو لا محالة.

و أما اختصاص النظر في الحلال و الحرام بالمجتهد، فهو أوضح، إذ ليس المقلد من أهل النظر كما لا يخفى.

و دعوى أن المراد بالنظر في الاحكام عدم التجافي عنها- كما هو شأن المخالفين المتجافين عن أئمتنا و أحكامهم- فيعم المقلد الشيعي أيضا. مكابرة واضحة، لظهوره في الرواية و التفكر المختصين بالمجتهد.

و أما معرفة الاحكام فهو أيضا واضح، خصوصا على الأخذ بظاهر الجمع و ان كان ركيكا في الغاية بل مقطوع العدم لظهوره في الاستغراق العرفي الحاصل بالعلم بجملة من الاحكام. و الحاصل ان ظهورها في المجتهد و منكره مكابر.

و دعوى عدم دلالتها على الحصر لعدم حجية مفهوم الوصف، قد ظهر ضعفها مما أشرنا من ورودها في مقام التحديد الآبي إلا عن الحصر. و العجب كيف يتجرأ في مخالفة رؤساء الفقه المصرحين بالاتفاق على المنع، مع عدم مصرح منهم بالجواز بمثل هذه الروايات التي خرجت و وصلت من أيديهم إلينا مع عدم ظهورها في المدعى.

43

ثمَّ ان أول من استدل بها على الجواز المحقق القمي في جواب سؤاله على الوجه الذي قررناه في تقريب الاستدلال، و قد ذكره في طي الاستدلال كلمات لا تخلو عن النظر، خصوصا ما ذكره في رد الإجماعات تارة بحملها على قضاؤه المقلد على وجه الإطلاق الراجع إلى رئاسة عامة، و أخرى بأنها إجماعات منقولة لا تكافؤ ظاهر الروايات، و هو أعلم بما قال. و اللّه العالم.

(الدليل الثالث) الأدلة الدالة على اعتبار البينة و عمومها للمجتهد و المقلد، و هي نوعان: أحدهما ما يدل على كونها ميزانا من موازنين القضاء و فصل الخصومة و يشاركها في الحكم اليمين و سائر الموازين. و الثاني ما يدل على وجوب العمل بها.

«أما الأول»- فكقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» (1)، و قوله (عليه السلام) «استخراج الحقوق بأربعة» الحديث.

فيرد على الاستدلال بها: أنها وردت في بيان ميزان القضاء و استخراج الحقوق، و أما تعيين القاضي و المستخرج فموكول الى دليل خارج، فمصبها مصب الإهمال لا مصب الإطلاق حتى ينتفع عند الشك في صفات القاضي، و لذا لم يستدل أحد بها على نفي ما شك من صفات القاضي.

و غاية ما يتوهم في وجه الاستدلال بها أنها دلت على أن الحكم على طبق البينة في الموضوعات المشتبهة حكم اللّه الواقعي، فيندرج تحت «ما أنزل اللّه» الذي دل ما تقدم من أدلة الحكم على وجوب الحكم به عموما، فكما أن المجتهد له أن يحكم بين التخاصمين بمقتضى البينة أو اليمين فكذلك المقلد، لكون الحكم حكما بما أنزل اللّه تعالى.

و فيه: ان المعلوم من أدلتها كون الحكم على طبق البينة في الجملة من

____________

(1) الوسائل ج 18 ب 2 من أبواب كيفية الحكم ح 1.

44

الأحكام الواقعية، فلعل ذلك مخصوص بالمجتهد، بمعنى كون حكم غيره بمقتضى البينة حكما بغير ما أنزل اللّه تعالى.

و بعبارة أخرى: علم من الأدلة أن فصل الخصومة بمقتضى البينة حكم من الأحكام الإلهية دون الجاهلية، لكن على وجه الإهمال القابل للاختصاص بحكم بعض دون بعض، على أن يكون حكم غير المجتهد بمقتضاها غير ما جاء به النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، فلا بد من ذكر دليل عام يفيد أن فصل الخصومة بها مطلقا من أحكام اللّه، و هو مفقود و مع وجوده يستغنى عن التمسك بأدلة الحكم.

و أيضا الحكم بمقتضى البينة حكم أنزله اللّه و ليس حكما بما أنزل اللّه، و تلك الأدلة انما تدل على وجوب الحكم بما أنزل اللّه لا على الحكم الذي أنزله اللّه، و بينهما بون بعيد- فافهم.

«و أما الثاني» فقد ظهر جوابه مما مر من أن الأدلة الدالة على وجوب العمل بالبينة كأدلة سائر الظنون و الطرق الشرعية لا تنهض في الحجية على من يعتقد بكذبها، فلا بد في إجراء أدلتها فرض صورة علم المحكوم عليه بصدقها و صدق المدعي، و حينئذ فيلزم بالموجب و نقول: انه يجب عليه العمل بمقتضاها و يجب على سائر الناس أيضا إلزامه عليه مع التمرد، فيرجع الى الإلزام بما يقتضيه تكليف المحكوم عليه الذي قد عرفت أنه حينئذ لا يزيد عن الأمر بالمعروف في شيء.

و اللّه العالم.

تنبيه (مشتمل على أمور)

(الأول)

ان ما تلونا من المقبولة من الفقرات الثلاث ظاهرة أو صريحة و لو

45

بملاحظة ما بعدها في أن العبرة في القضاء و الحكومة بالحكم الواقعي هو علم القاضي و طريقه اليه، و ان كان مقتضى القاعدة- على ما أشرنا إليه- في المشهورة اناطة معرفة موضوع الحكم في الكلام بنظر المخاطب، لأن الحوالة على أهل النظر و أهل المعرفة مع كون النظر و المعرفة من الأمور المختلف فيها باختلاف الناظرين، بنفسه يشعر بأن المناط في تشخيص الحكم الذي لا بد أن يتراضى المتخاصمان به هو نظر الناظر.

و إذا لاحظنا مع ذلك أن نزاع المترافعين و لو بسبب الاختلاف في الحكم لا يعقل الشارع إبقاؤه البتة على حاله و إلا لكان تعريضا للنظام على الفساد، بل لا بد من دفعه و فصله بوجود فاصل بلغ الاشعار حد الدلالة على أن ما يفصل به لا بد أن لا يكون هو الحكم الواقعي من دون تقييد له بطريق الفاصل و الا لزم المحذور الذي أشرنا إليه سابقا، و هو استحالة نفوذ الفصل و القضاء مع الاختلاف في الطريق، لان المحكوم عليه له أن يرد القاضي الحاكم بأنك أمرت بالقضاء على حسب الواقع النفس الأمري و هذا الذي تلزمني عليه حكم الجاهلية دون الواقع، بل هو الحكم الواقعي الذي يراه الفاضل؟؟؟، و إذا ضممنا الى ذلك قوله (عليه السلام) «فارضوا به حكما» و قوله (عليه السلام) «فإني قد جعلته قاضيا» تأكدت الدلالة، لأن الحكم و القاضي إذا تعقلنا معنا هما المطابقي تعقلنا متبوعيتها في النظر و عدم جواز معارضة المحكوم عليه له بنظره أو تقليده، و إذا أضفنا الى ذلك تفريع الامام (عليه السلام) على قضاوته قوله «فاذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه» تأكدت الدلالة كما لا يخفى.

و إذا لاحظنا مع ذلك كله قول الراوي فإن كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضينا أن يكونا ناظرين في حقهما و اختلفا فيما حكما الى آخر المرجحات

46

صارت الرواية نصا في المطلوب، و هو القضاء المصطلح- أعني الإلزام في غير ما يقتضيه تكليف المحكوم عليه- بأن يكون ما يفصل به هو الواقع المقيد بالطريق القاضي إليه، إذ لو كان المفصول به هو الحكم الواقعي الغير المقيد الغير المتصور في صورة اختلاف القاضي و المقضي عليه في الطريق لم يكن العدول من مرجحات الواقع الى ذكر مرجحات الحكمين وجه، بل لا بد حينئذ من ذكر مرجحات الواقع بقول مطلق، و لازمه عدم نفوذ أحد الحكمين المعينين إذا كان مرجوحا بالنسبة إلى الحكم الذي التزم به المحكوم عليه.

اللهم الا أن تنزل الرواية على صورة جهل المتخاصمين بالحكم و عدم ثبوت طريق لهما الى الواقع. و يدفعه إطلاق الرواية كما لا يخفى.

و لو حملنا المشهورة على ما استظهرناه من الاختصاص بالمجتهد بإرادة أهل العلم من قوله «يعلم شيئا» كانت في الدلالة على القضاء المصطلح- أعني اعتبار نظر القاضي و رأيه دون المحكوم عليه مثل المقبولة- كما لا يخفى على المتدرب. و ان اختصت المقبولة ببعض الدلالة مثل ذكر المرجحات للحكمين و نحوها. و اللّه العالم.

(الثاني)

ان الأدلة الدالة على القضاء المصطلح إذا قيست الى الظن الذي التزم به المحكوم عليه من تقليد أو اجتهاد و تكون مخصصة للدليل الدال على اعتباره، فيجب على المقلد مثلا الالتزام بفتوى مجتهده، إلا إذا عارضه حكم حاكم في مقام الخصومة فيجب عليه ترك الالتزام به في تلك الواقعة و الالتزام بحكمه، و هو واضح.

(الثالث)

انه لا حاجة الى قيام دليل آخر من الخارج على حرمة نقض الحكم

47

لأنه إذا وجب الالتزام بفصل الفاصل و قضاء القاضي بحكم المقبولة و المشهورة و نحو هما من أخبار القضاء و أدلته لم يكن له معنى سوى الالتزام به أبدا و المضي عليه كذلك، فلا حاجة الى قيام دليل آخر على حرمة نقض الحكم من المحكوم عليه أو من غيره، لان انقضاء الأمر الذي يتفرع على القضاء يلزمه عقلا بطلان كل ما هو من لوازم البقاء.

و هذا نظير ما أفدنا في رد من زعم أن الأمر بالوفاء بالعقود لا يفيد سوى حكم تكليفي، و أما الحكم الوضعي- و هو لزوم العقد- فيستفاد من نحو «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (1) حيث قلنا ان وجوب الوفاء بالعقد بنفسه يتضمن لزوم أثره، و انه إذا وجب الوفاء بمقتضى العقد في جميع الحالات حتى بعد قول البائع و المشتري «فسخت»، كان ذلك عين اللزوم، لان هذا الأمر الوضعي لا يزيد في الأثر سوى وجوب الوفاء به في الحالات كلها كما لا يخفى.

(الرابع)

دلالة المقبولة على القضاء في الشبهات الحكمية واضحة، و اما دلالتها عليه في الشبهات الموضوعية فلا تخلو من اشكال، لا لان موردها الشبهة في الحكم، لأن العبرة بعموم لفظ الامام (عليه السلام) لا بخصوص المورد، بل لان الحكم بمقتضى البينة ليس الحكم بحكمهم بل حكمهم، و ظاهر التفريع تخصيص المفرع عليه كما لا يخفى. فعموم قوله «انظروا» الى قوله «فارضوا به حكما» لا يجدي مع تفريع «فاذا حكم بحكمنا» عليه غيره، فالمستند للقضاء في الشبهات الموضوعية غير المقبولة من الروايات. و يمكن أن يكون باء «بحكمنا» باء التقوية، أي حكم حكمنا، فيعم الشبهات الموضوعية أيضا.

____________

(1) الوسائل ج 12 ب 1 من أبواب الخيار.

48

[نصب المجتهد المقلد للقضاء و توكليه]

هذا تمام الكلام في المسألة الاولى، و أما المسألتان الأخيرتان- أعني نصب المجتهد المقلد للقضاء و النظر في المرافعات و توكيله في إجراء صيغة الحكم- فالحق فيهما أيضا عدم الجواز، للأصل السالم عن معارضة الدليل.

أما الاولى- أعني النصب-

فلان إثبات جوازه يتوقف على أمرين أحدهما بمنزلة الصغرى و الأخرى بمنزلة الكبرى: أحدهما أن يكون النصب جائزا في حق الامام (عليه السلام)، و الثاني أن يجوز للمجتهد كلما يجوز للإمام (عليه السلام). و كلاهما ممنوعان:

(أما الأول) فلان جواز نصبه (ع) موقوف على شرعية قضاء المقلد، بمعنى عدم كون الاجتهاد من شرائط القضاوة عند اللّه تعالى، إذ لو لا ذلك لم يجز للإمام (عليه السلام) نصبه للقضاء، لأنه لا يأذن في غير المشروع، و لذا يستدل بأذنه (ع) في شيء على شرعيته و كونه من الأحكام الإلهية استدلال «ان» لا استدلال «لم»، فلو لا اختصاص الاذن بالمشروع انسد الاستدلال.

و من هنا يعلم أن القول بأن الامام علي (عليه السلام) له ان يطلق نساء المؤمنين مع القول بأن الطلاق بيد من أخذ بالساق و انه مشروط عند اللّه تعالى برضاء الزوج، غلط فاحش و ان كان النبي و خلفاؤه (صلوات اللّه عليهم أجمعين) أولى بالمؤمنين من أنفسهم في جميع الأمور بنص الآية الشريفة «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» (1) الاية.

و بالجملة إذا كان الاجتهاد- كالرجولية مثلا- معتبرا في القاضي كان نصب المقلد للقضاء كنصب المرأة أمرا غير مشروع، فجواز نصب الامام له موقوف

____________

(1) سورة الأحزاب: 35.

49

على عدم كون الاجتهاد من الشرائط الإلهية، و لذا ذكر الفقهاء شرائط القضاوة فردا فردا مضافا الى شرائط الإذن يريدون بيان الحكم الشرعي و أن القضاء المشروع في الشرع الذي هو للإمام أولا ثمَّ لمأذونه لمن هو متصف بالشرائط المزبورة.

فإذا توقف جواز نصبه (ع) على عدم اشتراط الاجتهاد كان لنا منع الجواز لوجهين:

أحدهما- الأصل الذي أشرنا إليه، فإن مقتضى الأصل فيما هو من قبيل المعاملات بالمعنى الأعم الاشتراط عند عدم الإطلاق، لأصالة عدم ترتب الأثر على فاقد الشرط. و دعوى إطلاق آيات الحكم و القضاء، قد عرفت ما فيه و لا نعيد.

و الثاني- الإجماع المستفيض، حيث صرح غير واحد بالاتفاق على اعتبار الاجتهاد في القاضي، كما لا يخفى على أهل التتبع و الخبرة.

(و أما الثاني) أعني ثبوت الولاية العامة للمجتهد بحيث يجوز له كل ما يجوز للإمام، فمبني على النظر في أدلة ولاية الحاكم. و قد أورد الأستاد شيد اللّه أركان افادته في باب المتاجر على عموم تلك الأدلة بما لا محيص عنه و لا ذاب، و من أراد كمال الاطلاع فليرجع اليه.

و نقول هنا إجمالا: ان هذه الأدلة كقوله (صلى اللّه عليه و آله) «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (1) و قول الحجة (صلوات اللّه عليه) في التوقيع «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواه أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّه» (2) و قوله (عليه السلام) «مجاري الأمور بيد الحكام» و نحوها مما يدعى دلالته على عموم ولاية الفقيه العالم الجامع للشرائط لكل شيء كان للنبي و الوصي (عليهما السلام) و انه نائب منابهم في جميع الأمور إلا ما خرج، لا يجدي عند الشك،

____________

(1) بحار الأنوار 2/ 22 بلفظ «علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل».

(2) الوسائل ج 18 ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9.

50

لوجوه على سبيل منع الخلو:

(الأول) ان الظاهر المستفاد من النظر في مجموع تلك الأدلة هو قيام الرواة و العلماء و الفقهاء و الحكام مقام النبي و الوصي (صلوات اللّه عليهما) في الأمور الثابتة لهم (ع) من حيث النبوة و الرسالة لا مطلق الأمور الثابتة لهم و لو من حيثية أخرى راجعة إلى خصائصهم.

توضيح ذلك: ان تعليق الحكم بالوصف يشعر- خصوصا في مثل المقام المحفوف بقرائن عقلية و نقلية شتى- بالعلية، فتشبيه العالم بالنبي أو تشبيه الراوي بحجة اللّه لا يفيد الا التنزيل و التشبيه في خصوص جهة النبوة التي هي وساطة بين اللّه تعالى و عباده، أو جهة الإمامة التي هي وساطة بين النبي و الرعية، فكل ما هو ثابت للنبي من حيث كونه واسطة بين اللّه و خلقه- و هي حيثية تبليغ الاحكام- فهو ثابت لمن ناب منابه و قام مقامه.

و أما الأمور الثابتة له من حيثية أخرى غير حيثية الرسالة- كخصائص النبي من الأمور الشرعية و العادية- فالتشبيه و التنزيل المزبورين لا يعطي المشاركة فيها أيضا. و لا ريب أن ما نحن فيه و أشباهه خارج عن الحيثية المشار إليها، بل الداخل فيها ليس إلا جهة بيان الاحكام و تبليغ الحلال و الحرام، حتى أنه لو لا أدلة القضاء و حكم العقل بوجوب اقامته لكان إثبات شرعيته بتلك الأدلة، دونه خرط القتاد، فضلا عن إثبات نصب القاضي غيره.

(و الثاني) ان هذه الأدلة وردت في تشخيص من تكون بيده مجاري الأمور من المصالح العامة التي دل العقل أو النقل على وجوب إجرائها، كمباشرة القضاء و محافظة مال الصغار و حفظ بيضة الإسلام و نحوها مما ثبت وجوب إجرائها ما دامت الشرعية باقية لا في تشخيص الأمور الجارية، فلو شك في أمر أنه مشروع جار في المسلمين أم لا، فلا بد في إثباته من التماس دليل آخر.

51

و التمسك بعموم المنزلة في بعض الروايات لا ثبات شرعية اجراء كل ما كان للحجة إجراؤه. يدفعه بعد عدم مجيئه فيما شك في شرعيته للحجة كما فيما نحن فيه، ما عرفت من قصور التنزيل في الحجية و النبوة عن شمول ما هو خارج عن جهة النبوة و الرسالة و الحجية، مضافا الى ما فيه افادة التنزيل و التشبيه للعموم إلا في الصفات الظاهرة الجلية التي هي في النبوة و الحجية في تبليغ الاحكام.

فمفاد ما دل على قيام الفقيه مقام الإمام في مجاري الأمور، إيكال النظر في الأمور العامة اليه، على معنى وقوعها في الخارج على حسب ما يراه فيتبع نظره فيما يتعلق بتجهيز الموتى و محافظة النفوس و الأموال الضائعة، و لا يجوز لا حد معارضته بل لا ينفذ لو عارضه، لا أنه يباشر كل ما يباشره الامام.

(و الثالث) انها على تقدير تسليم عمومها لا بد من تنزيلها على أمور معهودة لكثرة ما يرد عليها من التخصيص التي تشمئز النفس من ارتكابها.

توضيح ذلك: ان كثرة التخصيص بعد ما بلغ حد الاستهجان يتعين معها حمل العام على المعهود، و لذا حكموا في كلمة الناس في قوله تعالى «الَّذِينَ قٰالَ لَهُمُ النّٰاسُ إِنَّ النّٰاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» (1) الاية: بأن المراد به في الأول نعيم بن مسعود و في الثاني أبو سفيان و أصحابه على طريق العهد دون التخصيص، حذرا من استهجان تخصيص الأكثر. نعم لو لم يبلغ كثرة التخصيص الى حد الاستهجان كان حينئذ سببا لوهن العام، بحيث لا تطمئن النفس في العمل بعمومه الا بعد الاطمئنان بعدم كون المورد من الافراد الخارجية، و لذا قلنا في «لا ضرر» و أشباهها كلا حرج و آيات القصاص أنه لا يعمل بعمومها لكثرة ما خرج عن تحتها، الا بعد مشاهدة عمل جملة من الأساطين بها.

____________

(1) سورة آل عمران: 173.

52

[حكم التوكيل في القضاء]

(و أما المسألة الثانية) أعني مسألة التوكيل فالحق فيها أيضا عدم الجواز وفاقا للكل أو الجل، لان التوكيل مشروط بعدم اشتراط المباشرة في تأثير الحكم و الا لم يعقل فيه التوكيل، و اشتراطها هنا اما معلوم أو مشكوك، و التمسك بأدلة الوكالة غير مجد في المقام.

و توضيح المرام: ان الافعال التي يترتب عليها أثر و غرض شرعي على ثلاثة أقسام:

منها- ما يكون ذلك الغرض و الأثر لازم ذات الفعل من غير مدخلية إضافته الى بعض دون بعض، نظير الطهارة الخبثية التي هي أثر الغسل المطلق، من غير اعتبار محل خاص في التأثير حتى لو صدر من الحيوانات لأثر أيضا أثره.

و منها- ما يكون الأثر المقصود مترتبا على صدور الفعل من الشخص و لا يكون الأثر أثرا لذاته، و هذا أيضا على قسمين:

أحد هما: ما كان مطلق الفعل الشامل لنوعي المباشرة و التسبيب كافيا في التأثير على أن يكون المعتبر في حصول ذلك الأثر ذلك الفعل مباشرة أو تسبيبا، كالثواب المترتب على بناء المسجد، فان ذلك غير مشروط بالمباشرة بل يترتب على البناء الحاصل من فعل الأجير أيضا.

و ثانيهما: ما كان حصول الأثر فيه موقوفا على المباشرة، بأن يكون ذلك الأثر ثابتا للفعل المتقوم بمحل خاص على وجه يكون للإضافة الى ذلك المحل مدخلية في التأثير، كالعبادات التي لا يحصل منها الغرض المقصود إلا بالمباشرة.

و من البديهيات أن التوكيل انما يتصور في أحد القسمين الأولين، و أما القسم الثاني فالتوكيل فيه من المستحيلات. نعم يتصور التوكيل حينئذ في