موسوعة الإمام الخوئي - ج13

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
375 /
5

[تتمة كتاب الصلاة]

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على نبيّنا محمد و آله الطاهرين و لعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام الدين.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[فصل في مكان المصلي]

فصل في مكان المصلي و المراد به (1) ما استقر عليه و لو بوسائط و ما شغله من الفضاء في قيامه و قعوده و ركوعه و سجوده و نحوها، و يشترط فيه أُمور:

[أحدها: إباحته]

أحدها: إباحته (2)

____________

(1) لا يخفى أن المكان يطلق على معنيين:

أحدهما: ما يستقر عليه الشي‌ء و يثبت فيه، و يكون كوعاء و ظرف له.

ثانيهما: الفضاء و الفراغ الذي يشغله الإنسان في قيامه و قعوده و ركوعه و سجوده، و منه قول الفلاسفة: أن الجسم الطبيعي يحتاج في وجوده إلى المكان، أي إلى حيّز و فراغ يحيط به و يستوعبه، و المراد به في المقام المعنى العام الجامع بين المعنيين، فان بعض الأحكام يختص بالمعنى الأول كاشتراط الاستقرار في المكان أو طهارته و بعضها يختص بالمعنى الثاني كاشتراط عدم الإتيان بالصلاة تحت سقف مشرف على الانهدام، فان ذلك من شرائط الفضاء دون المقر و موقف المصلي كما لا يخفى. و منها ما يعم كلا المعنيين كاشتراط الإباحة المعتبرة فيما يستقر عليه المصلي و لو بوسائط، و ما يشغله من الفضاء و الفراغ.

(2) المعروف و المشهور اعتبار الإباحة في المكان بكلا معنييه كما عرفت، بل عليه الإجماع في كثير من الكلمات، لكنه كما ترى ليس إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم، بعد استناد أكثر المجمعين إلى دعوى اتحاد الحركات الصلاتية مع الغصب و امتناع اجتماع الأمر و النهي.

8

..........

____________

و التحقيق: هو التفصيل في المكان بين معنييه فتعتبر الإباحة فيه بالمعنى الأول في الجملة دون الثاني. و قد استقصينا الكلام فيه في الأُصول في بحث اجتماع الأمر و النهي (1).

و ملخصه: أن حقيقة الصلاة تتألف لدى التحليل من عدة من الأذكار كالقراءة و نحوها، و من الهيئات كالركوع و السجود و القيام و غيرها، و شي‌ء من ذلك لا يتحد مع الغصب عدا السجود من أجل أنّ مفهومه متقوم بوضع الجبهة على الأرض.

توضيح ذلك: أن الأذكار كالقراءة و التسبيحات و نحوها و إن أوجبت تحركاً و تموّجاً في الهواء، فكانت تصرفاً في الفضاء المغصوب بحسب الدقة العقلية إلا أنها لا تعدّ تصرفاً بالنظر إلى الصدق العرفي الذي هو المناط في تعلق الأحكام الشرعية، فلا يقال للمتكلم المزبور أو لمن نفخ في أرض الغير أنه تصرف في ملك الغير بدون رضاه بحيث يكون عقاب المتكلم في الدار الغصبية أشد من عقاب الساكت باعتبار ارتكابه تصرفاً آخر في الفضاء زيادة على أصل الاستيلاء، فلا تتحد الأذكار الصلاتية مع الغصب بوجه.

و أما الهيئات الخاصة: من الركوع و السجود و نحوهما فهي أيضاً لا تستوجب تصرفاً في المغصوب، ضرورة أنّ الواجب منها إنما هو نفس الهيئة، و هي بمجردها لا تكون مصداقاً للتصرف. نعم مقدماتها من الهوي و النهوض تصرف فيه و لكنها خارجة عن ماهية المأمور به، فما هو الواجب لم يكن منهياً عنه، و ما هو المنهي عنه لم يكن مصداقاً للواجب، فأين الاتحاد.

نعم، في خصوص السجود بما أنه يعتبر فيه وضع الجبهة بل المساجد السبعة على الأرض، و الوضع متقوّم في مفهومه بالاعتماد و إلقاء الثقل و لا يكفي فيه مجرد المماسة، فلا جرم يتحقق الاتحاد بالإضافة إلى هذا الجزء خاصة، لكون الاعتماد المزبور مصداقاً بارزاً للتصرف في ملك الغير فيحرم، و بما أنّ الحرام لا‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 4: 283 288.

9

فالصلاة في المكان المغصوب باطلة [1]، سواء تعلق الغصب بعينه، أو بمنافعه (1) كما إذا كان مستأجراً و صلّى فيه شخص من غير إذن المستأجر و إن كان مأذوناً من قبل المالك، أو تعلّق به حق كحق الرهن (2) [2]

____________

يقع مصداقاً للواجب فبطبيعة الحال تبطل الصلاة المشتملة على السجدة بهذه العلة.

و أما الفاقدة لها كالصلاة إيماءً أو الصلاة على الميت، بل الواجدة إذا تجنب السجود على المغصوب كما لو تخطى قليلًا فسجد على الأرض المباحة، أو وضع لوحة و نحوها بحيث منعت عن إلقاء ثقل الجبهة على موضع الغصب، أو سجد و لو بفرض محال في الفضاء ما بين الأرض و السماء فلا مانع من الحكم بصحّتها، لانتفاء المحذور المزبور، و لم يبق إلا الكون في المكان الذي هو أمر تكويني غير معتبر في صحة الصلاة شرعاً، سواء أ كان مغصوباً أم مباحاً.

و منه تعرف وجه التفصيل بين المعنيين للمكان في اعتبار الإباحة و عدمه، كما و تعرف اختصاص البطلان في المعنى الأول للمكان بما إذا كان أحد مواضع السجود مغصوباً.

(1) لأنّ المناط صدق الغصب المتقوّم بالتصرّف في ملك الغير من غير استئذان ممن بيده الاذن، أعني من يملك التصرف في العين فعلًا، سواء أ كان مالكاً لرقبتها أيضاً أم لخصوص منافعها كالمستأجر. و منه تعرف عدم كفاية إذن المالك، بل عدم جواز التصرف لنفس المالك أيضاً من دون إذن المستأجر.

(2) على المشهور من عدم جواز التصرف في العين المرهونة بدون إذن المرتهن، و يستدل لهم بأمور عمدتها الإجماع و النبوي الذي استدل‌

____________

[1] الحكم بالبطلان إنّما هو فيما إذا كان أحد مواضع السجود مغصوباً، و إلّا فالصحة لا تخلو من قوة، و بذلك يظهر الحال في جملة من الفروع الآتية.

[2] في اقتضائه البطلان إشكال بل منع.

10

..........

____________

به غير واحد من الأصحاب من أنّ «الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف» (1) فإنه إذا لم يجز للراهن لم يجز لغيره أيضاً و لو بإذنه.

أقول: أما عدم جواز تصرف المرتهن بدون إذن الراهن فواضح، ضرورة عدم جواز التصرف في ملك الغير من دون إذنه، و مجرد الاستيثاق لاستيفاء الدين لدى بلوغ أجله لا يسوغ التصرف ما لم ينص عليه، و هذا ظاهر.

و أما عدم جواز تصرف الراهن من دون إذن المرتهن، فهو و إن كان مشهوراً بين الأصحاب إلا أنه لا يمكن المساعدة على إطلاقه، بل لا بد من التفصيل بين التصرفات المنافية لحق الرهانة، و غير المنافية، فلا تجوز الاولى، سواء أ كانت اعتبارية كالوقف، حيث إن الوقفية تضاد كونها وثيقة، بداهة امتناع استيفاء الدين من العين الموقوفة بعد تعذر بيعها، أم خارجية كالإتلاف التكويني بأكل و نحوه.

و أما الثانية، فلا بأس بها، سواء أ كانت اعتبارية أيضاً كالبيع، أم خارجية كاللبس و نحوه. فان بيع العين المرهونة و إن منعه المشهور، و علله بعضهم باعتبار طلقية الملك المفقودة في مورد الرهن، إلا أنا ذكرنا في بحث المكاسب (2) أن الأقوى جوازه، نظراً إلى أن البيع لا يزيل حق المرتهن و لا يزاحمه، بل ينتقل به متعلق حقه من ملك الراهن إلى ملك المشتري، و هذا لا ضير فيه سيّما بعد ملاحظة جواز جعل ملك الغير رهناً باذنه ابتداءً كما في استرهان العين المستعارة بإجازة المعير، فاذا ساغ حدوثاً ساغ بقاءً أيضاً بطريق أولى (3)

____________

(1) المستدرك 13: 426/ أبواب كتاب الرهن، ب 17 ح 6.

(2) مصباح الفقاهة 5: 238.

(3) هذه الأولوية ادعاها المحقق الايرواني أيضاً في تعليقته على المكاسب: ص 190، و لكن السيد الأستاذ (دام ظله) لم يذكرها في بحث المكاسب و كأنه لم يرتض بها.

و لعل الوجه فيه: أن القائل بعدم جواز البيع يرى أن العين المرهونة متعلقة لحق المرتهن بما أنها مضافة إلى المالك المعيّن لا بما هي هي، فالنقل من ملك المالك حين الرهن تصرف مناف لحق الغير و مضاد له، لأنه إزالة لتلك الإضافة، و على هذا الأساس يتجه التفكيك بين الابتداء و البقاء، فإن الأول لا محذور فيه، و أما الثاني فهو مستلزم للمحذور المزبور فلا يجوز إلا بإذن المرتهن، إلا أن يقال: ان العين المرهونة متعلقة لحق المرتهن بما أن خسارتها تكون على الراهن اما لكونها ملكاً له، أو لكون خسارتها الناشئة من استيفاء الدين منها تكون مضمونة عليه لمالكها معيراً كان أو مشترياً. و عليه فلا فرق بين الابتداء و البقاء كما أُفيد في المتن و إن لم تثبت به الأولوية.

11

..........

____________

غاية الأمر ثبوت الخيار للمشتري مع جهله بالحال، لتخلف وصف الطلقية المنصرف إليه العقد لدى الإطلاق و لا دليل على اعتبار الطلقية في صحة البيع بقول مطلق.

كما أن التصرفات الخارجية من لبس و افتراش و نحوهما سائغ حتى من دون إذن المرتهن ما لم يشترط خلافها في متن العقد فإن الإجماع المدعى على عدم الجواز حسبما سمعت دليل لبّي يقتصر على القدر المتيقّن منه و هو التصرفات المنافية لحق الرهانة، فلا يعم غير المنافية التي هي مورد البحث، و النبوي المتقدم ضعيف السند لا يمكن التعويل عليه.

نعم، للمرتهن الامتناع من تسليم العين و التصرف فيها لأنها متعلق حقه (1) إلا أنه لو أخذها الراهن من دون اطلاعه باختلاس و نحوه فتصرفه سائغ، لكونه صادراً من أهله و واقعاً في محله.

و قد نطقت بذلك صريحاً صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل رهن جاريته قوماً أ يحل له أن يطأها؟ قال: فقال: إن الذين ارتهنوها يحولون بينه و بينها، قلت: أ رأيت إن قدر عليها خالياً؟ قال: نعم لا أرى به بأساً» و نحوها صحيحة الحلبي (2).

فاذا جاز الوطء و هو من أهم التصرفات جاز غيره من سائر التصرفات‌

____________

(1) كونها متعلقة لحقه لا يسوّغ الامتناع المزبور بعد عدم كون التصرف منافياً لحقه كما هو المفروض.

(2) الوسائل 18: 396/ أبواب أحكام الرهن، ب 11 ح 1، 2.

12

و حق غرماء الميت [1]، و حق الميت إذا أوصى بثلثه و لم يفرز بعد و لم يخرج منه (1)

____________

غير المنافية بالأولوية القطعية، و لا موجب لرفع اليد بعد قوة الدلالة و صحة السند، و قد عرفت قصور الإجماع عن الشمول للمقام.

إذن فلا مانع للراهن من الصلاة في العين المرهونة، كما له الإذن لغيره في الصلاة فيها.

(1) لا يخفى أن تعلق حق الغرماء بالمال و اندراج المقام بذلك في كبرى التصرف في متعلق حق الغير مبني على القول بانتقال التركة بأجمعها إلى الورثة، فالمال كله مملوك للوارث، غايته أنه متعلق لحق الغريم، أي له استنقاذه منه ما لم يؤده من غيره.

و أما على القول الآخر و هو الحق المطابق لظاهر الآيات و الروايات من بقاء المقدار المقابل للدين على ملك الميت، و أنه لا ينتقل إلى الوارث إلا ما زاد عليه كما هو ظاهر قوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ* (1) و قد تضمنت بعض النصوص تقديم مصارف التجهيز أوّلًا ثم الدين، ثم الوصية ثم الميراث (2)، فالمقام خارج عن تلك الكبرى حينئذ لحصول الشركة بين الميت و الوارث في التركة بنسبة الدين من النصف أو الثلث و نحوهما. فلا بد في تصرف الوارث أو غيره من الاستئذان من ولي الميت و هو وصيه إن كان، و إلا فالحاكم الشرعي. فيندرج المقام في الشق الأول من الفروض التي ذكرها في المتن، أعني تعلق الغصب بنفس العين فإنه تصرف في ملك الغير لا في متعلق حقه، غايته أنه ملك مشاع، و لا ريب في عدم الفرق‌

____________

[1] الظاهر أنّه لا حق للغرماء في مال الميّت، بل إنّ مقدار الدين من التركة باق على ملك الميّت، و معه لا يجوز التصرف فيها من دون مجوّز شرعي.

____________

(1) النساء 4: 12.

(2) الوسائل 19: 329/ كتاب الوصايا ب 28.

13

و حق السبق [1] كمن سبق إلى مكان من المسجد أو غيره فغصبه منه غاصب على الأقوى، و نحو ذلك، و إنما تبطل الصلاة إذا كان عالماً عامداً (1).

____________

بينه و بين غير المشاع في ذلك.

هذا، مع أن ثبوت الحق المبني على القول الأول لا يستدعي المنع من التصرف بمثل الصلاة و نحوها غير المزاحمة لحق الغريم، بل هو كحق الرهانة الذي عرفت عدم التنافي بينه و بين مثل تلك التصرفات غير المصادمة لحق ذي الحق، بل قد عرفت عدم مزاحمته للبيع فضلًا عن مثل الصلاة.

و بالجملة، على القول الأول، ألحق و إن كان ثابتاً لكنه لا يمنع عن مثل الصلاة لعدم المزاحمة. و على القول الثاني و إن كان المنع ثابتاً لكنه لا لأجل تعلّق الحق، بل من جهة كونه تصرفاً في ملك الغير. و قد عرفت أن هذا القول هو الأقوى لمساعدة النصوص عليه، و معناه تأخر الميراث عن الدين حدوثاً و بقاءً، فلا ينتقل جميع المال إلى الوارث إلا مع فقد الدين من أو ل الأمر، أو في مرحلة البقاء إما بإبراء الغريم أو أداء الدين من غير التركة.

و من جميع ما ذكرنا يظهر الحال في حقّ الميّت إذا أوصى بثلثه، فإنه يجري فيه القولان المتقدمان مع ما يتفرع عليهما على النحو الذي بيناه حرفاً بحرف. و ظاهر عبارة الماتن اختياره هنا القول الثاني، أعني بقاء المال الموصى به على ملك الميت، و عدم انتقاله إلى الوارث، و حصول الشركة بينهما كما يفصح عنه تعبيره (قدس سره) بقوله: و لم يفرز بعد، فإن الإفراز لا يكون إلا في فرض الشركة و الإشاعة كما لا يخفى.

(1) لا ريب أن من سبق إلى مكان مباح يشترك فيه الكل كالصحراء أو المسجد أو الحرم الشريف، فهو أحق بذلك المكان ما دام جالساً فيه، بمعنى أنه لا يجوز مزاحمته و دفعه عنه، و لو فعل أثم، و هل يثبت له زائداً على ذلك حق‌

____________

[1] فيه إشكال.

14

..........

____________

متعلق بذلك المكان بحيث لو تُصُرّف فيه بعد ارتكاب الإثم كان ذاك تصرفاً في متعلق حق الغير و يكون غصباً تبطل الصلاة فيه أم لا؟

المشهور هو الأول، و ذهب في الجواهر (1) تبعاً للسيد العلامة الطباطبائي في منظومته (2) إلى الثاني فأنكرا الحق و حكما بجواز التصرف بعد الدفع و إخلاء اليد سيما إذا كان المتصرف غير الدافع.

أقول: أما في الفرض الأخير فلا ينبغي الإشكال في الجواز، فلو تعدّى ظالم على السابق و أخذه إلى المحاكمة مثلًا سقط حقّه و جاز لغيره التصرف، إذ لا يبقى المكان معطّلًا.

و أما في غير ذلك فالظاهر أيضاً هو الجواز، لعدم نهوض دليل يقتضي ثبوت حق له بهذه المثابة، أي يكون مانعاً حتى بعد إخلاء اليد كي يحتاج التصرف فيه إلى إذن ذي الحق.

و قصارى ما يمكن أن يستدل له روايتان:

إحداهما: رواية محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «قلت له، نكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجي‌ء آخر فيصير مكانه، فقال: من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه و ليلته» (3).

الثانية: خبر طلحة بن زيد عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل ...» إلخ (4).

و هاتان الروايتان بعد دفع ما يتراءى من المنافاة بينهما من حيث التحديد، بأن ذلك من أجل الاختلاف في خصوصية المورد، حيث إن المسجد معدّ‌

____________

(1) الجواهر 8: 286.

(2) الدرّة النجفية: 92.

(3) الوسائل 5: 278/ أبواب أحكام المساجد ب 56 ح 1، 2.

(4) الوسائل 5: 278/ أبواب أحكام المساجد ب 56 ح 1، 2.

15

..........

____________

للعبادة التي لا يفرق فيها بين الليل و النهار، بخلاف السوق المعدّ للاتّجار الذي ينتهي أمده غالباً بانتهاء النهار، لعدم تعارف السوق في الليل في الأزمنة السابقة بل في العصر الحاضر أيضاً بالنسبة إلى القرى و البلدان الصغيرة لا يمكن الاستدلال بشي‌ء منهما، لضعف سند الأُولى، فإن محمد بن إسماعيل و إن كان الظاهر أنه ابن بزيع و هو موثق لكنها مرسلة.

و أما الثانية: فيمكن الخدش في سندها من جهة أنّ طلحة بن زيد عامي لم يوثق، نعم له كتاب معتبر لكن لم يعلم أن الرواية عن كتابه أم عنه مشافهة، إذ الراوي عنه هو الكليني (1) و لم يلتزم بنقل الرواية عمّن له أصل أو كتاب عن نفس الكتاب، كما التزم الشيخ بمثل ذلك في التهذيب فمن الجائز روايته عن نفس الرجل لاعن كتابه، و قد عرفت عدم ثبوت وثاقته، هذا.

و لكن الظاهر وثاقة الرجل، من جهة وقوعه في أسانيد كتاب كامل الزيارات، و قد عرفت غير مرّة التوثيق العام من ابن قولويه لكل من يقع في أسانيد كتابه (2). و حيث إنه سليم عن المعارض وجب الأخذ به. فالإنصاف أنّ الخدش من حيث السند في غير محله، إلا أن الشأن في دلالتها، فإنها غير ظاهرة في إثبات الحق بالمعنى المبحوث عنه، بل المتيقن منها عدم جواز مزاحمة السابق ما دام شاغلًا للمحل، و قد عرفت أنّ هذا مسلّم لا إشكال فيه، بل هو ثابت حتى ببناء العقلاء من دون حاجة إلى تعبد شرعي.

بل ربما يقال: إن الحق بهذا المعنى أمر فطري يدركه كل أحد حتى الحيوانات، فانا لو قذفنا قطعة لحم نحو هرتين تسابقتا إليها و ربما يتحارشان في الاستيلاء عليها، لكن بعد الغلبة و تحقق الاستيلاء من إحداهما تركتها الأُخرى‌

____________

(1) الكافي 2: 485/ 7.

(2) و لكنه (دام ظله) خصه أخيراً بمشايخ ابن قولويه بلا واسطة فلا يعم الرجل. على أنه عامي المذهب و مثله غير مشمول للتوثيق على كل تقدير، نعم هو من رجال تفسير القمي راجع المعجم 10: 178/ 6021.

16

و أما إذا كان غافلًا أو جاهلًا أو ناسياً فلا تبطل (1) [1]

____________

و لا تزاحمها ما دامت الاولى مسيطرة عليها، فإذا أعرضت عنها أخذتها الأُخرى.

و بالجملة، الحق المذكور في الرواية يدور أمره بين أن يكون المراد منه مجرد عدم جواز المزاحمة، و بين أن يراد زائداً على ذلك تعلق حق من السابق بالعين بحيث لا يجوز التصرف فيها بدون إذنه حتى مع عدم كونه بالفعل شاغلًا للمحل، و المتيقن هو الأوّل، و مبنى الاستدلال هو الثاني، و لا ظهور للرواية فيه كما لا يخفى.

(1) أما عدم البطلان في فرض الغفلة أو النسيان فظاهر، لعدم كون التصرف في المغصوب حراماً حينئذ حتى واقعاً لامتناع توجيه التكليف إليه، و من هنا ذكرنا في محلّه أن الرفع في حديث الرفع بالنسبة إلى الناسي واقعي لا ظاهري (1)، فإذا لم يكن دليل النهي عن الغصب شاملًا له و كان التصرف المزبور حلالًا واقعاً شمله إطلاق دليل الأمر بالصلاة من دون معارض، و لا مزاحم لصحة التقرب به بعد عدم كونه مبغوضاً.

نعم، هذا فيما إذا لم يكن صدوره منه مع حليته الواقعية متصفاً بالمبغوضية الفعلية، و إلا كما لو كان الناسي هو الغاصب فالمتجه حينئذ البطلان (2) إذ النهي السابق الساقط بالنسيان قد أثّر في اتصاف هذا التصرف بالمبغوضية، غايته سقوط الخطاب حينئذ لامتناع توجيهه نحو الناسي كما عرفت. فالمولى لا يمكنه النهي الفعلي لعدم قابلية المحل، لا لعدم وجود ملاكه،

____________

[1] عدم البطلان في فرض الجهل مع كون مسجد الجبهة مغصوباً لا يخلو من إشكال بل منع، نعم الناسي فيما إذا لم يكن غاصباً يحكم بصحة صلاته.

____________

(1) مصباح الأصول 2: 265.

(2) ينبغي تقييده بما إذا كان ذلك في السجدتين معاً، فإن الإخلال بالسجدة الواحدة لا ضير فيه بمقتضى حديث لا تعاد و غيره كما لا يخفى.

17

..........

____________

و إلا فلا ريب في عدم الفرق في تحقق الاتصاف المزبور بين وجود مثل هذا النهي و عدمه.

و عليه، بما أن المبغوض الفعلي لا يمكن أن يتقرب به فيمتنع شمول إطلاق الأمر بالنسبة إليه، و نتيجة ذلك هو البطلان كما عرفت و هذا ظاهر.

و أما في فرض الجهل، فان كان عن تقصير كما لو كانت الشبهة حكمية قبل الفحص أو مقرونة بالعلم الإجمالي بحيث كان الواقع منجزاً عليه من دون مؤمّن فلا ريب في البطلان حينئذ لإلحاق مثله بالعامد، و هذا لا غبار عليه، كما لم يقع فيه خلاف من أحد.

إنما الإشكال في الجاهل القاصر، أي في من كان جهله عذراً له لعدم تنجز الواقع عليه من جهة وجود المؤمّن الشرعي كما في الشبهات الموضوعية البدوية أو الحكمية بعد الفحص، لجريان البراءة حينئذ و اتصاف الفعل بالحلية الظاهرية فهو معذور في جهله.

فالمشهور ذهبوا حينئذ إلى الصحة، فحكموا بجواز الصلاة في الدار الغصبية و بجواز التوضي بالماء المغصوب إذا كان عن جهل قصوري، ففصلوا بين صورتي العلم و الجهل مع بنائهم على الامتناع في باب اجتماع الأمر و النهي.

لكنه في غاية الإشكال كما تعرضنا له في الأُصول (1) و قلنا إن التفصيل المزبور غير سديد، بل إما أن يحكم بالصحة في الصورتين أو بالبطلان كذلك.

و ملخص الكلام: أنهم استندوا في الحكم بالصحة مع الجهل إلى أن الحرمة الواقعية ما لم تتنجز و لم تبلغ حد الوصول لا تمنع عن صحة التقرب و صلاحية الفعل لأن يكون مشمولًا لإطلاق دليل الأمر، إذ التمانع في المتزاحمين متقوّم بالوصول، و إلّا فمجرّد الوجود الواقعي غير الواصل لا يتزاحم به التكليف الآخر. فاذن لا مانع من فعلية الأمر لسلامته عن المزاحم و معه يقع العمل‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 4: 238.

18

..........

____________

صحيحاً لعدم تأثير الحرمة الواقعية في المبغوضية بعد فرض كون الجاهل معذوراً.

أقول: هذا إنما يستقيم لو قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي و أن التركيب بين متعلقهما انضمامي و لا يسري الحكم من أحدهما إلى الآخر حتى يندرج المقام في باب التزاحم فيقال: إنّ هناك حكمين على موضوعين و لا يزاحم أحدهما الآخر إلا لدى التنجز و الوصول، فقبل وصول النهي لا تزاحم، فيكون الأمر فعلياً لعدم المانع عنه فيحكم بالصحة.

لكن لازم ذلك الحكم بالصحّة في فرض العلم و فعلية المزاحمة أيضاً، غايته أنه يكون عاصياً بمخالفة النهي، و مطيعاً بموافقة الأمر، إذ بعد فرض تعدد الحكم و الموضوع و الالتزام بعدم السراية في المتلازمين يكون المقام نظير النظر إلى الأجنبية حال الصلاة كما لا يخفى فتدبر جيداً.

و أما على القول بالامتناع و كون التركيب بينهما اتحادياً و أنّ متعلق أحدهما عين متعلق الآخر كما هو مبنى هذا القول، فيخرج المقام حينئذ عن باب المزاحمة بالكلية، و يندرج في كبرى التعارض، لامتناع تعلق جعلين و اعتبار حكمين في مقام التشريع على موضوع واحد، و بعد تقديم جانب النهي يكون المقام من مصاديق النهي عن العبادة، و لا ريب حينئذ في البطلان من دون فرق بين صورتي العلم و الجهل، لوحدة المناط في كلتا الصورتين و هو امتناع كون الحرام مصداقاً للواجب و استحالة التقرب بالمبغوض الواقعي، فإن غاية ما يترتب على الجهل هو المعذورية و ارتفاع العقاب و كون التصرف محكوماً بالحلية الظاهرية، و شي‌ء من ذلك لا ينافي بقاءه على ما هو عليه من الحرمة الواقعية كما هو قضية اشتراك الأحكام بين العالمين و الجاهلين، و قد عرفت أنّ الحرام لا يعقل أن يكون مصداقاً للواجب، فمثله خارج عن دائرة إطلاق الأمر خروجاً واقعياً، و معه كيف يحكم بصحته المستلزمة لانطباق المأمور به عليه.

و على الجملة، في كل مورد حكمنا بالصحة في مورد الجهل من جهة البناء‌

19

نعم لا يعتبر العلم بالفساد (1) فلو كان جاهلًا بالفساد مع علمه بالحرمة و الغصبية كفى في البطلان، و لا فرق بين النافلة و الفريضة في ذلك على الأصح (2).

____________

على جواز الاجتماع و الاندراج في باب التزاحم لزمه الحكم بها في مورد العلم أيضاً. و في كل مورد حكمنا بالبطلان في فرض العلم لأجل البناء على الامتناع و تقديم جانب النهي و الإدراج في باب التعارض لزمه الحكم به في فرض الجهل أيضاً حرفاً بحرف، لوحدة المناط في كلتا الصورتين، و تمام الكلام في محلّه (1).

(1) لعدم مدخلية العلم بالحكم الوضعي و هو الفساد فيما هو مناط البطلان من العلم بالحكم التكليفي و موضوعه، أعني الحرمة و الغصبية على المشهور، أو مجرد المبغوضية الواقعية على ما قررناه، فيحكم بالبطلان بعد تحقق المناط حتى مع الجهل بالفساد كما ظهر وجهه مما بيناه.

(2) خلافاً للمحقق حيث حكم بصحة النافلة في المغصوب معلّلًا بعدم اتحاد الأجزاء الصلاتية حينئذ مع الغصب (2).

أقول: إن أراد بها النافلة المأتي بها على كيفية الفريضة بحيث لم يكن فرق بينهما من غير ناحية الوجوب و الاستحباب، ففيه: أنّ مجرد الاختلاف في ناحية الحكم من حيث قوة الطلب و ضعفه و الترخيص في الترك و عدمه لا يستوجب فرقاً فيما هو مناط البطلان، فان مناطه أحد أمرين: إما اتحاد مصداق الطبيعة المأمور بها مع المنهي عنها في خصوص السجود من جهة اعتبار الوضع فيه المتقوم بالاعتماد على المختار أو فيه و في غيره على المشهور، أو من جهة امتناع اختلاف المتلازمين في الحكم و سراية الحكم من أحدهما إلى الآخر، و لا شك في عدم الفرق في هذين الملاكين بين بلوغ الأمر حدّ الإلزام و عدمه لتضاد الأحكام بأسرها.

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه 4: 234 و ما بعدها.

(2) لم نعثر عليه في كتب المحقق و لكن حكاه عنه في المستند 4: 408 و في الجواهر 8: 286.

20

[مسألة 1: إذا كان المكان مباحاً و لكن فرش عليه فرش مغصوب فصلى على ذلك الفرش]

[1319] مسألة 1: إذا كان المكان مباحاً و لكن فرش عليه فرش مغصوب فصلى على ذلك الفرش بطلت صلاته، و كذا العكس (1).

[مسألة 2: إذا صلى على سقف مباح و كان ما تحته من الأرض مغصوباً]

[1320] مسألة 2: إذا صلى على سقف مباح و كان ما تحته من الأرض مغصوباً، فان كان السقف معتمداً على تلك الأرض تبطل الصلاة عليه، و إلا فلا (2).

____________

و إن أراد بها النافلة غير المأتي بها على تلك الكيفية بأن تكون فاقدة للركوع و السجود مع الإيماء إليهما، لجواز الإتيان بها كذلك اختياراً كما في حال السير، فلما أفاده (قدس سره) حينئذ وجه، لفقد السجود على الفرض الذي كان هو المنشأ للفساد على المختار، و حديث امتناع اختلاف المتلازمين في الحكم ممنوع كما بيناه في الأُصول (1) و مجرد الإيماء إليهما لا يعدّ تصرّفاً في الغصب سيّما لو كان ذلك بغمض العين لا بتحريك الرأس، فإن الأخير لا يخلو عن شوب من الاشكال لعدم البعد في صدق التصرف حينئذ عرفاً.

إلا أنه لو تمّ فلا يختص ذلك بالنافلة، بل يجري في الفريضة أيضاً لو أتى بها كذلك أي مع الإيماء، كما لو اضطر إلى السير المستلزم لترك الركوع و السجود، إما لأجل الخوف و الفرار من العدو أو من جهة ضيق الوقت، فلا تختص النافلة بما هي نافلة بهذا الحكم كي يفرق بينها و بين الفريضة.

(1) لعدم الفرق في صدق التصرف في الغصب بين أن يكون ذلك مع الواسطة أو بدونها كما هو ظاهر.

(2) فصّل (قدس سره) حينئذ بين ما إذا كان السقف معتمداً على تلك الأرض كما لو كانت الأسطوانات التي تحمل السقف مبنية على الأرض المغصوبة، و بين صورة عدم الاعتماد كما لو كانت الأسطوانات خارجة عنها، فحكم بالبطلان في الأول دون الثاني.

____________

(1) محاضرات في أصول الفقه 3: 36.

21

لكن إذا كان الفضاء الواقع فيه السقف مغصوباً أو كان الفضاء الفوقاني الذي يقع فيه بدن المصلي مغصوباً بطلت في الصورتين (1) [1].

____________

أما في الفرض الأخير فلا ينبغي الإشكال في الصحة، فإن مجرد وجود قطعة مغصوبة من الأرض مسامتة للسقف من دون مساس له بها لا موجب لتوهم الحكم بالبطلان من أجلها، فإنّ حالها حال من صلى في غرفة مباحة مثلًا و فيها شي‌ء مغصوب من كتاب و نحوه.

و أما في الفرض الأول فربما يقال بالصحة أيضاً من جهة منع صدق التصرف في الغصب، بل غايته الانتفاع به و لا دليل على حرمة الانتفاع بمال الغير ما لم يتحقق معه التصرف، لاختصاص الأدلة بالثاني دون الأول.

لكنه كما ترى، فانّ مجرد الانتفاع و إن لم يكن حراماً كالاصطلاء بنار الغير، أو الاستضاءة بنوره، أو الاستظلال بجداره، أو النظر أو الشم و نحو ذلك مما قامت السيرة القطعية على جوازها، لكن المتحقق في المقام زائداً على ذلك هو عنوان التصرف، ضرورة أنّ الاعتماد على السقف المعتمد على المكان المغصوب تصرّف في ذاك المكان لكونه اعتماداً عليه، و الاعتماد في أمثال المقام من أظهر أنحاء التصرف، غايته أنه مع الواسطة لا بدونها، و قد مرّ قريباً عدم الفرق في صدقه بين كونه مع الواسطة أو بدونها. فالإنصاف أنّ منع صدق التصرف في مثل المقام مكابرة ظاهرة. و عليه فتبطل الصلاة بلحاظ حال السجود، لتقومه بالوضع و الاعتماد المتحد مع الغصب، فانّ الاعتماد الحاصل حال السجود بعينه تصرّف في المكان المغصوب الواقع تحت السقف كما عرفت. فما أُفيد من التفصيل في المتن هو الصحيح.

(1) تعرّض (قدس سره) لفرعين:

أحدهما: ما إذا كان الفضاء الواقع فيه السقف، أي الفضاء المتخلل بين الطابق الفوقاني و الطابق التحتاني مغصوباً مع إباحة نفس الطابقين.

____________

[1] يظهر حكم ذلك ممّا تقدّم.

22

[مسألة 3: إذا كان المكان مباحاً و كان عليه سقف مغصوب]

[1321] مسألة 3: إذا كان المكان مباحاً و كان عليه سقف مغصوب فان كان التصرف في ذلك المكان يعدّ تصرفاً في السقف بطلت الصلاة فيه [1] و إلا فلا، فلو صلى في قبة سقفها أو جدرانها مغصوب، و كان بحيث لا يمكنه الصلاة فيها إن لم يكن سقف أو جدار، أو كان عسراً و حرجاً كما في شدة الحرّ و شدة البرد بطلت الصلاة، و إن لم يعدّ تصرفاً فيه فلا، و مما ذكرنا ظهر حال الصلاة تحت الخيمة المغصوبة، فإنها تبطل إذا عدّت تصرّفاً في الخيمة، بل تبطل على هذا إذا كانت أطنابها أو مساميرها غصباً كما هو الغالب، إذ في الغالب يعدّ تصرّفاً فيها، و إلا فلا (1).

____________

ثانيهما: ما إذا كان موقف المصلي مباحاً إلا أنّ الفضاء الفوقاني الذي يشغله بدن المصلي الواقع فوق سطح الموقف مغصوب و قد حكم (قدس سره) بالبطلان في كلتا الصورتين، و كأنه لصدق التصرف في الفضاء في الأول، و للاتحاد مع الغصب في الثاني، لكن الظاهر الصحة فيهما كما يعلم وجهه مما مرّ، لمنع صدق التصرف في الأول بعد عدم الاعتماد إلا على السقف المعتمد على الأرض المباحة على الفرض، لا على الفضاء المغصوب، فان الاعتماد عليها لا عليه كما لا يخفى.

و أما الثاني: فلأن المناط في بطلان الصلاة اتحادها مع الغصب في السجود خاصة كما عرفت، و لا اتحاد فيه بعد فرض إباحة سطح المكان الذي يقع عليه السجود و يعتمد عليه، و إن كان الفضاء الذي يشغله البدن مغصوباً، نعم بناءً على التعدي من السجود إلى بقية الأجزاء الصلاتية، و دعوى الاتحاد في جميعها المبني على القول بالامتناع، كان الحكم بالبطلان في محلّه، لكنه خلاف التحقيق.

(1) فصّل (قدس سره) في من صلى تحت سقف مغصوب أو خيمة مغصوبة‌

____________

[1] الأظهر صحة الصلاة في جميع الصور المذكورة في المتن.

23

[مسألة 4: تبطل الصلاة على الدابة المغصوبة]

[1322] مسألة 4: تبطل الصلاة على الدابة المغصوبة [1] (1) بل و كذا إذا كان رحلها أو سرجها أو وطاؤها غصباً، بل و لو كان المغصوب نعلها.

____________

مع إباحة نفس المكان و الفضاء بين ما إذا عدّ ذلك تصرفاً في السقف أو الخيمة عرفاً، كما لو كان بحيث لا يمكنه الصلاة إلّا تحت السقف أو الخيمة لشدة الحر أو البرد و نحوهما مما يوجب العسر أو الحرج في إيقاع الصلاة خارج ذاك المكان، فيحكم بالبطلان و إلا فالصحة، و كذا الحال في أطناب الخيمة أو مساميرها لو كانت مغصوبة.

و يتوجه عليه أوّلًا: منع الصغرى، لعدم صدق التصرف، و مجرد التوقف المزبور و عدم التمكن من الصلاة إلا تحته لا يحققه، بل غايته الانتفاع بالغصب كما لو لم يتمكن من الصلاة إلا في ظل جدار الغير و لا دليل على حرمة الانتفاع بمال الغير بما هو انتفاع، فان المحرّم بحسب الأدلة ليس إلا أحد عناوين ثلاثة: إما إتلاف مال الغير، أو الاستيلاء عليه، أو التصرف فيه، و الصلاة تحت السقف لم يكن في شي‌ء منها، و إنما هو انتفاع بحت و لم يقم دليل على حرمته بما هو كما عرفت.

و ثانياً: منع الكبرى، إذ ليس كل تصرّف محرّم موجباً للبطلان ما لم يتحد مع الصلاة و لا اتحاد معها في المقام بلحاظ حال السجود الذي هو المعيار في البطلان على المختار كما مرّ غير مرّة، إذ المفروض إباحة المسجد و التصرف في الخيمة غير متحد معه بالضرورة.

نعم بناء على مسلك الماتن تبعاً للمشهور من كفاية الاتحاد في مطلق الأجزاء دون السجود خاصة اتجه البطلان حينئذ كما لا يخفى.

(1) فإنها كالصلاة على الفرش المغصوب المفروش على الأرض المباحة التي مرّ عدم الفرق بينه و بين نفس الأرض في صدق التصرف في الغصب، و كذا‌

____________

[1] إذا كانت السجدة بالإيماء فالحكم بالصحة لا يخلو من قوّة.

24

[مسألة 5: قد يقال ببطلان الصلاة على الأرض التي تحتها تراب مغصوب]

[1323] مسألة 5: قد يقال ببطلان الصلاة على الأرض التي تحتها تراب مغصوب و لو بفصل عشرين ذراعاً و عدم بطلانها إذا كان شي‌ء آخر مدفوناً فيها، و الفرق بين الصورتين مشكل، و كذا الحكم بالبطلان، لعدم صدق التصرف في ذلك التراب أو الشي‌ء المدفون، نعم لو توقف الاستقرار و الوقوف في ذلك المكان على ذلك التراب أو غيره يصدق التصرف و يوجب البطلان (1).

____________

الحال في الرحل أو السرج أو الوطاء، بل و كذا النعل إذا كان شي‌ء منها مغصوباً كما مرّ من عدم الفرق في الصدق المزبور بين ما كان مع الواسطة أو بدونها.

لكن هذا كله فيما إذا صلى مع السجود مع كون مسجده مغصوباً، أي يكون معتمداً في سجدته على الشي‌ء المغصوب، و أما لو صلى مومئاً أو كان مسجده بالخصوص مباحاً فلا وجه للبطلان حينئذ، لما مرّ غير مرّة من أنّ المدار في الفساد هو الاتحاد، نعم بناء على التعميم كما هو المشهور اتجه البطلان على الإطلاق.

(1) حكى (قدس سره) عن بعض التفصيل بين التراب المغصوب الواقع تحت الأرض المباحة و لو بفصل عشرين ذراعاً، و بين ما إذا كان مغصوب آخر مدفوناً فيها فحكم بالبطلان في الأول دون الثاني.

و اعترض (قدس سره) عليه بعدم الفرق بين الصورتين و أن الحكم هو الصحة فيهما، لمنع صدق التصرف إلا إذا توقف الاستقرار و الوقوف في ذلك المكان على وجودهما بحيث صدق معه التصرف فيهما، فالحكم حينئذ البطلان في كلتا الصورتين.

و ما أفاده (قدس سره) في محلّه، فانّ مجرّد وجود التراب تحت الأرض من دون توقف الاستقرار عليه بحيث كان وجوده كعدمه لا يحقق صدق التصرف بالاعتماد و لو مع الواسطة كما هو الحال في المدفون بعينه، فالحال فيهما كما لو‌

25

[مسألة 6: إذا صلى في سفينة مغصوبة بطلت]

[1324] مسألة 6: إذا صلى في سفينة مغصوبة بطلت (1) و قد يقال بالبطلان إذا كان لوح منها غصباً، و هو مشكل على إطلاقه، بل يختص البطلان بما إذا توقف [1] الانتفاع بالسفينة على ذلك اللوح.

____________

كان تحت الأرض خالياً عن كل منهما لفرض التساوي بين الوجود و العدم، و حصول الاستقرار في ذاك المكان على كل حال. نعم لو كان الوقوف و الاستقرار منوطاً به صدق معه التصرف المزبور و اتجه البطلان حينئذ من دون فرق أيضاً بين الصورتين.

لكن البطلان مختص بصدق التصرف المزبور حالة السجود خاصة، و إلا كما لو صلى مومئاً أو لم يكن في سجوده معتمداً على ذلك التراب أو المدفون صحت صلاته حينئذ كما مرّ مراراً.

(1) إذ لا فرق بينها و بين الأرض المغصوبة في صدق التصرف فيجري فيها ما يجري فيها، فان قلنا هناك بالبطلان على الإطلاق للالتزام بالامتناع كما هو المشهور، قلنا به في المقام أيضاً، و إن خصصناه بذات السجود و حكمنا بالصحة للفاقدة له مع الإيماء إليه للالتزام بالجواز و عدم حصول الاتحاد في أجزاء الصلاة ما عدا السجود كما هو المختار، جرى ذلك هنا أيضاً كما هو ظاهر، هذا فيما إذا كانت السفينة كلها مغصوبة.

و أما إذا كان لوح منها مغصوباً فقد حكى في المتن عن بعضٍ القول بالبطلان، ثم استشكل في إطلاقه و خصّه بما إذا توقف الانتفاع بالسفينة على ذلك اللوح، و لعله يريد صدق التصرف حينئذ و إن كان خلاف ظاهر العبارة.

و كيف كان فقد ظهر مما مرّ الحكم بالصحة حتى في هذه الصورة إذا لم يسجد على ذاك اللوح، و الحكم بالبطلان لو سجد عليه و لو في غير هذه الصورة فالعبرة به لا بصدق الانتفاع.

____________

[1] بل يختص بما إذا كان اللوح مسجداً.

26

[مسألة 7: ربما يقال ببطلان الصلاة على دابة خيط جرحها بخيط مغصوب]

[1325] مسألة 7: ربما يقال ببطلان الصلاة على دابة خيط جرحها بخيط مغصوب و هذا أيضاً مشكل. لأن الخيط يعدّ تالفاً [1] و يشتغل ذمة الغاصب بالعوض إلا إذا أمكن ردّ الخيط إلى مالكه مع بقاء ماليته (1).

[مسألة 8: المحبوس في المكان المغصوب يصلي فيه قائماً]

[1326] مسألة 8: المحبوس في المكان المغصوب يصلي فيه قائماً (2) مع الركوع و السجود إذا لم يستلزم تصرفاً زائداً على الكون فيه على الوجه المتعارف كما هو الغالب، و أما إذا استلزم تصرفاً زائداً فيترك ذلك الزائد و يصلي بما أمكن من غير استلزام.

____________

على أنه بمجرده لا حرمة فيه ما لم يتحقق معه التصرف إلا أن يريد منه ذلك كما أشرنا إليه.

(1) أما إذا عدّ الخيط تالفاً بحيث انتقل الضمان إلى القيمة فلا ينبغي الإشكال في الصحة لعدم بقاءٍ للعين على الفرض، فلا موضوع للغصب كي يتحقق التصرف فيه و يبحث عن اتحاده مع الصلاة و عدمه.

و أما مع بقائه و إمكان الردّ على ما هو عليه من المالية فالظاهر أيضاً هو الصحة، إذ لا تعدّ الصلاة على الدابة بل و لا الكون عليها تصرّفاً في ذلك الخيط بل و لا انتفاعاً به، إذ ليس هناك نفع يعود إلى الراكب و إن انتفعت به الدابة، فوجوده و عدمه بالنسبة إليه على حدّ سواء، و ليس نظير الاستظلال بجدار الغير أو الاستضاءة بنوره كما لا يخفى.

(2) فإنه بعد اضطراره إلى إشغال الفضاء بالمقدار المعادل لحجم بدنه و إيقاع ثقله على الأرض بما يعادل وزنه و عدم اختلاف ذلك كمّاً و لا كيفاً باختلاف الطوارئ و الهيئات، من القيام و القعود و الركوع و السجود و الاضطجاع و الاستلقاء و غيرها من سائر الأنحاء، بل هو في جميع تلك الحالات على حد سواء، و لم يختص اضطراره بأحد تلك الأكوان كما هو المفروض فلا محالة‌

____________

[1] و على تقدير عدم عدّه من التالف تصحّ الصلاة أيضاً.

27

..........

____________

يتخير عقلًا بين الجميع لتساوي نسبة الغصب إلى الكل و عدم زيادة بعضها على بعض بشي‌ء.

و نتيجة ذلك وجوب الإتيان بصلاة المختار المشتملة على الركوع و السجود، لعدم المانع عنها بعد استكشاف العقل بمقتضى الاضطرار المتعلق بجامع الكون في المكان المغصوب الترخيص العام لجميع تلك الافعال.

نعم، هذا فيما إذا لم تستلزم تلك الصلاة تصرفاً زائداً على ما يقتضيه الكون في ذلك المكان، و إلا كما لو حبس في قبة بعضها مفروش و استلزم الصلاة على غير المفروش منها السجود على الفرش المغصوب انتقل حينئذٍ إلى الصلاة إيماءً و سقطت الصلاة الاختيارية، إذ السجود على الفرش تصرف زائد على ما تقتضيه طبيعة الكون في ذاك المكان الذي هو مصبّ الاضطرار دون التصرف في الفرش، و الضرورات تقدّر بقدرها.

و على الجملة: في فرض عدم استلزام الصلاة الاختيارية تصرّفاً زائداً على البقاء في المحبس وجبت و تعيّنت لما عرفت من أنّ الجسم لا يشغل من الفضاء أكثر من حجمه، و لا يستوجب ثقلًا على الأرض أكثر من وزنه، و اختلاف الطوارئ و الهيئات كيف ما اتفقت لا يؤثر فرقاً في شي‌ء من هاتين الجهتين بحكم العقل الكاشف عن أنّ الترخيص الشرعي في البقاء في ذلك المكان بمناط الاضطرار بعينه ترخيص في تلك الأفعال و إحداث تلك الهيئات بعد إذعانه بأنها من لوازم الوجود و لا تعدّ من التصرف الزائد.

فإن قلت: هذا إنما يستقيم بالإضافة إلى التصرف في الفضاء و أما بلحاظ التصرف في الأرض نفسها فكلّا، بداهة أنّ المصلي في حال القيام لا يتصرف في نفس الأرض إلا بمقدار موضع قدميه، و أما في حال الجلوس فيتسع التصرف بمقدار مجلسه و بطبيعة الحال يكون الاتساع حال السجود أكثر، و هذه تصرفات زائدة على ما يقتضيه طبع الكون في المكان الذي تعلق به الاضطرار. و بعبارة اخرى إشغال الفضاء لا يتغير عما هو عليه في شي‌ء من الأحوال‌

28

و أما المضطر إلى الصلاة في المكان المغصوب فلا إشكال في صحة صلاته (1)

____________

بالبرهان المتقدم، و أما إشغال الأرض فتغيره بذلك غير قابل للإنكار.

قلت: التصرف في الأرض الذي هو أمر في قبال الاستيلاء و الإتلاف كما مرّ لا نعقل له معنى عدا إشغال الفضاء المجاور لها الذي لا يختلف الحال فيه و لا يتغير عما هو عليه باختلاف الطوارئ، و الهيئات باعتراف الخصم، و أما مجرّد المماسة مع سطح الأرض فهي و إن اختلفت سعة و ضيقاً و لم تكن من لوازم الكون كما ذكر لكنها بما هي مماسة لا تعدّ تصرفاً في الأرض بالضرورة و إلّا لزم على المحبوس اختيار الوقوف على الجلوس مهما أمكن، بل اختيار الوقوف على إحدى قدميه بقدر الإمكان تقليلًا للمماسة، و ليس كذلك قطعاً كما لا قائل به أصلًا.

و بالجملة: المتصرف في الأرض يتحقق معه أُمور ثلاثة: إشغال الفضاء، و كون ثقله على الأرض، و مماستها، و محقق التصرف هما الأوّلان، و المفروض عدم تغيرهما عما هما عليه باختلاف الهيئات كما ذكر، و أما الأخير فهو بمعزل عن الدخل في صدق التصرف كما لا يخفى.

و الذي يكشف عن ذلك: أنه لو ركب على الدابة المغصوبة في الأرض المباحة فإن التصرف المحقق للغصب حينئذ إنما هو بجعل ثقله على الدابّة الذي لا يختلف الحال فيه بكونه قائماً عليها أو جالساً أو ساجداً أو نائماً. و أما المماسة فهي و إن اختلفت سعة و ضيقاً باختلاف هذه الأفعال لكنها لا تعدّ عرفاً تصرفاً زائداً على الكون عليها بحيث يكون ممنوعاً عن السجود مثلًا زائداً على الكون لزعم أنه إحداث لمماسة زائدة.

و المتحصل من جميع ما ذكر: وجوب الصلاة على المحبوس اختياراً فيما إذا لم يلزم منها تصرف زائد لإباحة السجود له حينئذ، و إلا فإيماءً.

(1) ربما يقال بعدم الفرق بين المضطر و المحبوس، إذ الثاني من مصاديق‌

29

[مسألة 9: إذا اعتقد الغصبية و صلى فتبين الخلاف]

[1327] مسألة 9: إذا اعتقد الغصبية و صلى فتبين الخلاف فان لم يحصل منه قصد القربة بطلت، و إلا صحت (1).

____________

الأول فلا موجب لتخصيص نفي الاشكال في الصحة بالأول، بل هما واحد إشكالًا و وضوحاً.

أقول: الفرق هو أن المحبوس لم يكن مضطراً إلا إلى الكون في المكان المغصوب و لم يتعلق اضطرار من الجائر بالإضافة إلى الصلاة، و حيث إن الصلاة لا تسقط بحال فهو بطبيعة الحال مضطر إلى جامع الصلاة الأعم من الاختيارية و الاضطرارية، و حكمه ما مرّ من لزوم اختيار الاولى لو لم تستلزم تصرفاً زائداً، و إلا فالثانية.

و أما المضطر فمفروض كلامه (قدس سره) أنه مضطر إلى الصلاة في المكان المغصوب لا مجرد البقاء فيه كما في المحبوس، فكان هناك جائر أجبره على الصلاة بحيث لا يمكنه التخلف عنه، و ظاهره أنّ متعلق الإجبار و الاضطرار هي الصلاة الاختيارية ذات الركوع و السجود دون الأعم منها و من الاضطرارية، فلو أجبره الظالم على الصلاة الاختيارية أو أُقيمت هناك جماعة من قبل أبناء العامة بحيث لا يمكنه التخلف عنهم، فلا إشكال حينئذ في صحة مثل هذه الصلاة و إن استلزمت تصرفاً زائداً في الغصب، لارتفاع حرمته لدى الاضطرار حتى واقعاً، و معه لا وجه للحكم بالبطلان كما لو صلى فيه حال النسيان، لانحصار المانع في الحرمة المفروض سقوطها.

(1) فصّل (قدس سره) حينئذ بين ما إذا لم يحصل منه قصد القربة فتبطل من أجل فقد الشرط، أعني قصد التقرب المعتبر في تحقق العبادة، و بين ما إذا حصل و تمشّى منه القصد فالصحة.

و ما أفاده (قدس سره) هو الصحيح، إذ لا مقتضي للبطلان في الثاني بعد حصول القصد و عدم ارتكاب الغصب، فان المعتبر في صحة العبادة أمران:

30

..........

____________

صلاحية الفعل لأن يتقرب به، و حصوله بداع قربي، و كلا الركنين متحقق في المقام.

أما الأول: فلأن المفروض عدم غصبية المكان بحسب الواقع، و اعتقادها لا يغيّر الواقع عما هو عليه، فلا تقصر الصلاة في هذا المكان عن غيره في صلاحيتها لأن يتقرّب بها.

و أما الثاني: فلأنه المفروض، إنما الشأن في كيفية تمشّي قصد القربة بعد اعتقاد الغصبية و الالتفات إلى الحكم و الموضوع.

و يمكن فرضه فيما إذا كان جاهلًا بالحكم الوضعي أعني الفساد فلم يعلم ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة، و إن كان عالماً بالحكم التكليفي و موضوعه.

و قد يقال بالبطلان و إن تمشى منه القصد و حصلت النية، من جهة أن الفعل المتجرّى به قبيح يستحق عليه العقاب، فهو حرام بالعنوان الثانوي، و إن لم يكن كذلك بعنوانه الأولي، و صدوره منه مبغوض لا محالة، و لا فرق في عدم إمكان التقرب بالمبغوض، و عدم كون الحرام مصداقاً للواجب، بين ما كان كذلك بعنوانه الأوّلي أو الثانوي لوحدة المناط.

و فيه: أنّ هذا وجيه بناء على القول بحرمة التجري شرعاً زائداً على قبحه عقلًا، لكنه بمعزل عن التحقيق كما فصّلنا القول فيه في الأُصول. (1) و ملخّصه: أن تعلق القطع بالشي‌ء لا يوجب تغيره عما هو عليه، و لا يحدث فيه مصلحة أو مفسدة كي يستكشف منه الحكم الشرعي، لقيام الملاكات بالموضوعات الواقعية عُلم بها أم جهل، و القطع طريق بحت و ليس بنفسه موضوعاً للحكم، فلا يقاس بمثل الهتك المتضمن للمفسدة المستتبعة للحكم الذي متى انطبق على موضوع يحدث فيه مفسدة أو يوجب قلب صلاحه إلى الفساد.

نعم، إنّ هذا الفعل المتجرّى به مضافاً إلى كشفه عن القبح الفاعلي و أنه خبيث الباطن سيّ‌ء السريرة يتصف بالقبح الفعلي بحكم العقل، فإنه بنفسه‌

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 22.

31

..........

____________

مصداق الطغيان على المولى، و الخروج عن زيّ الرقية و مراسم العبودية و تجاسر و تعد عليه، و لا يشك العقل في قبح هذه العناوين بمحققاتها، بعين الملاك الذي يدركه في المعصية الحقيقيّة، إذ لا فرق بينها و بين التجري، من هذه الجهة أصلًا، لعدم صلوح المصادفة للواقع و عدمها التي هي أمر خارج عن الاختيار لأن يكون فارقاً بين البابين.

إلا أنّ هذا القبح العقلي لا يمكن أن يستكشف منه الحكم الشرعي بقاعدة الملازمة حتى يثبت بها حرمة الفعل المتجرّى به بالعنوان الثانوي كما ادّعي، فان مورد القاعدة ما إذا كان الحكم العقلي واقعاً في سلسلة علل الأحكام لا ما إذا كان متأخراً عن الحكم الشرعي و واقعاً في طوله كما في المقام، حيث إنّ حكم العقل بالقبح المزبور إنما هو بعد فرض ثبوت حكم من قبل الشارع كي تكون مخالفته طغياناً عليه و خروجاً عن زيّ الرقية كما هو الحال في المعصية الحقيقية، غايته أنّ الحكم المفروض اعتقادي في المقام و واقعي في ذاك الباب و هو غير فارق كما لا يخفى.

فكما أنّ حكم العقل بقبح المعصية يستحيل أن يستتبع حكماً شرعياً و إلا لتسلسل، إذ ذاك الحكم أيضاً يحكم العقل بقبح عصيانه فيستتبع حكماً شرعياً آخر و له أيضاً معصية أُخرى فيستتبع حكماً آخر و هلمّ جرّا، فكذا في المقام حرفاً بحرف و طابق النعل بالنعل، و تمام الكلام في محله.

و عليه فالفعل المتجرّى به باق على ما كان عليه من الجواز بالمعنى الأعم (1)،

____________

(1) ليت شعري بعد الاعتراف باتصاف الفعل المتجرّى به بالقبح الفعلي و كونه مصداقاً للطغيان المساوق للمبغوضية الفعلية كيف يمكن اتصافه بالعبادة، و هل يكون المبغوض محبوباً و المبعّد مقرّباً، و هل المناط في امتناع اجتماع الأمر و النهي الذي يبنى (دام ظله) عليه شي‌ء غير هذا. و على الجملة: ما يكون بالحمل الشائع مصداقاً للطغيان و موجباً للخروج عن زيّ الرقية و العبودية، لا بد و أن يكون مبعّداً، و معه لا يعقل أن يكون مقرّبا. و منه تعرف أنّ الحكم بالبطلان في المقام لا يبتني على استكشاف الحكم الشرعي ليناقش فيه بما أفاده (دام ظله).

و دعوى أنّ المناط في الامتناع هو كون المبغوض الشرعي محبوباً لا مطلق المبغوض و لو عقلًا، غير واضحة.

32

و أما إذا اعتقد الإباحة فتبين الغصبية فهي صحيحة من غير إشكال (1) [1].

[مسألة 10: الأقوى صحة صلاة الجاهل بالحكم الشرعي]

[1328] مسألة 10: الأقوى صحة صلاة الجاهل بالحكم الشرعي [2] و هي الحرمة (2) و إن كان الأحوط البطلان خصوصاً في الجاهل المقصّر.

____________

و لم يكن مصداقاً للحرام حتى بعنوان آخر، فلا مانع من إمكان التقرب به و اتصافه بالعبادية بعد صلوحه لها و الإتيان به بداعٍ قربي كما هو المفروض.

(1) حكم (قدس سره) حينئذ بالصحة من غير اشكال، و هو كذلك فيما إذا قطع بعدم الغصبية أو نسيها أو غفل عنها، و الجامع عدم احتمال الخلاف بحيث تكون الحرمة ساقطة حينئذ حتى واقعاً من جهة امتناع توجيه الخطاب اليه، كما لعله منصرف كلام الماتن أو ظاهره لمكان التعبير بالاعتقاد فإن الصلاة حينئذ صحيحة بلا إشكال إلا في بعض الصور و هو ما إذا كان الناسي هو الغاصب كما مر لعدم المانع عنها لانحصاره بكون التصرف حراماً و لو واقعاً كي يمتنع أن يكون مصداقاً للواجب و المفروض عدمه كما عرفت.

و أما إذا كان ملتفتاً إلى الغصبية و محتملًا لها، بحيث كان الخطاب الواقعي شاملًا له و أمكن توجيهه إليه و لو بجعل الاحتياط الوجوبي أو الاستحبابي، فالأظهر حينئذ البطلان كما مرّ غير مرّة، فإن غاية ما يترتب على جهله العذري ارتفاع العقاب، و إلا فالحرمة الواقعية بحالها و إن ثبتت الحلية ظاهراً، و من الواضح امتناع كون الحرام مصداقاً للواجب و عدم كون المبعد مقرّباً.

(2) أفتى (قدس سره) أوّلًا بصحة صلاة الجاهل بالحكم أعني الحرمة ثم احتاط (قدس سره) أخيراً بالاحتياط الاستحبابي بالإعادة سيّما في الجاهل‌

____________

[1] تقدم الاشكال بل المنع في بعض صوره.

[2] حكمه حكم الجاهل بالموضوع، و قد تقدّم.

33

[مسألة 11: الأرض المغصوبة المجهول مالكها لا يجوز التصرف فيها و لو بالصلاة]

[1329] مسألة 11: الأرض المغصوبة المجهول مالكها لا يجوز التصرف فيها و لو بالصلاة، و يرجع أمرها إلى الحاكم الشرعي [1]، و كذا إذا غصب آلات و أدوات من الآجر و نحوه و عمر بها داراً أو غيرها ثم جهل المالك، فإنه لا يجوز التصرف و يجب الرجوع إلى الحاكم الشرعي (1).

____________

المقصّر.

و هذا كما ترى من غرائب الكلام، ضرورة أنّ الجاهل المقصّر لا خلاف كما لا إشكال في إلحاقه بالعامد، لتنجز الواقع عليه بعد عدم كون جهله عذراً له، فالتصرف الصادر منه زائداً على استحقاقه العقاب عليه متصف بالحرمة الفعلية من جهة تمامية البيان و تقصيره في الفحص و السؤال كما يتفق كثيراً في بعض مسائل الإرث، و قد صرح هو (قدس سره) بنفسه بالإلحاق المزبور في غير مورد من كلماته مما مرّ و يأتي.

و عليه فلا ريب في البطلان في الجاهل المقصّر، و إنما الخلاف في الجاهل القاصر الذي لتوهم الصحة فيه مجال كما عليه المشهور، بدعوى أنه حيث كان معذوراً في ارتكابه لعدم تنجز الواقع عليه بعد وجود المؤمّن الدافع لاحتمال العقاب، فلا يصدر عنه بصفة المبغوضية، فلا مانع من صحته و وقوعه عبادة، و إن ناقشنا في هذه المقالة مراراً و قلنا إن غاية ما يترتب على العذر رفع استحقاق العقاب و إلا فالمبغوضية و النهي الواقعي باقيان على حالهما، و الحرام يمتنع أن يكون مصداقاً للواجب تنجّز أم لا.

و كيف كان، فمورد الخلاف هو القاصر فقط، و احتياطه بالإعادة إنما يتجه فيه بعد اختيار مسلك المشهور. و أما المقصّر فالبطلان فيه متعين اتفاقاً، فلا وجه لتعميم الاحتياط بالنسبة إليه كما هو ظاهر.

(1) ذكر (قدس سره) أنه لا يجوز التصرف في الأرض المغصوبة المجهول‌

____________

[1] على الأحوط.

34

..........

____________

مالكها، و كذا آلاتها و أدواتها من الآجر و نحوه إذا كانت مغصوبة و لم يعرف لها مالك، و ذلك لإطلاق دليل المنع عن التصرف في مال الغير من دون إذنه الشامل لصورتي معلومية المالك و مجهوليته.

و ذكر (قدس سره) أنه يجب الرجوع حينئذ إلى الحاكم الشرعي الذي هو ولي الغائب و الاستئذان منه.

أقول: وجوب الرجوع إلى الحاكم في مثل المقام مبني على ثبوت الولاية المطلقة للفقيه و هو في حيّز المنع، لقصور الأدلة عن إثبات ذلك كما تعرضنا له في بحث المكاسب (1).

نعم، يجب الرجوع إليه في كل مورد كان مقتضى الأصل أو الدليل عدم جواز التصرف فيه، و قد علمنا من الخارج عدم رضا الشارع باهماله و الإعراض عنه، و وجوب التصدي له و القيام به حسبة، و هذا هو المعبّر عنه بالأُمور الحِسبية، كما لو كان مال الغير في معرض التلف من غرق أو حرق و نحوهما، و كما في أموال الأيتام و القاصرين الّذين لم يكن لهم قيّم و ولي، فإنه يجوز أو يجب التصرف و التصدي له، فينقلب حينئذ مقتضى الأصل الأوّلي إلى الثانوي.

إلا أنّ المتيقن منه ما إذا كان ذلك بإذن الحاكم الشرعي، لأن الواجب القيام إليه كفايةً، و من الجائز اختصاص ذلك بالحاكم، لاحتمال ثبوت الولاية المطلقة له، فيدور الأمر بين الاختصاص به أو التعميم له و لغيره، فيكون من باب الدوران بين التعيين و التخيير، و المتيقن من الخروج عن مقتضى الأصل الأولي إنما هو بالنسبة إلى الحاكم، و أما غيره فحيث لا دليل عليه فيبقى تحت الأصل، و نتيجة ذلك اختصاص التصرف به أو أن يكون باذنه، فلا يجوز للغير التصدي من دون الرجوع إليه.

____________

(1) مصباح الفقاهة 5: 34.

35

[مسألة 12: الدار المشتركة لا يجوز لواحد من الشركاء التصرف فيها]

[1330] مسألة 12: الدار المشتركة لا يجوز لواحد من الشركاء التصرف فيها إلا بإذن الباقين (1).

[مسألة 13: إذا اشترى داراً من المال غير المزكّى أو غير المخمّس]

[1331] مسألة 13: إذا اشترى داراً من المال غير المزكّى أو غير المخمّس (2) يكون بالنسبة إلى مقدار الزكاة أو الخمس فضولياً [1]، فإن أمضاه الحاكم ولاية على الطائفتين من الفقراء و السادات يكون لهم، فيجب عليه أن يشتري هذا المقدار من الحاكم، و إذا لم يمض بطل و تكون باقية على ملك المالك الأول.

____________

هذا في غير مجهول المالك، و أما فيه فلا حاجة للرجوع إليه (1) بعد عموم ما دل على أن المال المجهول مالكه يتصدق به عن صاحبه و يتصرف فيه، الشامل بإطلاقه للمقام أعني المغصوب، فإنه إذن من المالك الحقيقي و هو اللّٰه تعالى، فيخرج عن موضوع التصرف في مال الغير بغير إذنه، لتحقق الاذن كما عرفت، فلا حاجة إلى الاستئذان من الحاكم. نعم لا ريب أنه أحوط.

(1) لما دل على المنع من التصرف في مال الغير بغير إذنه الشامل بإطلاقه للمال المشاع و غيره.

(2) مفروض الكلام ما إذا اشترى الدار بعين المال الذي فيه الزكاة أو الخمس بحيث كان نفس المال طرفاً للإضافة في مقام المعاملة ثمناً أو مثمناً، و أما إذا اشتراها بثمن كلي في ذمته و في مقام التسليم و الوفاء أداه من ذاك المال فلا إشكال حينئذ في الصحة كما لا يخفى.

____________

[1] الظاهر هو الفرق بين الخمس و الزكاة، فان المال المشترى بما لم يخمّس ينتقل الخمس إليه في مورد التحليل بلا حاجة إلى إمضاء الحاكم، و أمّا المشترى بما لم يزك فالحكم فيه كما في المتن، إلا أنّ للمشتري تصحيح البيع بأداء الزكاة من ماله الآخر بلا حاجة إلى مراجعة الحاكم.

____________

(1) و قد بنى (دام ظله) على ذلك في بحث المكاسب أيضاً [مصباح الفقاهة 1: 522] و لكنه عدل عنه في كتاب الخمس و احتاط لزوماً بالاستئذان من الحاكم الشرعي، لاحظ الخمس من كتابنا [الخامس ممّا يجب فيه الخمس، بعد المسألة 2903].

36

..........

____________

و يقع الكلام تارة: في المال غير المزكى و أُخرى غير المخمس فهنا مقامان:

أما المقام الأول: فالظاهر من نصوص الباب التي منها قوله (عليه السلام): ما أنبتته الأرض ففيه الزكاة (1) أنّ الزكاة متعلق بنفس العين، و إن اختلفوا في أنّ ذلك بنحو الكلي في المعيّن أو الإشاعة و حصول الشركة في العين، أو الاشتراك في المالية.

و على أي حال فظاهر الأصحاب الاتفاق عليه كما يساعده ظواهر النصوص، بل إنّ في بعضها التصريح بالشركة كما ورد إن اللّٰه تعالى شرّك الفقراء مع الأغنياء في أموالهم (2) فليس ذلك حقاً ثابتاً في الذمة كما في الدين، بل الحق ثابت في العين نفسها بأحد الأنحاء الثلاثة.

و عليه فلو اشترى بما فيه الزكاة شيئاً، فبما أنّ مقدار الزكاة باقٍ بعد على ملك الفقراء، فقد اشترى المبيع بالمال المشترك بينه و بين غيره، فيتوقف نفوذ البيع الذي هو فضولي بالنسبة إليه على إذنه، و بما أنّ المالك هو كلي الفقير دون المعيّن كي يعتبر إذنه، إذ لم يدفع إليه بعد حتى يملكه، فلا بدّ من الاستجازة من الحاكم الشرعي الذي هو ولي عليهم، فإن أجاز و أمضى صحّ البيع في الجميع، و انتقلت الشركة بينه و بين الفقراء من المال الزكوي إلى بدله و هو الدار مثلًا، و إذا اشترى بعد ذلك حصتهم من الحاكم صار جميع الدار ملكاً له. و أما إذا لم يمض الحاكم و لم يجز البيع بطل بذلك المقدار و بقي على ملك المالك الأول، هذا.

و يمكنه التخلّص بوجه آخر لا حاجة معه إلى الاستجازة من الحاكم، و هو أن يؤدّي الزكاة من مال آخر، إذ لا يعتبر أداؤها من نفس العين و إن كانت متعلقة بها، كما تدل عليه صريحاً صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل لم يزك إبله أو شاته عامين فباعها، على من اشتراها أن يزكيها لما مضى؟ قال: نعم تؤخذ منه زكاتها و يتبع بها‌

____________

(1) الوسائل 9: 67/ أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 11 ح 4. (نقل بالمضمون).

(2) الوسائل 9: 219/ أبواب المستحقين للزكاة ب 4 ح 4. (نقل بالمضمون).

37

..........

____________

البائع أو يؤدي زكاتها البائع» (1) فان قوله (عليه السلام) «أو يؤدي ...» إلخ صريح في جواز الأداء من غير المال.

و عليه فبعد الأداء و سقوط الزكاة يملك المال بأجمعه و قد وقع عليه عقد قبل ذلك، فيدخل في كبرى من باع شيئاً ثم ملك، و الأقوى صحته و إن توقف على إجازته كما تعرضنا له في محله (2).

و أما المقام الثاني: أعني الشراء بمال فيه الخمس، أو بيع ما فيه الخمس، و الضابط التصرف في المال غير المخمّس بجعله ثمناً أو مثمناً، أو غير البيع من سائر التصرفات الناقلة من الهبة أو غيرها لاتحاد المناط في الجميع، فالكلام يقع تارة: من حيث الحكم التكليفي، و أُخرى: من حيث الحكم الوضعي، أعني نفوذ المعاملة في المقدار المعادل للخمس و عدمه.

أما الجهة الأُولى: فالظاهر الحرمة، فإن الخمس كالزكاة متعلق بالعين، فالمقدار المعادل له ملك للغير، فيشمله إطلاق ما دل على المنع من التصرف في ملك الغير الشامل للمشترك و غيره، فالبيع بنفسه أعني إنشاء العقد و إن لم يكن تصرفاً، إلا أنّ ما يستتبعه من التسليم الخارجي و الوفاء و الأداء مصداق للتصرف في مال الغير من دون إذنه فيحرم، و لا فرق بين الخمس و الزكاة من هذه الجهة كما لا يخفى لعين ما ذكر. و قد وردت بذلك نصوص كثيرة و فيها المعتبرة حتى أنّ صاحب الوسائل عقد لعدم جواز التصرف في الخمس باباً مستقلا (3).

و أما الجهة الثانية: فالمشهور عدم نفوذ المعاملة و وقوعها فضولياً فيما يعادل الخمس كما ذكره في المتن فتحتاج إلى إجازة الحاكم، فإن أمضاها ولاية على السادات وقع لهم فيجب شراء هذا المقدار من الحاكم، و إلا بطل و بقيت الدار‌

____________

(1) الوسائل 9: 127/ أبواب زكاة الأنعام ب 12 ح 1.

(2) ربما يظهر من المحاضرات في الفقه الجعفري 2: 411 412 خلافه.

(3) الوسائل 9: 537/ أبواب الأنفال ب 3.

38

..........

____________

المشتراة بهذا المال مثلًا على ملك المالك الأول في مقدار الخمس، فهو و الزكاة سيّان من هذه الجهة.

لكن الظاهر صحة المعاملة من دون احتياج إلى مراجعة الحاكم الشرعي، و ذلك لمكان أخبار التحليل، و أنهم (عليهم السلام) أباحوا لشيعتهم التصرف فيما يصل إليهم مما فيه حقوقهم (عليهم السلام) تفضلًا عليهم و إرفاقاً بهم، كي لا يقعوا في كلفة و ضيق من حيث المناكح و المساكن و المتاجر، فإنه لو كان حقهم فيه يشكل أمر النكاح (1) لو جعل صداقاً. بل لو تزوج الأمة أو اشتراها و كانت بنفسها من الغنائم أدى إلى الزنا، و كذا المسكن للزوم الغصب، و كذا الاتجار للزوم دفع المشتري الخمس زائداً على الثمن فيقعوا في ضيق و حرج، ففسحوا (عليهم السلام) لهم المجال و وسّعوا عليهم و أباحوا لشيعتهم كل ما يقع في أيديهم مما فيه الخمس، و قد نطقت بذلك جملة وافرة من النصوص و في بعضها بعد ما سأله السائل بقوله: «جعلت فداك تقع في أيدينا الأموال و الأرباح و تجارات نعلم أنّ حقك فيها ثابت، قال (عليه السلام): ما أنصفناكم إن كلّفناكم ذلك اليوم» (2). و قد عقد لها في الوسائل باباً مستقلا (3).

هذا، و المشهور خصّوا مورد التحليل بمن يستحل الخمس، فحملوا هذه الأخبار على ما إذا وصل المال إلى الشيعة ممن لا يعتقد بالخمس كأبناء العامة، دون من يعتقد به و لا يؤديه كفسقة الشيعة، و لم نعرف وجهاً للتخصيص بعد إطلاق الأخبار. و تمام الكلام في محله (4).

و بالجملة: لا ريب أنّ الخمس كبقية الأحكام واجب على المخالف و الموافق، بل الكفار أيضاً بناء على تكليفهم بالفروع كالأُصول، و أنه حق متعلق بالعين‌

____________

(1) يختص الاشكال بل البطلان بالنكاح المنقطع و لا يجري في الدائم كما لا يخفى.

(2) الوسائل 9: 545/ أبواب الأنفال ب 4 ح 6.

(3) الوسائل 9: 543/ أبواب الأنفال ب 4.

(4) العروة الوثقى 2: 199/ 2979.

39

[مسألة 14: من مات و عليه من حقوق الناس كالمظالم أو الزكاة]

[1332] مسألة 14: من مات و عليه من حقوق الناس كالمظالم أو الزكاة أو الخمس لا يجوز لورثته التصرف في تركته [1] و لو بالصلاة في داره قبل أداء ما عليه من الحقوق (1).

____________

كما مرّ يتبعها أينما تحققت و إن انتقلت إلى الغير، و لازمه بطلان النقل بنسبته لكونه تصرفاً في ملك الغير بغير إذنه، غير أنهم (عليهم السلام) أباحوا حقهم و أذنوا في هذا التصرف، و لازمه انتقال الحق من العين إلى العوض لو كان له عوض، و إلا كما في الهبة غير المعوضة ينتقل إلى ذمة مَن عليه الخمس، سواء أ كان ممن يعتقد به أم لا، فاذا كان الموافق فضلًا عن المخالف له مال فيه الخمس فاشترى به داراً فمقتضى أخبار التحليل صحة هذا البيع و نفوذه من دون حاجة الى مراجعة الحاكم لصدور الاذن العام ممّن هو المالك لأمر الخمس، أعني الإمام (عليه السلام) فيملك البائع جميع المال أعني الثمن و ينتقل الخمس منه إلى بدله أعني الدار، و لو نقله بلا عوض كما لو وهب المال صح و انتقل الخمس إلى الذمة.

و يؤيد ما ذكرناه من انتقال الخمس إلى العوض: رواية حارث بن حصيرة الأزدي الواردة في من وجد كنزاً فباعه بغنم، حيث حكم الامام (عليه السلام) بتعلق الخمس بالغنم (1) و الرواية و إن كانت ضعيفة السند لكنها مؤيدة للمطلوب.

(1) ذكر (قدس سره) في هذه المسألة أنه لا يجوز التصرف في تركة مَن مات و عليه من حقوق الناس شي‌ء من المظالم أو الزكاة أو الخمس قبل أداء ما عليه من الحقوق، و ذكر (قدس سره) في المسألة الآتية أنّ من مات و عليه دين‌

____________

[1] إذا كان الحق ثابتاً في ذمة الميت فالحكم فيه ما نذكره في الفرع الآتي، و إن كان ثابتاً في الأعيان فلا يجوز التصرف فيها قبل الأداء أو الاستئذان من الحاكم في غير ما كان الحق من الخمس بل فيه أيضاً على الأحوط.

____________

(1) الوسائل 9: 497/ أبواب ما يجب فيه الخمس ب 6 ح 1.

40

..........

____________

لا يجوز التصرف فيها مع الاستيعاب، و مع عدمه يجوز بشرط العلم برضا الديّان أو إذنهم فيه، و كذا إذا كان بعض الورثة قاصراً أو غائباً.

و غير خفي أنّ المسألتين من وادٍ واحد، فان المظالم أو الزكاة و نحوهما أيضاً من مصاديق الدين، و الكل بعد الموت متعلق بالعين، فمناط البحث مشترك في الجميع، و معه لا حاجة الى عقد مسألتين و إفراد كل منهما بالذكر، غاية الأمر أنّ الدائن في باب الخمس و الزكاة و نحوهما حيث لم يكن شخصاً خاصاً، إذ المالك هو الجهة أعني عنوان الفقراء أو السادات، كان التصرف منوطاً بإذن الحاكم الذي هو ولي عليهم، و في باب الدين يكون المالك هو الغريم فيعتبر إذنه بخصوصه، و هذا لا يكون فارقاً في مناط البحث بين البابين كما لا يخفى.

بل يلحق بها الحج، فإنه أيضاً من مصاديق الدين و حق من اللّٰه تعالى متعلق بعد الموت بالعين يجب إخراجه منها كبقية الديون، فهو أيضاً داخل في محل البحث.

و تفصيل الكلام في المقام: أنّ الأصحاب (قدّس اللّٰه أسرارهم) بعد اتّفاقهم على انتقال التركة إلى الورثة بمجرد الموت إذا لم يكن وصية و لا دين، و على انتقال ما زاد عليهما مع وجودهما أو أحدهما، اختلفوا في انتقالها مع الدين المستوعب و انتقال ما يقابل الدين غير المستوعب على قولين، نسب كل منهما إلى جماعة كثيرين، و ليس أحدهما مشهوراً بالإضافة إلى الآخر.

أحدهما: الانتقال، فجميع المال ينتقل إلى الوارث بمجرد موت المورّث، غايته أنّه متعلق لحق الديان، و كأنّ مبنى هذا القول امتناع بقاء الملك بلا مالك، فبعد خروجه عن ملك المورّث بمجرد موته لعدم قابليته للملكية حينئذ، ينتقل إلى ملك الوارث، و إلا لزم المحذور المزبور.

ثانيهما: عدم الانتقال فيبقى الكل في فرض الاستغراق و بمقدار الدين على ملك الميت، و لا يملك الورثة إلا ما زاد عليه، فتحصل الشركة بينهم و بين الميت في العين، فالدين مانع عن انتقال مقداره إلى الوارث، لكنه مانع بقاء ما دام هو‌

41

..........

____________

باقياً، فلو ارتفع كما لو أدى الوارث الدين من مال آخر أو تبرّع به شخص آخر أو أبرأه الغريم بحيث فرغت ذمة الميت عن الدين انتقل المال حينئذ بأجمعه إلى الوارث.

و يترتب على القول الأول جواز تصرف الوارث في العين لو رضي به ذو الحق، فإنه تصرف في ملك نفسه، غايته متعلق لحق الغير و المفروض إذنه في ذلك، فلا يشمله عموم المنع عن التصرف في ملك الغير لعدم الموضوع له. و هذا بخلاف القول الثاني فإنه لا يجوز التصرف فيه و إن أذن به من له الحق، إذ المفروض بقاؤه على ملك الميت فهو من التصرف في ملك الغير الممنوع عنه لا من التصرف في ملكه المتعلق لحق الغير كي يعتبر إذنه كما كان كذلك على القول الأول، فلا بد من الاستئذان من المالك و هو الميت، و حيث لا يمكن، يستأذن من وليّه و هو الحاكم، فالعبرة بإذنه لا بإذن الغريم.

هذا، و الظاهر من الماتن اختياره القول الأول لتجويزه التصرف في العين لو رضي به الديان الذي هو من لوازم هذا القول كما عرفت.

و حينئذ فيتوجه عليه أوّلًا: أنه لا وجه لتخصيص ذلك بالدين غير المستغرق كما صنعه (قدس سره) في المتن، بل لازمه تجويز التصرف حتى في المستغرق لو رضي به الديان، إذ المفروض بناء على هذا القول الذي استظهرنا اختياره من الماتن انتقال التركة بأجمعها إلى الوارث فهي ملك لهم، غايته أنه متعلق لحق الغير، فلو أذن جاز التصرف لوجود المقتضي و عدم المانع، و لا مدخل للاستغراق و عدمه في ذلك كما لا يخفى.

و ثانياً: أنه لا حاجة إلى الاذن حتى في المستغرق فضلًا عن غيره، فان الممنوع إنما هو مزاحمة حق الغرماء التي لا تتحقق إلا بتصرف يوجب إعدام الموضوع و إفناء متعلق الحق كإتلافه الحقيقي أو الاعتباري، مثل إحراقه أو إعتاقه أو وقفه و نحوها مما لا يبقى معه مجال لإعمال الحق، و أما مجرّد التصرف كالصلاة و اللبس و نحوهما مما لا يزاحم الحق، فلا وجه لمنعه بعد كونه تصرفاً‌

42

..........

____________

في ملك المتصرف، كما ذكرنا نظير ذلك في حق الرهانة، بل لم نستبعد هناك التصرف بمثل البيع أيضاً فضلًا عن الصلاة و نحوها فراجع و لاحظ (1).

و على الجملة: بعد البناء على انتقال التركة بأجمعها إلى الورثة و أنه ليس في البين عدا تعلق حق الغير بها كما في العين المرهونة، فاللازم رعاية للحق عدم جواز مزاحمته لا عدم جواز التصرف في متعلقه و بينهما عموم من وجه، فالتصرف غير المزاحم لا دليل على حرمته بعد عدم كونه تصرفاً في ملك الغير، فلا حاجة إلى الاستئذان و إن استغرق الدين كما لا يخفى.

و يتوجه على ما ذكرناه مما يترتب على القول الثاني من عدم جواز تصرف الوارث في التركة و إن أذن به الغريم لكونه من التصرف في ملك الغير، و هو الميت الذي لا يفرق فيه بين المشترك و غيره أنّ ذلك إنما يستقيم لو كان الاشتراك الحاصل بين الوارث و الميت من قبيل الإشاعة في العين بحيث يكون للميت ملك مشاع بنسبة حصته سارٍ في التركة، فيكون كل جزء منها مشتركاً بينهما لا يجوز التصرف لأحدهما بدون رضا الآخر، إلا أنّ هذا المبنى غير سديد، إذ لازمه أنه لو تلف بعض التركة تلفاً غير مضمون على الوارث أي لم يكن مستنداً إليه كتلف سماوي من حرق و نحوه يكون التالف محسوباً عليه و على الميت بنسبة الاشتراك، كما هو الحال في كل شريكين، حيث إنّ الربح لهما و التاوي عليهما، فلو كانت التركة ألفاً و الدين مائة و قد تلف منها خمسمائة، فاللازم أن لا يملك الميت حينئذ إلا خمسين، فلا يعطى الديان أكثر من ذلك، مع أنه باطل جزماً و لا قائل به، فان التلف يحسب حينئذ على بقية التركة و لا ينقص عن الدين شي‌ء اتفاقاً، فيكشف ذلك عن أنّ الشركة الحاصلة بينهما ليست بنحو الإشاعة، بل الصواب أنها بنحو الكلي في المعيّن (2). فمقدار مائة‌

____________

(1) ص 9، و راجع مصباح الفقاهة 5: 238.

(2) كونه على هذا النحو إنما يتجه فيما إذا كان الدين من جنس التركة، و من ثم التزم (دام ظله) في باب الزكاة (العروة 2: 113/ 2688) بأن الشركة فيه من قبيل الشركة في المالية لا الكلي في المعين. إلا أن يقال: إنّ الدين حينئذ هو كلي المالية المقدرة و المتحققة في المعيّن الخارجي.

43

..........

____________

دينار مثلًا يملكه الميت من مجموع التركة، لا أنه شريك مع الوارث في كل جزء منها بنسبة دينه كما هو مقتضى الإشاعة، و من الواضح أنّ من باع صاعاً من الصبرة بنحو الكلي في المعيّن دون الإشاعة فله التصرف في تلك الصبرة إلى أن يبقى منها مقدار ما ينطبق عليه الكلي أعني الصاع من دون حاجة إلى الاستئذان من المشتري كما يحتاج إليه لو باعه إياه مشاعاً فإنه تصرف في ملكه لا في ملك الغير. نعم بعد بلوغ ذلك الحد حيث إن الكلي ينطبق على الباقي حينئذ قهراً فيستقر فيه الحق و لا يجوز التصرف فيه.

و عليه فيجوز في المقام التصرف للورّاث بمقدار يبقى معه ملك الميت من دون حاجة إلى الاستئذان لا من الغرماء و لا من الحاكم الشرعي كما لا يخفى.

هذا، و الأظهر من القولين المتقدمين (1) هو الثاني منهما، أعني عدم الانتقال و بقاء مقدار الدين على ملك الميت، فإنه بعد معقوليته في مقام الثبوت بداهة أن الملكية من الأُمور الاعتبارية و لا مانع من اعتبار العقلاء إياها حتى بالإضافة إلى الجماد فيما إذا ترتب أثر على هذا الاعتبار، و من هنا تعتبر مالكية المسجد أو الكعبة أو الجهة و نحوها، و منها الميت الذي لا يقصر عنها، فلا يلزم من عدم الانتقال إلى الوارث بقاء الملك بلا مالك. على أنّ ذلك مقتضى الاستصحاب، للشك في انقطاع العلاقة الملكية الأبدية الثابتة حال الحياة بمجرد الموت فيما عدا المتيقن منه.

أنّ ذلك مقتضى ظواهر الأدلة في مقام الإثبات من الآيات و الروايات، قال تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ* (2) و ظاهره كما ترى أنّ مرتبة‌

____________

(1) في ص 40.

(2) النساء 4: 11.

44

[مسألة 15: إذا مات و عليه دين مستغرق للتركة لا يجوز للورثة و لا لغيرهم التصرف في تركته قبل أداء الدين]

[1333] مسألة 15: إذا مات و عليه دين مستغرق للتركة لا يجوز للورثة و لا لغيرهم التصرف في تركته قبل أداء الدين، بل و كذا في الدين غير المستغرق، إلا إذا علم رضا الديان [1]، بأن كان الدين قليلًا و التركة كثيرة و الورثة بانين على أداء الدين غير متسامحين، و إلا فيشكل حتى الصلاة في داره، و لا فرق في ذلك بين الورثة و غيرهم، و كذا إذا لم يكن عليه دين و لكن كان بعض الورثة قاصراً أو غائباً أو نحو ذلك (1).

____________

الإرث متأخرة عنهما، فلا يورث إلا ما زاد عليهما، و لا ينتقل إلى الوارث إلا المقدار الفاضل منهما. فهذا التعبير الوارد في الآية نظير ما ورد من أن الخمس بعد المئونة، فكما أنّ المئونة لا تحسب من الخمس فكذا الدين و الوصية لا يحسبان من الميراث.

و أما النصوص: فقد تضمن غير واحد منها الترتيب في مصرف التركة و أنه يبدأ أوّلًا بالتجهيز من الكفن و الدفن، ثم بعده الدين ثم الوصية، ثم الميراث (1). و مفادها المطابق للآية المباركة أنّ موضوع الإرث هو ما يتركه الميت بعد إخراج هذه الأُمور، فلا ينتقل إلى الوارث إلا ما زاد عليها، فلا منافاة بينها و بين عموم ما تركه الميت من حق أو مال فلوارثه كما لا يخفى، لتخصيص العموم بهذه الأدلة.

(1) قد ظهر من جميع ما ذكرناه الفرق بين التصرف في حق الديان و بين التصرف في ملك القاصر أو الغائب، فإن الملكية في الأول على سبيل الكلي في المعيّن الذي لا يحتاج التصرف معه إلى الاستئذان، بخلاف الثاني فإن المال حينئذ مشترك بين جميع الورثة و منهم القاصر أو الغائب بنحو الإشاعة، فلا‌

____________

[1] الظاهر كفاية البناء على أداء الدين من غير مسامحة في جواز التصرف بلا حاجة إلى إحراز رضا الديّان.

____________

(1) الوسائل 19: 329/ كتاب الوصايا ب 28.

45

[مسألة 16: لا يجوز التصرف حتّى الصلاة في ملك الغير إلا بإذنه الصريح]

[1334] مسألة 16: لا يجوز التصرف حتّى الصلاة في ملك الغير إلا بإذنه الصريح أو الفحوى أو شاهد الحال و الأوّل: كأن يقول: أذنت لك بالتصرف في داري بالصلاة فقط، أو بالصلاة و غيرها (1).

و الظاهر عدم اشتراط حصول العلم برضاه، بل يكفي الظن [1] الحاصل بالقول المزبور، لأن ظواهر الألفاظ معتبرة عند العقلاء.

و الثاني: كأن يأذن في التصرف بالقيام و القعود و النوم و الأكل من ماله، ففي الصلاة بالأولى يكون راضياً، و هذا أيضاً يكفي فيه الظن على الظاهر، لأنه مستند إلى ظاهر اللفظ إذا استفيد منه عرفاً، و إلا فلا بد من العلم بالرضا، بل الأحوط اعتبار العلم مطلقاً.

و الثالث: كأن يكون هناك قرائن و شواهد تدل على رضاه كالمضائف المفتوحة الأبواب و الحمّامات و الخانات و نحو ذلك، و لا بدّ في هذا القسم من حصول القطع [1] بالرضا، لعدم استناد الاذن في هذا القسم إلى اللفظ و لا دليل على حجية الظن غير الحاصل منه.

____________

يجوز التصرف من أحدهم إلا بإذن الآخرين، لعموم المنع من التصرف في ملك الغير بغير إذنه الشامل للمشترك و غيره كما مرّ غير مرّة، و عليه فلا بد من الاستئذان منهما، و حيث لا يمكن فيجب الرجوع إلى الحاكم الشرعي الذي هو ولي عليهما.

(1) تفصيل الكلام يستدعي البحث في جهات:

الاولى: هل المناط في جواز التصرف في ملك الغير هو مجرد الرضا الباطني و طيب نفسه به، أو أنّ العبرة بإبراز ذلك بإذن و نحوه كما هو المعتبر في باب‌

____________

[1] لعلّه أراد به الظن النوعي، و إلّا فالظن الشخصي لا اعتبار به وجوداً و عدماً و كذا الحال فيما بعده.

[1] و في حكمه الاطمئنان به.

46

..........

____________

المعاملات بلا ارتياب، و من هنا لا تحصل الإجازة في العقد الفضولي إلا بإبراز المالك رضاه به و إمضاء العقد بما يدل عليه من قول أو فعل؟

الأقوى هو الأول، و يدلّ عليه بعد السيرة الشرعية، بل بناء العقلاء كافة الممضى لدى الشارع بعدم الردع على جواز التصرف في مال الغير بمجرد العلم برضاه و إن لم يصدر منه إذن في الخارج كما لا يخفى، قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة: «لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله إلا بطيبة نفسه» (1) و التقييد بالإسلام لمكان الاهتمام بشأنه، و إلا فالحكم يعمّه و الكافر الذمي مع قيامه بشرائط الذمة.

و كيف كان، فقد أنيطت حلية المال و جواز التصرف فيه بمجرد طيب النفس، سواء أُبرز ذلك بمثل الإذن أم لا بمقتضى الإطلاق. و تؤيدها رواية تحف العقول (2) المشتملة على هذا المضمون و إن كانت ضعيفة السند.

نعم، بإزائها التوقيع المروي عن الاحتجاج: «لا يجوز التصرف في مال الغير إلا بإذنه» (3) الظاهر في اعتبار الاذن و عدم جواز التصرف بدونه و إن تحقق الطيب.

لكن التوقيع لا يصلح للمعارضة مع الموثق، إذ مضافاً إلى ضعف سنده كما لا يخفى، لا دلالة فيه على اعتبار الإذن بما هو كذلك، بحيث يكون لهذا العنوان مدخلية في جواز التصرف، بل المتبادر منه عرفاً بمناسبة الحكم و الموضوع أنّ أخذه بعناية الطريقية و كونه كاشفاً نوعاً عن الرضا الباطني الذي هو مناط الجواز، فهو مأخوذ في موضوع الدليل على سبيل الطريقية دون الموضوعية، نظير التبين المعلّق عليه الإمساك في آية الصوم (4)، حيث إنّ الموضوع لوجوب‌

____________

(1) الوسائل 5: 120/ أبواب مكان المصلي ب 3 ح 1.

(2) الوسائل 5: 120/ أبواب مكان المصلي ب 3 ح 3، تحف العقول: 34.

(3) الاحتجاج 2: 559/ 351 (نقل بالمضمون).

(4) البقرة 2: 187.

47

..........

____________

الإمساك هو طلوع الفجر واقعاً، و التبين طريق إليه لا أنه هو الموضوع.

هذا مع أنه على تقدير تسليم المعارضة فحيث إنها بالإطلاق و النسبة عموم من وجه، حيث دل الموثق على إناطة الحل بالطيب سواء قارنه الاذن أم لا، و دل التوقيع على المنع عن التصرف مع عدم الاذن سواء كان معه طيب أم لا، فيتعارضان في مادة الاجتماع و هي التصرف مع الطيب من دون إذن، فإنه يجوز على الأول و يحرم على الثاني، و بما أنّ المعارضة بالإطلاق كما عرفت فيسقطان و يرجع إلى بناء العقلاء القائم على جواز التصرف بمجرد العلم بالرضا من دون مدخلية للاذن كما مرّ.

الجهة الثانية: هل المدار في الجواز على الرضا الحاصل بالفعل أو يكفي الرضا التقديري، بمعنى أنّ الطيب و الرضا كامن في نفس المالك قطعاً إلا أنه غير متصف به فعلًا لأجل عدم التفاته إلى الموضوع، لكونه نائماً أو غافلًا أو غائباً فلا واسطة بينه و بين الرضا الفعلي عدا الالتفات و التوجه إلى الموضوع؟

الظاهر هو الثاني، إذ لو لم ندّع شمول الطيب في الموثق بمناسبة الحكم و الموضوع للطيب التقديري بهذا المعنى كما لا يبعد و إن كانت الألفاظ في غير المقام منصرفة إلى المعاني الفعلية دون التقديرية، يكفينا في ذلك ملاحظة بناء العقلاء و السيرة الشرعية القائمة على الجواز في مثل ذلك بلا إشكال، فإن الأخ يدخل دار أخيه و الصديق دار صديقه أو أحد أقاربه ممن يقطع برضاه مع الالتفات فيتصرف فيه كيف يشاء و هو نائم أو غافل أو غائب و لا ينتظر صدور الاذن منه و التفاته إلى الموضوع كي يتحقق منه الرضا فعلًا كما هو ظاهر.

نعم، الظاهر عدم كفاية الرضا التقديري بالمعنى الآخر و هو عدم تمامية مبادئ الرضا فعلًا بحيث يحتاج إلى مقدمة أُخرى زائداً على مجرد الالتفات كسؤال المتصرف، فلو كان المتصرف قاطعاً برضا المالك على تقدير السؤال و الاستئذان و لم يقطع به بدونه لم يجز التصرف حينئذ لعدم تمامية مبادئ الرضا‌

48

..........

____________

الفعلي و دخل الاستئذان في تحقّقه. فمثل هذا التقدير الذي يتخلل بين المقدّر و المقدّر عليه شي‌ء آخر وراء الالتفات الى الموضوع لا دليل على كفايته في جواز التصرّف، فلا يقاس ذلك على الرضا التقديري بالمعنى الأوّل كما لا يخفى.

و نحوه ما إذا كان في التصرف مصلحة للمالك و لم يعلم بها فلم يأذن، بحيث لو كان عالماً بها لإذن و رضي بالتصرّف، فمثله أيضاً لا يجدي لكون العلم بالصلاح من مبادئ فعلية الرضا كالاستئذان في المثال المتقدم، و لا دليل على كفاية الرضا التقديري بهذا المعنى كما عرفت.

الجهة الثالثة: إذا كان تصرف واحد مصداقاً لرضا المالك و كراهته الفعليين بعنوانين فعورض أحدهما بالآخر، فانّ هذا أمر ممكن في نفسه إذا كان المالك جاهلًا بانطباق أحد العنوانين، كما لو منع عن دخول زيد في الدار لاعتقاد أنه عدوّه و هو في الواقع أبوه مثلًا و هو راضٍ بدخول الأب، أو بالعكس بأن إذن باعتقاد أنه أبوه و في الواقع عدوّه و هو كاره لدخول العدوّ، فهل يحكم حينئذ بجواز الدخول في كلتا الصورتين فلا يلزم على الداخل في الصورة الأُولى إعلام المالك بأنه أبوه كي يتحقق منه الرضا الفعلي بشخصه، أو يفصّل بين الصورتين فيخص الجواز بالثانية دون الاولى عملًا بما صدر منه من الاذن أو المنع؟

الأقوى هو الأول، فإن المناط في جواز التصرف هو الرضا و الطيب كما تضمّنه موثق سماعة على ما عرفت، و لا عبرة بالإذن عدا كونه كاشفاً و طريقاً إليه.

و عليه، فالمالك و إن لم يصدر منه في الصورة الأُولى إذن، بل هو كاره بالفعل حسب اعتقاده، لكنه راضٍ بالفعل أيضاً بدخول أبيه، غير أنّه جاهل بانطباق هذا العنوان على زيد الداخل، بحيث لو علم به و التفت إلى الانطباق لرضي بدخوله و تحقق منه الطيب بالنسبة إليه، و نتيجة ذلك أنه راض بدخول زيد برضا تقديري بحيث لا يتوسّط بينه و بين الرضا الفعلي عدا التفاته إلى‌

49

..........

____________

الانطباق، و قد مرّ آنفاً أنه يكفي في حلية التصرف الرضا التقديري بهذا المعنى و لا يتوقف على فعلية الرضا. و مقتضى إطلاق الموثق أن حصول الرضا فعلًا أو تقديراً في الجملة أي و لو بعنوان ما كافٍ في جواز التصرف، سواء قارنته كراهة من جهة أُخرى و بعنوان آخر أم لا.

و في المقام و إن اجتمع الرضا التقديري مع الكراهة الفعلية، لكن الكراهة بما هي ليست موضوعاً للحكم كي تقع المعارضة أو المزاحمة بين حكمها و حكم الرضا، و إنما الموضوع الرضا و عدمه كما تضمنه الموثق بعقده السلبي و الإيجابي، فالطيب موضوع لحلية التصرف كما أنّ عدمه موضوع للحرمة، و بما أنّ الموضوع هو الطيب و الرضا في الجملة و بنحو الموجبة الجزئية، أي بأيّ عنوان كان بمقتضى الإطلاق كما عرفت، فيكون الموضوع للحرمة التي تكفّلها الموثق بعقده السلبي هو عدم الرضا رأساً، فإنّ نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية، و من الواضح عدم صدق هذا الموضوع في المقام بعد تحقق الرضا في الجملة كما هو المفروض فلا تعارض.

و بالجملة: العبرة بالرضا الأعم من التقديري و هو حاصل هنا، و ليس المقام من الرضا التقديري بالمعنى الآخر كالجهل بكون التصرف مصلحة له الذي منعنا عن اعتباره، لوضوح الفرق بينهما، فان العلم بالصلاح من مبادئ تحقق الرضا كالسؤال الذي مرّ التمثيل به، فبدونه لم يتحقق الرضا أصلًا. و أما في المقام فالرضا بالعنوان متحقق فعلًا، غايته أنّ المالك جاهل بالانطباق و غير ملتفت إليه، فيكون من الرضا التقديري بالمعنى الأول الذي عرفت اعتباره و إلحاقه بالرضا الفعلي (1).

____________

(1) لا يخفى خفاء الفرق بين المثالين، إذ في صورة الجهل بالصلاح أيضاً يمكن أن يقال: إنّ المالك راضٍ بعنوان التصرف الذي فيه صلاحه و جاهل بالانطباق كرضاه بدخول الأب في الدار مع جهله بالانطباق فالرضا التقديري فيهما على حد سواء.

و قد راجعناه دام ظله في ذلك فأفاد: أنّ عنوان ما فيه الصلاح من الجهات التعليلية الدخيلة في ملاك الحكم، فهو بوجوده العلمي من المبادي الواقعة في سلسلة علل الرضا، فلا يكون بنفسه متعلقاً للرضا، و هذا بخلاف عنوان الأب أو الصديق الذي هو حيثية تقييدية و يتعلق الرضا به بنفسه بعد استكمال المبادئ و عدم قصور فيها. على أنه لم يعهد رضا الملّاك بكل تصرف فيه الصلاح بصورة عامة، فإنه قد لا يرغب فيه فلا يكون ذلك مسوّغاً للتصرف بحيث يرفع به اليد عن عموم سلطنة الناس على أموالهم، فتدبر جيداً.

50

..........

____________

هذا، مع ان السيرة قائمة على جواز التصرف في المقام، فيدخل الممنوع أو غير المأذون بعد كونه أباه أو أخاه أو صديقه و نحوهم ممن يقطع برضا المالك على تقدير معرفته، و لا يعدّ ذلك ظلماً و تعدّياً عليه كما لا يخفى.

و مما ذكرناه يظهر الحال في الصورة الثانية، فإنّ الاذن في التصرف يكشف عن طيب نفسه و رضاه و إن كان ذلك لاعتقاد أنه الصديق، فيصدق معه الرضا و لو في الجملة، فيشمله عموم الموثق. بل إنّ شمول الموثق لهذه الصورة أظهر، كما أنّ قيام السيرة و بناء العقلاء هنا أوضح، بحيث لا يكاد يتطرقه الإنكار، فإن الإنسان ربما يدعو جماعة لضيافته باعتقاد أنهم أصدقاؤه و أحبّاؤه، و قد يكون فيهم منافق و هو من أعدى عدوّه بحيث لو علم به المالك لطرده و لم يرض بتصرفه، مع أنه يجوز للمنافق التصرف بلا إشكال و لا يلام عليه لدى العقلاء بعد الاذن الصريح من المالك كما هو ظاهر.

الجهة الرابعة: في الكاشف عن الرضا و ما يتحقق به الإذن الذي هو طريق إليه و هي أُمور ثلاثة كما تعرض لها في المتن:

أحدها: الإذن الصريح، و لا ريب في كشفه نوعاً عن الرضا و حجيته ببناء العقلاء كما هو الشأن في كل لفظ ظاهر في معناه، و معه لا يعتبر العلم بالرضا، بل و لا الظن الشخصي به، بل و لا يقدح الظن بالخلاف، و إنما القادح العلم به لاستقرار بناء العقلاء الذي هو المدار في حجية الظهور على الأخذ به في جميع تلك الفروض ما عدا الأخير كما قرّر في الأُصول (1).

____________

(1) مصباح الأصول 2: 117.

51

..........

____________

و ما أُفيد في المتن من كفاية الظن الحاصل بالقول، إن أراد به اعتبار الظن الشخصي فهو في حيّز المنع كما عرفت، و إن أراد به الظن النوعي و الكاشفية بحسب النوع المجامع حتى مع الظن الشخصي بالخلاف كما هو ظاهر العبارة بقرينة التعليل المذكور في الذيل فنعم الوفاق.

الثاني: الفحوى، و قد مثّل لها في المتن بالإذن في التصرف بالقيام و القعود و النوم و الأكل من ماله الدال على الاذن في الصلاة بطريق أولى.

أقول: الفحوى عبارة عن استتباع دلالة اللفظ على معنى دلالته على معنى آخر بالأولوية بحيث يكون المعنى الآخر مستفاداً من حاق اللفظ بطريق أولى من دون ضم قرينة خارجية، و هذا كما في قوله تعالى فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ (1) فان هذا الكلام و ما يرادفه من سائر اللغات لو القي على كل عارف باللغة يستفيد منه أنّ هذا أقل مراتب الإيذاء، و أنّ النهي عنه يدل بنفسه على النهي عن سائر مراتب الإيذاء من الشتم و الضرب و نحوهما بطريق أولى.

و هذا الضابط كما ترى غير منطبق على المثال، ضرورة أنّ الاذن في القيام و القعود بما هو إذن لا يستتبع الاذن في الصلاة و لا يستلزمه فضلًا عن أن يكون ذلك بالأولوية، فإن الآذن قد يكون كافراً أو بدوياً لا يرضى بالصلاة في محله لتشؤمه و تطيره بها كما يُحكى عن بعضهم، فمجرد الاذن في سائر التصرفات لا يدل على الاذن في الصلاة إلا بعد ضم قرينة خارجية كالعلم بكون الآذن مسلماً خيّراً لا يعتقد بتلك الأوهام، فيخرج عن كون الدلالة مستندة إلى حاق اللفظ كما هو المناط في صدق الفحوى على ما عرفت.

و الأولى التمثيل بما إذا أذن المالك في إتلاف العين حقيقة، كإراقة الماء أو إحراق الفرش أو هدم الدار، أو حكماً كبيعها مع كون الثمن للمأذون، فإن الإذن في الإتلاف الحقيقي أو الحكمي بحيث يكون اختيار العين بيد المأذون يدل‌

____________

(1) الإسراء 17: 23.

52

..........

____________

بنفسه على الاذن بما دونه من سائر التصرفات من الوضوء أو الصلاة بطريق أولى.

و كيف كان، فالمدار في هذا القسم على استفادة الإذن عرفاً من ظاهر اللفظ و هي تتحقق في موارد:

منها: الفحوى كما عرفت.

و منها: الملازمة العقلية بين المأذون فيه و بين شي‌ء آخر بحيث لا يكاد يتخلف عنه لتوقفه عليه، كما لو أذن في التوضي من حوض داره مثلًا، فإنه إذن في المشي داخل الدار إلى أن يصل إلى الحوض، لتوقفه عليه عقلًا، فهو من اللزوم البيّن بالمعنى الأخص، و لا يعتبر في مثله الالتفات التفصيلي إلى الملازمة فضلًا عن إذن آخر باللازم، لكفاية الالتفات الارتكازي بعد ثبوت الملازمة العقلية الدائمية.

نعم، لو كانت الملازمة اتفاقية كما لو أذن في التوضي من الحب و كان واقعاً خارج الدار فاتفق نقله إلى الداخل، حيث إن التوضي من الحب فعلًا و إن توقف على الدخول إلا أنه توقف اتفاقي لم يكن كذلك حال الأمر كما في المثال الأول، ففي مثله لا يكفي الإذن السابق، بل لا بد من التفات المالك إلى الملازمة تفصيلًا و إذن جديد باللازم كما لا يخفى.

و نظيره: ما لو أذن لشخص بشراء متاع له فاتفق عدم وجوده في البلد، فتوقف الشراء على السفر إلى بلد آخر، فإنّ الإذن الأول لا يكون إذناً في السفر كي يكون الآمر ضامناً لمصارفه، بل يحتاج إلى الالتفات إلى الملازمة و إصدار إذن جديد.

و منها: الملازمات العادية التي تعدّ عرفاً من شؤون المأذون فيه و لوازمه، و إن لم تكن كذلك عقلًا بحيث يستفيد العرف من الاذن به الاذن بها، كما لو أذن المالك بالسكنى في داره، فان العرف يستفيد من هذا الإذن الاذن في التخلي و المنام و الأكل و نحوها من اللوازم العادية، و إن كانت السكونة بما هي لا‌

53

..........

____________

تتوقف على شي‌ء من ذلك عقلًا، لإمكان إيقاعها خارج الدار، فنفس كون الشي‌ء من اللوازم العادية كاف في استكشاف الرضا، فيكون بمثابة الملازمة العقلية الدائمية في كفاية الالتفات الإجمالي الارتكازي إلى التلازم و عدم الافتقار إلى الالتفات التفصيلي، فضلًا عن الحاجة إلى إصدار إذن آخر باللازم.

و أما الصلاة في الدار فليست هي بنفسها من شؤون نفس السكنى و لوازمها العادية بحيث يكون الاذن بها مستفاداً من الاذن بها عرفاً كما في التخلي و المنام، بل يحتاج إلى القطع بالرضا من شاهد حال و نحوه من قرينة حالية أو مقالية كما عرفت، بخلاف سائر التصرفات المستفادة من نفس الإذن الأول، فإنها لا تتوقف على القطع بل و لا الظن الشخصي كما لا يخفى.

فتحصل: أنّ التمثيل الذي ذكره في المتن ليس من مصاديق هذا القسم بشقوقه التي بيناها.

الثالث: شاهد الحال، بأن تكون هناك قرائن و شواهد تدل على رضا المالك و طيب نفسه.

و تفصيل الكلام في المقام: أنه ربما يصدر عن المالك فعل يبرز عن رضاه الباطني بتصرف خاص بحيث يكون طريقاً مجعولًا و أمارة نوعية و حكاية عملية، و هذا كفتح الحمامي باب الحمام، فإنه بمثابة الإذن العام لكل من يريد الاستحمام، و لا شك حينئذ في صحة الاعتماد على ذاك المبرز من دون حاجة إلى تحصيل العلم بالرضا، لاستقرار بناء العقلاء بمقتضى التعهد الوضعي على كشف ما في الضمير بمطلق المبرز فعلًا كان أم لفظاً، و من هنا قلنا بصحة المعاطاة لعدم الفرق في إبراز الإنشاء بين الفعل و القول.

و بالجملة: فمثل هذا الفعل ملحق بالاذن اللفظي الصريح في الكشف عما في الضمير، أعني الرضا بالتصرف الذي أُعدّ اللفظ أو الفعل كاشفاً عنه نوعاً.

و أما التصرف الآخر الخارج عن نطاق هذه الكاشفية كإرادة الصلاة في الحمام زائداً على الاستحمام، فان عدّ ذلك من اللوازم العادية بحيث يستفيد‌

54

..........

____________

العرف الاذن فيه من نفس الإذن الأول، لما يرى أنه من شؤونه و توابعه كما هو كذلك في المثال فهو ملحق بالقسم السابق، أعني استكشاف الاذن بمعونة الفهم العرفي من باب الملازمة العادية، فلا يعتبر معه العلم بالرضا أيضاً، كما عرفت سابقا، و لعل فتح المضائف من هذا القبيل.

و إن لم يكن كذلك كما في فتح مجالس التعازي حيث لم يظهر منه إلا الاذن في الحضور لاستماع التعزية، و ليست الصلاة من لوازمه العادية، فإن كانت هناك قرائن و شواهد توجب العلم برضا المالك فلا إشكال، لعدم اعتبار الإذن إلا من حيث كونه طريقاً لاستكشاف الرضا، و المفروض إحرازه و لو من طريق آخر.

إنما الإشكال فيما إذا لم توجب تلك الشواهد أكثر من الظن، فان فيه خلافاً بين الأعلام، فذهب جمع كثير إلى اعتبار العلم في شاهد الحال فلا يعوّل عليه بدونه، و اختار آخرون الاكتفاء بمطلق الظن، بل قيل بجواز الصلاة في كل موضع لا يتضرر المالك، و كان المتعارف عدم المضايقة في أمثاله ما لم تكن هناك أمارة على الكراهة.

و صاحب الحدائق (1) بعد أن أسند الاكتفاء بالظن إلى المشهور أيّده بما روي عنه (صلى اللّٰه عليه و آله): «جعلت لي الأرض مسجداً و طهوراً» (2) بدعوى أنّ المناسب لسعة الامتنان الاكتفاء بمجرد الظن.

و هذا كما ترى، ضرورة أنّ الرواية ليست إلا بصدد بيان الحكم الطبيعي، و أنّ كل أرض فهو صالح في نفسه لإيقاع الصلاة فيه، و أنّ اللّٰه تعالى وسّع على هذه الأُمة المرحومة و لم يضيّق عليهم بالإلزام بإيقاعها في مكان خاص، كما كان كذلك في بعض الأُمم السالفة، و ليست في مقام بيان الحكم الفعلي كي يستفاد منه إلغاء شرطية الإباحة أو الطهارة، كما يفصح عنه عطف الطهور على المسجد، إذ لا إشكال في اعتبارهما في طهورية الأرض، فكذا في مسجديته.

____________

(1) الحدائق 7: 176.

(2) الوسائل 3: 350/ أبواب التيمم ب 7 ح 2.