موسوعة الإمام الخوئي - ج24

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
490 /
1

[تتمة كتاب الزكاة]

[فصل في أصناف المستحقّين للزّكاة]

فصل [في أصناف المستحقّين للزّكاة] أصناف المستحقّين للزّكاة و مصارفها ثمانية:

[الأوّل و الثاني: الفقير و المسكين]

الأوّل و الثاني: الفقير و المسكين (1)،

____________

(1) المعروف و المشهور أنّ مصارف الزكاة أصناف ثمانية، و هي العناوين الخاصّة المذكورة في الآية المباركة، قال تعالى إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ (1).

و لكن المحقّق في الشرائع عدّها سبعة بجعل الفقير و المسكين صنفاً واحدا (2).

و لكن الظاهر أنّهما صنفان و المفهومان متغايران و إن انطبقا على موضوع واحد و اجتمعا في مورد واحد، فإنّ الفقر بمفهومه العامّ هو الاحتياج و الفقير هو المحتاج، قال تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرٰاءُ إِلَى اللّٰهِ وَ اللّٰهُ هُوَ الْغَنِيُّ (3)،

____________

(1) التوبة 9: 60.

(2) الشرائع 1: 188.

(3) فاطر 35: 15.

2

..........

____________

فإنّ البشر بل كلّ ممكن فهو في جميع شؤونه من معاشه و معاده و حركاته و سكناته بل حتّى في وجوده فقيرٍ، أي محتاج إلى اللّٰه تعالى.

و لكن كثيراً ما يستعمل في صنف خاصّ من الاحتياج، و هو الاحتياج من حيث المال، فيقال: زيد فقير، أي محتاج إلى المال، قال تعالى وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (1)، و قال تعالى إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللّٰهُ أَوْلىٰ بِهِمٰا (2).

و لا يعتبر في هذا الاستعمال عدم السؤال جزماً و إن ورد ذلك في الصحيحتين الآتيتين و ستعرف الحال فيهما فإنّ الإطلاق العرفي صادق حتّى مع السؤال بالضرورة، كيف؟! و قد أُطلق الفقير على البائس الذي هو أسوأ حالًا من المسكين فضلًا عن الفقير في الذكر الحكيم، قال تعالى وَ أَطْعِمُوا الْبٰائِسَ الْفَقِيرَ (3).

فلا يعتبر في مفهوم الفقر عدم السؤال و إن جعل ذلك فارقاً بينه و بين المسكين في النصّ المشار إليه و اختصّ المسكين بمن يسأل، لصحّة الإطلاق حتّى في مورد السؤال بلا إشكال كما عرفت.

و أمّا المسكنة فهي مطلق الذلّة، قال تعالى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ (4)، في قبال العزّة، فإنّ اليهود كانوا مطرودين أذلّاء و إن كانوا أغنياء، فالمسكين هو الذليل و الضعيف، قال تعالى أَمَّا السَّفِينَةُ فَكٰانَتْ لِمَسٰاكِينَ (5) أي لضعفاء أذلّاء، و لم يعلم أنّهم كانوا فقراء.

____________

(1) النِّساء 4: 6.

(2) النِّساء 4: 135.

(3) الحج 22: 28.

(4) البقرة 2: 61.

(5) الكهف 18: 79.

3

..........

____________

نعم، يطلق المسكين على الفقير أيضاً باعتبار أنّ من لا مال له فهو ذليل حقير عند أبناء الدُّنيا، و من ثمّ كان يشقّ على جبابرة قريش الخضوع و الإيمان برسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، لكونه (صلّى اللّٰه عليه و آله) ذليلًا في نظرهم، لمكان فقره (صلّى اللّٰه عليه و آله)، كما حكاه سبحانه عنهم بقوله تعالى وَ قٰالُوا لَوْ لٰا نُزِّلَ هٰذَا الْقُرْآنُ عَلىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (1).

و لا يعتبر في هذا الاستعمال أيضاً السؤال و إن اختصّ به في الصحيحتين الآتيتين، لصدق المسكين عرفاً على مطلق الفقير و إن لم يكن سائلًا كما أُطلق عليه في الكتاب العزيز، كقوله تعالى عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ، فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً إلى غير ذلك ممّا هو كثير جدّاً، فإنّ إطعام المسكين في باب الكفّارات لا يختصّ بالسائل قطعاً، بل لعلّ غير السائل الذي يظهر مناعة الطبع أولى من غيره كما لا يخفى.

فتحصّل: أنّ الفقر هو الاحتياج إمّا مطلقاً أو في خصوص المال، و المسكنة هي الذلّة، فالفقير و المسكين متغايران مفهوماً و إن صدقا على موضوع واحد بالاعتبارين.

و أمّا بحسب الروايات فقد فرّق بينهما في صحيح ابن مسلم بالسؤال و عدمه عن أحدهما (عليهما السلام): أنّه سأله عن الفقير و المسكين «فقال: الفقير: الذي لا يسأل، و المسكين: الذي هو أجهد منه، الذي يسأل» (2).

لكن لا ينبغي التأمّل في عدم كونه (عليه السلام) بصدد بيان المفهوم من اللفظ لغةً أو عرفاً ليكون منافياً مع ما قدّمناه، بل لم نعهد حتّى رواية واحدة‌

____________

(1) الزخرف 43: 31.

(2) الوسائل 9: 210/ أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 2.

4

..........

____________

تكون واردة لبيان شرح اللفظ و بيان مفهومه اللغوي أو العرفي، لخروج ذلك كلّه عن شأنه و منصبه الساميين. فالصحيحة واردة لا محالة لبيان المراد من هاتين الكلمتين الواقعتين في الآية المباركة أعني قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ فهي تفسير للآية لا بيان لمفهوم اللفظ بما هو، و لا ضير في ذلك، فيلتزم بأنّ مصرف الزكاة هو مطلق من لا مال له سأل أم لم يسأل، فأُريد من المسكين الأوّل، و من الفقير الثاني.

و أوضح حالًا صحيحة أبي بصير التي صرّح فيها بيان المراد من الآية، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): قول اللّٰه عزّ و جلّ إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ «قال: الفقير: الذي لا يسأل الناس، و المسكين: أجهد منه، و البائس: أجهدهم» (1).

و أمّا سند هذه الرواية فالظاهر أنّها صحيحة كما وصفناها، فإنّ المراد بأحمد ابن محمّد هو ابن عيسى لا ابن خالد، و إلّا لقال: عن أبيه، بدل قوله: عن محمد ابن خالد. نعم، في بعض النسخ: عن أبيه، و كيفما كان فهو ثقة على كلّ حال.

و أمّا عبد اللّٰه بن يحيى فهو مجهول، غير أنّ الميرزا حاول لإثبات أنّه الكاهلي الذي هو ثقة (2)، و لكنّه لا يتمّ:

أمّا أوّلًا: فلأنّ الشيخ عنون كلّاً منهما مستقلا، فذكر المطلق بعد المقيّد و ترجمه في قباله و ذكر طريقه إليه في قبال الطريق الذي ذكره إلى الأوّل (3)، المشتمل على وهب بن وهب، فتعدّد الترجمة المعتضد بتعدّد الطريق برهان قاطع‌

____________

(1) الوسائل 9: 210/ أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 3.

(2) منهج المقال: 214.

(3) الفهرست للشيخ: 102/ 441 و 105/ 461.

5

و الثاني أسوأ حالًا من الأوّل (1).

و الفقير الشرعي من لا يملك مؤنة السنة له و لعياله (2)، و الغني الشرعي بخلافه، فمن كان عنده ضيعة أو عقار أو مواش أو نحو ذلك تقوم بكفايته و كفاية عياله في طول السنة لا يجوز له أخذ الزكاة.

____________

على تعدّد الرجل.

و ثانياً: إنّ عبد اللّٰه بن يحيى الكاهلي من أصحاب الصادق (عليه السلام)، و الراوي عن عبد اللّٰه بن يحيى في هذه الرواية هو محمّد بن خالد البرقي، و هو يستحيل عادةً أن يروي عن أصحاب الصادق (عليه السلام) بلا واسطة، لاختلاف الطبقة، فلا مناص من أن يُراد به شخص آخر، و قد عرفت أنّه مجهول.

و لكن الذي يهوّن الخطب أنّ هذا السند بعينه موجود في تفسير علي بن إبراهيم، و قد بنينا على وثاقة من يذكر في إسناد هذا التفسير كإسناد الكامل ما لم يعارَض بتضعيف آخر. و عليه، فالرجل موثّق عندنا على أيّ حال، سواء أُريد به الكاهلي أم غيره.

هذا، و لا يترتّب أثر على تحقيق الفرق بين الفقير و المسكين إلّا بناءً على البسط في مصرف الزكاة، و أمّا على القول بالعدم كما هو الأظهر فالبحث عنه قليل الجدوى.

(1) لبلوغ الفقر فيه مرتبة ألجأته إلى السؤال، فكان أجهد من الفقير الذي لا يسأل، لعدم بلوغه هذه المرتبة كما دلّت عليه الصحيحتان المتقدّمتان و عليه المشهور.

(2) كما هو المشهور، بل لعلّه المتسالم عليه.

6

و كذا إذا كان له رأس مال يقوم ربحه بمؤنته، أو كان له من النقد أو الجنس ما يكفيه و عياله و إن كان لسنة واحدة، و أمّا إذا كان أقلّ من مقدار كفاية سنته يجوز له أخذها، و على هذا فلو كان عنده بمقدار الكفاية و نقص عنه بعد صرف بعضه في أثناء السنة يجوز له الأخذ، و لا يلزم أن يصبر إلى آخر السنة حتّى يتمّ ما عنده، ففي كلّ وقت ليس عنده مقدار الكفاية المذكورة يجوز له الأخذ.

و كذا لا يجوز لمن كان ذا صنعة أو كسب يحصل منهما مقدار مؤنته، و الأحوط عدم أخذ القادر [1] على الاكتساب إذا لم يفعل تكاسلا.

____________

و نُسب إلى الشيخ و غيره أنّ المراد من الفقير مَن لم يملك أحد النصب الزكويّة أو ما يعادلها في القيمة (1)، فمن كان مالكاً لهذه الكمّيّة من الماليّة عيناً أو قيمةً فهو غني شرعاً.

لكن النسبة غير محقّقة، بل في الجواهر أنّه لم يعرف له قائل (2).

و نُسب إلى بعض آخر أنّ الفقير من لا يملك قوته و قوت عياله طيلة حياته لا خصوص السنة الواحدة، فيعتبر في الغني القدرة على ما يكفيه دائماً، فالأقوال في المسألة ثلاثة.

و الصحيح ما عليه المشهور، و تدلّ عليه طائفة من الروايات:

____________

[1] بل الأظهر عدم جواز الأخذ.

____________

(1) نسبه صاحب مصباح الفقيه 13: 484.

(2) جواهر الكلام 15: 296.

7

..........

____________

فمنها: صحيحة أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره» قلت: فإنّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة؟ «قال: زكاته صدقة على عياله، و لا يأخذها إلّا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفدها في أقلّ من سنة فهذا يأخذها، و لا تحلّ الزكاة لمن كان محترفاً و عنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة» (1).

قوله (عليه السلام) «صاحب السبعمائة» أي درهماً، و قوله: تجب عليه الزكاة، أي زكاة التجارة لا زكاة النقدين، ضرورة أنّ من يملك سبعمائة درهماً و قد حال عليها الحول من غير أن يحتاج إليها حتّى تعلّق بها الزكاة الواجبة فهو غني متمكّن و ليس بفقير قطعاً، فلا يحتمل جواز دفع الزكاة إليه ليقع مورداً للسؤال، على أنّ زكاة النقدين لا يتصدّق بها على العيال.

مضافاً إلى التصريح في ذيل الصحيح بأنّه: «لا تحلّ الزكاة لمن كان محترفاً و عنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة»، فيختصّ أخذ الزكاة بصورة واحدة، و هي التي أشار إليها بقوله (عليه السلام): «إلّا أن يكون» إلخ، و هي من لم يكن عنده شي‌ء عدا السبعمائة و لم تكن وافية بمصارف السنة بحيث لو اعتمد عليها لنفدت في أقلّ من السنة فيحل له حينئذ أخذ الزكاة.

فتدلّ بوضوح على أنّ الفقير الذي هو مصرف للزكاة يراد به من لم يكن مالكاً لمئونة السنة.

هذا، و لكن دقيق النظر يقضي بخلاف ما ذكرناه، فإنّ قوله (عليه السلام) في آخر الصحيحة «أن يأخذ الزكاة» غير موجود في الصدر أعني: الكافي-

____________

(1) الوسائل 9: 231/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 1، الكافي 3: 560/ 1.

8

..........

____________

لا الطبعة القديمة و لا الحديثة، و إنّما هو مذكور في الوسائل و الحدائق (1)، و ليس له معنى محصّل كما لا يخفى.

ثمّ إنّ قوله (عليه السلام) قبل ذلك: «و عنده ما تجب فيه الزكاة» لا يمكن الأخذ بظاهره، إذ لا تختصّ عدم حلّيّة الزكاة للمحترف بمن كانت عنده عين زكويّة، بل يحرم و إن كان عنده ما يعادلها في القيمة كما هو واضح.

و الظاهر أنّ هذه الجملة كناية عن المال الاحتياطي المدّخر لعلاج العوارض الاتّفاقيّة، فإنّ صاحب الحرفة كالبنّاء و نحوه إنّما يرتزق من حرفته لمصارفه اليوميّة ممّا يقوت به نفسه و عياله، و أمّا الطوارئ الاتفاقيّة من علاج مرض أو زواج ولد أو إكرام ضيف أو شراء ملبس شتوي أو صيفي و نحو ذلك من المصارف الزائدة على المعيشة فلا تفي بها غالباً تلك الحرفة، بل لا بدّ في سدّها من ادّخار مال احتياطي من عين زكويّة أو غيرها.

و عليه، فإن كان للمحترف مثل هذا المال لا يحلّ له أخذ الزكاة، و إلّا حلّ و من ثمّ قيّده (عليه السلام) بقوله: «و عنده ما تجب».

و كيفما كان، فالظاهر أنّ المراد بالزكاة في قول السائل: قلت: فإنّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة؟ هو زكاة النقدين الواجبة لا زكاة مال التجارة التي استظهرناها فيما تقدّم إذ لا يناسبها قوله (عليه السلام) قبل ذلك «إذا لم يجد غيره»، ضرورة أنّ من عنده سبعمائة للتجارة فهو يوجد عنده غيرها بطبيعة الحال و لا أقلّ من ربحها، فلا موقع لهذا التقييد بوجه، فيريد السائل بذلك أنّ هذا الشخص قد بلغت دراهمه حدّ النصاب بل تجاوزت، فهو إذن يجب عليه أن يدفع الزكاة فكيف يأخذها، فأجاب بقوله (عليه السلام) «زكاته‌

____________

(1) الحدائق 12: 159.

9

..........

____________

صدقة على عياله» الذي هو كناية عن عدم الوجوب، نظير ما ورد من أنّ زكاة العلم إنفاقه.

و الوجه في عدم الوجوب: أنّ مجرّد ملكيّة السبعمائة لا يستدعي الوجوب إلّا لدى استجماع سائر الشرائط التي منها إحالة الحول، و هي غير مفروضة سيّما بعد أن لم يكن لديه شي‌ء وراء هذا المبلغ كما هو المفروض.

و الذي يكشف عمّا ذكرناه من أنّ السبعمائة لا يراد بها مال التجارة موثّق سماعة عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «قال: قد تحلّ الزكاة لصاحب السبعمائة و تحرم على صاحب الخمسين درهماً» فقلت له: و كيف يكون هذا؟ «قال: إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفه فليعفُ عنها نفسه و ليأخذها لعياله، و أمّا صاحب الخمسين فإنّه يحرم عليه إذا كان وحده و هو محترف يعمل بها و هو يصيب منها ما يكفيه إن شاء اللّٰه» (1).

إذ قد فرض في صاحب الخمسين أنّه محترف يعمل بها أي معدّ للتجارة و بقرينة المقابلة يعلم أنّ السبعمائة غير معدّ لها و إنّما هي مجموع ما يملكه الرجل بحيث لو قسّم على عائلته كانت حصّة كلّ واحد خمسين أو مائة و نحو ذلك ممّا لا يفي بمئونة السنة أبداً، و لم تكن في البين حرفة لتكون ملكيّة بالقوّة، و لأجله ساغ أخذ الزكاة و إن كان الأولى أن يعفُ نفسه و يأخذها لعياله.

و كيفما كان، فهذه الصحيحة كالروايتين المتقدّمتين ظاهرتان في مسلك المشهور حسبما عرفت.

و منها: موثّقة سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الزكاة، هل تصلح لصاحب الدار و الخادم؟ «فقال: نعم، إلّا أن تكون داره دار غلّة فخرج‌

____________

(1) الوسائل 9: 239/ أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 2.

10

..........

____________

له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه و عياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه و عياله في طعامهم و كسوتهم و حاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، فإن كانت غلّتها تكفيهم فلا» (1).

فإنّ المراد بدار الغلّة: الدار المعدّة للإيجار و الانتفاع بوجه الإجارة، الذي هو كغلّة لها في قبال دار السكنى، و من البديهي أنّ التعارف الخارجي قد استقرّ على إيجار الدور سنويّاً، بل لم يتداول الأقلّ من ذلك إلّا في الأزمنة المتأخّرة الحديثة، حيث يستأجر شهريّاً، بل ربّما اسبوعيّاً كما في بعض بلاد الخارج، فيكون مفاد الموثّق: أنّ من له دار ينتفع من إيجاره السنوي ما يكفيه فهو غني شرعاً لا تحلّ له الزكاة، فتلاحظ غلّة كلّ سنة بالإضافة إلى مصارف تلك السنة، فغلّة السنة الأُولى للسنة الأُولى و الثانية للثانية و هكذا، فإن كفت لم تحلّ و إلّا حلّت.

و بالجملة: فيستفاد اعتبار السنة من التعبير بالغلّة بالقرينة المتقدّمة.

بل يمكن استفادة ذلك من قوله (عليه السلام) «ما يكفيه»، فإنّ ملك الكفاية لا يراد به عرفاً سيّما في القرى و بعض البلاد إلّا ما يكفيه لسنة واحدة، فلا يقال لمن يملك قوت ستّة أشهر: إنّ عنده ما يكفيه. و على هذا الأساس اعتبرنا الزيادة على مئونة السنة في تعلّق الخمس، و إلّا فلم يرد في شي‌ء من نصوصه التعبير بالسنة، بل اقتصر على استثناء المئونة فقط، فلاحظ.

و منها: صحيحة معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم و له عيال و هو يحترف فلا يصيب نفقته فيها، أ يكبّ فيأكلها و لا يأخذ الزكاة، أو يأخذ الزكاة؟ «قال: لا بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه و من وسعه ذلك من عياله، و يأخذ البقيّة‌

____________

(1) الوسائل 9: 235/ أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 1.

11

..........

____________

من الزكاة، و يتصرّف بهذه لا ينفقها» (1).

فإنّ المراد بالنفقة مئونة السنة لا الأقل منها بالتقريب المتقدّم.

فيظهر من هذه الروايات الثلاث المعتبرة أنّ الفقير الشرعي هو من لم يملك مئونة سنته فعلًا أو قوّةً، فيحلّ لمثله تكميل مئونته من الزكاة.

و يؤيّد ذلك بروايتين:

إحديهما: ما رواه في العلل بإسناده عن علي بن إسماعيل الدغشي، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن السائل و عنده قوت يوم، أ يحلّ له أن يسأل؟ و إن اعطي شيئاً من قبل أن يسأل يحلّ له أن يقبله؟ «قال: يأخذ و عنده قوت شهر ما يكفيه لسنته من الزكاة، لأنّها إنّما هي من سنة إلى سنة» (2).

هكذا في الوسائل، و في بعض نسخ العلل: «ما يكفيه لستّة أشهر» بدل قوله «لسنة» كما أشار إليه معلّق الوسائل. و الأوّل أنسب كما لا يخفى.

و عليه، فهي صريحة الدلالة في أنّ الاعتبار بمئونة السنة، لقوله (عليه السلام): «إنّما هي من سنة إلى سنة».

إلّا أنّها ضعيفة السند، فلا تصلح إلّا للتأييد، نظراً إلى جهالة الدغشي، بل لم ينقل عنه في مجموع الكتب الأربعة ما عدا رواية واحدة في كتاب النكاح و أمّا هذه الرواية فهي مذكورة في العلل لا في تلك الكتب. و كيفما كان، فالرجل مجهول لم يوثّق، و الرواية ضعيفة و إن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات.

اللّٰهمّ إلّا أن يقال: إنّ الراوي عنه صفوان، و هو من أصحاب الإجماع الذين‌

____________

(1) الوسائل 9: 238/ أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 1.

(2) الوسائل 9: 233/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 7، علل الشرائع: 371/ 1.

12

..........

____________

لا ينظر إلى من وقع بعدهم في السند. لكنّك عرفت غير مرّة في مطاوي هذا الشرح عدم استقامة هذه القاعدة و أنّه لا أساس لها، فلا نعيد.

الثانية: ما رواه المفيد في المقنعة مرسلًا عن يونس بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، و تجب الفطرة على من عنده قوت السنة» (1).

و الدلالة واضحة، غير أنّ السند ضعيف بالإرسال، فهي مؤيّدة للمطلوب.

و أمّا القول الثاني المنسوب إلى الشيخ و غيره من أنّ العبرة بملك أحد النصب الزكويّة عيناً أو قيمة، فيستدلّ له بما ورد في غير واحد من رواياتنا من أنّ اللّٰه تعالى جعل للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم، أو أنّه تعالى أشرك الفقراء في أموال الأغنياء و نحو ذلك ممّا تضمّن تعلّق الزكاة في أموال الأغنياء، الكاشف عن أنّ الغني هو من يملك أحد النصب الزكويّة.

و قد ورد هذا المضمون من طرق العامّة أيضاً، حيث قال (صلّى اللّٰه عليه و آله) حينما بعث معاذاً إلى اليمن: «أعلمهم أنّ اللّٰه تعالى قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». و هي و إن كانت ضعيفة السند لكن مضمونها موجود في رواياتنا كما عرفت.

و فيه أوّلًا: أنّ هذا أخصّ من المدّعى، إذ لو تمّ فمفاده اعتبار ملكيّة العين الزكويّة بشخصها لا و لو ما يعادلها من القيمة كما هو المدّعى.

و ثانياً: إنّ جعل المناط في الفقر و الغنى ملك النصاب و عدمه ممّا لا يساعده الصدق العرفي و لا الشرعي، كيف؟! و لازمه أنّ من لا يملك شيئاً من الأعين الزكويّة إلّا أنّه يملك الأُلوف من الدور و العقارات و البساتين و نحوها فقيرٌ تصل‌

____________

(1) الوسائل 9: 234/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 10.

13

..........

____________

إليه الزكاة، و أمّا من ملك أربعين شاة أو خمسة أوسق من الشعير و نحو ذلك ممّا لا يفي إلّا بقوت أيّام قلائل من سنته غنيٌّ لا تحلّ له الزكاة، و هذا كما ترى مقطوع الفساد و لا يساعده شي‌ء من الروايات كما لا يتفوّه به فقيه جزماً.

و الذي يهوّن الخطب أنّ الروايات المشار إليها لا إشعار لها في ذلك فضلًا عن الدلالة، لعدم كونها بصدد شرح مفهوم الغني عرفاً أو شرعاً بوجه، بل هي بصدد بيان وجوب أداء الزكاة التي لا تتعلّق غالباً إلّا بالأغنياء، لا أنّ كلّ من وجبت عليه الزكاة فهو غني.

و بعبارة اخرى: مفاد تلك النصوص أنّ الغني تجب عليه الزكاة لا أنّ من تجب عليه الزكاة غني ليدور صدق الغنى و الفقر مدار ملك النصاب و عدمه كما هو واضح جدّاً، فهذا القول ساقط و لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

و أمّا القول الثالث من اعتبار القدرة على الكفاية مستمرّاً و ما دام الحياة، فعلى تقدير أن يكون له قائل لم يكن عليه وجه ظاهر، بل لعلّه مخالف للوجدان و الضرورة، فإنّ كثيراً من المثرين تزول ثروتهم و يعرضهم الفقر و بالعكس، أ فهل يكشف الفقر الطارئ عدم الغنى سابقاً بحيث ينكشف استحقاقه للزكاة آن ذاك واقعاً لمجرّد انكشاف عدم القدرة على المئونة مستمرّاً؟ ليس الأمر كذلك قطعاً بل العبرة في الفقر و الثروة بالقدرة على المئونة لسنة واحدة له و لعياله فعلًا أو قوّةً كما عليه المشهور حسبما عرفت.

و تفصيل الكلام في المقام: أنّ الإنسان قد لا يملك شيئاً أصلًا ما عدا قوت يومه، و هذا لا إشكال في جواز أخذه من الزكاة بمقدار مئونة السنة كما هو ظاهر.

و أُخرى: يكون له مال آخر من جنس أو نقد، و لا إشكال أيضاً في جواز تتميمه من الزكاة إن لم يكن وافياً لمئونة السنة، و إلّا فهو غني شرعاً لا يجوز‌

14

..........

____________

الأخذ منها، كما دلّت عليها صحيحة أبي بصير المتقدّمة.

نعم، لو كانت عنده مئونة سنة واحدة و بعد صرف مقدار منها و لو خلال أيّام قلائل نقصت بحيث لم يبق لديه فعلًا ما يكفيه لسنته، جاز له الأخذ حينئذٍ، و لا يلزم الصبر إلى آخر السنة حتّى يتمّ ما عنده، و ذلك لانقلاب الموضوع و تبدّل الغنى بالفقر بعد الصرف المزبور.

و ثالثةً: يكون له مالٌ أعدّه للاستفادة من منافعه من غير أن يكون معدّاً للتجارة كما لو كانت له شياه يستفيد من ألبانها و أصوافها أو دار ينتفع من غلّتها، و العبرة عندئذٍ بالنظر في ذاك الربح و تلك المنفعة، فإن كانت وافية بالمئونة لا تحلّ له الزكاة، و إلّا حلّ التتميم منها، كما نطقت به موثقة سماعة المتقدّمة، فإنّ موردها و إن كان هو الدار المعدّ للإيجار و الانتفاع من غلّتها إلّا أنّه لا خصوصيّة لها بمقتضى الفهم العرفي قطعاً، فيعمّ غيرها من دكّان أو عقار أو خان و نحو ذلك ممّا يتحفّظ على عينه و ينتفع من ربحه.

نعم، قد يتوهّم معارضة الموثّقة بما رواه الصدوق بإسناده عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل له ثمانمائة درهم و هو رجل خفاف و له عيال كثير، إله أن يأخذ من الزكاة؟ «فقال (عليه السلام): يا أبا محمّد أ يربح في دراهمه ما يقوت به عياله و يفضل؟» قال: نعم «قال: كم يفضل؟» قال: لا أدري «قال (عليه السلام): إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة، و إن كان أقلّ من نصف الوقت أخذ الزكاة» (1).

حيث يظهر منها أنّ الربح و إن كان وافياً بالقوت لا يمنع من أخذ الزكاة إلّا إذا كان مشتملًا على فضل و زيادة بمقدار نصف القوت، فينافي موثّقة سماعة المتقدّمة التي جعل فيها المعيار بكفاية غلّة الدار و عدمها من غير مراعاة الفضل.

____________

(1) الوسائل 9: 232/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 4، الفقيه 2: 18/ 58.

15

..........

____________

و يندفع أوّلًا: بضعف السند، فإنّ في طريق الصدوق إلى أبي بصير علي بن أبي حمزة البطائني الضعيف الكذّاب الذي أكل مال الإمام (عليه السلام) كما تقدّم مراراً.

و ثانياً: مع الغضّ عن السند فلا تنافي بينهما، إذ المذكور فيها القوت أي ما يتقوّت به الإنسان المنصرف إلى مأكله و مشربه فقط، دون سائر حوائجه و لوازمه من علاج مرض أو إكرام ضيف أو شراء ملبس و نحو ذلك من المصاريف المتفرّقة الزائدة على الأكل و الشرب التي قدّرها (عليه السلام) بنصف القوت فيعادل القوت و نصفه مع المئونة المذكورة في الموثقة، التي هي ملحوظة طبعاً مع هذه المصاريف.

و بالجملة: لم تذكر في رواية أبي بصير المئونة و زيادة لتعارض الموثّق، بل القوت و زيادة، و القوت منصرف إلى الطعام الذي هو أخصّ من المئونة، فلا تنافي بينهما بوجه.

و يؤيّد الموثّق رواية إسماعيل بن عبد العزيز المصرّحة بجواز أخذ الزكاة و عدم بيع الدار و لا الغلام و لا الجمل و هو معيشته و قوته (1).

لكن السند ضعيف، لعدم وثاقة الرجل، فلا تصلح إلا للتأييد.

و رابعةً: يكون له مال معدّ للتجارة فتتبدّل العين بعين اخرى المعاوض عليها و لا تبقى محفوظة عنده كما كان كذلك في الفرض السابق و لا ريب حينئذٍ في عدم جواز أخذ الزكاة إذا كان الربح وافياً بالمئونة، كما لا ريب في الجواز إذا لم يكن وافياً و لو بضميمة الأصل.

و إنّما الكلام فيما إذا كان رأس المال بمجرّده وافياً بالمئونة و لم يكن الربح كافياً،

____________

(1) الوسائل 9: 236/ أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 3.

16

..........

____________

فهل يعدّ مثل هذا فقيراً يحلّ له أخذ الزكاة، أم لا؟

نُسب إلى الشيخ و جماعة الأوّل (1)، و هو الصحيحة.

و تدلّنا عليه صحيحة معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم و له عيال و هو يحترف فلا يصيب نفقته فيها، أ يكب فيأكلها و لا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة؟ «قال (عليه السلام): لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوّت بها نفسه و من وسعه ذلك من عياله، و يأخذ البقيّة من الزكاة، و يتصرّف بهذه لا ينفقها» (2).

و الاستدلال بها من وجهين:

الأوّل: ترك الاستفصال عن أنّ رأس المال و هو الثلاثمائة أو الأربعمائة درهماً هل يكون وافياً بمئونة السنة أم لا، فإنّ ذلك يدلّ على إطلاق الحكم و شموله لكلتا الصورتين، بل لا يبعد الوفاء سيّما في أيام الرخص و في الأزمنة السالفة التي كانت الشاة تباع فيها بدرهم واحد كما في بعض النصوص، بل أدركنا قبل خمسين سنة أنّ الرجل يتعيّش هو و زوجته و طفله بدرهم واحد في اليوم، المعادل لنصف مثقال من الفضّة تقريباً.

و كيفما كان، فترك الاستفصال في كلام الإمام (عليه السلام) شاهد على العموم.

الثاني: قوله (عليه السلام) «بل ينظر إلى فضلها» حيث جعل المعيار النظر إلى فضل رأس المال و ربحه و أنّه إن لم يف بالمئونة يأخذ البقيّة من الزكاة، و لا ينظر في ذلك إلى رأس المال نفسه، و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين صورتي‌

____________

(1) نسبه إلى الشيخ في الحدائق 12: 157.

(2) الوسائل 9: 238/ أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 1.

17

..........

____________

كفافه بالمئونة و عدمه.

و خامسةً: تكون له حرفة يتعيّش بها كالبنّاء و النجّار و الخيّاط و نحوها من أرباب المهن و الحرف، و حكمه أنّ حرفته إن كانت وافية بمئونة سنته لنفسه و عياله لم تحلّ له الزكاة، و إلّا حلّ التتميم منها كما لو كانت اجرة البنّاء في اليوم الواحد نصف دينار و مصارفه دينار واحد.

و يدلّ عليه أوّلًا: الصدق العرفي، فإنّ صاحب الحرفة فعلًا مالك بالقوّة لمئونة السنة إذا كانت وافية بها فهو غني عُرفاً، فلا ينطبق عليه عنوان الفقير المأخوذ مصرفاً للزكاة في لسان الأدلّة، كما أنّه ينطبق عليه العنوان على تقدير عدم الكفاية، فالحكم مطابق لمقتضى القاعدة و إن لم ترد في البين نصوص خاصّة.

و ثانياً: طائفة من الأخبار، منها: ذيل صحيحة أبي بصير المتقدّمة، قال (عليه السلام): «و لا تحلّ الزكاة لمن كان محترفاً و عنده ما تجب فيه الزكاة» (1).

و قد تقدّم المراد من قوله (عليه السلام) «و عنده ما تجب» و أنّه كناية عن المال الاحتياطي المدّخر لبعض المصاريف الاتّفاقيّة من علاج مرض و نحوه بحيث تتمّ معه مئونة السنة.

و منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف و لا لذي مرّة سوي قوي، فتنزّهوا عنها» (2).

و منها: صحيحته الأُخرى عنه (عليه السلام) «قال: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): لا تحلّ الصدقة لغني و لا لذي مرّة سوي، و لا لمحترف» (3)، و نحوها غيرها. فالحكم مسلّم لا غبار عليه.

____________

(1) الوسائل 9: 231/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 1.

(2) الوسائل 9: 231/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 2.

(3) الوسائل 9: 233/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 8.

18

..........

____________

و سادسةً: يكون قادراً على الاكتساب، و لكنّه لم يفعل تكاسلًا، فهو محترف بالقوّة و إن لم يتلبّس به فعلًا، فهل تحلّ له الزكاة نظراً إلى حاجته الفعليّة، أم لا باعتبار قوّته و قدرته على تحصيل المئونة؟

احتاط فيه الماتن، بل اختار الجواز في الجواهر (1).

هذا، و لا ينبغي التأمّل في الجواز فيما لو مضى وقت الاكتساب، لكونه مؤقّتاً بوقت خاصّ، كمن كان شغله الحملداريّة فتهاون و لم يتصدّ للمقدّمات إلى أن تحرّكت القافلة و هو فعلًا فقير لا مال له و ليست له حرفة اخرى، و مثله البنّاء الذي لم يحضر أوّل الوقت إلى أن مضت ساعة من النهار، فإنّ هذا فقير فعلًا بالضرورة و إن كان مستنداً إلى اختياره. و الظاهر خروج ذلك عن محلّ البحث.

و إنّما الكلام فيمن يكون متمكّناً من الاكتساب فعلًا و لم يتلبّس، كالطبيب الذي يتمكّن من التصدّي للمعالجة بمعاينة المريض دقائق معدودة بإزاء مبلغ معتدّ به، و كذا المهندس و نحوه من أرباب المهن و الحرف فلم يتصدّ تكاسلًا، و هو المراد بذي مرّة في النصوص المتقدّمة.

و الظاهر عدم حلّ الزكاة له، لعدم صدق الفقير عليه عرفاً بعد قدرته الفعليّة على الاكتساب، نظير من يتمكّن من تحصيل الماء بشراء و نحوه فإنّه و إن لم يجده فعلًا إلّا أنّه لا يصدق عليه الفاقد للماء، بل هو واجدٌ، أي متمكّن منه بالقدرة على مقدّمته، كما هو ظاهر.

مضافاً إلى دلالة جملة من النصوص:

منها: صحيحة زرارة المتقدّمة: «إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف و لا لذي مرّة سوّي قوّي، فتنزّهوا عنها».

فمن كان ذا مرّة أي قويّاً متمكّناً من الاكتساب لا تحلّ له الصدقة.

____________

(1) جواهر الكلام 15: 314.

19

..........

____________

و ناقش في دلالتها صاحب الجواهر بدعوى أنّ الأمر بالتنزّه ظاهر في الكراهة (1).

و فيه ما لا يخفى، فإنّ التنزّه لغةً بمعنى الابتعاد و الاجتناب، و هو المراد في لسان الأخبار، فهو ظاهر في الحرمة و لا إشعار له في الكراهة فضلًا عن الدلالة.

و مع الغضّ فلا ظهور لهذه الكلمة بمثابةٍ يستوجب رفع اليد عن ظهور بل صراحة «لا تحلّ» في المنع و الحرمة كما لا يخفى. فلا ينبغي التأمّل في دلالتها على عدم الجواز.

و نحوها صحيحته الأُخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): لا تحلّ الصدقة لغني و لا لذي مرّة سوي و لا لمحترف و لا لقوي» قلنا: ما معنى هذا؟ «قال: لا يحلّ له أن يأخذها و هو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها» (2).

و لكن بإزائه ما رواه الصدوق في الفقيه عن الصادق (عليه السلام)، قال: و قيل للصادق (عليه السلام): إنّ الناس يروون عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنّه قال: «إنّ الصدقة لا تحلّ لغني و لا لذي مرّة سوي» فقال: «قد قال: لغني، و لم يقل: لذي مرّة سوي» (3).

و نحوه ما رواه في معاني الأخبار عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «قد قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): إنّ الصدقة لا تحلّ لغني، و لم يقل: و لا لذي مرّة سوي» (4).

____________

(1) الجواهر 15: 314.

(2) الوسائل 9: 233/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 8.

(3) الوسائل 9: 232/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 5، الفقيه 3: 109/ 458.

(4) الوسائل 9: 233/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 9، معاني الأخبار: 262/ 2.

20

..........

____________

فإنّ العامّة قد رووا عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) ذلك كما رواه الترمذي و قال: إنّه حديث حسن صحيح، و كذا مالك (1). و لكن الصادق (عليه السلام) كذّبه و أنكر صدوره عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله)، فيكون ذلك معارضاً لما تقدّم في صحيح زرارة من قوله (عليه السلام): «إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف و لا لذي مرّة سوي».

و يندفع أوّلًا: بأنّ رواية الصدوق مرسلة لا يعوّل عليها.

و ثانياً: بأنّه (عليه السلام) لم ينكر الحكم و إنّما أنكر القول فقط، و من الجائز عدم صدور هذه اللفظة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و لا ينافي ذلك ثبوت الحكم و أنّه (صلّى اللّٰه عليه و آله) اقتصر في بيانه على مجرّد قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) «لا تحلّ لغني»، نظراً إلى صدق الغنى على ذي مرّة أيضاً، كما قد تشير إليه صحيحة معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) يروون عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) «أنّ الصدقة لا تحلّ لغني و لا لذي مرّة سوي» فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) «لا تصلح لغني» (2)، حيث أعرض (عليه السلام) في الجواب عن صحّة الرواية و سكت عن بيان ما صدر عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) نفياً و إثباتاً، و اقتصر على بيان الحكم و أنّ الصدقة لا تصلح للغني، إيعازاً إلى شمول الحكم لذي مرّة، لكونه مصادقاً للغني سواء أقاله النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أيضاً أم لا.

و ثالثاً: أنّها معارضة بصحيحة زرارة المتقدّمة، المصرّحة بإسناد تلك الجملة إلى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) من قبل أبي جعفر نفسه (عليه السلام) (3).

____________

(1) سنن الترمذي 3: 42/ 652، و انظر الموطأ 1: 268/ 29.

(2) الوسائل 9: 231/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 3.

(3) الوسائل 9: 233/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 8.

21

[مسألة 1: لو كان له رأس مال لا يقوم ربحه بمئونته لكن عينه تكفيه لا يجب عليه صرفها في مئونته]

[2699] مسألة 1: لو كان له رأس مال لا يقوم ربحه بمئونته لكن عينه تكفيه لا يجب عليه صرفها (1) في مئونته، بل يجوز له إبقاؤه للاتّجار به و أخذ البقيّة من الزكاة، و كذا لو كان صاحب صنعة تقوم آلاتها أو صاحب ضيعة تقوم قيمتها بمئونته و لكن لا يكفيه الحاصل منهما لا يجب عليه بيعها و صرف العوض في المئونة، بل يبقيها و يأخذ من الزكاة بقيّة المئونة.

[مسألة 2: يجوز أن يعطى الفقير أزيد من مقدار مئونة سنته دفعةً]

[2700] مسألة 2: يجوز أن يعطى الفقير أزيد [1] من مقدار مئونة سنته دفعةً، فلا يلزم الاقتصار على مقدار مئونة سنة واحدة (2).

____________

و كيفما كان، سواء أ صدر ذلك عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أم لم يصدر فيكفينا حكم الصادق (عليه السلام) بعدم الحلّ و أمره بالتنزّه عنها في صحيحة زرارة المتقدّمة (1)، و كفى به مدركاً للمنع، فلا ينبغي التأمّل في المسألة فلاحظ.

(1) قد ظهر الحال حول هذه المسألة لدى التعرّض لمصاديق الفقير في الفروض الستّة المتقدّمة، فلاحظ و لا نعيد.

(2) بل يجوز دفع مقدار سنتين، بل سنين، بل بمقدار يعدّ غنيّاً عرفاً على المشهور المعروف شهرة عظيمة.

و ناقش فيه بعضهم فمنع عن الدفع أكثر من سنة واحدة يصير بها غنيّاً شرعاً.

و كيفما كان، فالمتّبع هو الدليل بعد وضوح عدم نهوض إجماع تعبّدي كاشف‌

____________

[1] فيه إشكال، و الاحتياط لا يترك، و كذا الحال فيما بعده.

____________

(1) الوسائل 9: 231/ أبواب المستحقين للزكاة ب 8 ح 2.

22

و كذا في الكاسب الذي لا يفي كسبه بمئونة سنته، أو صاحب الضيعة التي لا يفي حاصلها، أو التاجر الذي لا يفي ربح تجارته بمئونة سنته، لا يلزم الاقتصار على إعطاء التتمّة، بل يجوز دفع ما يكفيه لسنين، بل يجوز جعله غنيّاً عرفيّاً و إن كان الأحوط الاقتصار. نعم، لو أعطاه دفعات لا يجوز بعد أن حصل عنده مئونة السنة أن يعطي شيئاً و لو قليلًا ما دام كذلك.

____________

عن رأي المعصوم (عليه السلام)، و إنّما استند القائلون بالجواز إلى بعض الوجوه الآتية التي هي مدرك الحكم في المسألة، فلا بدّ من النظر إليها.

و قد استُدلّ له أوّلًا بإطلاقات الأدلّة من الكتاب و السنّة مثل قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ، فإنّ الصدقة المدفوعة لم تتقيّد بعدم الزيادة على المئونة.

و فيه ما لا يخفى، لعدم انعقاد الإطلاق بعد التحديد بالكفاية في جملة من تلك الأدلّة، التي منها ما ورد من «أنّ اللّٰه عزّ و جلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به، و لو علم أنّ الذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم» كما في صحيحة ابن سنان (1)، أو «ما يسعهم» كما في صحيحة زرارة و ابن مسلم (2)، أو بتعبير آخر كما في غيرهما.

و قد تقدّم غير مرّة أنّ مقدار الكفاية ظاهر عرفاً في مئونة السنة، و مع هذه التحديدات الواردة في غير واحد من الروايات كيف يمكن دعوى الإطلاق؟! فالمقتضي للتوسعة قاصر في حدّ نفسه.

____________

(1) الوسائل 9: 10/ أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1 ح 2.

(2) الوسائل 9: 10/ أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 1 ح 3.

23

..........

____________

على أنّ ذلك منافٍ لحكمة التشريع، فإنّ الزكاة إنّما شرّعت لعلاج مشكلة الفقر و دفعه عن المجتمع كما أُشير إليه في النصوص المزبورة، و من البيّن أنّ دفع زكوات البلد التي ربّما تبلغ الأُلوف أو الملايين لفقير واحد و لو دفعة واحدة و جعله من أكبر الأثرياء مع إبقاء سائر الفقراء على حالهم لا يجامع مع تلك الحكمة، بل يضادّها و ينافيها كما لا يخفى.

بل يمكن أن يقال بانعدام موضوع الفقر لدى دفع الزائد، فلم يكن عنوان الفقير محفوظاً ليشمله الإطلاق على تقدير تسليم انعقاده.

و توضيحه: أنّ الزكاة موضوعها الفقير، فلا بدّ من فرض الفقر حال دفع الزكاة. نعم، الموضوع هو الفقر مع قطع النظر عن الدفع، فلا مانع من زواله المستند إلى دفع الزكاة إليه كما نطقت به النصوص، و أمّا زواله مقارناً لدفع الزكاة إليه فهو قادح، لانعدام الموضوع، و قد عرفت لزوم فرضه عند الدفع. و من ثمّ لو أصبح الفقير غنيّاً حال الدفع لعلّة اخرى كما لو فرضنا أنّ والده مات في نفس الآن الذي دفعت إليه الزكاة بالدقّة العقليّة فورث منه مالًا كثيراً في تلك اللحظة بعينها لم يجز له أخذ الزكاة إذا لم يكن فقيراً حال القبض. نعم، في المرتبة السابقة كان كذلك، إلّا أنّ الاعتبار بالزمان بأن يُفرض زمان هو فقير فيه ليدفع إليه، و لم يكن كذلك، لفرض غناه في نفس الآن الذي دُفعت إليه الزكاة.

و المقام من هذا القبيل، إذ لو فرضنا أنّ مئونته السنويّة مائة دينار فدفع إليه مائتين دفعة واحدة فقد ارتفع فقره بإحدى المائتين، و معه لا مسوّغ لأخذ المائة الأُخرى، لزوال فقره مقارناً لنفس هذا الآن، فلم يكن فقيراً عند تسلّمه.

و هذا نظير الملاقاة للنجاسة حال تتميم القليل كرّاً بأن كانت الملاقاة و الإتمام في آنٍ واحد بالدقّة العقليّة، فإنّه لا يحكم حينئذٍ بالانفعال، إذ المعتبر فيه حدوث‌

24

..........

____________

الملاقاة في زمان يتّصف فيه الماء بالقلّة، لكي يصدق أنّ النجس لاقى الماء القليل حتّى يشمله الدليل، فلا بدّ من فرض القلّة في زمان سابق على الملاقاة و هو منفي في الفرض.

و على الجملة: فالتمسّك بإطلاقات الأدلّة ممّا لا موقع له في مثل المقام بتاتاً حسبما عرفت.

و استُدلّ له أي للقول المشهور ثانياً بجملة من الروايات، كموثّقة إسحاق ابن عمّار عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، قال: قلت له: اعطي الرجل من الزكاة ثمانين درهماً؟ «قال: نعم، و زده» قلت: أُعطيه مائة؟ «قال: نعم و أغنه إن قدرت أن تغنيه» (1).

و صحيحة سعيد بن غزوان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «قال: تعطيه من الزكاة حتّى تغنيه» (2).

و صحيحته الأُخرى، قال: سألته كم يُعطى الرجل الواحد من الزكاة؟ «قال: أعطه من الزكاة حتّى تغنيه» (3).

و موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أنّه سئل: كم يعطى الرجل من الزكاة؟ «قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا أعطيت فأغنه» (4).

فإنّ جواز الإعطاء، لحدّ الإغناء الظاهر في الغنى العرفي كاشف عن عدم التحديد بمئونة السنة الواحدة.

____________

(1) الوسائل 9: 259/ أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 3.

(2) الوسائل 9: 258/ أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 1.

(3) الوسائل 9: 259/ أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 5.

(4) الوسائل 9: 259/ أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 4.

25

..........

____________

و يدفعه: أنّ المراد بالغنى ما يقابل الفقر الذي من أجله كان مصرفاً للزكاة، فبقرينة المقابلة يراد به ما يخرجه من تلك المصرفيّة، فلا جرم يكون المقصود هو الغني الشرعي المفسّر في سائر الأدلّة بملك مئونة السنة، دون الغنى العرفي لكي يجوز الإعطاء أضعافاً مضاعفة كما لا يخفى.

فالإنصاف أنّ الروايات المعتبرة قاصرة عن إثبات مقالة المشهور، و لا عبرة بغير المعتبرة.

بل يمكن أن يستدلّ للقول الآخر بصحيحة أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّ شيخاً من أصحابنا يقال له: عمر، سأل عيسى بن أعين و هو محتاج، فقال له عيسى بن أعين: أما إنّ عندي من الزكاة و لكن لا أُعطيك منها، فقال له: و لِمَ؟ فقال: لأنّي رأيتك اشتريت لحما و تمراً، فقال: إنّما ربحت درهماً فاشتريت بدانقين لحما و بدانقين تمراً ثمّ رجعت بدانقين لحاجة، قال: فوضع أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) يده على جبهته ساعة ثمّ رفع رأسه ثمّ قال: «إنّ اللّٰه نظر في أموال الأغنياء، ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به، و لو لم يكفهم لزادهم، بلى فليعطه ما يأكل و يشرب و يكتسي و يتزوّج و يتصدّق و يحجّ» (1).

حيث اقتصر (عليه السلام) و هو في مقام البيان و التحديد على ما يحتاج إليه نوع الإنسان من مؤن السنة من الأخذ بالحدّ النمط، و هي المصاريف المشار إليها أخيراً حتّى الحجّ لجواز دفع الزكاة للحجّ بمقتضى النصوص الخاصّة كما سيجي‌ء فلا تلزم المداقّة بحيث يتخيّل أنّ الدرهم المشتمل على ستّة دوانيق مانع عن الأخذ، و لا تسوّغ التوسعة بدفع الأُلوف المتكاثرة بمثابةٍ يعدّ لدى العرف‌

____________

(1) الوسائل 9: 289/ أبواب المستحقين للزكاة ب 41 ح 2.

26

..........

____________

غنيّاً ثريّاً، بل المتعيّن هو الحدّ الوسط الذي يتّصف معه بالغنى الشرعي كما عرفت.

و يؤيّده مرسلة عبد الرحمن بن الحجّاج حيث ذكر فيها «... فإنّ الناس إنّما يعطون من السنة إلى السنة، فللرجل أن يأخذ ما يكفيه و يكفي عياله من السنة إلى السنة» (1).

و هي صريحة الدلالة في المطلوب، غير أنّها لمكان الإرسال لا تصلح إلّا للتأييد.

بل يمكن الاستدلال أيضاً بجملة أُخرى من النصوص:

منها: صحيحة معاوية بن وهب، قال (عليه السلام) فيها «... بل ينظر إلى فضلها فيقوّت بها نفسه و من وسعه ذلك من عياله، و يأخذ البقيّة من الزكاة» (2).

فإنّ تخصيص الأخذ بالبقيّة بعد الأمر بصرف الفضل لقوت نفسه و من وسعه من عياله يكشف عن عدم كونه مرخّصاً في الأخذ إلّا بمقدار الحاجة و ما يكون مكمّلًا للمئونة، لا الأخذ كيفما شاء بالغاً ما بلغ.

و منها: موثّقة سماعة، قال (عليه السلام) فيها «... فليعف عنها نفسه و ليأخذها لعياله» (3).

فإنّ تخصيص الأخذ بكونه للعيال بعد الأمر بعفّة النفس دالّ على المطلوب.

و منها: معتبرة هارون بن حمزة، قال (عليه السلام) فيها «... فلينظر ما يفضل منها فليأكله هو و من وسعه ذلك، و ليأخذ لمن لم يسعه من عياله» (4).

____________

(1) الوسائل 9: 260/ أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 9.

(2) الوسائل 9: 238/ أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 1.

(3) الوسائل 9: 239/ أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 2.

(4) الوسائل 9: 239/ أبواب المستحقين للزكاة ب 12 ح 4.

27

[مسألة 3: دار السكنى و الخادم و فرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله]

[2701] مسألة 3: دار السكنى و الخادم و فرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله و لو لعزّة و شرفه لا يمنع من إعطاء الزكاة و أخذها (1)،

____________

حيث خصّ الأخذ بمن لم يسعه من العيال لا مطلقاً.

و منها: معتبرة الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) «أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول: يعطى المستدينون من الصدقة و الزكاة دينهم كلّ ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف، فأمّا الفقراء فلا يزاد أحدهم على خمسين درهماً، و لا يعطى أحد له خمسون درهماً أو عدلها من الذهب» (1).

فإنّها صريحة في عدم جواز الدفع أكثر من خمسين درهماً، و لعلّه من أجل حصول الكفاية بهذه الكمّيّة في تلك الأزمنة كما يشير إليه ذيل موثّقة سماعة المتقدّمة آنفاً، حيث ذكر فيها قوله (عليه السلام): «و أمّا صاحب الخمسين فإنّه يحرم عليه إذا كان وحده».

و المتحصّل من جميع ما قدّمنا: أنّا لم نجد في شي‌ء من النصوص ما يصلح سنداً يعوّل عليه في فتوى المشهور لو لم ينهض على خلافه كما عرفت. و عرفت أيضاً عدم ثبوت الإجماع التعبّدي. إذن فمدّعي الجزم بعدم جواز الدفع زائداً على مقدار المئونة غير مجازف بحسب الصناعة و ما يقتضيه النظر في الأدلّة. فهذا القول إن لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط و إن كان على خلاف المشهور.

(1) فإنّ مصرف الصدقة الفقير، و الفقر هو الحاجة، و الاحتياج لا يختصّ بالطعام و الشراب، بل يعمّ كل ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه و إدارة شؤون حياته من الملبس و المسكن و المركب و الخادم و الفراش و اللوازم البيتيّة و نحو‌

____________

(1) الوسائل 9: 261/ أبواب المستحقين للزكاة ب 24 ح 10.

28

بل و لو كانت متعدّدة مع الحاجة إليها، و كذا الثياب و الألبسة الصيفيّة و الشتويّة السفريّة و الحضريّة لو كانت للتجمّل، و أثاث البيت من الفروش و الظروف و سائر ما يحتاج إليه، فلا يجب بيعها في المئونة، بل لو كان فاقداً لها مع الحاجة جاز أخذ الزكاة لشرائها. و كذا يجوز أخذها لشراء الدار و الخادم و فرس الركوب و الكتب العلميّة و نحوها مع الحاجة إليها. نعم، لو كان عنده من المذكورات أو بعضها أزيد من مقدار حاجته بحسب حاله وجب صرفه في المئونة.

____________

ذلك ممّا تتوقّف عليه الحضارة و الحياة الاجتماعية، فإنّ ذلك كلّه يعدّ من المؤن المحكومة بالاستثناء، فلا يلزم بيعها تورّعاً عن أخذ الزكاة، بل يجوز الأخذ لشرائها لو كان فاقداً لبعضها مع فرض الحاجة، لعين ما ذكر.

و هذا ممّا لا غبار عليه و لا إشكال، كما لا خلاف فيه من أحد، و تشهد له جملة من النصوص، كموثّقة سماعة و مصحّح ابن أُذينة المصرّح فيهما بجواز دفع الزكاة لمن له دار و خادم المؤيّدتين برواية ابن عبد العزيز المتقدّمة (1) و نحوها غيرها.

ثمّ إنّه (قدس سره) تعرّض في هذه المسألة لفرعين:

أحدهما: ما أشار إليه بقوله (قدس سره) بل إذا كانت ... إلخ.

____________

(1) الوسائل 9: 235 و 236/ أبواب المستحقين للزكاة ب 9 ح 1، 2، 3.

29

بل إذا كانت عنده دار تزيد عن حاجته (1) و أمكنه بيع المقدار الزائد عن حاجته وجب بيعه. بل لو كانت له دار تندفع حاجته بأقلّ منها قيمةً، فالأحوط بيعها و شراء الأدون (2). و كذا في العبد و الجارية و الفرس.

____________

(1) كما لو كانت واسعة تشتمل على عشر غرف و هو يكتفي بثلاث غرف مثلًا فيبقى سبعة منها فارغة و هو مستغني عنها. و لا ينبغي التأمّل في عدم جواز أخذ الزكاة حينئذٍ، لوجود الزائد على مقدار المئونة، الموجب لصيرورته غنيّاً شرعيّا.

و من البديهي أنّ الدار المستثناة في مثل موثّقة سماعة المتقدّمة منصرفة عن مثل ذلك كما هو ظاهر. إذن فيلزمه بيع الزائد أو إيجاره و صرف غلّته في مئونته.

الثاني: ما أشار إليه بقوله (قدس سره): بل لو كانت ... إلخ.

(2) بأن كانت سعة الدار و مرافقها بمقدار حاجته من غير زيادة فاشتملت على ثلاث غرف مثلًا و هو يحتاج إليها، إلّا أنّ حسّاسيّة المنطقة أوجبت غلاء القيمة، لوقوعها على رأس الشارع مثلًا أو جنب الصحن الشريف، و يمكنه السكون في مشابه الدار في منطقة اخرى أرخص منها.

فالفرق بين الفرعين بالكمّ و الكيف، ففي الأوّل: كمّيّة الدار زائدة على مقدار الحاجة، و في الثاني: كيفيّتها الناشئة من غلاء القيمة. و قد فرّق الماتن (قدس سره) بينهما في الحكم فأفتى بوجوب بيع الزائد في الأوّل، و احتاط في الثاني، و هو في محلّه، بل كان ينبغي الجزم بالعدم، لإطلاق موثقة سماعة المتقدّمة، و عدم جريان الانصراف المزبور في المقام.

30

[مسألة 4: إذا كان يقدر على التكسّب و لكن ينافي شأنه]

[2702] مسألة 4: إذا كان يقدر على التكسّب و لكن ينافي شأنه، كما لو كان قادراً على الاحتطاب و الاحتشاش غير اللائقين بحاله، يجوز له أخذ الزكاة (1)، و كذا إذا كان عسراً و مشقّة من جهة كبر أو مرض أو ضعف فلا يجب عليه التكسّب حينئذ.

____________

نعم، لو كانت موقعيّة الدار زائدة على مقدار شأنه، كما لو كانت على جنبه دائرة من الدوائر الحكوميّة أو في منطقة الأعيان و الأشراف، و هو رجل عادي فالغلاء المستند إلى هذه العلّة يعدّ زائداً على المئونة.

و أمّا لو كانت الموقعيّة معادلة لشأنه و لائقة بزيّه فتناسبه السكون و هو من رجال الدين مثلًا جنب الصحن العلوي الشريف أو على رأس الشارع، كما تناسبه في منطقة أبعد منهما، فلا نرى موجباً لتبديلها بأرخص منها، بل مقتضى إطلاق الموثّق المزبور و غيره استثناء دار الحاجة، سواء وجد الأرخص و أمكن التبديل أم لا.

فالفرق بين الفرعين ظاهرٌ موضوعاً و حكماً، فتدبّر جيّدا.

(1) فإنّ المتمكّن من الاكتساب و إن لم يجز له أخذ الزكاة للنصوص الدالّة على عدم إعطائها لمن هو ذو مرّة سوي كما تقدّم عند التعرّض لمصاديق الفقير (1) إلّا أنّ تلك الأدلّة منصرفة عن مثل المقام ممّا كانت نوعيّة الاكتساب غير لائقة بشأنه و مقامه مثل الاحتطاب أو الكنس في الطرقات و نحو ذلك ممّا يتضمّن الذلّ و المهانة مع كونه من أهل العزّ و الكرامة، فلا يصدق على مثله عنوان ذي مرّة سوي، فالمقتضي قاصر في حدّ نفسه.

____________

(1) في ص 17 19.

31

[مسألة 5: إذا كان صاحب حرفة أو صنعة و لكن لا يمكنه الاشتغال بها من جهة فقد الآلات]

[2703] مسألة 5: إذا كان صاحب حرفة أو صنعة و لكن لا يمكنه الاشتغال بها من جهة فقد الآلات أو عدم الطالب، جاز له أخذ الزكاة (1).

[مسألة 6: إذا لم يكن له حرفة و لكن يمكنه تعلّمها من غير مشقّة]

[2704] مسألة 6: إذا لم يكن له حرفة و لكن يمكنه تعلّمها من غير مشقّة، ففي وجوب التعلّم و حرمة أخذ الزكاة بتركه إشكال (2)، و الأحوط التعلّم و ترك الأخذ بعده. نعم، ما دام مشتغلًا بالتعلّم لا مانع من أخذها.

____________

هذا، مضافاً إلى أدلّة نفي العسر و الحرج، فإنّ التصدّي لمثل هذا الكسب و تحمّل الذلّ و الوهن فيه مشقّة عظيمة ينفيه دليل نفي الحرج، و بذلك يسوغ له أخذ الزكاة.

على أنّ المستفاد من نصوص استثناء العبد و الخادم المتقدّمة عدم ابتناء أمر الزكاة على التضييق و المداقّة في نظر الشارع المقدّس، بل هو أوسع من ذلك كما لا يخفى.

(1) إذ لا أثر لحرفة لا يمكن الانتفاع بها إمّا لفقد الآلة أو لعدم الطالب، فلا فرق بينه و بين غير المحترف في صدق الفقير عليه عرفاً المسوّغ لأخذ الزكاة.

(2) بل الأظهر ذلك، لقدرته على تحصيل المال و الإنفاق على العيال الواجب عليه بالقدرة على مقدّمته و هو التعلّم، فيجب عقلًا التصدّي للمقدّمة و التوصّل بها إلى ذيها، و معه يكون من مصاديق ذي مرّة سوي، الذي يحرم عليه أخذ الزكاة كما تقدّم.

نعم، حال الاشتغال بالتعلّم هو عاجز عن الكسب و لم يكن ذا مرّة سوي فتجوز له الزكاة عندئذٍ، و أمّا أخذها مع ترك التعلّم رأساً ففيه منع كما عرفت.

اللّٰهمّ إلّا أن يفرض احتياج التعلّم إلى مدّة طويلة جدّاً بحيث لا يصدق معه‌

32

[مسألة 7: من لا يتمكّن من التكسّب طول السنة إلّا في يوم أو أُسبوع]

[2705] مسألة 7: من لا يتمكّن من التكسّب طول السنة إلّا في يوم أو أُسبوع مثلًا- (1) و لكن يحصل له في ذلك اليوم أو الأُسبوع مقدار مئونة السنة، فتركه و بقي طول السنة لا يقدر على الاكتساب، لا يبعد جواز أخذه و إن قلنا: إنّه عاص بالترك في ذلك اليوم [1] أو الأُسبوع، لصدق الفقير عليه حينئذ.

____________

عرفاً القدرة على الاكتساب و كفّ النفس عن الزكاة، و لا ينطبق عليه عنوان ذي مرّة سوي، فمثل هذا يجوز له ترك التعلّم و الارتزاق من الزكاة، لصدق الفقير عليه، و أمّا غيره فكلّا حسبما عرفت.

فوجوب التعلّم و حرمة الأخذ لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

(1) كالحملداريّة أو من يرجع شغله إلى شؤون الحجّ و نحوه ممّن يشتغل أُسبوعاً أو أقلّ أو أكثر و يحصل له مقدار مئونة السنة، فتركه تكاسلًا إلى أن مضى الوقت و لم يقدر طول السنة على الاكتساب، فالظاهر جواز أخذ الزكاة حينئذٍ، لصدق الفقير عليه في هذه الحالة و إن كان فقره مستنداً إلى اختياره.

و أمّا العصيان بترك الكسب في ذلك الوقت فليس له وجه ظاهر، ضرورة عدم وجوب التحفّظ على الغنى، فتجوز إزالته بالإنفاق في سبيل اللّٰه أو الجيران أو الأولاد و جعل نفسه فقيراً لكي تستباح له الزكاة عندئذٍ.

____________

[1] لم يظهر وجه للعصيان.

33

[مسألة 8: لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه]

[2706] مسألة 8: لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه (1) يجوز له أخذ الزكاة [1] إذا كان ممّا يجب تعلّمه عيناً أو كفايةً، و كذا إذا كان ممّا يستحبّ تعلّمه كالتفقّه في الدين اجتهاداً أو تقليداً. و إن كان ممّا لا يجب و لا يستحبّ كالفلسفة و النجوم و الرياضيّات و العروض و العلوم الأدبيّة لمن لا يريد التفقّه في الدين فلا يجوز أخذه.

____________

(1) قد يفرض وجوب طلب العلم عيناً و أُخرى كفايةً و ثالثةً استحبابه و رابعةً إباحته كالفلسفة و النجوم على ما مثّل به في المتن. و قد حكم (قدس سره) بجواز أخذ الزكاة في الواجب مطلقاً و في المستحبّ، و لكنّه غير ظاهر على إطلاقه.

أمّا في فرض الوجوب العيني فالأمر كما ذكر، إذ الوجوب الشرعي يجعله عاجزاً عن الاكتساب، فلا قدرة له عليه شرعاً، و لا فرق في العجز المحقّق للفقر بين التكويني و التشريعي، فهو نظير من لا يقدر إلّا على الكسب الحرام، كبيع المغصوب أو الضرري أو الربوي أو بيع الخمر و نحو لك، الذي لا إشكال في كونه فقيراً شرعاً و مورداً لأخذ الزكاة، و هذا ظاهر.

و أمّا في فرض الوجوب الكفائي فحيث لا إلزام عليه بشخصه لفرض وجود من به الكفاية فهو متمكّن من الكسب شرعاً و عقلًا و ذو مرّة سوي، و مجرّد الوجوب الكفائي لا يستوجب العجز بالضرورة، و لم يرد دليل خاصّ يقتضي تخصيص طلبة العلم بما دلّ على منع الزكاة عن ذي مرّة سوي، و منه يظهر الحال في طلب العلم المستحبّ فضلًا عن المباح لوحدة المناط، بل بطريق‌

____________

[1] إذا لم يكن الوجوب عينياً يشكل الأخذ من حصّة الفقراء. نعم، يجوز الصرف عليه من سهم سبيل اللّٰه بلا إشكال إذا كان فيه مصلحة عامّة.

34

[مسألة 9: لو شكّ في أنّ ما بيده كافٍ لمئونة سنته أم لا]

[2707] مسألة 9: لو شكّ في أنّ ما بيده كافٍ لمئونة سنته أم لا (1)، فمع سبق وجود ما به الكفاية لا يجوز الأخذ، و مع سبق العدم و حدوث ما يشكّ في كفايته يجوز، عملًا بالأصل في الصورتين.

[مسألة 10: المدّعى للفقر إن عرف صدقه أو كذبه عومل به]

[2708] مسألة 10: المدّعى للفقر إن عرف صدقه أو كذبه عومل به، و إن جهل الأمران (2) فمع سبق فقره يعطى من غير يمين، و مع سبق الغني أو الجهل بالحالة السابقة فالأحوط عدم الإعطاء، إلّا مع الظنّ بالصدق [1]، خصوصاً في الصورة الأُولى.

____________

أولى كما لا يخفى.

إذن لا ينبغي التأمّل في عدم جواز دفع الزكاة إليه من سهم الفقراء، لعدم انطباق العنوان.

نعم، لا مانع من الدفع إليه من سهم سبيل اللّٰه مع فرض رجحان العلم شرعاً، فانّ موضوعه كلّ قربة كما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه، و بثّ العلم و نشره و تعليمه و تعلّمه من أظهر مصاديقها و أبرز أفراد الخير و المعروف كما هو ظاهر.

(1) تقدّم أنّ من يملك مئونة سنته لا يجوز له أخذ الزكاة، و من لا يملك يجوز. فإن أحرز ذلك وجوداً أو عدماً فلا كلام، و أمّا لو شكّ في ذلك: فإن كانت الحالة السابقة وجود ما به الكفاية لا يجوز، و إن كانت العدم يجوز، عملًا بالاستصحاب في كلتا الصورتين كما هو ظاهر.

(2) فصّل (قدس سره) حينئذٍ بين سبق الفقر فيعطى و بين سبق الغني أو الجهل بالحالة السابقة فلا يعطي إلّا مع الظنّ بالصدق.

____________

[1] الأقوى جوازه مع الجهل بالحالة السابقة حتّى مع عدم الظنّ بالصدق، و أمّا مع العلم بسبق الغنى فجواز الاكتفاء بالظنّ لا يخلو من إشكال بل منع.

35

..........

____________

و الذي ينبغي أن يقال في المقام: إنّ الحالة السابقة إن كانت هي الفقر فهو فعلًا فقير شرعاً بمقتضى الاستصحاب فيجوز دفع الزكاة إليه سواء ادّعى الفقر أم لا.

و إن كانت هي الغنى فلا يجوز الدفع إليه ما لم يثبت فقره بحجّة شرعيّة حاكمة على استصحاب غناه، و مجرّد الدعوى الصادرة منه غير مسموعة كما لا يخفى، لعدم الدليل على اعتبارها، و الوجوه التي استُدلّ بها على الاعتبار من الحمل على الصحّة أو سماع الدعوى بلا معارض و غير ذلك ممّا قيل في المقام كلّها واهية لا ينبغي الإصغاء إليها، فإنّ الدعوى بلا معارض موردها الأموال فقط، فلو كان مال بين جماعة و قد ادّعاه واحد منهم و لم يعارضه الآخرون سمع منه بمقتضى النصّ الخاصّ الوارد فيه، لا أنّ كلّ من يدّعي شيئاً كالاجتهاد أو العدالة أو الفقر أو غير ذلك و لم يعارضه غيره يسمع منه من غير مطالبته الدليل من بيّنة و نحوها، فإنّ هذا واضح الفساد.

و كيفما كان، فتلك الوجوه كلّها مزيّفة و لا يرفع اليد عن الاستصحاب إلّا بدليل قاطع أو حجّة معتبرة، فلا تسمع دعوى الفقر في قبال استصحاب الغنى، و إن أفادت الظنّ فإنّه لا يغني عن الحقّ، بل قد قامت الأدلّة القطعيّة على عدم الحجّيّة كما هو محرّر في محلّه، و الظنّ خلاف اليقين، و لا يرفع اليد عن اليقين السابق إلّا بيقين مثله.

نعم، الظن القوي البالغ حدّ الاطمئنان حجّة عقلائيّة و علم تعبّدي، فهو ناقض للاستصحاب، فيرفع اليد عنه و لو بمثل هذا الدليل، و أمّا دون ذلك فكلّا.

و أمّا لو كانت الحالة السابقة مجهولة فالظاهر سماع قوله، نظراً إلى أنّ الفقر مرجعه إلى عدم الغنى، و هذا العدم متحقّق سابقاً بالإضافة إلى كلّ بشر، و لا أقلّ من حين الولادة، فإنّه يولد و لا مال له إلّا شاذّاً و يطرؤه الغنى بعد ذلك‌

36

..........

____________

بالكسب أو الإرث و نحوهما، فالغني أمر حادث مسبوق بالعدم دائماً فيستصحب فسماع دعوى الفقر في هذه الصورة مستند إلى الاستصحاب و لا خصوصيّة للدعوى، و لعلّ السيرة العمليّة القائمة على السماع في هذا الفرض مستندة لدى التحليل إلى الاستصحاب المزبور، و إلّا فمن المستبعد جدّاً قيام سيرة تعبّديّة كاشفة عن رأي المعصوم (عليه السلام) كما لا يخفى.

و يتأيّد ما ذكرناه ببعض النصوص، مثل ما ورد فيمن نذر للكعبة أو أهدى إليها من «أنّه يباع و يؤخذ ثمنه و ينادى على الحجر: ألا هل من منقطع نفدت نفقته أو قطع عليه فليأت فلان بن فلان فيعطى الأوّل فالأوّل حتّى ينفد الثمن» (1).

و ما ورد في خبر العرزمي من أنّه جاء رجل إلى الحسن و الحسين (عليهما السلام) و هما جالسان على الصفا فسألهما فقالا «إنّ الصدقة لا تحلّ إلّا في دَين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، ففيك شي‌ء من هذا؟» قال: نعم، فأعطياه (2).

و ما في مصحّح عامر بن جذاعة: جاء رجل إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال له: يا أبا عبد اللّٰه، قرض إلى ميسرة، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «إلى غلّة تدرك؟» فقال الرجل: لا و اللّٰه «قال: فإلى تجارة تؤوب؟» قال: لا و اللّٰه «قال: فإلى عقدة تباع؟» قال: لا و اللّٰه، فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «فأنت ممّن جعل اللّٰه له في أموالنا حقّا» ثمّ دعا بكيس فيه دراهم (3).

و إن أمكن الخدش في الأوّل بجواز كونه من مختصّات نذر الكعبة و الهديّة إليها فلا مقتضي للتعدّي عن موردها ليدلّ على سماع دعوى الفقر من كلّ مجهول يدّعيه ليسري الحكم إلى المقام.

____________

(1) الوسائل 13: 247/ أبواب مقدّمات الطواف ب 22 ح 1 و 7.

(2) الوسائل 9: 211/ أبواب المستحقين للزكاة ب 1 ح 6.

(3) الوسائل 9: 45/ أبواب ما تجب فيه الزكاة ب 7 ح 1.

37

[مسألة 11: لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة]

[2709] مسألة 11: لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة سواء كان حيّاً أو ميّتا (1).

____________

و في الأخيرين بأنّهما قضيّة في واقعة و حكاية فعل مجمل لا إطلاق له ليتمسّك به، و من الجائز أنّه قد حصل للإمام (عليه السلام) قناعة شخصيّة بفقر الرجل لقرائن محفوفة ماليّة أو مقاليّة أورثت الاطمئنان بصدقه، فلا يمكن استفادة ضابط كلّي لمدّعي الفقر ليشمل باب الزكوات و الصدقات.

فهذه النصوص مؤيّدة للمطلوب، و العمدة هو الاستصحاب حسبما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه، و يدلّ عليه قبل النصوص الكتاب العزيز، قال تعالى إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ، فإنّ عطف الغارمين على الرقاب يستدعي دخول حرف الجرّ عليه، أي و في الغارمين، يعني: أنّ الصرف في هذا السبيل من أحد مصارف الزكاة، و المصرفيّة كما تشتمل الأداء و الوفاء عن الغريم بالدفع و التسليم تشمل الاحتساب عنه بأن يكون له دين على الفقير و عليه زكاة في ماله فيحتسبه عنها، و لا يختصّ بالأوّل، إذ لم يقل للغارمين كما في قوله تعالى لِلْفُقَرٰاءِ بل قال تعالى: في الغارمين، و الظرفيّة تعمّ الوفاء و الاحتساب كما أنّها تعمّ الحيّ و الميّت، فالآية المباركة مطلقة من كلتا الناحيتين، فهي بمجرّدها وافية بإثبات المطلوب من غير حاجة إلى دليل بالخصوص.

مضافاً إلى دلالة جملة من النصوص عليه:

منها: صحيحة عبد الرحمن، قال: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن دَين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه و هم مستوجبون‌

38

..........

____________

للزكاة، هل لي أن أدعه فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ «قال: نعم» (1)، و هي صريحة في المطلوب.

و موثّقة سماعة: عن الرجل يكون له الدَّين على رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة «فقال: إن كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دَين من عرض من دار أو متاع من متاع البيت أو يعالج عملًا يتقلّب فيها بوجهه، فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دَينه، فلا بأس أن يقاصّه بما أراد أن يعطيه من الزكاة، أو يحتسب بها، فإن لم يكن عند الفقير وفاء و لا يرجو أن يأخذ منه شيئاً فيعطيه من زكاته و لا يقاصّه بشي‌ء من الزكاة» (2).

و دلالتها أيضاً ظاهرة و إن تضمّنت التفصيل في جواز الاحتساب بين تمكّن الفقير على فقره من أداء الدين و لو ببيع شي‌ء من متاع البيت و بين من هو أشدّ حالًا منه الذي لا يتمكّن من هذا أيضاً، الذي يطلق عليه البائس اصطلاحاً، و أنّه يحتسب في الأوّل دون الثاني، بل يعطى إليه الزكاة من غير مقاصّة.

فإنّ هذا الحكم مبني على الاستحباب قطعاً، إذ لا يجب دفع الزكاة إلى هذا الشخص بالضرورة، بل له الدفع إلى فقير آخر، فالأمر بالدفع إليه و النهي عن الاحتساب مبني على الإرفاق و الاستحباب، كي لا يحرم المسكين من عطاء الزكاة، فلا ينافي إطلاق الحكم بالجواز الذي تضمّنته الصحيحة المتقدّمة كما هو ظاهر.

و تؤيّده رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث أنّ عثمان بن عمران قال له: إنّي رجل موسر و يجيئني الرجل و يسألني الشي‌ء و ليس هو إبّان زكاتي، فقال له أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): «القرض عندنا بثمانية عشر‌

____________

(1) الوسائل 9: 295/ أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 2.

(2) الوسائل 9: 296/ أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 3.

39

..........

____________

و الصدقة بعشرة، و ما ذا عليك إذا كنت كما تقول موسراً أعطيته فإذا كان إبّان زكاتك احتسبت بها من الزكاة، يا عثمان لا تردّه فإنّ ردّه عند اللّٰه عظيم» (1).

و هي كما ترى صريحة الدلالة و إن كانت ضعيفة السند بسهل بن زياد فلا تصلح إلّا للتأييد.

هذا كلّه في الاحتساب عن الحيّ.

و أمّا الاحتساب عن الميّت فقد عرفت أنّ إطلاق الكتاب وافٍ للشمول له و أنّ مصرفيّة الغريم للزكاة يشمل الحيّ و الميّت، كما أنّه يعمّ الأداء و الاحتساب.

و يستفاد ذلك من النصوص أيضاً، و عمدتها صحيحة عبد الرحمٰن بن الحجّاج التي رواها الكليني بطريقين عن صفوان بن يحيى، عنه قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل عارف فاضل تُوفّي و ترك عليه ديناً قد ابتلي به، لم يكن بمفسد و لا بمسرف و لا معروف بالمسألة، هل يقضى عنه من الزكاة الألف و الألفان؟ «قال: نعم» (2).

فإنّ القضاء بمعنى الإنهاء و الإتمام المساوق في المقام لتفريغ الذمّة عن الدَّين، فيشمل الاحتساب، و لا يختصّ بالأداء و الدفع الخارجي.

و مع التسليم فهو يشمل الاحتساب بالقطع بعدم الفرق بحسب الفهم العرفي، فإنّ سياق الصحيحة يشهد بأنّ حيثيّة السؤال ناظرة إلى جهة الموت، و أنّ مصرفيّة الدَّين للزكاة هل تختصّ بمال الحياة أم تعمّ الموت أيضاً من دون احتمال خصوصيّة القضاء، فقوله (عليه السلام) في الجواب: «نعم» يدلّ على جريان أحكام الحياة حال الموت، و قد عرفت أنّ تلك الأحكام تشمل الاحتساب و لا أقلّ من أجل إطلاق الآية فكذا في حال الموت.

____________

(1) الوسائل 9: 300/ أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 2.

(2) الوسائل 9: 295/ أبواب المستحقين للزكاة ب 46 ح 1، الكافي 3: 549/ 2.

40

لكن يشترط في الميّت أن لا يكون له تركة تفي بدينه، و إلّا لا يجوز (1).

____________

و تؤيّده رواية يونس بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «قرض المؤمن غنيمة و تعجيل أجر (خير)، إن أيسر قضاك، و إن مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة» (1).

و هي صريحة الدلالة، غير أنّ السند ضعيف، فإنّه و إن كان صحيحاً إلى ثعلبة إلّا أنّ السندي لم يوثّق، فلا تصلح إلّا للتأييد.

و نحوها رواية هيشم الصيرفي هكذا في الوسائل (2)، و الصحيح: هيثم، بالثاء عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: القرض الواحد بثمانية عشر، و إن مات احتسب بها من الزكاة» (3).

فإنّها أيضاً ضعيفة، لجهالة الصيرفي.

(1) لانتفاء الاستحقاق و الفقر عن الميّت بعد وفاء تركته بالدين، فإنّ مقدار الدين باقٍ على ملكه و لم ينتقل إلى الورثة، إذ لا إرث إلّا بعد الدين و الوصيّة، قال تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهٰا أَوْ دَيْنٍ* (4)، و لم تجب عليه النفقة ليراعى مئونة السنة كما كان كذلك في حال الحياة، فهو إذن غني يتمكّن من أداء دينه عن ماله الشخصي، و لا شكّ أنّ صرف الزكاة في الغرماء يختصّ بغرمهم لا يتمكّن من أداء دينه و إن كان واجداً لمئونة سنته كما سيجي‌ء إن شاء تعالى في محلّه، فلا ينطبق على الميّت المزبور، فإنّ الاحتساب عنه ينتفع به‌

____________

(1) الوسائل 9: 299/ أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 1.

(2) في الوسائل المحقق جديداً: هيثم، بالثاء.

(3) الوسائل 9: 301/ أبواب المستحقين للزكاة ب 49 ح 8.

(4) النِّساء 4: 12.

41

..........

____________

الوارث دون الميّت، و الكلام فعلًا في تفريغ ذمّته لا في إيصال النفع لغيره، و لا موضوع له حسبما عرفت، فالحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى النصّ الخاصّ.

مضافاً إلى وروده في المقام، ففي صحيحة زرارة: قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل حلّت عليه الزكاة و مات أبوه و عليه دَين، أ يؤدّي زكاته في دين أبيه و للابن مال كثير؟ فقال (عليه السلام): «إن كان أبوه أورثه مالًا ثمّ ظهر عليه دَين لم يعلم به يومئذٍ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث و لم يقضه من زكاته، و إن لم يكن أورثه مالًا لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دَين أبيه فإذا أدّاها في دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه» (1).

فإنّها صريحة في عدم الأداء من الزكاة لو كان له مال، و أنّه يصرف حينئذٍ في الدين و يكون مقدّماً على الإرث فيقضى من جميع الميراث، أي يخرج من الأصل فيردّ من جميع الورثة لو ظهر الدَّين بعد القسمة لا من حصّة الولد فقط، و إنّما يؤدّي الدَّين من الزكاة إذا لم يكن له مال، إذ لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دين أبيه، و معلوم أنّ الأب بعد الموت لم يكن واجب النفقة كما كان كذلك حال الحياة كي لا يجوز صرف الزكاة فيه، و من ثمّ قال (عليه السلام): «من دين أبيه» و لم يقل: من أبيه.

نعم، موردها الأداء دون الاحتساب، لكن يتعدّى إليه بالقطع بعدم الفرق بحسب الفهم العرفي، إذ يفهم منها أنّ الاعتبار بتمكّن الميّت من أداء دينه و عدمه، و أنّه مع التمكّن لا يقع مصرفاً للزكاة كما لو كان حيّاً. و لا يفرق في هذا المناط بين الأداء و الاحتساب كما هو ظاهر.

____________

(1) الوسائل 9: 250/ أبواب المستحقين للزكاة ب 18 ح 1.

42

نعم، لو كان له تركة لكن لا يمكن الاستيفاء منها لامتناع الورثة أو غيرهم فالظاهر الجواز (1).

____________

(1) لو امتنع الورثة من صرف التركة في الدين إمّا عصياناً أو جهلًا بالموضوع، لعدم ثبوت الدين عندهم شرعاً، فامتنعوا عن الصرف المزبور حقّا أو باطلًا أو أنّه عرض تلف على التركة من ضياعٍ و نحوه بحيث لا يمكن استيفاء الدين منها، فهل يجوز احتسابه حينئذٍ زكاة؟

الظاهر هو الجواز كما اختاره في المتن، إذ المال الذي لا ينتفع به و لا يتمكّن المالك من صرفه في حوائجه في حكم العدم، فالميّت حينئذٍ فقير عرفاً و مثله مورد للزكاة، كما هو الحال في حال الحياة، فلو كان لشخص أموالٌ كثيرة و لكنّها سرقت أو غصبت بحيث أصبح صفر الكفّ لا ينبغي الشكّ في أنّه فقير حينئذٍ عرفاً و مصرفٌ للزكاة، فمجرّد الملكيّة لا تستوجب الغنى و زوال الفقر ما لم يتمكّن صاحبها من الانتفاع و الصرف، فيجوز الاحتساب في المقام عملًا بإطلاق الغارمين في الآية المباركة، فالحكم مطابق للقاعدة.

و أمّا صحيحة زرارة المتقدّمة فليس فيها ما ينافي ذلك، إذ المفروض فيها تصدّي الابن لأداء دين أبيه و عدم تمرّده عنه، فلا إطلاق لها يشمل صورة الامتناع.

و لعلّ هذا هو مراد صاحب الجواهر من الاقتصار في تقييد الإطلاق على محلّ اليقين (1)، يعني: أنّ المتيقّن من دلالة الصحيحة على عدم الاحتساب هو‌

____________

(1) الجواهر 15: 366.

43

[مسألة 12: لا يجب إعلام الفقير أنّ المدفوع إليه زكاة]

[2710] مسألة 12: لا يجب إعلام الفقير أنّ المدفوع إليه زكاة (1)، بل لو كان ممّن يترفّع و يدخله الحياء منها و هو مستحقّ يستحبّ دفعها إليه على وجه الصلة ظاهراً و الزكاة واقعاً.

____________

ما لو كان الوارث راغباً في تفريغ ذمّة الميّت عن الدَّين، لأنّ موردها ذلك، فلا تشمل الممتنع و إن كان الدليل لفظيّاً، فيقتصر على المتيقّن من التقييد، و يرجع فيما عداه إلى إطلاق الأدلّة، المقتضي لجواز الاحتساب عن الزكاة كما تقدّم.

(1) تنحلّ المسألة إلى فروع ثلاثة:

أحدها: عدم وجوب الإعلام بكون المدفوع زكاة، بل استحباب الدفع بعنوان الصلة ظاهراً لو كان الفقير رفيعاً و يدخله الحياء، كأن يقول: هذا راجع إليكم، أو: اقدّمه لكم، و نحو ذلك ممّا يوهم الهبة و الصلة.

و يدلّ على الحكم مضافاً إلى الإجماع كما عن غير واحد أوّلًا: إطلاقات الأدلّة من الكتاب و السنّة، إذ لم يقيّد الدفع في شي‌ء منها بالإعلام، بل اقتصر على مجرّد الإيصال إليه.

و ثانياً: صحيحة أبي بصير، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذه من الزكاة، فأُعطيه من الزكاة و لا اسمّي له أنّها من الزكاة؟ «فقال: أعطه و لا تسمّ له و لا تذلّ المؤمن» (1).

و هي و إن كانت ضعيفة السند بطريق الكليني من أجل سهل بن زياد، إلّا‌

____________

(1) الوسائل 9: 314/ أبواب المستحقين للزكاة ب 58 ح 1، الكافي 3: 563/ 3، الفقيه 2: 8/ 25.

44

..........

____________

أنّها صحيحة بطريق الصدوق، لصحّة طريقه إلى عاصم بن حميد.

كما أنّها صريحة الدلالة على المطلوب.

و لكن قد تعارضها صحيحة ابن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يكون محتاجاً فيبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها على وجه الصدقة يأخذه من ذلك زمام الحياء و انقباض، فنعطيها إيّاه على غير ذلك الوجه و هي منّا صدقة؟ «فقال: لا، إذا كانت زكاة فله أن يقبلها، و إن لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تعطها إيّاه، و ما ينبغي له أن يستحيي ممّا فرض اللّٰه، إنّما هي فريضة اللّٰه له فلا يستحيي منها» (1).

و يندفع: بأنّ ذيلها أعني قوله (عليه السلام) «و ما ينبغي» المذكور في باب 57 غير قابل للتصديق، إذ كون الزكاة فريضة على الدافع لا يستلزم عدم استحياء القابض، و إنّما يستوجب اللوم لو كانت فريضة على المستحيي نفسه لا على شخص آخر، كيف؟! و هي أوساخ الأموال كما صرّح به في الأخبار، ففي قبولها نوع من المهانة و الذلّ كما عبّر به في صحيحة أبي بصير المتقدّمة، و من هنا مُنعت عن بني هاشم و عوّضوا عنها بالخمس إجلالًا لهم و ترفيعاً لشأنهم.

و على الجملة: جعل حكم على شخص فريضة أو سنّة لا ينافي استحياء الآخر، فإنّ المتعة سنّة مؤكّدة و مع ذلك يستحيي الشريف من تعريض ابنته الباركة للتمتّع بها، فمضمون الصحيح لا يمكن الالتزام به، و لا بدّ من ردّ علمه إلى أهله.

و أمّا الصدر أعني قوله في الجواب: «إذا كانت» فلا يخلو أيضاً عن شي‌ء بعد ذهاب الأصحاب إلى الجواز، بل عليه الإجماع كما عرفت.

____________

(1) الوسائل 9: 315/ أبواب المستحقين للزكاة ب 58 ح 2، و أورد ذيلها في ص 313 ب 57 ح 1.

45

بل لو اقتضت المصلحة (1) التصريح كذباً بعدم كونها زكاة جاز [1]،

____________

و قد حمله صاحب الوسائل تارةً: على عدم الاحتياج و انتفاء الاستحقاق.

و هو كما ترى مخالف لفرض الفقر المذكور في كلام السائل.

و أُخرى: على عدم وجوب الإخفاء.

و هو خلاف الظاهر جدّاً، بعيد عن سياق الكلام كما لا يخفى.

و ربّما يجمع بينها و بين صحيحة أبي بصير بالحمل على الكراهة، لصراحة تلك في الجواز و ظهور هذه في المنع، فيرفع اليد عن ظاهر أحدهما بصريح الآخر، فإن تمّ ذلك، و إلّا فلا ريب في تقديم الاولى أعني: صحيحة أبي بصير إذ الثانية شاذّة مهجورة لا عامل بها، فلا تنهض للمقاومة بإزاء الرواية المشهورة المجمع عليها بين الأصحاب، فتأمّل.

و مع الغضّ عن ذلك و تسليم استقرار المعارضة فغايته تساقط الصحيحتين، فيرجع بعدئذٍ إلى إطلاقات الأدلّة القاضية بعدم اعتبار الإعلام كما عرفت.

(1) الفرع الثاني: جواز التصريح كذباً بعدم كونها زكاة لو اقتضت المصلحة ذلك، كأن يقول: إنّ هذا دين اقترضته منك سابقاً و قد نسيته أنت، و نحو ذلك. و لكن هذا لم يظهر له أي وجه، فإنّ مجرّد وجود المصلحة من ملاحظة احترام المؤمن و عدم الإذلال به أو ترتّب المنفعة لا يسوّغ ارتكاب الكذب الذي هو من الكبائر ما لم تبلغ المصلحة حدّ الإلزام و الوجوب بحيث يكون أقوى ملاكاً من مفسدة الكذب، و لا سيّما بعد إمكان التورية بناءً على جوازها في غير مورد الضرورة أيضاً كما هو الصحيح.

____________

[1] جواز الكذب في أمثال المقام لا يخلو من إشكال بل منع. نعم، لا بأس بالتورية.

46

إذا لم يقصد القابض عنواناً آخر [1] (1) غير الزكاة، بل قصد مجرّد التملّك.

____________

(1) الفرع الثالث: اعتبار عدم قصد القابض عنواناً آخر مغايراً للزكاة.

و يقع الكلام تارةً في الصغرى و أُخرى في الكبرى.

أمّا الصغرى: فالظاهر أنّها غير معقولة و لا يمكن فرضها في المقام إلّا نادراً، إذ بعد أن أخبر الدافع و لو كذباً بعدم كون المدفوع زكاةً و قد قبضه الفقير بانياً على هذا الاعتقاد فكيف يمكنه القبض و الحال هذه بعنوان الزكاة أو بعنوان مطلق التملّك الجامع لها و القابل للانطباق عليها؟! فإنّه منافٍ للاعتقاد المزبور، بل لا يمكنه إلّا قصد العنوان المغاير من هدية و نحوها.

اللّٰهمّ إلّا أن يحتمل كذب المخبر و لم يعتقد بصدقه فيمكنه حينئذٍ عدم قصد العنوان الآخر، و لكنّه فرض نادر كما عرفت، بل لعلّه خارج عن محلّ الكلام كما لا يخفى.

و أمّا الكبرى: فلا عبرة بقصد القابض أبداً، و إنّما الاعتبار بقصد الدافع الذي هو المكلّف بالزكاة، فإنّها وظيفة له لا للفقير القابض، إذ لا شأن له عدا أنّه مورد و مصرف لها، و من الواضح أنّ الدفع إليه ليس من قبيل المعاملات ليحتاج إلى قبول منه عن قصد و ورود القصدين على محلّ واحد، فلو دفع بقصد البيع و قبض بقصد الإجارة بطل، أمّا لو دفع في المقام بقصد الزكاة و قبض الفقير بقصد الوفاء عن دَينٍ تخيّل له عليه صحّ و برئت ذمّة الدافع عن الزكاة بلا إشكال.

و السرّ ما عرفت من أنّ المناط في القصد صدوره ممّن هو موظّف بالزكاة، و ليس إلّا الدافع، و لا أثر لقصد القابض بوجه، و من ثمّ صحّ الاحتساب زكاةً‌

____________

[1] لا أثر لقصد القابض في أمثال المقام.

47

[مسألة 13: لو دفع الزكاة باعتقاد الفقر فبان كون القابض غنيّاً]

[2711] مسألة 13: لو دفع الزكاة باعتقاد الفقر فبان كون القابض غنيّاً (1): فإن كانت العين باقية ارتجعها، و كذا مع تلفها إذا كان القابض عالماً بكونها زكاةً و إن كان جاهلًا بحرمتها للغني، بخلاف ما إذا كان جاهلًا بكونها زكاةً فإنّه لا ضمان عليه [1]. و لو تعذّر الارتجاع أو تلفت بلا ضمان أو معه و لم يتمكّن الدافع من أخذ العوض كان ضامناً [2]، فعليه الزكاة مرّة أُخرى.

نعم، لو كان الدافع هو المجتهد أو المأذون منه، لا ضمان عليه، و لا على المالك الدافع إليه.

____________

ممّن له دَين على الفقير و إن لم يطّلع عليه الفقير أبداً، بل و إن كان ميّتاً كما مرّ.

و قد ورد في جملة من النصوص جواز صرف الزكاة في الأيتام و إعاشتهم منها ليكبروا و يرغبوا في الإسلام مع وضوح عدم الاعتبار بقصد اليتيم و قبوله، و لم يفرض القبول من وليّه حتّى الحاكم الشرعي، بل يصحّ دفع الزكاة إلى فقير لا يعرف معنى الزكاة أبداً، لكونه جديد العهد بالإسلام مثلًا-، فلا يعقلها فضلًا عن أن يقبلها و يقصدها.

و ببيان آخر: المالك للزكاة إنّما هو طبيعي الفقير لا شخص من يدفع إليه، و إنّما هو مصداق للطبيعي يملكه بعد القبض لا قبله، و من البديهي عدم تعقّل القصد من الطبيعي، فمن هو المالك لا يعقل قصده، و من يعقل منه القصد و القبول ليس بمالك إلّا بعد القبض، و الكلام في القصد قبله، إذ لا أثر للقصد بعد القبض كما هو ظاهر.

(1) لا ينبغي التأمّل في وجوب الارتجاع مع بقاء العين فيما لو كانت متعيّنة‌

____________

[1] بمعنى أنّه لا يستقرّ عليه الضمان.

[2] الظاهر عدم الضمان إذا كان الدفع مع الحجّة و من دون تقصير في الاجتهاد.

48

..........

____________

في الزكاة قبل الدفع بالعزل و الإفراز، لما تقدّم من عدم جواز التصرّف في العين المعزولة ما عدا الإيصال إلى صاحبها، فإبقاؤها عند غيره و هو الغنى في المقام تصرّفٌ بغير إذن المالك، و هو حرام.

و أمّا الدفع إليه من غير سبق العزل فهل هو محكوم بوجوب الارتجاع أيضاً؟.

اختار المحقّق الهمداني (قدس سره) العدم، نظراً إلى أنّ المدفوع لا يتشخّص في الزكاة إلّا بقبض الفقير الواقعي المنفي حسب الفرض، فهو إذن ماله و باقٍ تحت سلطنته، فله الإبقاء كما له الإرجاع (1).

و لكن الظاهر الوجوب و جريان حكم العزل عليه، و الوجه فيه: أنّ المالك لا يدفع إلّا الزكاة، كما أنّ الفقير لا يقبض إلّا العين المتّصفة بعنوان الزكاة، فلا جرم كان الوصف العنواني ملحوظاً قبل قبض الفقير و تسلّمه، لا أنّه يعرضه بعد القبض. و عليه، فلدى إخراج المالك و تصدّيه للدفع و نيّته الزكاة لا مناص من تعيّن المدفوع فيها، لتكون موصوفة بالزكاة حال تسلّم الفقير، و من الواضح أن نيّة الزكاة و تشخيص المدفوع فيها حاصلة للدافع فعلًا و بنحو الإطلاق من غير أن يكون مقيّداً بقبض الفقير و معلّقاً عليه، فهو حال الإخراج و قبيل الدفع ناوٍ لتشخيص الزكاة في المدفوع و تعيّنه فيها لا محالة، و لا نعني بالعزل إلّا هذا. فلا يختصّ الحكم بسبق العزل خارجاً، بل يعمّ العزل المقارن للدفع.

و على الجملة: فكل دفع فهو مشتمل على العزل قبله و لو آناً ما دائماً، و ليس ذلك مقيّداً بقبض الفقير الواقعي، بل يعمّ الاعتقادي الخيالي وجداناً، و إذا تحقّق العزل وجب الارتجاع، كما في العزل المسبوق، بمناط واحد، فانكشاف عدم الفقر لا يمنع عن وجوب الارتجاع.

____________

(1) لاحظ مصباح الفقيه 13: 521 526.

49

..........

____________

نعم، يختصّ هذا البيان بالعين الشخصيّة و لا يعمّ احتساب الدين، فلو كان له دين على الفقير فاحتسبه زكاةً ثمّ انكشف غناه بطل الاحتساب، إذ الدين كلّي موطنه الذمّة، فلا يقبل العزل الذي هو من شؤون الأعيان الشخصيّة، فلا معنى للارتجاع حينئذٍ كما هو ظاهر.

هذا كلّه مع بقاء العين.

و أمّا مع تلفها عند القابض، فهل يضمنها الدافع أو القابض، أمّ أنّ هناك تفصيلًا؟

الذي ينبغي أن يقال في المقام: إنّ الدافع إمّا أن يكون قد جدّ و اجتهد و فحص عن حال الفقير و جرى في تشخيص الفقر على الطريقة العقلائيّة و الموازين الشرعيّة، و أُخرى قصّر و فرّط في المقدّمات و لم يسلك تلك الموازين المقرّرة.

فعلى الأوّل: لا ضمان عليه و إن صدق معه الإتلاف، سواء أ كان القابض عالماً أم جاهلًا، و ذلك من وجهين:

أحدهما: أنّ الدافع المكلّف بأداء الزكاة له الولاية على تطبيقها حيثما شاء كما تقدّم، فهو إذن ولي على المال، و لا ينبغي التأمّل في أنّ الولي الغير المقصّر في أداء وظيفته أمين لا يضمن بشي‌ء، كما هو الحال في الأولياء على الأيتام و الصغار و المجانين و القاصرين و الغائبين، أو على الأوقاف، و كذا الحاكم الشرعي أو المأذون من قبله في تصدّي تقسيم الزكوات مثلًا و إيصالها إلى محالّها، فإنّ شيئاً من هؤلاء لا يضمنون لو انكشف الخلاف بعد بذل جهدهم، فلو قامت البيّنة مثلًا لدى الحاكم الشرعي على فقر زيد فدفع إليه الزكاة ثمّ انكشف غناه، أو باع الولي مال اليتيم معتقداً بحسب الموازين غبطته و صلاحه و بعد يوم ارتفعت القيمة السوقيّة ارتفاعاً فاحشاً، لم يكن ضامناً يقيناً، و إلّا لما استقرّ حجر على حجر، و لما قام للمسلمين سوق كما لا يخفى.

و على الجملة: فالدافع ولي، و الولي القائم بوظيفته لا ضمان عليه فينتج بعد‌

50

..........

____________

ضمّ الصغرى إلى الكبرى عدم ضمان الدافع في المقام.

ثانيهما: أنّا و إن كنّا قد عبّرنا لحدّ الآن بأنّ الزكاة ملك للفقير، إلّا أنّها كانت مسامحة في التعبير، إذ لم يدلّ على الملكيّة أيّ دليل، و التعبير بالشركة في قوله (عليه السلام): «إنّ اللّٰه أشرك الفقراء في أموال الأغنياء» مبني على ضرب من المسامحة، و لا يراد به الشركة في الملكيّة، و لا سيّما على القول بعدم البسط على المصارف الثمانية و جواز الدفع لفرد واحد من صنف واحد، إذ كيف يجوز دفع ملك الفقير لغيره؟! نعم، على البسط له وجه، و لكنّه يندفع بعدم الانطباق على سائر الموارد السبعة، و الالتزام بالتفكيك مخالف لاتّحاد السياق كما لا يخفى.

إذن فالصحيح أنّ الفقير مصرف بحت و لا ملكيّة بتاتاً إلّا بعد القبض، و إنّما الزكاة ضريبة إلٰهيّة متعلّقة بالعين كالضرائب المجعولة من قبل السلاطين و حكّام الجور، فالمال مال اللّٰه يصرفه المالك في الفقير بإذن اللّٰه حيث أعطى له ولاية الدفع. و عليه، فالدافع الذي أخطأ في تشخيص الفقر قصوراً لا تقصيراً مرخّص فيما يرتكبه من العطاء من قِبَل الشارع، و عمله عمل سائغ، فهو يصرف مال اللّٰه الذي هو كضريبة إلٰهيّة بترخيص منه تعالى، فأيّ موجب بعد هذا للضمان؟! فإنّه لم يتلف ملكاً للغير ليضمنه حسبما عرفت.

و أمّا ما اشتهر من: أنّ من أتلف مال الغير فهو له ضامن، فلم نجد ذلك و لا في رواية واحدة بعد الفحص التامّ في مظانّه ليتمسّك بعمومه في المقام على القول بملكيّة الفقير.

و إنّما هي عبارة الفقهاء اصطادوها من الموارد المتفرّقة، فليس هذا بنفسه مدركاً للضمان، بل المدرك السيرة العقلائيّة الممضاة لدى الشارع، القائمة على الضمان في موارد الإتلاف، بل التلف في يد الغير، و من الضروري عدم قيام‌