موسوعة الإمام الخوئي - ج16

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
304 /
7

[تتمة كتاب الصلاة]

[فصل في صلاة الآيات]

فصل في صلاة الآيات و هي واجبة (1) على الرجال و النساء (2) و الخناثى، و

[سببها أُمور]

سببها أُمور:

[الأوّل و الثاني: كسوف الشمس و خسوف القمر]

الأوّل و الثاني: كسوف الشمس و خسوف القمر (3).

____________

(1) إجماعاً كما عن غير واحد، بل لعلّه في الجملة من الضروريات، مضافاً إلى النصوص المستفيضة كما ستعرف.

(2) لقاعدة الاشتراك، مضافاً إلى إطلاق النصوص و معاقد الإجماعات المؤيّدة برواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن النساء هل على من عرف منهنّ صلاة النافلة و صلاة الليل و الزوال و الكسوف ما على الرجال؟ قال: نعم» (1) و إن كانت ضعيفة السند بعبد اللّٰه بن الحسن.

و منه تعرف حكم الخنثى، فإنّها إمّا رجل أو أُنثى، فيجري فيها ما عرفت بل و كذا لو كانت طبيعة ثالثة، لكونها مشمولة للإطلاقات على أيّ حال.

(3) بلا خلاف فيه، بل إجماعاً، و تقتضيه جملة من النصوص التي تضمّنت توصيفها بالفريضة كصحيحة جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «قال: وقت صلاة الكسوف إلى أن قال: و هي فريضة» (2)، و نحوها غيرها.

____________

(1) الوسائل 7: 487/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 3 ح 1.

(2) الوسائل 7: 483/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 1 ح 1.

8

و لو بعضهما (1) و إن لم يحصل منهما خوف (2).

[الثالث: الزلزلة]

الثالث: الزلزلة، و هي أيضاً سبب لها (3) مطلقاً و إن لم يحصل بها خوف على الأقوى.

____________

ثمّ إنّ الكسوف يطلق على احتراق كلّ من النيّرين و إن كان استعماله في الشمس أكثر، و أمّا الخسوف فيختصّ بالقمر. و مما تضمّن إطلاقه عليهما معاً صحيحة الفضيل بن يسار و محمّد بن مسلم أنّهما قالا «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): أ يقضي صلاة الكسوف من إذا أصبح فعلم و إذا أمسى فعلم؟ قال: إن كان القرصان احترقا كلاهما قضيت، و إن كان إنّما احترق بعضهما فليس عليك قضاؤه» (1)، و نحوها روايات كثيرة.

(1) بلا خلاف فيه لإطلاق النصوص، مضافاً إلى صحيحة الفضيل و محمّد ابن مسلم المتقدّمة المتضمّنة لنفي القضاء مع عدم احتراق القرص، فإنّها تدلّ بوضوح على وجوب الأداء مطلقا.

(2) لإطلاق النصوص و معاقد الإجماعات، نعم قد يظهر من رواية الصدوق عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) «قال: إنّما جعلت للكسوف صلاة لأنّه من آيات اللّٰه، لا يدرى الرحمة ظهرت أم لعذاب، فأحبّ النبي (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أن تفزع أُمّته إلى خالقها و راحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرّها و يقيهم مكروهها، كما صرف عن قوم يونس (عليه السلام) حين تضرّعوا إلى اللّٰه عزّ و جل ...» الحديث (2) أنّ حكمة التشريع هي الخوف. و لكنّها ليست بعلّة ليلزم الاطّراد، على أنّها ضعيفة السند.

(3) إجماعاً كما عن غير واحد، و إن استشعر الخلاف من إهمالها و عدم التعرض إليها في كلمات جمع من القدماء، غير أنّه لم ينسب الخلاف إلى أحد صريحاً. و كيف ما كان، فالمتّبع هو الدليل، و يستدلّ له بوجوه:

____________

(1) الوسائل 7: 499/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 10 ح 1.

(2) الوسائل 7: 483/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 1 ح 3، الفقيه 1: 342/ 1513.

9

..........

____________

أحدها: ما رواه الصدوق في الفقيه بإسناده عن سليمان الديلمي «أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الزلزلة ما هي؟ فقال: آية ثمّ ذكر سببها، إلى أن قال قلت: فاذا كان ذلك فما أصنع؟ قال: صلّ صلاة الكسوف ...» الحديث و روى مثله في العلل بطريق آخر عن محمّد بن سليمان الديلمي عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) (1).

و لكن السند ضعيف في الطريقين، لعدم ثبوت وثاقة سليمان و لا ابنه محمد بل قال النجاشي: إنّه غال كذاب، و كذلك ابنه محمد، لا يعمل بما انفردا به (2).

على أنّ في الطريق الثاني أحمد بن محمّد بن يحيى، و لم تثبت وثاقته، و كذا إبراهيم بن إسحاق. و دعوى الانجبار كما ترى.

ثانيهما: ما رواه الصدوق أيضاً بإسناده عن بريد بن معاوية و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) «قالا: إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها ما لم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة، فإن تخوّفت فابدأ بالفريضة و اقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف، فاذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت، و احتسب بما مضى» (3)، فإنّ الزلزلة من أهمّ هذه الآيات، و الخوف الحاصل في موردها أعظم، فيشملها قوله: «أو بعض هذه الآيات».

غير أنّ المحقّق الهمداني (قدس سره) ناقش في الدلالة، نظراً إلى كونها مسوقة لبيان حكم آخر (4) و هو تقديم الفريضة عليها لدى المزاحمة.

____________

(1) الوسائل 7: 486/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 2 ح 3، الفقيه 1: 343/ 1517 علل الشرائع: 556/ 7.

(2) لاحظ معجم الأُستاذ 9: 286/ 5481، 5536. لكنّ النجاشي (في رجاله: 182/ 482) نسبه إلى قائل مجهول، و مثله لا يصلح لمعارضة التوثيق المستفاد من وقوعه في تفسير القمّي. اللهم إلّا أنّ يكون قوله: لا يعمل بما انفردا به، من كلام النجاشي نفسه، فليلاحظ.

(3) الوسائل 7: 491/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 5 ح 4، الفقيه 1: 346/ 1530.

(4) مصباح الفقيه (الصلاة): 478 السطر 12.

10

..........

____________

و لكنّه كما ترى لا يكون مانعاً عن التمسّك بها، غايته بعد تقييد الوجوب بعدم المزاحمة و أنّه معها يتمّ الفريضة ثم يبني، فإنّ هذا التقييد لا يمنع عن شمول لفظ البعض لأظهر المصاديق و أبرزها كما عرفت.

نعم، يرد على الاستدلال بها أولًا: جواز أن يكون المراد من البعض هي الآيات المعهودة بين الناس و المعلوم كونها كالكسوف موجبة للصلاة كالعواصف الشديدة و الرياح المظلمة و نحوها من الأخاويف السماوية الواردة في صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة الآتية، فتكون تلك الصحيحة إشارة إلى هذه و كون الزلزلة عندهم مثلها غير معلوم.

و ثانياً: أنّها غير نقية السند و إن عبّر عنها المحقّق الهمداني (1) كصاحب الجواهر (2) بالصحيحة، فإنّ طريق الصدوق إلى بريد مجهول، حيث لم يذكر في المشيخة. و طريقه إلى محمّد بن مسلم ضعيف، فانّ فيه علي بن أحمد بن عبد اللّٰه ابن أحمد البرقي عن أبيه (3) و كلاهما مجهول.

ثالثها: التعليل الوارد في رواية الفضل بن شاذان المتقدّمة (4) بعد وضوح أنّ الخوف الحاصل من الزلزلة المجعول مناطاً لوجوب الصلاة في هذه الرواية أعظم من غيرها من سائر الآيات.

و فيه: مضافاً إلى أنّ الخوف المزبور حكمة للتشريع لا علّة للحكم ليلزم اطّرادها كما تقدّم أنّها ضعيفة السند، لضعف طريق الصدوق إلى الفضل (5). فما في مصباح الفقيه من الحكم باعتبار السند (6) في غير محلّه.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 478 السطر 9.

(2) الجواهر 11: 406.

(3) الفقيه 4 (المشيخة): 6.

(4) الوسائل 7: 483/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 1 ح 3، و قد تقدمت في ص 8.

(5) الفقيه 4 (المشيخة): 53.

(6) مصباح الفقيه (الصلاة): 478 السطر 32.

11

[الرابع: كلّ مخوّف سماوي]

الرابع: كلّ مخوّف سماوي (1)

____________

رابعها: صحيحة الفضلاء عن كليهما أو أحدهما (عليهما السلام) «إنّ صلاة كسوف الشمس و القمر و الرجفة و الزلزلة عشر ركعات و أربع سجدات، صلّاها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و الناس خلفه في كسوف الشمس، ففرغ حين فرغ و قد انجلى كسوفها» (1).

و فيه: أنّها بصدد بيان الكيفية و أنّها في جميعها عشر ركعات، فلا تدلّ على الوجوب، بل غايته المشروعية. و يشهد لذلك قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «إنّ الصلاة في هذه الآيات كلّها سواء، و أشدّها و أطولها كسوف الشمس ...» إلخ.

و المتحصّل ممّا تقدم: ضعف هذه الوجوه سنداً أو دلالة، فلا يصحّ التعويل عليها، نعم لو قلنا بما سيجي‌ء من وجوب الصلاة لكلّ مخوّف سماوي أو أرضى ثبت الحكم في المقام بلا إشكال، لكون الزلزلة من أبرزها و أعظمها، و لكنّك ستعرف عدم ثبوت هذه الكليّة، فلم يبق في البين إلا الإجماع المدعى في المقام و حيث إنّ في صحّة التعويل عليه بعد وضوح مدرك المسألة ما لا يخفى فالحكم إذن مبني على الاحتياط.

(1) على المشهور، بل عن الخلاف دعوى الإجماع عليه (2). و يستدلّ له بصحيحة زرارة و محمد بن مسلم قالا «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): هذه الرياح و الظلم التي تكون هل يصلّى لها؟ فقال: كلّ أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصلّ له صلاة الكسوف حتّى يسكن» (3).

و ربما يستشكل في دلالتها من وجهين:

____________

(1) الوسائل 7: 492/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 1.

(2) الخلاف 1: 682 المسألة 458.

(3) الوسائل 7: 486/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 2 ح 1.

12

..........

____________

أحدهما: أنّ السؤال لم يكن عن الوجوب بل عن المشروعية، فيكون الجواب طبعاً منزّلًا عليها.

و يندفع: بأنّ المشروعية لدى الأخاويف السماوية أمر متعارف بينهم يعرفها عامة الناس، فكيف يقع السؤال عنها سيما من الأجلاء و الأعاظم نظراء زرارة و محمّد بن مسلم الراويين لهذا الحديث. فلا جرم يكون السؤال عن الوجوب لا غير.

ثانيهما: أنّ قوله (عليه السلام) في الذيل: «حتى يسكن» آية الاستحباب لعدم وجوب إطالة الصلاة إلى سكون الآية و ارتفاعها بضرورة الفقه.

و يندفع: بابتنائه على أن يكون ذلك قيداً في المأمور به، و هو خلاف الظاهر بل في حيّز المنع، و إنّما هو قيد للأمر أو غاية له، و يكون المعنى على الأوّل أنّ الأمر بالصلاة باقٍ إلى زمان ارتفاع الآية و سكونها، نظير قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (1)، و على الثاني أنّ الغاية من الأمر و فائدة الإتيان بهذه الصلاة سكون الآية و هدوءها، نظير قول الطبيب: اشرب الدواء حتّى تعافىٰ.

و يمكن الاستدلال أيضاً بصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه «أنّه سأل الصادق (عليه السلام) عن الريح و الظلمة تكون في السماء و الكسوف، فقال الصادق (عليه السلام): صلاتهما سواء» (2)، فانّ ظاهر الجواب المساواة بين صلاة الكسوف و بين الصلاة لسائر الأخاويف السماوية في الوجوب و في الكيفية، لا في الثاني فقط كما لا يخفى.

و تؤيّد المطلوب رواية بريد و محمد بن مسلم المتقدّمة، حيث عرفت أنّ بعض الآيات الواردة فيها إشارة إلى الأخاويف السماوية المذكورة في صحيحة زرارة و ابن مسلم الآنفة الذكر، غير أنّها لأجل ضعف سندها لا تصلح إلّا‌

____________

(1) الإسراء 17: 78.

(2) الوسائل 7: 486/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 2 ح 2.

13

أو أرضى [1] (1) كالريح الأسود أو الأحمر أو الأصفر و الظلمة الشديدة و الصاعقة و الصيحة و الهدّة و النار التي تظهر في السماء و الخسف

____________

للتأييد.

(1) كما عن جماعة من الأصحاب، و يستدلّ له تارة بالتعليل الوارد في خبر الفضل بن شاذان (1) و قد عرفت ما فيه.

و أُخرى: برواية بريد و محمّد بن مسلم المتقدمة (2) بدعوى أنّ «بعض هذه الآيات» الواردة فيها تعمّ السماوية و الأرضية.

و فيه: مضافاً إلى ما عرفت من ضعف السند أنّها ناظرة إلى الأخاويف السماوية خاصة كما تقدّم.

و ثالثة: بصحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة (3) بدعوى شمول الأخاويف السماوية للأرضية، نظراً إلى أنّ الإضافة لم تكن مكانية، و إنّما هي نشوية، باعتبار أنّ جميعها تنزل من السماء و تستند إلى الباري تعالى، و لذا يعبّر عن الكلّ بالآفات الإلهية. فالأخاويف الأرضية و إن كان مكانها الأرض إلّا أنّ مصدرها السماء، و من ثمّ أُسندت إليها.

و فيه: ما لا يخفى، لبعد هذا الاحتمال في حدّ نفسه، و مع عدم البعد فهو مجرد احتمال لا يبلغ حدّ الظهور ليصحّ التعويل عليه، و من الجائز أن تكون الإضافة مكانية لا سببية.

إذن فلم ينهض دليل يعتمد عليه بالإضافة إلى الأخاويف الأرضية، فالحكم فيها مبني على الاحتياط. نعم يتأكّد الاحتياط في خصوص الزلزلة‌

____________

[1] الحكم بوجوبها في المخوف الأرضي مبني على الاحتياط.

____________

(1) المتقدّم في ص 8.

(2) في ص 9.

(3) في ص 11.

14

و غير ذلك من الآيات المخوّفة عند غالب الناس. و لا عبرة بغير المخوّف من هذه المذكورات (1)، و لا بخوف النادر (2)، و لا بانكساف أحد النيّرين ببعض الكواكب الذي لا يظهر إلا للأوحدي من الناس (3)،

____________

لمكان دعوى الإجماع و بعض الأخبار، على إشكال فيهما قد تقّدم (1).

(1) لاختصاص الدليل إمّا بالمخوّف أو بما لا يعمّ غيره حسبما تقدّم، فيرجع في غيره إلى الأصل.

(2) لانصراف النصوص عنه.

(3) فلا تجب الصلاة إلّا بحيلولة الأرض بين القمر و الشمس كما في الخسوف، أو حيلولة القمر بين الشمس و الأرض كما في الكسوف، و لا عبرة بسائر الكواكب، لانصراف الأدلّة عنها، هذا.

و التحقيق أن يقال: أمّا في الخسوف فالفرض المزبور لا واقع له، إذ لا يوجد كوكب يكون أقرب إلى الأرض من القمر لتفرض حيلولته بينهما، إلّا أنّه على فرض تحقّقه و لو على سبيل الإعجاز شملته النصوص و وجبت الصلاة، إذ الموضوع خسوف القمر، و الذي يفهمه العرف من هذه الكلمة هو رؤية جرمه فاقداً للنور، و أمّا أنّ العلّة في ذلك هل هي حيلولة الأرض بينه و بين الشمس أو شي‌ء آخر فهو أمر لا يدركه عامّة الناس، سيما من كان منهم في عصر صدور هذه الأخبار، و إنّما هو شي‌ء يختصّ به الفلكيّون و أرباب فن الهيئة. إذن فمتى صدق الخسوف و بأي سبب تحقّق وجبت الصلاة بمقتضى إطلاق الأدلّة.

و أمّا في الكسوف فلا مانع من فرض كوكب آخر غير القمر يحول بين الأرض و الشمس كالزهرة و عطارد، حيث إنّهما واقعتان بينهما، فيمكن أن تحجبا نورها و يتشكّل من ذلك كسوف يراه بعض سكنة الأرض ممّن يقع في نقطة تقابل مركز الزهرة مثلًا المقابلة لنقطة مركز الشمس.

____________

(1) في ص 8 فما بعدها.

15

و كذا بانكساف بعض الكواكب ببعض (1) إذا لم يكن مخوفاً للغالب من الناس (2). و أمّا وقتها ففي الكسوفين هو من حين الأخذ إلى تمام الانجلاء على الأقوى، فتجب المبادرة إليها بمعنى عدم التأخير إلى تمام الانجلاء، و تكون أداء في الوقت المذكور (3).

____________

إلّا أنّ مثل ذلك لا يستوجب الصلاة، لعدم ظهوره إلّا للأوحدي من أصحاب المراصد الفلكية، و لا تعرفه عامّة الناس، لمكان صغر الكوكب الناشئ من بعده المفرط. و من الواضح أنّ موضوع الحكم إنّما هو الكسوف المرئي لعامّة الناس بحيث تشاهده آحادهم العاديون، نعم لو تحقّق ذلك بحيث أصبح مرئياً لهم و لو من طريق الإعجاز بحيث صدق عندهم الكسوف وجبت الصلاة كما عرفته في الخسوف.

(1) لخروجه عن منصرف النصوص.

(2) أمّا إذا كان مخوفاً وجبت الصلاة حينئذٍ، لا لمكان الكسوف، بل لما تقدّم (1) من وجوبها لعامة الأخاويف السماوية.

(3) لا شبهة في عدم وجوب الصلاة قبل حصول الكسوفين، لعدم الأمر بها قبل حصول موجبه، فلو صلّى ثمّ حصل لم يسقط عنه التكليف حتّى لو كان معتقداً ذلك و بان خلافه، لأنّ سقوط المأمور به بغيره يحتاج إلى الدليل و لا دليل، بل الحال كذلك حتّى لو دخل الوقت في الأثناء، لاعتبار الوقت في تمام الأجزاء بالأسر.

و الالتزام بالصحّة في الفرائض اليوميّة إنّما هو لأجل النص الذي لا ينبغي التعدّي عن مورده بعد كونه على خلاف القاعدة، بل لا نلتزم به حتّى في مورده لضعفه حسبما تقدّم في محلّه (2).

و على الجملة: لا ينبغي التأمّل في أنّ صلاة الكسوفين من الفرائض الموقّتة‌

____________

(1) في ص 11.

(2) شرح العروة 11: 381.

16

..........

____________

المحدودة بما بين الحدّين، لا يجوز تقديمها على الوقت، كما لا يجوز تأخيرها عنه على ما دلّت عليه صريحاً صحيحة جميل المتقدّمة المتضمّنة لبيان الوقت (1) و كذلك النصوص الإمرة بالقضاء لدى احتراق القرص حتّى مع الجهل (2) الكاشفة عن أنّ لهذه الصلاة أداءً و قضاءً المساوق للتوقيت بطبيعة الحال، و هذا كلّه مما لا خلاف فيه و لا إشكال.

و إنّما الكلام في تحديد الوقت من ناحية المبدأ تارة و المنتهى اخرى، فهنا جهتان:

الجهة الاولى: في التحديد من ناحية المبدأ، و لا إشكال كما لا خلاف في أنّه الشروع في الانكساف أو الانخساف، و تدلّ عليه جملة من الأخبار.

منها: صحيحة جميل المتقدّمة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: وقت صلاة الكسوف في الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس و عند غروبها ...» الحديث (3).

و منها: صحيحة أبي بصير قال: «انكسف القمر و أنا عند أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في شهر رمضان فوثب و قال: إنّه كان يقال: إذا انكسف القمر و الشمس فافزعوا إلى مساجدكم» (4).

فانّ الفزع إلى المساجد كناية عن الصلاة، و قد أُمر بها بمجرد الانكساف.

و منها: رواية بريد و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) «قالا: إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها ...» إلخ (5). و لكنّك عرفت (6) أنّها ضعيفة السند، فلا تصلح إلّا للتأييد. و العمدة ما عرفت‌

____________

(1) الوسائل 7: 483/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 1 ح 1.

(2) الآتية في ص 42 و ما بعدها.

(3) الوسائل 7: 488/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 4 ح 2.

(4) الوسائل 7: 491/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 6 ح 1.

(5) الوسائل 7: 491/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 5 ح 4.

(6) في ص 10.

17

..........

____________

مضافاً إلى الإجماع.

الجهة الثانية: التحديد من ناحية المنتهي و أنّه هل هو الشروع في الانجلاء أو أنّه يمتد إلى تمام الانجلاء.

فالمنسوب إلى جلّ السلف و معظمهم هو الأوّل، و لكن أكثر المتأخّرين ذهبوا إلى الثاني، بل لعلّه المشهور بينهم، و يترتب على ذلك أنّ الصلاة الواقعة ما بين الحدّين قضاء على الأوّل و أداء على الثاني.

و يستدلّ للقول الثاني بجملة من الأخبار:

منها: ما تضمّن الأمر بتطويل الصلاة، المستلزم لوقوع مقدار منها فيما بعد الشروع في الانجلاء كرواية عمّار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «قال: إن صلّيت الكسوف إلى أن يذهب الكسوف عن الشمس و القمر و تطول في صلاتك فانّ ذلك أفضل، و إذا أحببت أن تصلّي فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف فهو جائز» الحديث (1)، فإنّه لو كان الوقت منتهياً بالشروع المزبور فكيف يؤمر بالتطويل المستلزم لتأخير الصلاة عن وقتها.

و منها: صحيحة الرهط عن أحدهما (عليهما السلام) «... إلى أن قال قال: صلّى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و الناس خلفه في كسوف الشمس ففرغ حين فرغ و قد انجلى كسوفها» (2)، فإنّها ظاهرة أيضاً في وقوع مقدار من الصلاة بعد الأخذ في الانجلاء، فيكشف عن امتداد الوقت إلى تمام الانجلاء بعد وضوح عدم احتمال تأخير النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) صلاة الفريضة عن وقتها، هذا.

و لكن الظاهر عدم صحة الاستدلال بشي‌ء من هاتين الروايتين، إذ مضافاً إلى ضعف سند أُولاهما بعلي بن خالد أنّ محلّ الكلام جواز تأخير الشروع في الصلاة إلى ما بعد الشروع في الانجلاء، و مورد الروايتين أنّ الشارع فيها من ذي‌

____________

(1) الوسائل 7: 498/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 8 ح 2.

(2) الوسائل 7: 489/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 4 ح 4.

18

..........

____________

قبل يجوز أو يستحب له التطويل بحيث ينتهي عنها بعد الأخذ في الانجلاء، و لا تلازم بين الأمرين، لجواز التفصيل بين الشارع البادئ و بين المتلبّس، فيلتزم بأنّ الأوّل لا يجوز له التأخير اختياراً عن زمان الشروع في الانجلاء، و أمّا الثاني أعني من كان شارعاً فيها و متلبّساً بها فتجوز له استدامة الصلاة و تأخير الفراغ عنها إلى ما بعد ذلك.

و دعوى عدم جواز تأخير الصلاة حتّى ببعض أجزائها عن وقتها المقرّر لها غير مسموعة، إذ لا بشاعة في ذلك لو ساعده الدليل بعد وضوح عدم كونه حكماً عقلياً غير قابل للتخصيص، بل من الأحكام التعبدية التي زمام أمرها بيد الشارع، و من الجائز أن يرخّص في بعض الموارد إيقاع بعض أجزاء المأمور به في خارج الوقت.

بل لا مناص من الالتزام بذلك في المقام حتّى على القول بامتداد الوقت إلى تمام الانجلاء، لأنّ قوله (عليه السلام) في صحيحة الرهط: «ففرغ حين فرغ و قد انجلى كسوفها» كالصريح في وقوع مقدار من الصلاة بعد تمام الانجلاء، كما أنّ قوله (عليه السلام) في ذيل رواية عمّار: «فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف» يدلّ بوضوح على أنّ مورد التطويل المحكوم بالأفضلية هو إطالة الصلاة إلى ما بعد ذهاب الكسوف بكامله، المستلزم طبعاً لوقوع مقدار منها خارج الوقت.

إذن فلا يكون في فعل النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و لا في الأمر بالتطويل دلالة على امتداد الوقت إلى تمام الانجلاء بالمعنى الذي هو محلّ الكلام في المقام، بل غايته جواز تأخير الفراغ عن منتهى الوقت، سواء أ كان هو الشروع في الانجلاء أم تمامه، و يكون ذلك تخصيصاً في دليل عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها.

و منها: ما استدل به المحقّق الهمداني (قدس سره) (1) من رواية ابن أبي يعفور‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 479 السطر 29.

19

..........

____________

عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: إذا انكسفت الشمس و القمر فانكسف كلّها فإنّه ينبغي للناس أن يفزعوا إلى إمام يصلّي بهم، و أيّهما كسف بعضه فإنّه يجزي الرجل يصلّي وحده ...» الحديث (1).

بتقريب: أنّ جزئية الكسوف و كلّيته لا تعلم عادة إلّا عند انتهائه، و لا سبيل إلى معرفته إلّا الاحتراق أو الأخذ بالانجلاء، و عليه فلو تم الوقت بمجرّد الأخذ في الانجلاء الكاشف عن جزئية الكسوف لما جاز التأخير إليه عامداً مع أنّ ظاهر الرواية جوازه لتتّضح الجزئية أو الكلّية، حتّى تترتّب عليهما ما تضمّنته من التفصيل بين الصلاة جماعة أو فرادى.

و ما أفاده (قدس سره) متين جدّاً لولا الخدش في سند الرواية، حيث إنّها ضعيفة بعلي بن يعقوب الهاشمي، فإنّه لم يوثق.

و منها: صحيحة معاوية بن عمّار قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) في صلاة الكسوف: إذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد» (2)، فإنّها ظاهرة في بقاء الوقت إلى تمام الانجلاء لتقع الإعادة في وقتها.

و يندفع: بأنّ استحباب الإعادة غير ملازم لبقاء الوقت، فمن الجائز انقضاء وقت الواجب بالشروع في الانجلاء و مع ذلك تستحب الإعادة إلى تمام الانجلاء تضرعاً إلى الباري سبحانه ليرفع البلاء، و لا غرو، فانّ التفكيك في الأحكام التعبّدية بين الواجبات و المستحبات غير عزيز في الفقه.

و المتحصّل من جميع ما تقدم لحد الآن: عدم إمكان إثبات الامتداد و توسعة الوقت إلى تمام الانجلاء من ناحية الروايات، لقصورها سنداً أو دلالة على سبيل منع الخلو.

نعم، يمكن إثباته بالأصل، نظراً إلى أنّ تقيّد الواجب بالوقوع ما قبل الشروع في الانجلاء مشكوك فيه، و مقتضى الأصل البراءة عنه.

____________

(1) الوسائل 7: 503/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 12 ح 2.

(2) الوسائل 7: 498/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 8 ح 1.

20

..........

____________

لكن الذي يترتّب على هذا الأصل إنّما هو مجرّد جواز التأخير، فيجوز لمن خوطب بالصلاة لدى الانكساف عدم الاستعجال و تأخيرها إلى ما بعد الشروع و قبل تمام الانجلاء، لا إثبات توسعة الوقت بحيث إنّ من لم يكن مخاطباً آن ذاك لارتفاع القلم عنه لصغر أو جنون بل نوم أو غفلة و نحوها من الأعذار الرافعة للتكليف ثمّ ارتفع المانع بعد الشروع تجب الصلاة عليه، فانّ التكليف قبل الشروع كان ساقطاً حسب الفرض، و بعده يشكّ في تعلّقه للشكّ في سعة الوقت و ضيقه، و حيث إنّ الأصل المزبور لا ينهض لإثبات التوسعة كما سمعت فلا جرم كان المتّبع أصالة البراءة عن حدوث تكليف جديد.

نعم، لا مانع من التمسك باستصحاب كلّي الوجوب لولا أنّه من الاستصحاب في الشبهات الحكمية، و لا نقول به.

و التحقيق: عدم الحاجة إلى الاستصحاب و لا إلى أصالة البراءة، بل لنا إثبات كلا الأثرين من جواز التأخير و إثبات التوسعة استناداً إلى إطلاقات النصوص، حيث إنّ الموضوع فيها هو عنوان الكسوف و الخسوف.

و من الضروري صدقهما من لدن حدوث الآية إلى تمام الانجلاء، من غير فرق بين ما قبل الشروع و ما بعده، فما دامت الآية باقية و لم تكن زائلة يصدق الكسوف أو الخسوف صدقاً حقيقياً من غير أيّة عناية، لوحدة المناط في جميع الآنات.

فتجب الصلاة بمقتضى الإطلاقات، بعد عدم نهوض ما يقتضي التقييد بما قبل الشروع في الانجلاء عدا ما قد يتوهّم من استفادته من صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «ذكروا انكساف القمر و ما يلقى الناس من شدته، قال فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): إذا انجلى منه شي‌ء فقد انجلى» (1).

بدعوى أنّ المستفاد منها ترتيب آثار الانجلاء التام بانجلاء البعض، لأنّ‌

____________

(1) الوسائل 7: 488/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 4 ح 3.

21

و الأحوط عدم التأخير عن الشروع في الانجلاء (1) و عدم نيّة الأداء و القضاء على فرض التأخير (2). و أمّا في الزلزلة و سائر الآيات المخوّفة فلا وقت لها (3).

____________

ذلك هو مقتضى ما تضمّنته من الحكم بالانجلاء المطلق لدى انجلاء شي‌ء منه فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع نصوص الباب الظاهرة في استدامة الوقت إلى انتهاء الانجلاء حسبما عرفت.

و يندفع بعدم كونها ناظرة إلى بيان حكم شرعي، بل هي متعرّضة لأمر تكويني، إذ السؤال لمّا كان عن الشدة التي يلقاها الناس لدى الانكساف من خوف و نحوه أجاب (عليه السلام) بانتهاء أمد الشدة بمجرّد انجلاء البعض، لأنّ ذلك أمارة على ارتفاع البلاء و العذاب، نظير ما يقال في حقّ المريض من ارتفاع الخطر لدى الشروع في البرء، و هذا المعنى لو لم يكن ظاهراً من الصحيحة فلا أقل من احتماله، فتسقط عن صلاحية الاستدلال بها للتقييد المزبور.

فتحصّل: أنّ ما عليه المتأخّرون من امتداد الوقت إلى تمام الانجلاء هو الصواب.

(1) حذراً عن خلاف من عرفت.

(2) رعاية لكلا القولين في المسألة.

(3) أمّا في الزلزلة فبناء على عدم وجوب الصلاة لها لضعف مستنده كما سبق (1) فالبحث عن وقتها قليل الجدوى.

و أمّا بناءً على القول بالوجوب فالمشهور أنّه لا وقت لها، لإطلاق الدليل و عمدته خبر سليمان الديلمي المتقدّم (2) حيث قد تعلّق الأمر فيه بالصلاة من‌

____________

(1) في ص 8 و ما بعدها.

(2) في ص 9.

22

..........

____________

غير تعرّض للوقت. على أنّ في التوقيت بالزلزلة ما لا يخفى، لعدم تجاوزه الثواني، فلا تصلح لأن تكون ظرفاً للصلاة.

و لكن الظاهر دلالته على التوقيت لا بنفس الزلزلة، بل بالزمان المجاور لها على سبيل الفورية العرفية، بحيث تحسن الإضافة و تصدق الصلاة عند الزلزلة إذ الظاهر من قوله: «فاذا كان ذلك فما أصنع» هو السؤال عن الوظيفة الفعلية الثابتة في هذه الحالة، فلا بدّ من المبادرة على نحو تصحّ إضافة الصلاة إلى الزلزلة. إذن فلا دليل على جواز التأخير عن هذا الوقت ليقتضي اتساعه مدى العمر و يكون أداءً كما عليه القوم إلّا الاستناد إلى الاستصحاب، و ستعرف ما فيه (1).

و أمّا سائر الآيات المخوفة فالمشهور بين القائلين بوجوب الصلاة لها اختصاص وقتها بحال وجود الآية، و هو الصحيح، للتقييد في مستند المسألة و هو صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدّمة (2) بقوله (عليه السلام): «حتّى يسكن» الظاهر في ذلك، لأنّه إمّا قيد في الواجب أو في الوجوب أو أنّه غاية للتشريع كما لعلّه الأقوى و الكلّ يستوجب التوقيت كما لا يخفى.

و دعوى أنّ الغاية ملحوظة على سبيل الحكمة لا العلّة ليلزم فيها الاطّراد فلا مانع من بقاء الوجوب بعد السكون أيضاً.

يدفعها: أنّ ذلك إنّما يتّجه لو كان ثمّة دليل يقتضي بإطلاقه ثبوت الحكم بعد السكون أيضاً، فيقال حينئذ إنّه لا يتقيّد بهذه الصحيحة لكونها من قبيل الحكمة لا العلّة، نظير إطلاقات الأمر بغسل الجمعة حيث إنّها تشمل النظيف و إن علّل الحكم في بعض النصوص بالتنظيف، لأنّه كما عرفت من قبيل الحكمة لا العلّة ليدور الحكم مدارها وجوداً و عدماً. و أمّا في المقام فحيث لم يوجد مثل هذا الإطلاق فلا دليل على ثبوت الحكم بعد السكون.

____________

(1) في ص 23.

(2) في ص 11.

23

بل يجب المبادرة إلى الإتيان بها [1] بمجرد حصولها (1) و إن عصى فبعده إلى آخر العمر (2) و تكون أداء (3) مهما أتى بها إلى آخره.

____________

(1) لظهور النصوص في ذلك انسباقاً أو انصرافاً حسبما عرفت.

(2) لما عرفت من ظهور مستند الحكم في كلا الموردين في التوقيت و مقتضاه وجوب القضاء مدى الحياة لو فات في الوقت، بناء على ما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى في مبحث القضاء (1) من عدم اختصاصه بالفرائض اليوميّة و شمول مستنده لعامّة الفرائض التي منها صلاة الآيات.

(3) بل قضاء كما عرفت، إذ ليس معناه إلّا الإتيان بالفعل خارج الوقت و هو كذلك بعد الإذعان بالتوقيت المزبور.

و أمّا التمسك لذلك بالاستصحاب ففيه بعد الغضّ عمّا هو الأصح من عدم جريانه في الشبهات الحكمية، أنّ الأدلّة ظاهرة كما عرفت في التوقيت و مقتضاه مغايرة الوقت مع خارجه موضوعاً، و معه كان الانسحاب من إسراء حكم من موضوع إلى آخر لا من الاستصحاب، لتقوّمه بوحدة الموضوع و المفروض تعدّده.

و لو بني على عدم التوقيت لم يكد يوجد دليل حينئذ على الفوريّة و لا على العصيان لو أخّر، بل غايته البناء على أنّ الزلزلة مثلًا من الأسباب الموجبة للصلاة، و أنّها لم تكن من الموقتات، و من ثمّ كانت أداء متى اتي بها.

و بالجملة: كيف التوفيق بين القول بالفوريّة و بين البناء على استدامة الوقت مدى الحياة و الاتّصاف بالأداء متى اتي بها، فإنّ الأدلّة إن دلّت على الفورية فهو مساوق للتوقيت الملازم للقضاء لدى التأخير، و إلّا فما هو الموجب‌

____________

[1] الحكم بوجوب المبادرة ثمّ بالوجوب إلى آخر العمر على تقدير العصيان أداء لا يخلو من الإشكال.

____________

(1) في ص 121.

24

[و أمّا كيفيتها فهي ركعتان]

و أمّا كيفيتها فهي ركعتان (1)

____________

للالتزام بها. فما صنعه في المتن من الجمع بين الأمرين غير واضح.

و أشكل من ذلك الالتزام بوجوبه فوراً ففوراً، فإنّه لا دليل عليه بوجه لانحصاره كما عرفت في خبر الديلمي (1)، و مدلوله إنّما هو التوقيت لا أصل الوجوب و كونه فوراً على سبيل تعدّد المطلوب، فضلًا عن كونه فوراً ففوراً.

فالصحيح ما عرفت من دلالة النصّ على التوقيت، الملازم لعدم جواز التأخير عن الوقت المقرّر له، و أنّه لو أخّر وجب القضاء بدليل آخر فلاحظ.

(1) على المشهور و المعروف، لكن المحكي عن مشهور القدماء التعبير بأنها عشر ركعات.

و تظهر الثمرة في الشكّ في الركعات، فإنّها تبطل على الأوّل كما في سائر الثنائيات، و لا ضير في الشكّ في عدد الركوعات مع حفظ الركعتين، فإنّه يعتني إذا كان في المحلّ و لا يعتني إذا كان بعد التجاوز عنه كما هو الحال في سائر الأجزاء.

و لا تبطل على الثاني فيما إذا كان ضابطاً للأولتين، بناءً على أنّ الشكّ فيما عدا فرض اللّٰه معدود من الشكوك الصحيحة يبني فيها على الأكثر، و تمام الكلام في محلّه (2).

و كيف ما كان، فيدلّ على المشهور بعض النصوص.

منها: معتبرة القدّاح الصريحة في ذلك «قال: انكسفت الشمس في زمان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فصلّى بالناس ركعتين» (3)، و المراد ب‍ (جعفر بن محمّد) الواقع في السند هو الأشعري الراوي لكتاب عبد اللّٰه بن ميمون القدّاح، و لم يرد فيه توثيق خاص، لكنّه من رجال كامل الزيارات.

____________

(1) المتقدم في ص 9.

(2) شرح العروة 18: 178 و ما بعدها.

(3) الوسائل 7: 498/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 9 ح 1.

25

في كلّ منهما خمسة ركوعات و سجدتان بعد الخامس من كل منهما، فيكون المجموع عشرة ركوعات (1) و سجدتان بعد الخامس و سجدتان بعد العاشر.

____________

و منها: صحيحة الرهط حيث ذكر في ذيلها: «... ثمّ تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الأُولى ...» إلخ (1)، فيظهر منها أنّ مجموع الركوعات الخمسة المتقدّمة تعدّ ركعة واحدة.

و تؤيّده النصوص المتضمّنة للاجتزاء بالحمد و السورة مرة واحدة في كلّ خمسة ركوعات، مع وضوح أنّ لكلّ ركعة فاتحة.

و يؤيّده أيضاً ما في تلك النصوص من اختصاص التسميع بما بعد الركوع الخامس و العاشر (2)، فلو كانت عشر ركعات لتضمنت عشر تسميعات كما لا يخفى.

نعم، قد تضمّن غير واحد من النصوص و منها صدر صحيحة الرهط المتقدّمة التعبير بأنها عشر ركعات، لكن المراد من الركعة بقرينة المقابلة مع السجدة هو خصوص الركوع لا الركعة المصطلحة المتضمنة للسجود، فلا تنهض لمقاومة ما سبق.

و لعلّ ما في كلمات القدماء من التعبير بعشر ركعات إنّما هو لمتابعة النصوص المحمولة على ما عرفت، فلا خلاف في المسألة. و كيف ما كان، فلا ينبغي الترديد في أنّ المستفاد من النصوص أنّها ذات ركعتين لا غير.

(1) على المشهور، بل ادّعي عليه الإجماع بل الضرورة، و تشهد به النصوص الكثيرة كما لا يخفىٰ، إلّا أنّه قد يقال إنّها ثمانية، و ذلك لروايتين:

إحداهما: رواية أبي البختري عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «إن علياً (عليه السلام) صلّى في كسوف الشمس ركعتين في أربع سجدات و أربع ركوعات قام فقرأ ثم ركع ثمّ رفع رأسه، ثمّ ركع ثمّ قام فدعا مثل ركعتين، ثم سجد‌

____________

(1) الوسائل 7: 492/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 1.

(2) الوسائل 7: 492/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 1، 6، 7، 13.

26

و تفصيل ذلك بأن يكبّر للإحرام مقارناً للنية، ثم يقرأ الحمد و سورة (1) ثم يركع، ثم يرفع رأسه و يقرأ الحمد و سورة ثم يركع و هكذا حتى يتم خمساً فيسجد بعد الخامس سجدتين، ثم يقوم للركعة الثانية فيقرأ الحمد و سورة، ثم يركع و هكذا إلى العاشر، فيسجد بعده سجدتين ثم يتشهّد و يسلّم.

____________

سجدتين، ثم قام ففعل مثل ما فعل في الاولى في قراءته و قيامه و ركوعه و سجوده سواء» (1).

ثانيتهما: رواية يونس بن يعقوب قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): انكسف القمر فخرج أبي (عليه السلام) و خرجت معه إلى المسجد الحرام فصلّى ثماني ركعات كما يصلّي ركعة و سجدتين» (2).

و كأنّ الشيخ حسب المعارضة بينهما و بين ما سبق، فمن ثمّ حملهما على التقيّة لموافقتهما لمذهب بعض العامّة (3).

و ليس كذلك، لوجود الجمع الدلالي بالحمل على التخيير بين الأقلّ و الأكثر إن أمكن، و إلّا فبالحمل على الأفضلية، لصراحة هذه في الاجتزاء بالثمانية و ظهور تلك في وجوب العشرة، فترفع اليد عن الظاهر بالنص و يحمل على الاستحباب. فالحمل المزبور ضعيف، بل مقتضى الصناعة ما عرفت.

و أضعف منه ما احتمله صاحب الوسائل من أنّ تلك صلاة أُخرى غير صلاة الكسوف صلّاها بعدها لاتساع الوقت، فإنّه كما ترى.

و الذي يهوّن الخطب أنّهما ضعيفتا السند، فإنّ أبا البختري في غاية الضعف بل قيل: إنّه أكذب البرية، و في طريق الثانية محسن بن أحمد و لم يوثّق، فتصبح الطائفة السابقة سليمة عن المعارض.

(1) بلا خلاف و لا إشكال، و قد دلّت على هذه الكيفية على النهج المذكور‌

____________

(1) الوسائل 7: 493/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 4، و فيه: و أربع ركعات.

(2) الوسائل 7: 494/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 5.

(3) التهذيب 3: 292 ذيل ح 880.

27

و لا فرق بين اتحاد السورة في الجميع أو تغايرها (1).

و يجوز تفريق سورة واحدة على الركوعات (2)

____________

في المتن صحيحة الرهط (1). و ما قد يتراءى من بعض النصوص كخبر أبي بصير (2) من عدم الحاجة إلى الفاتحة فهو مضافاً إلى ضعف السند مطروح أو مؤوّل.

(1) لإطلاق النصوص من صحيحة الرهط و غيرها، أجل قد يتخيّل اعتبار المغايرة ممّا ورد في ذيل هذه الصحيحة من قوله (عليه السلام): «... فإن قرأ خمس سور فمع كل سورة أُم الكتاب ...» إلخ بدعوى ظهور «خمس سور» في الاختلاف لا في الإتيان بسورة واحدة خمس مرّات، و كذا من توصيف السورة بالأُخرى في صحيحة علي بن جعفر (3).

و يندفع: بأنّ المراد تكرار الشخص في قبال تبعيضه، لا التكرّر بحسب النوع فيتّجه في هذا الصدد ذكر العدد كالتوصيف المزبور، سواء اتحدت نوعاً أم تعدّدت كما لا يخفى.

و يعضده ما في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم من قوله: «... قال: و كان يستحبّ أن يقرأ فيها بالكهف و الحجر ...» إلخ (4)، فانّ الاقتصار على هاتين السورتين خير دليل على عدم اعتبار المغايرة، لصدق العمل بالمستحبّ لو اقتصر عليهما في تمام الركعتين، فلو كانت المغايرة معتبرة لكان ينبغي الإيعاز إلى تمام السور الخمس.

(2) بلا خلاف فيه و لا إشكال، و قد نطقت به الأخبار، ففي صحيح الرهط «... قلت: و إن هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات يفرقها (ففرقها) بينها؟

____________

(1) الوسائل 7: 492/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 1.

(2) الوسائل 7: 493/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 2.

(3) الوسائل 7: 497/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 13.

(4) الوسائل 7: 494/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 6.

28

فيقرأ في القيام الأوّل من الركعة الأُولى الفاتحة ثم يقرأ بعدها آية من سورة أو أقل أو أكثر (1)، ثم يركع و يرفع رأسه و يقرأ بعضاً آخر من تلك السورة و يركع ثم يرفع رأسه و يقرأ بعضاً آخر و هكذا إلى الخامس حتى يتم سورة، ثم يركع ثم يسجد بعده سجدتين، ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيقرأ في القيام الأوّل الفاتحة و بعض السورة، ثم يركع و يقوم و يصنع كما صنع في الركعة الاولى إلى العاشر، فيسجد بعده سجدتين و يتشهّد و يسلّم، فيكون في كلّ ركعة الفاتحة مرّة و سورة تامة مفرّقة على الركوعات الخمسة مرّة (2).

____________

قال: أجزأه أُمّ القرآن في أوّل مرّة، فإن قرأ خمس سور فمع كلّ سورة أُمّ الكتاب ...» إلخ (1)، و نحوها صحيح زرارة و محمّد بن مسلم و صحيح الحلبي (2).

(1) للإطلاق في نصوص التفريق. و ما يتراءى من ظهور بعضها في النصف لا بدّ من رفع اليد عنه بصراحة مثل صحيح الرهط في جواز تفريق سورة واحدة على الركوعات الخمسة.

(2) و هل يعتبر الترتيب في التفريق، أو يجوز التفريق معكوساً كأن يشرع من النصف الأخير ثمّ يأتي بالنصف الأوّل، و كذلك التثليث و التربيع و التخميس؟

استظهر الثاني شيخنا الأنصاري (قدس سره) (3)، نظراً لإطلاق النصف في صحيحة الحلبي قال (عليه السلام) «... و إن شئت قرأت نصف سورة في كل ركعة» (4).

و لكنّه كما ترى، لعدم انعقاد الإطلاق لها من هذه الجهة بعد أن لم تكن‌

____________

(1) الوسائل 7: 492/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 1.

(2) الوسائل 7: 494/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 6، 7.

(3) كتاب الصلاة: 194 السطر 6.

(4) الوسائل 7: 495/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 7.

29

و يجب إتمام سورة في كلّ ركعة (1)، و إن زاد عليها فلا بأس (2).

____________

بصدد البيان إلّا من ناحية التنصيف و تجويز التفريق و لو في الجملة، في مقابل الإتيان بسورة كاملة. فلا موجب لرفع اليد عمّا هو المنسبق من ظواهر سائر النصوص كصحيحة الرهط و غيرها من التوزيع على النهج المتداول المتعارف من مراعاة الترتيب، حيث إنّ المعكوس منه يحتاج إلى مئونة زائدة لا يصار إليها من غير دليل، بل الانسباق المزبور دليل العدم كما لا يخفى.

(1) على المشهور، و تشهد له صحيحة الرهط، حيث حكم فيها بالإجزاء عن تكرار الفاتحة و السورة في كلّ ركوع بتوزيع سورة واحدة على الركوعات الخمسة مع قراءة الفاتحة مرّة، فالاجتزاء بتوزيعها على الأكثر الملازم لعدم إتمام السورة في كل ركعة لا دليل عليه.

و بعبارة اخرى: ظاهر صدرها تعيّن الفاتحة و سورة كاملة لكلّ ركوع، و قد تضمّن ذيلها الاجتزاء عن ذلك بسورة واحدة موزّعة على الخمسة، و أمّا التوزيع على الأكثر منها فيحتاج إلى الدليل و لا دليل. و قد عرفت أنّ صحيحة الحلبي لم تكن إلّا بصدد مشروعية النصف في الجملة، فلا إطلاق لها لتشمل الأنصاف العديدة من السور المتعددة.

(2) على المشهور، فيجوز تقسيم سورة على ثلاثة ركوعات مثلًا و سورة اخرى على ركوعين مع تكرار الحمد حينئذ.

و يظهر من الشهيد في الذكرى منعه حيث قال: يحتمل أن ينحصر المجزي في سورة واحدة أو خمس، لأنها إن كانت ركعة وجبت الواحدة، و إن كانت خمساً فالخمس، و ليس بين ذلك واسطة (1).

و لكن الصحيح ما عليه المشهور، بل لا ينبغي التردّد فيه، لدلالة النصوص عليه صريحاً، ففي صحيحة الحلبي: «و إن شئت قرأت نصف سورة في كلّ‌

____________

(1) الذكرى 4: 210.

30

و الأحوط الأقوى وجوب القراءة عليه من حيث قطع (1)

____________

ركعة ... إلى أن قال: و إن قرأت نصف سورة أجزأك أن لا تقرأ فاتحة الكتاب إلّا في أوّل ركعة حتى تستأنف أُخرى» (1).

و في صحيح علي بن جعفر: «و إن قرأت سورة في الركعتين أو ثلاث فلا تقرأ بفاتحة الكتاب ...» إلخ (2). إذن فمقالة الشهيد اتجاه هاتين الصحيحتين تشبه الاجتهاد في مقابل النص.

(1) فلا يجوز له رفض السورة الناقصة و الشروع في سورة أُخرى، و قد دلّت عليه صريحاً صحيحة زرارة و محمد بن مسلم قال (عليه السلام) فيها: «فان نقصت من السورة شيئاً فاقرأ من حيث نقصت، و لا تقرأ فاتحة الكتاب» (3).

و نسب إلى الشهيدين جواز ذلك (4) استناداً إلى روايتين:

إحداهما: رواية أبي بصير «يقرأ في كل ركعة مثل يس و النور إلى أن قال قلت: فمن لم يحسن يس و أشباهها؟ قال: فليقرأ ستّين آية في كلّ ركعة ...» (5) فانّ مقتضى إطلاق الستين عدم الفرق بين كون الآيات من سورة واحدة أو سؤر عديدة.

و يردّه: مضافاً إلى ضعف السند بعلي بن أبي حمزة البطائني، لزوم تقييد الإطلاق بالصحيحة المتقدّمة، عملًا بصناعة الإطلاق و التقييد.

ثانيتهما: الأخذ بإطلاق النصف في صحيحة الحلبي المتقدّمة آنفاً.

____________

(1) الوسائل 7: 495/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 7.

(2) الوسائل 7: 497/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 13.

(3) الوسائل 7: 494/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 6.

(4) الذكرى 4: 210، الروض 303 السطر 21.

(5) الوسائل 7: 493/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 2.

31

كما أنّ الأحوط و الأقوى عدم مشروعية الفاتحة حينئذ (1)

____________

و فيه: مضافاً إلى ما عرفت من عدم انعقاد الإطلاق لعدم كونها بصدد البيان إلّا من حيث مشروعية التبعيض، أنّ الإطلاق قابل للتقييد بما عرفت.

و منه تعرف ضعف ما عن المبسوط من التخيير بين الأمرين (1).

(1) للنهي عن قراءة الفاتحة قبل استكمال السورة في صحيحة زرارة و محمّد ابن مسلم المتقدّمة، و كذا في صحيحة علي بن جعفر (2)، و هذا ما ذهب إليه الأكثر.

و ناقش فيه شيخنا الأنصاري (قدس سره) (3) نظراً إلى أنّ النهي في أمثال هذه الموارد مسوق لدفع توهّم الأمر، حيث إنّ الواجب أوّلًا الإتيان بخمس فواتح مع خمس سور حسبما نطق به صدر صحيحة الرهط، فالتجويز في تفريق السورة الواحدة لمّا كان مظنة الأمر بالفاتحة لكلّ ركوع فلا جرم كان النهي لدفع هذا التوهّم، فلا يستفاد منه عدم الجواز.

و يعضده التعبير بالإجزاء في هذه الصحيحة و في صحيحة الحلبي، حيث إنّ مقتضاه الفراغ عن الجواز و أصل المشروعية، بيد أنّه يجزي عن الكلّ فاتحة واحدة قبل الركوعات.

و يندفع: بأنّ النهي و إن كان لدفع توهّم الأمر كما أُفيد إلّا أنّ ذلك يكفي في عدم المشروعية، لتوقّفها على ثبوت الأمر و إلّا كان تشريعاً محرّماً و المفروض عدمه، و من البيّن أنّ التعبير بالإجزاء لا يكشف عن ثبوته، لكونه في مقابل وجوب تكرار الفاتحة لا جوازه و مشروعيته. فلا وجوب مع التوزيع، و هو أعم من المشروعية كما لا يخفى.

____________

(1) المبسوط 1: 173.

(2) الوسائل 7: 497/ أبواب صلاة الكسوف الآيات ب 7 ح 13.

(3) كتاب الصلاة: 195 السطر 5.

32

إلّا إذا أكمل السورة، فإنّه لو أكملها وجب عليه في القيام بعد الركوع قراءة الفاتحة (1)، و هكذا كلّما ركع عن تمام سورة وجبت الفاتحة في القيام بعده بخلاف ما إذا لم يركع عن تمام سورة بل ركع عن بعضها فإنّه يقرأ من حيث قطع، و لا يعيد الحمد كما عرفت.

____________

(1) على المشهور، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه، خلافاً لابن إدريس حيث اكتفى بالفاتحة المأتي بها أوّلًا سواء أتمّ السورة أم لا، نظراً إلى أنّ مجموع الركعات الخمس تعدّ ركعة واحدة كما تقدّم، و الركعة الواحدة لا تستوجب إلّا فاتحة واحدة، من غير فرق بين إتمام السورة و عدمه (1).

و فيه: أنّ النصوص من صحيحتي الرهط و علي بن جعفر و غيرهما صريحة الدلالة من غير معارض في لزوم تكرير الفاتحة لدى تتميم السورة. فما أُفيد يشبه الاجتهاد في مقابل النصّ.

و عن الشهيد في الذكرى أنّ لابن إدريس أن يستدلّ برواية عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) «قال: انكسفت الشمس على عهد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) فصلّى ركعتين قام في الأُولى فقرأ سورة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فقرأ سورة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فقرأ سورة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع، فعل ذلك خمس مرات قبل أن يسجد، ثم سجد سجدتين، ثم قام في الثانية ففعل مثل ذلك، فكان له عشر ركعات و أربع سجدات (2)»، حيث لم يذكر الفاتحة في شي‌ء من الركوعات مع ظهورها في إكمال السورة عقيب كلّ ركوع، فانّ مقتضى الجمع بينها و بين سائر الروايات حملها على استحباب الفاتحة مع الإكمال.

ثم أجاب بعدم كونها بصدد ذكر الحمد، للقطع به من سائر الأخبار، و من‌

____________

(1) السرائر 1: 324.

(2) الذكرى 4: 209.

33

نعم لو ركع الركوع الخامس عن بعض سورة (1) فسجد فالأقوى وجوب الحمد بعد القيام للركعة الثانية ثم القراءة من حيث قطع (2).

____________

ثمّ لم تتعرّض له حتّى فيما قبل الركوع الأوّل مع كون وجوبه حينئذ مقطوعاً به من غير نكير.

و قد استجوده صاحب الحدائق (1). و هو في محلّه، مضافاً إلى ضعف الرواية للإرسال، و لم تذكر في شي‌ء من كتب الأخبار لا الوسائل و لا الوافي و لا البحار كما نبّه عليه المحدّث المزبور.

(1) بناءً على جوازه كما هو المشهور، بل لم ينسب الخلاف إلّا إلى الشهيد في الألفية حيث حكم بلزوم تتميم السورة في الركوع الخامس و العاشر (2). و لعلّه لأجل أنّ ذلك هو المنسبق من نصوص التفريق، فانّ المستفاد من صحيحة الرهط و غيرها أنّ اللازم إمّا الإتيان بسورة كاملة لكل ركوع أو توزيعها بتمامها، و أمّا توزيع بعضها فهو خارج عن منصرفها.

و يندفع: بأنّ إطلاقها غير قاصر الشمول لمثل ذلك، سيما صحيحة الحلبي القاضية بالاجتزاء بنصف السورة لكل ركوع، فإنّها صريحة في جواز التبعيض و عدم التكميل، ضرورة أنّ تخصيص كلّ ركوع بالنصف يستلزم النقصان في الركوع الخامس بالوجدان و كذلك العاشر.

(2) أمّا التتميم من محلّ القطع فيقتضيه الإطلاق في صحيحة زرارة و محمّد ابن مسلم: «فأن نقصت من السور شيئاً فاقرأ من حيث نقصت» (3).

و أمّا وجوب الحمد قبل ذلك فقد استقربه العلامة في التذكرة، نظراً إلى أنّه قيام من سجود فوجبت فيه الفاتحة، و إن احتمل العدم أيضاً ضعيفاً (4). و لكن‌

____________

(1) الحدائق 10: 331.

(2) الألفية و النفلية: 74.

(3) الوسائل 7: 494/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 6.

(4) التذكرة 4: 171.

34

و في صورة التفريق يجوز قراءة أزيد من سورة في كلّ ركعة (1) مع إعادة الفاتحة بعد إتمام السورة في القيام اللاحق (2).

[مسائل]

[مسألة 1: لكيفية صلاة الآيات كما استفيد ممّا ذكرنا صور]

[1753] مسألة 1: لكيفية صلاة الآيات كما استفيد ممّا ذكرنا صور (3):

الاولى: أن يقرأ في كلّ قيام قبل كلّ ركوع بفاتحة الكتاب و سورة تامة في كلّ من الركعتين، فيكون كلّ من الفاتحة و السورة عشر مرات، و يسجد بعد الركوع الخامس و العاشر سجدتين.

____________

صاحب الحدائق رجّح ما استضعفه، لمكان النهي عن الفاتحة قبل استكمال السورة في الصحيحة المزبورة و غيرها، حيث إنّها بعمومها شاملة لموضوع المسألة (1)، هذا.

و الأظهر: ما استقربه العلامة، لأنّ مغروسية لزوم الفاتحة في أوّل كلّ ركعة في أذهان المتشرّعة ككون هذه الصلاة ذات ركعتين تستوجب انصراف تلك الصحيحة و غيرها إلى الركوعات المتّصلة المجتمعة في ركعة واحدة، و لا تعمّ مثل المقام ممّا يؤخّر بعض السورة عن الركعة السابقة إلى اللاحقة، بل اللازم حينئذ البدأة بالفاتحة كما لا يخفى، هذا أوّلًا.

و ثانياً: مع الغضّ عن ذلك و تسليم منع الانصراف فيكفينا الإطلاق في صحيحة الحلبي قال (عليه السلام) فيها: «... و إن قرأت نصف سورة أجزأك أن لا تقرأ فاتحة الكتاب إلّا في أوّل ركعة حتّى تستأنف أُخرى ...» إلخ (2)، فإنّ قوله: «أوّل ركعة» مطلق يشمل كلا من الركعتين.

(1) لإطلاق نصوص التفريق.

(2) لقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي المتقدّمة آنفاً: «... حتّى تستأنف أُخرى».

(3) أُصول هذه الصور ثلاثة: التكرار في الكلّ، و التفريق كذلك، و الجمع‌

____________

(1) الحدائق 10: 333.

(2) الوسائل 7: 495/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 7.

35

الثانية: أن يفرّق سورة واحدة على الركوعات الخمسة في كلّ من الركعتين، فيكون الفاتحة مرّتين: مرّة في القيام الأوّل من الركعة الأُولى، و مرّة في القيام الأوّل من الثانية، و السورة أيضاً مرتان.

الثالثة: أن يأتي بالركعة الأُولى كما في الصورة الأُولى، و بالركعة الثانية كما في الصورة الثانية.

الرابعة: عكس هذه الصورة.

الخامسة: أن يأتي في كلّ من الركعتين بأزيد من سورة، فيجمع بين إتمام السورة في بعض القيامات و تفريقها في البعض، فيكون الفاتحة في كلّ ركعة أزيد من مرّة، حيث إنّه إذا أتمّ السورة وجب في القيام اللاحق قراءتها.

السادسة: أن يأتي بالركعة الأُولى كما في الصورة الأُولى و بالثانية كما في الخامسة.

السابعة: عكس ذلك.

الثامنة: أن يأتي بالركعة الأُولى كما في الصورة الثانية و بالثانية كما في الخامسة.

التاسعة: عكس ذلك. و الأولى اختيار الصورة الأُولى.

[مسألة 2: يعتبر في هذه الصلاة ما يعتبر في اليومية]

[1754] مسألة 2: يعتبر في هذه الصلاة ما يعتبر في اليومية من الأجزاء و الشرائط و الأذكار الواجبة و المندوبة (1).

____________

بين الأمرين، و حيث إنّها جارية في كل من الركعتين فلا جرم تبلغ الصور تسعاً نتيجة ضرب الثلاث من الركعة الاولى في الثلاث من الركعة الثانية، تتّفق كيفية الركعتين في ثلاث منها و تختلف في ست. و لمزيد التوضيح يلاحظ التفصيل في المتن، و قد ظهرت مداركها ممّا سبق و لا نعيد.

(1) للإطلاق في أدلّة الأجزاء و الشرائط و الموانع، و كذا الأذكار الواجبة‌

36

[1755] مسألة 3: يستحب في كلّ قيام ثان بعد القراءة قبل الركوع قنوت (1) فيكون في مجموع الركعتين خمس قنوتات، و يجوز الاجتزاء بقنوتين أحدهما قبل الركوع الخامس و الثاني قبل العاشر، و يجوز الاقتصار على الأخير منهما.

____________

و المندوبة، فانّ مثل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا إلى القبلة» (1) أو بطهور (2) و ما دلّ على المنع عن الصلاة فيما لا يؤكل (3) و غير ذلك من سائر الأدلّة ظاهر في اعتبار هذه الأُمور في طبيعي الصلاة بما هي صلاة، الشاملة لليومية و الآيات و غيرهما.

و لو فرض في مورد عدم الإطلاق كما لو كان السؤال عن صلاة الغداة أو الظهر مثلًا فيكفينا في التعدّي إلى المقام الإطلاق المقامي، فانّ السكوت في مقام البيان يقتضي بحسب المتفاهم العرفي الاتّكال في بيان الخصوصيات على ما هو مذكور في اليومية إلّا ما خرج بالدليل كتعدد الركوعات في هذه الصلاة، فعدم البيان كاشف عرفاً عن الاتحاد في جميع الخصوصيات، و أنّها مترتّبة على اليومية بما أنّها صلاة لا بما أنّها صلاة خاصة.

و من هنا نبّهوا (عليهم السلام) على عدم اعتبار الطهارة في صلاة الأموات و أنّها من خصوصيات الصلاة المشتملة على الركوع و السجود غير المنطبقة عليها. فلو لم تكن تلك الأُمور معتبرة في صلاة الآيات كان عليهم البيان كما بيّنوا في صلاة الأموات.

(1) كما تدلّ عليه جملة من النصوص كصحاح زرارة و الرهط و الحلبي المتقدّمات (4). و أمّا الاجتزاء بقنوتين أحدهما قبل الركوع الخامس و الثاني قبل‌

____________

(1) الوسائل 4: 300/ أبواب القبلة ب 2 ح 9.

(2) الوسائل 1: 365/ أبواب الوضوء ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 4: 345/ أبواب لباس المصلي ب 2.

(4) الوسائل 7: 494/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 6، 1، 7 [لكن الأخيرة لم تشتمل على ما يدلّ على ذلك].

37

[مسألة 4: يستحب أن يكبّر عند كلّ هوي للركوع و كلّ رفع منه]

[1756] مسألة 4: يستحب أن يكبّر عند كلّ هوي للركوع و كلّ رفع منه (1).

____________

العاشر فمستنده مرسلة الصدوق (1) التي لا اعتبار بها. و أمّا الاقتصار على الأخير منهما فلم ترد به و لا رواية ضعيفة.

و ربما يعلّل باستفادته ممّا دلّ على كون هذه الصلاة ركعتين بضميمة ما دلّ على اتحاد القنوت في الركعتين. و فيه ما لا يخفى، فانّ مورد نصوص الاتحاد الصلوات المتعارفة المشتمل كلّ ركعة منها على ركوع واحد، و أمّا مع تعدّد الركوع المأمور به فلا تتضمّن تلك النصوص تعيين مورد القنوت و أنّه قبل أي ركوع منها. فالتخصيص بما قبل الأخير بلا مخصص، هذا.

و مع ذلك فالأقوى جواز الاقتصار على قنوت واحد حيثما شاء، سواء أ كان قبل الركوع الثاني أو الرابع أو السادس أو الثامن أو العاشر، لورود الأمر بكلّ ذلك في صحيح الرهط المتقدّم (2) الظاهر في الانحلال و الاستغراق و أنّ هناك أوامر عديدة مستقلة لا ربط لأحدها بالآخر، له الاجتزاء بأيّ منها شاء و إن كان الجمع بينها أفضل.

نعم، الأمر الوارد في صحيح زرارة: «و تقنت في كلّ ركعتين قبل الركوع» (3) لا يخلو عن نوع من الإجمال، لاحتمال الارتباط و أنّ هناك أمراً واحداً متعلّقاً بالمجموع، كما يحتمل الاستقلال و الانحلال أيضاً، إلّا أنّ صحيح الرهط صريح في ذلك كما عرفت.

(1) لورود الأمر به في صحيح زرارة و محمد بن مسلم، كورود الأمر بالتسميع فيه و في صحيح الحلبي بعد الرفع من الركوع الخامس و العاشر فلاحظ.

____________

(1) الوسائل 7: 495/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 9، الفقيه 1: 347 ذيل ح 1534.

(2) الوسائل 7: 492/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 1.

(3) الوسائل 7: 494/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 6.

38

[مسألة 5: يستحب أن يقول: «سمع اللّٰه لمن حمده» بعد الرفع من الركوع الخامس و العاشر]

[1757] مسألة 5: يستحب أن يقول: «سمع اللّٰه لمن حمده» بعد الرفع من الركوع الخامس و العاشر.

[مسألة 6: هذه الصلاة حيث إنّها ركعتان حكمها حكم الصلاة الثنائية في البطلان]

[1758] مسألة 6: هذه الصلاة حيث إنّها ركعتان (1) حكمها حكم الصلاة الثنائية في البطلان إذا شك في الأُولى أو الثانية (2) و إن اشتملت على خمس ركوعات في كلّ ركعة، نعم إذا شك في عدد الركوعات كان حكمها حكم أجزاء اليومية (3) في أنّه يبني على الأقل إن لم يتجاوز المحل

____________

و هل هذا الأمر استحبابي أو وجوبي؟ لم يظهر من شي‌ء من الروايات ما يدلّ على جواز الترك، و من هنا قد يتمسّك بالإجماع في نفي الوجوب، إذ لا قائل به، لكن الظاهر عدم الحاجة إلى الإجماع في نفيه، لقصور المقتضي في حدّ نفسه، فانّ المتفاهم عرفاً من الأمر المتعلّق بالتكبير و التسميع و كذا القنوت في هذه الصلاة أنّه على حذو الأمر المتعلّق بهذه الأُمور في الصلاة اليوميّة، و أنّ كيفيّة الاعتبار فيهما على حدّ سواء، لما عرفت في المسألة السابقة من أنّ ذلك هو مقتضى الإطلاق المقامي و السكوت في مقام البيان، و حيث إنّ تلك الأوامر استحبابيّة في اليوميّة فكذا في المقام.

(1) كما تقدّم (1) استفادته من النصوص.

(2) لإطلاق ما دلّ على مبطلية الشك في الثنائيّة كمبطليّته في الأوّلتين من الرباعية، و أنّهما فرض اللّٰه لا سهو فيهما (2) أي لا شكّ. و هل الظنّ هنا حجّة أم أنّه ملحق بالشكّ؟ الأقوى حجّيته كما سيأتي الكلام عنه مفصّلًا في بحث الخلل إن شاء اللّٰه تعالى (3).

(3) من البناء على الأقل مع بقاء المحلّ كما لو كان في حال القيام، عملًا‌

____________

(1) في ص 24.

(2) الوسائل 8: 193/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2، 187/ ب 1 ح 1 و غيره.

(3) شرح العروة 18: 217.

39

و على الإتيان إن تجاوز، و لا تبطل صلاته بالشك فيها، نعم لو شك في أنّه الخامس فيكون آخر الركعة الأُولى أو السادس فيكون أوّل الثانية بطلت من حيث رجوعه إلى الشك في الركعات.

[مسألة 7: الركوعات في هذه الصلاة أركان تبطل بزيادتها و نقصها عمداً و سهواً]

[1759] مسألة 7: الركوعات في هذه الصلاة أركان تبطل بزيادتها و نقصها عمداً و سهواً كاليومية (1).

____________

بالاستصحاب و قاعدة الشكّ قبل تجاوز المحلّ المنصوصة في الأخبار (1)، و عدم الاعتناء مع التجاوز كما لو كان بعد الدخول في السجود، لقاعدة التجاوز.

و هل الدخول فيما يسمّى بالجزء الاستحبابي كالقنوت مورد لقاعدة التجاوز أم لا؟ الظاهر الثاني، لعدم تعقّل الجمع بين الجزئية و الاستحباب، فهو عمل خارجي ظرفه الصلاة، فالدخول فيه لا يحقّق الدخول في الغير كي يقتضي تجاوز المحلّ. و سيأتي تفصيل الكلام حول ذلك في مبحث الخلل إن شاء اللّٰه تعالى (2).

هذا كله فيما إذا لم يستوجب الشك في الركوع الشك في الركعة، و أمّا لو أوجبه كما تردّد الركوع بين الخامس و السادس فهو موجب للبطلان، لأوْلِه إلى الشك بين الاولى و الثانية الذي مرّ حكمه.

(1) أمّا البطلان في فرض النقص فظاهر، لانتفاء المركّب بانتفاء أحد أجزائه، و لا دليل على الاجتزاء بالناقص عن التامّ في المقام، بل الدليل قائم على العدم و هو عقد الاستثناء في حديث لا تعاد (3)، بلا فرق في ذلك بين صورتي العمد و السهو.

و أمّا البطلان في فرض الزيادة فكذلك، للحديث المزبور بناء على ما هو الصحيح من شموله لمطلق الإخلال، سواء أ كان من ناحية النقص أم الزيادة‌

____________

(1) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1 و غيره.

(2) شرح العروة 18: 134.

(3) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

40

[مسألة 8: إذا أدرك من وقت الكسوفين ركعة فقد أدرك الوقت]

[1760] مسألة 8: إذا أدرك من وقت الكسوفين ركعة فقد أدرك الوقت (1) و الصلاة أداء، بل و كذلك إذا لم يسع [1] وقتهما إلّا بقدر الركعة، بل و كذا إذا قصر عن أداء الركعة أيضاً.

____________

فإنّها و إن لم تتصوّر في بعض الفقرات لكنّه غير مانع عن التمسك بالإطلاق كما بيّن في محلّه (1).

و لعموم ما دلّ على وجوب الإعادة بزيادة الركوع كصحيحة منصور عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة قال: لا يعيد صلاة من سجدة، و يعيدها من ركعة» (2) بناء على إرادة الركوع من الركعة بقرينة المقابلة مع السجدة.

هذا في الزيادة السهوية، و أمّا العمدية فيدلّ عليه مضافاً إلى الأولوية القطعيّة ما ورد من النهي عن قراءة العزيمة في الفريضة معلّلًا بلزوم السجدة و أنّها زيادة في المكتوبة (3) بضميمة ما سبق في بحث القراءة من شمول الحكم للركوع بالفحوى (4).

(1) التمسك بحديث من أدرك (5) في المقام كما هو ظاهر المتن مشكل جدّاً، لما تقدّم في بحث المواقيت من ضعف روايات الباب عدا رواية واحدة وردت في صلاة الفجر، و يتعدّى إلى غيرها من سائر الصلوات اليومية، للإجماع و القطع بعدم خصوصية للفجر (6).

____________

[1] على الأحوط فيه و فيما بعده.

____________

(1) شرح العروة 18: 49.

(2) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2.

(3) الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

(4) شرح العروة 14: 306.

(5) الوسائل 4: 217/ أبواب المواقيت ب 30.

(6) شرح العروة 11: 232.

41

..........

____________

و أمّا التعدّي إلى غير اليومية فلا دليل عليه و لا إجماع يقتضيه بعد كونه مخالفاً لمقتضى القاعدة.

و أشكل من ذلك التمسك بالحديث فيما إذا لم يسع الوقت إلّا بقدر الركعة، إذ على تقدير تسليم التعدّي إلى غير اليومية لا يكاد يشمل الحديث مثله، لاختصاص مورده بصورة صلاحية الوقت لتمام العمل فيه غير أنّ المكلّف لم يدرك أكثر من مقدار الركعة، دون ما لم يكن صالحاً له في حدّ نفسه.

و من هنا استشكل جمع كالمحقّق في الشرائع (1) و غيره في أصل الوجوب في الفرض بناء على التوقيت لامتناع التكليف بشي‌ء في ظرف لا يسعه و لا يكون صالحاً لوقوعه فيه.

و أوضح إشكالًا ما لو كان الوقت قاصراً عن أداء الركعة أيضاً، إذ لا مجال لتطبيق الحديث حينئذ بوجه كما لا يخفى.

فهذه الفروع بناء على التوقيت الذي هو مختار المتن في غاية الإشكال.

لكن الذي يهوّن الخطب أنّ التوقيت بالمعنى المتعارف أعني التحديد من ناحية المبدأ و المنتهى كما في الظهرين غير ثابت في هذه الصلاة، لقصور الأدلّة عن إثباته، و إنّما المستفاد منها كما أشرنا إليه سابقاً (2) التوقيت من ناحية المبدأ فقط، و هو من حين الأخذ إلى الشروع في الانجلاء أو إلى تمام الانجلاء على الخلاف، و إن كان الثاني أقوى كما مر (3).

و أمّا من ناحية المنتهي فلا تحديد فيها، نعم ظاهرها بمقتضى الإطلاق مراعاة التحديد من كلا الجانبين. إلا أنّه يرفع اليد عن هذا الظهور لروايتين دلّتا على جواز التأخير و لو بإطالة الصلاة إلى ما بعد الانجلاء حتى اختياراً، فضلًا عن الاضطرار كما في المقام، بل يظهر منهما أنّ ذلك هو الأفضل.

____________

(1) لاحظ الشرائع 1: 124.

(2) في ص 16 و ما بعد.

(3) في ص 20.

42

[مسألة 9: إذا علم بالكسوف أو الخسوف و أهمل حتى مضى الوقت عصى]

[1761] مسألة 9: إذا علم بالكسوف أو الخسوف و أهمل حتى مضى الوقت عصى و وجب القضاء، و كذا إذا علم ثم نسي وجب القضاء، و أمّا إذا لم يعلم بهما حتى خرج الوقت الذي هو تمام الانجلاء فان كان القرص محترقاً وجب القضاء، و إن لم يحترق كلّه لم يجب (1).

____________

ففي صحيح الرهط «صلّاها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و الناس خلفه في كسوف الشمس، ففرغ حين فرغ و قد انجلى كسوفها» (1) و في موثّقة عمار «قال: إن صلّيت الكسوف إلى أن يذهب الكسوف عن الشمس و القمر و تطوّل في صلاتك فانّ ذلك أفضل» (2).

و عليه فتتّصف الصلاة بكونها أداءً في جميع هذه الفروع لا لقاعدة من أدرك بل لعدم التوقيت من ناحية المنتهي، و حصول التوقيت الملحوظ من حيث المبدأ. و التكليف بالمحال إنّما يتّجه لو كان التوقيت من الطرفين، فلا مجال لتوهّم السقوط. فما ذكره في المتن هو الصحيح و إن كان التعليل المستفاد منه عليلًا.

(1) المشهور وجوب القضاء فيما لو علم بالكسوف أو الخسوف و ترك الصلاة حتى مضى الوقت عصياناً أو نسياناً أو لعذر آخر، و أمّا مع الجهل فيفصّل بين صورتي الاحتراق التام و عدمه، فيجب القضاء في الأوّل دون الثاني، و هذا هو الأقوى. و نسب إلى المفيد (3) و جماعة وجوب القضاء مطلقا.

و تفصيل الكلام: أنّ الإطلاق في الأدلّة الأوّلية المتكفّلة لوجوب القضاء مثل صحيحة زرارة «سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها، قال: يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها» (4) غير قاصر‌

____________

(1) الوسائل 7: 492/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 7 ح 1.

(2) الوسائل 7: 498/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 8 ح 2. [و لا يخفىٰ أنّه رماها في ص 17 بالضعف من جهة علي بن خالد، و لكن سيأتي في ص 44 توضيح ذلك منه].

(3) المقنعة: 211.

(4) الوسائل 8: 256/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3.

43

..........

____________

الشمول للمقام، لما عرفت من أنّ هذه الصلاة من مصاديق الصلاة حقيقة، لاشتمالها على الركوع و السجود و سائر ما يعتبر فيها من الأجزاء و الشرائط، فلو كنّا نحن و تلك الأدلّة كان اللازم الحكم بوجوب القضاء في المقام على الإطلاق.

إلّا أنّه قد وردت في المقام نصوص خاصة تضمنت نفي القضاء مطلقاً كصحيحة علي بن جعفر: «سألته عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء؟ قال: إذا فاتتك فليس عليك قضاء» المؤيّدة بروايتي الحلبي و جامع البزنطي (1)، و حيث إنّ هذه النصوص أخصّ مطلقاً من تلك الإطلاقات كان اللازم بمقتضى صناعة الإطلاق و التقييد حملها عليها و الالتزام بعدم وجوب القضاء في المقام على الإطلاق.

غير أنّ هذه الطائفة من النصوص في أنفسها مبتلاة بالمعارض، لوجود طائفة أُخرى تضمنت وجوب القضاء مطلقاً، بحيث كانت النسبة بينهما هي التباين الكلّي، و هي روايتان:

إحداهما: مرسلة حريز «إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلّي فليغتسل من غدٍ و ليقض الصلاة، و إن لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلّا القضاء بغير غسل» (2)، تضمنت أمرين: وجوب القضاء مطلقاً و ضمّ الغسل في فرض العلم، و قد مرّ في بحث الأغسال أنّ الغسل للآيات ليس عليه دليل معتبر (3).

الثانية: رواية أبي بصير «سألته عن صلاة الكسوف إلى أن قال: فإذا أغفلها أو كان نائماً فليقضها» (4).

لكن الذي يهوّن الخطب أنّ الروايتين ضعيفتا السند للإرسال في الاولى‌

____________

(1) الوسائل 7: 501/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 10 ح 7، 9، 11.

(2) الوسائل 7: 500/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 10 ح 5.

(3) لاحظ شرح العروة 10: 63.

(4) الوسائل 7: 501/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 10 ح 6.

44

..........

____________

و لعدم وثاقة علي بن أبي حمزة البطائني قائد أبي بصير في الثانية، فلا تصلحان للمعارضة مع النصوص السابقة. و مع التسليم فيمكن الجمع بينهما، لوجود شاهد الجمع كما ستعرف، هذا كلّه في أصل وجوب القضاء.

و أمّا بالنسبة إلى خصوصيات المكلّف فقد يكون عالماً في الوقت فلم يصلّ عصياناً أو نسياناً أو لعذر آخر، و قد يكون جاهلًا.

أمّا في فرض العلم فالظاهر أنّه لا ينبغي الإشكال في وجوب القضاء لموثّقة عمّار «... و إن أعلمك أحد و أنت نائم فعلمت ثمّ غلبتك عينك فلم تصلّ فعليك قضاؤها» (1). رواها في الوسائل عن الشيخ بطريقين (2)، في أحدهما ضعف لمكان علي بن خالد، فإنّه كان زيدياً ثم عدل إلى الحقّ، و لم يرد فيه مدح و لا توثيق. و أمّا الطريق الآخر فصحيح، لصحّة إسناد الشيخ إلى عمّار (3) فتصبح الرواية موثّقة، هذا من حيث السند.

و أمّا الدلالة فموردها و إن كان غلبة النوم إلّا أنّه يتعدّى إلى العصيان و النسيان، إمّا من جهة الأولوية في الأوّل و القطع بعدم الفرق بين الثاني و بين النوم، فلا خصوصية فيه و إنّما ذكر مثالًا لمطلق العذر. أو من جهة استفادة التعدّي من نفس الرواية، و ذلك لمكان التفريع في قوله (عليه السلام): «فلم تصلّ»، إذ لو كان العطف بالواو لأمكن احتمال أن يكون لغلبة النوم خصوصية في وجوب القضاء، و أنّ الحكم مترتّب على مجموع الأمرين من النوم و ترك الصلاة في الوقت، لكنّ التفريع بالفاء يدفع الاحتمال، و يوجب قوة الظهور في أنّ تمام الموضوع لوجوب القضاء إنّما هو مطلق ترك الصلاة.

و إنّما ذكرت غلبة النوم توطئة و مقدمة لذلك، لا لخصوصية فيها، فكأنّه (عليه السلام) قال: إن أعلمك أحد فلم تصلّ. و النوم من أحد الأسباب لترك الصلاة، من دون دخالته في تعلّق الحكم.

____________

(1) الوسائل 7: 501/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 10 ح 10.

(2) التهذيب 3: 291/ 876، الإستبصار 1: 454/ 1760.

(3) الفهرست: 117/ 515.

45

..........

____________

و على أيّ حال فهذه الموثّقة صريحة في وجوب القضاء في فرض العلم، فتكون مخصّصة لما دلّ على عدم ثبوته مطلقاً كصحيحة علي بن جعفر المتقدّمة. و يؤيد الوجوب مرسلة الكليني الصريحة في ثبوت القضاء في فرض النسيان (1) الملازم طبعاً لسبق العلم.

ثمّ إنّ صاحب الوسائل قال بعد ذكر هذه المرسلة ما لفظه: محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حمّاد مثله.

و الظاهر أنّ هذا سهو من قلمه الشريف أو من غلط النسّاخ، فانّ هذه المرسلة لم يروها الشيخ عن حمّاد، نعم الرواية السابقة التي رواها في الوسائل قبل هذه المرسلة متّصلًا رواها عنه، فحقّ العبارة أن تذكر عقيب تلك الرواية. و كيف ما كان، فلا شك في وجوب القضاء في فرض العلم.

و أمّا في فرض الجهل فقد وردت هناك روايات دلّت على التفصيل بين الاحتراق التام و عدمه، و أنّه يجب القضاء في الصورة الأُولى دون الثانية عمدتها صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (2)، و تكون هذه الصحيحة وجهاً للجمع بين الطائفتين الأُوليين لو سلّم صحة سند الثانية و استقرار المعارضة بينهما، فتحمل الاولى على صورة الاحتراق الناقص و الثانية على التام و كلاهما في فرض الجهل. لكن أشرنا إلى ضعف الطائفة الثانية في نفسها و عدم صلاحيتها للمعارضة، هذا.

و من جملة هذه الروايات المفصّلة ما رواه الصدوق بإسناده عن الفضيل بن يسار و محمّد بن مسلم (3)، و قد عبّر عنها في الحدائق بالصحيحة (4)، و تبعه‌

____________

(1) الوسائل 7: 500/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 10 ح 3، الكافي 3: 465/ ذيل ح 6.

(2) الوسائل 7: 500/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 10 ح 2.

(3) الوسائل 7: 499/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 10 ح 1، الفقيه 1: 346/ 1532.

(4) الحدائق 10: 318.

46

و أمّا في سائر الآيات فمع تعمّد التأخير يجب الإتيان بها ما دام العمر، و كذا إذا علم و نسي، و أمّا إذا لم يعلم بها حتى مضى الوقت أو حتى مضى الزمان المتصل بالآية ففي الوجوب بعد العلم إشكال [1] لكن لا يترك الاحتياط بالإتيان بها ما دام العمر فوراً ففوراً (1).

____________

المحقّق الهمداني (1) و غيره. و ليس الأمر كذلك على مسلكهم، فانّ طريق الصدوق إلى ابن مسلم ضعيف (2)، و طريقه إلى الفضيل بن يسار فيه علي بن الحسين السعدآبادي (3) و لم يوثّق.

نعم، بناءً على مسلكنا من توثيق رجال كامل الزيارات تتّصف الرواية بالصحة، لوجود السعدآبادي في إسناده، فإنّه شيخ ابن قولويه. فليس للحدائق و من تبعه توصيف الرواية بالصحة بعد ما عرفت من وجه الضعف و وضوح عدم سلوكهم مسلكنا في التوثيق (4).

و أمّا ما تقدّم عن المفيد من القضاء مطلقاً فليس له وجه ظاهر عدا الإطلاق في مرسلة حريز و رواية أبي بصير، و قد عرفت حالهما من ضعف السند و أنّه على تقدير الصحة يقيّدان بهذه الصحيحة و غيرها.

(1) يقع الكلام تارة في فرض العلم بالآية و ترك الصلاة إمّا عصياناً أو نسياناً أو لعذر آخر، و أُخرى في صورة الجهل، فهنا مقامان:

أمّا المقام الأوّل: فالمشهور شهرة عظيمة حتى قال في الجواهر: لا أجد فيه خلافاً (5) وجوب القضاء بناء على وجوب الأداء في الزلزلة. و يستدل على الوجوب بوجوه:

____________

[1] الظاهر أنّه لا إشكال فيه و لا سيما في الزلزلة.

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 482 السطر 8.

(2) الفقيه 4 (المشيخة): 6، 32.

(3) الفقيه 4 (المشيخة): 6، 32.

(4) شمول توثيق ابن قولويه لمشايخه بلا واسطة لعلّه مسلّم عند الكل.

(5) الجواهر 11: 434.

47

..........

____________

أحدها: أنّ وجود السبب و تحقّق الآية كما يقتضي الأداء يستوجب القضاء أيضاً.

و هذا الوجه ظاهر الضعف، لأنّا إن بنينا على أنّ هذه الصلاة من الموقتات كما هو الصحيح بالمعنى المتقدّم (1) إمّا من حين الآية أو في الزمان المتصل بها كما في الزلزلة فلا شكّ في سقوط الوجوب بانقضاء الوقت، لأنّ مقتضى التوقيت محدودية التكليف بزمان خاص، فيرتفع بارتفاعه لا محالة، فيحتاج القضاء إلى دليل آخر غير الدليل الأوّل المتكفّل للأداء، لقصوره عن التعرّض لذلك كما هو ظاهر.

و إن بنينا على عدم التوقيت فمجرّد السبب و إن كان كافياً لكنّه حينئذ أداء ما دام العمر، فلا موضوع للقضاء أصلًا، لتقوّمه بالتوقيت المنفي حسب الفرض.

الثاني: عدم القول بالفصل، فانّ كلّ من قال بوجوب القضاء عند الاحتراق إذا كان جزئياً قال به في سائر الآيات أيضاً. فالتفكيك قول بالفصل، و هو خرق للإجماع المركّب. و من أجل هذا ذكر المحقّق الهمداني (قدس سره) أنّ الوجوب لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط (2).

و فيه: أنّ غايته أنّه لم يوجد هناك خلاف في الخارج، و لم يكن قائل بالفصل و ليس هذا من الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام)، بل أقصاه أنّ القضاء هنا هو المشهور، و لا حجية للشهرة.

الثالث: عموم من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته (3) الشامل بإطلاقه لصلاة الآيات.

و أجاب عنه في المدارك بانصراف الفريضة إلى خصوص اليومية (4) كما قد‌

____________

(1) في ص 22.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 483 السطر 11.

(3) الوسائل 8: 268/ أبواب قضاء الصلوات ب 6 ح 1.

(4) المدارك 4: 134.

48

..........

____________

يقتضيه التشبيه في قوله: كما فاتته، الناظر إلى المماثلة من حيث القصر و التمام.

و أيّده المحقّق الهمداني (قدس سره) (1) بأنّ الفريضة قد وقعت في قبال صلاة الآيات في أخبار الكسوف و الخسوف (2).

لكن الظاهر أنّ دعوى الانصراف كالتأييد في غير محلّها، فانّ للفريضة إطلاقين: أحدهما خصوص ما فرضه اللّٰه في كتابه، الثاني: مطلق الفرض و لو ثبت بالسنة، في قبال التطوّع. و أكثر إطلاقها في لسان الأخبار إنّما هو بالمعنى الثاني ما لم تقم قرينة على الخلاف كما في مورد التأييد، حيث إنّ وقوع المقابلة بينها و بين صلاة الآيات قرينة على إرادة اليومية منها التي هي فرض ثابت بالكتاب، و إلّا فالغالب إطلاقها في قبال التطوّع كما عرفت، بل قد أُطلق لفظ الفريضة على نفس صلاة الآيات في كثير من الأخبار (3).

فدعوى الانصراف ساقطة، و لا قصور في العموم في شموله للمقام، لكن الشأن في ثبوت العموم في حدّ نفسه، فانّ هذه الرواية لم تثبت من طرقنا، بل و لا من طرق العامة كما قيل، نعم اشتهر هذا المضمون في ألسنة الفقهاء، فغايته أنّها رواية مرسلة لا يعتدّ بها.

الرابع: الاستصحاب. و فيه: مضافاً إلى عدم حجيّته في الشبهات الحكمية أنّ هذا الواجب من الموقتات كما مرّ، و مقتضاه سقوط التكليف بانقضاء الوقت، و بعد ذلك يشك في حدوث تكليف جديد، و المرجع في مثله أصالة البراءة دون الاستصحاب.

الخامس: و هو العمدة التمسّك بإطلاق صحيح زرارة: «عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها، قال: يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار ...» إلخ (4)، فانّ المذكور فيها لفظ الصلاة‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة) 482 السطر 29.

(2) الوسائل 7: 490/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 5.

(3) الوسائل 7: 483/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 1.

(4) الوسائل 8: 256/ أبواب قضاء الصلوات ب 2 ح 3.

49

..........

____________

و لا قصور في شمولها لصلاة الآيات، فلو سلّم الانصراف في لفظ الفريضة إلى اليومية لا وجه لتوهّمه في لفظ الصلاة.

نعم، قد اشتمل ذيل الصحيحة على لفظ الفريضة، قال (عليه السلام): «و لا يتطوّع بركعة حتّى يقضي الفريضة كلّها» الكاشف عن إرادتها من الصلاة المذكورة في الصدر. لكنّه في مقابل التطوّع، فلا يقدح في الاستدلال كما لا يخفى.

و أمّا المقام الثاني: أعني القضاء في فرض الجهل، فالمعروف و المشهور بينهم بل لم ينقل الخلاف من أحد كما في الجواهر (1) عدم وجوبه، و عن بعض المتأخّرين وجوبه.

و جميع ما ذكرناه في المقام الأوّل من الوجوه التي استدلّ بها للوجوب مع مناقشاتها جار في المقام أيضاً إلّا الوجه الثاني و هو عدم القول بالفصل، لأنّ المشهور عدم وجوب القضاء في فرض الجهل عند عدم الاحتراق لا وجوبه كما كان في فرض العلم، فلا ملازمة بين الموردين من حيث الوجوب.

و يؤيّد المقام بمناقشة ثالثة في الاستصحاب و هو عدم كون الوجوب متيقّناً بل عدم الالتفات إلى وقوع الآية غالباً من جهة نوم و نحوه، فإنّ فرض التوجّه و الشكّ في وقوعها كما لو أحس بحركة و شك في أنّها من جهة الزلزلة أو من أثر سرعة مرور الطائرة العظيمة شاذ نادر، و عليه فلم يكن حال وقوع الآية مكلّفاً ليكون متيقّناً فيستصحبه، و أمّا بعده فهو شاك في تعلّق التكليف و مقتضى الأصل البراءة عنه.

و حيث كان الوجه الخامس سليماً عن أيّة مناقشة فاللازم هو الحكم بوجوب القضاء هنا أيضاً كما ذهب إليه بعض المتأخّرين.

و أمّا ما التزم به المشهور من عدم وجوب القضاء فلم يعرف وجهه سوى ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) من فحوى سقوطه في الكسوف الذي هو أقوى في الوجوب قطعاً (2).

و لكنّه كما ترى، فانّ الكسوف له فردان أحدهما: مع الاحتراق، و حكمه‌

____________

(1) الجواهر 11: 430.

(2) الجواهر 11: 430.

50

[مسألة 10: إذا علم بالآية و صلّى ثم بعد خروج الوقت أو بعد زمان الاتصال بالآية]

[1762] مسألة 10: إذا علم بالآية و صلّى ثم بعد خروج الوقت أو بعد زمان الاتصال بالآية تبيّن له فساد صلاته وجب القضاء (1) أو الإعادة.

[مسألة 11: إذا حصلت الآية في وقت الفريضة اليومية فمع سعة وقتهما]

[1763] مسألة 11: إذا حصلت الآية في وقت الفريضة اليومية فمع سعة وقتهما مخيّر بين تقديم أيّهما شاء و إن كان الأحوط تقديم اليومية، و إن ضاق وقت إحداهما دون الأُخرى قدّمها، و إن ضاق وقتهما معاً قدّم اليومية (2).

____________

وجوب القضاء. ثانيهما: مع عدمه، و حكمه سقوطه عند الجهل. و مع هذا الاختلاف ما هو الموجب لإلحاق سائر الآيات بأحد الفردين دون الآخر.

و بعبارة أُخرى: التفصيل المزبور يكشف عن أن مجرّد الكسوف المقرون بالجهل لم يكن علّة للسقوط، بل بضميمة ما يختص بالمورد و هو كون الاحتراق ناقصاً، و معه لا موضوع للفحوى (1). فلا مجال للتعدّي.

(1) و ذلك فلأنّ المسألة بحدّها و إن لم تكن منصوصة إلّا أنّه يمكن استفادة حكمها من إطلاق موثّقة عمّار المتقدّمة في المسألة السابقة (2) حيث يستفاد منه وجوب القضاء في فرض العلم بالآية و لم يصلّ و لو كان من جهة اشتمالها على الخلل، فانّ موردها و إن كان غلبة العين إلّا أنّك عرفت فيما سبق أنّه لا خصوصية لذلك، بل هي من باب المثال و أنّ المعيار ترك الصلاة بتمامها أو ببعض خصوصياتها، فكما أنّه لو تبيّن الخلل أثناء الوقت تجب الإعادة بمقتضى الاشتغال فكذلك لو كان التبيّن بعد الوقت، لإطلاق الموثقة.

(2) ما ذكره (قدس سره) من أحكام صور المسألة هو المعروف و المشهور بينهم و لا سيما المتأخّرين منهم، كما أنّها مطابقة لما تقتضيه القاعدة.

أمّا في صورة سعة الوقت لكلّ من صلاتي اليومية و الآية فلعدم التزاحم‌

____________

(1) مناط الفحوى دعوى أقوائية الوجوب، و القائل بها يرى تحقّقها في كلا فردي الكسوف بملاك واحد، و معه يتعيّن الإلحاق بالفرد الثاني لاختصاص الفحوى به كما لا يخفى، اللّهم إلّا أن يناقش في الدعوى المزبورة من أصلها.

(2) الوسائل 7: 501/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 10 ح 10، و قد تقدّمت في ص 44.

51

..........

____________

بينهما إذ المفروض سعة الوقت، و مقتضاها جواز تقديم أيّهما شاء.

و أمّا في فرض ضيق الوقت عن الإتيان بهما فيه معاً فلأهمّية اليومية على ما يستفاد ممّا ورد من عدم سقوط الصلاة بحال (1) فتقدّم لدى المزاحمة لا محالة.

و أمّا في صورة ضيق وقت خصوص اليومية فالتقديم فيها أظهر، فإنّه في الفرض السابق الذي كان وقت الآية أيضاً مضيّقاً حكمنا بتقديم اليومية من جهة الأهمّية، فما ظنّك بما إذا كان وقت الآية موسّعاً.

و أمّا في فرض ضيق وقت الآية فقط فلعدم التزاحم بين الموسّع و المضيّق هذا.

مضافاً إلى أنّه قد دلّت الروايات الخاصّة على حكم الصورة الأُولى و هي سعة الوقت لهما بل و كذا الثالثة، أعني ضيق وقت اليومية خاصّة.

و لكن مع ذلك فقد ذهب جمع كالصدوقين (2) و الشيخ (3) و ابني حمزة (4) و البراج (5) و الشهيد (6) إلى وجوب تقديم الفريضة حتّى في سعة الوقت لهما. كما أنّه نسب إلى بعض كابن أبي عقيل (7) و الآبي (8) و الحلّي (9) القول بوجوب تقديم صلاة الكسوف و لو في السعة لهما.

أمّا القائلون بتقديم الفريضة فقد استدلّوا بصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة‌

____________

(1) الوسائل 2: 373/ أبواب الاستحاضة ب 1 ح 5.

(2) الفقيه 1: 347 ذيل ح 1534، المقنع: 143، و حكاه عنهما في المختلف 2: 297 المسألة 182، فقه الرضا: 135.

(3) النهاية: 137.

(4) الوسيلة: 112.

(5) المهذّب 1: 125.

(6) لاحظ الذكرى 4: 223، الدروس 1: 195، البيان: 208.

(7) حكاه عنه في المختلف 2: 297 المسألة 182.

(8) كشف الرموز 1: 191.

(9) السرائر 1: 323.

52

..........

____________

فقال: ابدأ بالفريضة، فقيل له: في وقت صلاة الليل؟ فقال: صلّ صلاة الكسوف قبل صلاة الليل» (1)، فانّ موضوع هذه الصحيحة باعتبار التعبير بالبدأة هو سعة الوقت لكلّ من الصلاتين، إذ الابتداء يستدعي الانتهاء و أن يكون الوقت صالحاً لوقوع الصلاتين فيه معاً مقدّماً لأيّ منهما شاء تعييناً أو تخييراً. و أمّا إذا لم يكن الوقت صالحاً و واسعاً إلّا لإحداهما لكان المناسب التعبير بمثل قولنا: ائت بالفريضة، و قد أمر (عليه السلام) في هذا الفرض بتقديم الفريضة، و ظاهر الأمر الوجوب، فلا بدّ من تقديمها على الكسوف.

و الإنصاف: أنّ دلالة هذه الصحيحة في نفسها لا قصور فيها، بحيث لو كنّا نحن و هذه الرواية لحكمنا بذلك، إلّا أنّ الدليل الخارجي و هو صحيحته الثالثة الآتية دلّ على جواز الإتيان بصلاة الآية قبل الفريضة، فيكون الأمر في هذه الصحيحة محمولًا على الاستحباب و يرفع اليد عن ظاهره، فله تقديم صلاة الآية و إن كان الأولى تقديم الفريضة.

و أمّا القائلون بتقديم صلاة الآية حتّى في السعة فمستندهم هو ما رواه بريد ابن معاوية و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) «قالا: إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها ما لم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة، فإن تخوّفت فابدأ بالفريضة، و اقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف فاذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت، و احتسب بما مضى» (2)، فإنّه (عليه السلام) في غير فرض تخوّف ذهاب وقت الفريضة أمر بإتيان صلاة الكسوف، و إطلاقه شامل لفرض سعة الوقت لكلتا الصلاتين و ظاهر الأمر الوجوب، فلا بدّ من تقديم صلاة الآية على الفريضة.

و فيه: بعد الغضّ عن ضعف سند الرواية و إن عبّر عنها في الحدائق بالصحيحة (3) و تبعه غير واحد ممّن تأخّر عنه، لكنّه و هم، فانّ بريداً و محمّد بن‌

____________

(1) الوسائل 7: 490/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 5 ح 1.

(2) الوسائل 7: 491/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 5 ح 4.

(3) الحدائق 10: 346.

53

..........

____________

مسلم و إن كانا من الأجلّاء إلّا أنّ طريق الصدوق إلى كلّ منهما ضعيف كما عرفت قريباً (1).

و بعد الإغماض عن معارضتها بالصحيحة المتقدّمة الناصّة على وجوب البدأة بالفريضة، أنّ الدليل قد قام على عدم وجوب تقديم صلاة الآية على الفريضة و جواز العكس كما ستعرف. و معه لا يبقى لهذه الرواية ظهور في الوجوب، فهذان القولان ساقطان.

و أمّا قول المشهور من جواز تقديم صلاة الآية فيستفاد من صحيح محمّد ابن مسلم قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): جعلت فداك، ربما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الآخرة، فإن صلّينا الكسوف خشينا أن تفوتنا الفريضة، فقال: إذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك و اقض فريضتك ثمّ عد فيها، قلت: فاذا كان الكسوف في آخر الليل فصلّينا صلاة الكسوف فاتتنا صلاة الليل فبأيّتهما نبدأ؟ فقال: صلّ صلاة الكسوف و اقض صلاة الليل حين تصبح» (2).

و ذلك لأن السؤال إنّما هو عن جواز الشروع في صلاة الآية عند خشية فوات الفريضة، و الجواب متعرّض لحكم من كان قد شرع فيها ثمّ تخوّف فوت الفريضة، فلا يكون الجواب مطابقاً للسؤال، إلّا أنّ الإمام (عليه السلام) كأنّه أراد التنبيه على أنّه فيما إذا كان قد شرع في صلاة الآية يقطعها عند تخوّف فوات الفريضة فيأتي بها ثمّ يعود إلى تلك، ليعرف حكم هذا الفرض تفضّلًا منه.

و يستنتج من ذلك حكم مورد السؤال من جهة الأولوية، فإنّ مقتضاها عدم جواز الدخول فيها إذا خشي الفوت، فيدلّ بالمفهوم على أنّه في فرض‌

____________

(1) [الذي تقدّم قريباً أي في ص 46 هو طريقه إلى الفضيل و محمد بن مسلم، و مع ذلك فطريقه إلى بريد و محمد بن مسلم ضعيف، لضعف طريقه إلى محمد بن مسلم و جهالة طريقه إلى بريد].

(2) الوسائل 7: 490/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 5 ح 2.

54

..........

____________

السعة و عدم الخشية يجوز له الدخول في صلاة الآية قبل الفريضة كما يجوز تتميمها، و به يرفع اليد عن ظاهر الصحيحة الاولى من وجوب الإتيان بصلاة الفريضة مقدّماً على الآية و تحمل على الاستحباب.

ثمّ إنّه لا ريب في أنّ المراد من الوقت المفروض تخوّف فوته إنّما هو الوقت الفضيلي من المغرب لا الوقت الإجزائي له، ضرورة أنّ الثاني ممتدّ إلى نصف الليل، و من الواضح أنّ صلاة الآية مهما طالت لا تستوعب من الوقت من بعد المغرب إلى نصف الليل، بخلاف الوقت الفضيلي منه فإنّه يمكن فرض تخوّف فوته مع الاشتغال بصلاة الآية. و من المعلوم أنّ فوت الوقت الفضيلي لا بأس به و لا مانع منه، فإنّه يجوز تأخير الصلاة عنه اختياراً.

و عليه فيكون الأمر بقطع الصلاة لدرك الوقت الفضيلي محمولًا على الاستحباب دون الوجوب، فله أن لا يقطع الصلاة للكسوف بل يستمر فيها و يجوز له الشروع فيها في كلّ من وقتي الإجزاء و الفضيلة، و به يرفع اليد عن ظاهر الرواية الأُولى (1) له من وجوب الإتيان بالفريضة قبل صلاة الآية و تحمل على الاستحباب.

و بالجملة: المستفاد من هذه الصحيحة عدم وجوب البدأة لا بصلاة الآية و لا بصلاة الفريضة، بل له تقديم أي منهما شاء كما عليه المشهور.

و أمّا صحيحة أبي أيوب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن صلاة الكسوف قبل أن تغيب الشمس و نخشى فوت الفريضة، فقال: اقطعوها و صلّوا الفريضة و عودوا إلى صلاتكم» (2) فقد حملها بعضهم على أنّ المراد بالفريضة هي صلاة المغرب، فالمراد من فوتها فوت أدائها في وقت الفضيلة.

و لكنّه بعيد جدّاً، فانّ المفروض أنّ الكسوف كان قبل مغيب الشمس و بطبيعة الحال كان قبله بمقدار نصف ساعة تقريباً، و من المعلوم أنّه بعد هذا إلى‌

____________

(1) [الموجود في الأصل: الثانية، و الصحيح ما أثبتناه].

(2) الوسائل 7: 490/ أبواب صلاة الكسوف و الآيات ب 5 ح 3.

55

[مسألة 12: لو شرع في اليومية ثم ظهر له ضيق وقت صلاة الآية قطعها مع سعة وقتها]

[1764] مسألة 12: لو شرع في اليومية ثم ظهر له ضيق وقت صلاة الآية قطعها مع سعة وقتها و اشتغل بصلاة الآية (1)، و لو اشتغل بصلاة الآية فظهر له في الأثناء ضيق وقت الإجزاء لليومية قطعها و اشتغل بها و أتمّها (2) ثم عاد إلى صلاة الآية من محلّ القطع إذا لم يقع منه مناف غير الفصل المزبور (3)،

____________

فوات وقت فضيلة المغرب يستوعب أكثر من ساعة، فكيف يصح أن يقال إنّه يخاف من فوت الفريضة.

بل المراد فريضة العصر جزماً، و لا بدع في تأخيرها إلى ما قبل مغيب الشمس حتى من الجماعة الذين هم مورد السؤال بعد أن كان التأخير سائغاً و الوقت واسعاً، فمن الجائز أن يكون كلّهم قد أخّروا من باب الصدفة و الاتّفاق، فإنّها قضية خارجية لا حقيقية، فلعلّهم كانوا معذورين لنوم و نحوه بل و لو عامدين، فقد ورد في بعض الروايات أنّ زرارة كان يؤخّر صلاته إلى آخر الوقت (1). فكان هذا أمراً متعارفاً بينهم و إن كان الغالب عدم التأخير عن وقت الفضيلة.

و عليه فحكمه (عليه السلام) بتقديم الفريضة مطابق للقاعدة، إذ المضيّق لا يزاحمه الموسّع. فالروايات الواردة في المقام كلّها موافقة للقاعدة كما عرفت.

(1) لما عرفت من أنّ الموسّع لا يزاحم المضيّق، و لا دليل على حرمة القطع في مثل المقام، فانّ مستندها لو تم إنّما هو الإجماع، و هو دليل لبي يقتصر على المتيقّن منه الذي هو غير ما نحن فيه.

(2) لأهمّيتها من صلاة الآية كما سبق (2).

(3) كأنّ الحكم مورد للتسالم، و هذه من الصلاة في الصلاة، الجائزة في خصوص صلاة الآيات و إن كان على خلاف الأصل، للنصوص الدالّة عليه كما‌

____________

(1) الوسائل 4: 155/ أبواب المواقيت ب 9 ح 14.

(2) في ص 50، 51.

56

بل الأقوى جواز قطع صلاة الآية و الاشتغال باليومية إذا ضاق وقت فضيلتها فضلًا عن الإجزاء، ثم العود إلى صلاة الآية من محل القطع (1) لكن الأحوط خلافه (2).

[مسألة 13: يستحب في هذه الصلاة أُمور]

[1765] مسألة 13: يستحب في هذه الصلاة أُمور:

الأول و الثاني و الثالث: القنوت، و التكبير قبل الركوع و بعده، و السمعلة على ما مر.

الرابع: إتيانها بالجماعة أداء كان أو قضاء، مع احتراق القرص و عدمه و القول بعدم جواز الجماعة مع عدم احتراق القرص ضعيف. و يتحمّل الإمام فيها عن المأموم القراءة خاصة كما في اليومية، دون غيرها من الأفعال و الأقوال.

الخامس: التطويل فيها خصوصاً في كسوف الشمس.

السادس: إذا فرغ قبل تمام الانجلاء يجلس في مصلّاه مشتغلًا بالدعاء و الذكر إلى تمام الانجلاء، أو يعيد الصلاة.

السابع: قراءة السور الطوال كيٰس و النور و الروم و الكهف و نحوها.

الثامن: إكمال السورة في كلّ قيام.

____________

سبق (1)، و لأجلها يحكم بالاغتفار عن تلك الزيادات و عدم قدحها بشرط عدم الإتيان بمناف آخر غير الفصل بهذه الصلاة، لقصور النصوص عن إثبات الجواز فيما عدا ذلك، فيرجع إلى الإطلاق في أدلّة المنافيات السليم عمّا يصلح للتقييد.

(1) للتصريح به في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (2).

(2) لما نسب إلى المشهور من اقتصارهم في الحكم على وقت الإجزاء و عدم‌

____________

(1) في ص 52، 53.

(2) في ص 53.