موسوعة الإمام الخوئي - ج14

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
508 /
1

[تتمة كتاب الصلاة]

[فصل في واجبات الصلاة و أركانها]

فصل [في واجبات الصلاة و أركانها] واجبات الصّلاة أحد عشر: النيّة و القيام و تكبيرة الإحرام و الركوع و السجود و القراءة و الذِّكر و التشهّد و السّلام و الترتيب و الموالاة (1).

____________

(1) لا ريب في أنّ الصلاة مؤلّفة من عدة أُمور و قيود وجوديّة و عدميّة، فما كان معتبراً فيها قيداً و تقيّداً يعبّر عنه بالجزء، و ما كان التقيّد به معتبراً دون القيد فهو الشرط، ثم الثاني إن كان معتبراً في تمام حالات الصلاة حتى الآنات المتخللة بين الأجزاء كالطهارة و الاستقبال و الستر يعبّر عنها بشرائط الصلاة و مقدّماتها و قد مرّ البحث حولها سابقاً، و ما كان معتبراً في نفس الأجزاء دون الآنات المتخللة بينها يعبّر عنها بشرائط الأجزاء، سواء أ كانت معتبرة في تمام الأجزاء بالأسر كالترتيب و الموالاة و الطمأنينة، أم في بعضها كالقيام حال القراءة و الجلوس حال التشهد و نحوهما.

و ممّا ذكرنا من ضابط الفرق بين الجزء و الشرط يظهر أنّ عدّ النيّة من الأجزاء‌

2

..........

____________

كما صنعه الماتن (1) و المحقق (2) و غيرهما في غير محلّه، لعدم تركب الماهيّة منها، و عدم دخلها في حقيقة الصلاة، بل هي إمّا شرط، أو لا جزء و لا شرط كما ستعرف.

كما أنّ عدّ الترتيب و الموالاة منها غير وجيه أيضاً، فإنّهما كما عرفت من شرائط الأجزاء لا أنهما برأسهما جزءان مستقلان في قبال الباقي، و لذا أهملهما المحقق في الشرائع، و إن أهمل الذكر أيضاً و عدّ الأجزاء ثمانية، و لعلّه من أجل أنّ الذكر من واجبات الركوع و السجود فليس جزءاً في قبالهما.

ثم إنّه كان على الماتن و غيره من الفقهاء عدّ الجلوس بين السجدتين أيضاً من الأجزاء، فإنّه معتبر في حدّ نفسه و بحياله في الصلاة قبال بقية الأجزاء و ليس اعتباره من أجل تحقق التعدّد بين السجدتين، ضرورة تقوّمها بمجرّد وضع الجبهة على الأرض، و لا يناط صدق التعدد بتخلل الجلوس بينهما قطعاً فلو سجد و بعد رفع الرأس سجد ثانياً من دون جلوس في البين صدق عنوان السجدتين بلا ارتياب.

و قد اتضح من جميع ما ذكرناه: أنّ أجزاء الصلاة تسعة بإسقاط النيّة فإنّها شرط كما ستعرف، و كذا الترتيب و الموالاة فإنّهما من شرائط الأجزاء لا من أجزاء الصلاة كما عرفت، و بإضافة الجلوس بين السجدتين، بل و كذا الجلوس بعدهما المعبّر عنه بجلسة الاستراحة، بناءً على وجوبها كما لعلّه المعروف، و إن كان الأقوى عدم الوجوب.

____________

(1) حيث جعلها في سياق سائر الأجزاء بعد فراغه عن البحث عن الشرائط. إلّا أن يُقال: إنّه (قدس سره) بصدد بيان واجبات الصلاة الأعم من الأجزاء و الشرائط القائمة بها كما قد يظهر من ملاحظة ما ذكره في نظائر المقام، مثل واجبات الركوع و واجبات السجود و نحوهما، فإنّها أيضاً من هذا النمط، و منه يظهر الحال في الترتيب و الموالاة.

(2) الشرائع 1: 95.

3

و الخمسة الأُولى أركان (1) بمعنى أنّ زيادتها و نقيصتها عمداً و سهواً موجبة للبطلان [1].

____________

(1) أمّا النيّة: فليست بجزء كما مرّت الإشارة إليه، فلا يحسن عدّها من الأجزاء الركنية.

و أمّا القيام: فالواجب منه في الصلاة ثلاثة: القيام حال تكبيرة الإحرام و القيام المتصل بالركوع، و القيام بعد رفع الرأس عنه، لكن الأوّل من شرائط التكبير لا أنّه جزء مستقل في قباله، كما أنّ الثاني من مقوّمات الركوع، إذ هو ليس مجرّد الانحناء الخاص بل ما كان عن قيام، و منه قولهم: شجرة راكعة، أي منحنية بعد ما كانت قائمة، فليس هو أيضاً جزءاً مستقلا، نعم القيام بعد الركوع جزء مستقل لكنه ليس بركني، لعدم بطلان الصلاة بنقصه السهوي كما لا يخفى.

و أمّا تكبيرة الإحرام: فالمشهور بطلان الصلاة بالإخلال بها زيادة أو نقيصة عمداً أو سهواً، و من هنا عدّوها من الأركان، لكن الأقوى عدم البطلان بالزيادة السهوية لعدم الدليل عليه، كما سيجي‌ء التعرض له في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى (1) إلّا أنّ ذلك لا يقدح في عدّها من الأركان، فإنّ المدار في صدق هذا العنوان بما أوجب نقصه البطلان حتى سهواً كما هو المناسب لمعناه اللغوي، سواء أ كانت الزيادة أيضاً كذلك أم لا، فانّ مفهوم الركن متقوّم بما يعتمد عليه الشي‌ء بحيث يوجب فقده زوال ذلك الشي‌ء، و أمّا الإخلال من حيث الزيادة فلا مدخل له في صدق هذا المفهوم، و لم يرد لفظ الركن في شي‌ء من الأخبار، و إنّما هو مجرّد‌

____________

[1] الأقوى أنّ زيادة تكبيرة الإحرام سهواً لا توجب البطلان.

____________

(1) في ص 95.

4

لكن لا تتصوّر الزيادة في النيّة (1) بناءً على الداعي، و بناءً على الإخطار غير قادحة. و البقيّة واجبات غير ركنية فزيادتها و نقصها عمداً موجب للبطلان لا سهواً.

____________

اصطلاح متداول في ألسنة الفقهاء.

و بما أنّ نقص التكبيرة حتى سهواً يوجب البطلان فبهذا الاعتبار يصح عدّه من الأركان.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ الأجزاء الركنية ثلاثة: الركوع و السجود، فإنّ الإخلال بهما نقصاً أو زيادة، عمداً أو سهواً يوجب البطلان بلا إشكال، و ثالثهما تكبيرة الإحرام بناءً على تفسير الركن بما عرفت كما هو الصحيح.

(1) فإنّه بناءً على تفسيرها بالداعي فلا ريب أنّه مستمر إلى آخر العمل فلا تتحقّق معه الزيادة، و بناءً على تفسيرها بالإخطار فهي غير قادحة بالضرورة كما نبّه عليه في المتن.

لكن كان ينبغي له أن يلحق القيام بالنية، فإنّه مثلها في عدم تصوّر الزيادة أما القيام حال تكبيرة الإحرام، فلأنّ زيادته إنّما تكون بزيادة التكبير الّذي هو من الأركان، فلا يكون البطلان مستنداً إلى خصوص القيام، و كذلك القيام المتصل بالركوع حيث إنّ زيادته أيضاً لا تمكن إلّا بزيادة الركوع، فلا يكون الإخلال إلّا به لا غير، بل هذا لا تتصور فيه النقيصة أيضاً إلا بنقص الركوع لتقوّمه بكونه هويّاً عن القيام كما مرّ. نعم، يتصوّر النقص في القيام حال التكبير لإمكان التكبير جالساً كما يتصوّر في النيّة و هو ظاهر.

و أمّا الزيادة و النقيصة في تكبيرة الإحرام، فهما و إن كانا متصوّرين فيها إلّا أنّ الأقوى كما عرفت عدم بطلان الصلاة بزيادة تكبيرة الإحرام سهواً. و عليه‌

5

..........

____________

فلا تكون التكبيرة من الأركان بالمعنى المصطلح، و هو ما تكون زيادته و نقيصته عمداً و سهواً موجباً للبطلان. نعم، هو ركن بالمعنى اللغوي، و هو ما يوجب نقصه البطلان و لو سهواً. و أمّا الإخلال من حيث الزيادة فلا دخل له في كونه ركناً إلّا من جهة الاصطلاح، و حيث إنّ كلمة الركن لم ترد في آية و لا رواية فلا مانع من عدّ التكبيرة ركناً بلحاظ المعنى اللغوي.

ثم إنّه قد مرّت عليك في مطاوي كلماتنا (1) الإشارة إلى اختلاف القوم في أن النيّة هل أُخذت جزءاً في الصلاة أو شرطاً أو لا هذا و لا ذاك، بل لها دخل في تحقّق المصلحة المقتضية للصلاة؟

فنقول: لا إشكال و لا خلاف في اعتبار النيّة في الصلاة، و أنّه لا بدّ من إتيان أجزائها بداعي القربة، فلو أتى بها من غير قصد أو بقصد الرياء تكون الصلاة باطلة.

و يدلّنا على ذلك: قوله تعالى وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي (2) و قوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ (3) و غيرهما من الآيات و الأخبار.

و إنّما النزاع في أنّه هل أُخذت النيّة مضافاً إلى ذلك بحيالها في قبال سائر الأجزاء، بحيث يعتبر فيها جميع ما يعتبر في غيرها من الوقت و الاستقبال و الطهارة و نحوها، و يكون موطنها قبل تكبيرة الإحرام أو لا؟

الحق عدم اعتبار ذلك لعدم الدليل عليه، فانّ ما ادعي من الإجماع بل الضرورة على اعتبار النيّة في الصلاة و غيرها من سائر العبادات، المتيقن منه هو أن لا يكون شي‌ء منها بغير داعي القربة، و أما اعتبارها في حدّ نفسها قبل‌

____________

(1) في ص 1.

(2) طٰه 20: 14.

(3) الكوثر 108: 2.

6

..........

____________

العمل فلا دليل عليه، و إلّا كان اللازم جواز الاكتفاء بها و إن لم يأت بالأجزاء بداعي القربة. على أنّ الدليل قام على خلافه، حيث دلّ على أنّ أوّل الصلاة التكبير، و آخرها التسليم. فاحتمال الجزئية ساقط جزماً.

و قد يقال: بسقوط الشرطية أيضاً، بتقريب أنّه لا ريب في صحة قولنا: أردت الصلاة فصليت، بلا عناية و لا تجوّز، و معه لا يمكن أن تكون النيّة مأخوذة لا جزءاً و لا شرطاً، لا في المسمى و لا في المأمور به، إذ على الأوّل يلزم اتحاد العارض و المعروض على الجزئية، و تقدم الشرط على نفسه على الشرطية. و على الثاني بما أنّ الإرادة ليست باختيارية يمتنع تعلّق الأمر بما لا يكون اختيارياً، سواء أ كان لعدم اختيارية جزئه، أم لعدم اختيارية شرطه. نعم، هي دخيلة في المصلحة و بذلك تمتاز الصلاة عن التوصلي.

و لكنّه بمعزل عن التحقيق، أمّا أوّلًا: فلأنه خلط بين الإرادة بمعنى الشوق، و الإرادة بمعنى الاختيار، فإنّ الأول أمر غير اختياري، و هو ما يلائم الطبع من القوى الظاهرية أو الباطنية في قبال الكراهة التي هي ما ينافي الذوق كذلك، فانّ هذا ليس أمراً اختيارياً. و أما الثاني و هو طلب الخير، فهو و إن كانت مقدماته غير اختيارية إلّا أنّ نفسه اختياري و اختياريته بنفسه، و إلّا لزم الدور و التسلسل. و هكذا الحال في المشيئة في المبدأ الأعلى، فإنّ الأفعال الصادرة منه تعالى تكون بمشيئته، و أمّا نفس المشيئة فهي بنفسها. و قد بيّنا تفصيل الكلام حول ذلك في الأُصول في مبحث الطلب و الإرادة (1) و الأغلب في الاستعمال إنما هو المعنى الثاني أي طلب الخير دون الأوّل كما لا يخفى.

و أمّا ثانياً: فلو سلّمنا أنّ الاختيار أيضاً غير اختياري، إلّا أنّ الممنوع إنما هو عدم اختيارية الجزء، و أمّا التقييد بأمر غير اختياري الذي هو معنى الشرط‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 36.

7

..........

____________

فلا مانع منه (1) أ لا ترى أنّ الوقت و عدم الحيض و القبلة و نحوها أُمور غير اختيارية، و مع ذلك قد اشترط الصلاة بكل من ذلك، فإنّ إيقاع الصلاة في تلك الحالات أمر اختياري، فنفس الإرادة بمعنى الاختيار و إن فرض أنها أمر غير اختياري، إلّا أنّ إيقاع الصلاة عن إرادة و اشتراطها بذلك حيث إنه أمر اختياري، فلا مانع من أخذها شرطاً.

و أمّا ثالثاً: فلأنّ هذا التقريب أجنبي عن المقام بالكلية، و ذلك لأنّ النيّة تطلق في مقامين.

أحدهما: القصد إلى الفعل و العزم عليه، و هذا يشترك فيه العبادي و التوصلي فإنّه لا بدّ في كون الشي‌ء مصداقاً للواجب من أن يكون مقصوداً، و إلّا لم يكن مصداقاً للمأمور به. نعم، يمكن أن يدل الدليل على حصول الغرض و سقوط الواجب بذلك و هو أمر آخر. و البحث عن أنّ الإرادة اختيارية أو غير اختيارية إنما يتم على هذا المعنى.

ثانيهما: الإتيان بالفعل بداعي الأمر و الانبعاث عن قصد التقرب، و هذا هو محل الكلام في أنه جزء أو شرط، و هو لا إشكال في كونه اختيارياً كما لا يخفى، سواء أقلنا بأنّ الإرادة أمر اختياري أو غير اختياري، و سواء أقلنا إنّ الشرط أمر اختياري أم لا، فانّ كل ذلك أجنبي عن المقام.

فالحق أنّ النيّة إنما اعتبرت في الصلاة على نحو الشرطية لا غير.

____________

(1) هذا إنّما يتجه في شرط الوجوب لا الواجب كالنيّة في المقام، فانّ التقيد به داخل تحت الطلب كنفس الجزء، و ما كان كذلك لا بدّ و أن يكون القيد اختيارياً، كما صرّح (دام ظلّه) بذلك في مطاوي ما تقدّم من مباحث اللباس المشكوك [شرح العروة 12: 216].

8

[فصل في النيّة]

فصل في النيّة و هي القصد إلى الفعل بعنوان الامتثال و القربة (1)، و يكفي فيها الداعي القلبي، و لا يعتبر فيها الاخطار بالبال و لا التلفّظ، فحال الصلاة و سائر العبادات حال سائر الأعمال و الأفعال الاختيارية كالأكل و الشرب و القيام و القعود و نحوها من حيث النيّة، نعم تزيد عليها باعتبار القربة فيها، بأن يكون الداعي و المحرّك هو الامتثال و القربة، و لغايات الامتثال درجات:

____________

(1) قد عرفت فيما مضى أنّ النيّة إنّما أُخذت في الصلاة على نحو الشرطية دون الجزئية، و عليه فيكفي فيها الداعي القلبي، بأن يكون إتيانه لها بداعي القربة و قصد الانبعاث عن الأمر، من دون فرق بين أوّل الصلاة و آخرها.

و أمّا إخطار صورة الفعل في أُفق النفس و لو إجمالًا، و إحضارها في الذهن قبل الصلاة، ثمّ استمرارها حكماً كما عليه جمع، فلا دليل على ذلك بوجه.

كما لا يلزم التلفظ بها، بل هو مكروه و موجب لإعادة الإقامة.

و توهم أنّه مما يرجع إلى الصلاة، و قد دلّ الدليل على عدم قدح مثل هذا التكلّم، مدفوع بأنّ الدليل مختص بما يرجع إلى الجماعة من جهة تسوية الصفوف و نحوها، و إلّا كان اللازم عدم الكراهة بعد الإقامة بمثل قوله: لا تتكلّم معي فإنّي أُريد أن أُصلي، من جهة أوله إلى الصلاة و كونه من شؤونها، و هو كما ترى. فعموم كراهة التكلم بعد الإقامة شامل لمثل التلفظ بالنية.

و كيف ما كان، فلا ينبغي الإشكال في كفاية الداعي القلبي و إتيان الصلاة بداعي القربة، و للقربة مراتب و درجات حسبما أشار إليها في المتن.

9

أحدها: و هو أعلاها (1) أن يقصد امتثال أمر اللّٰه، لأنّه تعالى أهل للعبادة و الطاعة، و هذا ما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: إلٰهي ما عبدتك خوفاً من نارك و لا طمعاً في جنّتك، بل وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك.

الثاني: أن يقصد شكر نعمة التي لا تحصى.

الثالث: أن يقصد به تحصيل رضاه و الفرار من سخطه.

الرابع: أن يقصد به حصول القرب إليه (2).

الخامس: أن يقصد به الثواب و رفع العقاب، بأن يكون الداعي إلى امتثال أمره رجاء ثوابه و تخليصه من النار.

____________

(1) و أسماها، و لا ينالها إلّا الأوحدي، لخلوّها عن أيّة جهة ترجع إلى العبد.

و مجمل القول حول هذه الدرجات: أنّ العبادة بما أنّها عمل اختياري صادر من عاقل مختار، و كل ما كان كذلك لا بدّ فيه من وجود غاية باعثة على ارتكاب العمل، فهذه الغاية في المقام إما أنّها ملحوظة في جانب العامل العابد، أو في ناحية المعبود.

و الثاني إما أنّه لحاظ كماله الذاتي و أهليته للعبادة، و هو أرقى المراتب، أو من أجل حبّه الناشئ من نعمه و إحسانه. و الأوّل إمّا أنّه تحصيل رضاه، أو التقرّب منه، أو طمع في ثوابه، أو خشية من عقابه.

(2) من الواضح جدّاً أنّ المراد بالقرب ليس هو القرب المكاني الحقيقي، بل و لا الادعائي التنزيلي، لوضوح أنّ القرب بين شيئين يتضمن التضايف بحيث أنّ أحدهما إذا كان قريباً كان الآخر أيضاً كذلك واقعاً أو تنزيلًا.

و من البيِّن أنّه سبحانه قريب من جميع البشر، بل هو أقرب إلينا من حبل‌

10

و أمّا إذا كان قصده ذلك على وجه المعاوضة من دون أن يكون برجاء إثابته تعالى فيشكل صحته (1)، و ما ورد من صلاة الاستسقاء و صلاة الحاجة إنّما يصح إذا كان على الوجه الأوّل.

____________

الوريد، و كل شي‌ء حاضر عنده حضوراً ذاتياً، بيد أنّ البعض منّا بعيد عنه لكونه غريقاً في الذنوب و الخطايا المستوجب لعدم توجهه و التفاته إليه، فهو قريب من عباده تنزيلًا، و هم بعيدون عنه.

بل المراد من القرب الذي يتوخّاه العبد في عبادته هو طلب الحضور بين يدي الرب و الشهود عنده بحيث كأنه يراه و يشاهده شهوداً قلبياً لا بصرياً. و يستفاد من كثير من الأدعية و الروايات أنّ الغاية القصوى من العبادات هو لقاء اللّٰه تعالى، و الوصول إلى هذه المرتبة التي هي أرقى المراتب التي يمكن أن يصل إليها الإنسان، و ربما يتفق الوصول إليها بعد التدريب و مجاهدة النفس و التضلّع في العبادة المستتبعة بعد إزالة الملكات الخبيثة لصفاء القلب و قابليته لمشاهدة الرب و السير إليه، فيروم العابد بعبادته النيل إلى هذه المرتبة التي هي المراد من التقرب منه تعالى.

(1) بل لا ينبغي التأمل في البطلان، ضرورة أنّ الثواب أو دفع العقاب لا يترتّبان على ذات العمل لكي تصح المعاوضة و المبادلة بينهما، بل على العمل المتصف بالعبادية و الصادر بقصد الامتثال و الطاعة، فلو صلى ليدخل الجنة بطلت، إذ ليس لذات العمل هذا الأثر، بل المأتي به مضافاً إلى المولى. و مجرد قصد دخول الجنة لا يحقِّق الإضافة كما هو واضح، و إنما يتجه لو كان على سبيل الداعي على الداعي.

و هكذا ما ورد في صلاة الاستسقاء أو الحاجة أو صلاة الليل، من الخواص و الآثار من طلب الرزق و نحوه، فإنّها لا تترتب على ذات الصلاة، بل المأتي بها‌

11

[مسألة 1: يجب تعيين العمل إذا كان ما عليه فعلًا متعدِّداً]

[1414] مسألة 1: يجب تعيين العمل إذا كان ما عليه فعلًا متعدِّداً و لكن يكفي التعيين الإجمالي كأن ينوي ما وجب عليه أوّلًا من الصلاتين مثلًا، أو ينوي ما اشتغلت ذمّته به أوّلًا أو ثانياً، و لا يجب مع الاتحاد (1).

____________

بصفة العبادة، فلا يصح قصدها إلّا على النحو الذي عرفت.

و بالجملة: الغايات المتقدمة من الثواب أو دفع العقاب أو شكر النعمة كلها غايات للامتثال و من قبيل الداعي على الداعي، لا يكاد يترتّب شي‌ء منها إلّا بعد اتصاف العمل بالعبادية، و الإتيان به بهذا العنوان، فبدونه و لو كان بنيّة صالحة كالتعليم فضلًا عن الرياء لا أثر له بوجه، فلو صلى أحد لا لكماله الذاتي، و لا لحبّه الناشئ من نعمه، و لا بداعي التقرب و إدراكه لذة الانس، بل لأمر آخر دنيوي أو أُخروي، لم يترتب عليه أيّ أثر، بل لا بدّ و أن تكون ثمّة واسطة بين العمل و بين تلك الغاية، و هي الإضافة إلى المولى على سبيل العبودية حسبما عرفت.

(1) قد يكون الثابت في الذمة تكليفاً واحداً، و قد يكون متعدداً.

فالأوّل: كما في صيام شهر رمضان حيث لا يصلح هذا الزمان لغير هذا النوع من الصيام، فيكفي فيه الإتيان بذات العمل مع قصد الأمر، فلو نوى في المثال صوم الغد متقرّباً كفى و لا حاجة إلى التعيين، بعد أن كان متعيناً في نفسه و غير صالح للاشتراك مع غيره ليفتقر إلى التمييز و التشخيص، و هذا ظاهر.

و أمّا الثاني: كما في صلاتي الظهر و العصر، فبما أنّ إحداهما تغاير الأُخرى ثبوتاً و إن اشتركتا في جميع الخصوصيات إثباتاً كما يكشف عن هذه المغايرة قوله (عليه السلام): «... إلّا أنّ هذه قبل هذه ...» (1) إلخ الدال على اعتبار‌

____________

(1) الوسائل 4: 126/ أبواب المواقيت ب 4 ح 5.

12

..........

____________

الترتيب، و إلّا لم يكن مجال للاستثناء، لوضوح أنّ كل من يأتي بثمان ركعات فبطبيعة الحال تكون الأربع الأُولى قبل الأربع الثانية، كما أنّ الركعة الأُولى قبل الثانية، و هي قبل الثالثة و هكذا، فلو لم يكن تغاير و تباين ذاتي بينهما لم يكن وقع لهذا الكلام.

و أيضاً يكشف عنها: النصوص الواردة في العدول من اللاحقة إلى السابقة (1) كما لا يخفى.

فلا جرم لزم المتصدي للامتثال مراعاة عنوان العمل و قصد تعيينه مقدّمة لتحقيقه و امتثال أمره، فلو نوى ذات الأربع ركعات و لو متقرّباً من غير قصد عنوان الظهر و لا العصر بطل و لم يقع امتثالًا لشي‌ء منهما.

و بعبارة اخرى: إنّما يكتفى بقصد الأمر فيما إذا كان متعلقه ذات العمل، و أمّا إذا كان متعلقه العنوان كالظهرية لم يكن بدّ من قصده، و إلّا لم يكن المأتي به مصداقاً للمأمور به.

و من هذا القبيل فريضة الفجر و نافلته، حيث استكشفنا من اختلاف الآثار الّتي منها عدم جواز الإتيان بالنافلة لدى ضيق الوقت، أنّ لكل منهما عنواناً خاصّاً، فلو أتى بذات الركعتين من غير قصد شي‌ء من العنوانين بطل و لم يقع مصداقاً لشي‌ء منهما.

و من هذا القبيل أيضاً الأداء و القضاء، حيث استفدنا من النصوص (2) الدالة على لزوم تقديم الحاضرة على الفائتة، أو أفضليته حسب الاختلاف في المسألة أنّ لكل منهما عنواناً به يمتاز عن الآخر، فلا مناص إذن من قصده، و بدونه لم يقع امتثالًا لشي‌ء منهما.

____________

(1) راجع الوسائل 4: 290/ أبواب المواقيت ب 63.

(2) الوسائل 4: 274/ أبواب المواقيت ب 57.

13

[مسألة 2: لا يجب قصد الأداء و القضاء و لا القصر و التمام]

[1415] مسألة 2: لا يجب قصد الأداء و القضاء و لا القصر و التمام (1) و لا الوجوب و الندب (2)، إلّا مع توقّف التعيين على قصد أحدهما.

____________

نعم، لو لم يكن للواجبين عنوان خاص، كما لو كان عليه قضاء يومين من شهر رمضان، أو استدان من زيد مرّتين فأصبح مديناً له بدرهمين، فحيث لا امتياز بين الفردين المشغولة بهما الذمّة حتى في صقع الواقع، و لم يتعلق الأمر إلّا بذات العمل من غير خصوصية للسابق أو اللّاحق، لم يلزمه قصد هذه الخصوصية في مقام الأداء.

فتحصّل: أنّ العبرة في لزوم التعيين بتعدد الواجب، و أن يكون لكل منهما عنوان به يمتاز عن الآخر، فلو لم يكن تعدد أو كان و لم يكن له عنوان خاص لم يلزمه ذلك.

(1) إذ اللّازم على المكلف إنّما هو الإتيان بذات المأمور به مع تعيينه فيما يحتاج إلى التعيين حسبما مرّ مع إضافته إلى المولى، و أمّا الزائد عليه من الخصوصيات الّتي تكتنف بالعمل من القصر و التمام، أو القضاء و الأداء، كالالتفات إلى بقيّة الأجزاء، فلم ينهض على اعتباره أيّ دليل، فلو لم يكن في ذمته إلّا الأداء تماماً، فقصد أربع ركعات بقصد الظهر صح و كفى، و إن لم يكن ملتفتاً إلى شي‌ء من الخصوصيتين تفصيلًا حين العمل.

(2) فإنّهما من كيفيات الأمر لا من خصوصيات المأمور به، و إن صحّ اتصافه بهما أيضاً، لكنه اسناد تبعي و الأصل فيه إنّما هو الأمر نفسه باعتبار اقترانه بالترخيص في الترك و عدمه، حيث ينتزع من الأوّل الاستحباب و من الثاني الوجوب.

و عليه فمجرّد الإتيان بالعمل بداعي الأمر كاف في تحقّق العبادة و إن لم يعلم‌

14

بل لو قصد أحد الأمرين في مقام الآخر صحّ إذا كان على وجه الاشتباه في التطبيق (1)

____________

أنّ الأمر المتعلق به وجوبي أو استحبابي، إذ لا دخل له لا في تحقق ذات المأمور به، و لا في إضافته إلى المولى.

و منه تعرف الحال في الأداء و القضاء، و أنّ المأمور به فيهما أيضاً حقيقة واحدة، غاية الأمر أنّ الأوّل مشروط بالوقوع في الوقت، و بعد خروجه و عدم امتثاله عصياناً أو نسياناً تلغو الخصوصية و يبقى الأمر بالطبيعة و لو بأمر جديد من غير أن يتقيد بالوقوع خارج الوقت، كيف و هو لازم عقلي و أمر ضروري غير اختياري لا بدّ منه، فلا موقع لمراعاة التقييد فيه.

و على الجملة: فالأداء شرط مأخوذ في الطبيعة كسائر الشرائط، كالطهارة من الخبث و الاستقبال و نحوهما، و هي برمّتها توصلية لا يعتبر الالتفات إليها تفصيلًا ليلزم قصدها.

و أمّا القضاء، فالأمر فيه أوضح، لما عرفت من أنّ خصوصية الوقوع خارج الوقت لم تكن قيداً شرعياً ملحوظاً في جانب المأمور به ليلزم قصده، و إنّما هو عقلي محض.

فتحصّل: أنّه لا تعتبر مراعاة شي‌ء من الخصوصيات المزبورة لا الأداء و القضاء، و لا القصر و التمام، و لا الوجوب و الندب، إلّا فيما إذا توقف التعيين عليه حسبما عرفت.

(1) فصّل (قدس سره) في مفروض المسألة بين ما إذا كان قصد الخصوصية من باب الاشتباه في التطبيق و بين ما إذا كان من باب التقييد، فحكم (قدس سره) بالصحة في الأوّل و البطلان في الثاني.

15

..........

____________

أقول: أمّا الأوّل، فظاهر الوجه، إذ بعد أن كانت الحقيقة واحدة و هي صلاة الفجر مثلًا، و كان لها أمر واحد على الفرض، فتخيّل المصلي أنّه استحبابي فبان أنّه وجوبي، أو أنّه أدائي فبان أنّه قضائي أو بالعكس، الراجع إلى الاشتباه في خصوصية من صفات الأمر أو المأمور به، لا مدخل له في صحة العبادة بعد اشتمالها على تمام ما هو المقوّم لها من ذات العمل مع قصد التقرّب كما هو المفروض و هذا واضح.

و أمّا الثاني، فغير واضح، بل في حيّز المنع، فانّ مستند البطلان هو أنّ المصلي بعد أن قيّد عمله بالخصوصية التي زعمها بحيث لو علم بفقدها لم يعمل لا أنّه يعمل على كل تقدير، غايته أنّه اشتبه في التطبيق كما في الصورة السابقة فهو في الحقيقة فاقد للنيّة بالإضافة إلى ما صدر منه لاندراجه في كبرى: ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

و لكنه كما ترى، لامتناع التقييد في أمثال المقام حسبما تكررت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح، ضرورة أنّه إنّما يتصور فيما هو قابل للتقييد كالمطلقات و الكليات التي هي ذات حصص و أصناف، كبيع منّ من الحنطة القابل للتقييد بكونها من المزرعة الفلانية.

و أمّا الجزئي الحقيقي و الموجود الخارجي كما في المقام فإنّه لا سعة فيه ليقبل التضييق و التقييد، فلو اعتقد أنّ زيداً صديقه فأكرمه فبان أنّه عدوّه، أو أنّ المال الفلاني يترقى فاشتراه ليربح فتنزّل، أو أنّ من في المحراب زيد فبان أنّه عمرو و هو لا يريد الاقتداء به و إن كان عادلًا فهذه الأفعال من الإكرام و الشراء و الاقتداء و منها الصلاة في محل الكلام، صادرة منه بالضرورة، و هي جزئيات خارجية لا يعقل فيها التقييد، فانّ الفاعل و إن كان بحيث لو علم بالخلاف لم يفعل إلّا أنّه بالأخرة فَعَل و صدر منه العمل، و هذا العمل الصادر جزئي حقيقي لا إطلاق فيه ليقبل التقييد. فلا جرم يكون التقييد المزعوم من‌

16

كأن قصد امتثال الأمر المتعلِّق به فعلًا و تخيّل أنّه أمر أدائي فبان قضائياً أو بالعكس، أو تخيّل أنّه وجوبي فبان ندبياً أو بالعكس، و كذا القصر و التمام (1) و أمّا إذا كان على وجه التقييد [1] فلا يكون صحيحاً، كما إذا قصد امتثال الأمر الأدائي ليس إلّا، أو الأمر الوجوبي ليس إلّا، فبان الخلاف فإنّه باطل.

____________

قبيل التخلّف في الداعي، و الاشتباه في التطبيق بطبيعة الحال، لأنّ ما وقع لا ينقلب عمّا هو عليه، فهو مقصود لا محالة لا أنّه غير مقصود و إنّما الخطأ في الداعي الباعث على ارتكابه حسبما عرفت.

فلا مناص من الحكم بالصحة في جميع هذه الموارد، و كيف لا يحكم بها في من صلّى نافلة الليل بزعم أنّ هذه ليلة الجمعة، أو زار الإمام (عليه السلام) كذلك بحيث لو كان يعلم أنّها ليلة أُخرى لم يصلّ و لم يزر، فانّ الحكم ببطلان الصلاة أو الزيارة كما ترى، ضرورة أنّ المعتبر في صحة العبادة إنّما هو الإتيان بذات العمل مع قصد التقرب، و قد فعل حسب الفرض، و معه لا مقتضي للبطلان بوجه.

(1) عدّ هذا من باب الاشتباه في التطبيق غير واضح، فإنّ صلاة القصر مقيّدة بالتسليم على الركعتين و التمام بعدمه، فكل منهما مقيد بقيد مضادّ للآخر و من البيّن اعتبار قصد المأمور به بتمام أجزائه و لا يكفي البعض، غاية الأمر كفاية النيّة الإجمالية و لا يعتبر التفصيل، فلو جهل الوظيفة الفعلية و كانت الرِّسالة العملية موجودة عنده لا بأس حينئذ بالشروع بقصد ما في الذمّة، ثمّ‌

____________

[1] لا أثر للتقييد فيما لا يعتبر فيه قصد العنوان و لو إجمالًا كالقصر و الإتمام و الوجوب و الندب و ما شاكلها، فانّ العبرة في الصحة في هذه الموارد إنّما هي بتحقق ذات المأمور به مع الإتيان بها على نحو قربي، نعم يصح ذلك في مثل الأداء و القضاء و نحوهما.

17

[مسألة 3: إذا كان في أحد أماكن التخيير فنوى القصر]

[1416] مسألة 3: إذا كان في أحد أماكن التخيير فنوى القصر يجوز له أن يعدل إلى التمام و بالعكس ما لم يتجاوز محل العدول، بل لو نوى أحدهما و أتمّ على الآخر من غير التفات إلى العدول فالظاهر الصحّة، و لا يجب التعيين حين الشروع أيضاً (1).

____________

يراجع المسألة أثناء الصلاة و يسلّم في ظرفه اللّازم، كما لا بأس أيضاً لو ائتم بمقلّده مع علمه باتحادهما في الوظيفة فيسلّم بتبع تسليمه.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه لو نوى أحدهما ثم انكشف له أثناء العمل أنّ المأمور به غيره لم يجز، لفقد النيّة حتى الإجمالية فضلًا عن التفصيلية.

و بعبارة واضحة: من كانت وظيفته القصر مثلًا إذا قصد التمام، فقد نوى صلاة فاسدة لا أمر بها، و مقتضى ما تقدّم من لزوم قصد تمام الأجزاء من الأوّل هو الحكم بالبطلان، لأنّ المقصود غير مأمور به و المأمور به غير مقصود حتى إجمالًا بعد تغاير طبيعتي القصر و التمام، باعتبار اشتمال كلّ منهما على قيد مضادّ للآخر كما عرفت، و معه كيف يمكن إدراج المقام في باب الاشتباه في التطبيق.

و نظير المقام ما سيأتي (1) من أنّه لو نوى الظهر بزعم عدم الإتيان بها ثمّ انكشف إتيانها، ليس له العدول إلى العصر بدعوى كونه من باب الاشتباه في التطبيق و أنّه قاصد للأمر الفعلي، إذ كيف يكون كذلك مع أنّه لم يكن قاصداً لعنوان العصر لا إجمالًا و لا تفصيلًا، حتى مع الغض عن عدم جواز العدول من السابقة إلى اللّاحقة، لكن الاشكال مبني على تغاير طبيعتي القصر و التمام و ستعرف أنّهما طبيعة واحدة، فلا إشكال.

(1) إذ المفروض أنّ متعلق الأمر في هذه الأماكن هو الجامع بين بشرط لا‌

____________

(1) في ص 79 المسألة [1437].

18

نعم، لو نوى القصر فشكّ بين الاثنين و الثلاث بعد إكمال السجدتين (1) يشكل العدول إلى التمام و البناء على الثلاث، و إن كان لا يخلو من وجه، بل قد يقال [1] بتعيّنه، و الأحوط العدول و الإتمام مع صلاة الاحتياط و الإعادة.

____________

و بشرط شي‌ء، فلم تكن الخصوصية واجبة من أوّل الأمر لتحتاج إلى التعيين نظير السورة الواجبة في الصلاة بعد الحمد، حيث إنّ الواجب طبيعيها، فلا يجب تعينها منذ الشروع في الصلاة، بل لو عيّن آن ذاك له العدول بعد ذلك، كما أنّ له العدول في المقام أيضاً ما دام المحل باقياً، لما عرفت من خروج الخصوصية عن حيّز الأمر، و عدم تعلقه إلّا بالطبيعي الجامع بين ذات ركعتين و ذات الأربع.

و منه تعرف أنّه لو نوى أحدهما و أتمّ على الآخر غفلة و من غير التفات إلى العدول صح، للإتيان بالمأمور به على وجهه من غير خلل فيه.

(1) فهل يحكم حينئذ ببطلان الصلاة لبطلان الشك المزبور في الصلاة الثنائية أو بجواز العدول إلى التمام المستلزم لانقلاب الشك إلى الصحيح، لوقوعه في صلاة رباعية فيتم بعد البناء على الثلاث و يأتي بركعة الاحتياط، أو بوجوبه حذراً عن قطع الصلاة المحرّم؟ وجوه:

أمّا البطلان و عدم المجال للعدول فيستدل له:

تارة: بإطلاق ما دلّ على البطلان في الشك في الثنائية.

و فيه: أنّ الشك بنفسه لم يكن مبطلًا كالحدث، و إنّما الممنوع المضي عليه و من ثمّ لو تروّى ثمّ ظنّ بأحد الطرفين بنى عليه، و من البيّن أنّه بعد العدول و البناء على الأكثر لم يكن ثمّة مضي على الشك في صلاة ثنائية لانعدام الموضوع.

____________

[1] و هو الأوجه بناءً على شمول دليل حرمة قطع الصلاة لمثل المقام.

19

..........

____________

و اخرى: باختصاص مورد العدول بما إذا تمكن المصلي من إتمام الصلاة المعدول عنها كي يعدل من صلاة صحيحة إلى مثلها، و أمّا إذا لم يتمكّن لفسادها في نفسها مع قطع النظر عن العدول، فمثله غير مشمول لأدلته. و من ثمّ لو شكّ في صلاة الفجر بين الثنتين و الثلاث بعد الإكمال ليس له العدول إلى فائتة رباعية بضرورة الفقه.

و فيه: أنّ هذا إنّما يتّجه فيما إذا كان العدول ثابتاً بدليل خاص كالعدول من الحاضرة إلى الفائتة و نحو ذلك، لا ما كان ثابتاً بمقتضى القاعدة من غير حاجة إلى دليل خاص كالمقام، حيث قد عرفت أنّ متعلق الأمر إنّما هو الجامع بين الثنائية و الرباعية، و التطبيق على الأوّل كان باختيار المكلّف لا بجعل من الشارع فهو لا يزال مكلفاً بذاك الجامع، إذن فما هو المانع من شمول أدلّة البناء على الأكثر لمثل ذلك، فانّ الخارج عنها إنّما هي الصلاة الثنائية حسب الجعل الشرعي لا الاختيار الشخصي، فله رفع اليد و اختيار الفرد الآخر و البناء فيه على الأكثر.

و نحوه ما لو كان بانياً على القصر فشكّ بين الثلاث و الأربع، فإنّ المأمور به لمّا كان هو الجامع فله العدول إلى الرباعية و البناء على الأكثر حسبما عرفت.

و أمّا وجوب العدول حذراً عن القطع المحرم، ففيه: أنّ دليل القطع لو تمّ فإنّما هو الإجماع، و مورده ما إذا كانت الصلاة صحيحة في نفسها مع قطع النظر عن العدول، لا ما إذا تمكن من تصحيحها بالعدول.

و بعبارة اخرى: مورد الحرمة ما إذا كان البطلان مستنداً إلى القطع، بحيث لولاه لكانت صلاة صحيحة في حدّ ذاتها، و لا يعمّ ما لو كانت الصحة متوقفة على أمر آخر اختياري كما في المقام.

فتحصّل: أنّ الأظهر إنّما هو الوجه الثاني.

20

[مسألة 4: لا يجب في ابتداء العمل حين النيّة تصوّر الصلاة تفصيلًا]

[1417] مسألة 4: لا يجب في ابتداء العمل حين النيّة تصوّر الصلاة تفصيلًا، بل يكفي الإجمال (1) نعم، يجب نيّة المجموع من الأفعال جملة أو الأجزاء على وجه يرجع إليها، و لا يجوز تفريق النيّة (2) على الأجزاء على وجه لا يرجع إلى قصد الجملة، كأن يقصد كلا منها على وجه الاستقلال من غير لحاظ الجزئية.

[مسألة 5: لا ينافي نيّة الوجوب اشتمال الصلاة على الأجزاء المندوبة]

[1418] مسألة 5: لا ينافي نيّة الوجوب اشتمال الصلاة على الأجزاء المندوبة (3)، و لا يجب ملاحظتها في ابتداء الصلاة، و لا تجديد النيّة على وجه الندب حين الإتيان بها.

____________

(1) كأن ينوي ما أمره اللّٰه تعالى به من الأجزاء، لعدم الدليل على اعتبار الأزيد من ذلك.

(2) لأنّ المأمور به لمّا كان هو المركب و هو عين الأجزاء بالأسر، فلا يتصف شي‌ء منها بالجزئية إلّا شريطة الانضمام بسائر الأجزاء، فلا يكفي لحاظه مستقلا لعرائه عن الأمر المانع عن صلاحية الإضافة إلى المولى، فلو قصد التكبيرة فقط ثمّ بدا له و قصد القراءة و هكذا، لم يتحقق به الامتثال.

(3) لأنّ الفرد المشتمل عليها مصداق للطبيعة الواجبة، غاية الأمر أنّه أفضل الأفراد، نظير الصلاة في المسجد أو أوّل الوقت و نحو ذلك من الخصوصيات الّتي تستوجب مزيّة الفرد و أفضليّته عن الفاقد لها.

هذا بناءً على تصوير الجزء الاستحبابي، و أمّا بناءً على إنكاره و عدم إمكانه لا بالنسبة إلى الفرد و لا الماهية كما هو الصواب على ما حقّق في الأُصول (1)

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 300.

21

[مسألة 6: الأحوط (1) ترك التلفظ بالنيّة في الصلاة]

[1419] مسألة 6: الأحوط (1) ترك التلفظ بالنيّة في الصلاة خصوصاً في صلاة الاحتياط للشكوك (2)، و إن كان الأقوى الصحة معه [1] (3).

____________

و انّ ما يتراءى منه ذلك كالقنوت فهو مستحب نفسي ظرفه الواجب، فالأمر أوضح.

(1) منشأ الاحتياط ما يراه (قدس سره) من وجوب الإقامة و احتمال بطلانها بالتكلم و احتياجها إلى الإعادة، و عليه فيختص بغير موارد سقوطها، إذ لا مانع حينئذ من التلفظ بوجه.

و لكنّه (قدس سره) مع ذلك أفتى بالصحة، نظراً إلى انصراف دليل البطلان عن مثل هذا التكلم الراجع إلى شؤون الصلاة، كالأمر بتعديل الصفوف على ما نطق به بعض النصوص (1)، حيث يستفاد منه حكم كلِّي منطبق على المقام و غيره و قد تقدّم ما فيه (2).

و كيف ما كان، فحيث إنّا لا نرى وجوب الإقامة فلا حاجة إلى هذا الاحتياط و إن كان الأولى ترك التلفظ كما مرّ.

(2) لاحتمال كونها جزءاً متمّماً على تقدير النقص، المستلزم لكون التلفّظ بالنيّة تلفظاً أثناء الصلاة.

(3) لما يرتئيه (قدس سره) من أنّها صلاة مستقلة، و إن شرّعت لتدارك النقص المحتمل، هذا.

____________

[1] الأقوى عدم الصحة معه في صلاة الاحتياط.

____________

(1) راجع الوسائل 8: 422/ أبواب صلاة الجماعة ب 70.

(2) شرح العروة 13: 355.

22

[مسألة 7: من لا يعرف الصلاة يجب عليه أن يأخذ من يلقّنه]

[1420] مسألة 7: من لا يعرف الصلاة يجب عليه أن يأخذ من يلقّنه (1) فيأتي بها جزءاً فجزءاً، و يجب عليه أن ينويها أوّلًا على الإجمال (2).

[مسألة 8: يشترط في نيّة الصلاة بل مطلق العبادات الخلوص عن الرياء]

[1421] مسألة 8: يشترط في نيّة الصلاة بل مطلق العبادات الخلوص عن الرياء، فلو نوى بها الرياء بطلت، بل هو من المعاصي الكبيرة، لأنّه شرك باللّٰه تعالى (3).

____________

و لكنّ المختار عندنا لمّا كان هو الاحتمال الأوّل، أي أنّ صلاة الاحتياط جزء متمّم للصلاة الأصلية على تقدير نقصها، فلا جرم كان الأقوى ترك التلفّظ حذراً عن احتمال وقوعه أثناء الصلاة من غير مؤمّن كما لا يخفى.

(1) فإنّه من أنحاء القدرة الواجب عليه تحصيلها بعد وضوح كونها أعم من المباشرة بنفسه أو بواسطة التلقين.

(2) حسبما تقدّم (1).

(3) المشهور بين الفقهاء إن لم يكن إجماعاً اعتبار الخلوص في الصلاة بل مطلق العبادات، فلو نوى بها الرياء بطلت، بل كان آثماً لكونه من المعاصي الكبيرة، و قد عبّر عنه بالشرك في لسان الأخبار، و هذا في الجملة مما لا إشكال فيه، و لم ينقل الخلاف فيه عن أحد عدا السيّد المرتضى (قدس سره) في الانتصار القائل بالحرمة دون البطلان (2)، و خلافه ناظر إلى بعض الأقسام مما يرى فيه عدم التنافي بين الرياء و قصد القربة كما في الضميمة على ما سيجي‌ء تفصيلها (3) و إلّا فاعتبار القربة في العبادات لعلّه من الضروريات الّتي لا تقبل الإنكار.

____________

(1) في ص 20.

(2) الانتصار: 100/ المسألة 9.

(3) في ص 41.

23

[ثمّ إنّ دخول الرياء في العمل على وجوه]

ثمّ إنّ دخول الرياء في العمل على وجوه:

[أحدها: أن يأتي بالعمل لمجرّد إراءة الناس]

أحدها: أن يأتي بالعمل لمجرّد إراءة الناس (1) من دون أن يقصد به امتثال أمر اللّٰه تعالى، و هذا باطل بلا إشكال، لأنّه فاقد لقصد القربة أيضاً.

[الثاني: أن يكون داعيه و محرِّكه على العمل القربة]

الثاني: أن يكون داعيه و محرِّكه على العمل القربة و امتثال الأمر و الرياء معاً، و هذا أيضاً باطل، سواء كانا مستقلّين أو كان أحدهما تبعاً و الآخر مستقلا، أو كانا معاً و منضمّاً محرّكاً و داعياً (2).

____________

و كيف كان، فأصل الاعتبار المستلزم لبطلان العبادة المراءى فيها ممّا لا غبار عليه، و قد تظافرت به الروايات التي عقد لها في الوسائل باباً مستقلا (1) إنّما الكلام في بعض خصوصيات المطلب و ستعرف الحال فيها في التعاليق الآتية.

(1) بأن يكون الداعي الوحيد هو الرياء فحسب و لا يقصد به طاعة الربّ بوجه، و البطلان في هذا القسم ممّا لا إشكال فيه و لا خلاف حتى من السيّد المرتضى، لفقد قصد القربة المعتبر في صحة الصلاة، فإنّ كون الصلاة عبادة و افتقار العبادة إلى قصد التقرب كاد أن يكون من الواضحات التي لا مرية فيها.

(2) و هذا القسم أعني ضمّ قصد الرياء إلى القربة ينحل إلى صور أربع:

إحداها: أن يكون الباعث على ارتكاب العمل و المحرِّك نحوه مجموع القصدين فكل منهما جزء من المؤثر بحيث لو انعزل أحدهما عن الآخر لما ترتب الأثر لقصور كل منهما وحده عن صلاحية الدعوة و التحريك، فلا يكون الداعي إلّا مجموع القصدين على صفة الانضمام.

الثانية: أن يكون كل منهما مستقلا في التأثير في حدّ نفسه، بحيث لو انفرد‌

____________

(1) راجع الوسائل 1: 70/ أبواب مقدمة العبادات ب 12.

24

..........

____________

عن الآخر كان تامّ الداعوية و صالحاً للتحريك، و إن كان التأثير الفعلي مستنداً إلى مجموع الأمرين لا خصوص كل منهما من جهة استحالة توارد علّتين على معلول واحد.

الثالثة: أن يكون الداعي الإلهي أصيلًا و الريائي تابعاً.

الرابعة: عكس ذلك.

لا ريب في البطلان في الصورة الاولى، من جهة الإخلال بقصد التقرب المعتبر في صحّة العبادة، إذ المعتبر فيها أن يكون الانبعاث نحو العمل عن قصد الأمر، و المفروض في المقام عدمه، لقصور هذا الداعي عن صلاحية الدعوة في حدّ نفسه على الفرض، فالبطلان في هذه الصورة على طبق القاعدة و لو لم يكن نص في البين، كما لا ريب في البطلان في الصورة الأخيرة كما هو واضح.

و أمّا الصورة الثانية، فمقتضى القاعدة الصحة، إذ لا يعتبر في اتصاف العمل بالعبادية أكثر من صدوره عن داعٍ قربي مستقل في الداعوية في حدّ نفسه المتحقق في الفرض، و لم يعتبر عدم اقترانه بداع آخر و لو كان مستقلا في الدعوة، فالمناط بلوغ الباعث الإلهي حدّا يصلح للدعوة التامّة من دون قصور فيها، سواء اقترن بداع آخر أم لا.

و من هنا يحكم بصحة الغسل مثلًا و لو كان قاصداً للتبريد أيضاً، على نحو يكون كل منهما في حدّ نفسه مستقلا في التحريك، كما يحكم بصحة الصوم ممّن له كرامة في المجتمع بحيث لا يكاد يتجاهر بالإفطار في شهر رمضان و لو لم يكن هناك رادع إلٰهي، تحفظاً على كرامته و مقامه.

و بالجملة: حيث إنّ الضميمة المزبورة لا ينثلم بها قصد التقرب المعتبر في العبادة، و لا توجب خللًا في صدق الطاعة، فمقتضى القاعدة الصحة في هذه الصورة.

25

..........

____________

و بطريق أولى في الصورة الثالثة كما لا يخفى، من دون فرق بين المقام و غيره من سائر الضمائم ممّا تكون الضميمة من هذا القبيل، أي كانت مستقلّة في التحريك كقصد القربة، أو كانت تابعة و التقرّب أصيلًا.

لكنّا خرجنا عنها في خصوص المقام أعني الرياء بمقتضى النصوص المتظافرة الدالّة بإطلاقها على البطلان حتى في هاتين الصورتين فضلًا عن غيرهما، و هي كثيرة جدّاً قد عقد لها في الوسائل باباً مستقلا و أكثرها مرويّة عن المحاسن نذكر بعضها:

فمنها: صحيحة زرارة و حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: لو أنّ عبداً عمل عملًا يطلب به وجه اللّٰه و الدار الآخرة و أدخل فيه رضى أحد من الناس كان مشركاً» (1).

و صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: يقول اللّٰه عزّ و جلّ: أنا خير شريك فمن عمل لي و لغيري فهو لمن عمله غيري» (2). و نحوهما غيرهما. فانّ المراد بالشرك الشرك في العبادة دون الربوبية كما هو واضح، و من أظهر آثاره الحرمة، فإذا كان حراماً بطل، إذ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب.

و من الواضح أنّ إدخال رضا أحد من الناس صادق حتى فيما إذا كان الرياء تابعاً، فضلًا عما إذا كان مستقلا في التحريك في عرض الباعث الإلهي، و كذا قوله: «فمن عمل لي و لغيري» في الرواية الأخيرة، فالروايتان و غيرهما تشمل جميع الصور المتقدمة، فيحكم بالبطلان من أجلها.

____________

(1) الوسائل 1: 67/ أبواب مقدمة العبادات ب 11 ح 11، المحاسن 1: 212/ 384.

(2) الوسائل 1: 72/ أبواب مقدمة العبادات ب 12 ح 7، المحاسن 1: 392/ 875.

26

[الثالث: أن يقصد ببعض الأجزاء الواجبة الرياء و هذا أيضاً باطل]

الثالث: أن يقصد ببعض الأجزاء الواجبة الرياء و هذا أيضاً باطل، و إن كان محل التدارك باقياً، نعم في مثل الأعمال التي لا يرتبط بعضها ببعض أو لا ينافيها الزيادة في الأثناء كقراءة القرآن و الأذان و الإقامة إذا أتى ببعض الآيات أو الفصول من الأذان اختصّ البطلان به، فلو تدارك بالإعادة صح (1).

____________

(1) أمّا نفس الجزء فباطل بلا ارتياب لصدوره رياءً حسب الفرض، و بتبعه تفسد الصلاة أيضاً، سواء تداركه مع بقاء محل التدارك أم لا، للإخلال بها من جهة النقيصة أو الزيادة كما لا يخفى.

و عن المحقق الهمداني (1) الصحة في فرض التدارك، بدعوى انصراف أدلة الزيادة عن مثل المقام، فإنّها خاصة بما إذا أحدث الزائد و لا تعمّ ما لو أوجد صفة الزيادة لما تحقق سابقاً، و المقام من هذا القبيل فإنّه لو اقتصر على الجزء المراءى فيه فالعمل فاسد من جهة النقص، و لو تداركه أوجب ذلك اتصاف الجزء السابق بالزيادة من هذا الحين بعد ما لم يكن كذلك ابتداء.

و قد ذكر (قدس سره) (2) نظير ذلك فيما لو أتى بجزء من الآية ثمّ رفع اليد عنه و استأنفها، كما لو قال مال ثمّ قال مالك يوم الدِّين، فإنّ الثاني و إن أوجب اتصاف الأوّل بالزيادة، لكن مثلها غير مبطل بلا إشكال، و المقام من هذا القبيل، هذا.

و الذي ينبغي أن يقال في المقام: إنّ الجزء المراءى فيه إن كان من سنخ السجود و الركوع، فلا ينبغي الشك في بطلان الصلاة حينئذ، سواء أتى به بقصد الجزئية أم لا، لعدِّه حينئذ من الزيادة المبطلة، كما يفصح عنه ما ورد من النهي‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 238 السطر 10.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 540، السطر 15.

27

..........

____________

عن قراءة سور العزائم في الصلاة معللًا باستلزامها سجود التلاوة و أنّه زيادة في المكتوبة (1)، مع أنّ سجدة التلاوة لم يؤت بها بقصد الجزئية، فكأنها حاكمة على أدلّة الزيادة المبطلة و مفسّرة لموضوعها، و أنّه عام يشمل حتى مثل ذلك و إن لم يقصد به الجزئية.

و أمّا إن كان من سنخ الأذكار كالقرآن و الدعاء و نحوهما، فان كان بقصد الجزئية، كما لو راءى في فاتحة الكتاب المأتي بها بقصد كونها من الصلاة فالأقوى حينئذ البطلان أيضاً، لصدق الزيادة العمدية المبطلة، إذ لا معنى للزيادة سوى الإتيان بشي‌ء بقصد كونه من الصلاة و لم يكن منها. و دعوى انصراف الأدلّة عن مثله كما تقدّم عن المحقق الهمداني (قدس سره) غير مسموعة.

و أمّا إذا لم يقصد به الجزئية، كما لو قرأ بعد الحمد مثلًا سورة الجمعة بقصد القرآنية رياءً و بعدها أتى بسورة أُخرى قاصداً بها الجزئية، فهل تبطل الصلاة حينئذ؟ إشكال ينشأ من شمول أدلّة مبطلية الكلام لمثله و عدمه.

اختار جمع منهم شيخنا الأُستاذ (قدس سره) الأوّل (2)، بدعوى أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ كل تكلم عمدي فهو مبطل للصلاة، و إنّما الخارج عنه بالتخصيص ما كان ذكراً أو قرآناً أو دعاءً مأموراً به وجوباً أو استحباباً، فغير المأمور به من هذه الأُمور داخل في عموم قوله (عليه السلام): «مَن تكلّم في صلاته متعمداً فعليه الإعادة» (3). و لا شك أنّ المأتي به رياءً من هذه الأُمور حيث إنّه محرّم فهو خارج عن عنوان المخصص و مشمول لعموم العام، فيكون مبطلًا.

____________

(1) راجع الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40.

(2) كتاب الصلاة 2: 18، 19.

(3) الوسائل 7: 281/ أبواب قواطع الصلاة ب 25 ح 2 (نقل بالمضمون).

28

..........

____________

هذا، و لكنّ الأقوى الثاني، لقصور الأدلة المزبورة عن الشمول للمقام، فانّ المبطل من الكلام خاص بكلام الآدمي كما قيّد بذلك في كلمات الفقهاء، و سيجي‌ء بيانه في محلّه إن شاء اللّٰه تعالى (1)، و لا ريب أنّ الذكر أو الدعاء أو القرآن خارج عن موضوع كلام الآدمي و إن كان محرّماً، فهو قرآن أو ذكر أو دعاء محرّم و لا يعدّ من كلام الآدمي في شي‌ء، و اختلاف الحكم من كونه مأموراً به و عدمه لا يؤثِّر في ذلك شيئاً، فهي خارجة عن الكلام المبطل خروجاً موضوعياً، و النسبة نسبة التخصص دون التخصيص.

فالأقوى: أنّ هذه الأُمور المأتي بها رياءً إنما تبطل الصلاة إذا كانت بعنوان الجزئية من جهة استلزام الزيادة حينئذ كما عرفت، دون ما إذا لم يقصد بها الجزئية، إلّا إذا استلزم الفصل الطويل الماحي لصورة الصلاة، كما إذا قرأ سورة طويلة رياءً، فإنّها توجب البطلان حينئذ من هذه الجهة و إن لم يقصد بها الجزئية.

و على الجملة: الرياء في الجزء بما هو كذلك لا يقتضي إلّا فساده في حدّ نفسه و إنّما يسري إلى الصلاة فيما إذا استلزم عروض عنوان آخر يقتضي الفساد، إما من جهة الزيادة، أو محو الصورة، أو التكلم العمدي على القول به كما عرفت هذا كلّه في الصلاة.

و أمّا فيما عداها من سائر العبادات ممّا لا تكون الزيادة مبطلة لها كالوضوء و الغسل و نحوهما، فلا موجب للبطلان أصلًا. فلو غسل يده اليمنى مثلًا رياءً حتى بقصد الجزئية ثم ندم فتداركه بقصد التقرب صحّ مع مراعاة الموالاة، لعدم كون الزيادة مبطلة في غير الصلاة.

نعم، هناك وجه آخر للبطلان لو تمّ لعمّ و شمل جميع أقسام العبادات، و هو‌

____________

(1) في ص 293، شرح العروة 15: 445 شرح المسألة [1710].

29

..........

____________

التمسك بإطلاق قوله (عليه السلام): في الصحيحة المتقدمة (1) «و أدخل فيه رضا أحد من الناس» حيث إنّ مفاده أنّ كل عمل تضمّن الرياء و رضا أحد من الناس و لو باعتبار جزئه كان باطلًا، لسراية الفساد الناشئ من الرياء إلى الكل كسراية النار في القطن، فينتج فساد الوضوء في الفرض المزبور فضلًا عن الصلاة و كذا غيرهما من سائر العبادات.

لكن هذا الوجه مبني على أن يكون المراد من كلمة «فيه» في الصحيحة مطلق الظرفية، و من الواضح عدم إمكان الالتزام بذلك، و إلّا لزم القول بفساد الوضوء أو الصوم فيما لو قرأ في الأثناء سورة أو دعاءً أو ذكراً رياءً، لصدق إدخال رضا الناس فيه و كونه ظرفاً للرياء و إن كان مبايناً مع المظروف وجوداً و ماهية.

و هكذا يلزم فساد الحج لو أتى ببعض أجزائه رياءً كالطواف أو السعي و نحوهما و إن تداركه في محلّه، لصدق الظرفية، و هو كما ترى لا يمكن الالتزام به سيّما في الحج، بل هو غير محتمل جزماً كما صرّح به المحقق الهمداني في الحج و في الوضوء (2).

و على الجملة: ليس المراد بالظرفية معناها الواسع، بحيث يشمل كون العمل الصادر منه وعاءً لعمل آخر صادر لغير اللّٰه، بل المراد نفي الخلوص و تشريك غيره معه تعالى في العبادة، بحيث يصدر العمل الوحداني عن داع إلٰهي و داع ريائي، كما يفصح عنه قوله (عليه السلام) بعد ذلك «كان مشركاً» المفقود فيما نحن فيه، بعد فرض التدارك، فلا جرم يختص البطلان بالجزء الذي راءى فيه و لا يعمّ غيره.

____________

(1) في ص 25.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 239 السطر 10.

30

[الرابع: أن يقصد ببعض الأجزاء المستحبّة الرياء]

الرابع: أن يقصد ببعض الأجزاء المستحبّة الرياء كالقنوت في الصلاة و هذا أيضاً باطل على الأقوى [1] (1).

____________

و الحاصل: أنّ مجرّد الظرفية لا يستوجب الاتصاف بالمشركية إلّا بضرب من التجوّز و العناية باعتبار ملاحظة مجموع العمل، و من البيّن أنّه لا عبرة بهذا الاسناد المجازي، لعدم منعه عن صدق صدور تمام أجزاء العبادة بأسرها عن داع قربي لا غير و إن قورنت مع عمل آخر غير قربي.

فتحصّل: أنّ بطلان الجزء لا يسري إلى الكل فيما إذا تدورك و كان مصوناً عن محذور آخر في كافّة العبادات من الصلاة و غيرها حسبما عرفت.

(1) فيه نظر بل منع حتى لو بنينا على السراية في الجزء الوجوبي، لما ذكرناه في الأُصول (1) من أنّ الجزء المستحب غير معقول، سواء أُريد به جزء الماهية أم جزء الفرد، ضرورة أنّ افتراض الجزئية مساوق لافتراض الدخل في الطبيعة و تقوّمها به، و هو مضاد لمفهوم الاستحباب الذي معناه عدم الدخل و جواز الترك.

و ما يتراءى منه ذلك كالقنوت في الصلاة يراد به أنّه عمل مستقل ظرفه الواجب، كالأدعية المأثورة للصائم أو للناسك، فهو مزيّة خارجية تستوجب كون الفرد المشتمل عليها أفضل الأفراد، و التعبير عنه بالجزء المستحب مبني على ضرب من التوسّع و المسامحة. و قد عرفت أنّ مجرّد الظرفية لا يستلزم السراية و لا يقتضي البطلان إلّا إذا قورن بموجب آخر له من الفصل الطويل الماحي للصورة، أو الموجب لفوات الموالاة و نحو ذلك. إذن فما ذكره في المتن محل إشكال بل الأظهر هو عدم البطلان.

____________

[1] فيه إشكال، و الأظهر عدم البطلان.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 300.

31

[الخامس: أن يكون أصل العمل للّٰه]

الخامس: أن يكون أصل العمل للّٰه لكن أتى به في مكان و قصد بإتيانه في ذلك المكان الرياء، كما إذا أتى به في المسجد أو بعض المشاهد رياءً (1) و هذا أيضاً باطل على الأقوى (2).

____________

و المتحصّل من جميع ما مرّ: أنّ الرياء في الجزء مطلقاً لا يترتب عليه إلّا فساده، و لا يسري إلى المركب إلّا مع طروء عنوان آخر موجب للفساد من زيادة أو نقيصة أو فقدان شرط و نحو ذلك.

(1) فكان الرياء فيما هو خارج عن ذات العمل كلا أو جزءاً من الخصوصيّات الفردية المكانية أو الزمانية أو المكتنفة كما سيجي‌ء.

(2) إذ الخصوصية المفرّدة مصداق للطبيعة و محقّق لها، و من الضروري أنّ الكلي الطبيعي متحد مع مصداقه خارجاً، و موجودان بوجود واحد، يضاف مرّة إلى الطبيعة، و أُخرى إلى الفرد، فليست الصلاة الموجودة في الخارج شيئاً آخر مغايراً مع الصلاة في هذا المكان ليكونا موجودين بوجودين، و لا يسري الفساد من إحداهما إلى الأُخرى، بل بينهما الاتحاد و العينيّة، فلا جرم يحكم بالفساد، إذ المبغوض لا يكون مقرّباً، و الحرام لا يكون مصداقاً للواجب.

و كذلك الحال فيما بعده من الأمثلة، فإنّ الكل من سنخ الخصوصيّات المكانية التي يرجع الرياء فيها إلى الرياء في نفس العمل الواجب حسبما عرفت.

هذا كلّه فيما إذا راءى في الصلاة في هذا المكان، بأن كان مصبّ الرياء و مركزه هو مصداق الطبيعة بالذات، أعني الصلاة الكذائية.

و أمّا لو راءى في مجرّد الكون في هذا المكان، بأن تعلّق قصده الريائي بصرف البقاء في المسجد و اللّبث فيه أو في أحد المشاهد المشرّفة ليري الناس أنّه من أهل التقوى المعظِّمين لشعائر اللّٰه، و في خلال ذلك صلّى خالصاً لوجهه، فلا موجب‌

32

و كذا إذا كان وقوفه في الصفّ الأوّل من الجماعة أو في الطرف الأيمن رياءً.

[السادس: أن يكون الرياء من حيث الزمان]

السادس: أن يكون الرياء من حيث الزمان، كالصلاة في أوّل الوقت رياءً و هذا أيضاً باطل على الأقوى (1).

[السابع: أن يكون الرياء من حيث أوصاف العمل]

السابع: أن يكون الرياء من حيث أوصاف العمل، كالاتيان بالصلاة جماعة أو القراءة بالتأنّي أو بالخشوع أو نحو ذلك، و هذا أيضاً باطل على الأقوى (2).

____________

حينئذ للحكم بالفساد، لخروج الرياء عن حريم المأمور به و عدم مسّه بكرامته فلا اتحاد و لا عينية، غايته أنّه راءى في مقارنات العمل، و مثله لا ضير فيه كما سيجي‌ء.

(1) لاشتراك الخصوصية الزمانية مع المكانية في مناط البحث فيجري فيه ما مرّ بعينه و لا نعيد.

(2) لما عرفت من انطباق الطبيعة المتحدة وجوداً مع مصداقها على الفرد الريائي.

نعم، لمّا كان الخضوع و الخشوع، أو البكاء أو التباكي من الأفعال الاختيارية المقارنة للصلاة و لم تكن متحدة معها كالجماعة و الفرادى، فيمكن تصوير الرياء فيها على نحو لا يسري إلى الصلاة، بأن تعلّق قصده بالصلاة خالصاً لوجهه تعالى ثم بدا له أن يبكي أو يخشع، بحيث كان ذلك بنفسه موضوعاً مستقلا للرياء، لا أنّه من الأوّل قصد الصلاة المتصفة بالخشوع الريائي، فحينئذ لا موجب للفساد و إن ارتكب الإثم.

و عليه فينبغي التفصيل في الخشوع الريائي و أشباهه بين ما إذا تعلّق القصد‌

33

[الثامن: أن يكون في مقدّمات العمل]

الثامن: أن يكون في مقدّمات العمل، كما إذا كان الرياء في مشيه إلى المسجد لا في إتيانه في المسجد، و الظاهر عدم البطلان في هذه الصورة (1).

[التاسع: أن يكون في بعض الأعمال الخارجة عن الصلاة كالتحنك حال الصلاة]

التاسع: أن يكون في بعض الأعمال الخارجة عن الصلاة كالتحنك حال الصلاة، و هذا لا يكون مبطلًا إلّا إذا رجع إلى الرياء في الصلاة متحنّكاً (2).

[العاشر: أن يكون العمل خالصاً للّٰه]

العاشر: أن يكون العمل خالصاً للّٰه، لكن كان بحيث يعجبه أن يراه الناس و الظاهر عدم بطلانه أيضاً (3)

____________

بهذا الفرد الخاص من الصلاة فتبطل، إذ الطبيعة و إن كانت مقصودة للّٰه إلّا أنّها لمّا كانت متحدة مع فردها خارجاً فلا جرم يسري الفساد منه إليها، و بين ما إذا خشع أو بكى في ضمنها رياءً، فلا يسري لعدم الاتحاد.

(1) لوضوح أنّ المقدمات أُمور خارجة عن العمل، فلا مقتضي للسراية.

(2) كما ظهر وجهه في كلتا الصورتين ممّا قدمناه في الخشوع، من الاتحاد مع الطبيعة تارة و عدمه اخرى، فلاحظ و لا نعيد.

(3) فانّ صفة العجب و إن كانت منقصة ينبغي للمؤمن الحقيقي تنزيه نفسه عنها، إلّا أنّها لا تستوجب البطلان بعد فرض صدور العمل بكامله خالصاً لوجهه الكريم، سيّما و إنّها عامّة البلوى لا ينجو منها إلّا الأوحدي و العارف الحقيقي الذي لا يهمّه مدح الناس أو قدحهم، و كل همّه طلب مرضاته سبحانه و إلّا فغالب الناس تعجبهم عباداتهم و يدخلهم السرور من رؤية الناس، و يحبّون أن يُمدحوا بها، و يعرفوا بين الناس بأنّهم من المتعبّدين و من عباد اللّٰه الصالحين لكن مجرّد ذلك لا دليل على قدحه في صحّة العبادة، بل قد دلّت على عدم القدح صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يعمل الشي‌ء من الخير فيراه إنسان فيسرّه ذلك، قال: لا بأس، ما من أحد إلّا و هو‌

34

كما أنّ الخطور القلبي لا يضرّ (1) خصوصاً إذا كان بحيث يتأذّى بهذا الخطور (2) و كذا لا يضرّ الرياء بترك الأضداد (3).

____________

يحبّ أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك» (1). و قد دلّ ذيلها على أنّه لو فعل الخير لغاية المعرفة فحسب بطل، لفقد قصد القربة حينئذ كما هو ظاهر.

(1) لعدم منافاته مع الإخلاص المعتبر في صحة العبادة و الانبعاث عن محض قصد الامتثال، بل هو من وساوس الشيطان كما جاء في بعض الأخبار (2).

(2) فانّ هذا التأذّي كاشف قطعي عن بلوغه مرتبة راقية من الخلوص و موجب لتأكد إضافة العمل إلى المولى سبحانه و تعالى.

(3) كما لو كان في مجلس يتكلم أهله بما يرجع إلى أُمور الدنيا، فأعرض عنهم و ترك مجالستهم مظهراً أنّه لا يحب اللغو و الخوض في غير أُمور الدين فكان مرائياً في هذا الابتعاد و الانفصال و قد تشاغل حينئذ في الصلاة، فإنّه لا موجب لفسادها، لعدم تعلق الرياء بها، بل بترك ضدّها و هو الاشتراك في ذاك المجلس الذي هو أمر آخر مقارن مع الصلاة، و لم يكن متّحداً معها.

و قد تحصّل من جميع الأقسام المتقدِّمة: أنّ الخصوصية المراءى فيها إن اتّحدت خارجاً مع العبادة كالصلاة جماعة أو أوّل الوقت أو في المسجد، بحيث كانت النسبة بينهما نسبة الطبيعي إلى أفراده، بطلت إذ الاتحاد يستوجب السراية لا محالة، و من البيِّن أنّ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب.

____________

(1) الوسائل 1: 75/ أبواب مقدمة العبادات ب 15 ح 1.

(2) الوسائل 1: 107/ أبواب مقدمة العبادات ب 24 ح 3.

35

[مسألة 9: الرياء المتأخر لا يوجب البطلان]

[1422] مسألة 9: الرياء المتأخر لا يوجب البطلان، بأن كان حين العمل قاصداً للخلوص ثمّ بعد تمامه بدا له في ذكره، أو عمل عملًا يدل على أنّه فعل كذا (1).

____________

و أمّا لو لم تتّحد كالتحنّك رياءً و التخشع أثنائها كذلك، فتلك الخصوصية و إن حرمت إلّا أنّها لمّا كانت وجوداً مستقلا مغايراً لنفس العبادة، و إن كان مقارناً معها، فلا مقتضي حينئذ للسراية بوجه.

(1) إذ المنافي للخلوص إنّما هو الرياء المقارن للعمل، فإنّه الذي يمنع عن صدوره على وجه العبادة، إمّا المتأخر فلا تأثير له في المتقدّم، ضرورة أنّ الشي‌ء لا ينقلب عمّا وقع عليه.

أجل، ورد في مرسل علي بن أسباط عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه «قال: الإبقاء على العمل أشدّ من العمل. قال: و ما الإبقاء على العمل؟ قال: يصل الرجل بصلة و ينفق نفقة للّٰه وحده لا شريك له فكتبت له سراً، ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية، ثم يذكرها فتمحى و تكتب له رياءً» (1)، فإنّها صريحة في سقوط العبادة بالكلية بذكرها مرّتين، و لكنّها لمكان الإرسال غير صالحة للاستدلال.

نعم، لا ريب في أنّ الذكر المزبور و الرياء بعد العمل صفة رذيلة و منقصة في العبد ينبغي تنزيه ساحته عنها، كما تشهد به صحيحة جميل بن دراج قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ فَلٰا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقىٰ قال: قول الإنسان: صلّيت البارحة و صمت أمس و نحو‌

____________

(1) الوسائل 1: 75/ أبواب مقدمة العبادات ب 14 ح 2.

36

[مسألة 10: العجب المتأخر لا يكون مبطلًا]

[1423] مسألة 10: العجب المتأخر لا يكون مبطلًا، بخلاف المقارن فإنّه مبطل على الأحوط، و إن كان الأقوى خلافه (1).

____________

هذا، ثم قال (عليه السلام): إنّ قوماً كانوا يصبحون فيقولون صلّينا البارحة و صمنا أمس، فقال علي (عليه السلام): و لكنّي أنام الليل و النهار و لو أجد بينهما شيئاً لنمته» (1).

فإنّها ظاهرة في عدم محبوبيّة الإفشاء و الإشاعة، بل المحبوب كتمان العبادات عن الناس.

(1) لا شبهة في قبح صفة العجب تكويناً، بل كشفها عن خفّة عقل صاحبها ضرورة أنّ العاقل الكيِّس، متى لاحظ وفور نعم البارئ تعالى البالغة من الكثرة حدّا لا تحصى، و من أبرزها نعمة الوجود، ثم النعم الظاهرية و الباطنية يرى نفسه عاجزاً عن أداء شكر واحدة منها، كيف و هو ممكن لا يزال يستمد القوى من بارئه و لا يستغني عنه طرفة عين، بل يفتقر إليه في جميع حالاته حتى حالة التصدي للشكر، فيحتاج إلى شكر آخر فيتسلسل.

و منه تعرف أنّه لو استغرق في العبادة طيلة حياته و استوعبت ليله و نهاره لم يكن يقابل نعمة من نعمه الجزيلة، فكيف و هو لا يتشاغل بها إلّا في بضع ساعات، فإعجابه بعبادته الضئيلة التي استمدت مبادئها منه تعالى، و الحقيرة تجاه تلكم النعم العظيمة، و هو بهذه المثابة من العجز بحيث لا يستطيع من أداء شكر نعمة الوجود فقط، فضلًا عن سائر النعم في غاية القبح و الوهن، بل لا يكاد يجتمع مع سلامة العقل إلّا إذا فرض محالًا أنّه واجب وجود ثان، فلعلّ مثله يتمكّن من أداء شكره، لعدم انتساب وجوده إليه تعالى.

____________

(1) الوسائل 1: 74/ أبواب مقدمة العبادات ب 14 ح 1.

37

..........

____________

و أمّا حكمه تشريعاً، فلا ينبغي التأمل في حرمته، لأوله إلى هتك حرمة المولى و تحقير نعمه، إذ المعجب بعمله يرى نفسه غير مقصّر تجاه نعم ربّه، لأنّه قد أتى بما يساويها أو يزيد عليها، فلا يرى و العياذ باللّٰه فضلًا له تعالى عليه، و هو من أعظم الكبائر و الجرائم (1).

على أنّ النصوص الكثيرة و فيها المعتبرة قد دلت على الحرمة.

فمنها: ما رواه الكليني بإسناده، عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) قال اللّٰه تعالى: إنّ من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي، فيقوم من رقاده و لذيذ وساده فيجتهد لي الليالي فيتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنعاس الليلة و الليلتين، نظراً منّي له و إبقاءً عليه، فينام حتى يصبح فيقوم و هو ماقت لنفسه زارئ عليها، و لو أُخلّي بينه و بين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك، فيصيّره العجب إلى الفتنة بأعماله، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله و رضاه عن نفسه، حتى يظنّ أنّه قد فاق العابدين و جاز في عبادته حدّ التقصير فيتباعد منِّي عند ذلك و هو يظن أنّه يتقرّب إليّ» (2).

____________

(1) هذا وجيه لو أُريد بالعجب ذلك، دون ما كان خارجاً عن الاختيار ممّا لا يصح تعلّق التكليف به، كالذي يعرض في الأثناء من الهواجس و الخواطر أو الاعتقاد الراسخ الناشئ من ضم الصغرى إلى الكبرى، و إن كان مخطئاً في الاستنتاج لاستناد مبادئه إلى نوع من الجهل و الغرور، فإنّه بهذا المعنى صفة نفسانية غير مسبوقة بالعزم و الإرادة لتقع مورداً للتكليف، و عليه يبتني ما اختاره المحقق الهمداني (قدس سره) من إنكار الحرمة كما صرّح به في كتاب الطهارة من مصباح الفقيه: [123، السطر 6]. و اختاره (دام ظله) هناك [شرح العروة 6: 20].

(2) الوسائل 1: 98/ أبواب مقدمة العبادات ب 23 ح 1، الكافي 2: 60/ 4.

38

..........

____________

و هي و إن كانت واضحة الدلالة، إلّا أنّ السند ضعيف، لاشتماله على داود بن كثير الرقي الذي تعارض فيه التوثيق و التضعيف، فلا يمكن التعويل عليها (1).

و منها: معتبرة عبد الرحمن بن الحجاج قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): الرجل يعمل العمل و هو خائف مشفق، ثم يعمل شيئاً من البر فيدخله شبه العجب به، فقال: هو في حاله الاولى و هو خائف أحسن حالًا منه في حال عجبه» (2).

و هي أيضاً واضحة الدلالة، لأنّ مفادها أنّ المعصية مع الخوف أهون من العبادة مع العجب.

كما أنّها معتبرة السند، إذ ليس فيه من يتأمل فيه ما عدا محمد بن عيسى العبيدي الذي استثناه الصدوق تبعاً لشيخه ابن الوليد من روايات يونس لكنّك عرفت غير مرّة ما في هذا الاستثناء، و أنّه محكوم بالتوثيق، بل قيل إنّه من مثله، و لمزيد التوضيح راجع معجم الرجال (3).

إذن فلا ينبغي التأمّل في أنّ الإعجاب مبغوض عقلًا، و محرّم شرعاً، بل قد عدّ من المهلكات فيما رواه الصدوق بإسناده عن أبي حمزة الثمالي (4).

و إنّما الكلام في أنّه هل يستوجب البطلان أيضاً أو لا؟ ظاهر الأصحاب هو الثاني، و هو الصحيح.

____________

(1) لاحظ معجم رجال الحديث 8: 126/ 4429.

(2) الوسائل 1: 99/ أبواب مقدمة العبادات ب 23 ح 2.

(3) معجم رجال الحديث 18: 119/ 11536.

(4) الوسائل 1: 102/ أبواب مقدمة العبادات ب 23 ح 12 [لكنّها ليست من الصدوق بل هي مروية من المحاسن للبرقي، و التي رواها الصدوق ليست عن أبي حمزة الثمالي].

39

..........

____________

أمّا في العجب المتأخر فظاهر جدّاً، لما تقدّم في الرياء اللّاحق من عدم تأثيره في السابق، إذ الشي‌ء لا ينقلب عمّا وقع عليه.

و أمّا في المقارن، فلأجل أنّ العجب فعل نفساني، و الصلاة عمل خارجي فلا اتحاد بينهما ليسري الفساد منه إليها، و لا دليل على بطلان الصلاة المقرونة بذلك بعد صدورها عن نيّة خالصة كما هو المفروض، و عدم خلل في شي‌ء مما يعتبر فيها.

فالصحة إذن مطابقة لمقتضى القاعدة. مضافاً إلى معتبرة يونس بن عمار، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «قيل له و أنا حاضر: الرجل يكون في صلاته خالياً فيدخله العجب، فقال: إذا كان أوّل صلاته بنية يريد بها ربّه فلا يضرّه ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته و ليخسأ الشيطان» (1) فإنّ الراوي لم يذكر في كتب الرجال، لكنّه موجود في أسناد كامل الزيارات (2).

نعم، ربّما يستفاد الفساد مما رواه في الكافي بإسناده عن علي بن سويد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن العجب الذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات: منها: أن يزيّن للعبد سوء عمله فيراه حسناً فيعجبه و يحسب أنّه يحسن صنعاً، و منها: أن يؤمن العبد بربّه فيمنّ على اللّٰه عزّ و جلّ، و للّٰه عليه فيه المنّ» (3).

فإنّ السند صحيح، إذ الظاهر أنّ المراد بالراوي هو علي بن سويد السائي الذي وثّقه الشيخ (4) من غير معارض، و قد دلّت على أنّ مفسديّة العجب في‌

____________

(1) الوسائل 1: 107/ أبواب مقدمة العبادات ب 24 ح 3.

(2) لكنّه لم يكن من مشايخ ابن قولويه بلا واسطة، فلا يشمله التوثيق.

(3) الوسائل 1: 100/ أبواب مقدمة العبادات ب 23 ح 5، الكافي 2: 313/ 3.

(4) رجال الطوسي: 359/ 5320.

40

..........

____________

الجملة أمر مسلّم مفروغ عنه عند الراوي، و قد أقرّه الإمام (عليه السلام) على ذلك.

و لكنّ الظاهر أنّها غير دالة على البطلان فيما نحن فيه، فانّ الفساد في الدرجة الأُولى لم يطرأ على العمل الصحيح الذي هو محل الكلام، بل العمل كان فاسداً من الأوّل، و إن حسب المعجب أنّه يحسن صنعاً، فتوصيف العجب بالمفسديّة من قبيل قولنا: ضيّق فم الركيّة، و قوله تعالى يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ (1) كما لا يخفى.

و أمّا في الدرجة الثانية فالفساد أيضاً واضح، ضرورة أنّ المنّ مبطل للعمل كما يكشف عنه قوله تعالى لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ (2) فانّ المنّة إذا كانت مبطلة للصدقة المعطاة للفقير، فكيف لا تبطل الإيمان باللّٰه الغني.

و أين هذا كلّه من الفساد و الذي نتكلّم حوله من إعجاب المرء بعبادته بحيث يرى نفسه غير مقصّر في مقام العبودية، و مؤدّياً لحقّ الربوبية. نعم، هو مبغوض و محرّم كما تقدم، إلّا أنّ إبطاله للعمل لا دليل عليه سواء أ كان بعده أم أثناءه.

و أمّا قبل العمل فنادر جدّاً، إذ لا موضوع له إلّا بلحاظ إعجابه بما يروم ارتكابه من العبادة و إعظامها.

و كيف ما كان، فما صنعه في المتن من الاحتياط الاستحبابي في مبطلية العجب المقارن حسن، حذراً عن مخالفة مَن ذهب إلى الإبطال على ما حكاه في الجواهر (3) عن بعض مشايخه.

____________

(1) الأحزاب 33: 33.

(2) البقرة 2: 264.

(3) الجواهر 2: 100.

41

[مسألة 11: غير الرياء من الضمائم إمّا حرام أو مباح أو راجح]

[1424] مسألة 11: غير الرياء من الضمائم إمّا حرام أو مباح أو راجح فان كان حراماً و كان متحداً مع العمل أو مع جزء منه بطل كالرياء، و إن كان خارجاً عن العمل مقارناً له لم يكن مبطلًا، و إن كان مباحاً أو راجحاً فان كان تبعاً و كان داعي القربة مستقلا فلا إشكال في الصحة، و إن كان مستقلا و كان داعي القربة تبعاً بطل، و كذا إذا كانا معاً منضمّين محرّكاً و داعياً على العمل، و إن كانا مستقلّين فالأقوى الصحّة، و إن كان الأحوط الإعادة (1).

____________

(1) ما قصده من الضميمة إمّا أن يكون متّحداً مع ما أتى به بقصد القربة و إمّا أن يكون خارجاً عنه مقارناً معه.

أمّا في الفرض الثاني، فلا إشكال في صحة العمل حتى فيما إذا كانت الضميمة محرّمة، و لكن بشرط عدم الإخلال بقصد القربة، بأن كان الداعي الإلهي مستقلا، سواء أ كان داعي الضميمة أيضاً كذلك أم لا.

و أمّا في الفرض الأوّل، فلا يخلو الحال من أنّ الضميمة إمّا أن تكون محرّمة أم لا، سواء أ كانت راجحة أم مباحةً أم مكروهةً.

أمّا إذا كانت الضميمة محرّمة فلا إشكال في بطلان العمل لما مرّ غير مرّة من عدم صلاحية الحرام للتقرب به.

و هل يجدي التدارك فيما إذا كانت الضميمة في خصوص الجزء أو لا؟

الكلام فيه هو الكلام في المسألة السابقة (1) و لا يفرق في الحكم بالبطلان بين الصور الأربع، من كون الداعيين مستقلّين أم منضمّين أم مختلفين، فانّ الوجه المزبور يأتي في جميع الصور و لذا حكم الماتن (قدس سره) بالبطلان على الإطلاق.

____________

(1) راجع ص 26.

42

..........

____________

و أمّا إذا كانت الضميمة مباحة أو راجحة أو مكروهة، كالاتيان بالصلاة بداعي الأمر و تعليم الغير تبرّعاً أو مع الأُجرة، فإن كان داعي الضميمة تبعاً، و داعي القربة مستقلا، فلا إشكال في الصحة، لعدم قادحية مثل هذه الضميمة التبعية بعد أن لم تكن مخلّة بقصد القربة الّذي هو المناط في صحة العبادة، كما أنّه في فرض العكس لا ينبغي الشك في البطلان من جهة عدم تحقق القربة، إذ المفروض أنّ الأمر الإلهي في نفسه لم يكن داعياً إلى الإتيان بالعبادة.

و منه يعلم حكم ما إذا كانا معاً منضمّين محرّكين و داعيين، فإنّه أيضاً تكون الصلاة باطلة من جهة الإخلال بقصد القربة.

و أمّا إذا كان كل واحد منهما مستقلا في الداعوية، و سبباً تامّاً في عالم الاقتضاء و كافياً في تحقيق العمل منعزلًا عن الآخر، و إن كان صدوره خارجاً مستنداً إليهما فعلًا، لاستحالة صدور الواحد عن سببين مستقلين، فالحق صحة العمل حينئذ، لصحة استناده إلى أمر المولى بعد كونه في نفسه سبباً تامّاً في التأثير، فإنّ ما دلّ على اعتبار القربة في العبادة لا يدل على أزيد من اعتبار كون العمل منبعثاً عن الداعي الإلهي، و أمّا اعتبار عدم وجود محرّك آخر نحو العمل، و خلوّه عن قصد آخر، فالدليل المزبور قاصر عن إثباته.

كما أنّ ما دلّ على اعتبار الخلوص منصرف إلى ما يقابل الشرك في العبادة أعني الرياء، كما أُشير إليه في بعض الأخبار (1) و لا أقل من عدم انعقاد إطلاق له بحيث يتناول سائر الضمائم كما لا يخفى. إذن فلا مانع من الصحة لا من ناحية الخلوص و لا من ناحية القربة.

بل كثيراً ما لا ينفك الرادع الإلهي عن مثل هذا القصد، أ لا ترى أنّ الوجيه و الشريف بمقتضى مكانته و كرامته بين الناس لا يكاد يتناول المفطر في السوق‌

____________

(1) الوسائل 1: 61/ أبواب مقدمة العبادات ب 8 ح 9.

43

[مسألة 12: إذا أتى ببعض أجزاء الصلاة بقصد الصلاة و غيرها]

[1425] مسألة 12: إذا أتى ببعض أجزاء الصلاة بقصد الصلاة و غيرها كأن قصد بركوعه تعظيم الغير و الركوع الصلاتي، أو بسلامه سلام التحيّة و سلام الصلاة، بطل إن كان من الأجزاء الواجبة قليلًا كان أم كثيراً، أمكن تداركه أم لا، و كذا في الأجزاء المستحبة غير القرآن و الذكر على الأحوط [1] و أمّا إذا قصد غير الصلاة محضاً فلا يكون مبطلًا إلّا إذا كان ممّا لا يجوز فعله في الصلاة، أو كان كثيراً (1).

____________

في شهر رمضان و إن لم يكن صائماً، حفظاً منه على شرافته، فيكون كل من الأمرين داعياً إلى الاجتناب عن المفطرات. فيظهر أنّ المدار في العبادية على إمكان داعوية الأمر الإلهي و صلاحيّته للبعث، و إن لم تستند الدعوة إليه بالفعل لمانع خارجي كما عرفت.

و بالجملة: كثرة وقوع الفرض بين الناس ما عدا الأوحدي منهم خير شاهد على عدم اعتبار انفراد الداعي الإلهي، و أنّ العبرة بكونه علة تامة في البعث أو الزجر لا علة منحصرة، و إن كان هذا هو الفرد الكامل، فالعمدة تمام العبودية و لا يعتبر كمالها. نعم، الأحوط الإعادة كما في المتن خروجاً عن شبهة الخلاف.

(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة لحكم ما إذا أتى ببعض أجزاء الصلاة بعنوانين، بقصد عنوان الجزئية و بقصد عنوان آخر مغاير لها. فحكم (قدس سره) أنّ المأتي به إن كان من الأجزاء الواجبة بطل نفس الجزء، قليلًا كان أم كثيراً، كما أنّه يكون مبطلًا لأصل العمل بقرينة قوله (قدس سره): أمكن تداركه أم لا، فلا تصح الصلاة حتى مع التدارك.

و كأنّ الوجه فيه: أنّ الفعل الواحد الشخصي لا يصلح أن يقع مصداقاً‌

____________

[1] لا فرق بين القرآن و الذكر و بين غيرهما، و لعدم البطلان في الجميع وجه غير بعيد.

44

..........

____________

لعنوانين متغايرين، و وقوعه لأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح. فهذا الجزء يكون بنفسه باطلًا، لعدم صلاحيّته لأن يقع جزءاً من الصلاة، فلو تداركه بعنوان الصلاة فقط لوقعت الزيادة العمدية في الصلاة فتبطل، فالجزء الأوّل يكون باطلًا و مبطلًا. و هذا بخلاف ما لو أتى من الأوّل بشي‌ء من الأجزاء لا بقصد الصلاة، بل بعنوان آخر، فإنّه لا يكون مبطلًا، لعدم استلزام التدارك الزيادة العمدية، إذ المفروض أنّ الجزء الأوّل لم يأت به بعنوان الجزئية و لو منضماً.

هذا، و أمّا إذا كان المأتي به من الأجزاء المستحبّة، فحكم (قدس سره) أنّه يكون أيضاً باطلًا و مبطلًا، إلّا إذا كان المأتي به من القرآن أو الذكر.

أمّا حكمه (قدس سره) بالبطلان فلعين ما مرّ. و أمّا الإبطال في غير الذكر و القرآن فهو مبني على أنّ مطلق الزيادة في الصلاة و إن لم يكن من الأجزاء الواجبة مبطل. و أمّا استثناؤهما فلما دلّ على عدم كون زيادتهما من الزيادة القادحة، بل هما من الصلاة كما ورد من أنّه كلّ ما ذكرت به ربّك في الصلاة، أو كلّ ما قرأت من القرآن فهو من الصلاة (1).

أقول: للمناقشة فيما أفاده (قدس سره) مجال واسع. أمّا ما ذكره من الحكم ببطلان العمل فيما إذا كان المأتي به من الأجزاء الواجبة، فهو على إطلاقه ممنوع و ذلك لأنّ العنوانين المقصودين قد يكونان متنافيين و غير قابلين للاجتماع في شي‌ء واحد بوجه كالمثالين المذكورين في المتن، فانّ الانحناء الركوعي في الصلاة لا بعنوان الصلاة يكون بمجرّده مبطلًا من جهة الزيادة العمدية كما في السجود و ما يكون مبطلًا كيف يمكن أن يقع جزءاً من الصلاة، فهما لا يجتمعان، و كذا الحال في التسليم بعنواني الصلاة و التحيّة.

____________

(1) الوسائل 7: 263/ أبواب قواطع الصلاة ب 13 ح 2.

45

..........

____________

و قد لا يكونان متنافيين و إن كانا متغايرين، كالاتيان بالقراءة بعنوان الصلاة و بعنوان التعليم، فانّ هذا العنوان لا يكون من المبطلات.

أمّا في الفرض الأوّل: فالمأتي به يكون فاسداً و مفسداً، لا من جهة كبرى أنّ الفعل الواحد لا يمكن أن يكون مصداقاً لعنوانين متغايرين، لعدم كلية هذه الكبرى كما لا يخفى، بل من أجل أنّ هذا الركوع يكون بنفسه من الزيادة العمدية كالسجود، و كذلك السلام، و ما يكون مبطلًا للصلاة كيف يحسب جزءاً لها. فلا محالة يكون زيادة عمدية، فتفسد الصلاة من أجله.

و منه يعلم أنّه إذا أتى بالركوع أو السلام محضاً من غير قصد الصلاة يكون مفسداً لها أيضاً من جهة الزيادة العمدية. فما ذكره (قدس سره) من نفي البطلان في هذا الفرض يكون على إطلاقه ممنوعاً أيضاً.

و أمّا في الفرض الثاني: فلا مانع من صحة المأتي به، و لا وجه لكونه مفسداً للصلاة إذا لم يكن قصد الصلاة تبعياً، لأنّ المستفاد من الأدلة هو اعتبار كون الإتيان به منبعثاً عن الأمر الإلهي و المفروض تحققه، و أمّا اعتبار عدم انضمام شي‌ء آخر إليه فلا دليل عليه، بل هذا عند التأمل و الدقّة يكون من الضميمة في النيّة، فتكون من صغريات المسألة المتقدمة التي قد عرفت الحكم فيها بالصحة في مثل هذا الفرض.

فما أفاده صاحب الجواهر (1) (قدس سره) من اختلاف المسألتين موضوعاً نظراً إلى أنّ موضوع الضميمة الفعل الواحد الّذي له غايات و أراد المكلف ضمّها بنية واحدة، و موضوع هذه المسألة قصد المكلف كون الفعل الواحد المشخّص مصداقاً لكليين متغايرين، و حكمه أنّه لو نواه لكل منهما لم يقع لشي‌ء منهما، لأصالة عدم التداخل في الأفعال عقلًا و شرعاً، و لذا لو نوى بالركعتين‌

____________

(1) الجواهر 9: 193.

46

..........

____________

الفرض و النفل لم يقع لأحدهما، كل ذلك محل تأمل و منع.

أمّا مثاله الأخير، فلأنه تختلف كل من الفرض و النفل عن الآخر ماهية من جهة اختلافهما في الآثار و الأحكام، فلا مورد للنقض بذلك كما لا يخفى.

و أمّا التداخل، فقد ذكرنا في محلّه (1) أنّ الأصل في المسببات هو التداخل فيما لو أمر بعنوانين كان بينهما العموم من وجه كإكرام العالم و الهاشمي، فأكرم من يكون متّصفاً بالوصفين، فإنّه قد امتثل كلا الأمرين، و من ثمّ التزمنا بالتداخل بين الغفيلة و نافلة المغرب.

و الحاصل: أنّ العنوانين إذا لم يكونا متنافيين لا مانع من قصدهما معاً مع مراعاة الشرط المتقدم.

و أمّا تفكيك الماتن في الأجزاء المستحبة بين القرآن و الذكر و غيرهما كجلسة الاستراحة، فلا نعرف له وجهاً صحيحاً، فإنّه إذا كان الوجه في إبطال مثل الجلسة لزوم الزيادة العمدية و لو باعتبار أنّ الأصل عدم التداخل، و عدم كون فعل واحد مصداقاً لعنوانين، فهذا الوجه بعينه يتمشّى في القرآن و الذِّكر أيضاً ضرورة أنّه إذا لم يقع مصداقاً لشي‌ء من العنوانين فلا محالة لا يكون مأموراً به فتقع زيادة في الصلاة، حيث إنّ المفروض قصد جزئيّته و لو على نحو الاستحباب و إذا قلنا بعدم قادحية الضميمة و أنّ الأصل هو التداخل، فالجلسة أيضاً لا بدّ من الالتزام بصحتها و عدم كونها مفسداً. فالتفكيك بينهما لا وجه له.

هذا، و لكنّ التحقيق هو صحة هذا الجزء و عدم كونه مفسداً على الإطلاق من غير فرق بين الذكر و القرآن و غيرهما، و ذلك لما بيّناه في محلِّه (2) من أنّه لا معنى للجزء المستحب، فانّ مقتضى الجزئية هو تقوّم المركّب بهذا الشي‌ء، و معنى‌

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 124.

(2) مصباح الأُصول 3: 300.

47

[مسألة 13: إذا رفع صوته بالذكر أو القراءة لإعلام الغير لم تبطل]

[1426] مسألة 13: إذا رفع صوته بالذكر أو القراءة لإعلام الغير لم تبطل، إلّا إذا كان قصد الجزئية تبعاً و كان من الأذكار الواجبة (1).

____________

الاستحباب جواز تركه، و هذان الأمران مما لا يكاد اجتماعهما، فالتعبير بذلك يكون مبنياً على ضرب من المسامحة، بل هو عمل مستقل تعلق به أمر نفسي غايته أنّ وعاءه هو الصلاة، كما في كثير من الأدعية المأثورة للصائم في شهر رمضان، فيكون موجباً لمزية الفرد الذي يشتمل عليه.

فعليه لو أتى به قاصداً غير الصلاة أيضاً، يكون لغواً من دون أن تتّصف بالزيادة العمدية كي توجب فساد الصلاة، فلا يكون وجوده قادحاً في الصلاة بل غايته عدم ترتّب المزيّة و الفضيلة على الفرد المأتي به في ضمنه كما هو ظاهر.

(1) فانّ الواجب على المكلّف المتصدِّي للعبادة إنّما هو الإتيان بالطبيعة المأمور بها بقصد القربة، و أمّا الخصوصيات المكتنفة بها الأفراد من الإتيان في الزمان أو المكان، أو مع اللباس المعيّن و نحوها، كاختلاف مراتب رفع الصوت أو خفضه في الصلوات الجهرية أو الإخفاتية، فكلّها خارجة عن حريم المأمور به، و لا يعتبر فيها قصد التقرب و كان أمر التطبيق بيد المكلف، فله اختيار ما شاء من الخصوصيات الفردية.

و عليه فلو أتى بذات الجزء الواجب بداعي الأمر الإلهي و قد رفع صوته بداعي الاعلام مثلًا، لم يكن به بأس، لعدم قدحه في حصول الامتثال بوجه إلّا إذا كان الرفع المزبور مقصوداً بالذات و كانت جزئية أصل الذكر مقصودة بالتبع، فإنّه يبطل لعدم كفاية القصد التبعي في صدق التعبد كما تقدّم (1). فالجزء‌

____________

(1) في ص 42.

48

و لو قال اللّٰه أكبر مثلًا بقصد الذِّكر المطلق لإعلام الغير لم يبطل (1)، مثل سائر الأذكار التي يؤتى بها لا بقصد الجزئية.

[مسألة 14: وقت النيّة ابتداء الصلاة و هو حال تكبيرة الإحرام]

[1427] مسألة 14: وقت النيّة ابتداء الصلاة و هو حال تكبيرة الإحرام و أمره سهل بناءً على الداعي (2) و على الاخطار اللّازم اتصال آخر النيّة المخطرة بأوّل التكبير، و هو أيضاً سهل.

____________

باطل لفقدان النية، بل و مبطل للصلاة لنقصان الجزء إن اقتصر عليه، و للزيادة العمدية إن تداركه، بل و إن لم يتدارك كما لا يخفى.

و على الجملة: مجرّد ضمّ نيّة أُخرى في خصوصيات الأفراد لم يكن قادحاً في الصحة كما هو الحال في غير المقام أيضاً. فلو كان عنده ماءان طاهران أحدهما نظيف دون الآخر، فاختار النظيف للوضوء و للتنظيف لم يكن به بأس بعد أن كان قاصداً للامتثال في أصل الوضوء مستقلا.

(1) كما نطقت به جملة من النصوص التي منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون في صلاته، و إلى جنبه رجل راقد فيريد أن يوقظه، فيسبّح و يرفع صوته لا يريد إلّا ليستيقظ الرجل، هل يقطع ذلك صلاته، و ما عليه؟ قال: لا يقطع ذلك صلاته و لا شي‌ء عليه» (1) و نحوها غيرها.

(2) و هو القصد الإجمالي الكامن في أُفق النفس الباعث نحو العمل في كافة الأفعال الاختيارية التي منها الصلاة، من غير فرق إلّا في الانبعاث عن قصد التقرّب، فهو إذن في غاية السهولة.

____________

(1) الوسائل 7: 257/ أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 9 [لكن في المصدر قرب الإسناد: 200/ 766 فيصيح بدل «فيسبّح»].

49

[مسألة 15: يجب استدامة النيّة إلى آخر الصلاة، بمعنى عدم حصول الغفلة بالمرّة]

[1428] مسألة 15: يجب استدامة النيّة إلى آخر الصلاة، بمعنى عدم حصول الغفلة بالمرّة بحيث يزول الداعي على وجه لو قيل له ما تفعل يبقى متحيِّراً (1)، و أمّا مع بقاء الداعي في خزانة الخيال فلا تضرّ الغفلة، و لا يلزم الاستحضار الفعلي (2).

____________

و هكذا الحال بناءً على تفسيرها بالإخطار الراجع إلى إحضار صورة العمل بتمامه في الذهن مقارناً للتكبير، و هو أيضاً لا صعوبة فيه و إن كان الأوّل أسهل، و ما عدا ذلك هواجس نفسانية، بل وساوس شيطانية ينبغي للعاقل الاجتناب عنها، و عدم الاشتغال بها و إتلاف الوقت في سبيلها.

و قد حكي عن بعض الأكابر أنّه لو وجب على الإنسان أن يصلي بلا نيّة لتعذّر، ضرورة أنّ الفعل الاختياري لا بدّ و أن يصدر مع القصد و لا يمكن تفكيكه عنه، فالصعوبة إذن في ترك النيّة لا في فعلها.

(1) لكشف التحيّر عن زوال تلك النيّة الإجمالية الارتكازية عن أُفق النفس، إذ مع بقائها لزم الالتفات إليها بأدنى توجه.

و بالجملة: فالعبرة في الاستدامة باستناد العمل بقاءً إلى ما كان مستنداً إليه حدوثاً، من غير فرق إلّا من ناحية الالتفات التفصيلي و الإجمالي.

و الوجه في وجوب الاستدامة واضح، ضرورة عدم صدق الإتيان بتمام أجزاء المركب عن نيّة إلّا بذلك.

(2) أي في تمام حالات الصلاة تفصيلًا، إذ مضافاً إلى تعذّره غالباً، بل و منافاته مع الخشوع و حضور القلب المرغوب فيه في الصلاة، لا دليل عليه بوجه.

50

[مسألة 16: لو نوى في أثناء الصلاة قطعها فعلًا أو بعد ذلك]

[1429] مسألة 16: لو نوى في أثناء الصلاة قطعها فعلًا أو بعد ذلك أو نوى القاطع و المنافي فعلًا أو بعد ذلك، فإن أتمّ مع ذلك بطل. و كذا لو أتى ببعض الأجزاء بعنوان الجزئية ثم عاد إلى النيّة الأُولى، و أمّا لو عاد إلى النيّة الأُولى قبل أن يأتي بشي‌ء لم يبطل، و إن كان الأحوط الإتمام و الإعادة. و لو نوى القطع أو القاطع و أتى ببعض الأجزاء لا بعنوان الجزئية ثم عاد إلى النيّة الأُولى فالبطلان موقوف على كونه فعلًا كثيراً [1]، فان كان قليلًا لم يبطل خصوصاً إذا كان ذكراً أو قرآناً، و إن كان الأحوط الإتمام و الإعادة أيضاً (1).

____________

(1) بعد الفراغ عن اعتبار النيّة في تمام أجزاء الصلاة و استدامتها إلى آخرها تعرّض (قدس سره) لمسألة القطع و هي تنحل إلى فروع، و نحن نرتّبها على خلاف الترتيب المذكور في المتن، لكونه أسهل تناولًا كما ستعرف.

فمنها: أنّه لو نوى القطع أو القاطع في أثناء الصلاة فعلًا أو بعد ذلك، ثم عاد إلى النية الأُولى قبل أن يأتي بشي‌ء، فالمشهور حينئذ هو بطلان الصلاة. و ذهب المحقق في الشرائع (1) و جملة من المتأخرين منهم السيّد (قدس سره) في المتن إلى الصحة.

و استدلّ للمشهور بوجوه لا ينبغي التعرّض لأكثرها لوضوح فسادها. و العمدة منها إنّما هو وجه واحد و حاصله: أنّ المستفاد من أدلّة القواطع كقوله (عليه السلام): إنّ القهقهة أو الحدث أو التكلّم يقطع الصلاة (2)، و كذا ممّا دلّ على أنّ‌

____________

[1] أو كونه مما تبطل الصلاة بمطلق وجوده.

____________

(1) الشرائع 1: 95.

(2) راجع الوسائل 7: 250، 231، 281/ أبواب قواطع الصلاة ب 7، 1، 25.