موسوعة الإمام الخوئي - ج4

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
491 /
1

[تتمة كتاب الطهارة]

[فصل في المطهِّرات]

فصل في المطهِّرات

[و هي أُمور]

و هي أُمور:

[أحدها: الماء]

أحدها: الماء و هو عمدتها، لأنّ سائر المطهِّرات مخصوصة بأشياء خاصّة بخلافه فإنّه مطهِّر لكل متنجِّس حتى الماء المضاف (1)

____________

فصل في المطهِّرات

(1) المتنجِّس إمّا من الأجسام الجامدة و إمّا من المائعات، و المائع إمّا هو الماء و إمّا غيره، و هو المضاف و ما يلحقه من اللبن و الدهن و نحوهما.

أمّا الجوامد من الأجسام فمطهّرها على نحو الإطلاق إنما هو الغسل بالماء، و ذلك للاستقراء و ملاحظة الموارد المتعدِّدة من الثوب و البدن و الحصر و الفرش و الأواني و غيرها مما حكم فيها الشارع على اختلافها بتطهيرها بالغسل، حيث سئل عن إصابتها بالدم أو المني أو البول أو غيرها من النجاسات و أمروا (عليهم السلام) بغسلها بالماء. و من هذا يستفاد أن الغسل بالماء مطهِّر على الإطلاق فإن الأمر في تلك الموارد بالغسل على ما قدمناه في محلِّه إرشاد إلى أمرين: أحدهما: كون ملاقاة الأعيان النجسة منجِّسة لملاقياتها. و ثانيهما: طهارة الملاقي المتنجِّس بغسله بالماء، و حيث إن المستفاد من تلك الأوامر حسب المتفاهم العرفي عدم اختصاص الطهارة المسببة من الغسل بمورد دون مورد لوضوح عدم مدخلية شيء من خصوصيات الموارد في ذلك فلا مناص من التعدِّي و الحكم بأن الغسل بالماء مطهّر للأجسام المتنجِّسة على الإطلاق. و من ثمة لا نضايق من الحكم بكفاية الغسل بالماء في تطهير الأجسام المتنجِّسة التي لم تكن متكونة في زمان صدور الأمر بالغسل في الموارد المتقدِّمة و ذلك

2

..........

____________

كما في البرتقال و الطماطة، و ليس هذا إلّا من جهة أن الغسل بالماء مطهّر مطلقاً. نعم قد اعتبر الشارع في حصول الطهارة بذلك بعض القيود يأتي عليها الكلام في تفاصيل المطهّرات إن شاء اللّٰه، هذا.

مضافاً إلى موثقة عمار الواردة في من يجد في إنائه فأرة ميتة و قد توضأ من ذلك الماء مراراً أو اغتسل منه أو غسل ثيابه، قال (عليه السلام): إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء ... (1) لدلالتها على أن المتنجِّس بالماء المتنجِّس مطلقاً يطهر بالغسل.

و كيف كان فبالموثقة و الاستقراء نحكم بأن الجوامد يطهّرها الغسل بالماء هذا و لكن بعض الجوامد غير قابل للتطهير بالاستهلاك و لا بالغسل، لعدم استهلاكه في الأجزاء المائية و لا يتداخل الماء في أجزائه ليطهر بالغسل كما في الدهن الجامد إذا تنجس حال ميعانه، فان مثله لا يستهلك في الماء لانفصاله عن الأجزاء المائية بالطبع و لا يرسب الماء في جوفه، و يأتي ذلك في المسألة التاسعة عشرة إن شاء اللّٰه.

نعم، لم يستبعد الماتن (قدس سره) الحكم بطهارة الدهن حينئذ فيما إذا جعل في ماء عاصم و غلى الماء مقداراً من الزمان فان الماء يصل بذلك إلى جميع أجزائه، إلّا أن الصحيح عدم كفاية ذلك في تطهيره على ما يأتي في محلِّه (2) لأنّ الغليان إنما يوجب تصاعد الأجزاء و تنازلها و هذا لا يقتضي سوى وصول العاصم إلى السطح الظاهر من الأجزاء و لا يوجب تداخل العاصم و وصوله إلى جوفها. و نظيره الفلزات كالذهب و الفضة و غيرهما إذا تنجست حال ذوبانها، حيث لا يمكن الحكم بتطهيرها بشيء لعدم استهلاكها في الماء و عدم رسوبه في جوفها حتى إذا فرضنا فرضاً غير واقع أن الفلز كالدهن يذوب بالغليان في الماء، لما مرّ من أن الغليان الذي هو تصاعد الأجزاء و تنازلها لا يوجب سوى وصول الماء إلى السطح الظاهر من أجزائه و لا يقتضي تداخله و وصوله إلى جوفه، هذا كلّه في الأجسام الجامدة.

____________

(1) المروية في الوسائل 1: 142/ أبواب الماء المطلق ب 4 ح 1.

(2) في ص 73.

3

..........

____________

و أمّا المياه المتنجِّسة فقد قدّمنا في محلِّه (1) أن مطهّرها هو اتصالها بالماء العاصم أو بممازجتها معه بناء على اعتبار الامتزاج في تطهيرها.

و أمّا المضاف النجس فقد أسلفنا في بحث المياه (2) عدم قابليته للطّهارة إلّا بالاستهلاك و انعدام موضوعه، و لا نعرف مخالفاً في المسألة سوى ما حكي عن العلّامة (قدس سره) من الحكم بطهارة المضاف باتصاله بالكثير (3)، إلّا أنه من الفلتات و لم يقم دليل على أن الاتصال بالكر مما يطهّر المضاف، و إنما يطهره الاستهلاك كما ذكره في المتن، و لكن في إسناد التطهير إلى الاستهلاك ضرباً من المسامحة إذ لا موضوع مع الاستهلاك حتى يحكم بطهارته لأجله. نعم، إسناد الطهارة بالاستهلاك إلى الماء إسناد حقيقي لا تسامح فيه، و ذلك لأن الاستهلاك بما هو هو غير موجب للطهارة بوجه و من هنا لو استهلك المضاف المتنجِّس في ماء قليل حكمنا بنجاسة القليل لملاقاته المضاف المتنجِّس و إن استهلك فيه المضاف، فلا بدّ في الحكم بالطهارة من أن يكون الماء كرّاً و غير منفعل بالملاقاة فمثله مطهّر للمضاف مشروطاً باستهلاكه فيه.

بل يمكن أن يقال: لا تسامح في إسناد التطهير إلى الاستهلاك أيضاً، و ذلك لأن المضاف إذا استهلك في الماء العاصم ثم فصلناه عن الماء بالتبخير فهو محكوم بالطهارة لا محالة، لأن أجزاءه المستهلكة في الماء المتحققة فيه عقلًا قبل الانفصال قد حكم بطهارتها على الفرض، و معه تكون طاهرة و لو بعد الانفصال فلا تستند طهارة الأجزاء المستهلكة إلّا إلى الاستهلاك السابق مع بقاء المضاف و وجود الموضوع، لفرض انفصاله عن الماء فلا تسامح في إسناد التطهير إلى الاستهلاك كما لا مسامحة في إسناده إلى الماء. و كيف كان الاستهلاك مطهّر للمضاف، بل ذكرنا في بحث الماء المضاف أن المضاف المتنجِّس إذا أثّر في الماء العاصم باستهلاكه كما إذا قلبه مضافاً بعد مضي زمان لم يحكم بنجاسة شيء منهما، و ذلك لأن المضاف قد حكم بطهارته بالاستهلاك فاذا قلب المطلق إلى الإضافة لم يكن موجب للحكم بنجاسته، فان

____________

(1) شرح العروة 2: 48.

(2) شرح العروة 2: 46.

(3) التذكرة 1: 33، المختلف 1: 74 المسألة 40.

4

بالاستهلاك (1) بل يطهّر بعض الأعيان النجسة كميت الإنسان فإنّه يطهر بتمام غسله (2).

[و يشترط في التطهير به أُمور]

و يشترط في التطهير به أُمور، بعضها شرط في كل من القليل و الكثير، و بعضها مختص بالتطهير بالقليل.

[أما الأوّل أي الشروط التي يشترط في التطهير بالماء القليل و الكثير]

أما الأوّل

[فمنها: زوال العين و الأثر]

فمنها: زوال العين و الأثر (3) بمعنى الأجزاء الصغار منها لا بمعنى اللّون و الطّعم و نحوهما (4)

____________

ما لاقاه من أجزاء المضاف محكوم بالطهارة، و انقلاب الماء الطاهر مضافاً ليس من أحد المنجّسات.

(1) قد عرفت أنه لا تسامح في إسناد الطهارة بالاستهلاك إلى الماء و كذا في إسنادها إلى الاستهلاك.

(2) يأتي الكلام على ذلك في محله إن شاء اللّٰه تعالى.

(3) لا يخفى ما في عدّ ذلك من شرائط التطهير بالماء من المسامحة، لأن زوال العين و الأجزاء الصغار التي تعد مصداقاً للنجاسة لدى العرف مقوّم لمفهوم الغسل المعتبر في التطهير، و لا يتحقق غسل بدونه لأنه بمعنى إزالة العين و مع عدمها لا غسل حقيقة.

(4) و عن العلّامة (قدس سره) في المنتهي وجوب إزالة الأثر بمعنى اللون دون الرائحة (1)، و في محكي النهاية: وجوب إزالة الرائحة دون اللّون إذا كان عسر الزوال- (2) و عن القواعد ما ربما يفهم منه وجوب إزالة كل من اللون و الرائحة إذا لم يكن عسر في إزالتهما. (3) و التحقيق وفاقاً للماتن (قدس سره) عدم اعتبار شيء من ذلك في حصول الطهارة بالغسل و ذلك أما أوّلًا: فلإطلاق الروايات الآمرة بالغسل، حيث لم تدل إلّا على اعتبار الغسل في تطهير المتنجِّسات، و قد أشرنا آنفاً إلى أن الغسل بمعنى إزالة العين و أمّا إزالة الرائحة أو اللّون فهي أمر خارج عن مفهومه و اعتبارها فيه يتوقّف على

____________

(1) المنتهي 3: 243.

(2) النهاية 1: 279.

(3) القواعد 1: 195.

5

..........

____________

دلالة دليل و هو مفقود. و أما ثانياً: فلأن النجاسات بأكثرها تشتمل على رائحة أو لون لا تزولان بزوال عينها كما في دم الحيض و الميتة و بعض أقسام المني، فترى أنها بعد ما غسلت و أزيلت عينها تبقى رائحتها أو لونها، و لم ترد مع ذلك إشارة في شيء من الأخبار الواردة في التطهير عن الأعيان المذكورة و غيرها إلى اعتبار زوال الرائحة أو اللّون و إنما دلت على لزوم غسلها فحسب. و يؤيده ما في جملة من الروايات (1) من الأمر بصبغ الثوب الذي أصابه الحيض بالمشق حتى يختلط فيما إذا غسل و لم يذهب أثره.

نعم، لا يمكن الاستدلال على المدعى بما ورد في الاستنجاء من أن الريح لا ينظر إليها (2) و ذلك لأنّ الموضع المخصوص له خصوصية من بين سائر المتنجسات بحيث لا يمكن قياس غيره به، و من هنا يكفي في تطهيره التمسح بالأحجار، مع أن الأجزاء المتخلِّفة من النجس في المحل قد لا يقلعها التمسح بالأحجار، لوضوح أنه ليس من الأجسام الصقيلة حتى تزول عنه العين بالتمسح بها، فمقايسة غيره من المتنجِّسات به في غير محلِّه.

و أمّا ما يقال من أن بقاء الأثر كاللون و الريح و غيرهما يكشف عن بقاء العين لا محالة، لأن انتقال العرض من معروضه أمر غير معقول، فيندفع أوّلًا: بأن الأحكام الشرعية لا تبتني على التدقيقات الفلسفية و إنما تدور مدار صدق العناوين المأخوذة في موضوعاتها عرفاً، و بما أن الأثر المتخلف من العين من قبيل الأعراض لدى العرف و النجاسة مترتبة على عنوان الدم و العذرة و نحوهما و لا يصدق شيء من هذه العناوين على الأوصاف و الأعراض فلا يمكن الحكم بنجاسة الآثار المتخلفة في المحل.

و ثانياً: بأن كبرى استحالة انتقال العرض و إن كانت مسلمة، إلّا أنها غير منطبقة على المقام، لأن عروض الرائحة أو اللون أو غيرهما من آثار النجس على الثوب مثلًا كما يحتمل أن يكون مستنداً إلى انتقال أجزاء ذلك النجس إلى الثوب لاستحالة انتقال

____________

(1) الوسائل 3: 439/ أبواب النجاسات ب 25، 2: 369/ أبواب الحيض ب 52.

(2) كما في حسنة ابن المغيرة المرويّة في الوسائل 3: 439/ أبواب النجاسات ب 25 ح 2، 1: 322/ أبواب أحكام الخلوة ب 13 ح 1.

6

[و منها: عدم تغيّر الماء]

و منها: عدم تغيّر الماء (1) في أثناء الاستعمال (1).

____________

العرض من دون معروضه، كذلك يحتمل أن يكون مستنداً إلى المجاورة، لأنها ربما تسبب استعداد الشيء للتأثر بآثار مجاورة، و هذا لا بمعنى انتقال أعراض ذلك النجس إليه حتى يدفع باستحالته، بل بمعنى تأهل الشيء لأن يعرض عليه مثل ذلك العرض من الابتداء كما عرض على النجس، و هذا كما إذا جعلنا مقداراً قليلًا من الميتة في حب من الماء فان الماء يكتسب بذلك رائحة الجيفة إذا مضى عليه زمان، و لا يحتمل أن يكون ذلك مستنداً إلى انتقال أجزاء الجيفة إلى الماء، حيث إن الجيفة لقلتها لا يمكن أن تنتشر في تلك الكمية من الماء، فليس ذلك إلّا من جهة تأهل الماء بالمجاورة لعروض الرائحة عليه من الابتداء، و يمكن مشاهدة ما ادعيناه بالعيان فيما إذا ألقينا كمية قليلة من اللبن على أكثر منها من الحليب، لأنها يقلبه لبناً لا محالة من دون أن يكون ذلك مستنداً إلى انتشار الأجزاء اللبنية في الحليب، فلا وجه له سوى التأهل بالمجاورة.

(1) و تفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في صور ثلاث:

الاولى: ما إذا تغيّر الماء بأوصاف عين النجس في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل.

الثانية: الصورة مع حصول التغيّر في غير الغسلة المتعقبة بالطهارة.

الثالثة: ما إذا تغيّر الماء بأوصاف المتنجِّس بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة و غيرها.

أمّا الصورة الاولى: فلا مناص فيها من اشتراط عدم تغيّر الماء في التطهير به وفاقاً للماتن (قدس سره)، و ذلك لإطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر بأوصاف النجس و لا موجب لرفع اليد عن إطلاقه، و مع الحكم بتقذره لا يمكن الحكم بطهارة المتنجِّس المغسول به.

و توضيح ذلك: أن الغسالة غير المتغيرة بالنجس و إن التزمنا فيها بتخصيص أدلة

____________

(1) لا يشترط عدم تغيره بأوصاف المتنجِّس بالاستعمال، بل و لا بأوصاف النجس أيضاً في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل.

7

..........

____________

انفعال الماء القليل بالملاقاة على جميع الأقوال المذكورة في الغسالة، حيث إنّا سواء قلنا بطهارتها مطلقاً أم قلنا بنجاستها بالانفصال عن المحل أو قلنا بنجاستها مطلقاً، غير أن خروج المقدار المتعارف منها مطهّر للأجزاء المتخلفة في المحل نظير الدم المتخلف في الذبيحة، حيث إن خروج المقدار المتعارف منه بالذبح موجب لطهارة الأجزاء المتخلفة منه في الذبيحة، لا بدّ من أن نلتزم بتخصيص أدلة انفعال الماء القليل بالملاقاة إما مطلقاً أو ما دام في المحل أو بعد خروج المقدار المتعارف من الغسالة، لوضوح أنه لولا ذلك لم يمكن الحكم بطهارة شيء من المتنجسات بالغسل و به ينسد باب التطهير بالمياه و هو على خلاف الضرورة و الإجماع القطعي بين المسلمين. و أما الأدلّة القائمة على نجاسة الماء المتغيّر بأوصاف النجس فلا نرى ملزماً لتخصيصها بوجه و ليست هناك ضرورة تدعو إليه و لا تترتب على القول بنجاسة الماء المتغيّر مطلقاً أيّ مفسدة و معه لا بدّ من الالتزام بعدم حصول الطهارة إلّا بالماء غير المتغيّر بالنجس. نعم يستلزم ذلك القول بتخصيص أدلة انفعال الماء القليل و هو مما نلتزمه كما عرفت، هذا.

و قد يُقال: لا مانع من التزام حصول الطهارة بالماء المتغيّر بالاستعمال دون المتغيّر قبل الغسل به و استعماله، تمسكاً بإطلاقات الأدلّة الآمرة بالغسل كما في صحيحة محمّد ابن مسلم «اغسله في المِركَن مرّتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة» (1) و غيرها، لأنّ إطلاقها يشمل ما إذا تغيّر الماء بغسله و استعماله، و بهذا نلتزم بتخصيص ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر و حصول الطهارة بالماء المتغيّر بالاستعمال، أو أنّا نتحفّظ بإطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر و ما دلّ على كفاية الغسل في تطهير المتنجسات، فنلتزم بزوال النجاسة السابقة الموجودة في المتنجِّس حسب إطلاق ما دلّ على حصول الطهارة بالغسل كما نلتزم بتنجسه ثانياً من جهة ملاقاته الماء المتغيِّر لإطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيِّر بالنجس و هاتان دعويان لا يمكن المساعدة على شيء منهما.

أمّا بالإضافة إلى الدعوى المتقدِّمة فلأن النسبة بين إطلاقات ما دلّ على حصول

____________

(1) الوسائل 3: 397/ أبواب النجاسات ب 2 ح 1.

8

..........

____________

الطهارة بالغسل و بين إطلاق ما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر عموم من وجه، لأن الأُولى مطلقة من حيث حصول التغيّر بالغسل و عدمه و الثاني أعم من حيث استناد التغيّر إلى نفس استعمال الماء أو إلى أمر سابق عليه، و مع التعارض في مورد الاجتماع و هو الماء المتغيّر بالاستعمال يتساقطان فلا بد من الرجوع إلى أحد أمرين: إما العموم الفوق كما دلّ على عدم جواز الصلاة في الثوب المتنجِّس، فإنّه إرشاد إلى نجاسته و مقتضى تلك الإطلاقات أن النجاسة تبقى في أيّ متنجس إلى الأبد إلّا أن يطرأ عليه مزيل شرعي كالغسل بالماء غير المتغيّر و هذا هو المستفاد من قوله (عليه السلام) في موثقة عمار «فاذا علمت فقد قذر» (1) و لا يكفي الغسل بالماء المتغيّر لأجل الشك في مطهريته و مقتضى الإطلاق بقاء النجاسة ما لم يقطع بارتفاعها، و أما استصحاب النجاسة مع الغض عن الإطلاق فهو يبتني على القول بجريان الاستصحاب في الأحكام، و حيث إنّا لا نقول به و قد عرفت تمامية الإطلاقات الفوق فلا مناص من اشتراط عدم انفعال الماء و لو بالاستعمال.

و أما بالإضافة إلى الدعوى الثانية أعني التحفظ على كلا الإطلاقين: فلأن ظاهر ما دلّ على طهارة المتنجِّس بالغسل أن ذلك سبب لحصول الطهارة بالفعل، و الطهارة الفعلية لا تجتمع مع الحكم بنجاسة الماء بغسله من جهة ملاقاته مع الماء المتغيّر و هو نجس، هذا كله في الصورة الأُولى.

و أمّا الصورة الثانية: و هي ما إذا تغيّر الماء بأوصاف النجس في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل، فلا نلتزم فيها بالاشتراط فتغيّر الماء حين استعماله كعدمه، اللّهمّ إلّا أن يكون هناك إجماع تعبدي على اعتبار عدم تغيّر الماء حتى في الغسلة الاولى أعني ما لا يتعقبه طهارة المحل، أو ادعي انصراف أدلة المطهرية عن الغسل بالماء المتغيّر، إلّا أن قيام الإجماع التعبدي في المسألة مما لا نظنّه و لا نحتمله، و دعوى الانصراف لو تمّت فإنّما تتم في الغسلة المتعقبة بالطهارة بأن يقال: إنّ ظاهر الغسل المأمور به هو الذي تتعقبه طهارة المحل بالفعل فلا يشمل الغسل غير المتعقب بالطهارة كذلك. و أمّا الغسلة غير المتعقبة بالطهارة كما في محل الكلام فلا معنى لدعوى انصراف

____________

(1) الوسائل 3: 467/ أبواب النجاسات ب 37 ح 4.

9

[و منها: طهارة الماء]

و منها: طهارة الماء (1).

____________

المطهرية عنها كما لعلّه ظاهر. على أن التغيّر في الغسلة الأُولى أمر غالبي كما في الغسلة الأُولى فيما أصابه بول كثير أو دم كذلك فيما إذا قلنا بلزوم التعدّد في مثله فدعوى الانصراف ساقطة و إطلاقات أدلة الغسل هي المحكمة، و مقتضاها عدم الفرق في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل بين تغيّر الماء باستعماله و عدمه.

و أمّا الصورة الثالثة أعني ما إذا استند التغيّر إلى المتنجِّس لا إلى عين النجس: فاشتراط عدم التغيّر بذلك يبتني على ما أسلفناه في محلِّه (1) من أن المتغيّر بالمتنجِّس كالمتغيّر بأوصاف النجس في الحكم بنجاسته أو أن التغيّر بالمتنجس مما لا أثر له؟ و قد عرفت في محلّه أن المتعيّن عدم نجاسته لأنه المستفاد من الأخبار و لو بملاحظة القرائن المحتفّة بها كقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع «حتى يذهب الريح و يطيب طعمه» (2) على التفصيل المتقدِّم هناك، و عليه لا أثر لتغيّر الماء بأوصاف المتنجِّس ما دام لم ينقلب مضافاً بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة و غيرها، و كلام الماتن و إن كان مطلقاً في المقام إلّا أنه صرح في محله بعدم نجاسة المتغيِّر بأوصاف المتنجِّس فليلاحظ.

(1) لأنّ الطهارة الحاصلة للأشياء المتنجسة بغسلها حسبما هو المرتكز لدى العرف، مترتبة على الماء الطهور و هو ما كان طاهراً في نفسه و مطهراً لغيره. و يمكن الاستدلال عليه بجملة من الروايات الواردة في موارد خاصة كالأمر بصب ماء الإناء إذا ولغ الكلب فيه (3) و الأمر بإهراق الماءين المشتبهين إذا وقع في أحدهما قذر و هو لا يدري أيّهما (4) إلى غير ذلك من الأخبار، حيث إن الماء المتنجِّس لو جاز غسل

____________

(1) شرح العروة 2: 62.

(2) الوسائل 1: 172/ أبواب الماء المطلق ب 14 ح 6.

(3) كما في صحيحة البقباق و غيرها المروية في الوسائل 1: 226/ أبواب الأسآر ب 1 ح 4، 3: 415/ أبواب النجاسات ب 12 ح 2.

(4) كما في موثقة سماعة المروية في الوسائل 1: 151/ أبواب الماء المطلق ب 8 ح 2، 169/ أبواب الماء المطلق ب 12 ح 1.

10

و لو في ظاهر الشرع (1). و منها: إطلاقه بمعنى عدم خروجه عن الإطلاق في أثناء الاستعمال (2).

____________

المتنجِّس به أو كان تترتب عليه فائدة أُخرى مما يجوز استيفاؤه لم يكن للأمر بصبه و إهراقه وجه صحيح، فالأمر بإهراقه أو بصبه كناية عن عدم قابليته للاستعمال.

و يؤيده الأخبار المانعة عن التوضؤ من الماء الذي تدخل فيه الدجاجة أو الحمامة و أشباههما و قد وطئت العذرة (1) أو الذي قطرت فيه قطرة من دم الرّعاف (2) و الناهية عن الشرب و التوضؤ مما وقع فيه دم (3) أو ممّا شرب منه الطير الذي ترى في منقاره دماً أو الدجاجة التي في منقارها قذر (4) لأن الشرب و التوضؤ مثالان لمطلق الانتفاعات المشروعة و المتعارفة فتشمل مثل الغَسل و الغُسل. و حيث إنّا نقطع بعدم الفرق بين تلك النجاسات الواردة في الأخبار و بين غيرها من أفرادها، كما لا فرق بين مثل الشرب و التوضؤ و غيرهما من الانتفاعات و التصرفات المشروعة و المتعارفة، فلا مناص من اشتراط الطهارة في الماء.

(1) كما إذا أثبتنا طهارته بالاستصحاب أو بقاعدة الطهارة في قبال إحراز أن الماء طاهر واقعاً، فلا فرق بين الطهارتين في المقام سوى أن الاولى طهارة ظاهرية و الثانية واقعية.

(2) لعدم مطهرية المضاف و غيره من أقسام المائعات، فلا مناص من اشتراط بقاء

____________

(1) كما في صحيحة علي بن جعفر المروية في الوسائل 1: 155/ أبواب الماء المطلق ب 8 ح 13، 159/ أبواب الماء المطلق ب 9 ح 4.

(2) كما في الصحيحة الأُخرى لعلي بن جعفر (عليه السلام) الوسائل 1: 150/ أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1، 169/ أبواب الماء المطلق ب 13 ح 1.

(3) راجع حديث سعيد الأعرج المروي في الوسائل 1: 153/ أبواب الماء المطلق ب 8 ح 8، 169/ أبواب الماء المطلق ب 13 ح 2.

(4) راجع موثقة عمار المروية في الوسائل 1: 231/ أبوا الأسآر ب 4 ح 3.

11

[و أمّا الثاني: أي الشروط التي يشترط في التطهير بالماء القليل]

و أمّا الثاني:

فالتعدّد في بعض المتنجسات كالمتنجِّس بالبول (1) و كالظروف (1) و التعفير (2) كما في المتنجِّس بولوغ الكلب (2). و العصر (3) في مثل الثياب و الفرش و نحوها ممّا يقبله (3).

____________

الإطلاق في الماء مطلقاً، بلا فرق في ذلك بين الغسلة الأُولى و الثانية، بحيث لو انقلب مضافاً قبل إكمال الغسلات أو قبل تمام الغسلة الواحدة فيما لا يشترط فيه التعدّد حكم بعدم طهارة المغسول به.

(1) يأتي الكلام في تفصيل هذه المسألة عن قريب (4) و نصرح هناك بأن تعدد الغسل في المتنجِّس بالبول لا يختص بالماء القليل، بل يشترط ذلك حتى في الكثير، و إنما يكفي المرّة الواحدة في المتنجِّس بالبول في خصوص الغسل بالجاري و ما يلحق به من ماء المطر بناء على تمامية ما ورد من أن كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر (5) فتخصيص الماتن اشتراط التعدّد بالقليل يبتني على إلحاق الكثير بالجاري، و فيه منع كما سيظهر.

(2) خص لزوم التعفير في المتنجِّس بالولوغ بما إذا غسل بالماء القليل، و هذا من أحد موارد المناقضة في كلام الماتن (قدس سره) فإنّه سوف يصرح في المسألة الثالثة عشرة بأن اعتبار التعفير في الغسل بالكثير لا يخلو عن قوّة، و يأتي هناك ما هو الصحيح في المسألة.

(3) لا ينبغي الإشكال في أن الغسل و الصب لدى العرف مفهومان متغايران

____________

(1) الظاهر اعتبار التعدّد في الثوب المتنجِّس بالبول حتى فيما إذا غسل بالماء الكثير. نعم، لا يعتبر ذلك في الجاري.

(2) سيجيء منه (قدس سره) اعتبار التعفير عند الغسل بالماء الكثير أيضاً، و هو الصحيح.

(3) إذا توقّف صدق الغسل على العصر أو ما بحكمه كالدلك فلا بدّ من اعتباره و لو كان الغسل بالماء الكثير، و إلّا فلا وجه لاعتباره في الماء القليل أيضاً.

(4) في ص 54.

(5) ورد ذلك في مرسلة الكاهلي المروية في الوسائل 1: 146/ أبواب الماء المطلق ب 6 ح 5.

12

..........

____________

و كذلك الحال في الأخبار حيث جعل الغسل في جملة منها مقابلًا للصب، فقد ورد في بعضها «إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله و إن مسّه جافاً فاصبب عليه الماء ...» (1) و في آخر حينما سئل عن بول الصبي «تصب عليه الماء، فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلًا ...» (2) و في ثالث «عن البول يصيب الجسد؟ قال: صب عليه الماء مرّتين، فإنما هو ماء، و سألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله مرّتين ...» (3).

و على الجملة لا تردد في أن الصب غير الغسل، و إنما الكلام في أن الغسل الذي به ترتفع نجاسة المتنجِّسات لما ذكرناه من أن الأمر في الروايات الآمرة بغسل الأشياء المتنجسة إرشاد إلى أمرين: أحدهما: نجاسة الثوب مثلًا بملاقاة النجس. و ثانيهما: أن نجاسته ترتفع بغسله هل يعتبر في مفهومه العصر فلا يتحقق إلّا بإخراج الغسالة بالعصر أو ما يشبهه كالتغميز و التثقيل و نحوهما، أو يكفي في تحقق الغسل مجرد إدخال المتنجِّس في الماء أو صبّ الماء عليه حتى يرتوي؟ و إلّا فلم يرد في شيء من الروايات اعتبار العصر في الغسل فنقول:

إن مقتضى إطلاق ما دلّ على تقذّر المتقذّرات بالمنع عن استعمالها في الصلاة أو الشرب أو غيرهما مما يشترط فيه الطهارة أو بغير ذلك من أنحاء البيان، بقاؤها على قذارتها إلّا أن يرد عليها مطهّر شرعي بحيث لولاه لبقيت على نجاستها إلى الأبد، كما هو المستفاد من قوله (عليه السلام) في موثقة عمار «فاذا علمت فقد قذر» (4) و على ذلك إذا علمنا بحصول الطهارة بشيء من الأسباب الموجبة للطهارة فلا مناص من الأخذ به و تقييد الإطلاق المتقدم بذلك. و أما إذا شككنا في أن الشيء الفلاني سبب

____________

(1) كما في صحيحة الفضل أبي العباس المروية في الوسائل 3: 414/ أبواب النجاسات ب 12 ح 1، 1: 225/ أبواب الأسآر ب 1 ح 1.

(2) و هي مصححة الحلبي المروية في الوسائل 3: 397/ أبواب النجاسات ب 3 ح 2.

(3) و هي حسنة الحسين بن أبي العلاء المروية في الوسائل 3: 395/ أبواب النجاسات ب 1 ح 4.

(4) الوسائل 3: 467/ أبواب النجاسات ب 37 ح 4، و تقدّمت في ص 8.

13

..........

____________

للطهارة أو لا تحصل به الطهارة فلا بد من الرجوع إلى الإطلاق المتقدم ذكره و مقتضاه الحكم ببقاء النجاسة و آثارها.

إذا عرفت ذلك فنقول: الصحيح اعتبار العصر في الغسل، و ذلك لأنه مفهوم عرفي لم يرد تحديده في الشرع فلا مناص فيه من الرجوع إلى العرف و هم يرون اعتباره في مفهومه بلا ريب، و من هنا لو أمر السيد عبده بغسل شيء و لو من القذارة المتوهمة كما إذا لاقى ثوبه ثوب رجل غير نظيف، لا يكتفي العبد في امتثاله بإدخال الثوب في الماء فحسب، بل ترى أنه يعصره و يخرج غسالته. على أنّا لو تنزلنا عن ذلك فلا أقل من أنّا نشك في أن العصر معتبر في مفهوم الغسل الذي به ترتفع نجاسة المتنجِّس أو لا اعتبار به، و قد عرفت أن المحكّم حينئذ هو الإطلاق و هو يقتضي الحكم ببقاء القذارة إلى أن يقطع بارتفاعها كما إذا عصر.

و تؤيد ما ذكرناه حسنة الحسين بن أبي العلاء «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصبي يبول على الثوب؟ قال: تصب عليه الماء قليلًا ثم تعصره» (1) و الوجه في جعلها مؤيدة أن الجملة المذكورة في الحديث مسبوقة بجملتين حيث سئل (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين، و عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله مرّتين (2) و هاتان الجملتان قرينتان على أن المراد ببول الصبي في الرواية هو الصبي غير المتغذي و لا يجب فيه الغسل كي يعتبر فيه العصر، فالأمر به محمول على الاستحباب لا محالة.

و في الفقه الرضوي «و إن أصاب بول في ثوبك فاغسله من ماء جار مرّة، و من ماء راكد مرّتين ثم أعصره» (3) و عن دعائم الإسلام عن علي (عليه السلام) قال في المني يصيب الثوب: «يغسل مكانه فان لم يعرف مكانه و علم يقيناً أنه أصاب الثوب غسله كلّه ثلاث مرات يفرك في كل مرّة و يغسل و يعصر» (4) إلّا أنهما لضعفهما مما لا يمكن

____________

(1) المروية في الوسائل 3: 397/ أبواب النجاسات ب 3 ح 1، 395/ ب 1 ح 4.

(2) المروية في الوسائل 3: 397/ أبواب النجاسات ب 3 ح 1، 395/ ب 1 ح 4.

(3) المستدرك 2: 553/ أبواب النجاسات ب 1 ح 1، فقه الرضا: 95.

(4) المستدرك 2: 555/ أبواب النجاسات ب 3 ح 2، دعائم الإسلام 1: 117.

14

..........

____________

الاستدلال به، حيث لم يثبت أن الاولى رواية فضلًا عن اعتبارها، و الثانية مرسلة. على أنهما تشتملان على ما لا نقول به، لأن ظاهرهما اعتبار العصر بعد الغسل و لم نعثر على قائل بذلك، حيث إن من يرى اعتباره فإنّما يعتبره في نفس الغسل أو الغسلتين لا بعدهما، و كذلك الكلام في اعتبار الغسل ثلاث مرات في المني و اعتبار الفرك في كل غسلة لأنهما مما لا نلتزم به، هذا كله في الغسل بالماء القليل.

و أمّا الغسل بالمطر، فقد يقال بعدم اعتبار العصر فيه لمرسلة الكاهلي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر» (1) لدلالتها على كفاية رؤية المطر في التطهير فلا حاجة معها إلى العصر، إلّا أنها لإرسالها غير قابلة للاعتماد عليها، بل الصحيح أن للغسل مفهوماً واحداً لا يختلف باختلاف ما يغسل به من أقسام المياه.

و أمّا الجاري، فقد ألحقه بعضهم بالمطر في عدم اعتبار العصر فيه، و لعلّه من جهة ما بينهما من الشباهة في الجريان حيث إن المطر يجري من السماء فيشبه الماء الجاري على وجه الأرض. و فيه: أنّ ذلك لو تم فإنّما يقتضي أن يكون المطر كالجاري لما مرّ و أما عكسه و هو كون الجاري كالمطر فلا، إذ أنه لم يثبت بدليل فلا تترتب عليه أحكام المطر التي منها عدم اعتبار العصر في الغسل به، على أن ذلك في المطر أيضاً محل منع فما ظنك بما الحق به.

و أما الماء الكثير، فعن أكثر المتأخرين عدم اعتبار العصر في الغسل به، و لعل المستند في ذلك هو ما أرسله العلّامة (قدس سره) (2) عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) من أن هذا مشيراً به إلى ماء في طريقه فيه العذرة و الجيف لا يصيب شيئاً إلّا طهّره ... (3) و لكن الرواية مرسلة لا يثبت بها شيء من الأحكام الشرعية.

____________

(1) الوسائل 1: 146/ أبواب الماء المطلق ب 6 ح 5.

(2) هذا و بالمراجعة إلى المختلف [1: 15] ظهر أن مرسلها هو ابن أبي عقيل و من ثمة نسبها إليه النوري في مستدركة حيث قال: العلّامة في المختلف عن ابن أبي عقيل قال: ذكر بعض علماء الشيعة ....، و إن كانت الرواية معروفة بمرسلة العلّامة (قدس سره) و عليه فلا وقع لما قيل من أن مراده ببعض علماء الشيعة هو ابن أبي عقيل.

(3) المستدرك 1: 198/ أبواب الماء المطلق ب 9 ح 8.

15

و الورود أي ورود الماء على المتنجِّس دون العكس على الأحوط (1) (1).

____________

على أنها لم توجد في جوامع الأخبار، فالصحيح أن مفهوم الغسل أمر مطرد في جميع أقسام المياه فلا يفرق في اعتبار العصر فيه بين القليل و غيره من المياه المعتصمة.

(1) اختلفت كلماتهم في الحكاية عما سلكه المشهور في المسألة، فقد ينسب إليهم القول بالاشتراط و قد ينسب إليهم القول بعدمه. و عن بعضهم أن الأكثر لم يتعرضوا لهذا الاشتراط، فلو كان معتبراً لكان موجوداً في كلماتهم.

و كيف كان المتبع هو الدليل و قد استدلّوا على اعتبار ورود الماء على المتنجِّس في التطهير بالماء القليل بوجوه:

منها: التمسّك بالاستصحاب، لأنه يقتضي بقاء المتنجِّس على نجاسته حتى يقطع بزوالها.

و منها: أن الغالب في إزالة القذارات العرفية ورود الماء على القذر، و حيث إن الشارع في إزالة القذارات الشرعية لم يتخط عن الطريقة المألوفة لدى العرف فلا مناص من حمل الأخبار الواردة في الغسل على الطريقة العرفية، و غلبة الورود فيها مانعة عن شمول إطلاقات مطهّرية الغسل لما إذا كانت النجاسة واردة على الماء، فندرة العكس توجب انصراف المطلق إلى الفرد الغالب.

و منها: الروايات الآمرة بصب الماء على الجسد عند تطهيره (2) حيث إن مقتضى الجمود على ظواهرها يقتضي الحكم باشتراط الورود، لأن الظاهر من الصب إنما هو إرادة ورود الماء على الجسد.

و منها: غير ذلك من الوجوه.

و لا يمكن المساعدة على شيء من ذلك أما الوجه الأوّل، فلأن الأصل محكوم بإطلاق ما دلّ على مطهرية الغسل، و إلّا فيرجع إلى إطلاق ما دلّ على تقذر المتقذر و عدم جواز شربه أو غيره مما يشترط فيه الطهارة، و على كلا التقديرين لا يبقى مجال

____________

(1) و إن كان الأظهر عدم اعتباره في غير الغسلة المتعقبة بطهارة المحل.

(2) الوسائل 3: 395/ أبواب النجاسات ب 1.

16

..........

____________

للتمسك بالاستصحاب. مع أن الشبهة حكمية.

و أمّا الثاني من الوجوه فلأن مقتضى إطلاق ما دلّ على مطهرية الغسل بالماء عدم الفرق بين ورود الماء على المتنجِّس و عكسه. و دعوى أن الدليل منصرف إلى صورة الورود تندفع بأن الغلبة لا تقتضي الانصراف. على أن الأغلبية غير مسلمة، لأن الغسل بإيراد المتنجِّس المتقذر على الماء كما في إدخال اليد المتقذرة على الماء القليل أيضاً متعارف كثير، و غاية الأمر أن الغسل بإيراد الماء عليه أكثر و هذا لا يوجب الانصراف بوجه.

و أمّا الوجه الثالث و هو العمدة من الوجوه المستدل بها في المقام، فلأنه يرد عليه أن الأمر بالصب في الأخبار لم يظهر كونه بعناية اعتبار ورود الماء على النجس، بل الظاهر أن الصب في قبال الغسل، و إنما أمر به تسهيلًا للمكلفين فلم يوجب عليهم الغسل كما أوجبه عند تنجس ثيابهم فكأن الصب غسل و محقق لمفهومه في الجسد و لا سيما أن مواضع الجسد مما يصعب إيراده على الماء القليل كما إذا تنجس بطن الإنسان مثلًا. و يدلُّ على ما ذكرناه حسنة الحسين بن أبي العلاء المتقدِّمة (1) حيث أمر فيها الإمام (عليه السلام) بصب الماء على الجسد مرّتين فيما إذا أصابه البول معللًا بقوله: «فإنما هو ماء» و دلالتها على أن إيجاب الصب دون الغسل بعناية التسهيل مما لا يقبل المناقشة، فإن الجسد غير الثوب و نحوه مما يرسب فيه البول، و بما أنه أيضاً ماء فيزول عنه بالصب من غير حاجة إلى الغسل.

هذا و قد يبدو من بعضهم أن بعض المطلقات كالصريح في عدم اعتبار الورود، و هذا كما في صحيحة محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله في المِركَن مرّتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة» (2) لأن الغسل في المِركَن بقرينة التقابل كالغسل في الجاري لا محالة، فكما أن الغسل فيه إنما هو بإيراد النجس على الماء لوضوح أنه لو انعكس بأخذ الماء و صبه على

____________

(1) في ص 12.

(2) الوسائل 3: 397/ أبواب النجاسات ب 2 ح 1.

17

..........

____________

النجس لخرج عن الغسل بالماء الجاري فكذلك الغسل في المِركَن لا بدّ أن يراد به إيراد النجس على الماء، فإذن الصحيحة كالصريح في عدم اعتبار الورود.

و لكن الصحيح عدم الفرق بين هذه الرواية و غيرها من المطلقات فإنّها ليست بصريحة في الدلالة على المدعى، فان دعوى الصراحة إنما تتم فيما إذا كانت الرواية هكذا: اغسله في الماء القليل مرّتين، بأن يبدل المركن بالماء القليل و يكون ظرف الغسل هو الماء فتتم دعوى الصراحة حينئذ بالتقريب المتقدم، إلّا أن الأمر ليس كذلك، و ظرف الغسل في الصحيحة هو المركن و الغسل في المركن على نحوين: فإنّه قد يتحقّق بإيراد النجس على الماء و قد يتحقق بطرح المتنجِّس في المركن أولًا ثم صبّ الماء عليه، فدلالة الصحيحة على كفاية مورودية الماء القليل بالإطلاق دون الصراحة.

و الصحيح أن يفصّل في المسألة بين الغسلة المطهّرة و الغسلة غير المطهرة، بيان ذلك: أن القاعدة المرتكزة في أذهان المتشرعة التي دلت عليها جملة كثيرة من الأخبار أعني انفعال الماء القليل بملاقاة النجس، تقتضي الحكم بنجاسة الماء عند إيراد المتنجِّس عليه لأنه قليل، و مع الحكم بنجاسته لا يتيسر التطهير به. و أما إذا عكسنا الأمر و أوردنا الماء على النجس فمقتضى القاعدة المتقدِّمة و إن كان هو الحكم بنجاسة الماء كسابقه إلّا أن الإجماع و الضرورة يقضيان بتخصيصها، إما بالالتزام بعدم نجاسة الغسالة مطلقاً كما هو المختار في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل، و إما بالالتزام بعدم نجاستها ما دامت في المحل و يحكم بنجاستها بالانفصال، و إما بالالتزام بطهارتها بعد خروج المقدار المتعارف منها عن الثوب، فإنّه لولا ذلك لم يمكن التطهير بالماء القليل أصلًا و هو خلاف الضرورة و الإجماع القطعي بين المسلمين. و من هنا فصّل السيد المرتضى (قدس سره) في انفعال الماء القليل بين الوارد و المورود (1) نظراً إلى أن الحكم بانفعال الماء عند وروده على النجس يؤدي إلى سد باب التطهير بالقليل و ينحصر بإيراده على الكر أو إيراده عليه و هو أمر عسر. فإذن لا مناص من اشتراط الورود في التطهير بالماء القليل، هذا كله في الغسلة المتعقبة بالطهارة.

____________

(1) الناصريات: 179 السطر 12.

18

[مسألة 1: المدار في التطهير زوال عين النجاسة دون أوصافها]

[308] مسألة 1: المدار في التطهير زوال عين النجاسة دون أوصافها، فلو بقيت الريح أو اللون مع العلم بزوال العين كفىٰ، إلّا أن يستكشف من بقائهما بقاء الأجزاء الصغار، أو يشك في بقائها فلا يحكم حينئذ بالطهارة (1).

[مسألة 2: إنما يشترط في التطهير طهارة الماء قبل الاستعمال]

[309] مسألة 2: إنما يشترط في التطهير طهارة الماء قبل الاستعمال فلا يضر تنجّسه بالوصول إلى المحل النّجس (2). و أمّا الإطلاق فاعتباره إنما هو قبل الاستعمال و حينه، فلو صار بعد الوصول إلى المحل مضافاً لم يكف كما في الثوب المصبوغ، فإنّه يشترط في طهارته بالماء القليل بقاؤه على الإطلاق حتى حال العصر، فما دام يخرج منه الماء الملوّن لا يطهر إلّا إذا كان اللون قليلًا لم يصل إلى حدّ الإضافة (3).

____________

و أمّا غيرها فمقتضى إطلاق ما دلّ على حصول الطهارة بالغسل عدم الفرق في ذلك بين ورود الماء على النجس و عكسه، لأنه دلّ بإطلاقه على أن الغسلة غير المطهّرة معدّة لعروض الطهارة على المحل عند الغسلة المطهرة، سواء أ كان ذلك بإيراد الماء على النجس أم بإيراد المتنجِّس عليه و لا يلزمه تخصيص القاعدة المتقدِّمة، فإن الماء يوجب استعداد المحل و قابليته للحكم بطهارته و لو مع الحكم بنجاسة الماء بالاستعمال.

(1) أسلفنا تفصيل الكلام في ذلك عند التكلّم على شرائط التطهير بالماء (1) فليراجع.

(2) لأنّ نجاسة الماء بالاستعمال لو كانت مانعة عن التطهير به لانسد باب التطهير بالماء القليل رأساً، هذا كله في غير الغسلة المطهرة. و أما الغسلة المتعقبة بطهارة المحل فقد عرفت أن الالتزام فيها بطهارة الغسالة مما لا مناص عنه، و هو مستلزم لتخصيص أدلّة انفعال الماء القليل بالملاقاة، فإذا لم يكن الماء محكوماً بالنجاسة قبل استعماله لم يحكم بنجاسته بالاستعمال.

(3) لأن المطهّر إنما هو الغسل بالماء فاذا خرج الماء عن كونه ماء بالإضافة و لو بالاستعمال لم يتحقق الغسل بالماء.

____________

(1) في ص 4.

19

و أمّا إذا غسل في الكثير فيكفي فيه نفوذ الماء (1) في جميع أجزائه بوصف الإطلاق، و إن صار بالعصر مضافاً (1)، بل الماء المعصور المضاف أيضاً محكوم بالطهارة (2) و أمّا إذا كان بحيث يوجب إضافة الماء بمجرد وصوله إليه و لا ينفذ فيه إلّا مضافاً فلا يطهر ما دام كذلك، و الظاهر أن اشتراط عدم التغيّر أيضاً كذلك (2) (3).

____________

(1) هذا إنّما يتم بناء على ما سلكه الماتن (قدس سره) من التفرقة في اشتراط العصر بين الغسل بالماء القليل و الكثير. و أما بناء على ما ذكرناه من أن الغسل قد اعتبر في مفهومه العصر بلا فرق في ذلك بين أقسام المياه، فلا مناص من اشتراط بقاء الماء على إطلاقه و عدم صيرورته مضافاً و لو بالعصر، لأنه لولاه لم يتحقق الغسل بالماء و لا يفرق الحال في ذلك بين القليل و الكثير.

(2) لأنه قد انقلب مضافاً عن الماء الطاهر و لم يلاق شيئاً يقتضي نجاسته، إذ المتنجِّس المغسول بالكثير قد طهر بغسله بناء على عدم اعتبار العصر في مفهومه فلا موجب لنجاسة الماء المعصور المضاف لوضوح أن الانقلاب ليس من أحد المنجسات. نعم، بناء على ما سلكناه لا بدّ من الحكم بنجاسة الماء المعصور حينئذ لملاقاته المتنجِّس قبل تحقق غسله، لاعتبار العصر في تحقّقه كما مرّ فلاحظ.

(3) بمعنى أن التغيّر بالاستعمال كالإضافة الحاصلة بسببه مانع عن حصول الطهارة بالغسل و كذا التغيّر بالعصر إذا غسل المتنجِّس بالماء القليل. و أما إذا غسل بالكثير فلا يضره تغيّر الماء بعصره، و ذلك لتمامية الغسل في الكثير بمجرد نفوذ الماء في أجزائه من دون حاجة إلى العصر، هذا ما أراده الماتن (قدس سره) في المقام و لكنه من الندرة بمكان، على أن المراد بالتغيّر هو التغيّر المستند إلى عين النجس، و هي إذا كانت مقتضية لذلك لأوجبت التغيّر من حين ملاقاتهما، لا أن الماء يتغيّر لأجلها لدى العصر، بل لو تغيّر بسببه فهو تغيّر مستند إلى المتنجِّس و لا ينفعل الماء بذلك بوجه.

____________

(1) لا فرق بين الماء الكثير و القليل في ذلك كما مرّ، و منه يظهر الحال في المعصور المضاف.

(2) مرّ حكم التغيّر آنفاً.

20

فلو تغيّر بالاستعمال لم يكف ما دام كذلك (1) و لا يحسب غسلة من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدّد.

____________

ثم إنّ هذه المسألة أيضاً مبتنية على الكلام المتقدم في العصر و أنه معتبر في الغسل بالماء القليل دون الكثير، و قد عرفت أن الصحيح عدم الفرق في اعتباره بينهما، و عليه فلو حدث التغيّر بالعصر لم يحكم بطهارة المتنجِّس و لو في الماء الكثير لتغيّر الماء قبل تمامية غسله، و الماء المتغيّر مما يغسل منه و ليس مما يغسل به، هذا كله في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل. و أما غيرها فلا يضره تغيّر الماء بوجه لأن مقتضى إطلاق ما دلّ على لزوم الغسل عدم الفرق بين تغيّر الماء و عدمه، حيث إنه غير مطهر للمحل حتى يقال: الماء المتغيّر لا يكفي في تطهير المحل، فإن الغسلة غير المطهّرة معدة لأن يكون المحل قابلًا للحكم بطهارته عند الغسلة المطهرة.

(1) أي ما دام الماء يتغيّر بغسل المتنجِّس فيه مرّة أو مرّتين أو أكثر، فكل مرّة يتغيّر الماء بغسل المتنجِّس فيه لا تحسب من الغسلات و لا يمكن أن يحصل بها الطهر، هذا.

ثم إن في المقام مسألة أُخرى ربما يفسر قول الماتن: «ما دام كذلك» بتلك المسألة، و هي أن الماء إذا تغيّر بغسل المتنجِّس فيه ثم زال عنه تغيّره بنفسه أو بالعلاج بحيث لم يكن متغيّراً بقاء و إن كان كذلك بحسب الحدوث فهل يكفي الغسل به في تطهير المتنجِّس؟ قد يقال بكفايته تمسكاً بإطلاق ما دلّ على مطهرية الغسل. و يندفع بأن ما استدللنا به على عدم مطهرية الماء المتغيِّر بحسب الحدوث و البقاء يأتي بعينه في الماء المتغيّر بحسب الحدوث و إن لم يكن متغيِّراً بقاء. و حاصل ما ذكرناه في وجهه: أن قاعدة انفعال الماء القليل بملاقاة النجس و إن رفعنا عنها اليد في الغسلة المتعقبة بالطهارة، حيث إن التحفظ بعمومها يقتضي سد باب التطهير بالماء القليل إلّا أن رفع اليد عما دلّ على نجاسة الماء المتغيّر مما لا موجب له، إذ لا إجماع و لا ضرورة تقتضيه بل مقتضى إطلاقه بقاء الماء على نجاسته، لأنه كان متغيِّراً بالنجاسة و لم يطرأ عليه مطهر شرعي بعد ما زال عنه تغيّره، و من الظاهر أن مجرد زوال التغيّر لا يقتضي الحكم بطهارته، هذا كله في أصل المسألة.

21

[مسألة 3: يجوز استعمال غسالة الاستنجاء في التطهير على الأقوى]

[310] مسألة 3: يجوز استعمال غسالة الاستنجاء في التطهير على الأقوى و كذا غسالة سائر النجاسات على القول بطهارتها (1) (1)، و أمّا على المختار من وجوب الاجتناب عنها احتياطاً فلا.

____________

و أمّا تفسير عبارة الماتن بذلك و حمل قوله: «ما دام كذلك» على معنى ما دام متغيّراً بحيث لو ذهب عنه التغيّر لكان موجباً للطهارة، فقد عرفت أن زوال التغيّر لا يقتضي الحكم بذلك ما لم يطرأ عليه مطهّر شرعي. على أن الظاهر عدم إرادة الماتن ذلك و إنما مراده بقوله: «ما دام ...» هو ما دام الماء متغيّراً بغسل المتنجِّس فيه، فكل مرّة يتغيّر الماء بذلك لا يكفي في الحكم بطهارة المغسول به و لا أنها تعدّ من الغسلات المعتبرة في التطهير، و يشهد لذلك قوله: «و لا يحسب غسلة من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدّد» و معه لا مسوغ لتفسيره بما عرفت.

(1) لطهارتها مع الشروط المتقدِّمة في محلها و كذلك الحال في بقية الغسالات على القول بطهارتها كما هو الصحيح في الغسلة المتعقبة بالطهارة. و الوجه في جواز استعمالها في إزالة الخبث ثانياً و ثالثاً و هكذا إنما هو إطلاق الروايات الآمرة بالغسل كقوله (عليه السلام) «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (2) و قوله (عليه السلام) «صب عليه الماء مرّتين» (3) و قوله «اغسله في المِركَن مرّتين» (4) و غيرها فإنّه لا فرق في صدق الغسل بالماء بين الغسل بالغسالة و غيرها. نعم، في ارتفاع الحدث بالماء المستعمل في إزالة الخبث كلام قدّمنا تفصيله في محلِّه (5) و قلنا إن القول بعدم جواز استعماله في رفع الحدث هو الصحيح إن تمت الإجماعات المنقولة في المسألة و لم نناقش في رواية عبد اللّٰه بن سنان «الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة

____________

(1) و هو الصحيح في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل.

(2) كما في حسنة عبد اللّٰه بن سنان المروية في الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

(3) كما في صحيحة البزنطي المروية في الوسائل 3: 396/ أبواب النجاسات ب 1 ح 7.

(4) كما في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الوسائل 3: 397/ أبواب النجاسات ب 2 ح 1.

(5) في الماء المستعمل قبل المسألة [134].

22

..........

____________

لا يجوز أن يتوضّأ منه و أشباهه» (1) بحسب السند و الدلالة، و إلّا فهو مبني على الاحتياط.

و أمّا إزالة الخبث به ثانياً و ثالثاً و هكذا فقد عرفت أنها هو الصحيح للإطلاق المتقدِّم تقريبه. و قد يقال بعدم الكفاية لموثقة عمار الآمرة بصب الماء في الإناء و تحريكه ثم تفريغه من الماء، ثم صب ماء آخر فيه مع التحريك و الإفراغ و هكذا إلى ثلاث مرّات (2) بتقريب أن الغسالة لو جاز أن يغسل بها المتنجِّس ثانياً و ثالثاً لم يكن وجه للأمر بإفراغ الإناء من الماء المصبوب فيه أولًا ثم صب ماء آخر فيه، بل كان تحريك ذلك الماء فيه بعينه مرّة ثانية و ثالثة كافياً في تطهير الإناء من دون حاجة إلى تفريغه منه أبداً، فالأمر بتفريغه من الماء المصبوب فيه أوّلًا كاشف قطعي عن عدم كفاية الغسالة في إزالة الخبث بها ثانياً و ثالثاً.

هذا ما ربما يتوهم في المقام و لكنه من الفساد بمكان لا ينبغي التعرض له، و ذلك لأن الموثقة أجنبية عما نحن بصدده، حيث إنها من أدلة نجاسة الغسالة و كلامنا إنما هو في الغسالة الطاهرة، و قد بيّنا في مورده أن غير الغسالة المتعقبة بطهارة المحل محكوم بالنجاسة، و عليه فالوجه في أمره (عليه السلام) بإفراغ الإناء من الماء المصبوب فيه أوّلًا و ثانياً إنما هو نجاسة الغسالة في المرّتين لعدم كونها فيهما متعقبة بالطهارة، و من الظاهر أن الماء المتنجِّس لا يكفي في تطهير مثله من الأشياء المتنجسة. و أما أمره (عليه السلام) بالافراغ في الغسلة الثالثة فهو أيضاً مستند إلى نجاسة الماء، بناء على أنّ الغسالة مطلقاً نجسة و لو ما دامت في المحل، و أمّا بناء على ما هو الصحيح من طهارة الغسالة حينئذ فالوجه في أمره (عليه السلام) أن الغسلة الثالثة لا يتحقق من غير إفراغ الإناء، حيث إن مجرد صبّ الماء فيه لا يكفي في صدق الغسل عليه ما دام لم يفرغ من الماء. فليس الوجه في أمره (عليه السلام) بالصب في الغسلة الثالثة أن الغسالة الطاهرة لا تزال بها الخبث ثانياً و ثالثاً.

____________

(1) الوسائل 1: 215/ أبواب الماء المضاف ب 9 ح 13.

(2) الوسائل 3: 496/ أبواب النجاسات ب 53 ح 1.

23

[مسألة 4: يجب في تطهير الثوب أو البدن بالماء القليل من بول غير الرضيع، الغسل مرّتين]

[311] مسألة 4: يجب في تطهير الثوب أو البدن بالماء القليل من بول غير الرضيع، الغسل مرّتين (1).

____________

(1) أسنده في الحدائق (1) و محكي المدارك (2) و غيرهما إلى الشهرة مطلقاً. و قيّدها في الجواهر ب«بين المتأخرين» (3) و عن المعتبر أنه مذهب علمائنا (4). و عن الشهيد في البيان عدم وجوب التعدّد إلّا في إناء الولوغ (5) و عنه (قدس سره) في ذكراه اختيار التعدّد (6) ناسباً إلى الشيخ في مبسوطه عدم وجوب التعدّد في غير الولوغ (7). و قد استظهر القول بذلك عن العلّامة في جملة من كتبه (8) و لكنه في المنتهي ذهب إلى التفصيل بين صورتي جفاف البول و عدمه بالاكتفاء بالمرة في الصورة الأُولى دون الثانية (9). و عن صاحبي المدارك (10) و المعالم (11) الاكتفاء بالمرة في البدن دون الثوب هذه هي المهم من أقوال المسألة و قد يوجد فيها غير ذلك من الوجوه.

أمّا ما ذهب إليه الشهيد في البيان و العلّامة في جملة من كتبه من كفاية الغسل مرّة واحدة في غير الولوغ فلم يقم عليه دليل فيما نحن فيه سوى الأخبار الآمرة بغسل ما أصابه البول (12) من غير تقييده بمرّتين. و فيه: أن هذه الأخبار غير واردة في مقام

____________

(1) الحدائق 5: 356.

(2) المدارك 2: 336.

(3) الجواهر 6: 185.

(4) المعتبر 1: 435.

(5) البيان: 93.

(6) الذكرى: 15 السطر 4.

(7) المبسوط 1: 37.

(8) كالقواعد 1: 193.

(9) المنتهي 3: 264.

(10) المدارك 2: 337.

(11) المعالم (فقه): 321.

(12) كما في صحيحة و حسنة ابن سنان و موثقة سماعة المروية في الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2، 3، 1.

24

..........

____________

البيان من تلك الناحية أعني كفاية الغسل مرّة واحدة و عدمها، بل إنما وردت لبيان أصل الوجوب. على أنها على تقدير كونها مطلقة لا بدّ من تقييدها بمرتين على ما دلّ عليه غير واحد من الأخبار.

و لعلّ نظرهم من الاكتفاء بالمرة الواحدة إلى صورة زوال العين و جفافها كما حكي ذلك عن العلّامة (قدس سره) في المنتهي حيث فصّل بين صورتي جفاف البول و عدمه و اكتفى بالمرة الواحدة في الأُولى دون الثانية، و لعله من جهة أن الغسلة الأُولى للإزالة و الثانية للتطهير و لو بدعوى استفادة ذلك من المناسبات المركوزة بين الحكم و موضوعه فمع زوال العين بنفسها لا حاجة إلى تعدد الغسلتين.

و هذا الاحتمال و إن كان أمراً معقولًا في نفسه إلّا أن الظاهر من الأخبار الآمرة بالغسل مرّتين أن للغسلتين دخالة في التطهير لا أن إحداهما من باب الإزالة كما ادعي. بل لو سلمنا أن الغسلة الأُولى للإزالة فلا مناص من اعتبار كون الإزالة بالماء فلا يكون الإزالة على إطلاقها موجبة للطهارة و إن كانت مستندة إلى أمر آخر غير الماء، كما إذا جف البول أو مسح بخرقة و نحوها فان ظهور الأخبار في مدخلية الماء في الطهارة أمر غير قابل للإنكار، و من الجائز أن تكون الغسلة الأُولى موجبة لحصول مرتبة ضعيفة من الطهارة لتشتد بالثانية و لا يكون الأمر بها لمجرد الإزالة حتى يكتفى بمطلقها، هذا كله على أن حمل الروايات الآمرة بالتعدد على صورة وجود العين حمل لها على مورد نادر، لأن الغالب في غسل الثوب و الجسد إنما هو غسلهما بعد الجفاف و لا أقل من أن ذلك أمر غير غالبي، هذا.

و يمكن الاستدلال لهذه الدعوى بما رواه الشهيد (قدس سره) في الذكرى عن الصادق (عليه السلام) «في الثوب يصيبه البول، اغسله مرّتين: الأُولى للإزالة و الثانية للإنقاء» (1) فان الغرض من الغسلة الأُولى إذا كان هو الإزالة فالمطهّر هو الغسلة الثانية حقيقة فيصدق أن الغسلة الواحدة كافية في تطهير نجاسة البول، و الإزالة قد تتحقق بالجفاف و قد تتحقّق بغيره كما مرّ، هذا.

____________

(1) الذكرى: 15 السطر 4.

25

..........

____________

و قد سبقه إلى ذلك المحقق (قدس سره) في المعتبر (1) حيث نقل رواية الحسين بن أبي العلاء المتقدِّمة (2) بزيادة «الأُولى للإزالة و الثانية للإنقاء» و هي كما ترى صريحة الدلالة على مسلك الشهيد (قدس سره) إلّا أن الكلام في ثبوت تلك الزيادة، لأنها على ما اعترف به جملة من الأكابر لم يرد في شيء من كتب الحديث، فهذا صاحب المعالم (قدس سره) ذكر في محكي كلامه «و لم أرَ لهذه الزيادة أثراً في كتب الحديث الموجودة الآن بعد التصفّح بقدر الوسع» (3) و نظيره ما ذكره صاحب الحدائق و الفاضل السبزواري في ذخيرته (4) فليراجع. و الظاهر اشتباه الأمر على الشهيد حيث حسب الزيادة من الرواية مع أنها من كلام المحقِّق (قدس سره) ذكرها تفسيراً للرواية. على أنّا لو سلمنا أن المحقِّق نقل الزيادة تتمّة للرواية أيضاً لم يمكننا المساعدة عليها، لما عرفت من أنها ممّا لا عين له و لا أثر في كتب الحديث فالأمر مشتبه على المحقِّق (قدس سره). و لو تنزّلنا عن ذلك و سلمنا عدم اشتباه الأمر عليه و هي رواية حقيقة فالواسطة التي وصلت منها الرواية إلى المحقق (قدس سره) مجهولة عندنا و لم يظهر أنها من هو فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه.

و أمّا ما ذهب إليه صاحبا المعالم و المدارك من التفصيل بين الثوب و البدن و الاكتفاء بالمرّة في البدن دون الثوب، فهو مستند إلى استضعاف الأخبار الواردة في التعدّد في البدن. و يرد عليه ما أورده صاحب الحدائق (قدس سره) و حاصله: أن ما دلّ على التعدّد في الجسد عدة روايات:

منها: صحيحة أو حسنة أبي إسحاق النحوي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صب عليه الماء مرّتين» (5) و منها: حسنة الحسين بن أبي العلاء قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن البول يصيب

____________

(1) المعتبر 1: 435.

(2) في ص 12.

(3) المعالم (فقه): 320.

(4) الحدائق 5: 360، ذخيرة المعاد: 161 السطر 33.

(5) الوسائل 3: 395/ أبواب النجاسات ب 1 ح 3، 4، 396/ ح 7.

26

..........

____________

الجسد؟ قال: صب عليه الماء مرّتين فإنّما هو ماء ...» (1) و منها: صحيحة البزنطي المروية في آخر السرائر (2) و هي بعين الألفاظ المنقولة من الحسنة و مضمونها. و هذه الأخبار كما ترى بين صحيحة و حسنة فلا مجال فيها للمناقشة سنداً. فإلى هنا ظهر أن الصحيح هو ما ذهب إليه الماتن وفاقاً للمشهور من وجوب التعدّد في البول.

بقي الكلام في جهات: الاولى: هل الحكم بالتعدّد يخص الثوب و البدن فيكتفى بالغسلة الواحدة في غيرهما أو أنه يعم جميع الأشياء المتنجسة بالبول؟

الأخبار الآمرة بالتعدد إنما وردت في الثوب و البدن و لا يمكننا التعدي إلى غيرهما من الأشياء الملاقية له إلّا بدعوى دلالة الأخبار على العموم بإلغاء خصوصيتي الثوب و الجسد، و هذا مما لا سبيل إليه، لأنّا و إن قلنا إن الأمر بغسل ما لاقاه بول أو دم أو غيرهما من الأعيان المذكورة في الروايات إرشاد إلى نجاسة الملاقي، و تعدينا عن مواردها إلى جميع ما يلاقي الأعيان النجسة حسبما يقتضيه الفهم العرفي من مثله، إذ الانفعال عندهم ليس من الأُمور المختصة بملاقاة الأعيان المذكورة في الأخبار، بل المستفاد منه أن ملاقاة مطلق العين النجسة سبب في تأثر الملاقي، إلّا أنه في خصوص المقام ليس لنا جزم بعدم خصوصيتي الثوب و البدن في وجوب التعدّد في الغسل، لأنه من المحتمل القوي أن الشارع أراد فيهما المحافظة على المرتبة الشديدة من الطهارة و مع هذا الاحتمال ليس لنا أن نتعدى إلى غيرهما.

و على الجملة إنما يمكننا التعدي إلى غير الثوب و الجسد فيما إذا علمنا بعدم دخل خصوصيتهما في الحكم المترتب عليهما و جزمنا بوحدة المناط في الأشياء الملاقية مع البول بأسرها، و أما مع عدم القطع بذلك فلا، لأنّا نحتمل دخل خصوصيتى الثوب و البدن في حكمهما، لوضوح أن الأحكام الشرعية تختلف باختلاف موضوعاتها مع أنها مما قد تجمعه طبيعة واحدة. فنرى أن الشارع حكم بوجوب الغسل ثلاث مرات في الإناء و لم نر من الأصحاب من تعدّى عنه إلى غيره مما صنع من مادته من صفر أو خزف أو غيرهما، مع العلم بأن الجميع صفر أو غيره من المواد إلّا أنه إذا اصطنع بهيئة

____________

(1) الوسائل 3: 395/ أبواب النجاسات ب 1 ح 3، 4، 396/ ح 7.

(2) الوسائل 3: 395/ أبواب النجاسات ب 1 ح 3، 4، 396/ ح 7.

27

..........

____________

الإناء يعتبر في تطهيره الغسل ثلاث مرّات و إذا كان على هيئة أُخرى كفى في تطهيره الغسل مرّة واحدة مثلًا. و كذا نرى أن الشارع حكم بطهارة مخرج الغائط بالتمسح بالأحجار أو بغيرها من الأجسام القالعة للقذارة، و لا يحكم بطهارة هذا الموضع بعينه إذا تنجس بغير الغائط من النجاسات بمجرد إزالتها، كما إذا تنجس بدم قد خرج من بطنه أو أصابه من الخارج، بل يجب غسله بالماء.

و لأجل هذا و ذاك لا يحصل القطع لنا بعدم الفرق بين الثوب و الجسد و غيرهما من المتنجسات بالبول، و لا يصغي إلى ما قيل من أن التوقف في ذلك من الخرافات، بل الحكم بتعدّد الغسل أو الصب يختص بمورد النصوص و هو الثوب و الجسد، و أما في غيرهما فاطلاقات مطهرية الغسل محكمة و هي تقتضي الاكتفاء بالغسل مرّة واحدة.

الجهة الثانية: هل الصبة الواحدة المستمرة بقدر زمان الغسلتين أو الصبتين و الفصل بينهما كافية عن الصبتين أو الغسلتين المأمور بهما في تطهير الثوب و البدن أو يعتبر تحققهما بالانفصال؟ فلو فرضنا امتداد كل من الصبتين دقيقة واحدة و الفصل بينهما أيضاً كذلك بحيث كان زمانهما مع الفصل بينهما ثلاث دقائق لم تكف الصبة الواحدة المستمرة ثلاث دقائق أو أكثر في الحكم بطهارة البدن أو الثوب، بل لا بدّ من صب الماء عليهما مرّتين بانفصال كل منهما عن الآخر أو غسلهما كذلك.

حكي عن الشهيد في الذكرى القول بكفاية الصبة الواحدة بقدر الغسلتين أو الصبّتين (1)، و تبعه جماعة ممن تأخر عنه، و لعله من جهة أن الاتصال بين الغسلتين بالصب ليس بأقل من القطع بينهما بالفصل. إلّا أن الصحيح هو اعتبار الفصل بين الغسلتين أو الصبتين لأنه الذي يقتضيه الجمود على ظواهر الأخبار الآمرة بالصب أو الغسل مرّتين، حيث إن ظواهرها أن للتعدد دخلًا في حصول الطهارة المعتبرة. و دعوى: أن وصل الماء ليس بأقل من فصله، مندفعة بأنه وجه استحساني لا مثبت له، فإنّه على خلاف ما عليه أهل المحاورة، حيث إن السيد إذا أمر عبده بالسجدة مرّتين أو برسم خطّين مستقيمين لم يكتف العبد في امتثاله بالسجدة الواحدة الممتدّة

____________

(1) الذكرى: 15 السطر 19.

28

..........

____________

بقدر زمان السجدتين و الفصل بينهما أو برسم خط واحد كذلك، فرفع اليد عن ظهور الأخبار في التعدّد بمثل ذلك من الوجوه الاستحسانية مما لا مسوّغ له.

الجهة الثالثة: هل الحكم بوجوب التعدّد يختص ببول الآدمي أو أنه يعم غيره من الأبوال النجسة؟

ظاهر الأسئلة الواردة في الروايات حسب المتفاهم العرفي هو الاختصاص لأنهم كانوا يبولون على وجه الأرض و هي على الأغلب صلبة فكان يترشح منها البول إلى أبدانهم و أثوابهم و من أجل ذلك تصدّوا للسؤال عن حكمه، و لا يبعد بهذه المناسبة دعوى انصراف الأخبار إلى بول الآدمي و أنه المنسبق إلى الأذهان من الأسئلة، و لعل هذا هو الوجه في عدم استفصالهم عن كون البول مما يؤكل لحمه أو من غيره مع طهارة البول مما يؤكل لحمه. و من ذلك يظهر أن نظرهم إنما هو السؤال عن خصوص بول الآدمي فتعميم الحكم إلى مطلق الأبوال النجسة مما لا وجه له. بل يمكن التمسّك في ذلك بإطلاق قوله (عليه السلام) «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1) لأنّ مقتضى إطلاقه جواز الاكتفاء بالمرّة الواحدة في بول غير الآدمي فلا يجب التعدّد في مطلق الأبوال النجسة حينئذ.

الجهة الرابعة: أن الظاهر من أسئلتهم عن أن البول يصيب الثوب أو البدن، هو اختصاص السؤال و الجواب بما قد يصيبه البول و قد لا يصيبه فيعتبر في مثله الغسل مرّتين، و أما ما كان في معرض الإصابة دائماً فلا تشمله الروايات بوجه، و عليه فلا يجب التعدّد في مخرج البول حينئذ، إذ لا يصح أن يقال إنه مما يصيبه البول، بل إن كان هناك دليل يدل على اعتبار التعدّد فيه فهو، و إلّا فيقتصر فيه بالصبة الواحدة أو الغسل مرّة.

الجهة الخامسة: هل يعتبر إزالة العين النجسة قبل الغسلتين أو الصبتين أو أن إزالتها بالغسلة الأُولى كافية في حصول الطهارة بالثانية؟

____________

(1) و هي حسنة عبد اللّٰه بن سنان المروية في الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

29

..........

____________

قد يتوهّم أنّ الغسلتين أو الصبتين لا بدّ من أن تقعا بعد إزالة العين بشيء فلا تكفي إزالتها بالغسلة الاولى من الغسلتين. و يتوجه عليه أن الحكم بذلك يتوقف على دلالة الدليل و لا دليل على اعتبار وقوع الغسلتين بعد إزالة العين، بل الأمر بغسل ما أصابه البول مرّتين أو صبّ الماء عليه كذلك يقتضي بإطلاقه كفاية الإزالة بأُولى الغسلتين و عدم اعتبار وقوعهما بعد إزالة العين بمزيل. بل المناسبة المرتكزة بين الحكم و موضوعه أن الغسلة الأُولى للإزالة و الثانية للإنقاء كما نقلناه عن المحقق (قدس سره) (1) هذا.

و قد يقال: إن مقتضى الإطلاق في الروايات كفاية إزالة العين و لو بالغسلة الثانية فلا يعتبر إزالتها بأُولى الغسلتين. و يندفع بأن الأخبار الواردة في المقام منصرفة إلى البول المتعارف الذي يكفي في إزالته الغسل أو الصب مرّة واحدة، كما يرشدنا إليه قوله في بعض الأخبار المتقدِّمة «فإنّما هو ماء» (2) تعليلًا لما أمر به من صبّ الماء عليه مرّتين، فان ظاهره بيان أن الماء كما أنه لا لزوجة له و يكفي في إزالته صبّ الماء عليه مرّة واحدة، فكذلك الحال في البول فتكون الغسلة الثانية مطهّرة لا مزيلة، و معه فالأخبار مختصة بالبول الذي يكفي في إزالته الغسل مرّة واحدة، فإذا فرض بول لا يكفي ذلك في إزالته فهو خارج عن مورد الروايات، هذا.

و يمكن أن يوجّه المدعى بتقريب آخر: و هو أن الأخبار الواردة في المقام و إن أُخذت فيها الإصابة كما في قوله: «يصيب الثوب أو البدن» و ظاهر الإصابة الحدوث فإنّها لا تطلق على بقاء البول، إلّا أن من المقطوع به عدم الفرق في نجاسة البول بين الحدوث و البقاء، و عليه فإذا أصاب الثوب أو البدن وجب غسله أو صبّ الماء عليه مرّتين كما دلّت عليه الأخبار المتقدِّمة، فإذا غسلناه مرّة واحدة و لم يزل بذلك فهو أيضاً بول متحقق في الثوب أو البدن فيجب غسله مرّتين بمقتضى إطلاق الروايات و عليه فمقتضى الإطلاقات هو العكس أعني اعتبار كون الغسلة الأُولى مزيلة للعين

____________

(1) في ص 25.

(2) الوسائل 3: 395، 396/ أبواب النجاسات ب 1.

30

و أما من بول الرضيع غير المتغذي بالطعام فيكفي صبّ الماء مرّة و إن كان المرّتان أحوط (1).

____________

و إلّا وجب غسله مرّتين، لأنه بول متحقق في الثوب أو البدن و لا فرق في تحققه بين الحدوث و البقاء.

(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات:

الاولى: أن الصبّة الواحدة هل تكفي في إزالة بول الرضيع غير المتغذي بالطعام أو لا بدّ في تطهيره من صبّ الماء عليه مرّتين؟

المشهور بل المتسالم عليه بينهم كفاية الصب مرّة خلافاً لما حكي عن كشف الغطاء من اعتبار الصب مرّتين (1)، و لعل الوجه فيه أن حسنة الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن بول الصبي؟ قال: تصب عليه الماء» (2) الدالّة على كفاية الصبة الواحدة مطلقة، و مقتضى قانون الإطلاق و التقييد تقييدها بما دلّ على اعتبار التعدّد في مطلق البول كما في حسنة أو صحيحة أبي إسحاق النحوي (3) و حسنة الحسين بن أبي العلاء (4) و غيرهما من الأخبار المشتملة على قوله (عليه السلام): «صب عليه الماء مرّتين» بعد السؤال عن إصابة البول للجسد، هذا.

و لكن الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور في المسألة، و ذلك لأنّ حسنة الحلبي و إن كانت مطلقة إلّا أن حسنة الحسين المتقدِّمة ظاهرة الدلالة على كفاية الصبة الواحدة في بول الصبي قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد؟ قال: صب عليه الماء مرّتين فإنّما هو ماء»، «و سألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله مرّتين»، «و سألته عن الصبي يبول على الثوب؟ قال: تصب عليه الماء قليلًا ثم تعصره» (5). و الوجه في الظهور: أن التفصيل قاطع للشركة فإنّه (عليه السلام) فصّل

____________

(1) كشف الغطاء: 179 السطر 8.

(2) الوسائل 3: 397/ أبواب النجاسات ب 3 ح 2.

(3) الوسائل 3: 395/ أبواب النجاسات ب 1 ح 3.

(4) الوسائل 3: 395/ أبواب النجاسات ب 1 ح 4.

(5) الوسائل 3: 397/ أبواب النجاسات ب 3 ح 1.

31

..........

____________

بين بول الصبي حيث اكتفى فيه بالصب مرّة و بين غيره فأوجب فيه الصب مرّتين، و هذا يدلنا على أن التعدّد إنما هو في بول غير الصبي، و أمّا بول الصبي فيكفي فيه الصب مرّة واحدة كما التزم به المشهور.

الجهة الثانية: هل العصر بعد الصب معتبر في بول الصبي أو يكفي في إزالته مجرّد الصب؟

قد يقال باعتبار العصر في تطهيره نظراً إلى ما ورد في ذيل حسنة الحسين المتقدِّمة «تصب عليه الماء قليلًا ثم تعصره» و لا سيما بناء على أن الغسالة نجسة، فإن الماء ينفعل بملاقاة البول لا محالة، و لا مناص في تطهير المتنجِّس حينئذ من إخراج الغسالة بالعصر.

و لكن الظاهر عدم الاعتبار، و ذلك لأن الأمر بالعصر في الحسنة يحتمل أن يكون جارياً مجرى العادة و الغلبة، فان الغالب عصر المتنجِّس بعد الصب عليه، كما يحتمل أن يكون مستحبّاً للقطع بكفاية العصر على تقدير القول به مقارناً مع الصب، فالتقييد بكونه بعد الصب قرينة على ما ذكرناه، فلا دلالة للحسنة على اعتبار العصر بعد الصب.

و أما غسالة بول الصبي فإن قلنا بطهارة الغسالة المتعقبة بطهارة المحل كما هو الصحيح فلا كلام، و أما إذا قلنا بنجاستها فالأمر أيضاً كذلك، لأنه لا يجب إخراج الغسالة في التطهير عن بول الصبي للحكم بطهارتها ما دامت باقية في محلها تبعاً له فلا يحكم بنجاستها بالانفصال.

الجهة الثالثة: هل الرش كالصب في التطهير عن بول الصبي؟

الصحيح عدم كفاية الرش عن الصب، لأن الوارد في ألسنة الأخبار المتقدِّمة إنما هو الصب فلا دليل على كفاية الرش و النضح و إن استوعبا الموضع النجس، فان ظاهر الأخبار اعتبار القاهرية في الماء و غلبة المحل دفعة.

نعم، ورد في روايتين الأمر بالنضح في بول الصبي ففي إحداهما: «يغتسل من بول

32

..........

____________

الجارية و ينضح على بول الصبي ما لم يأكل» (1) و ثانيتهما: «أن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) أخذ الحسن بن علي (عليه السلام) فأجلسه في حجره فبال عليه قال: فقلت له: لو أخذت ثوباً فأعطني إزارك فاغسله، فقال: إنما يغسل من بول الأُنثى و ينضح من بول الذّكر» (2) إلّا أنهما عاميان و لا يمكن أن نرفع اليد لأجلهما عن الأخبار المعتبرة الآمرة بالصب كما تقدّم.

الجهة الرابعة: هل الحكم بكفاية الصب خاص بالصبي أو يعم الصبية أيضاً؟ قد يطلق الصبي و يراد به الجنس فيشمل الأُنثى و الذكر، إلّا أن إرادته من لفظة الصبي في روايات الباب غير ظاهرة، فبما أن الوارد فيها هو الصبي فلا مناص من أن يقتصر في الحكم بكفاية الصب عليه و يرجع في بول الصبية إلى عموم ما دلّ على أن البول يغسل منه الثوب أو البدن مرّتين، لأن المقدار المتيقن من تخصيص ذلك إنما هو التخصيص ببول الصبي، و أما بول الصبية فيبقى مشمولًا لعموم الدليل أو إطلاقه.

و أما ما ورد في ذيل حسنة الحلبي من قوله (عليه السلام) «و الغلام و الجارية في ذلك شرع سواء» (3) فلا يمكن الاستدلال به لإجمال المشار إليه في قوله: «في ذلك» لأنّ المتقدِّم عليه أمران: أحدهما: قوله (عليه السلام) «يصب عليه الماء» و ثانيهما: قوله «فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلًا» و لم يعلم أن الجارية كالغلام في كفاية صبّ الماء في تطهيره، أو أن المماثلة إنما هي في لزوم الغسل بالماء فيما إذا كان يأكل الطعام و معه نشك في التحاق بول الصبية ببول الصبي، فلا مناص حينئذ من الاكتفاء في الخروج عن مقتضى الأدلّة الدالّة على لزوم غسل البول مرّتين بخصوص بول الصبي.

الجهة الخامسة: أن عنوان الرضيع لم يرد في شيء من الروايات المعتبرة و إنما ورد فيها عنوان الصبي مقيداً في بعضها بما إذا لم يأكل الطعام، و حيث إن الصبي غير المتغذي بالطعام لا ينفك عن كونه رضيعاً فعبّر عنه الأصحاب بالرضيع، و عليه فالمدار إنما هو

____________

(1) أخرجه أبو داود في سننه ج 1 ص 103/ 377 بتغيير يسير و كذا غيره.

(2) نفس المصدر و عنه في تيسير الوصول ج 3 ص 57.

(3) الوسائل 3: 397/ أبواب النجاسات ب 3 ح 2.

33

و أمّا المتنجِّس بسائر النجاسات عدا الولوغ (1) (1) فالأقوى كفاية الغسل مرّة (2)

____________

على صدق عنوان الصبي سواء بلغ عمره سنتين أم زاد عليهما، فما في بعض الكلمات من تخصيص الحكم بالصبي الذي لم يبلغ سنتين ضعيف.

(1) قد كتبنا في تعليقتنا أن استثناء الولوغ في المقام من اشتباه القلم بلا ريب و الصحيح «عدا الإناء» لوضوح أن الولوغ لا خصوصية له في وجوب التعدّد فيه، حيث إن الأواني بأجمعها كذلك، و الإناء قد يتنجّس بالولوغ و قد يتنجّس بغيره و لكل منهما و إن كان حكم على حدة إلّا أن الجميع يشترك في وجوب التعدّد فيه كما يأتي في محلِّه.

(2) و ذلك لإطلاقات الروايات الآمرة بالغسل في مثل البول من غير الآدمي- (2) و المني (3) و الكافر (4) و الكلب (5) و غير ذلك من النجاسات الواردة في الأخبار، فإن الأمر بالغسل إرشاد إلى أمرين: أحدهما: نجاسة ذلك الشيء. و ثانيهما: أن الغسل بالماء مطهّر له، و مقتضى إطلاق الأمر به كفاية الغسل مرّة واحدة، و لعلّ هذا مما لا إشكال فيه.

و إنما الكلام في المتنجسات التي لم يرد فيها أمر مطلق بالغسل، و ذلك كما إذا استفدنا

____________

(1) ذكر كلمة الولوغ من سهو القلم و الصحيح «عدا الإناء».

(2) كما في حسنة عبد اللّٰه بن سنان قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

(3) كما في صحيحة محمّد بن مسلم «في المني يصيب الثوب، قال: إن عرفت مكانه فاغسله و إن خفي عليك فاغسله كله» الوسائل 3: 423/ أبواب النجاسات ب 16 ح 1.

(4) كما في موثقة أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) «في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني، قال: من وراء الثوب، فان صافحك بيده فاغسل يدك» الوسائل 3: 420/ أبواب النجاسات ب 14 ح 5.

(5) كما في حسنة محمّد بن مسلم قال: «سألتُ أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الكلب السلوقي، فقال: إذا مسسته فاغسل يدك» الوسائل 3: 416/ أبواب النجاسات ب 12 ح 9، 1: 274/ أبواب النواقض ب 11 ح 1.

34

..........

____________

نجاسته من الأمر بإعادة الصلاة الواقعة فيه، و كما في ملاقي المتنجِّس بالبول أو غيره مما يجب فيه الغسل متعدداً، و لا سيما في المتنجِّس بالمتنجس من دون واسطة فإنّه يتنجّس بملاقاته من دون أن يكون هناك مطلق ليتمسك بإطلاقه في الحكم بكفاية المرّة الواحدة فيه. نعم المتنجِّس بالمتنجس بالنجاسة التي يكفي فيها الغسل مرّة كالدم و غيره لا إشكال في كفاية المرّة الواحدة فيه. فهل يكتفى في أمثال ذلك بالمرة الواحدة أو لا بدّ فيها من التعدّد؟ فقد يقال بكفاية المرّة الواحدة حينئذ، و ما يمكن أن يستدل به على ذلك وجوه:

الأوّل: الإجماع المركب و عدم القول بالفصل بين النجاسات التي ورد فيها أمر مطلق بغسلها و ما لم يرد في غسلها أمر مطلق بوجه، و حاصله دعوى الإجماع على أن كل مورد لم يقم فيه الدليل على اعتبار التعدّد يكفي فيه المرّة الواحدة. و يدفعه عدم إحراز اتفاقهم في المسألة كيف و قد ذهب جملة من متأخري المتأخرين إلى اعتبار التعدّد فيما لم يقم دليل على كفاية المرّة فيه. على أنّا لو سلمنا ثبوت الاتفاق عندهم في المسألة أيضاً لم يمكن الاعتماد عليه، لوضوح أنه ليس إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) لاحتمال استنادهم في ذلك إلى أحد الوجوه الآتية في الاستدلال.

الثاني: النبوي الذي رواه المؤالف و المخالف كما عن السرائر- (1) أعني قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) «خلق اللّٰه الماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلّا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» (2) لدلالته على حصول الطهارة بالماء مطلقاً. و فيه: أنه إنما يدل على ثبوت المطهرية للماء فحسب و أما كيفية التطهير به فلا يستفاد من الرواية بوجه. على أنها كما قدّمنا في الجزء الأوّل من كتابنا (3) نبوية ضعيفة السند، حيث رويت بطرق العامة و لم تثبت روايتها من طرقنا فضلًا عن أن يكون نقلها متسالماً عليه بين المؤالف و المخالف.

____________

(1) السرائر 1: 64.

(2) الوسائل 1: 135/ أبواب الماء المطلق ب 1 ح 9، المستدرك 1: 190/ أبواب الماء المطلق ب 3 ح 11.

(3) شرح العروة 2: 11.

35

..........

____________

الثالث: أصالة الطهارة، بتقريب أن المتيقن من نجاسة الملاقي لشيء من النجاسات إنما هو نجاسته قبل غسله، فاذا غسلناه مرّة واحدة لم ندر أنه طاهر أو نجس و مقتضى أصالة الطهارة طهارته. و هذا الوجه و إن كان وجيهاً في نفسه بناء على ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلٰهيّة، لأنّ استصحاب نجاسة المتنجِّس فيما نحن فيه بعد الغسلة الواحدة معارض باستصحاب عدم جعل النجاسة عليه زائداً على المقدار المتيقن و هو نجاسته قبل غسله، إلّا أنه لا مجال للرجوع إليها في المسألة لإطلاق ما دلّ على نجاسة المتنجسات، فإن إطلاق ما دلّ على أن الصلاة الواقعة في ملاقي النجس باطلة أو تجب إعادتها أو ما دلّ على نجاسته بغير ذلك من أنحاء البيان يقتضي بقاءها على نجاستها إلى الأبد إلّا أن يطرأ عليها مطهّر شرعي و هو غير محرز في المقام.

الرابع: إطلاقات الأخبار و قد عثرنا على ذلك في جملة من الروايات:

الأُولى: صحيحة زرارة التي هي من أدلة الاستصحاب قال: «قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من مني ... إلى أن قال: تعيد الصلاة و تغسله ...» الحديث (1) فان الظاهر أن السؤال فيها إنما هو عن مطلق النجاسة لا عن الدم فحسب، فان قوله: «أو غيره» و إن كان يحتمل في نفسه أن يراد به غير الدم من النجاسات ليكون ذكر المني بعد ذلك من قبيل ذكر الخاص بعد العام، كما يحتمل أن يراد به دم غير الرعاف إلّا أن المستفاد من جملات السؤال و الجواب الواردة في الصحيحة أن السؤال إنما هو عن طبيعي النجاسة و لا سيما قوله: «و لا تعيد الصلاة قلت لِمَ ذلك؟ قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ...».

الثانية: موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «أنه سئل عن رجل ليس عليه إلّا ثوب و لا تحل الصلاة فيه و ليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال: يتيمّم و يصلِّي فإذا أصاب ماء غسله و أعاد الصلاة» (2) فان قوله «و لا تحل الصلاة فيه» و إن كان

____________

(1) الوسائل 3: 477/ أبواب النجاسات ب 41 ح 1، 479/ ب 42 ح 2.

(2) الوسائل 3: 485/ أبواب النجاسات ب 45 ح 8، الوسائل 3: 392/ أبواب التيمم ب 30 ح 1.

36

..........

____________

يحتمل استناده إلى كون الثوب مما لا يؤكل لحمه إلّا أن قوله (عليه السلام) «فإذا أصاب ماء غسله» كاشف عن أن عدم حلية الصلاة فيه كان مستنداً إلى نجاسته.

الثالثة: مرسلة محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن (عليه السلام) «في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام، إلّا أن يعلم أنه قد نجّسه شيء بعد المطر فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله ...» (1) و هذه الأخبار كما ترى مطلقة و مقتضاها كفاية الغسلة الواحدة في التطهير عن مطلق النجس.

نعم، لا يمكن الاستدلال على ذلك بالرواية الأخيرة لضعف سندها بالإرسال، و إمكان المناقشة في دلالتها من جهة أن الطريق سواء علمنا بطهارته أم بنجاسته لا يختلف حكمه قبل الثلاثة و بعدها، فإنّه إن كان طاهراً فهو كذلك قبل الثلاثة و بعدها، و إذا كان نجساً فكذلك أيضاً، فلم يظهر لنا وجه صحيح لمدخلية ثلاثة أيام في الحكم الوارد في الرواية.

و من جملة الأخبار التي يمكن أن يستدل بها على المدعى موثقة ثانية لعمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في الرجل إذا قصّ أظفاره بالحديد أو جزّ شعره أو حلق قفاه فانّ عليه أن يمسحه بالماء قبل أن يصلي، سئل فإن صلّى و لم يمسح من ذلك بالماء؟ قال: يعيد الصلاة لأنّ الحديد نجس ...» (2) فان حكمه بكفاية المسح بالماء معللًا بأن الحديد نجس يعطي أنّ طبيعة النجس تنجس ملاقياتها بالرطوبة، و تزول نجاستها بمجرد أن أصابها الماء و هو معنى كفاية الغسل مرّة واحدة. نعم تطبيق ذلك على الحديد لا يخلو من عناية، لوضوح عدم كون الحديد نجساً و لا أنه منجّس لما يلاقيه إلّا أنه أمر آخر. و الضابط الكلي في المسألة أن ما دلّ على نجاسة الملاقي لشيء من الأعيان النجسة كالأمر بغسله أو بإعادة الصلاة الواقعة فيه و نحوهما، إما أن يكون مطلقاً و إما أن لا يكون و إنما دلّ على نجاسته في الجملة.

فعلى الثاني لا بدّ من الاكتفاء في نجاسته بالمقدار المتيقن و هو ما إذا لم يغسل الملاقي

____________

(1) الوسائل 3: 522/ أبواب النجاسات ب 75 ح 1.

(2) الوسائل 1: 288/ أبواب النواقض ب 14 ح 5، 3: 530/ أبواب النجاسات ب 83 ح 6.

37

..........

____________

أصلًا و لو مرّة واحدة فإنّه حينئذ محكوم بالنجاسة قطعاً، و أما إذا غسلناه مرّة واحدة فلا محالة يشك في نجاسته و طهارته و بما أنه لا إطلاق لما دلّ على نجاسته، فلا بدّ من المراجعة إلى الأُصول الجارية في المسألة، و لا بأس باستصحاب بقاء النجاسة بعد الغسل مرّة بناء على جريانه في الأحكام الكلية الإلهيّة، و حيث لا نلتزم بذلك يتعيّن الرجوع إلى أصالة الطهارة لا محالة.

و أما على الأوّل فلا مناص من التمسك بإطلاق الدليل عند الشك في نجاسة المتنجِّس و طهارته بعد الغسلة الواحدة، إلّا أنك عرفت أن الإطلاق يقتضي كفاية الغسل مرّة في مطلق النجاسات سوى ما قام الدليل فيه على التعدّد.

ثم لو ناقشنا في تلك المطلقات سنداً أو دلالة و لو بدعوى عدم كونها في مقام البيان من تلك الناحية، فلا بدّ من النظر إلى ما ورد من الدليل في كل واحد من النجاسات فان كان له إطلاق من حيث كفاية الغسل مرّة واحدة مضافاً إلى إطلاقه من حيث بقائه على نجاسته إلى أن يطرأ عليه مزيل فهو، و إلّا فلا بدّ من غسله ثانياً حتى يقطع بطهارته، هذا بحسب كبرى المسألة.

و أمّا تطبيقها على صغرياتها، فاعلم أن الأدلّة الواردة في نجاسة الأعيان النجسة بأجمعها مطلقة، و ذلك لأنها إنما تستفاد من الأمر بغسلها و إزالتها عن الثوب و البدن أو بإعادة الصلاة الواقعة في ملاقياتها، و الأخبار الآمرة بالغسل مطلقة. فقد ورد في البول «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1) و مقتضى إطلاقه كفاية الغسل مرّة واحدة، و قد خرجنا عن ذلك بما دلّ على لزوم التعدّد في بول ما لا يؤكل لحمه أو خصوص بول الإنسان على الخلاف و كذلك الحال في الغائط لأنه بإطلاقه و إن لم ترد نجاسته في رواية إلّا أنها يستفاد مما دلّ على نجاسة البول لعدم القول بالفصل بينهما. و أما الغائط من الإنسان فهو لا يحتاج إلى الغسل إذ يكفي في إزالته التمسح بالأحجار و نحوها. و ورد في الكلب «إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله ...» (2).

____________

(1) كما في حسنة ابن سنان المروية في الوسائل 3: 405/ أبواب النجاسات ب 8 ح 2.

(2) كما في صحيحة أبي العباس المروية في الوسائل 3: 414/ أبواب النجاسات ب 12 ح 1.

38

..........

____________

و في الخنزير «عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر و هو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله ...» (1) و في أهل الكتاب «في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني، قال: من وراء الثوب فان صافحك بيده فاغسل يدك» (2) و قد أسلفنا تحقيق الكلام في نجاستهم و عدمها في محلِّه (3) فليراجع. و في عرق الإبل الجلالة «و إن أصابك شيء من عرقها فاغسله» (4) نعم بيّنا في محلِّه (5) عدم نجاسته، و قلنا إن الوجه في الأمر بغسله أنه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه و استصحابها في الصلاة يمنع عن صحتها. و في المني «إن عرفت مكانه فاغسله و إن خفي عليك فاغسله كلّه» (6) و في الميت «يغسل ما أصاب الثوب» (7) و في الخمر «إذا أصاب ثوبك فاغسله إن عرفت موضعه و إن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، و إن صلّيت فيه فأعد صلاتك» (8). و في الدم «إن اجتمع قدر حمصة فاغسله و إلّا فلا» (9) أي و إلّا فلا يعاد منه الصلاة فلا يلزم غسله لذلك، لا أنه طاهر إذا كان أقل من حمصة كما ذهب إليه الصدوق (10).

و هذه الأخبار كما ترى مطلقة دلت على نجاسة الأعيان الواردة فيها كما أنها اقتضت كفاية الغسل مرّة واحدة، و إن كان لا يعتمد على بعضها لضعف سندها أو

____________

(1) و هي صحيحة علي بن جعفر المروية في الوسائل 3: 417/ أبواب النجاسات ب 13 ح 1.

(2) و هي موثقة أبي بصير المروية في الوسائل 3: 420/ أبواب النجاسات ب 14 ح 5.

(3) في مبحث النجاسات قبل المسألة [198].

(4) و هي حسنة حفص بن البختري المروية في الوسائل 3: 423/ أبواب النجاسات ب 15 ح 2.

(5) في مبحث النجاسات قبل المسألة [210].

(6) و هي صحيحة محمّد بن مسلم المروية في الوسائل 3: 423/ أبواب النجاسات ب 16 ح 1.

(7) و هي حسنة الحلبي المروية في الوسائل 3: 462/ أبواب النجاسات ب 34 ح 2.

(8) و هي صحيحة علي بن مهزيار الآمرة بالأخذ بقول أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) المروية في الوسائل 3: 468/ أبواب النجاسات ب 38 ح 2.

(9) و هي رواية مثنى بن عبد السلام المروية في الوسائل 3: 430/ أبواب النجاسات ب 20 ح 5.

(10) الفقيه 1: 42.

39

..........

____________

لغيره من الجهات المتقدِّمة في مواردها، هذا كله في المتنجِّس بالأعيان النجسة. فتلخص أن المرّة الواحدة كافية في إزالتها.

و أما المتنجِّس بالمتنجس بتلك النجاسات فلا مناص من الحكم بكفاية المرّة الواحدة في تطهيره، لأن المرّة إذا كانت كافية في إزالة نجاسة الأعيان النجسة كانت موجبة لطهارة المتنجِّس بالمتنجس بها بالأولوية القطعية. نعم، فيما إذا كانت العين مما يعتبر فيه التعدّد كالبول لم يمكن الحكم بكفاية المرّة في المتنجِّس بها مع الواسطة، لعدم زوال العين إلّا بالتعدد، فهل يلتزم فيه بالتعدد أو تكفي فيه المرّة أيضاً؟

الثاني هو الصحيح، و ذلك لمعتبرة العيص بن القاسم قال: «سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال: إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه» (1) لأن إطلاقها يقتضي الحكم بكفاية الغسلة الواحدة في المتنجِّس بالماء المتنجِّس بالبول أو بغيره من النجاسات، هذا.

و قد يناقش في الاستدلال بالرواية من جهتين إحداهما: الإضمار، و يدفعه: أن جلالة شأن العيص مانعة عن احتمال رجوعه في الأحكام الشرعية إلى غير الإمام (عليه السلام) فالإضمار في حقه غير مضر. و ثانيتهما: الإرسال، و يرد عليه: أنّ ظاهر قول الشهيد (2) أو المحقِّق (3) (قدس سرهما) قال العيص أو روى أو ما هو بمضمونهما أنه إخبار حسي لأنه ينقلها عن نفس الرجل، و كلما دار أمر الخبر بين أن يكون إخباراً حسياً أو إخباراً حدسياً حمل على الحس على ما بيّناه في محله، و بما أن الشهيد لم يكن معاصراً للرجل فلا مناص من حمل قوله هذا على أنه وجدها في كتاب قطعي الانتساب إلى العيص، و حيث إنه ثقة عدل فيعتمد على نقله و روايته فلا إشكال في الرواية بوجه.

فتحصل أن المتنجِّس بالأعيان النجسة و المتنجِّس به يطهر بغسله مرّة واحدة. نعم الإناء المتنجِّس بالبول أو الولوغ أو بغيرهما من الأعيان النجسة لا بدّ فيه من التعدّد

____________

(1) الوسائل 1: 215/ أبواب الماء المضاف ب 9 ح 14.

(2) الذكرى: 9 السطر 17.

(3) المعتبر 1: 90.

40

بعد زوال العين (1) فلا تكفي الغسلة المزيلة لها إلّا أن يصبّ الماء مستمراً بعد زوالها، و الأحوط التعدّد في سائر النجاسات أيضاً، بل كونهما غير الغسلة المزيلة (1).

[مسألة 5: يجب في الأواني إذا تنجست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرّات في الماء القليل]

[312] مسألة 5: يجب في الأواني إذا تنجست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرّات في الماء القليل (2) و إذا تنجست بالولوغ التعفير بالتراب مرّة و بالماء بعده

____________

فان له حكماً آخر كما يأتي عن قريب.

و أما إذا تنجس بالمتنجس كما إذا تنجس بالمتنجس بالبول أو الولوغ، فهل يكفي فيه المرّة الواحدة أو لا بدّ من غسله متعدداً، كما إذا كان متنجساً بالأعيان النجسة؟ مقتضى إطلاق موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سئل عن الكوز و الإناء يكون قذراً كيف يغسل؟ و كم مرّة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ منه و قد طهر ...» (2) أن الإناء إنما يطهر بغسله ثلاث مرات، سواء في ذلك أن يتنجّس بشيء من الأعيان النجسة أو أن يكون متنجساً بالمتنجس، إلّا فيما دلّ الدليل على وجوب غسله زائداً على ذلك.

(1) تكلّمنا على ذلك في البحث عن التطهير من البول (3) و ذكرنا ما توضيحه: أنّ الغسل بمعنى إزالة العين بالماء، و لا شبهة في أنّ ذلك صادق على الغسلة المزيلة أيضاً، فمقتضى الإطلاقات كفاية الغسلة المزيلة كغيرها، و لم يقم دليل على عدم كفاية الغسلة المزيلة في التطهير، و لم يثبت أنّ الغسلة الأُولىٰ للإزالة و الثانية للإنقاء. نعم، لا بأس بالاحتياط بالغسل مرّتين بعد الغسلة المزيلة.

(2) لموثقة عمار المتقدِّمة فإن مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين النجاسات و المتنجسات، و بها يقيد إطلاق صحيحة محمّد بن مسلم قال: «سألته عن الكلب يشرب من الإناء؟ قال: اغسل الإناء» (4) إلّا أن الموثقة مختصة بالغسل بالماء القليل

____________

(1) الظاهر كفاية الغسلة المزيلة للعين أيضاً.

(2) الوسائل 3: 496/ أبواب النجاسات ب 53 ح 1.

(3) في ص 28.

(4) الوسائل 1: 225/ أبواب الأسآر ب 1 ح 3، 227/ ب 2 ح 3.

41

مرّتين (1) و الأولى أن يطرح (1) فيها التراب من غير ماء و يمسح به ثم يجعل فيه شيء من الماء و يمسح به و إن كان الأقوى كفاية الأول فقط، بل الثاني أيضاً

____________

لعدم إمكان جعل الماء الكثير في الإناء ثم تفريغه، و معه إنما يرفع اليد عن الإطلاق في صحيحة محمّد بن مسلم في خصوص الغسل بالماء القليل و يبقى إطلاقها في التطهير بالكثير و الجاري و نحوهما على حاله، إذ لا مقتضي لتقييده في الغسل بغير الماء القليل و لعلّنا نعود إلى تتميم هذا البحث بعد ذلك (2).

(1) هذا هو المعروف بينهم. و عن المفيد في المقنعة أن الإناء يغسل من الولوغ ثلاثاً وسطاهن بالتراب ثم يجفّف (3) و عن السيد و الشيخ (قدس سرهما) في محكي الانتصار و الخلاف أنه يغسل ثلاث مرّات إحداهنّ بالتراب (4). و هذان القولان مما لم نقف له على مستند فيما بأيدينا من الروايات. و عن ابن الجنيد أنه يغسل سبع مرّات أُولاهنّ بالتراب (5) و يأتي الكلام على مدرك ذلك بعد التعرّض لما هو المختار في المسألة.

و الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين:

أحدهما: في تطهير ما ولغ فيه الكلب بالماء القليل.

و ثانيهما: في تطهيره بالماء العاصم من الكر و الجاري و نحوهما.

أمّا المقام الأوّل فالصحيح فيه ما ذهب إليه المشهور من لزوم غسله ثلاث مرات أُولاهن بالتراب و هذا لصحيحة البقباق قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن فضل الهرّة و الشّاة إلى أن قال فلم أترك شيئاً إلّا سألته عنه، فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس لا تتوضّأ بفضله و اصبب ذلك الماء

____________

(1) و الأظهر أن يجعل في الإناء مقدار من التراب، ثم يوضع فيه مقدار من الماء فيمسح الإناء به، ثم يزال أثر التراب بالماء، ثم يغسل الإناء بالماء مرّتين.

(2) في ص 54.

(3) المقنعة: 68.

(4) الانتصار: 9، الخلاف 1: 175 المسألة 130.

(5) المختلف 1: 336 المسألة 254.

42

..........

____________

و اغسله بالتراب أول مرّة ثم بالماء مرّتين» (1) بناء على ما نقله المحقق في المعتبر (2) لأنها على ذلك صريحة فيما سلكه المشهور في المقام.

و أمّا إذا ناقشنا فيما نقله (قدس سره) لعدم نقل الرواية في كتب الأصحاب و جوامع الأخبار كما نقله (قدس سره) حيث إنهم إنما رووها بإسقاط لفظة «مرّتين» فالزيادة محمولة على سهو القلم فالأمر أيضاً كذلك و يعتبر في تطهير الإناء من الولوغ غسله ثلاث مرات أُولاهن بالتراب، و ذلك لموثقة عمار المتقدِّمة لأنها كما تقدّمت مطلقة و مقتضى إطلاقها وجوب غسل الإناء ثلاث مرات سواء تنجس بشيء من النجاسات أو المتنجسات، و بذلك لا بدّ من رفع اليد عن إطلاق صحيحة البقباق في قوله: «بالماء» و تقييده بثلاث مرات كما هو الحال في صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة في قوله: «اغسله بالماء» (3) و نتيجة ذلك أنه لا بدّ من غسل الإناء المتنجِّس ثلاث مرّات مطلقاً من دون تقييد كون أُولاهنّ بالتراب، و لكن الصحيحة قيدت الغسلة الأُولى بذلك، فالصحيحة مقيدة للموثقة من جهة و الموثقة مقيدة لها من جهة و قد أنتج الجمع بين صحيحتي البقباق و محمد بن مسلم و موثقة عمار بتقييد بعضها ببعض، أن الإناء المتنجِّس بالولوغ لا بدّ من غسله ثلاث مرات أُولاهن بالتراب.

و أما ما حكي عن ابن الجنيد فالمستند له أمران:

أحدهما: النبوي «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أُولاهن بالتراب» (4). و فيه مضافاً إلى أنه نبوي ضعيف السند، أنه معارض بما في النبويين الآخرين «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات» (5) و في أحدهما زيادة «أو خمساً أو سبعاً» (6) و بما أن التخيير في تطهير المتنجِّس بين الأقل و الأكثر مما

____________

(1) الوسائل 1: 226/ أبواب الأسآر ب 1 ح 4، 3: 516/ أبواب النجاسات ب 70 ح 1.

(2) المعتبر 1: 458.

(3) و لكن نص الرواية «اغسل الإناء».

(4) نقله في كنز العمال 9: 370 عن أحمد و النسائي عن أبي هريرة.

(5) حاشية ابن مالك على صحيح مسلم ج 1 ص 162.

(6) سنن البيهقي ج 1 ص 240 عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) في الكلب يلغ في الإناء، أنه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً.

43

..........

____________

لا معنى له، فالرواية تدلنا على أن المعتبر في تطهير الإناء هو الغسل ثلاث مرّات و الزيادة تكون مستحبة لا محالة.

و ثانيهما: موثقة عمار «عن الإناء يشرب فيه النبيذ، فقال: تغسله سبع مرّات و كذلك الكلب» (1) و يرد على الاستدلال بها أن المذكور في الموثقة ابتداء هو النبيذ و قد حكم بوجوب غسل الإناء منه سبع مرّات ثم شبّه به الكلب، و يأتي في محلِّه (2) أن الإناء إنما يغسل من النبيذ ثلاث مرّات و لا يجب فيه السبع، و معه لا بدّ من حمل الزائد على الاستحباب، و إذا كان هذا هو الحال في المشبه به فلا محالة تكون الحال في المشبّه أيضاً كذلك، فلا يمكن الاستدلال بها على وجوب غسل الإناء من الولوغ سبع مرات، هذا كله في الغسل بالماء القليل.

و أمّا المقام الثاني و لزوم التعدّد أو التعفير في الغسل بالماء العاصم من الكر و الجاري و غيرهما فيأتي عليه الكلام عند تعرّض الماتن لحكمه (3).

بقي الكلام في أُمور:

منها: ما حكي عن المفيد من اعتبار تجفيف الإناء بعد الغسلات (4) و وافقه عليه جملة من المتأخرين و متأخريهم، بل عن الصدوقين أيضاً التصريح به (5) و لعل المستند في ذلك هو الفقه الرضوي «إن وقع كلب في الماء أو شرب منه أُهريق الماء و غسل الإناء ثلاث مرات مرّة بالتراب و مرّتين بالماء ثم يجفّف» (6). و الصحيح وفاقاً للمشهور عدم اعتبار التجفيف بعد الغسلات، لأن الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية

____________

(1) الوسائل 25: 368/ أبواب الأشربة المحرمة ب 30 ح 2.

(2) في ص 48.

(3) في ص 58.

(4) المقنعة: 48.

(5) المقنع: 58.

(6) المستدرك 2: 602/ أبواب النجاسات ب 45 ح 1 إلّا أن في فقه الرضا: 93 هكذا «غسل الإناء ثلاث مرات بالماء و مرّتين بالتراب ثم يجفف».

44

..........

____________

فضلًا عن أن تكون معتبرة. على أن الأمر بالتجفيف فيه إنما جرى مجرى الغالب لأن تجفيف الإناء بعد غسله أمر غالبي، فما اعتمدوا عليه في ذلك لا يمكن المساعدة عليه سنداً و دلالة.

و منها: أن الحكم بلزوم غسل الإناء ثلاثاً أُولاهن بالتراب، هل هو خاص بما إذا شرب الكلب من الماء أو أنه يعم ما إذا شرب من سائر المائعات و لا يعتبر في ذلك أن يكون السؤر ماء؟ الظاهر عدم الاختصاص، لأن ذيل صحيحة البقباق المتقدِّمة (1) و إن كان يظهر منه اختصاص الحكم بالماء حيث قال: «و اصبب ذلك الماء» إلّا أن صدرها ظاهر الدلالة على عدم الاختصاص، لأن السؤال فيها إنما هو عن فضل الهرة و الكلب و غيرهما من الحيوانات، و الفضل بمعنى ما يبقى من الطعام و الشراب و هو أعم من الماء فالحكم عام لمطلق المائعات. و أما ذيل الصحيحة أعني قوله «و اصبب ذلك الماء» فإنّما هو بلحاظ الوضوء، حيث رتّب عليه عدم جواز التوضؤ به و لأجل بيان ذلك قدّم الأمر بصبّ الماء.

و منها: معنى التعفير، و هو الذي أشار إليه بقوله «و الأولى أن يطرح إلخ» لأن لفظة التعفير و إن لم ترد في شيء من الأخبار إلّا أن الصحيحة ورد فيها الأمر بالغسل بالتراب، و من هنا لا بدّ من التكلم فيما أُريد منه فنقول:

إنّ الغسل بالتراب إمّا أن يكون بمعنى مسح الإناء بالتراب و إنما استعمل فيه الغسل مجازاً بجامع إزالة الوسخ به، لأنه كما يزول بالغسل بالماء كذلك يزول بالمسح بالتراب و على ذلك فالغسل بالتراب معنى مغاير للغسل بالماء، فيعتبر في تطهير الإناء حينئذ الغسل أربع مرّات إحداها الغسل بالمعنى المجازي، و ذلك لأن موثقة عمار دلّت على لزوم الغسل ثلاث مرات، و صحيحة البقباق اشتملت على لزوم الغسل بالتراب، و قد فرضنا أنه أمر مغاير للغسل حقيقة، و مقتضى هاتين الروايتين أن الإناء يعتبر في تطهيره الغسل أربع مرات إحداها المسح بالتراب.

و إما أن يكون بمعنى الغسل بالماء باستعانة شيء آخر و هو التراب، فالباء في قوله:

____________

(1) في ص 41.

45

و لا بدّ من التراب فلا يكفي عنه الرماد و الأشنان و النورة و نحوها (1) نعم يكفي الرمل (1) (2).

____________

«اغسله بالتراب» للاستعانة كما هو الحال في قولهم: اغسله بالصابون أو الأشنان أو الخطمي و نحوها، فان معناه ليس هو مسح الثوب بالصابون و إنما هو بمعنى غسله بالماء و لكن لا بوحدته بل بضم شيء آخر إليه، و عليه فمعنى الغسل بالتراب جعل مقدار من الماء في الإناء مع مقدار من التراب و غسله بالماء بإعانة التراب، أعني مسح الإناء بالماء المخلوط به التراب كما هو الحال في الغسل بالصابون و نحوه ثم يزال أثر التراب بالماء، و بذلك يتحقّق الغسل بالتراب عُرفاً.

و هذا هو الصحيح المتعارف في غسل الإناء و إزالة الأقذار العرفية، و عليه لا يعتبر في تطهير الإناء سوى غسله ثلاث مرات أُولاهن بالتراب، و ذلك لأن الغسل بالتراب على ما ذكرناه أمر غير مغاير للغسل بالماء بل هو هو بعينه بإضافة أمر زائد و هو التراب، لأن الغسل معناه إزالة الوسخ بمطلق المائع، و إنما خصصناه بالماء لانحصار الطهور به في الأخباث، و حيث أنّ الموثقة دلّت على اعتبار الغسل ثلاث مرات من غير تقييد كون أُولاهنّ بالتراب، فنقيدها بذلك بمقتضى صحيحة البقباق، و النتيجة أنّ الإناء يعتبر في تطهيره الغسل ثلاث مرّات مع الاستعانة في أُولاهنّ بالتراب.

(1) كالصابون، و ذلك لأنّ ما ورد في صحيحة البقباق المتقدِّمة (2) إنما هو الغسل بالتراب، و لم يحصل لنا القطع بعدم الفرق بين التراب و غيره مما يقلع النجاسة، لاحتمال أن تكون للتراب خصوصية في ذلك، كما حكي أن مكروبات فم الكلب و لسانه لا تزول إلّا بالتراب و إن لم نتحقق صحته.

(2) الوجه في ذلك غير ظاهر، لأنه إن كان مستنداً إلى جواز التيمم به كالتراب ففيه أنه أشبه شيء بالقياس، لأن التيمم حكم مترتب على الأرض و الصعيد فلا مانع

____________

(1) الظاهر أنه لا يكفي.

(2) في ص 41.

46

و لا فرق بين أقسام التراب (1) و المراد من الولوغ شربه الماء، أو مائعاً آخر بطرف لسانه (2)، و يقوى إلحاق لطعه (1) الإناء بشربه. و أما وقوع لعاب فمه فالأقوى فيه عدم اللّحوق و إن كان أحوط، بل الأحوط إجراء الحكم المذكور في مطلق مباشرته و لو كان بغير اللسان من سائر الأعضاء حتى وقوع شعره أو عرقه في الإناء (3).

____________

من أن يتعدّى فيه إلى الرمل، لأنه أيضاً من الأرض على كلام فيه، و أمّا إزالة النجاسة و التطهير فهي أمر آخر مترتب على التراب فلا وجه لقياس أحدهما بالآخر. و إن كان الوجه فيه هو ما ادعاه بعضهم من أن التراب حسبما يستفاد منه لدى العرف أعم من الرمل، فيدفعه: أنّ التراب في قبال الرمل فدعوى أنه داخل في مفهومه لا أنه في قباله بعيد غايته. فالصحيح الاقتصار في التعفير على التراب.

(1) لإطلاق الصحيحة من حيث أفراد التراب فيشمل الطين الأرمني و الطين الأحمر و غيرهما من أفراده، فهي و إن كانت خاصة بالتراب إلّا أنها عامّة من حيث أفراده.

(2) كما عرفت.

(3) إن عنوان الولوغ لم يرد في شيء من الأخبار المعتبرة، نعم ورد في النبويين المتقدِّمين (2) إلّا أنهما ضعيفان كما مر، و العمدة صحيحة البقباق و هي إنما وردت في خصوص الشرب مشتملة على عنوان الفضل و لا تشمل اللطع بوجه، و التعدي من الشرب إليه يحتاج إلى القطع بعدم الفرق بينهما و هو غير موجود، لأنه من الجائز أن تكون للشرب خصوصية في نظر الشارع إذ لا علم لنا بمناطات الأحكام الشرعية. و أصعب من ذلك ما إذا لم يشرب الكلب من الإناء و لا أنه لطعه، و إنما وقع فيه شيء من لعاب فمه لعطسة و نحوها، فان إلحاق ذلك بالشرب في الحكم بوجوب التعفير

____________

(1) في القوة إشكال، نعم هو أحوط.

(2) في ص 42.

47

[مسألة 6: يجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرات]

[313] مسألة 6: يجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرات (1) و كذا

____________

و غسله ثلاث مرات لا وجه له سوى القطع بوحدة المناط و لا قطع لنا بذلك. و أوضح منهما إشكالًا ما إذا أصاب الكلب الإناء بغير لسانه كيده و رجله و غيرهما من أعضاء جسده، و ذلك لعدم القطع بالتسوية بين الشرب بلسانه و بين اللمس ببقية أعضائه. نعم ورد في رواية الفقه الرضوي المتقدِّم نقلها (1) «إن وقع كلب في الماء أو شرب منه أُهريق الماء ...» و هو صريح في التسوية، للقطع بأن وقوع الكلب في الإناء بتمام جسده لا خصوصية له، و وقوعه ببعضه كاف في صدق وقوع الكلب في الإناء الذي يترتب عليه الحكم بالغسل مرّة بالتراب و مرّتين بالماء، إلّا أن الرواية ضعيفة لا يعتمد عليها و لا سيما في المقام، لذهاب المشهور فيه إلى اختصاص الحكم بالولوغ.

(1) لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) حيث قال: «و سألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرّات» (2).

و قد يستبعد إيجاب الغسل سبع مرات بأنه (عليه السلام) في صدر الصحيحة قد اكتفى في تطهير الثوب من الأثر المنتقل إليه من الخنزير بمطلق الغسل و طبيعيه حيث قال: «سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر و هو في صلاته كيف يصنع؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله» و معه كيف يوجب الغسل سبع مرات في الإناء فان إزالة الأثر من الثوب أصعب من إزالته من الإناء. و يؤيد ذلك باعراض أكثر القدماء عن ظاهر الصحيحة و عدم التزامهم بمضمونها.

و يدفعه: أن الوجوه الاستحسانية و الاستبعادات العقلية غير صالحة للركون إليها في الأحكام الشرعية التعبّدية، لأنه من المحتمل أن تكون للإناء الذي شرب منه

____________

(1) في ص 43.

(2) الوسائل 3: 417/ أبواب النجاسات ب 13 ح 1.

48

في موت الجرذ و هو الكبير من الفأرة البرية (1)، و الأحوط في الخنزير التعفير قبل السبع أيضاً لكن الأقوى عدم وجوبه (2).

[مسألة 7: يستحب في ظروف الخمر الغسل سبعاً]

[314] مسألة 7: يستحب في ظروف الخمر الغسل سبعاً (3) و الأقوى كونها

____________

الخنزير خصوصية لأجلها اهتم الشارع بشأنه و شدّد الأمر فيه، بل الأمر كذلك واقعاً لأن الإناء معدّ للأكل و الشرب فيه. و أما المشهور فلم يثبت إعراضهم عن الصحيحة بل اعتنوا بشأنها و حملوها على الاستحباب فالاستبعاد في غير محله.

و على الجملة يجب في ولوغ الخنزير غسل الإناء سبع مرات كما يجب في ولوغ الكلب ثلاث مرّات، و إنما الفرق بينهما في أن في ولوغ الكلب لا يجب التعدّد إلّا إذا غسل بالماء القليل، لاختصاص الموثقة به، و إطلاقات الأمر بالغسل في الماء غير القليل تبقى بحالها، و أما في ولوغ الخنزير فيجب فيه الغسل سبع مرات بلا فرق في ذلك بين الغسل بالماء القليل و بين الغسل بغيره، و ذلك لإطلاق الصحيحة المتقدِّمة فلاحظ.

(1) لموثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «... اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتاً سبع مرات» (1).

(2) لعدم الدليل عليه، فان الصحيحة المتقدِّمة غير مقيدة بالتعفير. و قد حكي عن الشيخ في الخلاف إلحاق الخنزير بالكلب مستدلًا عليه بتسميته كلباً في اللغة و معه لا بدّ من القول بوجوب التعفير فيه (2) و فيه: أن الخنزير ليس من الكلب في شيء فلو أُطلق عليه أحياناً في بعض الموارد فهو إطلاق مجازي بلا ريب، و لا يمكن معه إسراء حكم الكلب إليه.

(3) لموثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «عن الإناء يشرب فيه النبيذ، فقال تغسله سبع مرّات و كذلك الكلب» (3) و موثقته الأُخرى عنه (عليه السلام) «... في

____________

(1) الوسائل 3: 496/ أبواب النجاسات ب 53 ح 1.

(2) الخلاف 1: 186 المسألة 143.

(3) الوسائل 25: 368/ أبواب الأشربة المحرمة ب 30 ح 2.

49

كسائر الظروف (1) في كفاية الثلاث (1).

____________

قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرات ...» (2) لأن مقتضى الجمع بينهما هو الحكم بوجوب الغسل في ظروف الخمر ثلاث مرات و استحباب غسلها سبعاً، و الجمع بينهما بذلك هو الذي يقتضيه الفهم العرفي في أمثال المقام، و أما الأخذ بالأكثر بأن يؤخذ بالثلاثة التي دلّت عليها إحداهما و تضاف عليها الأربعة التي تضمنتها رواية السبع لتكون النتيجة وجوب الغسل في ظروف الخمر سبع مرات، فلا يراه العرف جمعاً بين الدليلين.

(1) ما أفاده (قدس سره) من أن ظروف الخمر كسائر الظروف المتنجسة مما لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك لأن وجوب الغسل ثلاث مرات في سائر الأواني المتنجسة إنما يختص بغسلها في الماء القليل، و أما إذا غسلت بالماء العاصم فقد تقدمت الإشارة إلى أنه لا يعتبر فيه التعدّد بل يكفي غسلها فيه مرّة واحدة كما يأتي تفصيله عن قريب، و ذلك لمكان الإطلاقات الواردة في غسل الإناء المقتضية لكفاية الغسل مرّة واحدة، و إنما رفعنا عنها اليد بتقييدها ثلاث مرات لموثقة عمار المتقدِّمة و هي خاصة بالماء القليل، فالاطلاقات المقتضية لكفاية المرّة الواحدة في الماء العاصم بحالها. و هذا بخلاف الظروف المتنجِّسة بالخمر لأن مقتضى الجمع بين الموثقتين المتقدمتين وجوب غسلها ثلاث مرّات مطلقاً بلا فرق في ذلك بين غسلها بالماء القليل أو بالماء العاصم، كما أن بذلك نرفع اليد عن المطلقات المقتضية لكفاية مطلق الغسل في الأواني المتنجِّسة بالخمر و منها صدر الموثقة حيث قال: «سألته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء كامخ أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس» بناء على أنها في مقام البيان من هذه الجهة.

____________

(1) و لكنها تمتاز عنها بلزوم غسلها ثلاث مرات حتى في الماء الجاري و الكر.

(2) الوسائل 3: 494/ أبواب النجاسات ب 51 ح 1، 25: 368/ أبواب الأشربة المحرمة ب 30 ح 1، هذا و لكن في الكافي 6: 427/ 1 «أو ماء أو كامخ».

50

[مسألة 8: التراب الذي يعفّر به يجب أن يكون طاهراً]

[315] مسألة 8: التراب الذي يعفّر به يجب أن يكون طاهراً (1) قبل الاستعمال (1)

____________

(1) قد يقال كما قيل إن الوجه في ذلك هو انصراف النص إلى الغسل بالطاهر من التراب إلّا أنه من الفساد بمكان، لعدم الفرق بين النجس و الطاهر فيما هو المستفاد من النص لو لم ندع أن الغالب في التعفير هو التعفير بالتراب النجس.

فالصحيح في المقام أن يقال: إن الغسل بالتراب إن أُريد به مسح الإناء بالتراب كما هو أحد المحتملين في معنى الغسل به من دون اعتبار مزجه بالماء، فلا مانع من اعتبار الطهارة في التراب حينئذ، إما لأجل ما هو المرتكز في الأذهان من عدم كفاية الغسل أو المسح بالمتنجس في التطهير، متفرعاً على القاعدة المعروفة من أن فاقد الشيء لا يكون معطياً له، فالتراب المتنجِّس لا يوجب طهارة الإناء المغسول به. و إما لأجل أن التراب طهور للإناء، و قد مرّ أن الطهور هو ما يكون طاهراً في نفسه و مطهراً لغيره فالتراب النجس لا يطهر الإناء.

و أما إذا أُريد به الغسل حقيقة باستعانة التراب كما هو الحال في مثل الغسل بالصابون و نحوه، لما تقدم من أن معنى ذلك ليس هو مسح المغسول بالصابون مثلًا و إنما معناه غسله بالماء باستعانة الصابون، فلا وجه لاعتبار الطهارة في التراب، و ذلك لأن التراب ليس بطهور للإناء حينئذ و إنما مطهّره الماء.

و توضيحه: أن التراب الذي يصب في الإناء و يصب عليه مقدار من الماء ثم يمسح به الإناء، لا بدّ من أن يزال أثره بالماء بعد المسح، لوضوح أن مجرد مسح الإناء بالطين أي بالتراب الممتزج بالماء من غير أن يزال أثره بالماء لا يسمى تعفيراً و غسلًا بالتراب، و عليه فهب أن التراب متنجس و الماء الممتزج به أيضاً قد تنجس بسببه إلّا أن الإناء يطهر بعد ذلك بالماء الطاهر الذي لا بدّ من صبّه على الإناء لازالة أثر التراب عنه و هو جزء متمم للتعفير ثم يغسل بالماء مرّتين ليصير مجموع الغسلات ثلاثاً

____________

(1) على الأحوط.