ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج1

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
904 /
3

[مقدمة الناشر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه، و الصلاة و السلام على رسول اللّه، و على آله المعصومين ينابيع أحكام اللّه.

و بعد، فإنّ من نعم اللّه الكبرى على هذه الامّة المرحومة أن هيّأ لها في كلّ عصر و زمان رجالا أفذاذا و علماء عدولا يذبّون عن حوزة الدين و يدافعون عن شريعة سيّد المرسلين بفكرهم الوقّاد و بيانهم النقّاد، فكتبوا في مختلف الميادين، و ثبّتوا في قلوب الناس اسس الحكمة و اليقين، و وقفوا بحقّ وقفة الاسود في الدفاع عن الثقلين المقدّسين الأكبر و الأصغر، بعد أن بيّنوا المجملات، و أوضحوا المبهمات، و فسّروا الآيات، و شرحوا الأخبار و ما اعضل من الروايات، و عرّفوا الناس الحلال من الحرام، و أرشدوهم إلى ما به سعادتهم في الدنيا و الختام. فها هي آثارهم تشهد لهم بالحسنى، و ها هي كتبهم تدلّ على مدى الإخلاص الّذي انطوت عليه سرائرهم، و صلاح النوايا الّتي انعقدت عليه ضمائرهم، فشروا أنفسهم ابتغاء مرضاة اللّه فأثابهم و أكرمهم بأفضل حلل الكرامة. فللّه سبحانه درّهم و عليه تعالى أجرهم.

و من هؤلاء الأنجم الزاهرة و الأعلام الباهرة: فقيه العصر و اعجوبة الدهر سماحة العلّامة السيّد عليّ الموسوي القزويني (المتوفّى سنة 1298 هق) صاحب الحاشية على المعالم و القوانين و مؤلّفات ثمينة اخرى، منها هذه الموسوعة الفقهيّة المنيفة، يأتي وصفها في تقدمة حفيده الفاضل سماحة الحجّة السيّد علي العلوي القزويني- دامت إفاضاته- و نحن نباهي بهذا التوفيق الغالي الّذي توفّقت مؤسّستنا في طريق إحياء هذا التراث القيّم، شاكرين الخلف الصالح للمؤلّف و حفيده العالم سماحة حجّة الإسلام و المسلمين الحاج السيّد جواد الموسوي العلوي القزوينى- دام ظلّه- كفاء ما تفضّل به من النسخة الأصلية؛ و نشكر أيضا لنجله الفاضل المحقّق على ما بذل من الجهود في تصحيح و تحقيق الكتاب، مزدانا بتخريجات نافعة و تعاليق لائقة.

مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

4

نبذة من حياة المؤلّف:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الّذي رفع درجات العلماء، و جعلهم ورثة الأنبياء، و فضّل مدادهم على دماء الشهداء، و الصلاة و السلام على الصادع بالشريعة الغرّاء، و مؤسّس الملّة البيضاء، شمس فلك الاصطفاء، محمّد المصطفى و آله الطيّبين الأصفياء.

أمّا بعد، فهذه نبذة حول حياة أحد الشخصيّات العلميّة الخالدة، و النوابغ القلائل اللامعة، ذي النفس الزاكية، و الآراء الراقية، و التصانيف العالية، الّذي يضنّ بأمثاله الدهر إلّا في المجالات المتقطّعة و الفترات النادرة، بحر الفواضل و الفضائل، و فخر الأواخر و الأوائل، قدوة المحقّقين و نخبة المدقّقين و اسوة العلماء الراسخين، سلالة المصطفين، المحرز لقصبات السبق في مضمار الفضل، وحيد عصره و فريد دهره، سيّد الفقهاء و المجتهدين، جدّ جدّنا الأمجد، و سمي مولانا الممجّد فخر الأساطين، صاحب الحاشية على القوانين، السيّد عليّ بن إسماعيل الموسوي القزويني (قدّس اللّه نفسه الزكيّة).

و حيث لم يصل إلينا من تاريخ حياته و تفصيل مجاري أحواله إلّا ما ذكره بعض أصحاب التراجم و الفهرستات، و ما كتبه والدي الماجد- دام ظلّه الوارف- في مقدمة رسالة العدالة (المطبوعة بقم المشرّفة سنة 1419 ه. ق) لمؤلّفه العلّامة (رحمه الله) و لم يتيسّر لنا مزيد تتبّع و فحص إلّا اليسير، فنكتفي بنقل ما ذكروه و ما تيسّر لنا من الإضافات، فنقول و من اللّه التوفيق:

مولده و اسرته و هجرته:

كان ميلاده الشريف في شهر ربيع المولود سنة 1237 ه. ق في مدينة قزوين (1)

____________

(1) كما صرّح بذلك في ختام المجلد الأوّل من حاشيته على القوانين بقوله: «قد تمّ بيد مؤلّفه-

5

حسب ما يستفاد من وصيّته الّتي أرّخ فيها زمن بلوغه بقوله: «براى من از قيمت آنها (ثلث أموال) از أوّل زمان تكليف من كه ربيع المولود سنة 1252 هزار و دويست و پنجاه و دو باشد، إلى يوم وفاة استيجار صوم و صلاة نمايند».

و كانت أمّه من أرحام السيّد إبراهيم الموسوي القزويني صاحب ضوابط الاصول (المتوفّى سنة 1262 ه) كما ذكره العلّامة الطهراني في ذيل ترجمة السيّد رضي الدين القزويني خال سيّدنا المترجم له بقوله:

«السيد رضي الدين القزويني: كان من العلماء الأعلام و المراجع في التدريس و نشر الأحكام و كان زاهدا مرتاضا، و هو خال السيّد عليّ القزويني صاحب حاشية القوانين، و قد قرأ عليه ابن اخته المذكور في الأوائل قليلا- إلى أن قال-: أنّ اسم والد المترجم له السيّد علي أكبر و أنّه كان ابن عمّ السيّد إبراهيم بن محمّد باقر الموسوي القزويني صاحب «الضوابط» (1).

و من أجل ذا كان يعبّر سيّدنا المترجم له عنه كثيرا في مختلف مجالات هذا الكتاب ب«ابن عمّنا السيّد» أو «ابن عمّنا السيّد في ضوابطه» (2).

و أمّا أبوه السيّد إسماعيل فلم يصل إلينا شيء من أحواله غير ما ذكره والدي- دام ظلّه- بقوله: «و من المظنون أنّ مسقط رأس والده كان في قرية خوئين من قرى زنجان» (3).

و يؤيّده ما ذكره العلّامة الطهراني في ترجمة السيّد رضي الدين المتقدّم ذكره بقوله: «... إنّ أصلهم من خوئين لكن جدّهم سكن قزوين فتعاقبوا من بعده و نسبوا

____________

- الفقير إلى اللّه الغني عليّ بن إسماعيل الموسوي القزويني مولدا و مسكنا في العشر الأوّل من الربيع الأوّل سنة اثني و تسعين و مائتين بعد الألف 1292 من الهجرة النبويّة».

(1) الكرام البررة: ج 2 ص 576.

(2) كما جاء في المجلد الثالث من التعليقة- حسب تجزئتنا- في مبحث الأوامر بقوله: هل يعتبر كون الأمر مستفادا من القول أو أعمّ منه و ممّا يستفاد من الفعل؟ فيه وجهان بل قولان، اختار أوّلهما العلّامة في التهذيب و النهاية و صار إلى ثانيهما جمع من متأخّري الأعلام منهم «ابن عمّنا السيّد» (قدّس اللّه روحه) و علّله السيّد في ضوابطه بأنّ المتبادر عند الإطلاق و إن كان هو الأوّل و لكنّه إطلاقي لعدم صحّة السلب عن طلب الأخرس بالإشارة أو الكتابة إلى آخره.

(3) رسالة في العدالة- للسيّد عليّ القزويني- المطبوعة بقم المشرفة سنة 1419 هص 4.

6

إليها». (1).

ثمّ مات أبوه و هو لم يبلغ الحلم، فعاش في كنف خاله العلّامة السيّد رضي الدين القزويني (2)- المتقدّم ذكره- عيشة تعزّز و نعمة. و قد حدب خاله العلّامة على تربيته تربية علميّة صالحة، و مهّد له السبيل إلى تحصيل العلم فظهرت معالم النبوغ الفطري على هذا الطفل المؤمّل من أوائل أمره حتّى فرغ من تحصيل مقدّمات العلوم في حداثة سنّه و بداية أمره، ثمّ هاجر في طلب العلم و تكميل مباني الفقاهة و الاجتهاد إلى حائر الحسين (عليه السلام) في شهر شعبان المعظّم سنة مائتين و اثنين و ستّين بعد الألف من الهجرة النبويّة (1262 ه. ق) كما سجّل ذلك بخطّ يده الشريفة على ظهر حاشية السيّد الشريف على الرسالة الوضعيّة العضديّة بقوله:

«هو المالك بالاستحقاق، كيف أقول هذا ملكي و أنا مملوك ربّي، بل هو من عواري الدهر عندي استعرتها بالمبايعة الشرعيّة تحت قبّة سيّدي الحسين عليه و على أولاده المعصومين ألف تحيّة و سلام، و كان ذلك في شهر رمضان المبارك من شهور مائتين و اثنتين و ستّين بعد الألف من الهجرة النبويّة- على هاجرها ألف تحيّة و سلام- و لقد كان الشهر المزبور الثاني من السنة الاولى من ورودي في هذه الأرض الأقدس، و إنّي أقلّ الخليفة بل ليس موجودا في الحقيقة، عبده العاصي عليّ الموسوي. (محلّ خاتمه الشريف)».

ثمّ هاجر الهجرتين إلى الأرض الأقدس النجف الأشرف لائذا بمنبع العلم و الفضيلة مولى الموحّدين أمير المؤمنين- عليه آلاف التحيّة و الثناء- و لكن لم نعثر على تاريخ هجرته الثانية، و لا يبعد كونها بعد وفاة السيّد إبراهيم القزويني صاحب «ضوابط الاصول» حسبما يساعده الاعتبار. و اللّه العالم.

و أمّا تاريخ عوده إلى موطنه قزوين فلم نقف على تفصيله في مظانّه، عدا ما قاله

____________

(1) الكرام البررة: ج 2 ص 576.

(2) قال في المآثر و الآثار (ص 152) في ترجمته: آقا سيّد رضي الدين: مجتهد قزويني، خال آقا سيّد علي صاحب تعليقۀ معالم و حاشيۀ قوانين بود و در قزوين و متعلّقاتش رياستى بزرگ و مجلس فقه خارجى به مثابۀ رؤساى عراق عرب مشحون به گروهى از مستعدّين علماى عجم داشت، جلالت قدر و عظمت شأن آن بزرگوار در اين گونه اختصارات نمىگنجد ((قدّس سرّه)).

7

كيوان القزويني- الذي عاصر سيّدنا المترجم له- في كتابه الموسوم ب«كيواننامه» بقوله: «آقا سيد على از شاگردان شريف العلماء بود و قدرى هم نزد شيخ أنصارى درس خوانده بود و هنوز شيخ انصارى زنده بود كه او آمد قزوين و بساط رياستش گسترده شد» (1).

بعض مشايخه:

كان سيّدنا (قدّس سرّه) قد ترعرع في أحضان أساتذة عظام، و تتلمذ عند أساطين العلم و عباقرة الفضل في عصره، منهم:

1- خاله العلّامة السيّد رضي الدين القزويني، كما قال العلّامة الطهراني في ذيل ترجمته:

«و هو خال السيّد عليّ القزويني صاحب حاشية القوانين، و قد قرأ عليه ابن اخته المذكور في الأوائل قليلا» (2).

2- الميرزا محمّد التنكابني (رحمه الله) صاحب «قصص العلماء» حيث قال: «ابن فقير را تلامذۀ چنديست كه أرباب كمالند، و بعضى از اين فقير اجازه دارند، از آن جمله:

«آقا سيّد علي كه مسلّم بلد است، و از خويشان استاد آقا إبراهيم است» (3).

3- السيّد الجليل و الاستاذ النبيل السيّد إبراهيم الموسوي القزويني صاحب «ضوابط الاصول» (المتوفّى سنة 1262 ه. ق) كما ذكره في مستدركات أعيان الشيعة بقوله:

«... ثمّ هاجر إلى العراق قاصدا الحوزة العلميّة الكبرى و سكن كربلاء و التحق بحوزة السيّد إبراهيم الموسوي الذي كان يرتبط به بصلة القرابة و لكن لم تطل أيّامه و توفّي السيّد في نفس العام فتوجّه المترجم له إلى النجف الأشرف ...» (4).

هذا و إن ساعد عليه الاعتبار، و لكنّا لم نقف على ما يدلّ عليه صراحة من خلال كلماته و عباراته، نعم يؤيّده ما أورده في تقريرات بعض مشايخه بقوله: «كذا ذكره السيّد الاستاذ عن استاذه الشريف» (5).

____________

(1) كيواننامه ص 59.

(2) الكرام البررة: ج 2 ص 576.

(3) قصص العلماء: ص 67.

(4) مستدركات أعيان الشيعة: ج 3 ص 138.

(5) و المراد ب«الاستاد الشريف» هو الشيخ محمّد الشريف المعروف بشريف العلماء المازندراني-

8

4- شيخ المشايخ، استاذ الفقهاء و المجتهدين الشيخ محمّد حسن النجفي (رحمه الله) (صاحب الجواهر) (المتوفّى سنة 1266 ه. ق) و يستفاد ذلك من صريح كلامه في مواضع عديدة من كتابه الكبير في الفقه الموسوم ب«ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام» حيث يعبّر عنه ب«شيخنا في جواهره» أو «شيخنا في الجواهر».

منها: ما في مبحث استحباب مسح الرأس بمقدار ثلاث أصابع، حيث قال- بعد ما نقل مقالة الشهيد (قدّس سرّه) في المسالك عند قول المحقّق: «و المندوب مقدار ثلاث أصابع عرضا»-: و قد تبعه على ذلك شيخنا في الجواهر، حيث قال: و الظاهر أنّ المراد من المستحبّ مقدار عرض ثلاث أصابع لأنّه المتبادر من التقدير ... إلى آخره.

5- قدوة المحقّقين و فخر المجتهدين وحيد عصره و فريد دهره الشيخ مرتضى الأنصاري (المتوفّى سنة 1281 ه. ق) حيث عبّر عنه ب«شيخنا» أو «شيخنا الاستاذ» و هذا يبدو من مجالات متعدّدة من مؤلّفاته في الفقه و الاصول.

منها: ما ذكره في المجلد الخامس من التعليقة على المعالم عند ختام البحث عن حجّية ظواهر الكتاب بقوله: «ثمّ إنّه ينبغي ختم المسألة بذكر امور، أوّلها: ما حكاه شيخنا (قدّس سرّه) من أنّه ربّما يتوهّم أنّ الخلاف في اعتبار ظواهر الكتاب قليل الجدوى ... إلى آخره».

و منها: ما في مبحث حرمة العمل بالظنّ، حيث قال- بعد ما نقل عن المحقّق البهبهاني (رحمه الله) بداهة عدم جواز العمل بالظنّ عند العوام فضلا عن العلماء-: «و نقل الضرورة ربّما يكون أقوى من نقل الإجماع كما نبّه عليه شيخنا الاستاذ عند تتلمذنا عنده».

6- و قد قيل: (1) بتتلمذه عند شريف العلماء المازندراني الحائري (رحمه الله)، و لكنّه أمر لا يساعده الاعتبار، لأنّ الاستاذ الشريف مات بكربلاء بمرض الطاعون في سنة (1246 ه. ق)- على الأصحّ- (2) و هو آنذاك لم يكمل عشر سنين و من البعيد جدّا تتلمذه

____________

- أصلا و الحائري مسكنا و مدفنا (المتوفّى سنة 1246 ه. ق) و هو الّذي تتلمذ عنده السيّد إبراهيم القزويني صاحب ضوابط الاصول (المتوفّى سنة 1262 ه. ق).

(1) تاريخ روابط ايران و عراق- مرتضى مدرس چهاردهى- ص 207. كيواننامه- كيوان قزويني- ص 59.

(2) حكى في «مكارم الآثار» (ج 4 ص 1271) عن بعض تلامذة صاحب الفصول (رحمه الله)- الذي كان آنذاك قاطنا بكربلاء المعلّى و ابتلي أيضا بالطاعون و لكن نجى منها- ما هذا لفظه:-

9

عنده، هذا مضافا إلى أنّ وروده بكربلاء كان في سنة (1262 ه. ق) كما تقدّم آنفا.

7- قد عدّ صاحب مستدركات أعيان الشيعة (1) جملة من العلماء الأعلام القاطنين آنذاك بقزوين في زمرة مشايخه كالشهيد الثالث المولى محمّد تقي البرغاني، و المولى آغا الحكمي، و الشيخ ميرزا عبد الوهّاب البرغاني، و غيرهم- (قدّس اللّه اسرارهم)- و لكنّا مع شدّة فحصنا في آثاره (رحمه الله) لم نعثر على ما يدلّ عليه صراحة أو ظهورا، و لا تكفي فيه المعاصرة أيضا كما لا يخفى.

هذا مع أنّه لم يصرّح به في كلمات غيره من أصحاب الفهارس و التراجم، و لم نقف على مستنده في ذلك.

بعض تلامذته:

قد ارتوى من منهل علمه العذب كثير من الأجلّة الأفاضل منهم:

1- العلّامة الحكيم الحاج مولى محمّد المدعوّ بالهيدجي ابن الحاج معصوم علي (2).

(المتوفّى في حدود سنة 1349 ه)

2- العلّامة المحقّق و الفقيه الاصولي الشيخ عبد اللّه المازندراني (سنة 1259- 1331) (3).

3- العلّامة الهمام فخر المحقّقين الحاج الشيخ جواد بن مولى محرّمعلى الطارمي (سنة 1263- 1325) (4).

____________

- «اليوم 24 شهر ذي القعدة الحرام سنة 1246 روزى بىدروغ تخمينا در كربلاى معلّى دويست و پنجاه تا سيصد نفر از طاعون مىميرند ... و جناب شريف العلماء اليوم وفات كرد و زنش و دختر و پسرش ...».

و قال في موضع آخر:

«اليوم 24 شهر ذي قعدة سنة 1246 أحوالم بحمد اللّه خوب است لكن خلق بسيار مردند، و جناب شريف العلماء ملا شريف مازندرانى ملقّب به آخوند مطلق اليوم مرد با يك زنش و يك دختر و يك پسرش به چند يوم قبل ...».

(1) مستدركات اعيان الشيعة: ج 3 ص 138.

(2) فهرست مشاهير علماء زنجان- الشيخ موسى الزنجاني-: ص 135.

(3) ذيل سياحت شرق- آقا نجفى قوچاني-: ص 366.

(4) نقباء البشر: ج 1 ص 339، أعيان الشيعة: ج 4 ص 279، فهرست مشاهير علماء زنجان: ص 22.

10

4- العالم الفقيه و الفاضل الجليل السيّد حسين الاشكوري (المتوفّى سنة 1349 ه. ق) (1).

5- العلّامة المحقّق الشيخ شعبان الجيلاني النجفي (سنة 1275- 1348) الّذي كان من الفقهاء الأعلام و مراجع التقليد في عصره (2).

6- الفقيه الزاهد السيّد حسين الزرآبادي (المتوفّى بعد سنة 1300 ه. ق) 3.

7- العالم الفقيه السيّد مهدي بن حسن ابن السيّد أحمد القزويني النجفي الحلّي (المتوفّى سنة 1300) 4.

8- العلّامة الشيخ جعفر بن عبد اللّه (المتوفّى سنة 1334 ه. ق) 5.

9- العلّامة الشيخ فتحعلي بن الحاج ولي بن علي عسكر (المتوفّى سنة 1338 ه. ق) 6.

10- العالم البارع المولى علي أصغر بن غلامعلي (المتوفّى سنة 1341 ه. ق) 7.

11- العالم الفقيه الميرزا نصر اللّه شيخ الإسلام والد الميرزا فضل اللّه المعروف بشيخ الإسلام الزنجاني 8.

12- العالم الفقيه السيّد أبو الحسن بن هادي بن محمّد رضا الحسيني التنكابني (المتوفّى سنة 1286 ه. ق) 9.

و لعلّ هناك كثيرا ممّن لم نعثر على أساميهم، الّتي قد اهملت أسماؤهم و لم يضبط أحوالهم في كتب التراجم فلم نقف عليها.

تأليفاته:

ترك سيّدنا الجدّ (قدّس سرّه) آثارا جليلة، أهمّها ما يلي:

1- الحاشية على القوانين: و هو الكتاب الّذي نال به مؤلّفه شهرته الخالدة في علم الاصول حتّى صار يعرّف المؤلّف بالمؤلّف و يوصف ب«صاحب الحاشية على القوانين».

و هذه من أشهر حواشي القوانين و أحسنها تنقيحا و أجودها توضيحا و أمتنها تعبيرا و تحريرا.

____________

(1) نقباء البشر: ج 2 ص 590.

(2) 2 و 3 نقباء البشر: ج 2 ص 838 و 501.

(3) 4 أعيان الشيعة: ج 2 ص 145.

(4) 5- 7 فهرست مشاهير علماء زنجان: ص 33 و 97 و 135.

(5) 8 مستدركات أعيان الشيعة: ج 7 ص 210.

(6) 9 المصدر السابق: ج 3 ص 7.

11

و قد حكي في «تاريخ روابط ايران و عراق» عن العلّامة محمّد صالح المازندراني السمناني في شأن هذا الكتاب ما هذا نصّه: «اين دو كتاب (حاشيه سيد على بر قوانين و حاشيه ميرزا محمّد على مدرّس رشتى) از نظر دقت و تحقيق علم اصول از شاهكارهاى علمى در قرون اخير بشمار مىروند» (1).

و قال في أحسن الوديعة في ذيل ترجمته: «أقول: و قد طبعت حاشية صاحب العنوان في هامش القوانين و مستقلّا و عندنا نسخة منها و لعمري أنّها تكشف عن غاية مهارته في الاصول و نهاية بارعيّته الخ» (2).

و قد طبعت هذه الحاشية المباركة في (سنة 1299 ه. ق) في عاصمة طهران و طبعت أيضا بهامش القوانين كرارا.

2- التعليقة على معالم الاصول: و هذا السفر الجليل أبسط تعليقة علّقت على المعالم، و هذه التعليقة المباركة منذ تأليفه كانت حبيسة في زوايا المكتبات يعلوها التراب، و لم يطّلع عليها إلّا بعض النابهين من الأعلام ممّن يفتّشون عن النفائس دون الزخارف.

و اليوم- بحمد اللّه و المنّة- قد خرجت في أحسن هيئة و أجمل اسلوب إلى الحوزات العلميّة و الملأ العلمي، و للّه الحمد على ما أنعم و الشكر على ما ألهم.

3- رسالة في تحقيق حقيقة المفرد المحلّى باللام.

4- رسالة في أقسام الواجب و أحكامها.

5- رسالة في تداخل الأسباب و المسبّبات.

6- رسالة في قاعدة نفي الضرر و الضرار، و قد أحال إليها في مبحث البراءة من حاشيته على القوانين.

7- رسالة في الولاية و قد أشار إليها في حاشية القوانين في مبحث الاجتهاد و التقليد.

8- رسالة في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، طبعت في (سنة 1419 ه. ق) بقم المشرّفة.

9- رسالة في العدالة، و قد فرغ من تأليفها في محرّم الحرام (سنة 1286 ه. ق)

____________

(1) تاريخ روابط ايران و عراق: ص 245.

(2) احسن الوديعة ص 125.

12

طبعت في (سنة 1419 ه. ق) بقم المشرّفة.

10- رسالة في حمل فعل المسلم على الصحّة، قد فرغ منها في إحدى و عشرين من شهر ذي القعدة الحرام سنة (1288 ه. ق) طبعت في (سنة 1419 ه. ق) بقم المشرّفة.

11- رسالة في أنّ الأصل في المعاملات الصحّة أو الفساد.

12- رسالة فارسيّة في الاجتهاد و التقليد و الطهارة و الصلاة و الزكاة و الخمس و الصوم و الرضاع طبعت في (سنة 1290 ه. ق).

13- رسالة فارسيّة في أنواع التكسّب و البيع و الخيارات و القرض.

14- رسالة فارسيّة المسمّاة ب«اصول الدين و شرح أفعال الصلاة» طبعت في (سنة 1331 ه. ق) في العاصمة طهران.

15- رسالة سؤال و جواب بالفارسية، المشتملة على أجوبة الاستفتاءات و غيرها من المسائل الفقهيّة، و فيها بيان لمعاني بعض الأخبار المشكلة.

و لقد أشار المحقّق الطهراني إلى تلك الرسائل في الذريعة ذيل عنوان «الرسائل الكثيرة» (1).

16- شرح على شرائع الإسلام: من أوّل كتاب التجارة إلى الاجرة على الأذان، و من أوّل الفصل الثاني في عقد البيع إلى بيع السمك في الآجام.

و شرح على كتاب الصيد و الذباحة من أوّله إلى مسألة القطعة المبانة من الحيّ.

و شرح على كتاب الصوم من أوّله إلى إيصال الغبار و الدخان إلى الحلق، و يلحق به البحث عن شرائط المتعاقدين في النكاح.

17- كتاب البيع من أوّله إلى آخره، و يشتمل على البحث من جملة من المشتركات بين المسلمين، كالمساجد و المدارس و الربط و المعادن.

18- تعليقة على كتاب الرضاع للشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله).

19- كتاب الرضاع بالفارسيّة: قال في مفتتح هذا الكتاب: «بدان كه چون أقلّ عباد اللّه سابق بر اين رساله رضاعيّة منسوب به شيخ استاد- طاب ثراه- را ملاحظه كرده و بر بعض مواضع آن حاشيه نوشته بودم و مقلّدين را اذن در رجوع به آن و عمل

____________

(1) الذريعة: ج 10 ص 256.

13

كردن بر مسائل آن داده بودم و مسائل آن نيز در ميان مردم كثير الحاجة و عامّ البلوى است خواستم آن را هم جزء اين رساله قرار داده باشم، حواشى آن را داخل در متن نموده و مجموع را جزء اين رسالة قرار دادم كه مردم در مسائل رضاع نيز كه محتاج به آنها مىشوند معطّل نباشند».

20- تعليقة على تفسير البيضاوي.

21- ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام (1): و هذا التراث الفقهيّ الكبير- كأكثر تآليفه القيّمة- بقيت منذ تأليفه حتّى اليوم مخطوطة عند اسرته الشريفة حتّى انتهت النوبة إلينا و قد منّ اللّه علينا حيث وفّقنا لإحيائها بالتحقيق و التدقيق- حسب ما في وسعنا و طاقتنا-.

ثمّ هذا السفر الجليل يشتمل على خمس مجلّدات كبار:

المجلد الأوّل: في المياه، و هذا هو الكتاب الماثل بين يديك.

المجلد الثاني: في الطهارات الثلاث و توابعها.

المجلّد الثالث: في الصلاة.

المجلد الرابع: في الزكاة.

المجلد الخامس: في التجارة.

و قد أحال إليه في مبحث اجتماع الأمر و النهي من حاشيته على القوانين. (ص 105)

منزلته العلميّة و زهده و مرجعيّته:

كان- (قدّس اللّه نفسه الزكيّة)- من أحد الشخصيّات النادرة في تاريخ الفقه و الاصول، و قد آتاه اللّه فكرا قويّا ثاقبا و ذوقا سليما سويّا في التفكير و الاستدلال، كما يكشف عنه حاشيته المعروفة على القوانين بما فيها من الكنوز الثمينة من الآراء الناضجة و التحقيقات الراقية، و هذا يجعلنا في غنى و كفاية عن تبيين موقفه العلمي.

كان (قدّس سرّه) دائم التفكير لا يفارقه العمل العلمي تدريسا أو تأليفا إلّا في أوقات العبادة

____________

(1) الذريعة: ج 25 ص 886.

14

و الراحة كما يومئ إليه ما كتبه في ختام المجلّد الأوّل من ينابيعه بقوله:

«قد فرغ من تسويده مؤلّفه الفقير إلى اللّه الغني عليّ بن إسماعيل المرحوم الموسوي عند طلوع الفجر من يوم الثلاثاء الاثنى عشر من شهر رجب المرجب من شهور سنة 1272 ه. ق».

و مع ذلك كان من مراجع عصره قد رجع إليه جمع من المؤمنين، و طبعت رسالته العمليّة في (سنة 1290 ه. ق) لتنبيه امور المقلّدين الّذين يرجعون إليه في التقليد، و قد علّق عليه فقيه الطائفة المحقّة السيّد محمّد كاظم اليزدي صاحب العروة الوثقى (1).

و من جانب آخر كان في حياته الشخصيّة زاهدا قانعا معرضا عن الدنيا و أربابها و رئاساتها الفانية، كما أشار إليه كلّ من تصدّى لترجمته من أصحاب التراجم و الفهرستات كما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و ممّا ينبغي الإشارة إليه هنا، ما حكى بعض المعاصرين (2) عن بعض من عاصره (رحمه الله) في شأنه (رحمه الله) بقوله:

«... درس اصول- خصوص قوانين- و پيشنمازى و وثوق قلبى و حتّى تقليد بعضى منحصر به آقا سيّد علي بود، و لو قضاوت نمىكرد، مراوده با أعيان و اشراف هم نداشت، خمس و زكاة و مظالم مىگرفت و فورا تقسيم مىكرد ميان علماء و طلّاب، و از اين جهت روى دل طلّاب به او بود ...

در مسجد آقا سيّد على هركه اقتداء مىنمود هيچ مقيّد نبود كه خود را به او نشان دهد زيرا به هركه چيزى مىداد توقّع اقتداء از او نداشت ...

مسجد آقا سيّد علي چنان پر از مأمومين مىشد كه غالبا جا نبود با آنكه مسجد بزرگى بود جنب خانهاش، در ماه رمضان مسجد آقا سيّد علي براى نماز جا خريده مىشد و هر واعظى آرزو داشت كه در آنجا منبر رود ...»

أولاده:

قد أنجب (قدّس سرّه) ابنا و أربع بنات، و أمّا ابنه فهو:

____________

(1) و هو موجود في مكتبة والدي دام ظلّه بقزوين.

(2) سيماى تاريخ و فرهنگ قزوين- دكتر پرويز و رجاوند: ج 2 ص 1102 نقلا عن كيواننامه ص 53- 56.

15

العالم الفقيه الاصولي السيّد محمّد باقر الموسوي القزويني (رحمه الله) (المتوفّى سنة 1338 ه. ق) الّذي كان من أجلّاء عصره و مشاهير دهره، ولد في أرض الغري و تخرّج على الميرزا حبيب اللّه الرشتي و الشيخ محمّد حسن بن عبد اللّه الممقاني، و له إجازات من أعلام عصره كالفاضل الشربياني و السيّد المجدّد آية اللّه السيّد محمّد حسن الشيرازي و غيرهما من الأعلام، و برز منه تأليفات كثيرة و توفّي يوم الأربعين (سنة 1338 ه. ق) بكربلاء المشرّفة و دفن في جوار مولانا الحسين (عليه السلام) (1).

و أمّا بناته فهنّ:

1- زوجة العالم الورع الميرزا حسين بن المولى آغا القزويني (الخوئيني) كما نبّه عليه العلّامة الطهراني في الكرام البررة (2).

2- زوجة العالم الفقيه السيّد أبو القاسم الحسيني القزويني، و هي أمّ العالم الأورع و الفقيه الزاهد السيّد محمّد الحسيني المدعوّ ب«الجزمئي» (قدّس سرّه).

3- زوجة السيّد زين العابدين التنكابني (رحمه الله)، و هي أمّ العالم الفقيه السيّد أبو الحسن التنكابني (رحمه الله).

4- زوجة العالم الجليل السيّد خليل بن السيّد رفيع القزويني، و هي أمّ الحكيم الإلهي و الفيلسوف الربّاني، فقيه الطائفة آية اللّه السيّد أبو الحسن الرفيعي القزويني (المتوفّى سنة 1396 ه. ق).

الثناء عليه:

تعرّض لوصفه ببالغ المديح و الثناء كثير من العلماء العظام و أصحاب التراجم و الفهرستات.

1- و في طليعتهم ما أثنى عليه السيّد المجدّد آية اللّه الميرزا محمّد حسن الشيرازي (رحمه الله) (المتوفّى سنة 1312 ه. ق) عند إجازته لولده العالم السيّد محمّد باقر- المتقدّم ذكره- حيث عبّر عن والده (قدّس سرّه) ب«مجتهد الزماني» مع ما هو معلوم من سيرته

____________

(1) راجع مقدمة رسالة العدالة ص 11- نقباء البشر: ج 1 ص 214.

(2) الكرام البررة: ج 2 ص 577.

16

و طريقته من شدّة تجنّبه عن بذل العناوين و الألقاب إلى غير أهلها، و هذا يكشف جليّا عن جلالة قدر سيّدنا المترجم له و علوّ شأنه (1).

2- قال في المآثر و الآثار (ص 142):

«آقا سيد على قزويني: از أعاظم مجتهدين و أجلّۀ حفظۀ شريعت و دين بود و در علم فقه مقام تحقيق او را از معاصرين إحدى انكار نداشت ولى در اين اصول مسلّمتر مىنمود، غالب اوقات قوانين محقّق قمى را عنوان افادت قرار مىداد و به آن كتاب كريم اعتقادى عظيم داشت و هم بر قوانين حاشيه نگاشته كه به طبع رسيده و نيز بر معالم الاصول تعليقۀ مبسوطى پرداخته است، به زهد و تقوى و قدس او كمتر كسى ديده شده و آن علامۀ عهد و زاهد عصر همشيرهزادۀ حاج سيد رضى الدين مجتهد قزوينى است (رضوان اللّه عليهما)».

3- و في ريحانة الأدب (ج 4 ص 454) لميرزا محمّد على المدرّس الخياباني-:

«قزويني سيّد على بن اسماعيل موسوى عالمى است فاضل، عابد، زاهد، فقيه، اصولى، محدّث، رجالى، مفسّر، معقولى، منقولى، از فحول علماى أواخر قرن سيزدهم هجرت كه اغلب اوقات قوانين الاصول ميرزاى قمى را تدريس مىكرده و از تأليفات اوست:

1- حاشيۀ قوانين مذكور كه بسيار مرغوب و بين العلماء محلّ توجه و مطلوب و از تبحّر و رشاقت بيان مؤلّف خود حاكى است و در تهران چاپ شده.

2- حاشيۀ معالم الاصول.

3- قاعدۀ لا ضرر، و در سال هزار و دويست و نود و هشت هجرت وفات يافته».

3- قال في نقباء البشر (ج 4 ص 1308):

____________

(1) هذه صورة ما أجازه: بسم اللّه الرحمن الرحيم: بر قاطبه مؤمنين أيّدهم اللّه تعالى مخفى نماند كه جناب مستطاب سلالة السادات العظام عمدة العلماء الأعلام كرّوبى نصاب، قدسى خطاب آقا سيّد باقر ابن مرحوم «مجتهد الزماني» آقا سيّد علي أعلى اللّه مقامه، آراسته بزينت تقوى و متحلّى به حليه پرهيزكارى از جمله موثّقين بوده و مىباشند لهذا آن جناب مأذون مىباشد در تصرف كردن در جميع امور حسبيه كمال احتياط را مراعات خواهند فرمود ...

الأحقر محمّد حسن الشيرازي (محل خاتمه الشريف)

17

«السيّد عليّ القزويني: من الفضلاء الأجلّة و العلماء الكاملين، و من أرحام السيّد إبراهيم القزويني صاحب «الضوابط» و قد أجازه العلّامة الميرزا محمّد التنكابني صاحب «قصص العلماء» (المتوفّى في سنة 1302 ه. ق) كما ذكره فيه».

4- قال في أحسن الوديعة (ص 125): «العالم المحقّق و الفقيه المدقّق المجتهد الاصوليّ مولانا الآقا سيد على ابن السيّد اسماعيل القزويني مولدا و مسكنا، كان (رحمه الله) عالما فاضلا و محقّقا كاملا، شهد له اعيان الرجال بالكمال في الفقه و الاصول و الحديث و التفسير و الرجال و كان بيته في قزوين مجمع الفضلاء و محطّ رحال العلماء» الخ.

و كذا ذكره في الذريعة ج 6 ص 177، ج 10 ص 256، و هكذا تصدّى لترجمته غيرهم من أصحاب التراجم كما جاء في نجوم السماء (ج 1 ص 331) و «مينو در» يا باب الجنّة ج 2.

وفاته و مدفنه:

قد جرى عليه قضاء اللّه و لبّى نداء ربّه في يوم الثلاثاء أربع مضين من شهر محرم الحرام سنة مائتين و ثمان و تسعين بعد الألف من الهجرة النبويّة (1298 ه. ق) بعد ساعتين من النهار في بلدة قزوين، و حمل جثمانه الشريف إلى حائر الحسين (عليه السلام) و دفن في بقعة فيها مرقد السيّد إبراهيم القزويني صاحب ضوابط الاصول و خاليه السيّد تقي و الحاج السيّد رضي الدين القزويني (قدّس سرّهم).

و جاء في تاريخ وفاته:

بر پيغمبريه (1) آسمان گفت * * * چنين: يا ليتني كنت ترابا

پى تاريخ ديدم بر مزارى * * * بود سيد على رضوان مآبا

فسلام عليه يوم ولد و يوم مات و يوم يبعث حيّا.

منهجيّة التحقيق:

لا يخفى على المتتبّع ما يواجهه المحقّق من مصاعب شتّى في مسيرة عمله

____________

(1) پيغمبريه: مقبرة معروفة بقزوين، يقال: دفن فيها أربعة أنبياء من بني إسرائيل.

18

التحقيقي، و بالخصوص فيما لو عزّت عليه النسخ لأجل تثبيت المواضع المضطربة أو تشخيص المقاطع المبهمة، ممّا يضعه في دوّامة لا محيص عنها. و هذا ما دعانا إلى اتّباع الدقّة و الانتباه بقدر الممكن لابتغاء المطلوب الذي جهدنا على تحقيقه.

و لذا فقد بادرنا إلى تشكيل برنامج عمل يتّخذ ما يلي أساسا له:

1- اعتمدنا في مراحل عملنا على النسخة الوحيدة المدوّنة بخطّ المؤلّف (رحمه الله).

2- قمنا بتقويم النصّ، و قد آلينا الدقّة المطلوبة فيها، و تلخّص في: تقطيع النصّ إلى عدّة فقرات حسب ما تقتضيه المطالب، و وضع العلامات الإملائيّة بين العبائر لغرض تسهيل القراءة و الإعانة على فهم المطالب المذكورة، و توضيح المبهمات، و شرح الكلمات الغريبة و إدراجها في ذيل صفحات الكتاب.

3- بذلنا ما في الوسع لتخريج الآيات الكريمة و الروايات الشريفة و الأقوال الفقهيّة الّتي أوردها المصنّف و استدلّ بها أو ناقشها أثناء بحثه، و إرجاعها إلى مصادرها الاصليّة و الاشارة إلى ذلك في الهامش.

4- أضفنا إلى المتن بعض الكلمات الّتي نراها مناسبة لمقتضى السياق، حرصا منّا على توضيح المراد، و إعانة للقارئ الكريم على الوصول إلى بغيته المرجوّة. هذا و قد حرصنا على أن نجعل الإضافة الواردة بين معقوفتين [] حفظا منّا على الأصل الّذي هو أمانة في أعناقنا.

و في الختام يجب علينا أن نتقدّم بالشكر و الامتنان إلى الأخ الأعزّ الفاضل سبط المؤلّف سماحة الحجّة السيد عبد الرحيم الحسيني الجزمئي الّذي ساعدني في إنجاح هذا المأمول بما تيسّر له من الجهود المشكورة، جزاه اللّه عن سلفه الصالحين خير الجزاء.

و نسأل اللّه تعالى أن يتقبّل منّا هذا المجهود القليل خالصا لوجهه الكريم، و يجعلنا من محيي تراث مدرسة أهل البيت: و يجعلنا نعم الخلف لأولئك الماضين من علمائنا الّذي كانوا نعم السلف لنا إن شاء اللّه، و نسأل اللّه تعالى التوفيق و التسديد في إخراج بقيّة الأجزاء الاخر بالشكل المطلوب إن شاء اللّه تعالى، و آخر. دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

قم المشرّفة- حفيد المؤلّف السيّد عليّ العلوي القزويني

19

مصادر الترجمة

1- طبقات أعلام الشيعة (نقباء البشر- الكرام البررة) للعلّامة الشيخ آغا بزرگ الطهراني.

2- قصص العلماء، لميرزا محمّد التنكابني.

3- نجوم السماء، لميرزا محمّد مهدي الكشميري.

4- أحسن الوديعة، للسيّد مهدي بن السيّد محمّد الموسوي الخوانساري.

5- تاريخ روابط ايران و عراق، لمرتضى مدرسى چهاردهى.

6- سيماى تاريخ و فرهنگ قزوين، للدكتور پرويز ورجاوند.

7- مقدمة على رسالة في العدالة، للسيّد جواد العلوي.

8- اختلافيه كيوان، لعباس على كيوان.

9- كيواننامه، لعباس على كيوان.

10- المآثر و الآثار، لاعتماد السلطنة.

11- ريحانة الأدب، لميرزا محمّد علي مدرّس الخياباني.

12- حاشية القوانين، للسيّد علي القزويني.

13- فهرست مشاهير علماء زنجان، للشيخ موسى الزنجاني.

14- سياحت شرق، لآقا نجفى قوچاني.

15- أعيان الشيعة، للسيّد محسن الأمين.

16- مستدركات أعيان الشيعة، للسيّد حسن الأمين.

17- مينو در يا باب الجنّة، لمحمّد علي گلريز.

18- الذريعة إلى تصانيف الشيعة، للعلّامة الطهراني.

19- التعليقة على معالم الاصول، للسيّد علي القزويني.

20- ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام، للسيّد علي القزويني.

21- مكارم الآثار، لميرزا محمّد علي معلّم حبيبآبادي.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

كتاب الطهارة قسم المياه

22

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

و بعد، فهذه أوراق سوّدتها روما لشكره على إفاضة الإنعام، و سمّيتها ب«ينابيع الأحكام في معرفة الحلال من الحرام»، و أسأله أن يتّخذها من فضله ذخيرة لي في يوم القيام.

ينبوع [في أقسام الماء]

الماء ينقسم عندهم إلى مطلق و مضاف، ثمّ المطلق إلى جار و غيره، ثمّ غير الجاري إلى غيث و غيره، ثمّ غير الغيث إلى بئر و غيرها، ثمّ غير البئر إلى كثير و غيره، ثمّ غير الكثير إلى سؤر و غيره.

و ظاهر أنّ غير السؤر إنّما يلحقه البحث هنا باعتبار حكمه الوضعي المعبّر عنه بالطهارة و النجاسة، و إن كان المقصود بالأصالة من ذلك البحث التوصّل إلى الأحكام التكليفيّة المترتبة عليهما- حسبما قرّر في محلّه- بخلاف السؤر الّذي يبحث فيه هنا عن حكم تكليفي، من كراهة شربه أو مطلق استعماله و عدمها، و إن كان قد يلحقه البحث عن حكمه الوضعي أيضا استطرادا، كما في سؤر الكافر و أخويه.

و في دخول المضاف في تقسيمات الأصحاب، أو ما عنون به باب الطهارة إن لم يكن هناك تقسيم صريحا وجهان: من أنّ اللفظ لا يتناول بظاهره إلّا المطلق، فيكون

23

البحث عن غيره واردا من باب الاستطراد لعدم كونه فردا منه، و من أنّ المضاف يلحقه أحكام مقصودة أصالة كغيره من الأقسام فيبعد كون البحث عنه استطرادا، و لازمه كونه داخلا في المقسم، أو ما عنون به الباب، و إن توقّفت صحّته على نحو تجوّز في الإطلاق بإرادة عموم المجاز.

و لكنّ الّذي يساعد عليه الإنصاف: أنّ هذا المقام ممّا يختلف فيه الحال باختلاف مشارب الأعلام، فمن تعرّض منهم لذكره صريحا في أصل التقسيم أو العنوان كما في نافع المحقّق (1)، فلا محيص من الحكم عليه بالتجوّز و اعتبار عموم المجاز، و من أعرض منهم عن ذلك كما في شرائعه (2)، فليس الحكم عليه بارتكاب التجوّز ممّا ينبغي.

و ما قرّرناه من الاستبعاد في منع الاستطراد لا يصلح بمجرّده قرينة على العدول عن الأصل و الظاهر، خصوصا مع ملاحظة أنّ الاستطراد ليس بعادم النظير، بل واقع في كافّة المسائل و الأبواب.

____________

(1) المختصر النافع 2 حيث قال: «الركن الأوّل في المياه، و النظر في المطلق و المضاف و الأسآر».

(2) شرايع الإسلام 1: 18 قال فيه: «الأوّل في المياه و فيه أطراف ...».

24

ينبوع [تعريف الماء المطلق]

كون الماء من أظهر المفاهيم تناولا و أشيعها عند العرف تداولا ممّا يغنينا عن التعرّض لشرحه، بإيراد ما يتعلّق به من الضوابط المعمولة في تشخيص الموضوعات، لغويّة أم عرفيّة.

نعم، هو باعتبار وصف كونه مطلقا في مقابلة المضاف عبارة- على ما في كلام غير واحد من الأصحاب- عن كلّ ما يستحقّ إطلاق اسم الماء عليه من غير إضافة، على معنى كونه بحيث لو أطلق عليه الاسم بلا قيد و لا إضافة كان ذلك الإطلاق باعتبار استناده إلى الوضع اللغوي أو العرفي في محلّه، الّذي يكشف عنه عدم اشتماله على الغرابة في لحاظ الاستعمال، و لا صحّة سلب الاسم عنه في نظر العرف، و إن فرض وقوعه في بعض الأحيان مقرونا بالقيد و الإضافة، فخرج عنه ماء الورد و العنب و اللحم و نظراؤه، كما دخل فيه ماء البحر و الكوز و الملح و أشباهه.

و وضوح كون ذلك التفسير من مقولة التعريف اللفظي- المقصود منه تفسير اللفظ لخفاء مسمّاه بأظهر ما يرادفه ممّا علم فيه بذلك المسمّى، كالأسد بالقياس إلى الليث مثلا، و على قياسه ما عليه طريقة نقلة متون اللغة في ذكر معاني الألفاظ- ممّا يدفع حزازة اشتماله على لفظة «الكلّ» جنسا؛ نظرا إلى أنّ الماهيّة لمكان البينونة بينها و بين الأفراد لا تعرّف بما لا يدلّ إلّا على الأفراد، و على لفظة «الماء» فصلا بملاحظة أدائه إلى الدور، المستحيل معه حصول المعرفة، فإنّ كلّ ذلك إنّما يمنع عنه في التعاريف الحقيقيّة المعبّر عنها بالحدود و الرسوم، التفاتا إلى أنّ المقصود فيها الكشف عن الماهيّة و التوصّل من معلوم تصوّري تفصيلا إلى مجهوله، و هو ممّا لا يتأتّى بما يباين الماهيّة

25

و لا بإعادة المعرّف.

و بعبارة اخرى: التعريف اللفظي إنّما يقصد به بيان ما يطلق عليه اللفظ في اصطلاح التخاطب و لو كان مجهولا باعتبار الماهيّة، و هو ممّا يتأتّى بكلّ ما يوجبه، بخلاف الحدّ و الرسم المقصود بهما بيان أصل الماهيّة و تمييزها عمّا عداها من الماهيّات المردّد فيها، فلا يتأتّى بما يدلّ على الأفراد، و لا بلفظ المعرّف أو مرادفه، و إنّما اقتصروا في المقام على مجرّد التعريف اللفظي بينها، على أنّ الفقيه لا يتعلّق غرضه في التعاريف إلّا بتحصيل ما هو من موضوع بحثه؛ لضابطة أنّ الأحكام تدور مدار الموضوعات [العرفيّة و ذلك يحصل] (1) بالتعريف اللفظي أيضا؛ لكون موضوعات الأحكام منوطة بصدق الاسم عرفا أو لغة، و لذا تراهم يقتصرون في تحصيل الموضوعات اللغويّة على مجرّد ما ذكره أئمّة اللغة، فالماء الّذي علّق عليه من الأحكام الشرعيّة- تكليفيّة و وضعيّة- ما لا يعدّ و لا يحصى ما يطلق عليه الاسم على جهة الاستحقاق، و يصدق عليه اللفظ عرفا على وجه يأبى عن سلبه.

فما علم فيه بذلك فلا إشكال في إجراء الأحكام عليه، كما أنّ ما علم فيه بخلاف ذلك فلا إشكال في عدم إجراء الأحكام عليه، بل في إجراء أحكام المضاف عليه.

و أمّا ما اشتبه حاله فيرجع فيه إلى الاصول، مثل أنّه لو كان ذلك الاشتباه عن حالة سابقة معلومة من الإطلاق و الإضافة، يلحق المشكوك فيه بأحد الأوّلين استصحابا لما كان عليه سابقا، من غير فرق بين ما لو كان الشكّ ناشيا عن زوال وصف، أو حدوثه مشابها بما هو من أوصاف الطرف المقابل، أو مشكوكا حاله.

و لو لم يكن عن حالة سابقة، فبالنسبة إلى انفعال نفسه بمجرّد الملاقاة أو تطهّره باتّصال الكرّ أو الجاري ما دام الوصف باقيا يحكم بالعدم، مع تأمّل في الأوّل يأتي وجهه في مباحث المضاف، كما أنّه بالنسبة إلى رفعه الحدث أو الخبث عن غيره يحكم بالعدم؛ للأصل في كلّ منهما، مضافا إلى أنّ الشرط في مشروط بالماء و لو من جهة نذر معلّق عليه ممّا لا يحرز بالشكّ، فسبيله من هذه الجهة سبيل المضاف، و إن لم يكن منه بحسب الواقع.

____________

(1) محي ما بين المعقوفتين من نسخة الأصل و لذا أثبتناه في المتن لاستقامة العبارة.

26

نعم، عند الشكّ في إباحة استعماله في غير مشروط بالماء من شرب و نحوه، كما لو دار بين الماء و المضافات النجسة كالخمر و نحوها، كان سبيله سبيل الماء، و إن لم يكن ماء في الواقع، من غير فرق في كلّ ذلك بين ما لو كانت الشبهة مصداقيّة، أو ناشئة عن الشكّ في الاندراج.

و الفرق بينهما مع اشتراكهما في الشكّ في الصدق، أنّ الشبهة في الثاني تنشأ عن الجهل بتفصيل المسمّى، و في الأوّل تنشأ عن أمر خارج وجودي أو عدمي غير مناف للعلم بالمسمّى تفصيلا.

و إن شئت فقل: إنّ الشكّ في الأوّل نظير الشكّ في الصغرى بعد إحراز الكبرى، و في الثاني نظير الشكّ في الكبرى بعد إحراز الصغرى، و المراد بالكبرى المشكوك فيها ما كان محموله شيئا معلوم الوصف مشكوكا في كونه ماء، كالمياه الكبريتيّة و النفطيّة، و بالصغرى المشكوك فيها ما كان محموله شيئا مشتملا على وصف وجودي أو عدمي شبيه بوصف المضاف، مع العلم بكونه ماء على فرض عدم الوصف، كمائع فيه رائحة الجلّاب، مشكوك في كونه جلّابا في الواقع أو ماء قد اكتسب الرائحة بالمجاورة و نحوها، أو مائع ليس فيه رائحة الجلّاب، مشكوك في كونه ماء أو جلّابا زال رائحته لعارض.

و محصّله: أنّ الشكّ في الصورتين هنا راجع إلى كون الوصف الموجود من الوجودي أو العدمي أصليّا، ليكون المائع جلّابا في الصورة الاولى و ماء في الصورة الثانية، أو عرضيّا ليكون ماء في الصورة الاولى و جلّابا في الصورة الثانية.

27

ينبوع [طهارة الماء المطلق في نفسه و مطهريته لغيره]

الماء بعنوانه الكلّي المتحقّق في ضمن جميع الأقسام المتقدّمة حتّى ما كان منه مذابا من الثلج أو البرد أو كان ماء بحر، ما دام باقيا على خلقته الأصليّة- بعدم مصادفة ما يوجب فيه سلب الإطلاق، أو التنجّس و الانفعال- طاهر في نفسه مطهّر لغيره من حدث- و هو الحالة المانعة من الصلاة المتوقّف رفعها على النيّة، أو ما كان منشأ لتلك الحالة من الأسباب الآتي تفاصيلها، فيراد برفعها رفع الأثر المتعقّب لها المعبّر عنه بالحالة المذكورة- و خبث- و هو نفس النجاسة الّتي تفارق عن الحدث بما ذكر فيه من القيد الأخير- خلافا في ماء البحر لسعيد بن المسيّب (1) المانع من الوضوء به مع وجود الماء، و عبد اللّه بن عمر القائل: «بأنّ التيمّم أحبّ إليّ منه» على ما حكي عنهما (2)؛ فإنّ خلافهما- مع إمكان تأويله إلى ما لا ينافي ما ادّعيناه من الكلّية، بإرجاعه إلى شبهة في الموضوع، حصلت لهما على حدّ ما فرضناه في مشكوك الحال المردّد بين كونه مطلقا أو مضافا- و إن كانت شبهة في مقابلة البديهة- مضافا إلى عدم كون المحكيّ عن الثاني صريحا في المخالفة، لجواز ابتناء كلامه على الاحتياط الغير اللازم، كما هو ظاهر التعبير ب«أحبّ»، و إن كان ذلك الاحتياط في غير محلّه- محجوج عليه بما ستسمعه

____________

(1) المجموع 1: 91- سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب المحزومي القرشي أبو محمّد.

أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، سمع من عمر و عثمان و زيد بن ثابت و عائشة و أبي هريرة و سعد بن أبي وقّاص، و اختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة 94 و قيل: سنة 89 و قيل: سنة 105 ه[تذكرة الحفّاظ 1: 54- شذرات الذهب 1: 102- وفيات الأعيان 2: 117].

(2) البحر الرائق: 1: 66، حكى عنهما الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 51 المسألة 2.

28

من الأدلّة القاطعة، مضافا إلى قول النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) حينما سئل عن الوضوء بماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته» (1).

و الدليل على الكلّية المدّعاة واضح، بعد ملاحظة الإجماع الضروري من العلماء كافّة، و نقله على حدّ الاستفاضة المدّعى كونها قريبة من التواتر الّذي منه ما عن المعتبر (2) و المنتهى (3) و شرح الدروس للمحقّق الخوانساري (4)، و نقل كونه من ضروريّات الدين عن المفاتيح (5)، و لعلّه كذلك، بل ممّا لا يمكن الاسترابة فيه، و الأخبار المتواترة معنا بل البالغة فوق التواتر بألف مرّة الواردة في تطهير النجاسات و تعليم الطهارات، الآمرة بها و بتفاصيلها المتكفّلة لبيان أجزائها و شروطها و موانعها و سائر ما اعتبر فيها.

و قد شاع عندهم الاستدلال من الكتاب العزيز بقوله عزّ من قائل: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (6) و قوله الآخر: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (7) و لا كلام لأحد في دلالة الأوّل على المطهّريّة مطابقة و الطهارة التزاما عرفيّا بل عقليّا؛ لا لأنّ فاقد الشيء لا يعقل معطيا له، فإنّ حكم التطهير مبنيّ على التسبيب الشرعي [و لا يحكم العقل] (8) بامتناع أن يجعل الشارع شيئا غير طاهر سببا لتطهير الغير، كما في الأرض الّتي تطهّر باطن النعل على القول بعدم اشتراط الطهارة فيها، و مثله ثلاثة أحجار الاستنجاء إن لم نقل باشتراط الطهارة فيها تعبّدا، بل لأنّ الماء إذا كان نجسا فيسري نجاسته إلى المحلّ فلا يزيد فيه إلّا نجاسة في نجاسة، و معه لا يمكن التطهّر.

نعم، ربّما نوقش فيه بل و في الثاني أوّلا: بمنع العموم في لفظة «الماء»؛ لكونها نكرة في الإثبات.

و ثانيا: بعدم تناوله لمياه الأرض، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى.

____________

(1) الوسائل 6: 366، ب 22 من أبواب أحكام الملابس ح 11.

(2) المعتبر: 8 حيث قال- بعد نقل قول ابن المسيّب و عمر- «لنا: الإجماع، فإنّ خلاف المذكورين منقرض».

(3) منتهى المطلب 4: 1.

(4) مشارق الشموس: 184 قال: «ثمّ كونه طاهرا مطهّرا من الحدث و الخبث مطلقا ... ممّا وقع عليه إجماع المسلمين».

(5) مفاتيح الشرائع 1: 81.

(6) الأنفال: 11.

(7) الفرقان: 48.

(8) محي ما بين المعقوفين من نسخة الأصل و لذا أضفناه في المتن لاستقامة العبارة.

29

و يمكن المناقشة أيضا بعدم تناوله رفع الحدث؛ لأنّ كونه تطهيرا إنّما ثبت بالشرع، و اللفظ الوارد في الخطاب إنّما يحمل على ما يتداوله العرف و يساعد عليه اللغة.

و لكن دفعها بناء على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه و في لفظ «الطهارة» أيضا هيّن، و على القول بعدم ثبوتها فيه بالخصوص- كما هو الأرجح- بأن نقول: حمل اللفظ على المعنى العرفي اللغوي هنا لا يقدح في دخول رفع الحدث في مفهوم التطهير؛ فإنّ النظافة في مفهوم «الطهارة» لغة و عرفا في نظر العرف شيء و عند الشارع شيء آخر، و لعلّ بينهما عموما من وجه، فيكون الاختلاف بينهما اختلافا في المصداق دون المسمّى، نظير ما لو اختلف زيد و عمرو- بعد اتّفاقهما على أنّ لفظة «زيد» موضوعة لابن عمرو- في أنّ ابن عمرو هذا الرجل أو ذاك الرجل، فإذا حملنا التطهير الوارد في الآية على التنظيف بالمعنى الشامل لرفع الحدث و الخبث معا، لم يكن منافيا لحمله على معناه العرفي اللغوي جدّا.

و اجيب عن الاوليين: بأنّ ورود المطلق مورد الامتنان و إظهار الإنعام و الإحسان ممّا يفيد العموم، فيمنع عن كون لفظة «الماء» حينئذ نكرة، بل هو اسم جنس منوّن، على حدّ ما في قول القائل: «في الدار رجل لا امرأة»، و معه كان الحكم معلّقا على الماهيّة الجنسيّة، فيسري إلى الأفراد قاطبة.

و أنّ مياه الأرض كلّها من السماء، كما نطق به قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّٰاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ (1)، و قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسَلَكَهُ يَنٰابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوٰانُهُ (2)، و قوله تعالى:

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرٰابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ- إلى قوله- يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ (3).

وجه الاستدلال بالآية الاولى: أنّها تقضي بذلك صدرا و ذيلا.

أمّا الأوّل: فلكونه في معرض الامتنان، فلو لا جميع مياه الأرض من السماء لما تأتي ذلك الغرض؛ لإمكان التعيّش من الماء بما هو من أصل الأرض.

و أمّا الثاني: فلظهور قوله: وَ إِنّٰا عَلىٰ ذَهٰابٍ بِهِ لَقٰادِرُونَ 4 في إرادة التهديد على كفران النعمة، و العدول عن الطاعة إلى المعصية، فلو لا إذهابه بماء السماء موجبا لخلوّ

____________

(1) 1 و 4 المؤمنون: 18.

(2) الزمر: 21.

(3) النحل: 10- 11.

30

الأرض عن الماء لما تأتي ذلك الغرض، هذا مضافا إلى ما عن القمّي أنّه روى في تفسيره عن الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «هي الأنهار و العيون و الآبار» (1).

و بالثانية و الثالثة: أنّهما واردان أيضا في معرض الامتنان، فلو لا جميع ما في الأرض من الينابيع و ما يحصل به الشراب و الشجر و الزرع و النبات منزلا من السماء من أصله- و إن كان نابعا فعلا من الأرض- لما أعطى اللّه سبحانه بكلامه الغرض حقّه، بل كان الامتنان في غير محلّه، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.

و ربّما يتأمّل في دلالة الآيتين، أو هما مع ما تقدّم من الرواية في تفسير الآية الاولى، كما أشار إليه في الرياض (2)، آمرا به بعد ما أوردهما عقيب الرواية المذكورة.

و لعلّ وجهه قصور الجميع عن إفادة تمام المطلب؛ فإنّ أعظم مياه الأرض إنّما هو ماء البحر، و لا دلالة في شيء من ذلك على كونه من السماء.

و يمكن دفعه: بأنّه إنّما يتّجه لو لم يكن ماء البحر نابعا من الأرض، و إلّا فيرجع إلى عنوان «العيون» الوارد في الرواية و الآية الاولى من الأخيرتين- و لو من جهة أصله- و لعلّه الظاهر، أو بأنّ ماء البحر على ما يشاهد بالحسّ ما يجتمع فيه من الأنهار العظيمة المخرجة إليه عن العيون و الأمطار و الثلوج، فلا يكون خارجا عنها، أو بأنّ المطلب يتمّ بملاحظة عموم الامتنان أيضا، إذ لو كان ماء البحر من نفس الأرض لما احتاج العباد إلى مياه السماء، فيكون الامتنان واردا في غير محلّه. فتأمّل (3).

نعم، هاهنا مناقشة اخرى واردة على الثاني خاصّة، و هي: أنّ لفظة «طهور» لا تقضي إلّا بوصف الطهارة، و العمدة في المقام إنّما هو إثبات المطهّريّة، و أصل هذه المناقشة عن أبي حنيفة (4)، فإنّه منع عن دلالة الآية على كون الماء مطهّرا، و مستنده إمّا

____________

(1) تفسير القمّي: 2: 91.

(2) رياض المسائل 1: 131.

(3) وجه التأمّل: عدم تمكّن جميع من في الأرض عن ماء البحر، بل هو كذلك بالنسبة إلى أكثرهم، لوقوعهم في البلاد النائية عن البحر، فيتمّ الامتنان بالنسبة إليهم، و إن لم يتمّ بالنسبة إلى المتمكّنين منهم. و يمكن دفعه: بعدم تماميّته بالنسبة إليهم، لعدم كون ماء البحر- لمكان كونه مالحا بل مرّا- ممّا ينتفع به في الشرب و الطعام، فتأمّل أيضا جيّدا (منه).

(4) المجموع 1: 84؛ أحكام القرآن- للقرطبي- 13: 39.

31

ما حكاه في الرياض (1) و الحدائق (2) من عدم جواز كون «طهور» على بابه من المبالغة في أمثاله؛ لأنّ المبالغة في «فعول» إنّما هي بزيادة المعنى المصدري و شدّته فيه، ك«أكول» و «ضروب»، و كون الماء مطهّرا لغيره أمر خارج عن الطهارة- الّتي هي المعنى المصدري- فكيف يراد منه، بل هو حينئذ بمعنى الطاهر.

أو ما قرّره الشيخ في التهذيب من: «أنّه كيف يكون الطهور هو المطهّر، و اسم الفاعل منه غير متعدّ، و كلّ فعول ورد في كلام العرب متعدّيا لم يكن متعدّيا إلّا و فاعله متعدّ، فإذا كان فاعله غير متعدّ ينبغي أن يحكم بأنّ فعوله غير متعدّ أيضا، ألا ترى أنّ قولهم: «ضروب» إنّما كان متعدّيا لأنّ الضارب منه متعدّ، و إذا كان اسم الطاهر غير متعدّ يجب أن يكون الطهور أيضا غير متعدّ» (3).

و لا يذهب عليك: أنّ هذا لا يرجع إلى الوجه الأوّل، لأنّ مبناه على منع دعوى المبالغة في تلك اللفظة بخصوصها رأسا، بتوهّم أنّها مبنى الاستدلال على كون الماء مطهّرا، و محصّله يرجع إلى أنّ المبالغة إنّما هي للدلالة على الزيادة في أصل المعنى المصدري، و هذه الزيادة في خصوص تلك اللفظة إمّا أن تعتبر بالقياس إلى معنى الطهارة، أو بالقياس إلى معنى التطهير، و لا سبيل إلى شيء منهما.

و أمّا الأوّل: فلأنّ الطهارة في الماء لا تكون إلّا على نمط واحد، فلا تقبل الزيادة و التكرار.

و أمّا الثاني: فلخروج معنى التطهير عمّا هو معنى مصدري لطهور، فلا يعقل منه الدلالة على المبالغة بالقياس إليه، بخلاف الوجه الثاني الّذي مرجعه إلى منع كون المبالغة في تلك اللفظة بالقياس إلى المعنى المتعدّي، و هو كما ترى لا ينافي كونها للمبالغة بالقياس إلى المعنى اللازم.

و ملخّصه: أنّ المبالغة بالقياس إلى ما عدا المعنى اللازم مبنيّة على كون «طهور» متعدّيا و هو باطل؛ لمكان التلازم فيما بين الفاعل و الفعول لغة في وصفي التعدية و اللزوم، و «الطهور» إذا كان فاعله و هو «الطاهر» لازما- كما هو المسلّم المتّفق عليه- فكيف يمكن التفكيك بينهما بجعل «فعوله» متعدّيا، و هو كما ترى ممّا لا تعرّض فيه

____________

(1) رياض المسائل 1: 131.

(2) الحدائق الناضرة 1: 176.

(3) التهذيب 1: 214.

32

لمنع المبالغة بالقياس إلى المعنى اللازم.

فما ذكره الشيخ في دفع هذا الوجه من: أنّه لا خلاف بين أهل النحو أنّ اسم «فعول» موضوع للمبالغة و تكرّر الصفة، ألا ترى أنّهم يقولون: «فلان ضارب»، ثمّ يقولون: «ضروب» إذا تكرّر منه ذلك و كثر، و إذا كان كون الماء طاهرا ليس ممّا يتكرّر و يتزايد، فينبغي أن يعتبر في إطلاق «الطهور» عليه غير ذلك، و ليس بعد ذلك إلّا أنّه مطهّر، و لو حملناه على ما حملنا عليه لفظة الفاعل لم تكن فيه زيادة فائدة (1)، ليس ممّا يتوجّه إليه بل هو بظاهره أجنبيّ منه.

نعم، يتوجّه إلى الوجه الأوّل الّذي سمعته عن الرياض (2) و الحدائق (3)، و كلام الشيخ (رحمه الله) خلو عن الإشارة إليه.

نعم، إنّما يتوجّه إليه ما قرّره من العلاوة بقوله: «إنّ ما قاله السائل: إنّ كلّ اسم للفاعل إذا لم يكن متعدّيا فالفعول منه غير متعدّ فغلط أيضا، لأنّا وجدنا كثيرا ما يعتبرون في أسماء المبالغة التعدية، و إن كان اسم الفاعل منه غير متعدّ، ألا ترى إلى قول الشاعر:

حتّى شآها كليل موهنا عمل * * * باتت طرابا و بات الليل لم ينم (4)

فعدّى «كليل» إلى «موهنا» لما كان موضوعا للمبالغة، و إن كان اسم الفاعل منه غير متعدّ» (5) انتهى.

ثمّ، إنّ بعد الغضّ عمّا ذكرناه، فالّذي يقتضيه التدبّر و يساعد عليه النظر، ورود كلّ من الوجهين على خلاف التحقيق؛ لا لما قرّره في المدارك (6)- كما عن صاحب المعالم (7) أيضا- في دفع الوجه الأوّل، من أنّ ذلك إثبات للّغة بالاستدلال، و ترجيح لها بالعقل، فإنّ ذلك أيضا وارد في غير محلّه؛ لما تنبّه عليه في الحدائق 8، و أشار إليه

____________

(1) التهذيب 1: 214- 215.

(2) رياض المسائل 1: 131.

(3) 3 و 8 الحدائق الناضرة 1: 176.

(4) البيت لساعدة بن جؤيّة كما في خزانة الأدب 8: 155.

(5) التهذيب 1: 215.

(6) مدارك الأحكام 1: 27 حيث قال- بعد أن أورد كلام الشيخ المتقدّم-: «لتوجّه المنع إلى ذلك، و عدم ثبوت الوضع بالاستدلال كما لا يخفى».

(7) حكى عنه في الحدائق الناضرة 1: 176- فقه المعالم 1: 123.

33

في الرياض (1) أيضا، بل لابتنائهما على المغالطة و الاشتباه من جهات اخر.

أمّا الأوّل منهما: فلعدم كون الخصم بصدد إنكار ورود صيغة «فعول» لغة للمبالغة، حتّى يدفع كلامه بما ذكر من قضيّة عدم الخلاف بين أهل النحو في وضع «الفعول» لغة للمبالغة و تكرّر الصفة، بل غرضه إنكار كون «طهور» بالخصوص مندرجا في «الفعول» بهذا المعنى، فحينئذ يتّجه أن يقال: كما أنّه لا خلاف بين أهل النحو في وضع «فعول» للمبالغة و تكرّر الصفة، فكذلك لا خلاف بينهم في وضعه لمجرّد الوصف قائما مقام الفاعل فيما كان من فعل يفعل بضمّ العين، على قياس ما هو الحال في الصفات المشبّهة، فأيّ شيء يستدعي لحوق «طهور» بالأوّل دون الثاني؟ بل قضيّة ما أشرنا إليه من الضابط كونه من الفعول بمعنى الفاعل، لا ممّا هو مبالغة في الفاعل.

و مع الغضّ عن ذلك، فالعدول عن جعله للمبالغة في المعنى اللازم إلى جعله لها في المعنى المتعدّي ممّا لا داعي إليه، بعد ملاحظة أنّ «الطهارة» باعتبار معناها اللغوي- و هو النظافة و النزاهة- ممّا يقبل الزيادة و الشدّة و الضعف، كما يشير إليه ما عن الزمخشري من «أنّ الطهور: البليغ في الطهارة» (2)، و تنبّه عليه صاحب المدارك أيضا فأشار إليه في دفع ما حكاه عن الشيخ من الوجه الأوّل، و قال: «و ابتنائه على ثبوت الحقيقة الشرعيّة للمطهّر على وجه يتناول الأمرين، فهو أولى ممّا ذكره الشيخ في التهذيب»- إلى قوله-: «لتوجّه المنع إلى ذلك، و عدم ثبوت الوضع بالاستدلال» (3).

فإنّ قوله: «لتوجّه المنع إلى ذلك»، مراد منه المنع عن عدم صلاحيّة «طهور» بغير المعنى المتعدّي للتكرّر و التزايد.

و وجهه: أنّ النظافة في الماء باعتبار الصفاء و الكدورة، أو خلوصه عن الأوساخ و الأقذار و عدمه، أو عن الأرياح المنتنة و الألوان المكرهة و عدمه لها مراتب، لأنّ كلّا من ذلك قد يضعف و قد يتضاعف، و قد يقلّ و قد يتكثّر على وجه ينشأ منه صحّة إطلاق «فعول» للمبالغة في ذلك عرفا كما نشاهده بطريق الحسّ و العيان، و بذلك ينقدح أيضا

____________

(1) رياض المسائل 1: 24.

(2) الكشّاف 3: 284 ذيل الآية 48 من سورة الفرقان.

(3) مدارك الأحكام 1: 27.

34

فساد الأوّل [الّذي] (1) تقدّم تقريره.

نعم، الطهارة بالمعنى الشرعي غير صالحة لهما، لعدم كونها متصوّرة إلّا على نمط واحد، و كأنّ مبنى كلام الخصم على توهّم إرادته، و هو كما ترى ممّا لا ضرورة في المقام دعت إلى اعتباره، إلّا على تقدير ثبوت الحقيقة الشرعيّة في لفظ «الطهارة»، أو ثبوت القرينة على اعتباره مجازا على التقدير الآخر، و كلاهما ممنوعان.

و مع الغضّ عن ذلك أيضا فاعتبار المبالغة بالنسبة إلى المعنى اللغوي ممّا لا يكاد يعقل بعد فرض كون «طهور» أو «فعول» من المشتقّات، لمكان كونه مخالفا للقياس و قانون الاشتقاق، فإنّ المشتقّ في تعديته و لزومه تابع لمأخذ اشتقاقه، و المفروض أنّه لازم، و إلّا كانت التعدية سارية في جميع التصاريف، و هو باطل و مخالف لضرورة العرف و اللغة.

و دعوى أنّ كون الماء طاهرا ممّا لا يتكرّر و لا يتزايد، فينبغي أن يعتبر المبالغة في كونه مطهّرا.

يدفعها: أنّ هذا الاعتبار لا بدّ و أن يثبت من الواضع، و هو ليس بثابت إن لم نقل بثبوت خلافه، بملاحظة كون الوضع في المشتقّات نوعيّا- على ما قرّر في محلّه- فإنّ خصوص لفظ «طهور» ليس ممّا وضعه واضع اللغة، حتّى يقال: بأنّه إذا وضعه للمبالغة بدليل مثبت له فلا محالة اعتبر المبالغة في كون الماء.

مطهّرا لعدم صلاحية ما عداه للتكرار و الزيادة، بل الّذي تصدّى لوضعه الواضع إنّما هو صيغة «فعول» مجرّدة عن خصوصيّات الموادّ الّتي منها مادّة «طهر»، و هذه الصيغة إنّما تعتبر مفيدة لما وضعت له من المبالغة في كلّ مادّة تكون صالحة للزيادة و التكرار، و قد فرضتم خلافه في مادّة «طهر»، و معه لا محيص عن اعتبار كون «طهور» من الفعول الموضوع للمعنى الوصفي، المعبّر به عن الفاعل- حسبما أشرنا إليه- على حدّ ما يقال في أفعل التفضيل: من أنّه يصاغ عن مادّة قابلة للتفاضل، و أمّا ما ليس كذلك فالأفعل بالقياس إليه وصفي كما في أعمى و نحوه.

و ما ذكرناه من أنّ الواضع لم يتصدّ لوضع «طهور» بخصوصه للمبالغة، لا ينافي ما

____________

(1) أثبتناه لاستقامة العبارة.

35

يأتي في كلام كثير من أهل اللغة من تفسير «الطهور» بالطاهر المطهّر، أو المطهّر فقط؛ لعدم ابتناء كلامهم على دعوى كونه من جهة المبالغة، كيف و لا إشارة في كلام [واحد منهم بذلك] (1) و إن سبق إلى بعض الأوهام كما ستعرفه، بل أقصى ما يقضي به نصّهم إنّما هو كون ذلك من مقتضى الوضع الشخصي الثابت له بإزاء المطهّر، و لعلّه وضع عرفيّ محدث وارد على الوضع اللغوي النوعي، بل الالتزام به في تصحيح كلامهم ممّا لا محيص عنه عند التحقيق، كما ستعرفه.

و من جميع ما قرّرناه ينقدح حينئذ فساد الوجه الثاني الّذي ذكره الشيخ، فإنّ ما ذكره مخالف لقانون الاشتقاق، المقتضي لسراية مأخذ الاشتقاق في المشتقّ، المقتضية لكون المشتقّ تابعا لمأخذ اشتقاقه، حتّى في التعدية و اللزوم، و لزوم الفاعل دليل محكم و شاهد عدل على لزوم المأخذ، و هو ملازم للزوم المشتقّ الآخر و هو «فعول»، و إلّا حصل التخلّف، و هو كما ترى غير معقول.

و أمّا ما استشهد به من كثرة اعتبار التعدية في أسماء المبالغة و إن فرض الفاعل لازما، فليس ممّا يشهد له بكون «طهور» أيضا من هذا الباب، إن أراد به اعتبارها مطلقا و لو على سبيل التجوّز؛ ضرورة أنّ ثبوت التجوّز في موضع لقرينة دلّت عليه لا يقضي بثبوته في سائر المواضع، و لا سيّما في الموضوعات النوعيّة الّتي أشخاصها ألفاظ مستقلّة في حدّ أنفسها تباين بعضها بعضا، فلا ينبغي مقايسة بعضها على بعض في وصفي الحقيقة و المجاز.

و إن أراد به اعتبارها على سبيل الحقيقة، فهو يخالف قانون الاشتقاق، مضافا إلى ما ثبت في المشتقّات من الوضع النوعي، هذا مع ما في الاستشهاد بقول الشاعر من الغفلة عن حقيقة الحال.

أمّا أوّلا: فلتوجّه المنع إلى كون «كليل» في الشعر المذكور متعدّيا، عاملا على المفعوليّة في «الموهن»، الّذي هو عبارة عن ساعات الليل، أو نحو من نصفه، أو ما بعده بساعة، و إن توهّمه سيبويه- على ما حكاه عنه الشارح الرضي (2)- فيما ادّعاه من أنّ:

____________

(1) أثبتناه لاستقامة العبارة.

(2) شرح الكافية: 2: 202.

36

فاعلا إذا حوّل إلى «فعيل» أو «فعل» عمل، متمسّكا بذلك الشعر، بل «الموهن»- على ما يساعد عليه الذوق، و نصّ عليه غير سيبويه- نصب على الظرفيّة متعلّق ب«شآها» بمعنى ساقها، أو سبقها راجعا ضميره إلى «للاتن» و هي حمير الوحش، و على فرض كونه معمولا ل«كليل» فهو نصب على الظرفيّة أيضا، و هو على التقديرين لازم مراد منه العجز و التعب، اللذين اعتبرا وصفين للبرق الّذي هو السائق.

غاية الأمر، استلزام ذلك مجازا في الإسناد، من باب الإسناد إلى السبب؛ نظرا إلى أنّهما في الحقيقة وصفان للاتن، و إنّما أسندا إلى «البرق» الّذي اريد من الكليل- لكونه سببا لهما فيها، نظير إطلاق «القاتل» على سبب القتل، و هذا كما ترى باب وسيع العرض يجري في فنون كثيرة، و لا سيّما المقام الّذي لا بدّ فيه من اعتباره بملاحظة الفقرات الاخر الواردة فيه من باب المجاز في الإسناد، الّتي منها: إسناد السوق إلى «البرق» الّذي لا يلائم إلّا كونه من باب التسبيب؛ لعدم كون السوق بالقياس إليه من الأفعال المباشريّة، ضرورة ابتناء المباشرة على الشعور و الإرادة، و ظاهر أنّ «البرق» ليس من ذوات الشعور و الإرادة.

و منها: إسناد البيتوتة إلى الليل، فإنّها في الحقيقة وصف «للاتن» و الليل ظرف له، فإسنادها إليه من باب الإسناد إلى الظرف.

و منها: إسناد عدم النوم إليه، بناء على كون قوله: «لم ينم» عطفا على قوله: «بات» بإسقاط العاطف للضرورة، و التقريب ما تقدّم.

هذا مضافا إلى أنّه لو لا إطلاق «الكليل» هنا من باب المجاز في الإسناد- حسبما قرّرناه- لزم على تقدير كونه متعدّيا مجازان:

أحدهما: ما يلزم منه فيه باعتبار المادّة، من حيث إنّه بالوضع الأصلي اللغوي من الموادّ اللازمة.

و ثانيهما: ما يلزم منه في تعديته إلى «الموهن»، فإنّ الإعياء بمعنى الإعجاز و الإتعاب ممّا يقع في الحقيقة على «الاتن»، و «الموهن» ظرف لهما، فيكون الإسناد إليه من باب قولهم: «أتعبت يومك، و ساهرت ليلتك»، و لا ريب أنّ المجاز الواحد أولى من مجازين.

و أمّا ثانيا: فلأنّ «الكليل» إذا كان متعدّيا فهو مبالغة في الفاعل بمعنى الفعل، و قضيّة

37

ذلك اعتبار التعدية في كلّ من «الفاعل» و «الفعيل»، و هو- مع أنّه خلاف ما استشهد له- ممّا لا يجري في «الطهور» إذا فرض كونه مبالغة في الطاهر، إذ لم يقل أحد بكون «طاهر» بمعنى المطهّر حتّى في موضع الاستدلال.

و أمّا ثالثا: فلأنّ غاية ما هنالك، ثبوت استعمال على الوجه المذكور، و لعلّه في هذا الموضع وارد على سبيل المجاز، محافظة على القاعدة النحويّة من «أنّ المفعول به لا يعمل فيه إلّا المتعدّي» و لا يلزم من ذلك اعتبار التجوّز في كلّ «فعول» ورد مجرّدا عن القرينة، و نعم ما قال الشارح الرضي- [في نفي] (1) كون «الكليل» متعدّيا من المكلّ من-: «أنّه لا استدلال بالمحتمل و لا سيّما إذا كان بعيدا» (2).

و بالجملة: هذه الكلمات ممّا لا ينبغي التفوّه بها في منع الدليل المحكم المطابق للعرف و اللّغة، و القواعد المحكمة المتّفق عليها.

نعم، لو كان منع كلام الخصم و هدم استدلاله ممّا لا بدّ منه، فليقل: بمنع ابتناء الدلالة على كون الماء مطهّرا على كون «طهور» في الآية مرادا منه المبالغة، و سند هذا المنع وجوه جمعناها عن كلام الأصحاب، و إن كان بعضها واضح الضعف:

منها: ما حكاه صاحب المصباح المنير، في عبارة محكيّة عنه عن بعض العلماء، أنّه قال: «و يفهم من قوله: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (3) أنّه طاهر في نفسه مطهّر لغيره، لأنّ قوله: «ماء» يفهم منه أنّه طاهر، لأنّه ذكره في معرض الامتنان، و لا يكون ذلك إلّا بما ينتفع به، فيكون ظاهرا في نفسه، و قوله: «طهورا» يفهم منه صفة زائدة على الطهارة، و هي الطهوريّة» (4).

و قد يقال: بأنّ «الطهور» لو لم يرد منه المطهّريّة، بعد ما كانت الطهارة مفهومة من الماء بملاحظة الامتنان، كان ذكره عبثا تعالى اللّه عن ذلك.

و فيه: أنّ الامتنان و إن كان يقتضي كون الماء ممّا ينتفع به، إلّا أنّ جهة الانتفاع به لا تنحصر فيما يقتضي الطهارة الشرعيّة، بالمعنى المقابل للنجاسة، بل له جهات اخر كثيرة

____________

(1) أثبتناه لاستقامة العبارة.

(2) شرح الكافية 2: 202.

(3) الفرقان: 48.

(4) المصباح المنير؛ مادّة «طهر»: 379.

38

غير متوقّفة على الطهارة بهذا المعنى، كسقي الدوابّ و البساتين و المزارع و الأشجار و اتّخاذ الطين للأبنية و المساكن، و لو سلّم فذكر الوصف بعده لا يقتضي كونه لصفة زائدة، غاية الأمر كونه- على تقدير إرادة الصفة المفهومة أوّلا- للتوضيح، و هو ليس ممّا يمنع عنه في الكلام، و إن كان الأصل الناشئ عن الغلبة يقتضي خلافه، و هذا الأصل كما ترى ممّا لا ينبغي إجراؤه في المقام، بعد ملاحظة دوران الأمر فيه بين الأخذ به أو الأخذ بأصالة الحقيقة بالنسبة إلى مادّة «طهور»، فإنّ العدول عن الحقيقة يستدعي قرينة معتبرة، و الأصل المذكور غير صالح لها.

هذا إذا كان انفهام المطهّريّة مبنيّا على التجوّز، و إلّا- فمع أنّه في حيّز المنع- فأصالة الحقيقة كافية في إفادة الحكم المذكور عمّا ذكر من الوجه الاعتباري.

و أمّا ما عرفته من الزيادة، ففيه: أنّه كلام فاسد قد هدمنا بنيانه في مباحث المفاهيم من فنّ الاصول (1)، فلا يعبأ به، و العجب عن شيخنا في الجواهر (2) أنّه استوجه هذا الوجه.

و منها: ما حكاه أو احتمله في المدارك، من أنّ «الطهور» في العربيّة على وجهين:

صفة، كقولك: «ماء طهور» أي طاهر، و اسم غير صفة، و معناه: ما يتطهّر به، كالوضوء و الوقود بفتح الواو فيهما لما يتوضّأ به و يوقد به، و إرادة المعنى الثاني هناك أولى، لأنّ الآية مسوقة في معرض الإنعام، فحمل الوصف فيها على الفرد الأكمل أولى و أنسب (3).

و فيه:- مع رجوعه إلى إثبات الحكم الشرعي بالاستحسان و مجرّد الاعتبار العقليّين، لحصول المقصود من الامتنان بمجرّد الطهارة المقتضي للحمل على المعنى الوصفي- أنّ الحمل على المعنى الاسمي لا يستقيم إلّا مع ارتكاب ضرب من التجوّز، كما تنبّه عليه غير واحد من الأصحاب، و هو تجريد اللفظ عمّا يدلّ على الذات المأخوذة في مفهومه، إذ لولاه لما صحّ الوصف به، و هذا التجوّز كما ترى ممّا لا شاهد له في الكلام،

____________

(1) تعليقة على معالم الاصول الرابع: الجزء الرابع- في المفاهيم- (سيصدر قريبا إن شاء اللّه ص:

65 من المخطوط) حيث قال في ذيل قول المصنّف:- «بأنّه لو ثبت الحكم مع انتفاء الصفة لعرى تعليقه عليها عن الفائدة الخ»-: «و اجيب عنه: بأنّ العبث إنّما يثبت إذا لم يوجد للوصف فائدة أخرى، و الفوائد كثيرة غير منحصرة في الاحتراز الخ».

(2) جواهر الكلام: 1: 175.

(3) مدارك الأحكام: 1: 27.

39

و ما ذكر من الأولويّة الاعتباريّة بمجرّده لا يصلح لذلك بعد قيام احتمال معنى غير موجب له، و مرجعه إلى أنّ الاحتمال و لو ساعد عليه الاعتبار لا يعارض أصالة الحقيقة.

و أمّا عدم جواز الوصف على المعنى الاسمي بدون التجرّد، فقد يعلّل: بكونه من جهة جمود اللفظ بهذا المعنى، و هو أيضا ليس بسديد؛ فإنّ أسماء الآلة يعدّ عندهم كأسماء المكان و الزمان من المشتقّات الاسميّة، فكيف يلائمه الحكم على «الطهور» بالجمود.

فالأولى إرجاع ذلك إلى قاعدة التوقيف، نظرا إلى أنّ الأوضاع مجازيّة أو حقيقيّة، شخصيّة أو نوعيّة، إفراديّة أو تركيبيّة، لا تتلقّى إلّا من الواضع، و من الأوضاع النوعيّة التركيبيّة توصيف شيء بشيء في الكلام، و هذا ممّا لم يثبت في خصوص أسماء الآلة، كما أنّه لم يثبت في أسماء الزمان و المكان، و الّذي يفصح عنه إنّما هو الاستهجان العرفي فيما لو أخذ شيء من هذه وصفا بلا ارتكاب تجريد كما لا يخفى.

ثمّ العجب عن شيخ الحدائق (1) و سيّد الرياض (2) أنّهما تعرّضا لذكر احتمال إرادة المعنى المذكور، و ظاهرهما الارتضاء به، بل ظاهر الثاني الاعتماد عليه، مع أنّه تنبّه على ابتناء ذلك على التأويل المذكور.

و منها: ما يظهر عن المدارك (3) من ابتناء ذلك على ثبوت الحقيقة الشرعيّة في لفظ «طهور» للمطهّر- كما أشرنا إليه آنفا- و ظاهره أنّه لا خصوصيّة للفظ «طهور» في تلك الدعوى، بل الحقيقة الشرعيّة لو كانت ثابتة فيه فإنّما هو لثبوتها في مبدأ اشتقاقه و هو الطهارة، كما أشار إليه قبل ذلك عند شرح «الطهارة» لغة و شرعا، فقال- بعد ذكر معناها اللغوي-: «و قد استعملها الشارع في معنى آخر مناسب للمعنى اللغوي، مناسبة السبب للمسبّب، و صار حقيقة عند الفقهاء، و لا يبعد كونه كذلك عند الشارع أيضا على تفصيل ذكرناه في محلّه» 4.

و هذه الدعوى في خصوص تلك اللفظة- بناء على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة-

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 174.

(2) رياض المسائل 1: 131 حيث قال- بعد احتمال إرادة المعنى الاسمي، أي ما يتطهّر به، في معنى الطهور-: «و إن احتيج في وصفه به حينئذ إلى نوع تأويل».

(3) 3 و 4 مدارك الأحكام، 1: 27 و 6.

40

و إن كانت خلافيّة، و لكنّها في غاية الإشكال، و إن قلنا بها في غيرها؛ لعدم جريان الضابط- الّذي قرّرناه في محلّه (1)- لإثبات الحقيقة الشرعيّة نوعا في خصوص هذه اللفظة؛ إذ لم يثبت من الشارع الاستعمال في معنى مغاير للمعنى اللغوي و لو مجازا، بل لو استعمله في المعنى اللغوي لم يكن منافيا للمعنى الشرعي، بل غاية ما حصل من الاختلاف بينهما هو الاختلاف في مصاديق هذا المعنى؛ فإنّ «النظافة» عند أهل اللغة تصدق على شيء، و عند الشارع على شيء آخر مغاير له كشف عنه الأدلّة الخارجيّة، و لا ريب أنّ الاختلاف في المصداق لا يوجب الاختلاف في أصل المسمّى- كما أشرنا إليه سابقا- فحينئذ لو وجدنا «الطهارة» مستعملة في كلام الشارع حملناها على «النظافة»، ثمّ نراجع الأدلّة الشرعيّة في استعلام ما يصدق عليه «النظافة» عند الشارع، كما أنّه لو وجدنا «المطهّر» مستعملا في كلام الشارع حملناه على المنظّف، فنراجع الأدلّة الشرعيّة لمعرفة ما يصدق عليه «التنظيف» في نظر الشارع، و معه لا داعي إلى التزام النقل الشرعي، كما هو لازم القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة، مع كونه في حدّ ذاته مخالفا للأصل.

نعم، يمكن دعوى الحقيقة الشرعيّة في خصوص «طهور» بإزاء المطهّر، لا لأجل ضابطنا المقرّر في محلّه، بل بملاحظة كثرة ما استعمله الشارع في هذا المعنى، كما يكشف عنه روايات كثيرة.

منها: قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» (2).

و منها: «أيّما رجل من أمّتي أراد الصلاة فلم يجد ماء و وجد الأرض، لقد جعلت له مسجدا و طهورا» (3).

و منها: قوله- و قد سئل عن الوضوء بماء البحر-: «هو الطهور ماؤه» (4).

و منها: ما عن الصادق (عليه السلام) «كان بنوا إسرائيل إذا أصابتهم قطرة من بول، قرضوا لحومهم بالمقاريض، و قد وسّع اللّه عليكم بما بين السماء و الأرض، و جعل لكم الماء

____________

(1) تعليقة على معالم الاصول 2: 262.

(2) الخصال: الباب الأربعة 201/ 15، سنن أبي داود 1: 19/ 71.

(3) الوسائل 2: 970/ 2 و 4، 969 ب 7 من أبواب التيمّم ح 2، 4، الفقيه 1: 240/ 724.

(4) الوسائل 1: 102، ب 2 من أبواب الماء المطلق ح 4.

41

طهورا، فانظروا كيف تكونون» (1).

و منها: ما عن أمير المؤمنين، إذ قال- لابن الحنفيّة-: «يا محمّد ايتني بإناء من ماء أتوضّأ للصلاة، فأتاه محمّد بالماء، فأكفاه بيده اليسرى على يده اليمنى، ثمّ قال: بسم اللّه و الحمد للّه الّذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا» (2).

و منها: قوله تعالى: وَ سَقٰاهُمْ رَبُّهُمْ شَرٰاباً طَهُوراً (3) بناء على ما قيل: من أنّ المراد به المطهّر، مستندا إلى ما نقل: أنّ الرجل من أهل الجنّة تقسّم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا، فيأكل ما شاء، ثمّ يسقى شرابا طهورا، فيطهّر باطنه، و يصير ما أكله رشحا يخرج من جلده أطيب ريحا من المسك (4).

و يشكل ذلك أيضا: بأنّ مجرّد كثرة الاستعمال في معنى مغاير للمعنى الأصلي لا تكشف عن النقل و حدوث الوضع ما لم تبلغ الاستعمالات في الكثرة حدّا يستغني معها عن مراعاة القرينة، فكيف بها إذا وجدت مع القرينة كما في المقام، لاقتران اللفظ في جميع الروايات المذكورة بالقرينة، كما لا يخفى على المتدرّب، و لا سيّما مع ملاحظة تحقّق تلك الكثرة في الطرف المقابل أيضا، كما يظهر للمتتبّع.

فالحقّ أنّ إثبات الوضع الشرعي المخالف للأصل بمجرّد الاستعمالات المذكورة ممّا لا سبيل إليه.

نعم، يمكن أن يستكشف ببعض تلك الاستعمالات عن إرادة هذا المعنى من اللفظ الوارد في الآية، بأن يجعل ذلك قرينة كاشفة عن المراد كما في الروايتين الأخيرتين؛ فإنّ قول الصادق (عليه السلام): «و قد وسّع اللّه عليكم بما بين السماء و الأرض، و جعل الماء طهورا،» إظهار للشكر و قبول للامتنان الّذي أخذه اللّه تعالى على العباد بقوله: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (5)، أو حثّ و تحريص على قبوله و إظهار الشكر على تلك النعمة

____________

(1) الفقيه: 1: 10 ح 13- التهذيب 1: 356/ 1064- الوسائل 1: 100، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 4 و فيها: «وسّع اللّه عليكم بأوسع ما».

(2) الوسائل 1: 401 ب 16 من أبواب الوضوء ح 1- التهذيب 1: 53/ 153.

(3) الإنسان: 21.

(4) نقله في مجمع البيان 10: 623 ذيل الآية 21 من سورة الإنسان.

(5) الفرقان: 48.

42

العظمى، و مثله قول الأمير: «الحمد للّه الّذي جعل الماء طهورا، و لم يجعله نجسا» (1)؛ فإنّه أيضا يرشد إلى أنّه خروج عن عهدة ما اقتضاه الامتنان الوارد في الآية، فتأمّل جيّدا.

و منها: ما اعتمد عليه غير واحد من أصحابنا المتأخّرين، من نقل أئمّة اللغة و تفسيرهم للطهور بالطاهر المطهّر، أو المطهّر وحده، كما عن الفاضل الفيّومي في كتاب المصباح المنير، أنّه قال: «و طهور قيل: مبالغة و أنّه بمعنى طاهر، و الأكثر أنّه لوصف زائد، قال ابن فارس: قال ثعلب: و الطهور هو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره، و قال الأزهري أيضا: الطهور في اللغة هو الطاهر المطهّر، و فعول في كلام العرب لمعان، منها فعول لما يفعل به، مثل الطهور لما يتطهّر به، و الوضوء لما يتوضّأ به، و الفطور لما يفطر عليه، و الغسول لما يغتسل به، أو يغسل به الشيء، و قوله (عليه السلام): «هو الطهور ماؤه»، أي هو الطاهر المطهّر قاله ابن الأثير، قال: و ما لم يكن مطهّرا فليس بطهور، قال الزمخشري:

«الطهور: البليغ في الطهارة» (2)، قال بعض العلماء: و يفهم من قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً، أنّه طاهر في نفسه مطهّر لغيره، لأنّ قوله: «ماء»، يفهم منه أنّه طاهر، لأنّه ذكره في معرض الامتنان على العباد، و لا يكون ذلك إلّا فيما ينتفع به، فيكون طاهرا في نفسه، و قوله: «طهورا»، يفهم منه صفة زائدة على الطهارة و هي الطهوريّة.

و إنكار أبي حنيفة استعمال «الطهور» بمعنى الطاهر المطهّر غيره، و أنّه لمعنى الطاهر فقط، و أنّ المبالغة في «فعول» إنّما هي بزيادة المعنى المصدري كالأكول لكثير الأكل لا يلتفت إليه، بعد مجيء النصّ من أكثر أهل اللغة، و الاحتجاج بقوله: «ريقهنّ طهور» مردود، بعدم اطّراده، و أنّه في البيت للمبالغة في الوصف، أو واقع موقع «طاهر» لإقامة الوزن، لأنّ كلّ طاهر (3) طهور و لا عكس، و لو كان «طهور» بمعنى «طاهر» مطلقا، لقيل:

ثوب طهور، و خشب طهور، و نحو ذلك و هو ممتنع» انتهى عبارة المصباح المنير (4).

____________

(1) الوسائل 1: 401، ب 16 من أبواب الوضوء، ح 1- التهذيب 1: 53/ 153.

(2) الكشّاف 3؛ 284 ذيل الآية 48 من سورة الفرقان.

(3) كذا وجدناه في المجمع، و الظاهر أنّ فرض النسبة كما ذكر تحريف من قلم الناسخ، و إلّا فالاعتبار مع الشرط المذكور فيما بعد تقضيان انعكاس النسبة، كما لا يخفى على المتدبّر، (منه).

(4) المصباح المنير؛ مادة «طهر»: 379.

43

و عن القاموس: «الطهور» المصدر و اسم ما يتطهّر به، و الطاهر المطهّر» (1)، و عن الترمذي و هو من أئمّة اللغة، أنّه قال: «الطهور بالفتح من الأسماء المتعدّية و هو المطهّر غيره» (2)، و في الحدائق- عن بعض مشايخه-: «أنّ الشافعيّة نقلت ذلك عن أهل اللغة (3)، و عنه أيضا: «أنّه نقله عن الترمذي، و عن المعتبر أنّه نقله عن بعض أهل اللغة» (4).

و عن المصابيح- للسيّد مهدي- «أنّ المشهور بين المفسّرين و الفقهاء و أئمّة اللغة أنّه بمعنى المطهّر أو الطاهر المطهّر» (5).

قال الشيخ في التهذيب: «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً 6، فأطلق على ما وقع اسم «الماء» عليه بأنّه «الطهور»، و «الطهور» هو المطهّر في لغة العرب، فيجب أن يعتبر كلّما يقع عليه اسم «الماء» بأنّه طاهر مطهّر إلّا ما قام الدليل على تغيّر حكمه، و ليس لأحد أن يقول: إنّ «الطهور» لا يفيد في لغة العرب كونه مطهّرا، لأنّ هذا خلاف على أهل اللغة، لأنّهم لا يفرّقون بين قول القائل: هذا ماء طهور، و هذا ماء مطهّر إلى آخر ما حكينا عنه آنفا» 7.

و لا يذهب عليك أنّ غرض الشيخ من أهل اللغة هنا ليس همّ النقلة للمتون، الذين عرفت ذكر جملتهم، ليكون مقصوده فيما ادّعاه الاستناد إلى قولهم، بل مراده به أهل لسان العرب، بدليل قوله: «لأنّهم لا يفرّقون بين قول القائل: هذا ماء طهور، و هذا ماء مطهّر» فإنّ ظاهره عدم الفرق بين اللفظين بحسب الاستعمال العرفي، و انفهام العرف عند الإطلاق، لأنّه إنّما يعلم بالاستعمال دون النصّ اللغوي كما لا يخفى، فيكون قوله المذكور كقول غيره نصّا في أمر لغوي، فيكون بنفسه مثبتا للّغة معتبرا في حقّ غيره.

و لا ينافيه ما تقدّم عنه في دفع كلام من أنكر ورود «طهور» لهذا المعنى، استنادا إلى ما سبق ذكره من إناطة كونه لهذا المعنى بعلّة فاسدة و هو كونه من مقتضى الوضع المبالغي في «فعول»، لعدم استناده في أصل الدعوى إلى هذه العلّة، كما فهمه صاحب

____________

(1) القاموس المحيط؛ مادّة «طهر» 2: 79.

(2) 2 و 6 الفرقان: 48.

(3) الحدائق الناضرة 1: 177.

(4) الحدائق الناضرة 1: 177، المعتبر: 7.

(5) مصابيح الأحكام- كتاب الطهارة- (مخطوط)، الورقة: 9، نقله عنه في جواهر الكلام أيضا 1: 64.

(6) 7 التهذيب 1: 214.

44

المدارك (1) و المعالم (2)، و أوردا عليه: بكونه إثباتا للّغة بالاستدلال، بل مستنده في ذلك- كما فهمه صاحب الحدائق (3) و غيره- إنّما هو العرف، و طريقة أهل اللسان الّذين عبّر عنهم بأهل اللغة، و إنّما ذكر ذلك حكمة لكونه لهذا المعنى و علّة له بعد الوقوع، هدما لإنكار من أنكره، غاية الأمر خطؤه في فهم ما ذكره من الحكمة، و لا ريب أنّ خطأه في ذلك لا يقضي بخطئه في فهم أصل المعنى عن العرف، و نحن نأخذ بفهمه هذا و نطرح فهمه الآخر لعلمنا بفساده.

و إلى ذلك ينظر ما ذكره ثاني الشهيدين في الروضة- عند شرح التعريف الّذي ذكره الشهيد الأوّل للطهارة شرعا، و هو: «استعمال طهور مشروط بالنيّة»- فقال: «و الطهور مبالغة في الطاهر، و المراد منه هنا الطاهر في نفسه المطهّر لغيره، جعل بحسب الاستعمال متعدّيا، و إن كان بحسب الوضع اللغوي لازما كالأكول» (4)، فإنّ مراده بالاستعمال إنّما هو الاستعمال العرفي، فيكون كلامه في موضع دعوى تحقّق النقل في تلك اللفظة عرفا عن المعنى اللازم اللغوي المبالغي إلى المعنى المتعدّي، فهو أيضا نصّ في اللغة، حكمه حكم نصّ من تقدّم من أئمّة اللغة.

و يوافقه في تلك الدعوى ما عن المعتبر (5) و كنز العرفان (6) من أنّ كلام أبي حنيفة موافق لمقتضى القياس غير موافق لمقتضى الاستعمال، فإنّ ظاهر هما إرادة الاستعمال الحقيقي، لأنّ الاستعمال المجازي في هذا المعنى ليس ممّا ينكره أحد، حتّى أبي حنيفة الّذي ظاهر كلامه فيما أنكره إنّما هو الجري على مقتضى الأصل، كما هو مناط حمل اللفظ المجرّد عن القرينة، و لا ريب أنّ الاستعمال الحقيقي الّذي ادّعياه لا يكون إلّا من جهة النقل العرفي، لاعترافهما بكون القياس اللغوي على خلافه، فهو منهما أيضا بمنزلة النصّ اللغوي، فيكون مسموعا.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ كلام هذين- ككلام ثاني الشهيدين- في دعوى النقل لا يخالف كلام من تقدّم من أئمّة اللغة، فإنّ كلامهم و إن كان خاليا عن تلك الدعوى،

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 27.

(2) حكى عنه في الحدائق الناضرة 1: 176.

(3) الحدائق الناضرة 1: 176.

(4) الروضة البهيّة 1: 246.

(5) المعتبر: 7.

(6) كنز العرفان 1: 38 ذيل الآية 50 من سورة الفرقان.

45

غير أنّه لا محيص من تنزيله إليها، أو دعوى ابتنائه على تحقّق النقل؛ لعدم انطباق المعنى المذكور على ما هو مقتضى القياس اللغوي في «فعول» بحسب ما ثبت فيه من الوضع النوعي بإزاء المعنى المبالغي، أو المعنى الوصفي المعبّر عنه بلفظ «فاعل»، و الوجه ما تقدّم، فلا بدّ و أن يستند هذا المعنى بوضع آخر لاحق بالوضع الأوّل النوعي، متعلّق بلفظ «طهور» (1) بالخصوص، و لا نعني من النقل إلّا هذا.

و يؤيّده أيضا: أنّ ما يذكره أهل اللغة ليس ممّا يتلقّونه عن الواضع الأوّل، بل إنّما يأخذونه عن عرف أهل زمانهم، بملاحظة الاستعمالات الدائرة فيما بينهم، و مراجعة الأمارات الكاشفة عن أوضاعهم، فيكون ذلك الّذي ذكروه للفظ «طهور» معنى عرفيّا مستفادا عن أهل اللسان، لا معنى أصليّا مستفادا عن واضع أصل اللغة، و لا ينافيه ما في تعبيرات بعضهم- فيما تقدّم- بقولهم: «في اللغة»، لأنّ اللغة لها إطلاقات و هي في كلامهم عبارة عن عرف أهل اللسان، أو الألفاظ المتداولة فيما بينهم المستعملة في محاوراتهم، و النسبة بينها بهذا المعنى و بينها بمعنى عرف الواضع، أو الألفاظ الموضوعة الّتي وصل وضعها منه عموم من وجه، كما يظهر بأدنى تأمّل.

لا يقال: حمل كلامهم على هذا المعنى، و التزام ابتنائه على تحقّق النقل، ينفيه الأصل، و قضيّة ذلك كون «طهور» بهذا المعنى و اصلا عن الواضع، و معه لا معنى لدعوى النقل في تلك اللفظة.

لأنّ التزام النقل بملاحظة ما ذكرناه ممّا لا محيص عنه، و إن قلنا بأنّ المتصدّي لوضعها بإزاء هذا المعنى هو الواضع؛ لأنّ المفروض لحوق هذا الوضع بالوضع الأوّلي المتعلّق بالفعول نوعا، فيكون اللفظ مخرجة عن مقتضى الوضع الأوّلي النوعي إلى المقتضى الوضع الثانوي، من غير فرق بين كونه صادرا عن الواضع أو أهل العرف على

____________

(1) لا يذهب عليك أنّ هذا النقل إنّما تحقّق في تلك اللفظة من جهات ثلاث.

أحدها: في مدلولها المادّي، لصيرورته متعدّيا.

و ثانيها: في مدلولها الهيئي بالنظر إلى المعنى الوصفي أو المبالغى، و ثالثها: في مدلولها الهيئي أيضا بالنسبة إلى ما أخذ فيه من النسبة؛ لأنّ نسبة التطهير إنّما هي للمكلّف فاعتبرت هنا بالنقل للماء الّذي هو آلة بين المكلّف و التطهير، فتأمّل، (منه).

46

سبيل التعيين أو التعيّن، و إن كان أصالة التأخّر تقتضي كونه عن غير الواضع، فالأصل المشار إليه ليس في محلّه، فبما قرّرناه نجمع بين القياس اللغوي الجاري في تلك اللفظة، و نصّ أئمّة اللغة الوارد على خلافه.

و بذلك يضعّف ما عن الزمخشري في الكشّاف من أنّه قال: «طهورا أي بليغا في طهارته، و عن أحمد بن يحيى هو ما كان طاهرا في نفسه مطهّرا لغيره، فإن كان ما قاله شرحا لبلاغته في الطهارة، كان سديدا، و يعضده قوله: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (1)، و إلّا فليس «فعول» من التفعيل في شيء» (2)، و ما عن صاحب المغرب من قوله: «و ما حكي عن ثعلب أنّ «الطهور» ما كان طاهرا في نفسه مطهّرا لغيره» (3) إن كان مراده بيان النهاية في الطهارة فصواب حسن، و إلّا فليس فعول من التفعيل في شيء، و قياس هذا على ما هو مشتقّ من الأفعال المتعدّية ك«منوع» و «قطوع» ليس بسديد.

و ما عن الطراز: «أنّ فعولا ليس من التفعيل في شيء، و قياسه على ما هو مشتقّ عن الأفعال المتعدّية كمنوع و قطوع غير سديد» (4)، إلّا أن يكون المراد بذلك بيان كونه بليغا في الطهارة فهو حسن صواب، إذا كانت الطهارة بنفسها غير قابلة للزيادة، لترجع الزيادة إلى انضمام التطهير، لا أنّ اللازم قد جاء متعدّيا.

و وجه الضعف- فيما ذكره هؤلاء-: منع انحصار طريق الجمع بين القياس و ما ذكروه في معنى «الطهور»- من المعنى المتعدّي- في كون ذلك لبيان البلاغة في الطهارة، و منع ابتنائه على القياس على ما اشتقّ عن الأفعال المتعدّية أيضا، بل هاهنا شقّ آخر و هو الابتناء على ما ذكرناه من الوضع الثانوي، فإنّه هو الّذي لا محيص عن التزامه دون غيره من الاحتمالات السخيفة الغير المستقيمة.

كما يضعّف أيضا ما قيل: من أنّ من ذكر أنّه يراد بالطهور المطهّر، أخذه من «الطهور» بمعنى ما يتطهّر به، لا أنّ المراد بالطهور المطهّر وضعا، إذ لا ريب في استفادة المطهّريّة منه على تقدير كونه اسما للآلة.

____________

(1) الأنفال: 11.

(2) الكشّاف 3: 276 ذيل الآية 48 من سورة الفرقان.

(3) المغرب؛ مادّة «طهر» 2: 209.

(4) نقله عنه في مصابيح الأحكام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 9.

47

و وجه الضعف: أنّه ينافي كلماتهم المؤدّاة بطريق الحمل، الظاهر في كون ذلك من مقتضى الوضع كما قرّر في محلّه، كيف و هو ينافي تصريح كلام جملة منهم حيث ذكر «الطهور» بمعنى ما يتطهّر به مقابلا له بمعنى الطاهر المطهّر، كما عرفته عن القاموس (1) و عن الأزهري حيث قال: «الطهور في اللغة هو الطاهر المطهّر، و فعول في كلام العرب لمعان منها فعول لما يفعل به الخ» (2) فتأمّل.

و العجب عن شيخنا في الجواهر في تقويته هذا الكلام، بقوله: «و كيف كان فلا يخلو القول بإنكار كون «الطهور» بمعنى المطهّر وضعا من قوّة، نعم هو يستفاد من كونه اسما لما يتطهّر به» (3).

نعم، ربّما يشكل تتميم الاستدلال بحمل الآية على هذا المعنى، من جهة كون المقام بالنظر إلى ما قرّرناه من مسألة تعارض العرف و اللغة كما لا يخفى، و لا يضرّه احتمال كون الوضع الطاري أيضا من واضع اللغة، بعد ملاحظة أصالة التأخّر.

لا يقال: الحمل على المعنى اللغوي- و هو ما يتطهّر به- لا ينافي الحمل على المعنى العرفي؛ لكونهما متلازمين، فلا تعارض بينهما في الحقيقة.

لأنّ المعنى اللغوي غير منحصر في ذلك، بعد ملاحظة المعنى المبالغي و المعنى الوصفي، فلا يتعيّن الحمل على ما لا ينافي المعنى العرفي على تقدير عدم الحمل عليه، فما ذكرناه من الإشكال في محلّه، إلّا أن يستفاد عن أهل اللغة أنّهم إنّما ذكروا هذا المعنى باعتقاد ثبوته عن قديم الأيّام، و أقلّه ثبوته في زمن الشارع، و ليس ببعيد لو ادّعينا ذلك.

ثمّ هذا المعنى على تقدير ثبوته هل المطهّر أو الطاهر المطهّر؟ و هذا و إن لم يتعلّق به فائدة، لرجوع كلّ إلى الآخر، غير أنّ الظاهر كونه موضع خلاف، و أقلّه اختلاف كلمات أهل اللغة في ذلك، كما يظهر بالمراجعة إلى ما تقدّم، و لكن لا يبعد ترجيح الثاني بملاحظة الغلبة في المنقولات العرفيّة، فإنّ النقل على الأوّل من باب النقل عن اللازم إلى الملزوم، و على الثاني من باب النقل عن العامّ إلى الخاصّ، نظرا إلى أنّ

____________

(1) القاموس المحيط؛ مادّة «طهر» 2: 79.

(2) تهذيب اللغة 6: 172.

(3) جواهر الكلام 1: 182.

48

«الطهور» بمعنى «طاهر» قد يكون مطهّرا و قد يكون غير مطهّر، فيكون الطاهر المطهّر فردا من الطاهر المطلق، فتأمّل.

و منها: ما اعتمد عليه في الرياض بعد الاعتماد على نصوص أهل اللغة، فتمسّك في إثبات كون «طهور» لهذا المعنى ببعض الأخبار، قائلا: «و إنكار وروده في كلام أهل اللغة بهذا المعنى- كما وقع لجماعة من متأخّري الأصحاب- لا وجه له، بعد ملاحظة ما ذكرنا، و خصوص صحيحة داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم- إلى قوله- و جعل لكم الماء طهورا»، الحديث (1)، مضافا إلى قولهم (عليهم السلام)- في تعليل الأمر بالتيمّم-: جعل اللّه التراب طهورا، كما جعل الماء طهورا» (2) (3).

و لا يخفى ضعفه، فإنّ ورود لفظ في خطاب الشرع لا يصلح دليلا على المطلب المتعلّق باللغة، كيف و أنّ قضيّة عدم دلالة الاستعمال على الحقيقة عندهم واضحة، و لا سيّما في المتعدّد المعنى، بل فيما ثبت له معنى حقيقي على التعيين و شكّ في غيره، و إن أراد به الكشف عن المراد في الآية، فهو- مع أنّه لا يظهر عن سياق العبارة- ممنوع أيضا، لأنّ مجرّد استعمال لفظ في معنى لقرينة بل و كثرته أيضا لا يصلح قرينة على كونه مستعملا في هذا المعنى عند فقد القرينة، إلّا أن يرجع إلى ما استظهرناه و قرّرناه سابقا، فإنّه ليس بذلك البعيد، كما يشهد به الذوق السليم.

و منها: ما أفاده خالي العلّامة دام ظلّه (4)، بعد ما اعتمد على النصّ اللغوي، من أنّه يظهر أيضا كون «الطهور» في الآية بمعنى الطاهر المطهّر من تتبّع أغلب موارد استعمال هذا اللفظ في الكتاب و السنّة، فإنّ المراد منه في أغلب ما تكلّم الشارع به إنّما هو

____________

(1) الفقيه 1: 9/ 13، التهذيب 1: 356/ 1064، الوسائل 1: 133/ 4 ب 1 من أبواب الماء المطلق.

(2) الوسائل 3: 358 ب 23 من أبواب التيمّم ح 1، الفقيه 1: 60/ 223.

(3) رياض المسائل 1: 123.

(4) و هو العلّامة الفقيه السيّد رضي الدين القزويني، قال العلّامة الطهراني في ترجمته: «... و هو خال السيّد علي القزويني، صاحب حاشية القوانين ... أنّ اسم والد المترجم له السيّد علي أكبر و أنّه كان ابن عمّ السيّد إبراهيم بن محمّد باقر الموسوي صاحب (الضوابط) ...» (الكرام البررة 2: 576) هذا و لكنّا لم نعثر على ما نقل عنه المصنّف (رحمه الله).

49

الطاهر المطهّر، و إن كان مع قرينة تدلّ عليه، فيظنّ باعتبار تلك الغلبة أنّ المراد منه في الآية أيضا هو هذا المعنى، و إن كان بلا قرينة، ثمّ عقّبه بقوله: «فتأمّل».

و يشكل ذلك أيضا- بعد تسليم أصل الغلبة-: بأنّ المدار في الخروج عن الظواهر عند العرف إنّما هو على القرائن المعتبرة لديهم، و لم يظهر منهم أنّ مجرّد غلبة استعمال لفظ في معنى مع القرينة قرينة على إرادة هذا المعنى في موضع التجرّد عن القرينة، بل الظاهر خلافه كما هو المصرّح به في كلام أهل الاصول، فإنّ ظاهر اللفظ هو الحجّة المحكّمة نوعا ما لم يقم ظنّ معتبر بخلافه، و الظنّ الحاصل عن الغلبة المذكورة- على فرض تسليمه- ليس من الظنون المعتبرة، كيف و أنّ مجرّد الغلبة المتحقّقة في الكتاب و السنّة غير كافية في إفادة الظنّ، بل العبرة فيه بالغلبة المتحقّقة في قاطبة الاستعمالات الصادرة من الشارع في كافّة محاوراته، لا في خصوص الكتاب و السنّة، و أيّ طريق إلى إحراز تلك الغلبة.

ثمّ لو سلّمنا ثبوت هذه الغلبة، فإن أفادت الظنّ بحيث أوجب إجمال اللفظ في نظر العرف و سقوطه عن الظهور- كما في المجاز المشهور على فرض تحقّقه- فهو لا يوجب إلّا التوقّف، و إلّا فلا يترتّب عليه أثر أصلا في العدول عن الظاهر، و لا سقوطه عن الظهور، و على التقديرين لا وجه للعدول إلى خلاف الظاهر و حمل اللفظ عليه، كما هو المطلوب و لعلّ قوله مدّ ظلّه: «فتأمّل» يشير إلى بعض ما ذكر.

و منها: ما احتمله شيخنا في الجواهر (1)، من القول بأنّه يراد المطهّريّة من «الطهور» و لو مجازا، بقرينة قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (2)، و هو كما ترى أضعف الوجوه، فإنّ الكلام المنفصل عن اللفظ لا يعدّ عندهم صارفة عن الظاهر، إلّا إذا كان بظاهره معارضا لظاهر ذلك اللفظ، و أيّ منافاة بين الآيتين إذا اريد بإحداهما إفادة حكم الطهارة المحضة، و بالاخرى حكم المطهّريّة.

فالّذي يترجّح في النظر القاصر- بملاحظة جميع ما قرّرناه من النقوض و الإبرامات- أنّ إثبات مطهّريّة الماء بآية «الطهور» ممّا لا سبيل إليه، إلّا على ما قرّرناه

____________

(1) جواهر الكلام 1: 178.

(2) تهذيب اللغة 6: 172.

50

من جعل الخبرين المتقدّمين قرينة كاشفة، بتقريب ما ذكر- إن تمّ- و أمّا ما عداه من الامور المذكورة فليس شيء منها صالحا له.

نعم نصّ أهل اللغة في نفسه دليل محكم، غير أنّ حاله في خصوص المقام كما عرفت، إلّا على ما أشرنا إليه أيضا من استظهار كونهم فيما نصّوا به معتقدين بثبوته عن قديم الأيّام.

و قد شاع الاستدلال على أصل المطلب بعد الفراغ عن الاستدلال بالكتاب الاستدلال بجملة من الأخبار، فعلى كون الماء طاهرا، بما رواه المشايخ الثلاث بأسانيدهم عن الصادق (عليه السلام) قال: «الماء كلّه طاهر ما لم تعلم أنّه قذر» (1)، و على كونه مطهّرا، بما تقدّم من رواية داود بن فرقد عن الصادق (عليه السلام) قال: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة من بول» إلى آخر ما تقدّم ذكره (2)، و هذا كما ترى في محلّه.

و ربّما يكثر الاستدلال بما في الكافي عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): الماء يطهّر و لا يطهّر» (3).

و قد يعلّل الفقرة الثانية: بأنّه إنّما لا يطهّر لأنّه إن غلب على النجاسة حتّى استهلكت فيه طهّرها و لم ينجّس حتّى يحتاج إلى التطهير، و إن غلبت عليه النجاسة حتّى استهلك فيها صار في حكم تلك النجاسة، و لم يقبل التطهير إلّا بالاستهلاك في الماء الطاهر، و حينئذ لم يبق منه شيء، كذا عن الوافي (4).

و فيه: ما فيه كما يظهر بأدنى تأمّل.

و أورد عليه: بأنّ قليل الماء إذا تنجّس كان تطهيره بالكثير من الجاري و الراكد، فلم يصدق أنّه لا يطهّر.

فدفع: بأنّ المراد يطهّر غيره و لا يطهّره غيره.

و قد يوجّه أيضا: بأنّه يطهّر كلّ شيء حتّى نفسه، و لا يطهّر من شيء إلّا من نفسه، فيعلّل: بأنّ التعميم في الأوّل أولى، ثمّ يقال: و قد يخطر بالبال أنّه يمكن أن يستدلّ بهذا

____________

(1) الوسائل 1: 134، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5- التهذيب 1: 216/ 621- الكافي 3: 1/ 3.

(2) الفقيه: 1: 10، ح 13، التهذيب 1: 356/ 1064، الوسائل 1: 100، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 4.

(3) الوسائل 1: 135- 134، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 7، 6، الكافي 3: 1/ 1- التهذيب 1:

215/ 618- المحاسن: 570/ 4.

(4) الوافي 6: 18.

51

الخبر على عدم نجاسة البئر بالملاقاة، لأنّه لو نجس لكان طهره بالنزح، و القول بأنّ الطهر بالماء النابع بعد النزح بعيد كما لا يخفى.

و فيه: أيضا ما لا يخفى.

و قد أورد على التوجيه المذكور أيضا: بأنّه على إطلاقه غير مستقيم، لانتقاضه بالبئر، فإنّ تطهيرها بالنزح، و الماء النجس يطهّر باستحالته ملحا، و الماء القليل إذا كان نجسا و تمّم كرّا بمضاف لم يسلبه الإطلاق، فإنّه في جميع هذه الصور قد طهّر الماء غيره.

و اجيب عن الأوّل: تارة: بأنّا لا نسلّم أنّ مطهّر البئر حقيقة هو النزح، بل هو في الحقيقة الماء النابع منها شيئا فشيئا، بعد إخراج الماء المنزوح.

أقول: الّذي يختلج بالبال أنّه لا حاجة في دفع ما ذكر من الإشكال إلى هذا التكلّف، بل يسهل دفعه بأن يقال: إنّ إسناد التطهير إلى الماء عند التحقيق مجاز، لأنّه فعل يباشره المكلّف، و الماء آلة شرعيّة، فحاصل معناه الحقيقي الّذي يباشره المكلّف و يخاطب به استعمال الماء على الكيفيّة المقرّرة في الشريعة، و لا ريب أنّ استعمال الماء أعمّ من صبّه على النهج المعهود الّذي يسمّى بالغسل، أو تقليله الّذي يعبّر عنه بالنزح، فيصدق عليه أنّه تطهير، و من هنا يمكن توجيه الرواية بقراءة الاولى مشدّدا بصيغة المجهول، و الثانية كذلك بصيغة المعلوم- على عكس ما فهمه الجماعة- و يكون المعنى: أنّ الماء يقع عليه التطهير، و لا يصدر عنه التطهير، لأنّ التطهير فعل يصدر من المكلّف بواسطته، لا أنّه يصدر منه.

و اخرى: بمنع نجاسة البئر بالملاقاة حينئذ، فأصل الاعتراض ساقط، كذا حقّقه في الحدائق (1).

و عن الثاني: بأنّ الماء قد عدم بالكلّيّة، فلم يبق هناك ماء مطهّر بغيره، و مثله أيضا الماء النجس إذا شربه حيوان مأكول اللحم و استحال بولا، فإنّه يخرج عن الحقيقة الاولى إلى حقيقة اخرى.

و عن الثالث: بأنّه- بعد تسليم ذلك- لا يسمّى في العرف تطهيرا لاضمحلال

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 178.

52

النجس حينئذ، فيصدق حينئذ أنّ الماء لا يطهّر.

و هذا أيضا ضعيف لأنّ المراد بالاضمحلال إن كان الانعدام الصرف أو استهلاك الماء في جنب المضاف- فمع أنّه ينافي الحسّ، و يمتنع الانعدام الصرف- أنّه خلاف ما فرضه المورد؛ لأنّه قيّد مورد النقض بماء لم يكن المضاف المتمّم له كرّا موجبا لسلب الإطلاق عنه، و معه لا معنى لفرض الانعدام أو الاستهلاك، لصيرورة الجميع حينئذ مضافا صرفا، و إن كان المراد ما عدا ذلك فهو- مع وجوده- إمّا طاهر في ضمن الجميع أو غير طاهر، و الأوّل محقّق للاعتراض، و الثاني خلاف فرض المعترض من كون التتميم بالمضاف مطهّرا.

و قد يناقش في أصل التمسّك بالرواية من حيث إنّها بنفسها معارضة لنفسها، لمنافاة صدرها لذيلها، بملاحظة العموم المستفاد من حذف المتعلّق فيها، فمفادها صدرا و ذيلا: «أنّ الماء يطهّر كلّ شيء حتّى نفسه، و لا يطهّر بشيء حتّى بنفسه»، و هما عمومان من وجه تعارضا، فلا بدّ من التصرّف في أحدهما، بأن يقال: الماء يطهّر كلّ شيء إلّا نفسه، أو أنّه لا يطهّر بشيء إلّا بنفسه، و لا ريب أنّ ارتكاب التخصيص في أحد العامّين ليس بأولى من ارتكابه في الآخر، فيصير سبيل الرواية سبيل ما يطرئه الإجمال، و معه يسقط بها الاستدلال.

و فيه:- بعد تسليم أنّ حذف المتعلّق ممّا يفيد العموم- أنّه إنّما يفيده في موضع يليق به و ليس المقام منه، فإنّ الرواية بقرينة ما فيها من الجمع بين السلب و الإيجاب واردة مورد الإهمال، و مراد منها أداء المطلب على طريق الإجمال، فقرينة المقام قائمة بعدم اعتبار العموم في كلّ من الجانبين، و شاهدة باعتبار جزئيّة فيها إمّا في الإيجاب أو في السلب، فلا تعارض فيها بين صدرها و ذيلها، حيث لا ظهور لها بالنسبة إلى أحد العمومين.

غاية الأمر أنّ ما اعتبر فيه الجزئيّة غير متعيّن، و هو غير قادح فيما هو الغرض الأصلي هنا من الاستدلال بها، و هو إثبات مطهّريّة الماء في الجملة، لكن بالنسبة إلى ما يقبل التطهير لا بالنسبة إلى أفراد الماء، حتّى ينافي ما تقدّم من عنوان المسألة، حيث اعتبرناه على طريق الإيجاب الكلّي بالنسبة إلى المياه؛ ضرورة أنّ هذا الغرض يتأتّى بكلّ من الاحتمالين إن أحرزنا العموم فيها بالنسبة إلى الماء، و لو بقي عندك مناقشة في