موسوعة الإمام الخوئي - ج18

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
410 /
1

[تتمة كتاب الصلاة]

فصل في الخَلل الواقع في الصلاة

أي الإخلال بشي‌ء ممّا يعتبر فيها وجوداً أو عدماً

[مسألة 1: الخلل إمّا أن يكون عن عمد أو عن جهل أو سهو أو اضطرار]

[2002] مسألة 1: الخلل إمّا أن يكون عن عمد أو عن جهل أو سهو أو اضطرار أو إكراه أو بالشكّ (1)، ثمّ إمّا أن يكون بزيادة أو نقيصة، و الزيادة إمّا بركن، أو غيره و لو بجزء مستحبّ كالقنوت في غير الركعة الثانية أو

____________

(1) قسّم (قدس سره) الخلل تقسيماً لا يخلو من نوع من التشويش، فذكر أنّه إمّا أن يكون عن عمد أو جهل أو سهو أو اضطرار أو إكراه أو بالشكّ و على التقادير فامّا أن يكون بزيادة جزء ركني، أو غيره و لو بجزء مستحبّ، أو ركعة، أو بنقص جزء أو شرط ركن أو غير ركن، أو بكيفية كالجهر و الإخفات و الترتيب و الموالاة، أو بركعة.

و هذا التقسيم كما ترى غير وجيه، ضرورة أنّ الاضطرار و الإكراه ليسا قسيمين للعمد الذي معناه القصد إلى الفعل، بل هما قسمان منه، فانّ ما يصدر من العامد إمّا أن يكون باختياره و رضاه، أو باضطرار أو إكراه. فالمضطر و المكره أيضاً قاصدان إلى العنوان فعلًا أو تركاً، فهما عامدان لا محالة كالمختار. كما أنّ الجاهل بالحكم أيضاً كذلك، فإنّه عامد إلى الموضوع كما لا يخفى، فلا يحسن عدّه قسيماً للعمد.

2

فيها في غير محلّها، أو بركعة. و النقيصة إمّا بشرط ركن كالطهارة من الحدث و القبلة، أو بشرط غير ركن، أو بجزء ركن أو غير ركن، أو بكيفية كالجهر و الإخفات و الترتيب و الموالاة أو بركعة.

____________

فالأولى أن يقال: إنّ الخلل الصادر من المكلف إمّا أن يكون عن عمد أو سهو، أي عن قصد إلى العنوان أو بلا قصد، لعدم خلوّ حالته بالإضافة إلى ما يصدر منه من أحد هذين. و العامد إمّا أن يكون مختاراً أو مضطرّاً أو مكرهاً أو جاهلًا بالحكم.

ثمّ إنّ ما ذكره (قدس سره) في طرف النقيصة من أنّ الناقص إمّا أن يكون جزءاً أو شرطاً أو كيفية غير وجيه أيضاً، لعدم خروج الكيفية التي ذكرها من الجهر و الإخفات و الترتيب و الموالاة عن الجزء أو الشرط، و ليست قسماً ثالثاً في قبالهما.

فانّ هذه الأُمور إن لوحظ التقيّد بها كانت من الشرائط، غايته أنّها شرط للجزء كالقراءة لا لنفس الصلاة، و إن لوحظ أنّ الجزء من الصلاة هي القراءة الخاصّة و هي المتّصفة بالجهر مثلًا أو الترتيب و الموالاة فهي من شؤون الجزء و الإخلال بها إخلال بالجزء حقيقة. فليس الإخلال بتلك الكيفية إخلالًا بشي‌ء آخر وراء الجزء أو الشرط. ثمّ إنّ في الجزء الاستحبابي كلاماً سيأتي التعرّض إليه.

و كيف ما كان، فهذا التقسيم و إن لم يكن خالياً عن التشويش كما عرفت لكنّ الأمر سهل، و البحث عنه قليل الجدوى، و العمدة إنّما هي التعرّض لما رتّب على هذه الأقسام من الأحكام في المسألة الآتية. و ستعرف الحال فيها إن شاء اللّٰه تعالى.

3

[مسألة 2: الخلل العمدي موجب لبطلان الصلاة بأقسامه من الزيادة]

[2003] مسألة 2: الخلل العمدي موجب لبطلان الصلاة بأقسامه [1] من الزيادة (1)

____________

(1) أمّا في الجزء الاستحبابي فلا موضوع لهذا البحث، إذ لا وجود له كي تتصوّر فيه الزيادة أو النقص، لما عرفت مراراً من منافاة الجزئية للاستحباب إذ أنّ مقتضى الأوّل الدخل في الماهية و تقوّمها به لتركّبها منه، و مقتضى الثاني عدم الدخل و جواز الترك.

و هذا من غير فرق بين جزء الطبيعة و جزء الفرد، إذ لا يزيد هو عليها إلّا بإضافة الوجود، ففرد الطبيعة ليس إلّا الطبيعة الموجودة بعينها، و لا يزيد عليها من حيث كونه فرداً لها بشي‌ء أصلًا.

و أمّا سائر الملابسات و الخصوصيات التي تقترن بها الأفراد ممّا يوجب المزية أو النقيصة أو لا يوجب شيئاً منهما فهي خارجة عن حقيقة الفرد، كخروجها عن نفس الطبيعة، و إنّما هي من العوارض اللّاحقة للأفراد كقصر زيد و طوله و سواده و بياضه و نحو ذلك، فإنّها غير مقوّمة لفرديّته للإنسان، كما أنّها غير دخيلة في الطبيعة نفسها، فلا يتصوّر التفكيك بفرض شي‌ء جزءاً للفرد و عدم كونه جزءاً للطبيعة كما لا يخفى.

و على الجملة: فالجزئية تساوق الوجوب، و لا تكاد تجتمع مع الاستحباب. فالجزء الاستحبابي غير معقول، و ما يتراءى منه ذلك كالقنوت فليس هو من الجزء في شي‌ء، بل مستحبّ نفسيّ ظرفه الواجب، فلا تتصوّر فيه الزيادة كي تشمله أدلّة قادحية الزيادة. نعم، الإتيان به في غير مورد الأمر به بعنوان أنّه مأمور به تشريع محرّم، إلّا أنّ حرمته لا تسري إلى الصلاة كما هو ظاهر.

____________

[1] بطلانها بالزيادة العمدية في المستحبات أثناء الصلاة محلّ إشكال، بل منع.

4

..........

____________

و أمّا زيادة الجزء الركني عمداً فضلًا عن الركعة فلا إشكال في كونه موجباً للبطلان، فانّ ما دلّ على البطلان بزيادته سهواً من عقد الاستثناء في حديث لا تعاد (1) و غيره من الأدلّة الخاصّة نحو قوله (عليه السلام): «لا يعيد صلاة من سجدة و يعيدها من ركعة» (2) يدلّ على البطلان في صورة العمد بالأولوية القطعية، مضافاً إلى التسالم عليه من غير نكير.

إنّما الكلام في زيادة غير الأركان من الأجزاء عامداً، فالمشهور هو البطلان أيضاً. و يستدلّ له:

تارة: بتوقيفية العبادة، و أنّ المتلقّاة من صاحب الشرع هي الكيفية الخاصّة غير المشتملة على الزيادة، فالتخلّف عنها و الإتيان بصلاة ذات ثلاث تشهّدات مثلًا خروج عن النحو المقرّر المعهود الواصل إلينا من الشارع المقدس.

و فيه: أنّ هذه مصادرة واضحة، إذ لم يثبت أنّ الكيفية المزبورة مقيّدة بعدم الزيادة، بحيث يكون الجزء ملحوظاً بنحو بشرط لا بالنسبة إلى الزائد عليه. و مع الشكّ فهو مدفوع بالأصل، بناءً على ما هو الصحيح من الرجوع إلى البراءة في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين.

و أُخرى: بأنّه تشريع محرّم فيبطل. و فيه: أنّ التشريع و إن كان محرّماً و منطبقاً على نفس الجزء الذي شرع فيه، إلّا أنّ حرمته لا تسري إلى بقيّة الأجزاء كي تستوجب فساد العمل.

اللّٰهمّ إلّا أن يقصد من الأوّل الأمر المتعلّق بالمركّب من الزائد بنحو التقييد تشريعاً، حيث إنّه يوجب الفساد حينئذ لا محالة، لأنّ ما قصده من الأمر لا واقع له، و ما هو الواقع غير مقصود حسب الفرض.

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

(2) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2.

5

..........

____________

لكنّ البطلان من هذه الناحية خارج عن محلّ الكلام المتمحّض في البطلان من ناحية الزيادة من حيث هي زيادة، لا بعنوان آخر ممّا قد يكون و قد لا يكون كما لا يخفى.

و ثالثة: بأنّ مقتضى القاعدة هو الاشتغال لدى الشكّ في قادحية شي‌ء في صحّة العبادة. و فيه: أنّ المرجع هو أصالة البراءة في أمثال المقام كما عرفت آنفاً.

و على الجملة: فهذه الوجوه كلّها ساقطة، و العمدة إنّما هي الروايات الواردة في المقام.

فمنها: صحيحة زرارة و بكير بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها، و استقبل صلاته استقبالًا إذا كان قد استيقن يقيناً» (1)، فانّ مورد الصحيحة هو السهو، لمكان التعبير بالاستيقان، و قد دلّت بمقتضى الإطلاق على وجوب الإعادة لكلّ زيادة. فإذا كان الحال كذلك في السهو ففي العمد بطريق أولى.

و يرد عليه أوّلًا: أنّ الرواية و إن رويت كذلك في الكافي و التهذيب (2) عن زرارة و بكير، و ما في الوسائل من زيادة كلمة (ركعة) بعد قوله: «المكتوبة» اشتباه منه أو من النسّاخ، لكنّها مروية في الكافي أيضاً في باب السهو في الركوع عن زرارة مشتملة على هذه الزيادة، و رواها صاحب الوسائل عنه أيضاً مع هذه الزيادة (3).

و من المستبعد جدّاً أن تكونا روايتين مستقلّتين مع اتّحادهما سنداً (4) و متناً‌

____________

(1) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1.

(2) الكافي 3: 354/ 2، التهذيب 2: 194/ 763.

(3) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 1، الكافي 3: 348/ 3.

(4) [لا يخفى أنّ الرواية المشتملة على كلمة (ركعة) رواها زرارة فقط].

6

..........

____________

بل من المطمأنّ به قوياً أنّهما رواية واحدة مردّدة بين المشتملة عليها و غير المشتملة، فلم يعلم ما هو الصادر عن المعصوم (عليه السلام).

و من الجائز أن يكون الصادر ما هو المشتمل على لفظ الركعة، فلا تدلّ حينئذ على البطلان بزيادة ركن كالسجدتين فضلًا عن زيادة جزء غير ركني كالسجدة الواحدة أو التشهّد كما هو محلّ الكلام، و مع هذا الاحتمال تسقط الصحيحة عن الاستدلال.

نعم، يمكن أن يراد من الركعة خصوص الركوع، لإطلاقها عليه كثيراً في لسان الأخبار (1). و كيف ما كان، فلا تدلّ على البطلان في مطلق الركن فضلًا عن غيره.

و ثانياً: سلّمنا أنّهما روايتان أو أنّ الصادر منه (عليه السلام) ما كان خالياً عن تلك الزيادة، لكنّ الإطلاق غير مراد جزماً، لتقييده بما دلّ على عدم الإعادة في زيادة غير الركن سهواً، من حديث لا تعاد و غيره، فيختصّ مورد الصحيحة بالأركان أو خصوص الركعة، فلا دلالة فيها على الإعادة في الجزء غير الركني كي يستفاد منها حكم صورة العمد بالأولوية القطعية.

و ما يقال من أنّ الصحيحة تدلّ على الإعادة في صورة السهو بالمطابقة، و في صورة العمد بالالتزام من باب الأولويّة القطعية كما ذكر، فاذا سقطت الدلالة المطابقية في الجزء غير الركني من أجل حديث لا تعاد بقيت الدلالة الالتزامية بحالها، فيستدلّ بها على البطلان في الزيادة العمدية.

مدفوع بما هو المحقّق في محلّه من تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الوجود و الحجّية، فبعد سقوط الدلالة المطابقية لمكان التقييد كما عرفت لم يبق مجال للتمسك بالدلالة الالتزامية (2).

____________

(1) الوسائل 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 3، 319/ ب 14 ح 3 و غيرهما.

(2) محاضرات في أُصول الفقه 3: 74 و ما بعدها، و أُشير إلى ذلك أيضاً في مصباح الأُصول 3: 369.

7

..........

____________

و على الجملة: مورد الصحيحة إنّما هو الزيادة السهوية من أجل التعبير بالاستيقان، فلا يمكن التعدّي إلى الزيادة العمدية التي هي محلّ الكلام. و دعوى الأولوية ساقطة كما عرفت.

و منها: ما رواه الشيخ بإسناده عن عبد اللّٰه بن محمّد عن أبي الحسن (عليه السلام) و الظاهر أنّه الرضا (عليه السلام) «قال: الطواف المفروض إذا زدت عليه مثلُ الصلاة المفروضة إذا زدت عليها، فعليك الإعادة، و كذلك السعي» (1) فانّ التشبيه يقتضي المفروغية عن بطلان الصلاة بالزيادة العمدية التي هي منصرف الرواية أو مشمول لإطلاقها، و لا ريب أنّ الزيادة المحكومة بالإعادة شاملة لمثل الجزء غير الركني بمقتضى الإطلاق.

أقول: أمّا من حيث السند فالرواية موثّقة و إن عبّر عنها بالخبر في كلام المحقّق الهمداني (2) المشعر بالضعف، فانّ عبد اللّٰه بن محمّد مردّد بين الحجّال و الحضيني و كلاهما ثقة، إذ الراوي عن أبي الحسن (عليه السلام) ممّن هو معروف و له كتاب منحصر فيهما.

و أمّا من حيث الدلالة فهي ضعيفة، لقرب دعوى ظهورها بمقتضى مناسبة الحكم و الموضوع في الزيادة من ناحية العدد، بأن يزيد في عدد الركعات كما يزيد في عدد الأشواط، و لا نظر فيها إلى الزيادة من سائر الجهات كي تشمل مثل زيادة جزء غير ركني.

و يؤيّده أنّ الزيادة في الطواف مبطلة و لو سهواً، فالأنسب بالتشبيه إرادة مثل هذه الزيادة في الصلاة، أعني عدد الركعات التي تبطل حتّى سهواً، دون غير الأركان من الأجزاء التي هي محلّ الكلام.

____________

(1) الوسائل 13: 366/ أبواب الطواف ب 34 ح 11، التهذيب 5: 151/ 498.

(2) مصباح الفقيه (الصلاة): 539 السطر 5.

8

..........

____________

و منها: ما رواه الصدوق في الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) في حديث شرائع الدين «قال: و التقصير في ثمانية فراسخ و هو بريدان، و إذا قصّرت أفطرت، و من لم يقصّر في السفر لم تجز صلاته، لأنّه قد زاد في فرض اللّٰه عزّ و جل» (1).

دلّ التعليل على أنّ مطلق الزيادة في فرض اللّٰه موجب للبطلان. نعم، خرج عن ذلك من أتمّ في موضع التقصير جاهلًا بالحكم أو ببعض الخصوصيات و كذا من زاد غير الأركان سهواً بمقتضى حديث لا تعاد، فيبقى الباقي و هو العالم بالحكم و الناسي و العامد في زيادة جزء و لو غير ركني تحت الإطلاق.

لكن السند ضعيف جدّاً، فانّ الصدوق رواها عن جمع من مشايخه، و لم تثبت وثاقتهم. و مع الإغماض عن ذلك فالوسائط بينهم و بين الأعمش كلّهم ضعفاء أو مجاهيل، فلا يمكن التعويل عليها بوجه.

و منها: رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): «لا تقرأ في المكتوبة بشي‌ء من العزائم، فإنّ السجود زيادة في المكتوبة» (2). دلّ التعليل على أنّ مطلق الزيادة العمدية و منها السجود الذي هو جزء غير ركني موجب للبطلان.

و قد يناقش في دلالتها كما عن الهمداني (3) و غيره نظراً إلى أنّ عنوان الزيادة متقوّم بالإتيان بالزائد بقصد الجزئية، إذ ليس مطلق الإتيان بشي‌ء أثناء الصلاة من دون قصد كونه منها زيادةً فيها كما هو واضح، و من المعلوم أنّ السجود المفروض في الرواية هو سجود التلاوة لا السجود الصلاتي، و معه كيف يتّصف بعنوان الزيادة.

____________

(1) الوسائل 8: 508/ أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 8، الخصال: 604/ 9.

(2) الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

(3) مصباح الفقيه (الصلاة): 539 السطر 12.

9

..........

____________

و يندفع بأنّ الأمر و إن كان كما ذكر، فلا يتّصف شي‌ء بالزيادة إلّا مع قصد الجزئية، إلّا أنّ تطبيق ذلك على سجود التلاوة كما تضمّنته الرواية مبنيّ على التعبّد، و لا ضير في الالتزام بذلك، فإنّ أمر التطبيق كالتشريع بيد الشارع، و له التصرّف في مقام الانطباق كالجعل، و لا يوجب ذلك قدحاً في النصّ، فكأنه يرى أنّ للسجود خصوصية تستدعي خلوّ الصلاة عن زيادتها و لو زيادة صورية.

و من هنا نتعدّى من السجود إلى الركوع بالأولوية القطعية و إن كان النصّ خاصاً بالأوّل، فلا تجوز زيادة الركوع في الصلاة و لو بعنوان آخر كالتعظيم للّٰه من غير قصد الركوع الصلاتي، فإنّ زيادة السجود صورة لو كانت قادحة فالركوع الذي هو ركن بطريق أولى كما لا يخفى.

لكنّ الذي يهوّن الخطب أنّ الرواية ضعيفة السند و إن عبّر عنها الهمداني بالحسنة (1) و غيره بالمصحّحة، فانّ في الطريق القاسم بن عروة، و لم يوثق، نعم وثّقه المفيد في بعض الكتب المطبوعة المنسوبة إليه (2) و لكن لم يثبت انطباق المنسوب على المطبوع كما أوعزنا إليه في المعجم (3).

بقي في المقام روايتان معتبرتان لا بأس بالاستدلال بهما على المطلوب:

إحداهما: صحيحة علي بن جعفر التي يرويها صاحب الوسائل عن كتابه و طريقه إليه صحيح و أمّا الطريق الآخر الذي يرويه عن قرب الإسناد فهو ضعيف من أجل عبد اللّٰه بن الحسن قال: «سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم أ يركع بها أو يسجد ثمّ يقوم فيقرأ بغيرها؟ قال: يسجد ثمّ يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب و يركع، و ذلك زيادة في الفريضة، و لا يعود يقرأ في الفريضة‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 539 السطر 11.

(2) المسائل الصاغانية (مصنّفات الشيخ المفيد 3): 71، 72.

(3) معجم رجال الحديث 15: 29/ 9542.

10

..........

____________

بسجدة» (1).

حيث سأله (عليه السلام) عن أنّه هل يركع و يتمّ صلاته و يؤجل السجود للتلاوة لما بعد الصلاة، أو أنّه يسجد فعلًا ثمّ يسترسل في صلاته فأجاب (عليه السلام) بأنّه لا هذا و لا ذاك، بل يبادر إلى السجود ثمّ يستأنف الصلاة.

فإنّ قوله (عليه السلام): «ثمّ يقوم فيقرأ ...» إلخ كناية عن البطلان، أي يقرأ بالفاتحة بعد التكبيرة، و إلّا فلا خلل في نفس الفاتحة كي تحتاج إلى الإعادة و علّله (عليه السلام) بأنّ السجود زيادة في المكتوبة، الظاهر في أنّ مطلق الزيادة العمدية و إن لم تكن ركنية مبطلة. و الإشكال في تطبيق الزيادة على سجود التلاوة قد مرّ الجواب عنه آنفاً فلاحظ.

الثانية: موثّقة أبي بصير من أجل أبان، و إلّا كانت صحيحة (2) قال «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (3)، فإنّ إطلاقها يعمّ الزيادة العمدية و لو في غير الأركان.

و ناقش فيها المحقّق الهمداني (قدس سره) بما محصّله: أنّ الزيادة السهوية خارجة عن موضوع هذا الحكم بمقتضى حديث لا تعاد و غيره، و بما أنّ إرادة العمد خاصّة تستوجب الحمل على الفرد النادر، لندرة اتّفاق الزيادة العمدية ممّن يتصدّى للامتثال، فلتحمل على إرادة الزيادة في عدد الركعات أو الزيادة في الأركان، و بذلك يتحفّظ على الإطلاق من حيث العمد و السهو، فإنّ زيادة‌

____________

(1) الوسائل 6: 106/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 4، مسائل علي بن جعفر: 185/ 366، قرب الإسناد: 202/ 776.

(2) [لاحظ معجم رجال الحديث 1: 143/ 37، حيث لم يسلّم كونه غير إمامي، بل صرّح بكونها صحيحة في ص 48 من هذا المجلّد].

(3) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2.

11

و النقيصة حتّى بالإخلال بحرف من القراءة أو الأذكار أو بحركة أو بالموالاة بين حروف كلمة أو كلمات آية أو بين بعض الأفعال مع بعض، و كذا إذا فاتت الموالاة سهواً أو اضطراراً لسعال أو غيره و لم يتدارك بالتكرار متعمداً (1).

____________

الركن أو الركعة توجب البطلان عمداً و سهواً، فلا دلالة فيها على البطلان بزيادة الجزء غير الركني. ثمّ استقرب (قدس سره) إرادة الركعة لمؤيّدات تعرّض إليها (1).

و فيه: أنّ الأمر و إن كان كما ذكره (قدس سره) من عدم إمكان الحمل على خصوص العمد الذي هو فرد نادر، إلّا أنّه يمكن التحفّظ على الإطلاق بوجه آخر بأن يقال: إنّ إطلاق الموثّق يشمل العمد و السهو، و الركعة و غيرها، و الجزء الركني و غيره، خرجت عن ذلك بمقتضى حديث لا تعاد صورة واحدة و هي زيادة الجزء غير الركني سهواً، فيبقى الباقي الشامل لزيادة غير الركن عمداً تحت الإطلاق.

فيكون مفاد الموثّق بعد ملاحظة التقييد المزبور بطلان الصلاة بزيادة الركن أو الركعة عمداً أو سهواً، و كذا بزيادة غير الركن عمداً، و بذلك يثبت المطلوب من الدلالة على البطلان بالزيادة العمدية و لو في غير الأركان، فإنّ خروج تلك الصورة غير مانع عن انعقاد الإطلاق فيما عداها.

(1) إثبات البطلان بالإخلال العمدي في طرف النقيصة أهون منه في طرف الزيادة، فإنّه مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى ورود نصّ بالخصوص، ضرورة أنّ الأمر المتعلّق بالمركّب لا يكاد يمتثل إلّا بالإتيان بتمام الأجزاء بالأسر، فالإخلال بالبعض و لو يسيراً كنقص كلمة أو حرف بل حركةٍ إخلال بالكلّ و تركٌ للمركّب بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بين الأجزاء، فهو بمثابة ترك الواجب رأساً‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 538 السطر 29.

12

..........

____________

الموجب للبطلان و الإعادة.

و من مصاديق ذلك الإخلال بالموالاة المعتبرة بين حروف كلمة أو كلمات آية، أو بين بعض الأفعال مع بعض، و لو كان ذلك سهواً أو اضطراراً لسعالٍ أو غيره، فانّ مرجع ذلك إلى الإخلال بنفس الجزء، فلو لم يتدارك بالتكرار عامداً كان ذلك من الترك العمدي الموجب للفساد، هذا.

و ربما يتوهّم الصحّة استناداً إلى حديث لا تعاد بدعوى شموله حتّى للنقص العمدي و إن كان آثماً حينئذ.

و يندفع بأنّا و لو سلّمنا إمكان التوفيق بين الجزئية و بين الصحّة لدى الترك العمدي، و أنكرنا التنافي بينهما في مقام الثبوت، لجواز الجمع بين الأمرين بالالتزام بالترتّب، بأن يؤمر أوّلًا بمركّب، و على تقدير العصيان و ترك بعض الأجزاء يؤمر ثانياً بالمركّب من سائر الأجزاء، نظير ما التزم به المشهور على ما نسب إليهم من صحّة صلاة الجاهل المقصّر إذا أجهر في موضع الإخفات أو بالعكس، أو أتمّ في موضع القصر بالخطاب الترتّبي، أو بوجه آخر مذكور في محلّه (1) مع عقابه على ترك الوظيفة الأوّلية، لتقصيره فيها بحيث لا يمكن تداركها، لفوات المحلّ و سقوط الفرض، إذ يمكن الالتزام بمثل ذلك في صورة العمد أيضاً، و لا مانع عنه ثبوتاً.

إلّا أنّ الدليل عليه مفقود هنا في مرحلة الإثبات، لانصراف حديث لا تعاد عن صورة العمد جزماً، فإنّه ناظر إلى من أتى بوظيفته حسب اعتقاده ثمّ بان الخلاف، فلا يكاد يشمل العامد الذي يقطع بتركه و إخلاله بالوظيفة بالضرورة.

و إن شئت قلت: إنّ الحديث مسوق لنفي الإعادة فيما إذا حدث داع إليها بعد ما لم يكن، فلا يشمل موارد وجوده من الأوّل، و منه تعرف عدم شموله للمتردّد.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 3: 160، 178.

13

[مسألة 3: إذا حصل الإخلال بزيادة أو نقصان جهلًا بالحكم]

[2004] مسألة 3: إذا حصل الإخلال بزيادة أو نقصان جهلًا بالحكم فان كان بترك شرط ركن كالإخلال بالطهارة الحدثية، أو بالقبلة بأن صلّى مستدبراً أو إلى اليمين أو اليسار، أو بالوقت بأن صلّى قبل دخوله، أو بنقصان ركعة أو ركوع أو غيرهما من الأجزاء الركنية، أو بزيادة ركن بطلت الصلاة و إن كان الإخلال بسائر الشروط أو الأجزاء زيادة أو نقصاً فالأحوط الإلحاق بالعمد في البطلان، لكن الأقوى إجراء حكم السهو عليه [1] (1).

____________

(1) لا ريب في البطلان فيما إذا تعلّق ذلك بالأركان جزءاً أو شرطاً، و أمّا فيما عدا الأركان فلا ريب في عدم البطلان فيما إذا كان الإخلال سهوياً، فإنّه القدر المتيقّن من حديث لا تعاد.

إنّما الكلام في الإخلال بها جهلًا، فقد وقع الخلاف حينئذ في الصحّة و البطلان و منشؤه الخلاف في شمول حديث لا تعاد للجاهل و عدمه. فعن جماعة البطلان لاختصاص الحديث بالناسي.

و ممّن أصرّ عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) بدعوى أنّ الحديث ناظر إلى من هو مكلّف بالإعادة أو بعدمها، و ليس هو إلّا الناسي الذي سقط عنه الخطاب الأوّل من جهة النسيان، و أمّا الجاهل فهو مكلّف بنفس الخطاب الأوّل و مأمور بامتثال ذاك التكليف، لعدم سقوط التكليف الواقعي عنه و إن كان معذوراً في ظرف الجهل و غير معاقب على الترك. فنفس التكليف الأوّلي باقٍ على حاله بالإضافة إلى الجاهل، و هو مأمور بامتثاله، لا بالإعادة أو بعدمها.

____________

[1] هذا في غير الجاهل المقصّر، و في غير المصلّي إلى غير القبلة و إن كانت صلاته إلى ما بين المشرق و المغرب.

14

..........

____________

فلا يكاد يشمله الحديث (1).

و يندفع بأنّ التكليف الأوّلي كوجوب السورة مثلًا و إن كان متوجّهاً نحو الجاهل في ظرفه، و كان مكلّفاً آن ذاك بامتثال ذاك الخطاب بحسب الواقع إلّا أنّه بعد ما تركه في المحلّ المقرّر له شرعاً و التفت إليه بعد تجاوز المحلّ كحال الركوع سقط ذاك التكليف وقتئذ لا محالة، و لم يكن مكلّفاً عندئذ إلّا بالإعادة أو بعدمها.

فانّ الجزء المتروك إنّما يجب الإتيان به في محلّه الشرعي، و أمّا بعد التجاوز عنه فلا يمكن تداركه إلّا بالإعادة. فليس هو مكلّفاً حينئذ إلّا بها، و الحديث قد تكفّل نفي الإعادة فيما عدا الأركان. فلا مانع من شموله له كالناسي، لاشتراكهما في عدم التكليف إلّا بالإعادة أو بعدمها و إن افترقا في توجيه الخطاب الأوّلي في ظرفه نحو الجاهل دون الناسي، لكن هذا الفرق غير فارق في مشموليتهما فعلًا للحديث بمناط واحد.

نعم، يختصّ هذا بالجاهل القاصر الذي يكون معذوراً في الترك، دون المقصّر و ذلك لأنّ الظاهر من الحديث أنّه متعرّض لحكم من لولا التذكّر أو انكشاف الخلاف لم يكن مكلّفاً بشي‌ء، فهو ناظر إلى ما إذا كانت الإعادة أو عدمها معلولًا للتذكّر أو الانكشاف، بحيث لو استمرّ النسيان أو الجهل لم يتوجّه نحوه التكليف بالإعادة.

و هذا كما ترى خاصّ بالناسي أو الجاهل القاصر، لوضوح أنّ المقصّر تجب عليه الإعادة بحكم العقل، سواء انكشف له الخلاف أم لا، لتنجّز التكليف الواقعي بالنسبة إليه، و عدم الحصول على المؤمّن بعد أن كان مقصّراً غير معذور.

و على الجملة: فالمستفاد من الحديث أنّ مطلق المعذور في ترك جزء أو شرط‌

____________

(1) كتاب الصلاة 3: 5.

15

..........

____________

غير ركني لا تجب عليه الإعادة، سواء أ كان ناسياً أو جاهلًا أو غيرهما.

نعم، يستثني من ذلك صورة واحدة، و هي الجاهل بالحكم في باب القبلة بأن كان جاهلًا باعتبار الاستقبال في الصلاة رأساً، فإنّه تجب عليه الإعادة و إن انكشف أنّه صلّى ما بين المغرب و المشرق، رعاية للجمع بين النصوص و أخذاً بإطلاق دليل اعتبار الاستقبال بعد ابتلاء المقيّد المتضمّن للتوسعة لما بين المشرق و المغرب بالمعارض، و وضوح قصور حديث لا تعاد عن الشمول له كما تقدّم كلّ ذلك في أحكام الخلل من باب القبلة (1).

و كيف ما كان، فلا نرى قصوراً في شمول الحديث للجاهل القاصر، لصحّة توجيه الخطاب إليه بالإعادة أو بعدمها كالناسي، فلو ترك السورة مثلًا لاعتقاده اجتهاداً أو تقليداً عدم وجوبها فركع ثمّ تبدّل رأيه حال الركوع، أو أُخبر حينئذ بموت مقلّده فقلّد من يرى الوجوب، فإنّه لا سبيل له إلى تدارك السورة حينئذ لتجاوز المحلّ، فالتكليف بها ساقط جزماً، و يتوجّه إليه تكليف آخر بالإعادة أو بعدمها، و مقتضى حديث لا تعاد عدم الإعادة.

و قد عرفت أنّ المقصّر غير مشمول له، لكون الحديث متكفّلًا لحكم من لم يكن محكوماً بالإعادة في طبعه لو لم ينكشف الخلاف، و المقصّر محكوم بها و إن لم ينكشف.

و الظاهر أنّ مراد الماتن (قدس سره) من الجاهل بالحكم الذي ألحقه بالناسي هو القاصر، و أمّا المقصّر فلا يظنّ به ذلك، لما عرفت من قصور الحديث في نفسه عن الشمول له، مضافاً إلى استفاضة نقل الإجماع على إلحاقه بالعامد.

ثمّ إنّا أشرنا إلى أنّ هذه المسألة أعني إلحاق الجاهل القاصر بالناسي و شمول الحديث لهما أو عدم الإلحاق و اختصاصه بالثاني خلافية، فقد نسب إلى‌

____________

(1) شرح العروة 12: 40.

16

..........

____________

المشهور عدم الإلحاق، بل أصرّ عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره)، و اختار جمع آخرون منهم السيّد الماتن (قدس سره) الإلحاق، و هو الأقوى. و غير خفيّ أنّ ثمرة هذه المسألة مهمّة جدّاً، فإنّها كثيرة الابتلاء و الدوران.

منها: موارد تبدّل رأي المجتهد و عدوله عن فتواه فيما عدا الأركان، بأن رأى وجوب شي‌ء جزءاً أو شرطاً و لم يكن بانياً عليه سابقاً، فانّ الاجتزاء بالأعمال السابقة في حقّه و حقّ مقلّديه الفاقدة لما يرى اعتباره فعلًا مستنداً إلى جهله القصوري، لكونه معذوراً في اجتهاده أو اجتهاد مقلّده، مبنيّ على هذه الكبرى أعني شمول قاعدة لا تعاد للجاهل القاصر، فتصحّ بناءً على الشمول، و إلّا وجبت إعادة جميع تلك الصلوات، بناءً على ما هو المقرّر في محلّه (1) من عدم إجزاء الأمر الظاهري عن الواقعي لدى انكشاف الخلاف، و الإجماع على الإجزاء منقول لا أثر له. فمقتضى القاعدة هو البطلان مع الغض عن حديث لا تعاد.

و منها: ما لو قلّد شخصاً لم ير وجوب جزء غير ركني فمات ثمّ قلّد شخصاً آخر يرى وجوبه، فإنّ الإعادة و عدمها مبنيّة أيضاً على شمول الحديث للجاهل المعذور. و منها: غير ذلك كما لا يخفى.

فحيث إنّ ثمرة المسألة مهمّة فينبغي عطف عنان الكلام حول تحقيق هذه المسألة، و أنّ حديث لا تعاد هل يشمل الجاهل القاصر أو يختصّ بالناسي كما عليه المشهور، بعد وضوح عدم شموله للمتعمّد غير المبالي بالدين و الجاهل المقصّر و لو لم يكن ملتفتاً حين العمل و تمشّى منه قصد القربة كما تقدّمت الإشارة إليه، و سيأتي مزيد توضيح له إن شاء اللّٰه تعالى، فنقول:

قد استدلّ للمشهور بوجوه:

أحدها: ما تقدّمت الإشارة إليه من شيخنا الأُستاذ (قدس سره) و حاصله:

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 250.

17

..........

____________

أنّ المستفاد من الحديث أنّه في مقام بيان حكم من يصحّ الحكم عليه بالإعادة أو بعدمها. و هذا إنّما يتصوّر فيما إذا لم يكن مكلّفاً بأصل الفعل حتّى يتمحض الخطاب المتوجّه إليه بالإعادة، و ليس ذاك إلّا الناسي، حيث إنّه من أجل عجزه و عدم قدرته يستحيل تكليفه بأصل الصلاة المشتملة على الجزء المنسي.

فالتكليف الواقعي ساقط عنه، لامتناع توجيه الخطاب نحو الناسي بما هو كذلك، فلا يحكم في حقّه إلّا بالإعادة أو بعدمها، لا بنفس العمل، فيشمله الحديث الذي هو متعرّض لبيان حكم من يصحّ تكليفه بالإعادة أو بعدمها كما عرفت.

و أمّا الجاهل فهو محكوم بنفس العمل و مكلّف بأصل الصلاة، لعدم سقوط الحكم الواقعي في ظرف الجهل كما هو ساقط في ظرف النسيان، غايته أنّه غير منجّز في حقّه و العقاب موضوع عنه، و أمّا الحكم الواقعي فهو باقٍ على حاله فهو مكلّف بنفس الصلاة لا بالإعادة، و لأجله كان الحديث منصرفاً عنه.

و المناقشة فيما ذكره (قدس سره) واضحة.

أمّا أوّلًا: فلأنّ الجاهل أيضاً ربما يمتنع تكليفه بشي‌ء كما في القاطع المعتقد للخلاف على نحو الجهل المركّب، فإنّه يستحيل تعلّق التكليف الواقعي بالإضافة إليه كالناسي، لامتناع تكليف القاطع على خلاف قطعه، فلو ترك جزءاً قاطعاً بعدم وجوبه ثمّ تبدّل رأيه و انكشف له الخلاف إمّا بعد الصلاة أو أثناءها بعد تجاوز المحلّ فهو غير مكلّف حينئذ إلّا بالإعادة أو بعدمها كما في الناسي، فيشمله حديث لا تعاد قطعاً، فاذا شمل الحديث مثل هذا الجاهل شمل غيره أيضاً بعدم القول بالفصل.

و ثانياً: أنّ ما ذكره (قدس سره) من اختصاص الحديث بمن لا يكون مكلّفاً بالعمل و وروده في موضوع الإعادة خاصّة ممنوع جدّاً، فانّ الحديث متكفّل‌

18

..........

____________

لبيان حكم الإعادة و عدمها و أنّه متى يعيد و متى لا يعيد، و أمّا أنّه قبل ذلك و حين وقوع العمل خارجاً كان مكلّفاً أم لا فالحديث ساكت من هذه الجهة و لا نظر فيه إلى ذلك أبداً، بل لا إشعار فيه فضلًا عن الدلالة على عدم كونه مكلّفاً بالعمل في ظرفه.

فالجاهل القاصر الملتفت كان مكلّفاً حين القراءة مثلًا بالسورة، لكنّه حينما ركع سقط عنه التكليف لتجاوز المحلّ، فيقال له عندئذ أعد أو لا تعد، فهو فعلًا مكلّف إمّا بالإعادة أو بعدمها و إن كان سابقاً مكلّفاً بنفس العمل، لكنّه لا أثر له بعد سقوطه و تبدّله بالتكليف بالإعادة. فدعوى الاختصاص بما إذا لم يكن مكلّفاً بالواقع في ظرفه ساقطة جزماً، و الحديث غير قاصر الشمول له و لغيره قطعاً.

الوجه الثاني: ما قد يدّعى من أنّ الحديث لا إطلاق له كي يشمل الجاهل لعدم كونه في مقام البيان إلّا من ناحية الأركان أعني الخمسة المستثناة فهو مسوق لبيان أهميّة هذه الأُمور و أنّ الصلاة تعاد من أجلها، و أمّا ما عدا الأركان أعني عقد المستثنى منه فليس الحديث في مقام بيان حكمها و أنّها لا تعاد مطلقاً أو في الجملة كي ينعقد له الإطلاق، و المتيقّن منه صورة النسيان، كما أنّ العمد غير داخل قطعاً، و أمّا الجهل فمشكوك الدخول، فلا مجال للتمسّك بالإطلاق بالإضافة إليه، و يؤيّد ذلك بالإجماع المستفيض على إلحاق الجاهل بالعامد.

و فيه: أنّ هذه الدعوى أوضح فساداً من سابقتها، ضرورة أنّ حكم الأركان إنّما استفيد من مفهوم الاستثناء، و الذي عقد له الكلام إنّما هو عدم الإعادة فيما عدا الخمسة، إذ النظر الاستقلالي متعلّق ابتداءً نحو عقد المستثنى منه، و معه كيف يمكن القول بعدم كونه في مقام البيان إلّا من ناحية الأركان.

نعم، يمكن دعوى العكس، بأن يمنع عن الإطلاق في الخمسة، و أنّ الحديث‌

19

..........

____________

لا يدلّ إلّا على الإعادة فيها في الجملة و بنحو الموجبة الجزئية، قبال غير الأركان فانّ لهذه الدعوى مجالًا و إن كانت ساقطة أيضاً كما لا يخفى، و أمّا نفي كونه في مقام البيان لما عدا الأركان مع أنّه المقصود الأصلي الذي سيق من أجله الكلام فهو في حيّز المنع جدّاً، و لا ينبغي الإصغاء إليه، بل قد عرفت أنّ إطلاق الحديث شامل لصورة العمد أيضاً لولا الانصراف المانع عن الالتزام به.

و على الجملة: فلا مجال لإنكار الدلالة على الإطلاق الشامل لحالتي الجهل و السهو، و المنع عن ذلك في غير محلّه.

و أمّا الإجماع المدعى على إلحاق الجاهل بالعامد فجعله مؤيّداً فضلًا عن الاستدلال به كما عن بعض غريب جدّاً، فانّ مورد الإجماع الذي ادّعاه السيد الرضي و أقرّه عليه أخوه الأجلّ علم الهدى على ما حكاه شيخنا الأنصاري (1) إنّما هو الجاهل المقصّر، و لذا استثنوا منه الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام فوقعوا في كيفية الجمع بين الصحّة و العقاب في حيص و بيص، و ذهبوا في التفصّي عن الإشكال يميناً و شمالًا.

و أمّا القاصر فلم يقم في مورده إجماع قطعاً، و لم تثبت دعواه من أحد. فلو كان ثمّة إجماع فمورده المقصّر فقط، و كلامنا فعلًا في الجاهل القاصر.

الوجه الثالث: ما قد يقال من أنّ الحديث معارض بأدلّة الأجزاء و الشرائط مثل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» (2) أو لمن لم يقم صلبه (3)

____________

(1) فرائد الأُصول 1: 71، 2: 508.

(2) المستدرك 4: 158/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 5 [و لا يخفى أنّ هذه الرواية مرسلة، و لعلّ المقصود مضمونها الوارد في صحيحة محمّد بن مسلم المرويّة في الوسائل 6: 37/ أبواب القراءة في الصلاة ب 1 ح 1].

(3) الوسائل 5: 488/ أبواب القيام ب 2 ح 1، 2.

20

..........

____________

و نحو ذلك، فإنّ إطلاق هذه الأدلّة شامل للعامد و الناسي و الجاهل، كإطلاق الحديث، خرج العامد عن الأخير بالإجماع و غيره، كما أنّ الناسي خرج عن تلك الأدلّة، لكونه المتيقّن من مورد الحديث، فيبقى الجاهل بالحكم مشمولًا لكلا الإطلاقين، فلا تجب عليه الإعادة بمقتضى الحديث، و تجب بمقتضى دليل الجزئية لانتفاء المركّب بانتفاء جزئه.

فاذا كانت المعارضة بين الدليلين بالإطلاق سقط الإطلاقان لا محالة، و حيث لم يثبت الاجتزاء بهذا العمل الناقص فالمرجع حينئذ قاعدة الاشتغال المقتضية لوجوب الإعادة، بل ربما يرجّح إطلاق تلك الأدلّة من أجل الشهرة القائمة على اختصاص الحديث بالناسي.

و فيه أوّلًا: أنّ حديث لا تعاد لكونه ناظراً إلى أدلّة الأجزاء و الشرائط فهو حاكم عليها لا أنّه معارض لها، و لا شكّ في أنّ إطلاق الدليل الحاكم مقدّم على إطلاق الدليل المحكوم، فاذا سلّم شمول إطلاق الحديث للجاهل فلا بدّ أن يسلّم تقدّمه على الأدلّة الأوّلية، و لا تصل النوبة إلى ملاحظة النسبة بينهما أو إعمال قواعد الترجيح كما لا يخفى.

و ثانياً: سلّمنا المعارضة و أغضينا النظر عن الحكومة لكن الترجيح بالشهرة ممّا لا مسرح له في المقام، فإنّ الشهرة المعدودة من المرجّحات في باب التعارض على القول بها إنّما هي الشهرة الروائية بحيث يعدّ ما يقابلها من الشاذّ النادر، و أمّا الشهرة الفتوائية كما في المقام فليست هي من المرجّحات قطعاً كما أشرنا إليه في الأُصول في بحث التعادل و التراجيح (1).

فغاية ما هناك تعارض الإطلاقين و تساقطهما، و المرجع حينئذ أصالة البراءة دون الاشتغال، للشكّ في اعتبار الجزئية في ظرف الجهل، فانّ المتيقّن اعتبارها‌

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 412.

21

..........

____________

في ظرف العلم و عدم اعتبارها لدى النسيان، و أمّا الاعتبار حالة الجهل القصوري فمشكوك حسب الفرض، و مقتضى الأصل البراءة عن اعتبار الجزئية في هذه الحالة.

و قد أشرنا في مباحث القطع من الأُصول و في مطاوي بعض الأبحاث الفقهية إلى أنّه لا مانع من اختصاص الحكم بحال العلم به لا ثبوتاً و لا إثباتاً، لإمكان ذلك و لو بتعدّد الدليل (1) و قد ثبت نظيره في باب الجهر و الإخفات، لقوله (عليه السلام) في صحيح زرارة: «... فإن فعل ذلك ناسياً أو ساهياً أو لا يدري فلا شي‌ء عليه، و قد تمّت صلاته» (2) و أشرنا في مبحث القراءة (3) عند التعرّض للرواية إلى أنّ ظاهر التمامية مطابقة المأتي به للمأمور به و عدم نقص فيه الملازم لعدم اعتبار الجزئية في حال الجهل.

فمن الجائز أن يكون المقام من هذا القبيل، فلا تكون الجزئية و لا الشرطية معتبرة لما عدا الأركان في ظرف الجهل، كالنسيان، و مع الشك في ذلك كان المرجع أصالة البراءة دون الاشتغال كما عرفت.

الوجه الرابع: ما قيل من أنّ الحديث في نفسه و إن شمل مطلق المعذور حتّى الجاهل بالتقريب المتقدّم، إلّا أنّ النصّ الخاصّ دلّ على الإعادة في خصوص الجاهل، فيكون ذلك مخصصاً للقاعدة و مقيّداً لها بالناسي، و يتمسّك في ذلك بروايتين:

إحداهما: صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): «إنّ اللّٰه تبارك و تعالى فرض الركوع و السجود، و القراءة سنّة، فمن ترك القراءة متعمّداً أعاد الصلاة‌

____________

(1) [لاحظ مصباح الأُصول 2: 44، 59، فإنه ذكر خلافه].

(2) الوسائل 6: 86/ أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1.

(3) [لم نعثر على ذلك، لاحظ شرح العروة 14: 391 392]

22

..........

____________

و من نسي فلا شي‌ء عليه» (1).

دلّت على افتراق الفريضة عن السنّة، و أنّ ترك الاولى يوجب البطلان مطلقاً و أمّا الثانية التي منها القراءة فإنّما يوجب تركها البطلان في صورة العمد دون النسيان، و لا شكّ أنّ الجاهل متعمّد، لكونه مستنداً في تركه إلى العمد و القصد و إن كان معذوراً فيه من أجل الجهل، فهو مندرج في العامد دون الناسي الذي لا قصد له. فجعل المقابلة بين العامد و الناسي و وضوح اندراج الجاهل في الأوّل كاشف عن وجوب الإعادة عليه أيضاً، و اختصاص عدمها بالناسي.

الثانية: صحيحة منصور بن حازم قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنِّي صلّيت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلّها، فقال: أ ليس قد أتممت الركوع و السجود؟ قلت: بلى، قال: قد تمّت صلاتك إذا كان نسياناً» و في نسخة «إذا كنت ناسياً» (2). دلّت بمقتضى مفهوم الشرط على عدم الصحّة فيما عدا صورة النسيان، هذا.

و لكنّ الظاهر أنّ الروايتين لا تدلان على ذلك.

أمّا صحيح زرارة: فلأنّ من الواضح أنّ ترك القراءة عن جهل بالحكم لعلّه لا يتّفق خارجاً، إذ كلّ من يلتفت إلى وجوب الصلاة فهو يعلم بوجوب القراءة لا محالة، فالتفكيك إمّا لا يتحقّق أو نادر التحقّق جدّاً كما لا يخفى.

فكيف يمكن أن يراد بالعامد في المقام ما يشمل الجاهل، بل الظاهر أنّ المراد به من لا يكون معذوراً، كما أنّ المراد بالناسي من كان تركه مستنداً إلى العذر من نسيان و نحوه، و غرضه (عليه السلام) أنّ غير المعذور يعيد و المعذور لا يعيد، فانّ للعمد إطلاقين.

____________

(1) الوسائل 6: 87/ أبواب القراءة في الصلاة ب 27 ح 1.

(2) الوسائل 6: 90/ أبواب القراءة في الصلاة ب 29 ح 2.

23

..........

____________

أحدهما: ما يقابل النسيان، و معناه القصد، و هو بهذا المعنى يشمل الجاهل فإنّه أيضاً قاصد و إن استند قصده إلى الجهل.

ثانيهما: ما يقابل الخطأ و العذر، و هذا أيضاً شائع في الاستعمال، كما يقال القتل العمدي، في قبال الخطأي، و هو بهذا المعنى غير صادق على الجاهل بالحكم، فإنّه مخطئ في عمله إمّا بنفسه أو بمقلّده.

فاذا فعل أو ترك شيئاً جهلًا لم يصدر ذاك عنه عمداً، بل هو مخطئ في ذلك كما لو تخيّل الجاهل أنّ هذا المائع ملكه فشربه ثمّ تبيّن أنّه لغيره، فانّ الشرب و إن صدر عنه عن قصد لكن لا بعنوان أنّه ملك للغير، بل بحسبان أنّه ملك له، أو اعتمد في ذلك على أصل عملي كأصالة الإباحة مثلًا. و كيف ما كان فهو مخطئ في التطبيق، معذور في الشرب، و ليس بعامد. فالعمد بهذا المعنى غير متحقّق في الجاهل.

و عليه فلم يعلم المراد من العمد في الصحيحة و أنّه بمعنى القصد في مقابل النسيان كي يشمل الجاهل، أو المراد به ما يقابل الخطأ كي لا يشمل. و كلا الأمرين محتمل في نفسه، و لكن الثاني أظهر، لما عرفت من أنّ ترك القراءة جهلًا ربما لا يتّفق خارجاً، فمراده (عليه السلام) التفصيل بين المعذور و غيره و أنّ المعذور لا يعيد صلاته، و إنّما خصّ النسيان بالذِّكر من أجل أنّه أكثر أفراد العذر و أظهرها.

و يؤيّد ذلك أنّ عدم الإعادة ثابت في غير موارد النسيان جزماً، كما لو أخطأ فتخيّل أنّ الركعة التي بيده هي الثالثة فاختار التسبيح ثمّ تبيّن في الركوع أنّها الثانية، أو دخل في الجماعة معتقداً أنّ الإمام في الركعة الأُولى أو الثانية فلم يقرأ ثمّ استبان أنّه كان في الثالثة، فإنّه لا تجب عليه الإعادة في هذه الموارد و نحوها قطعاً، مع أنّه تارك للقراءة عمداً، أي عن قصد.

24

..........

____________

فيكشف ذلك عمّا ذكرناه من أنّ المراد من العمد ما يقابل العذر لا ما يقابل النسيان، و أنّ المقابلة بينهما في النصّ من أجل أنّ النسيان هو الفرد البارز من العذر، لا لخصوصية فيه، و إلّا فالجهل بالقراءة لا يكاد يتحقّق أبداً كما عرفت.

و الحاصل: أنّ الاستدلال بالصحيحة على ثبوت الإعادة للجاهل يتوقّف على إثبات أنّ المراد من المتعمّد هو القاصد، كي يشمل الجاهل، و لكنّه لم يثبت بل هو بعيد في نفسه، فإنّ أكثر استعمال العمد في مقابل الخطأ، لا بمعنى مجرّد القصد كما لا يخفى. فالصحيحة في نفسها غير ظاهرة في ذلك، و لا أقلّ من الشكّ و إجمال المراد من العمد، فتسقط عن الاستدلال، فلا تصلح لتخصيص الحديث.

و أمّا صحيحة منصور: فالأمر فيها أوضح، إذ لا مفهوم لها أبداً، فانّ القضية شخصية، و الشرط مسوق لبيان تحقّق الموضوع الذي فرضه السائل و حاصل الجواب: أنّ الأمر إن كان كما ذكرت من فرض كونك ناسياً في مقابل العامد فقد تمّت صلاتك، و لا إعادة عليك في هذا التقدير.

و لا دلالة فيها بوجه على أنّ كلّ من لم يكن ناسياً و إن كان معذوراً كالجاهل تجب عليه الإعادة، لابتنائها على انعقاد المفهوم، و لا مفهوم لها بعد كون القيد مسوقاً لبيان الأمر المتقدّم في كلام السائل، و لتحقيق الموضوع الذي فرضه الراوي كما عرفت. و عليه فإطلاق لا تعاد الشامل للجاهل حسب الفرض سليم عمّا يصلح للتقييد.

و ملخّص الكلام حول حديث لا تعاد: أنّا قد ذكرنا غير مرّة أنّ الأمر بالإعادة الوارد في غير واحد من الأخبار لدى الإخلال بشي‌ء وجوداً أو عدماً ليس أمراً نفسياً، و إنّما هو إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية أو المانعية، إيعازاً إلى أنّ في العمل المأتي به خللًا و نقصاً يجب تداركه بالاستئناف. ففي مثل قوله‌

25

..........

____________

(عليه السلام): «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (1) يفهم مانعية الزيادة و أنّها معتبرة عدماً، و هكذا في سائر الموارد المتضمّنة للأمر بالإعادة.

و بمقتضى المقابلة يدل نفي الإعادة الوارد في مثل حديث لا تعاد على صحّة العمل و إن كان فاقداً لما عدا الخمسة، و أنّ الجزئية أو الشرطية أو المانعية في غير الأركان لم تكن مجعولة على سبيل الإطلاق و إنّما هي مختصّة بحال دون حال.

و لا إشكال في عدم ثبوت الجزئية و أخويها في حال السهو، فإنّها القدر المتيقّن من الحديث الذي هو حاكم على جميع الأدلّة الأولية، و لذا يعبِّرون عنها بأنّها أجزاء أو شرائط ذكرية. فلا يحكم بالبطلان لدى الإخلال السهوي جزماً.

إنّما الكلام في أنّ الحديث كما يشمل السهو هل يشمل الجهل أيضاً أو لا و قد عرفت أنّه لا مانع من الشمول للجاهل القاصر، لعدم قصور في الإطلاق بالإضافة إليه، فمن أتى بالوظيفة و هو يرى أنّه أتى بها على ما هي عليه ثمّ انكشف له النقص لا تجب عليه الإعادة، كما عرفت أنّ الحديث في نفسه قاصر الشمول بالنسبة إلى العامد، بل لعلّه مناف لدليل الجزئية كما مرّ.

و أمّا الجاهل المقصّر فان كان ملتفتاً حين العمل فهو أيضاً غير مشمول لأنّ الظاهر من الحديث أنّه ناظر إلى ما إذا كانت الإعادة معلولة للتذكّر أو انكشاف الخلاف، بحيث لم تكن ثمّة حاجة إليها لولاهما، و من المعلوم أنّ المقصر الملتفت محكوم بالإعادة مطلقاً، سواء انكشف لديه الخلاف أم لا، إذ لا يصحّ له الاجتزاء بعمله بعد أن كان الواقع منجّزاً عليه و لم يكن جهله معذّراً له، فلا أثر لانكشاف الخلاف بالإضافة إليه. فالحديث قاصر الشمول بالنسبة إليه في حدّ نفسه، لعدم كونه متكفّلًا لبيان من عمله محكوم بالبطلان من الأوّل كما هو واضح.

____________

(1) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2.

26

..........

____________

و أمّا غير الملتفت الذي تمشّى منه قصد القربة معتقداً صحّة عمله فهو في نفسه لا مانع من شمول الحديث له، إذ هو بحيث لو لم ينكشف له الخلاف لم يكن محكوماً بالإعادة لاعتقاده صحّة العمل حسب الفرض، و الواقع و إن كان منجّزاً عليه من أجل تقصيره في جهله إلّا أنّ الحديث الحاكم على الأدلّة الأوّلية متكفّل لنفي الإعادة و صحّة العمل، فلا قصور في شموله لمثله في حدّ نفسه. إلّا أنّه لا يمكن الالتزام بذلك لوجهين:

أحدهما: الإجماع القطعي القائم على إلحاق المقصّر بالعامد، المؤيّد بما ورد من أنّه يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: «هلّا عملت، فيقول: ما علمت، فيقال: هلّا تعلمت» (1). فهو ملحق بالعامد بالإجماع و النصّ.

ثانيهما: أنّه قد ورد الأمر بالإعادة لدى الإخلال بشي‌ء وجوداً أو عدماً في غير واحد من الأخبار، مثل قوله (عليه السلام) (2): «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» و نحو ذلك ممّا يستكشف منه الجزئية أو الشرطية أو المانعية كما مرّ و هي كثيرة واردة في أبواب التشهّد (3) و القراءة (4) و الموانع (5) و غيرها، فلو كان الحديث شاملًا للمقصّر أيضاً كالقاصر فأيّ مورد يبقى بعدئذ لهذه الأخبار.

____________

(1) [و هو مضمون ما رواه المفيد في أماليه: 227/ 6 عن مسعدة، قال: «سمعت جعفر ابن محمّد (عليهما السلام) و قد سئل عن قوله تعالى فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ فقال: إنّ اللّٰه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالماً؟ فإن قال: نعم، قال له: أ فلا عملت بما علمت. و إن قال: كنت جاهلًا، قال له: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل، فيخصمه و ذلك الحجّة البالغة». و كذا نقله في البحار 2: 29 عن الأمالي].

(2) المتقدّم آنفاً.

(3) الوسائل 6: 403/ أبواب التشهد ب 7 ح 7، 8 و غيرهما.

(4) الوسائل 6: 86/ أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1، 87/ ب 27 ح 1 و غيرهما.

(5) الوسائل 7: 234/ أبواب قواطع الصلاة ب 1 ح 6، 7 و غيرهما.

27

..........

____________

أجل يبقى مورد العمد و ما يلحق به من المقصّر الملتفت، لكنّه نادر جدّاً، بل لعلّ صورة العمد لم تتحقّق أبداً أو في غاية الندرة، فإنّ ما يقع في الخارج من الإخلال مستند غالباً إلى الجهل، كما أنّ الغالب فيه ما يكون عن تقصير و من غير التفات من أجل عدم الفحص، فلو كان المقصّر أيضاً مشمولًا للحديث لزم حمل هذه الأخبار على كثرتها على الفرد النادر، و هو كما ترى. فبهذه القرينة و القرينة السابقة نلتزم بعدم الشمول، و إن كان الحديث في نفسه غير قاصر الشمول كما عرفت.

نعم، يستثني من ذلك موردان يحكم فيهما بالصحّة و إن كان الجاهل مقصّراً تعرّضنا لهما في الأُصول في باب الاشتغال (1) و هما الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام، فقد التزم الفقهاء فيهما بالصحّة من أجل النصّ الخاصّ (2) لا لحديث لا تعاد كما التزموا بالعقاب أيضاً إمّا بدعوى الأمر بهما على نحو من الترتّب غير الترتّب الاصطلاحي، أو بدعوى قيام المصلحة الكاملة بصلاة القصر أو الجهر مثلًا و المصلحة الناقصة بالإخفات أو الإتمام كما التزم به في الكفاية (3).

و قد ذكرنا في محلّه عدم الدليل على شي‌ء من الدعويين، بل الوجه في الصحّة لدى الجهل على ما يستفاد من النصّ المتضمّن لها كون العلم جزءاً من الموضوع فلو لم يفحص المكلّف و لو باختياره لا حاجة إلى الإعادة، لأنّ الموضوع هو العالم بالحكم، و لا مانع من أخذ العلم بالحكم جزءاً لموضوع نفسه و لو بدليل آخر كما بيّناه في الأُصول (4). و أمّا العقاب فلم يثبت، إذ لم يقم عليه إجماع.

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 506.

(2) الوسائل 6: 86/ أبواب القراءة في الصلاة ب 26 ح 1، 8: 506/ أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 4 و غيره.

(3) كفاية الأُصول: 378.

(4) [لاحظ مصباح الأُصول 2: 44، 59، فإنه ذكر خلافه].

28

[مسألة 4: لا فرق في البطلان بالزيادة العمدية بين أن يكون في ابتداء النيّة أو في الأثناء]

[2005] مسألة 4: لا فرق في البطلان بالزيادة العمدية بين أن يكون في ابتداء النيّة أو في الأثناء، و لا بين الفعل و القول، و لا بين الموافق لأجزاء الصلاة و المخالف لها (1)

____________

و على الجملة: نلتزم بالصحّة في هذين الموردين لأجل النصّ و إن كان فاقداً لجزء أو شرط، و لو دلّ النصّ على مورد آخر فكذلك، إذ لا مانع ثبوتاً من أخذ العلم بالحكم جزءاً من الموضوع، و المفروض قيام الدليل عليه إثباتاً. و قد عرفت عدم الدليل على العقاب و إن كان الجاهل مقصّراً، نعم ينصرف النصّ إلى من يرى صحّة عمله، فلا يشمل المتردّد كما لا يخفى.

و كيف ما كان، فالكبرى الكلّية المستفادة من حديث لا تعاد هي اختصاص الجزئية و أخويها بغير السهو و بغير الجهل العذري، فإن قام دليل في مورد على الإعادة حتّى في الناسي أو الجاهل يعتمد عليه، مثل ما ورد في من كبّر جالساً ناسياً من أنّه يعيد (1) و لذا قالوا: إنّ القيام حال التكبير ركن. و مثل ما ورد من البطلان في من صلّى في النجس ناسياً (2). فكلّما ورد نصّ على خلاف هذه الكبرى يؤخذ به و يلتزم بالتخصيص، و إلّا كانت الكبرى هي المتّبع.

و المتحصّل: أنّ الإخلال بما عدا الأركان نسياناً أو جهلًا قصورياً محكوم بالصحّة. و منه تعرف حكم تبدّل الرأي و العدول، فلا حاجة إلى الإعادة لو تعلّق بغير الأركان كما مرّ. و قد عرفت أنّ الظاهر أنّ مراد الماتن (قدس سره) من الجاهل إنّما هو القاصر دون المقصّر.

(1) بعد الفراغ عن بطلان الصلاة بالزيادة العمدية يقع الكلام في أنّه هل‌

____________

(1) الوسائل 5: 503/ أبواب القيام ب 13 ح 1.

(2) الوسائل 3: 479/ أبواب النجاسات ب 42 ح 2.

29

..........

____________

يعتبر في الزائد أن يكون من جنس المزيد عليه و مسانخاً للأجزاء الصلاتية أو لا، بل تصدق الزيادة حتّى على ما يخالف الأجزاء و يباينها إذا أتى بالزائد بعنوان أنّه من الصلاة. ذهب بعضهم إلى الأوّل، و المشهور الثاني، و هو الأقوى.

و يستدلّ للاعتبار بأنّ صدق مفهوم الزيادة متقوّم بالموافقة و الاتّحاد في الجنس بين الزائد و المزيد عليه، فلو أمر المولى بطبخ طعام، أو تركيب معجون أو بناء عمارة، أو صنع سرير و نحو ذلك من المركّبات المؤلّفة من عدّة أجزاء فلا تتحقّق الزيادة على المأمور به إلّا إذا زاد عليه ممّا يسانخ أجزاءه و يوافقها في الجنس، كما لو أمره ببناء عمارة ذات أربع غرف فبنى خمساً، أو صنع سرير طوله متران فزاد عليه بنصف متر مثلًا، أو طبخ طعام خال عن الملح فأدخله فيه، و هكذا.

و أمّا لو زاد فيه من غير الجنس كما لو قرأ سورة من القرآن حين البناء و لو بقصد كونها منه فانّ ذلك لا يعدّ زيادة في المأمور به، لمباينتها مع أجزائه و عدم كون السورة من جنسها. و عليه فلا يعدّ شي‌ء زيادة في الصلاة إلّا إذا كان الزائد من جنس الأجزاء الصلاتية، دون المخالف لها و إن جي‌ء به بقصد كونه من الصلاة.

و فيه ما لا يخفى، فإنّه خلط بين المركّبات الخارجية و المركّبات الاعتبارية فإنّ المركّب الخارجي أمر تكويني مؤلّف من أجزاء محسوسة خارجية غير منوطة بالاعتبار و القصد، فلا يتّصف شي‌ء بعنوان الزيادة بمجرّد قصد كونه منه ما لم يكن من جنس المزيد عليه.

و هذا بخلاف المركّب الاعتباري، فانّ الوحدة الملحوظة بين أجزائه متقوّمة بالاعتبار و القصد، كيف و ربما تكون الأجزاء غير مرتبطة بعضها ببعض و أجنبية بعضها عن الآخر لكونه مؤلّفاً من ماهيات متشتّتة و مقولات متباينة كالصلاة فالحافظ للوحدة و المحقّق للتركيب ليس إلّا الاعتبار و القصد.

30

و لا بين قصد الوجوب بها و الندب [1] (1).

____________

و عليه فقصد كون شي‌ء منه سواء أ كان من جنس الأجزاء أم لا يوجب جزئيته للمأمور به، فيكون زيادة فيه بطبيعة الحال. فلا يناط الصدق بالاتّحاد في السنخ في باب الاعتباريات التي يدور التركيب مدارها، و لا واقع له وراءها بل مجرّد الإتيان بشي‌ء بقصد الجزئية و بعنوان كونه ممّا يتألف منه المركّب كافٍ في صدق الزيادة و إن كان ممّا يخالفه في الجنس.

و يؤكّد ذلك ما ورد في باب التكفير في الصلاة من النهي عنه معلّلًا بأنّه عمل و لا عمل في الصلاة (1)، إذ ليس المراد من العمل المنفي في الصلاة مطلق العمل و إن لم يقصد به الجزئية، ضرورة جواز ذلك ما لم يكن ماحياً للصورة كحكّ رأسه أو جسده، أو رفع رجله أو تحريك يده و نحو ذلك، بل المراد كما أشرنا إليه عند التعرّض للرواية في باب التكفير (2) العمل المقصود به الجزئية و المأتي به بعنوان كونه من الصلاة، مثل التكفير على ما يصنعه العامّة.

فتطبيق الإمام (عليه السلام) هذا العنوان على التكفير غير المسانخ للأجزاء الصلاتية كاشف عمّا ذكرناه من صدق الزيادة على ما قصد به الجزئية، و إن لم يكن الزائد من جنس المزيد عليه.

(1) لما عرفت من أنّ العبرة في صدق الزيادة بقصد الجزئية، المشترك بين الإتيان بعنوان الوجوب أو الندب، فلا أثر لنيّة الوجه في ذلك. فلو أتى بالقنوت في غير محلّه كما في الركعة الثالثة أو الثانية بعد الركوع بقصد كونه من الصلاة‌

____________

[1] البطلان بزيادة ما قصد به الندب محلّ إشكال، بل منع.

____________

(1) الوسائل 7: 266/ أبواب قواطع الصلاة ب 15 ح 4.

(2) شرح العروة 15: 425.

31

..........

____________

كان زيادة فيها و إن أتى به بنيّة الاستحباب.

لكنّ هذا مبني على تصوير الجزء المستحب كي يمكن الإتيان به بقصد الجزئية المحقّق لعنوان الزيادة. و قد أشرنا غير مرّة (1) إلى عدم معقولية ذلك للمنافاة الظاهرة بين الجزئية و الاستحباب، فانّ مقتضى الأوّل الدخل في الماهية و تقوّمها به، و مقتضى الثاني عدم الدخل و جواز الترك.

و هذا من غير فرق بين أن يراد به الجزء للطبيعة أو الجزء للفرد، إذ الفرد لا يزيد على الطبيعة بشي‌ء عدا إضافة الوجود إليه، ففرض كون شي‌ء جزءاً للفرد من الطبيعة دون الطبيعة نفسها غير معقول كما لا يخفى. فاستحباب الجزء مسامحة في التعبير، و المراد أنّه مستحبّ نفسيّ ظرفه الصلاة كالقنوت و الأذكار المستحبّة، و أنّ الصلاة المشتملة عليه تتضمّن مزيّة زائدة، و أنّها أفضل من العارية عنه.

و عليه فالإتيان بالقنوت الزائد و نحوه لا يستوجب البطلان من ناحية الزيادة لتقوّمها بقصد الجزئية المتعذّر في أمثال المقام كما عرفت. فغاية ما هناك أنّه تشريع محرّم، فإن أوجب ذلك السراية إلى نفس العمل أوجب البطلان بهذا العنوان لا بعنوان الزيادة، و إلّا فلا.

و قد ذكرنا في محلّه أنّ الذكر المحرم من القنوت و نحوه بمجرّده لا يستوجب البطلان، فانّ المبطل إنّما هو كلام الآدمي، و الذكر المحرم لا يخرج عن كونه ذكراً و إن كان محرّماً، و لا يندرج في كلام الآدميين كي تبطل معه الصلاة من هذه الجهة (2).

____________

(1) منها ما تقدّم في ص 3.

(2) شرح العروة 15: 446، 392.

32

نعم، لا بأس بما يأتي به من القراءة و الذكر في الأثناء لا بعنوان أنّه منها ما لم يحصل به المحو [1] للصورة، و كذا لا بأس بإتيان غير المبطلات من الأفعال الخارجية المباحة كحكّ الجسد و نحوه إذا لم يكن ماحياً للصورة (1).

____________

(1) أفاد (قدس سره) أنّ الإتيان بالقراءة أو الذكر في الأثناء لا بقصد الجزئية لا مانع منه ما لم يكن ماحياً للصورة الصلاتية، لعدم كون ذلك مصداقاً للزيادة بعد عدم القصد المزبور، ثمّ ذكر (قدس سره) أخيراً مثل ذلك في الأفعال الخارجية المباحة كحكّ الجسد و نحوه، و أنّه لا بأس بالإتيان بها أيضاً لا بعنوان الصلاة ما لم تكن ماحية للصورة.

أقول: أمّا التفصيل بين الماحي و غيره في الأفعال فوجيه، فلا مانع من غير الماحي من الأفعال المباحة، بل قد ورد النصّ الخاصّ في بعضها (1) دون ما كان ماحياً كما لو حكّ رأسه مقدار نصف ساعة مثلًا، أو اشتغل بالمطالعة كذلك.

و أمّا التفصيل بين الماحي و غيره في الأذكار و القراءة فغير وجيه، إذ لا مصداق للماحي للصورة الصلاتية من بينها و إن طالت مدّة الاشتغال بالذكر أو القراءة بعد ملاحظة ما ورد من قوله (عليه السلام): «كلّ ما ذكرت اللّٰه (عزّ و جلّ) به و النبيّ فهو من الصلاة» (2)، فانّ من المعلوم أن ليس المراد من قوله: «فهو من الصلاة» أنّه جزء من الصلاة، لمنافاة الجزئية مع فرض الاستحباب كما مرّ، بل هو مبنيّ على ضرب من الادّعاء و التنزيل، و المراد أنّه محسوب من الصلاة و كأنّه من أجزائها، و لم يكن خارجاً عنها ما دام متشاغلًا بها.

____________

[1] و لا يحصل، لأنّ كل ما ذكر اللّٰه به فهو من الصلاة.

____________

(1) الوسائل 7: 254/ أبواب قواطع الصلاة ب 9 ح 2، 279/ ب 23 ح 1، و غيرهما.

(2) الوسائل 7: 263/ أبواب قواطع الصلاة ب 13 ح 2.

33

[مسألة 5: إذا أخلّ بالطهارة الحدثية ساهياً بأن ترك الوضوء أو الغسل أو التيمّم]

[2006] مسألة 5: إذا أخلّ بالطهارة الحدثية ساهياً بأن ترك الوضوء أو الغسل أو التيمّم بطلت صلاته و إن تذكّر في الأثناء، و كذا لو تبيّن بطلان أحد هذه من جهة ترك جزء أو شرط (1).

[مسألة 6: إذا صلّى قبل دخول الوقت ساهياً بطلت]

[2007] مسألة 6: إذا صلّى قبل دخول الوقت ساهياً بطلت، و كذا لو صلّى إلى اليمين أو اليسار أو مستدبراً فيجب عليه الإعادة أو القضاء [1].

[مسألة 7: إذا أخلّ بالطهارة الخبثية في البدن أو اللباس ساهياً بطلت]

[2008] مسألة 7: إذا أخلّ بالطهارة الخبثية في البدن أو اللباس ساهياً بطلت، و كذا إن كان جاهلًا بالحكم [1] أو كان جاهلًا بالموضوع و علم في الأثناء مع سعة الوقت، و إن علم بعد الفراغ صحّت، و قد مرّ التفصيل سابقا.

[مسألة 8: إذا أخلّ بستر العورة سهواً فالأقوى عدم البطلان]

[2009] مسألة 8: إذا أخلّ بستر العورة سهواً فالأقوى عدم البطلان و إن كان هو الأحوط، و كذا لو أخلّ بشرائط الساتر عدا الطهارة من المأكولية و عدم كونه حريراً أو ذهباً و نحو ذلك.

____________

و عليه فلو اشتغل بعد الركوع أو بعد التشهّد بقراءة القرآن أو الذكر من غير قصد الجزئية فكلّ ذلك محسوب من الصلاة، و ليس خارجاً عنها و إن طالت المدّة كثيراً جدّاً، كما لو اشتغل بدعاء كميل أو أبي حمزة و نحوهما، و لا يكون شي‌ء من ذلك ماحياً للصورة. فكبرى مبطليّة الماحي و إن كانت مسلّمة لكنّه لا صغرى لها في باب الأذكار، بل يختصّ ذلك بباب الأفعال كما عرفت.

(1) تعرّض (قدس سره) في هذه المسألة و ما بعدها إلى نهاية المسألة العاشرة لعدّة فروع تتعلّق بالإخلال بالأركان و غيرها سهواً من الطهارة الحدثية (1)

____________

[1] مرّ أنّ عدم وجوبه في غير الجاهل بالحكم غير بعيد.

[1] هذا إذا كان جهله عن تقصير.

____________

(1) ذكر ذلك في موارد منها ما تقدم في شرح العروة 6: 82، 111.

34

[مسألة 9: إذا أخلّ بشرائط المكان سهواً فالأقوى عدم البطلان]

[2010] مسألة 9: إذا أخلّ بشرائط المكان سهواً فالأقوى عدم البطلان و إن كان أحوط فيما عدا الإباحة، بل فيها أيضاً إذا كان هو الغاصب [1].

[مسألة 10: إذا سجد على ما لا يصحّ السجود عليه سهواً إمّا لنجاسته]

[2011] مسألة 10: إذا سجد على ما لا يصحّ السجود عليه سهواً إمّا لنجاسته أو كونه من المأكول أو الملبوس لم تبطل الصلاة، و إن كان هو الأحوط [2]. و قد مرّت هذه المسائل في مطاوي الفصول السابقة.

[مسألة 11: إذا زاد ركعة أو ركوعاً أو سجدتين من ركعة أو تكبيرة الإحرام سهواً]

[2012] مسألة 11: إذا زاد ركعة (1) أو ركوعاً أو سجدتين من ركعة أو تكبيرة الإحرام سهواً [3] بطلت الصلاة، نعم يستثني من ذلك زيادة الركوع أو السجدتين في الجماعة.

____________

و الخبثية (1) و الوقت (2) و القبلة (3) و الستر (4) و شرائط المكان (5) و نحوها (6). و قد مرّ الكلام حول كلّ من ذلك في محالّها مستقصى عند التعرّض لها في مطاوي الفصول السابقة فلا نعيد.

(1) المعروف و المشهور أنّ زيادة الركعة سهواً تستوجب البطلان مطلقاً‌

____________

[1] الظاهر هو البطلان فيما إذا كان الناسي هو الغاصب.

[2] قد مرّ تفصيل الكلام في ذلك [في المسألة 1618].

[3] الظاهر أنّ زيادتها سهواً لا تبطل الصلاة.

____________

(1) تقدّم البحث عنه في شرح العروة 3: 316 و ما بعدها.

(2) تقدّم البحث عنه في شرح العروة 11: 380.

(3) تقدّم البحث عنه في شرح العروة 12: 40 و ما بعدها.

(4) تقدّم البحث عنه في شرح العروة 12: 120 121، 3: 340، 12: 297، 323، 374.

(5) تقدّم البحث عنه في شرح العروة 13: 16.

(6) [كالسجود على ما لا يصحّ السجود عليه، و قد تقدّم في شرح العروة 15: 136].

35

..........

____________

و نسب الخلاف إلى ابن الجنيد (1) و الشيخ في التهذيب و الاستبصار (2) و المحقّق في المعتبر (3) و العلّامة في بعض كتبه (4) و جملة من المتأخّرين فذهبوا إلى الصحّة فيما إذا جلس عقيب الرابعة بمقدار التشهّد، و أنّ البطلان خاصّ بما إذا لم يجلس هذا المقدار. و يظهر من صاحب الوسائل اختياره مع زيادة صورة الشكّ في الجلوس و الحكم بالصحّة فيها أيضاً كما صرح به في عنوان الباب التاسع عشر من الخلل (5). و حكي هذا التفصيل عن أبي حنيفة (6) و سفيان الثوري (7)، بل نسب القول بالصحّة مطلقاً إلى جمهور العامّة.

و كيف ما كان، فيقع الكلام أوّلًا فيما تقتضيه القاعدة، و أُخرى بالنظر إلى النصوص الخاصّة الواردة في المقام.

أمّا بحسب القواعد فمقتضاها الصحّة، سواء أجلس عقيب الرابعة بمقدار التشهّد أم لم يجلس، و سواء أ تشهّد أم لم يتشهّد، بل حتّى لو نسي السجدة الأخيرة أيضاً فزاد ركعة سهواً قبل الإتيان بها و بالتشهّد و السلام.

و ذلك لأنّ مقتضى حديث لا تعاد الحاكم على الأدلّة الأولية نفي جزئية هذه الأُمور في ظرف النسيان، فزيادة الركعة سهواً قبل الإتيان بشي‌ء منها زيادة واقعة خارج الصلاة، لا في أثنائها كي تستوجب البطلان، لأنّ وقوعها في‌

____________

(1) حكاه عنه في المختلف 2: 392 المسألة 278.

(2) التهذيب 2: 194 ذيل ح 766، الاستبصار 1: 377 ذيل ح 1431.

(3) المعتبر 2: 380.

(4) المختلف 2: 392 المسألة 278.

(5) الوسائل 8: 231.

(6) المجموع 4: 163، المغني 1: 721، الشرح الكبير 1: 702.

(7) [لم نعثر عليه، نعم حكاه في الحدائق 9: 117].

36

..........

____________

الأثناء موقوف على جزئية هذه الأُمور في ظرف النسيان، و الحديث ناف للجزئية عندئذ، لعدم قصور في شموله لها بعد أن لم تكن من الأركان.

و قد ذكرنا في مبحث السلام (1) أنّ من نسي السلام فتذكّر بعد أن أحدث أو أتى ببعض المنافيات عمداً و سهواً كالاستدبار أو الفصل الطويل، أو زيادة الركعة كما في المقام، بل الركن وحده كالركوع، بحيث لم يمكن تدارك السلام بعدئذ صحّت صلاته، و كذا لو كان ذلك بعد نسيان التشهّد أيضاً، أو نسيانهما مع السجدة الأخيرة، لما عرفت من أنّ الحديث ينفي جزئيتها في هذه الحالة فيكون المنافي كالركعة الزائدة واقع خارج الصلاة. فالمقام من مصاديق هذه الكبرى، و لأجله كان مقتضى القاعدة هو الحكم بالصحّة مطلقاً.

و ممّا ذكرنا تعرف ما في استدلال المحقّق في المعتبر على عدم مبطلية الزيادة بعد الجلوس بقدر أن يتشهّد بأنّ الجلوس بهذا المقدار فاصل بين الفرض و الزيادة، فلا تتحقّق الزيادة في الأثناء.

إذ فيه: أنّ هذا المقدار من الفصل غير مانع عن صدق اسم الزيادة في الصلاة و لذا لو تذكّر قبل الإتيان بالزائد و تدارك التشهّد لحق بالأجزاء السابقة و انضمّ معها. فان بنينا على جزئية السلام المنسي و كذا التشهّد أو السجدة الثانية كانت الزيادة واقعة في الأثناء لا محالة، و أوجبت بطلان الصلاة. و إن بنينا على سقوطها عن الجزئية بمقتضى حديث لا تعاد كما عرفت صحّت، لوقوعها حينئذ خارج الصلاة. فالاعتبار في الصحّة و البطلان على جريان الحديث و عدمه و جزئية السلام و نفيها، و لا أثر لما ادّعاه (قدس سره) من الفصل.

و أمّا بالنظر إلى الروايات الخاصّة الواردة في المقام فمقتضى إطلاق غير‌

____________

(1) شرح العروة 15: 319.

37

..........

____________

واحد من النصوص و قد تقدّمت (1) هو البطلان، كموثّقة أبي بصير: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (2) و صحيحة زرارة: «إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتد بها و استقبل صلاته استقبالًا» (3).

فإنّ الصحيحة موردها السهو بقرينة التعبير بالاستيقان، و ذكرنا سابقاً أنّها رويت في الكافي تارة مشتملة على كلمة (ركعة) و أُخرى خالية عنها، و على التقديرين يصحّ الاستدلال بها في المقام، فإنّ زيادة الركعة هي القدر المتيقّن منها و إن لم تذكر فيها. و نحوهما غيرهما ممّا هو معتبر سنداً و دلالة.

و بإزائها روايات أُخرى أيضاً معتبرة دلّت على الصحّة فيما إذا جلس عقيب الرابعة بمقدار التشهّد، و في بعضها أنّه يقوم و يضيف إلى الركعة الزائدة ركعة أُخرى و يجعلهما نافلة و لا شي‌ء عليه.

فمنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل صلّى خمساً، قال: إن كان قد جلس في الرابعة قدر التشهّد فقد تمّت صلاته» (4) و ظاهرها أنّ الاعتبار بمجرّد الجلوس قدر التشهّد، لا بالتشهّد الخارجي.

و حمل الجلوس على نفس التشهّد بعيد جدّاً، فإنّه تعبير على خلاف المتعارف كيف و لو أُريد ذلك كان الأولى أن يقول (عليه السلام): إن كان قد تشهّد فقد تمّت صلاته، فإنّه ألخص و أظهر، و لم تكن حاجة إلى ذاك التعبير الذي هو تطويل بلا طائل. فالظاهر من العبارة هو ما ذكرناه كما فهمه المحقّق و الشيخ و صاحب الوسائل و غيرهم، و العامّة أيضاً يعتبرون الجلوس لا نفس التشهّد.

____________

(1) في ص 5 و ما بعدها.

(2) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2.

(3) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1.

(4) الوسائل 8: 232/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 4.

38

..........

____________

فحمله عليه بعيد عن الفهم العرفي غايته.

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل استيقن بعد ما صلّى الظهر أنّه صلّى خمساً، قال: و كيف استيقن؟ قلت: علم، قال: إن كان علم أنّه كان جلس في الرابعة فصلاة الظهر تامّة، فليقم فليضف إلى الركعة الخامسة ركعة و سجدتين فتكونان ركعتين نافلة، و لا شي‌ء عليه» (1).

أمّا من حيث السند فظاهر عبارة الحدائق أنّها صحيحة، حيث قال: و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، ثمّ قال: و عن محمّد بن مسلم ... إلخ (2)، فإنّ ظاهر العطف اشتراكهما في الصحّة. و الرواية و إن كانت صحيحة بناءً على مسلكنا من الاعتماد على من وقع في أسانيد كامل الزيارات كما وصفناها بها لكنّها غير صحيحة على مسلك القوم و منهم صاحب الحدائق، لأنّ في السند محمّد بن عبد اللّٰه بن هلال، و لم يوثّق صريحاً في كتب الرجال.

و أمّا من حيث الدلالة فيحتمل أن يراد بالجلوس نفسه فيتّحد مضمونها مع الصحيحة السابقة، و يحتمل أن يكون كناية عن التشهّد الخارجي، كما عبّر عنه بالجلوس في بعض الروايات الواردة في نسيان التشهّد كصحيح سليمان بن خالد: «عن رجل نسي أن يجلس في الركعتين الأولتين، فقال: إن ذكر قبل أن يركع فليجلس» (3) و صحيح ابن أبي يعفور: «عن الرجل يصلّي الركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما حتّى يركع، فقال: يتمّ صلاته ...» إلخ (4) و غيرهما.

____________

(1) الوسائل 8: 232/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 5.

(2) الحدائق 9: 114.

(3) الوسائل 6: 402/ أبواب التشهد ب 7 ح 3.

(4) الوسائل 6: 402/ أبواب التشهد ب 7 ح 4.

39

..........

____________

فانّ المراد من نسيان الجلوس نسيان التشهّد المعتبر حال الجلوس، فكنّي به عن التشهّد لأجل كونه مقدّمة له و معتبراً فيه، و إلّا فالجلوس بنفسه غير واجب فلا أثر لنسيانه. و الشيخ (قدس سره) في التهذيب قد فهم هذا المعنى و لذا علّل الصحّة بأن هذا داخل في نسيان السلام، الذي ليس هو من الأركان قال (قدس سره): إنّه لا تنافي بين هذه الأخبار، فإنّ موردها ما إذا تشهّد و بعده زاد ركعة سهواً، و نسيان السلام غير مبطل (1).

و كيف ما كان، فارادة التشهّد من الجلوس محتمل في هذه الصحيحة، بخلاف الصحيحة السابقة التي لا يكاد يتطرّق إليها هذا الاحتمال كما سبق.

و منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «أنّه قال في رجل صلّى خمساً: إنّه إن كان جلس في الرابعة بقدر التشهّد فعبادته جائزة» (2).

و دلالتها كدلالة الصحيحة الأُولى، لاتّحاد المضمون. و أمّا سندها فقد صحّح العلّامة طريق الصدوق إلى جميل (3)، و أقرّه على ذلك الأردبيلي في جامع الرواة (4). و لكنّه محل تأمّل بل منع، فانّ الطريق الذي ذكره الصدوق في المشيخة طريق إلى جميل بن درّاج و محمّد بن حمران معاً، اللذين لهما كتاب مشترك، و طريقه إلى الكتاب صحيح، و لم يذكر طريقه إلى جميل وحده كما في هذه الرواية.

و لا ملازمة بين صحّة الطريق إليهما منضمّاً و بين صحّته إلى كلّ واحد منهما‌

____________

(1) التهذيب 2: 194/ ذيل ح 766، [و المنقول هنا مضمون ما ذكره الشيخ].

(2) الوسائل 8: 232/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 6، الفقيه 1: 229/ 1016.

(3) الخلاصة: 437 ضمن الفائدة الثامنة.

(4) جامع الرواة 2: 532.

40

..........

____________

مستقلا، لجواز تعدّد الطريق، إذ كثيراً ما يذكر في المشيخة طريقه إلى شخص ثمّ يذكر طريقاً آخر إلى شخصين أو جماعة يشتمل على ذاك الشخص أيضاً. فطريقه إلى جميل وحده مجهول.

و هو (قدس سره) مع التزامه في صدر الكتاب على ذكر طرقه إلى المشايخ و أرباب الكتب في المشيخة قد غفل عن ذكر غير واحد منهم ربما يتجاوز عددهم المائة، فليكن طريقه إلى جميل من هذا القبيل و إن أكثر من الرواية عنه، فإنّه ربما يذكر الطريق في المشيخة إلى شخص و لم يرو عنه في الفقيه إلّا رواية واحدة، و يغفل عن ذكر طريقه إلى آخر مع روايته عنه كثيراً كجميل بن درّاج و غيره، و إنّما العصمة لأهلها.

و كيف ما كان، فطريقه إلى جميل وحده غير مذكور في المشيخة، فهو مجهول فالرواية إذن غير نقيّة السند. لكن الخطب هيّن، إذ تكفينا الصحيحة الأُولى المتّحدة مع هذه الرواية بحسب المضمون، و فيها غنى و كفاية.

و منها: صحيحة ابن مسلم: «عن رجل صلّى الظهر خمساً، قال: إن كان لا يدري جلس في الرابعة أم لم يجلس فليجعل أربع ركعات منها الظهر و يجلس و يتشهّد، ثمّ يصلّي و هو جالس ركعتين و أربع سجدات و يضيفها إلى الخامسة فتكون نافلة» (1).

و هذه الصحيحة هي مستند صاحب الوسائل في إلحاق الشك في الجلوس بالعلم به في الحكم بالصحّة كما تقدّمت الإشارة إليه.

و منها: ما روى عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) المشتمل على حكاية سهو النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) و زيادته الخامسة في صلاة‌

____________

(1) الوسائل 8: 233/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 7.

41

..........

____________

الظهر، و إتيانه بسجدتي السهو بعد أن ذكّره الأصحاب (1)، و لكنّها بالرغم من صحّة سندها غير ثابتة عندنا، لمنافاة مضمونها مع القواعد العقلية كما لا يخفى فهي غير قابلة للتصديق.

هذه هي حال الروايات الواردة في المقام، و قد عرفت أنّ مقتضى إطلاق الطائفة الأُولى البطلان فيما إذا زاد ركعة سهواً، كما أنّ مقتضى الثانية الصحّة فيما إذا جلس عقيب الرابعة بمقدار التشهّد، و السند معتبر في كلتا الطائفتين.

و ربما يجمع بينهما بحمل الجلوس في الطائفة الثانية على المعهود المتعارف المشتمل على التشهّد و التسليم، فتكون الركعة الزائدة واقعة خارج الصلاة.

و فيه: أنّه جمع تبرّعي، لا يكاد يساعده الفهم العرفي بوجه، لما عرفت من أنّ حمل قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «إن كان قد جلس في الرابعة قدر التشهّد» (2) على التشهّد نفسه بعيد جدّاً، و على خلاف المتعارف في المحاورات فإنّه تطويل بلا طائل كما لا يخفى، بل ظاهره أنّ الجلوس بهذا المقدار هو المصحّح للصلاة سواء قارنه التشهّد الخارجي أم لا، إلّا أن يقال: إنّ الجلوس بهذا المقدار العاري عن التشهّد نادر التحقّق، بل لعلّه لم يتّفق خارجاً، فكيف يمكن إرادته من النصّ.

و التحقيق: أنّ مقتضى الصناعة في مقام الجمع ارتكاب التقييد، بحمل الإطلاق في الطائفة الأُولى المانعة على ما إذا لم يجلس قدر التشهّد، بقرينة الطائفة الثانية الدالّة على الصحّة فيما إذا جلس، فيحكم بالصحّة مع الجلوس سواء تشهّد أم لا، و الندرة المزبورة غير مانعة عن ذلك.

و توضيحه: أنّ ما يمكن وقوعه خارجاً صور ثلاث:

____________

(1) الوسائل 8: 233/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 9.

(2) تقدمت في ص 37.

42

..........

____________

الاولى: أن لا يجلس في الرابعة أصلًا، كما لو تخيّل بعد رفع رأسه من السجدتين أنّها الركعة الثالثة فقام إلى الرابعة ثمّ بان أنّها الخامسة، و هذا فرض شائع.

الثانية: أن يجلس و يتشهّد، كما لو تخيّل أنّها الركعة الثانية فقام إلى الثالثة ثمّ بان أنّها الخامسة، و هذا أيضاً فرض شائع.

الثالثة: أن يجلس في الرابعة و لا يتشهّد، كما لو كان الجلوس لا لغرض التشهّد لاعتقاده أنّها الركعة الثالثة مثلًا، بل لغرض آخر من حكّ جلده أو قراءة دعاء و نحوهما، و يستمرّ الجلوس مقدار التشهّد، ثمّ يقوم إلى الركعة الرابعة فيستبين أنّها الخامسة. و هذا الفرض كما ترى نادر التحقّق، و إنّما الشائع هما الفرضان الأوّلان كما عرفت.

و حينئذ نقول: دلّت الطائفة الثانية على الصحّة مع الجلوس في الرابعة بمقدار التشهّد، و مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين ما إذا اقترن الجلوس بنفس التشهّد كما في الصورة الثانية، و ما إذا لم يقترن كما في الصورة الثالثة، في مقابل الصورة الأُولى العارية عن الجلوس رأساً، المحكومة بالبطلان. و مجرّد كون الصورة الثالثة نادرة التحقّق لا يمنع عن شمول الإطلاق لها، فانّ الممنوع إنّما هو حمل المطلق على الفرد النادر، لا شمول الإطلاق له و للإفراد الشائعة.

فالطائفة الأُولى محمولة على الصورة الأُولى، و الثانية على الصورتين الأخيرتين لما بين الطائفتين من نسبة الإطلاق و التقييد. و نتيجة ذلك الحكم بالبطلان فيما إذا لم يجلس في الرابعة رأساً، و الصحّة فيما إذا جلس سواء تشهّد أم لم يتشهّد.

و ممّا ذكرنا يظهر فساد ما قد يقال في وجه الجمع من حمل الطائفة الثانية على التقيّة لموافقتها لمذهب العامّة، إذ فيه: أنّ الترجيح بالمرجّح الجهتي فرع استقرار المعارضة، و لا معارضة مع وجود الجمع العرفي بحمل المطلق على المقيّد على النحو الذي عرفت، فبعد إمكان الجمع الدلالي لا تصل النوبة إلى ملاحظة‌

43

..........

____________

المرجّحات كما هو المقرّر في محلّه.

و من الواضح أنّ مجرّد الموافقة مع مذهب العامّة أو لفتوى سفيان و أبي حنيفة لا يستدعي الحمل على التقية ما لم تستقرّ المعارضة، و قد عرفت عدم وجود المعارضة بعد إمكان الجمع و ارتكاب التقييد، هذا.

و لكن الظاهر أنّ الجمع الذي ذكرناه لا يمكن المصير إليه، لابتلاء المقيّد أعني الطائفة الثانية في نفسه بالمعارض، و ذلك لأنّ مورد هذه الروايات و إن كانت صلاة الظهر أربعاً و زيادة الخامسة سهواً، إلّا أنّا لا نحتمل اختصاص الحكم بالظهر تماماً، بل يجري في القصر أيضاً فيما إذا زاد ركعة أو ركعتين سهواً للقطع بعدم الفرق بين التمام و القصر من هذه الجهة، و أنّ المستفاد من النصّ أنّ الموضوع للحكم هو صلاة الظهر كيف ما تحقّقت، سواء صدرت من الحاضر أو المسافر.

نعم، يتطرّق احتمال الاختصاص بالظهر و ما يشاكلها من الرباعيات كالعصر و العشاء، و عدم انسحاب الحكم إلى الثنائية بالأصل و الثلاثية كالمغرب و الفجر فيحكم بالبطلان إذا زيدت فيهما ركعة و لو سهواً، لقصور النصّ عن الشمول لهما بعد أن كان الحكم على خلاف القاعدة المستفادة من إطلاق الطائفة الأُولى كما قيل بذلك، إلّا أنّه لا مجال لاحتمال الاختصاص بالظهر تماماً، لعدم قصور النصّ عن الشمول له و للقصر، مضافاً إلى القطع بعدم الفرق كما عرفت.

و عليه فيعارض هذه الروايات ما ورد في من أتمّ في موضع القصر نسياناً من البطلان و وجوب الإعادة في الوقت و إن لم يجب القضاء فيما لو تذكّر بعد خروج الوقت، فانّ الركعتين الزائدتين سهواً واقعتان بعد الجلوس و التشهّد بطبيعة الحال، فالحكم بالبطلان في هذه النصوص ينافي الحكم بالصحّة التي تضمّنتها تلك الروايات. و إليك بعض هذه النصوص:

44

..........

____________

منها: صحيحة العيص بن القاسم: «عن رجل صلّى و هو مسافر فأتمّ الصلاة قال: إن كان في وقت فليعد، و إن كان الوقت قد مضى فلا» (1) فانّ موردها الناسي قطعاً، دون العامد و دون الجاهل، لوجوب الإعادة على الأوّل في الوقت و خارجه، و عدم وجوبها على الثاني لا في الوقت و لا في خارجه نصّاً و فتوى. فيختصّ موردها المشتمل على التفصيل بين الوقت و خارجه بالناسي لا محالة.

و منها: موثق (2) أبي بصير: «عن الرجل ينسى فيصلّي في السفر أربع ركعات قال: إن ذكر في ذلك اليوم فليعد، و إن لم يذكر حتّى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه» (3) و هي صريحة في الناسي. و منها غير ذلك.

فتقع المعارضة بين هذه النصوص و تلك الروايات، لما عرفت من أنّ زيادة الركعتين نسياناً في من يتمّ في موضع القصر واقعة غالباً عقيب الجلوس للتشهّد، و قد دلّت هذه على البطلان و تلك على الصحّة، فتستقرّ المعارضة بينهما و لا بدّ من العلاج. و بما أنّ تلك الروايات المتضمّنة للصحّة موافقة لمذهب العامّة كما عرفت، فتطرح و تحمل على التقيّة، فيكون الترجيح مع هذه النصوص الموافقة لإطلاق الطائفة الأُولى المتضمّنة للبطلان.

و على الجملة: فالطائفة الثانية من أجل ابتلائها بالمعارض غير صالحة لتقييد الطائفة الأُولى، و الترجيح بالجهة إنّما يتّجه لدى ملاحظتها مع النصوص المتقدّمة آنفاً، لا مع الطائفة الأُولى، إذ لا معارضة بينهما بعد كون النسبة نسبة الإطلاق و التقييد كما عرفت.

____________

(1) الوسائل 8: 505/ أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 1.

(2) [لم يظهر وجه التسمية بالموثّق دون الصحيح، فانّ سندها هكذا: الشيخ بإسناده عن سعد، عن محمّد بن الحسين، عن علي بن النعمان، عن سويد القلاء، عن أبي أيوب، عن أبي بصير].

(3) الوسائل 8: 506/ أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 2.

45

..........

____________

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ الأقوى ما عليه المشهور من بطلان الصلاة بزيادة الركعة سهواً، للإطلاقات السليمة عمّا يصلح للتقييد، و إن كان مقتضى القاعدة الأوّلية المستفادة من حديث لا تعاد هي الصحّة كما مرّ.

ثمّ إنّه بناءً على القول بالصحّة لدى الجلوس عقيب الرابعة بقدر التشهّد فهل يحكم بها مع الشكّ في الجلوس أيضاً كما هو ظاهر عنوان صاحب الوسائل (1)؟ مقتضى صحيحة ابن مسلم المتقدّمة (2) هو ذلك.

و ناقش فيها صاحب الحدائق (قدس سره) (3) تارة بأنّ ما تضمّنته من إلحاق الشكّ في الجلوس بالجلوس المحقّق في الحكم بالصحّة ممّا لا قائل به من الأصحاب عدا ما قد يستشعر من إيرادها الصدوق في الفقيه (4) بناءً على قاعدته التي مهّدها في صدر كتابه من عمله بكلّ ما يرويه في الكتاب، و أنّه حجّة بينه و بين اللّٰه تعالى، و إن كان فيه تأمّل يظهر لمن راجع كتابه و لاحظ خروجه عن هذه القاعدة.

أقول: الإعراض لا يسقط الصحيح عن الحجّية، و قد عرفت فتوى صاحب الوسائل بمضمونها. نعم، مضمون الصحيحة مخالف للقاعدة، فإن مقتضى الاستصحاب عدم تحقّق الجلوس عقيب الرابعة، و نتيجته البطلان.

و ما عن المحقق الهمداني (قدس سره) من تطبيقها على القواعد بدعوى أنّ مقتضى قاعدة الفراغ هو الصحّة، فإنّ الزيادة القادحة هي الركعة العارية عن الجلوس عقيب الرابعة، و هو مشكوك حسب الفرض، و مقتضى القاعدة عدم الاعتناء بعد الصلاة باحتمال عروض المبطل في الأثناء (5).

____________

(1) كما تقدّم في ص 35.

(2) في ص 40.

(3) الحدائق 9: 115.

(4) الفقيه 1: 229/ 1017.

(5) مصباح الفقيه (الصلاة): 536 السطر 1.

46

..........

____________

غير وجيه، لاختصاص القاعدة بما إذا احتمل الإخلال زيادة أو نقصاً، أمّا في المقام فهو متيقّن بزيادة الركعة كنقيصة التشهّد، غير أنّ الشارع قد حكم باغتفارها لو صادف اقترانها بالجلوس، و أنّه بمجرّده مصحّح لتلك الركعة الزائدة فغايته أنّه يحتمل مقارنة ذلك مع الجلوس عقيب الرابعة بمقدار التشهّد من باب الصدفة و الاتّفاق، فانّ هذا الجلوس بمجرّده غير واجب بالضرورة، فلو تحقّق أحياناً فهو أمر اتّفاقي و إن ترتبت عليه الصحّة.

و من المعلوم أنّ القاعدة لا تتكفّل الصحّة من باب الاتّفاق و الصدفة كما يكشف عنه التعليل بالأذكرية (1) و الأقربية إلى الحقّ (2) في بعض نصوصها. و عليه فلا مسرح للقاعدة من هذه الجهة في مثل المقام، بل مقتضى الاستصحاب عدم الجلوس الذي نتيجته البطلان كما مرّ.

و على الجملة: مضمون الصحيحة و إن كان على خلاف القواعد لكن لا ضير في الالتزام به بعد مساعدة الدليل، فانّ غايته ارتكاب التخصيص و الخروج عمّا تقتضيه القاعدة بالنصّ، و هو غير عزيز في الأخبار.

إلّا أنّ الذي يهوّن الخطب أنّ الصحيحة في نفسها معارضة بصحيحة أُخرى لابن مسلم دلّت بمفهومها على اعتبار العلم بالجلوس في الحكم بالصحّة و عدم كفاية الشكّ، قال (عليه السلام) فيها: «... إن كان علم أنّه جلس في الرابعة ...» إلخ (3)، فبعد معارضة المنطوق بالمفهوم تسقط الصحيحة عن درجة الاعتبار، فلا يمكن التعويل عليها.

على أنّك عرفت فيما مرّ فساد المبنى من أصله، و أنّ الأقوى بطلان الصلاة‌

____________

(1) الوسائل 1: 471/ أبواب الوضوء ب 42 ح 7.

(2) الوسائل 8: 246/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

(3) الوسائل 8: 232/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 5.

47

..........

____________

بزيادة الركعة سهواً حتّى مع العلم بتحقّق الجلوس عقيب الرابعة بمقدار التشهّد كما عليه المشهور، فضلًا عن الشكّ في ذلك.

و ناقش (قدس سره) أُخرى بأنّ التشهّد المذكور في الصحيحة إمّا أن يكون للفريضة أو للنافلة، فعلى الأوّل لا يكون إلّا على جهة القضاء، مع أنّ التشهّد المشكوك فيه لا يقضى بعد تجاوز المحلّ، و على الثاني فالأنسب ذكره بعد الركعتين من جلوس كما لا يخفى.

و يندفع بأنّ التشهّد متعلّق بالفريضة لا محالة، و لا تعرّض في الصحيحة لاتصافه بالأداء أو القضاء، فبعد البناء على صحّة الصلاة كما تضمّنته الصحيحة فليكن التشهّد قضاءً لما فات، و هو حكم استحبابي، لكون التشهّد المشكوك مورداً لقاعدة الفراغ بعد البناء المزبور كالحكم بالإتيان بركعتين من جلوس و ضمّهما إلى الركعة الزائدة و احتسابهما نافلة ملفّقة من ركعة عن قيام و ركعتين من جلوس.

و بالجملة: فهذا الإشكال لا يرجع إلى محصّل، و العمدة هو الإشكال الأوّل و قد مرّ الجواب عنه. هذا كلّه في زيادة الركعة سهواً.

و أمّا زيادة الركوع السهوية: فالمعروف و المشهور بطلان الصلاة بها، بل ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد، فالحكم كأنه من المسلّمات، إنّما الكلام في مدركه، و يدلّنا عليه من الروايات الخاصّة:

صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل صلّى فذكر أنّه زاد سجدة، قال: لا يعيد صلاة من سجدة، و يعيدها من ركعة» (1).

____________

(1) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2.

48

..........

____________

و صحيحة عبيد بن زرارة و المراد بأبي جعفر الواقع في السند هو أبو جعفر الأشعري أحمد بن محمّد بن عيسى قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل شكّ فلم يدر أسجد اثنتين أم واحدة فسجد اخرى ثمّ استيقن أنّه قد زاد سجدة، فقال: لا و اللّٰه لا تفسد الصلاة بزيادة سجدة. و قال: لا يعيد صلاته من سجدة، و يعيدها من ركعة» (1).

فانّ مقابلة الركعة بالسجود تقضي بأن يكون المراد بها هو الركوع، لا الركعة التامة المصطلحة، و قد أُطلقت عليه في غير واحد من النصوص (2) و يساعده المعنى اللغوي، فإنّ الركعة كالركوع مصدر ل‍ (ركع)، يقال: ركع يركع ركوعاً و ركعة، و التاء للوحدة كما في السجدة. فبقرينة المقابلة و الموافقة للّغة و الإطلاقات الكثيرة يستظهر إرادة الركوع من الركعة الواردة في هاتين الصحيحتين.

و إن أبيت عن ذلك و ادّعيت الإجمال في المراد من اللفظ فتكفينا صحيحة أبي بصير: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (3) دلّت بإطلاقها على البطلان في مطلق الزيادة، عمدية كانت أم سهوية، ركناً أم غير ركن، ففي كلّ مورد ثبت التقييد نلتزم به و نخرج عن الإطلاق، و قد ثبت في السجدة الواحدة بمقتضى الصحيحتين المتقدّمتين، بل في مطلق الجزء غير الركني سهواً بمقتضى حديث لا تعاد، فيبقى ما عدا ذلك و منه زيادة الركوع تحت الإطلاق.

و ليس بإزاء هذه الصحيحة ما يدلّ على الصحّة عدا ما يتوهّم من دلالة حديث لا تعاد عليها، بدعوى أنّ المستثنى منه شامل لمطلق الإخلال سواء أ كان من ناحية النقص أم الزيادة، و أمّا عقد الاستثناء فهو ظاهر في اختصاصه‌

____________

(1) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 3.

(2) منها صحيحة أبي بصير الآتية في ص 59.

(3) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2.

49

..........

____________

بالإخلال الناشئ من قبل النقص فقط، فإنّه المنصرف من النصّ حسب المتفاهم العرفي.

فمفاد الحديث عدم الإعادة من أيّ خلل إلّا من ناحية النقص المتعلّق بأحد الخمسة، و عليه فزيادة الركوع كالسجود داخلة في عقد المستثنى منه، و مقتضاه الصحّة و عدم الإعادة، و بما أنّه حاكم على الأدلّة الأوّلية فيقدّم على الصحيحة المتقدّمة.

و ربما تؤكّد الدعوى بعدم تصوير الزيادة في بعض فقرأت الاستثناء كالوقت و القبلة و الطهور، فبمقتضى اتّحاد السياق يستكشف أنّ المراد في الجميع هو الإخلال من ناحية النقيصة خاصّة.

لكن المناقشة في هذه الدعوى لعلّها ظاهرة، فانّ الاستثناء المذكور في الحديث من قبيل المفرّغ، و المستثنى منه محذوف تقديره لا تعاد الصلاة من أيّ خلل إلّا من ناحية الخمسة، و لفظة (من) نشوية في الموردين، و مرجع الحديث إلى التنويع في مناشئ الخلل و أسبابه، و أنّ الإخلال الناشئ من أحد الخمسة تعاد الصلاة من أجله دون ما نشأ ممّا عداها.

و من المعلوم جدّاً أنّ مقتضى اتحاد السياق وحدة المراد من الإخلال في الموردين، فإن أُريد من الإخلال في طرف المستثنى منه ما يعمّ النقص و الزيادة كان كذلك في طرف الاستثناء، و إن أُريد من الثاني خصوص النقص كان مثله الأوّل. فالتفكيك بين الطرفين و الالتزام بتعدّد المراد من الإخلال في العقدين خروج عن المتفاهم العرفي، و بعيد عن سياق الحديث جدّاً كما لا يخفى.

و بما أنّ عقد المستثنى منه شامل لمطلق الإخلال حتّى من ناحية الزيادة باعتراف الخصم، و إلّا لم يكن الحديث مصادماً للصحيحة و حاكماً عليها، و لا موجب أيضاً لتخصيصه بالنقص، كان كذلك في عقد الاستثناء أيضاً.

50

..........

____________

و نتيجة ذلك لزوم الإعادة بالإخلال بالركوع من ناحية الزيادة كالنقيصة إذ الإخلال بالأركان من هذه الناحية داخل في عقد المستثنى دون المستثنى منه. و عليه فالحديث معاضد للصحيحة لا أنّه معارض لها و حاكم عليها.

و أمّا عدم تصوير الزيادة في بعض فقرأت الحديث فهو لا يكشف عن الاختصاص بالنقص، بل اللفظ مستعمل في المعنى العام الشامل له و للزيادة غايته أنّه بحسب الوجود الخارجي لا مصداق للزيادة في بعض تلك الفقرات و هذا لا يمنع عن إرادة الإطلاق من اللفظ، فلا ندّعي التفكيك في مقام الاستعمال كي يورد بمنافاته لاتحاد السياق، بل اللفظ مستعمل في مطلق الخلل في جميع الخمسة، غير أنّه بحسب الانطباق الخارجي تختصّ الزيادة ببعضها، و هو لا ينافي إرادة الإطلاق من اللفظ عند الاستعمال كما لا يخفى.

و أمّا زيادة السجدتين فلم يرد فيها نصّ بالخصوص، لكن يكفي في إثبات المطلوب إطلاق صحيحة أبي بصير المتقدّمة، فإنّ الخارج عنه بمقتضى صحيحتي منصور و عبيد المتقدّمتين (1) زيادة السجدة الواحدة، فتبقى زيادة السجدتين مشمولة للإطلاق المقتضي للبطلان. و الكلام في معارضة الصحيحة بحديث لا تعاد قد مرّ آنفاً، فانّ الكلام المتقدّم جارٍ هنا أيضاً حرفاً بحرف.

و منه تعرف صحّة الاستدلال على المطلوب بعقد الاستثناء من الحديث بناءً على شموله للزيادة بالتقريب المذكور. نعم، إطلاق الحديث يشمل السجدة الواحدة أيضاً، لكنّه مقيّد بالسجدتين بمقتضى الصحيحتين المتقدّمتين، كما أنّ الإخلال بها من ناحية النقص غير قادح أيضاً بالنصوص الخاصّة (2).

و أمّا تكبيرة الإحرام فالبطلان بزيادتها السهوية هو المعروف و المشهور‌

____________

(1) في ص 47، 48.

(2) الآتية في ص 86 و ما بعدها.