موسوعة الإمام الخوئي - ج28

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
534 /
1

[تتمة كتاب الحج]

وجوب الحجّ

يجب الحجّ على كلّ مكلّف جامع للشرائط الآتية و وجوبه ثابت بالكتاب و السنّة القطعيّة.

و الحجّ ركن من أركان الدِّين و وجوبه من الضروريّات (1)

____________

(1) لا ينبغي الرّيب و الإشكال في أنّ الحجّ من أوضح الواجبات الإلٰهيّة، و من أعظم الشعائر الإسلاميّة، و هو ركن من أركان الدِّين، و وجوبه من الضروريّات عند المسلمين، بل هو المعروف لدى بعض الأُمم السابقة، أقرّه الإسلام و لكن جعل له أحكاماً خاصّة تختلف عمّا سبق، و هو من أفضل الطاعات و القربات إلى اللّٰه تعالى و أهمّ العبادات، و قد صرّح الكتاب العزيز بوجوبه فقال عزّ من قائل:

... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (1).

كما و أنّ الأخبار المتواترة صرّحت بذلك (2) و في روايات كثيرة مذكورة في كتب الفريقين أنّ الإسلام بني على خمس و عدّ منها الحجّ.

ففي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «بُني الإسلام على خمسة‌

____________

(1) آل عمران 3: 97.

(2) الوسائل 11: 7/ أبواب وجوب الحجّ ب 1، 3، 6.

2

و تركه مع الاعتراف بثبوته معصية كبيرة (1) كما أنّ إنكار أصل الفريضة إذا لم يكن مستنداً إلى شبهة كفر (2)

____________

أشياء: على الصّلاة و الزّكاة و الحجّ و الصّوم و الولاية» (1).

و في صحيح البخاري قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله): «بُني الإسلام على خمس: شهادة أنّ لا إلٰه إلّا اللّٰه، و أنّ محمّداً رسول اللّٰه، و إقام الصّلاة و إيتاء الزّكاة و الحجّ و صوم رمضان» (2) و نحوه في صحيح مسلم.

(1) بل من أعظم الكبائر لأنّه من أهمّ الواجبات الإسلاميّة، و كما قدّمنا من الدعائم الخمس الّتي بني عليها الإسلام، فحكم تارك الحجّ عمداً حكم تارك الصّلاة و الزّكاة في الإثم و استحقاق العقاب. و يستفاد ذلك أيضاً من بعض النصوص الواردة في عدّ الكبائر (3). كما و قد صرّحت بعض الأخبار الواردة في تسويف الحجّ «أنّه من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً» (4).

(2) لأنّه يستلزم حينئذ إنكار النّبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) و تكذيبه، و أمّا إذا كان إنكاره مستنداً إلى شبهة بحيث لا يوجب إنكار النّبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) فلا يوجب الكفر، لما ذكرنا في كتاب الطّهارة أنّ إنكار الضروري بنفسه ما لم يرجع إنكاره إلى إنكار النّبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) لا يوجب الكفر، و قد قلنا هناك إنّ الإسلام متقوم بأُمور ثلاثة بها يمتاز المسلم عن الكافر، و هي الشهادة بالوحدانيّة و الشهادة بالرسالة و الاعتقاد بالمعاد، و ليس إنكار الضروري منها (5).

و قد يستدل على كفر منكر الحجّ بوجهين:

____________

(1) الوسائل 1: 13/ أبواب مقدّمة العبادات ب 1 ح 2.

(2) صحيح البخاري 1: 8/ كتاب الإيمان، صحيح مسلم 1: 72/ كتاب الإيمان ب 5 ح 19.

(3) الوسائل 15: 318/ أبواب جهاد النفس ب 46 ح 2.

(4) الوسائل 11: 29/ أبواب وجوب الحجّ ب 7 ح 1.

(5) راجع شرح العروة 3: 53.

3

قال اللّٰه تعالى في كتابه المجيد «... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ».

____________

الوجه الأوّل: التمسّك بذيل آية الحجّ في قوله تعالى ... وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (1) فإنّ التعبير عن الترك بالكفر كاشف من أنّ منكره كافر.

و الجواب عنه أوّلًا: أنّ الآية الشريفة غير دالّة على أنّ منشأ الكفر هو إنكار الحجّ بل الظاهر من الآية الكريمة أن من كفر بسبب من أسبابه فيكون كفره منشأً لترك الحجّ طبعاً، و نظير ذلك قوله تعالى مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَ كُنّٰا نَخُوضُ مَعَ الْخٰائِضِينَ. وَ كُنّٰا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (2) فإنّ الآيات لا تدلّ على أنّ تارك الصّلاة أو مانع الزّكاة كافر، بل تدلّ على أنّ الكفر الحاصل بتكذيب يوم القيامة يكون منشأ لترك الصّلاة و ترك الزّكاة.

و ثانياً: أنّ الكفر في الآية فسّر بالترك في صحيح معاوية بن عمار «و عن قول اللّٰه عزّ و جلّ وَ مَنْ كَفَرَ يعني من ترك» (3).

و ثالثاً: لا يبعد أن يكون المراد بالكفر في المقام الكفر المقابل للشكر لا الكفر المقابل للإيمان، فيكون المعنى حينئذ من كفر بالنعمة و لم يشكر ما رزقه اللّٰه من نعمة الهداية و لم يعمل بوظيفته و لم يأت بالحج فإنّ اللّٰه غني عن العالمين.

الوجه الثّاني: صحيح علي بن جعفر على طريق الشيخ عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام و ذلك قوله عزّ و جلّ ... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ قال: قلت: فمن لم يحجّ منّا فقد كفر؟ قال: لا، و لكن من قال‌

____________

(1) آل عمران 3: 97.

(2) المدثر 74: 42 46.

(3) الوسائل 11: 31/ أبواب وجوب الحجّ ب 7 ح 2.

4

و روى الشيخ الكليني بطريق معتبر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام و لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق معه الحجّ أو سلطان يمنعه فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً» و هناك روايات كثيرة تدل على وجوب الحجّ و الاهتمام به لم نتعرّض لها طلباً للاختصار، و في ما ذكرناه من الآية الكريمة و الرّواية كفاية للمراد.

و اعلم أنّ الحجّ الواجب على المكلّف في أصل الشرع إنّما هو لمرّة واحدة و يسمّى ذلك بحجّة الإسلام (1).

____________

ليس هذا هكذا فقد كفر» (1) بدعوى: أنّ قوله: «ليس هذا هكذا» راجع إلى إنكار الحجّ.

و فيه: أنّ الظاهر رجوع ذلك إلى إنكار القرآن، يعني من قال: إنّ هذه الآية ليست من القرآن و إنّ القرآن ليس هكذا فقد كفر، فإنّه (عليه السلام) استشهد أوّلًا بالآية ثمّ بعد ذلك سأل السائل فمن لم يحجّ فقد كفر فقال (عليه السلام): لا، و لكن من قال: إنّ هذا ليس من القرآن فقد كفر لرجوع ذلك إلى تكذيب النّبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله).

(1) بلا خلاف بين المسلمين، بل الحكم بذلك يكاد أن يكون من الضروريّات. مضافاً إلى ذلك قيام السيرة القطعيّة على أنّه لو كان واجباً على أهل الثروة أكثر من مرّة واحدة لظهر و بان و لم يكن خفياً على المسلمين. و تدل على ذلك أيضاً النصوص فيها الصحيح و غيره، منها معتبرة البرقي في حديث «و كلّفهم حجّة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك» (2).

و بإزائها ما يدلّ على وجوب الحجّ في كلّ عام على أهل الجدة و الثروة و قد أفتى على طبقها الصدوق (3)، منها: صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام، و ذلك قوله عزّ و جلّ:

____________

(1) الوسائل 11: 16/ أبواب وجوب الحجّ ب 2 ح 1، التهذيب 5: 16/ 48.

(2) الوسائل 11: 19/ أبواب وجوب الحجّ ب 3 ح 1، المحاسن: 296/ 465.

(3) علل الشرائع 2: 405.

5

..........

____________

... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (1). و من ثمّ وقع الكلام في التوفيق بين الطائفتين المتعارضتين.

و يمكن الجمع بينهما بوجوه:

الأوّل: حمل الطائفة الثّانية على الاستحباب كما عن الشيخ (2) (قدس سره).

و فيه: أنّه ينافيه قوله: «فرض الحجّ على أهل الجدة في كلّ عام» خصوصاً مع استشهاده (عليه السلام) بالآية الكريمة.

الوجه الثّاني: حملها على الوجوب البدلي، بمعنى وجوب الحجّ عليه في العام الأوّل فإن تركه يجب عليه في العام الثّاني و هكذا.

و فيه: أنّ الوجوب البدلي بهذا المعنى ممّا يقتضيه طبع كلّ واجب و لا يحتاج إلى أن يبيّنه الإمام (عليه السلام) فإنّ الواجب يجب الإتيان به متى أمكن، فإن عصى و لم يأت به في الآن الأوّل يجب امتثاله في الآن الثّاني و هكذا، و العصيان في الزمان الأوّل لا يوجب سقوط الوجوب و لزوم الإتيان به في الزمان الثّاني.

الوجه الثّالث: ما ذكره صاحب الوسائل من حمل الوجوب على الوجوب الكفائي بمعنى أنّه يجب الحجّ على كلّ أحد في كلّ عام على نحو الوجوب الكفائي (3).

و الجواب عنه: أنّه لا يجتمع ذلك مع ظهور الروايات في الوجوب العيني، مضافاً إلى أنّ الالتزام بالوجوب الكفائي يتوقف على تعطيل الكعبة، و أمّا إذا فرض عدم تعطيلها و لا أقل من أداء أهل مكّة الحجّ فلا موجب للوجوب الكفائي على سائر المكلّفين.

فالصحيح أن يقال في وجه الجمع: إنّ هذه الطائفة من الروايات ناظرة إلى ما كان يصنعه أهل الجاهليّة، فإنّهم كانوا لا يحجّون في بعض السنين القمريّة، و كانوا يعدّون الأشهر بالحساب الشمسي و يؤخِّرون الأشهر عمّا رتّبها اللّٰه تعالى، و إلى ذلك يشير‌

____________

(1) الوسائل 11: 16/ أبواب وجوب الحجّ ب 2 ح 1.

(2) الإستبصار 2: 149.

(3) الوسائل 11: 18/ أبواب وجوب الحجّ ب 2.

6

[مسألة 1: وجوب الحجّ بعد تحقّق شرائطه فوري]

مسألة 1: وجوب الحجّ بعد تحقّق شرائطه فوري فتجب المبادرة إليه في سنة الاستطاعة (1)

____________

قوله تعالى إِنَّمَا النَّسِي‌ءُ زِيٰادَةٌ فِي الْكُفْرِ ... (1) فربّما يمرّ عام قمري و لا يحجّون فيه فأنزل اللّٰه تعالى آية الحجّ ردّاً عليهم بأنّ الحجّ يجب الإتيان به في كلّ عام قمري و لا يجوز خلوّه من الحجّ، و أنّه لا بدّ من الإتيان به في كلّ شهر ذي الحجّة، فالمنظور في الآية و الرّوايات أنّ كلّ سنة قمريّة لها حج يجب الإتيان به، لا أنّه يجب الحجّ على كلّ أحد في كلّ عام.

(1) و يدل عليه أمران:

الأوّل: حكم العقل بذلك، فإنّ الواجب بعد ما تحققت شرائطه و كان المكلّف واجداً لشرائط التكليف فلا بدّ للمكلّف من تفريغ ذمّته بالإتيان بما أُمر به ليأمن العقوبة من مغبّة العصيان، و لا عذر له في التأخير مع احتمال الفوت. نعم، لو اطمأنّ بالبقاء و بالتمكّن من إتيان الواجب و لو في آخر الوقت لا تجب المبادرة حينئذ، و لذا جاز تأخير بعض الواجبات المؤقتة كالصلاة عن أوّل وقتها، لأجل حصول الاطمئنان و الوثوق ببقائه و التمكّن من الإتيان بالمأمور به و لو في آخر الوقت، لكون الوقت قصيراً لا يحتمل التلف و الفوت في هذه المدّة غالباً، و هذا الاطمئنان و الوثوق غير حاصل في الحجّ لأنّ الفصل طويل و الطوارئ و الموانع كثيرة.

و بالجملة الميزان في جواز التأخير و وجوب المبادرة حصول الاطمئنان بالبقاء و عدمه، و عليه فربّما نلتزم بالفوريّة حتّى في الصلاة فيما إذا لم يطمئن المكلّف بالبقاء إلى آخر الوقت.

الثّاني: الأخبار الدالّة على المنع عن التسويف و عدم المبادرة.

منها: معتبرة أبي بصير قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: من مات‌

____________

(1) التّوبة 9: 37.

7

و إن تركه فيها عصياناً، أو لعذر وجب في السنة الثّانية و هكذا (1)، و لا يبعد أن يكون التأخير من دون عذر من الكبائر (2).

____________

و هو صحيح موسر لم يحجّ فهو ممّن قال اللّٰه عزّ و جلّ ... وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ قال: قلت: سبحان اللّٰه أعمى؟ قال: نعم، إنّ اللّٰه عزّ و جلّ أعماه عن طريق الحق» (1). و لو كان التأخير جائزاً لم يكن مستحقاً للعقاب.

و منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «قال اللّٰه تعالى ... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... قال: هذه لمن كان عنده مال و صحّة، و إن كان سوقة للتجارة فلا يسعه و إن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا هو يجد ما يحجّ به» (2) و نحوهما غيرهما.

(1) لعدم سقوط وجوب الواجب بالعصيان، أو بالترك عن عذر مع بقاء الموضوع، و العقل الحاكم بوجوب المبادرة في السنة الأُولى يحكم به في السنين الآتية أيضاً.

(2) كما صرّح به جماعة منهم المحقق في الشرائع، فإنّه ذكر فيها أنّ التأخير مع الشرائط كبيرة موبقة (3)، بل ادّعى غير واحد الإجماع على ذلك، و لكن استفادته من النصوص مشكلة، فإنّ المستفاد منها أن ترك الحجّ كلية كبيرة مهلكة، و أمّا تأخير الحجّ و ترك المبادرة إليه و إن كان حراماً لأنّه ترك ما وجب عليه من الفوريّة إلّا أنّه لم يثبت كونه كبيرة.

نعم، لا يبعد دعوى صدق الاستخفاف و التهاون بأمر الحجّ على تأخيره و عدم المبادرة إليه، فإنّ الاستخفاف به نظير الاستخفاف بالصلاة كما في قوله تعالى:

____________

(1) الوسائل 11: 27/ أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 7.

(2) الوسائل 11: 25/ أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 1.

(3) الشرائع 1: 250.

8

[مسألة 2: إذا حصلت الاستطاعة و توقّف الإتيان بالحج على مقدّمات]

مسألة 2: إذا حصلت الاستطاعة و توقّف الإتيان بالحج على مقدّمات و تهيئة الوسائل وجبت المبادرة إلى تحصيلها (1) و لو تعددت الرفقة، فإن وثق بالإدراك مع التأخير جاز له ذلك، و إلّا وجب الخروج من دون تأخير (2).

____________

فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ (1) بناءً على أنّ المراد بالسهو الاستخفاف بها و التأخير عن أوقاتها، و الحجّ مثل الصلاة لأنّه من دعائم الإسلام و ممّا بُني عليه فتأمّل. و العمدة دعوى الإجماع.

(1) لوضوح وجوب تحصيل مقدّمات الواجب لأجل إدراك الواجب في وقته بحكم العقل.

(2) لو تعدّدت الرفقة و اختلف زمان الخروج، فهل يجب الخروج مع الاولى مطلقاً، أو يجوز التأخير إلى الأُخرى بمجرّد احتمال الإدراك أو لا يجوز إلّا مع الوثوق بالإدراك؟ أقوال ثلاثة.

فعن الشهيد الثّاني وجوب الخروج مع الاولى مطلقاً، و إن وثق بأنّه يدرك الحجّ مع الثّانية (2)، و عن السيِّد في المدارك جواز التأخير إلى الأُخرى بمجرّد احتمال الإدراك معها و إن لم يثق به (3)، و عن الشهيد الأوّل عدم جواز التأخير إلّا مع الوثوق (4)، و هذا هو الصحيح، فإنّ القولين الأوّلين لا دليل عليهما، إذ الميزان هو الوثوق بالوصول و إدراك الحجّ و لا موجب للخروج مع الأُولى إذا كان واثقاً بالوصول مع الثّانية، كما أنّه لا وجه للتأخير إلى الثّانية مع عدم الوثوق بالوصول معها.

____________

(1) الماعون 107: 5.

(2) الروضة 2: 161.

(3) المدارك 7: 18.

(4) الدروس 1: 314.

9

[مسألة 3: إذا أمكنه الخروج مع الرفقة الاولى و لم يخرج معهم لوثوقه بالإدراك مع التأخير]

مسألة 3: إذا أمكنه الخروج مع الرفقة الاولى و لم يخرج معهم لوثوقه بالإدراك مع التأخير و لكن اتّفق أنّه لم يتمكّن من المسير، أو أنّه لم يدرك الحجّ بسبب التأخير، استقرّ عليه الحجّ و إن كان معذوراً في تأخيره (1).

____________

(1) لأنّ موضوع استقرار وجوب الحجّ عليه هو مجرّد التمكّن من السير مع القافلة الأُولى، و إن جاز له التأخير مع الرفقة الثّانية. و لكن الظاهر أنّه لا موجب للاستقرار مع جواز التأخير كما ذكر سيِّدنا الأُستاذ (دام ظله) في تعليقته على العروة (1)، إذ لا عبرة بمجرّد التمكّن من الخروج و السير مع القافلة الأُولى، و إلّا فلازمه أنّه لو سافر مع القافلة الأُولى و كان متمكّناً من التأخير مع الثّانية و اتّفق عدم الإدراك مع الأُولى لأسباب طارئة بينما أدرك الثّانية، أنّ الحجّ يستقر عليه في هذا الفرض، و لا أظن أن أحداً يلتزم بذلك، و السبب فيه أنّه قد عمل على طبق وظيفته الشرعيّة و لم يهمل في الامتثال، و إنّما قدّم أو أخّر بمسوغ شرعي، و العبرة في استقرار الحجّ بالإهمال و التفويت العمدي كما صرّح بذلك المحقّق حيث أخذ عنوان الإهمال موضوعاً للاستقرار (2) و المفروض عدم صدق الإهمال على من عمل بوظيفته الشرعيّة و قدّم أو أخّر السير بعذر شرعي.

و ما استدلّ به للاستقرار من أخبار التسويف (3) و الأخبار الدالّة على خروج الحجّ من أصل المال (4) لا يعمّ المقام، و هو من قد عمل بوظيفته الشرعيّة و كان التسويف و التأخير مستنداً إلى عذر شرعي، فالحكم المذكور في المتن مبني على الاحتياط.

____________

(1) العروة الوثقى 2: 221/ 2981.

(2) الشرائع 1: 256.

(3) الوسائل 11: 25/ أبواب وجوب الحجّ ب 6.

(4) الوسائل 11: 66/ أبواب وجوب الحجّ ب 25.

10

[شرائط وجوب حجّة الإسلام]

شرائط وجوب حجّة الإسلام

[الشرط الأوّل: البلوغ]

الشرط الأوّل: البلوغ فلا يجب على غير البالغ و إن كان مراهقاً (1). و لو حجّ الصبي لم يجز عن حجّة الإسلام (2). و إن كان حجّه صحيحاً على الأظهر (3).

____________

شرائط وجوب حجّة الإسلام

(1) لا إشكال و لا خلاف في اعتبار البلوغ في جميع التكاليف الإلٰهيّة، و تدل عليه مضافاً إلى حديث جري القلم (1) جملة من الرّوايات الدالّة على أنّ حج الصبي لا يجزي عن حجّة الإسلام، منها: معتبرة إسحاق بن عمار قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحجّ؟ قال: عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت» (2) فإنّ المستفاد منها أنّ حجّة الإسلام باقية عليه إلى أن يبلغ و إن حجّ قبل ذلك.

(2) كما صرّح بذلك في المعتبرة السابقة.

(3) تدل على صحّة حجّه نفس الرّوايات الّتي وقع السؤال فيها عن إجزاء حجّ الصبي عن حجّة الإسلام، إذ لو كان حجّه باطلًا لا معنى للسؤال عن إجزاء الحجّ الباطل عن حجّة الإسلام.

هذا مضافاً إلى ما دلّ على مشروعيّة مطلق عباداته، لما ذكرنا أنّ الأمر بأن يؤمر الصبي بالصّلاة و الصّيام يدل على مشروعيّة ذلك في حقّهم، لما ثبت في محلّه (3) أنّ‌

____________

(1) الوسائل 1: 45/ أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 12.

(2) الوسائل 11: 45/ أبواب وجوب الحجّ ب 12 ح 1.

(3) محاضرات في أُصول الفقه 4: 76.

11

[مسألة 4: إذا خرج الصبي إلى الحجّ فبلغ قبل أن يحرم من الميقات و كان مستطيعاً]

مسألة 4: إذا خرج الصبي إلى الحجّ فبلغ قبل أن يحرم من الميقات و كان مستطيعاً، فلا إشكال في أنّ حجّة حجّة الإسلام (1). و إذا أحرم فبلغ بعد إحرامه لم يجز له إتمام حجّه ندباً، و لا عدوله إلى حجّة الإسلام، بل يجب عليه الرّجوع إلى أحد المواقيت و الإحرام منه لحجّة الإسلام فإن لم يتمكّن من الرّجوع إليه ففي محل إحرامه تفصيل يأتي إن شاء اللّٰه تعالى في حكم من تجاوز الميقات جهلًا أو نسياناً و لم يتمكّن من الرّجوع إليه في المسألة 169 (2).

[مسألة 5: إذا حجّ ندباً معتقداً بأنّه غير بالغ فبان بعد أداء الحجّ أنّه كان بالغاً]

مسألة 5: إذا حجّ ندباً معتقداً بأنّه غير بالغ فبان بعد أداء الحجّ أنّه كان بالغاً أجزأه عن حجّة الإسلام (3).

____________

الأمر بالأمر بشي‌ء أمر بذلك الشي‌ء.

(1) هذا ممّا لا ريب فيه و يشمله إطلاق أدلّة وجوب الحجّ من الآية و الرّوايات و الإتيان بالمقدّمات حال الصغر غير ضائر في احتساب حجّه عن حجّة الإسلام.

(2) لو بلغ الصبي بعد الإحرام و قبل الشروع في بقيّة الأعمال فهل يتم حجّه ندباً أو ينقلب حجّه إلى حجّة الإسلام، أو يبدأ في إحرام جديد، فيجب عليه الرّجوع إلى أحد المواقيت و الإحرام منه لحجّة الإسلام؟ وجوه:

أمّا الوجه الأوّل و هو إتمامه ندباً، فلا وجه له إلّا ما يتوهّم من أنّ المفروض أنّه محرم و ليس للمحرم أن يحرم ثانياً، فلا بدّ له من إتمام ما نواه بالإحرام الأوّل.

و فيه ما لا يخفى، فإنّ البلوغ اللّاحق يكشف عن فساد الإحرام السابق، لأنّه لو بلغ بعد الإحرام يشمله عموم أدلّة وجوب الحجّ، فيكون الوجوب في ظرفه كاشفاً عن بطلان ما تقدّم منه من الإحرام.

و أمّا الوجه الثّاني و هو الانقلاب إلى حجّة الإسلام، فلا دليل عليه فيتعيّن الوجه الثّالث و هو لزوم الرّجوع إلى أحد المواقيت و الإحرام منه من جديد، لما قلناه من بطلان إحرامه الأوّل فيشمله عموم ما دلّ على وجوب الحجّ و الإحرام من الميقات.

(3) ما ذكره (دام ظلّه الشّريف) إنّما يتم فيما إذا قصد الصبي الأمر الواقعي الفعلي‌

12

[مسألة 6: يستحب للصبي المميِّز أن يحجّ]

مسألة 6: يستحب للصبي المميِّز أن يحجّ (1)، و لا يشترط في صحّته إذن الولي (2).

____________

المتوجه إليه، و لكن من باب الاشتباه و الخطأ في التطبيق كما هو الغالب تخيّل أنّه الندبي، توضيح ذلك: أنّ الواجب على المكلّف قد يكون أمرين لا يمتاز أحدهما عن الآخر إلّا بالقصد كصلاتي الظهر و العصر أو الأداء و القضاء أو النافلة و الفريضة، فإن امتثال كلّ واحد منهما في فرض ثبوت كليهما عليه لا يتحقق إلّا بقصد عنوانه الخاص، فلو أتى بأربع ركعات و كان عليه الظهر و العصر، و لم يقصد عنوان الظهر و لا العصر لا يقع ما أتى به لا عن الظهر و لا عن العصر.

و قد يكون الواجب عليه أمراً واحداً، و لكن في مقام الامتثال تخيّل أنّ عليه الظهر فبان خلافه و أنّه العصر، فإن كان قصد العنوان بنحو التقييد بطل عمله، لأنّ الواقع لم يقصد و ما كان مقصوداً لا واقع له، و إن كان من باب الاشتباه في التطبيق فلا بأس بالحكم بالصحّة، لأنّه في الحقيقة قصد الأمر الفعلي المتوجه إليه و قصد ماله واقع، غاية الأمر تخيّل أنّ الواقع هو الّذي قصده و ذلك غير ضائر في تحقق الامتثال، و مقامنا من هذا القبيل.

(1) يكفينا في الحكم بذلك مضافاً إلى شمول عمومات استحباب الحجّ للصبي نفس الرّوايات (1) الدالّة على عدم إجزاء حجّه عن حجّة الإسلام، إذ لا بدّ من فرض صحّته حتّى يقال بالإجزاء أو عدمه، و إلّا لو كان باطلًا فلا مجال لإجزائه عن حجّة الإسلام، و لا موقع للسؤال عن ذلك. و بالجملة لا ينبغي الريب في استحباب الحجّ للصبي المميز، و قد ادّعي عليه الإجماع أيضاً.

(2) وقع الكلام في اعتبار إذن الولي في صحّة حجّ الصبي، المشهور اعتبار إذنه فلو حجّ الصبي بدون إذن وليه بطل حجّه و استدلّ لهم بوجهين:

أحدهما: أنّ الحجّ عبادة توقيفيّة يجب أن تتلقى من الشارع، و مخالف للأصل‌

____________

(1) الوسائل 11: 44/ أبواب وجوب الحجّ ب 12.

13

[مسألة 7: يستحب للولي أن يحرم بالصبي غير المميز]

مسألة 7: يستحب للولي أن يحرم بالصبي غير المميز (1)، ذكراً كان أم أُنثى (2)

____________

فيجب الاقتصار فيه على المتيقن و هو مورد إذن الولي.

و الجواب عنه: أنّ إطلاق الأدلّة و العمومات كافية في صحّته و رجحانه.

ثانيهما: أنّ الحجّ يتوقف في بعض الأحوال على صرف المال كما في الهدي و الكفّارات، و معلوم أنّ جواز التصرّف في المال يحتاج إلى إذن الولي.

و فيه أوّلًا: أنّه يمكن أن يقال بعدم ثبوت الكفّارة في حقّه نظراً إلى أن عمد الصبي و خطأه واحد.

و ثانياً: لو سلمنا ثبوت الكفّارة فيمكنه الاستئذان من الولي في إعطاء الكفّارة و شراء الهدي، فإن أذن فهو و إلّا كان عاجزاً عن أداء الكفّارة و يأتي بها بعد البلوغ و كذلك الهدي إن أذن فهو و إلّا صار عاجزاً عن الهدي و مجرّد ذلك لا يوجب سقوط الحجّ عنه. فالصحيح ما ذهب إليه جماعة أُخرى من صحّة حجّه و عدم اعتبار إذن الولي في صحّته.

(1) لجملة من الأخبار، منها: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر و يصنع بهم ما يصنع بالمحرم يطاف بهم و يرمى عنهم، و من لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه» (1) و غيرها من الرّوايات الدالّة على استحباب إحجاج الأطفال، و مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين كونهم مميزين أو غير مميزين، بل مورد بعضها غير المميز غاية الأمر تختلف كيفيّة حجّ المميز عن غيره، و الظاهر أنّه لم يستشكل أحد من الفقهاء في ذلك.

(2) لا يخفى أنّ الأصحاب لم يفرّقوا في استحباب إحجاج الأطفال بين الصبي و الصبية و لكن صاحب المستند (قدس سره) استشكل في الصبية، لاختصاص النصوص بالصبيان‌

____________

(1) الوسائل 11: 287/ أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 3.

14

و ذلك بأن يلبسه ثوبي الإحرام و يأمره بالتلبية و يلقنه إيّاها إن كان قابلًا للتلقين و إلّا لبى عنه، و يجنّبه عمّا يجب على المحرم الاجتناب عنه (1) و يجوز أن يؤخّر تجريده عن الثياب إلى فخ (2) إذا كان سائراً من ذلك الطريق، و يأمره بالإتيان بكلّ ما يتمكّن منه من أفعال الحجّ و ينوب عنه فيما لا يتمكّن و يطوف به و يسعى

____________

و إلحاق الصبية بهم يحتاج إلى دليل (1).

و يردّه: أنّ المذكور في الرّوايات و إن كان الصبيان، و لكن يظهر منها حسب المتفاهم العرفي أنّ المراد بالصبي أو الصبيان ما يقابل البالغين لا الذكور خاصّة، كما هو الظاهر من صحيحة عبد الرّحمٰن بن الحجاج عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: إنّ معنا صبياً مولوداً كيف نصنع به؟ فقال: مر امّه تلقى حميدة فتسألها كيف تصنع بصبيانها، فأتتها فسألتها كيف تصنع، فقالت: إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه، و جرّدوه و غسلوه كما يجرّد المحرم وقفوا به المواقف ... الحديث» (2) فإنّ المستفاد من السؤال و الإرجاع إلى أُمّ حميدة ليس هو خصوص حجّ الذكور من الأطفال دون الإناث، بل المنظور في الأسئلة و الأجوبة في هذه الرّواية و غيرها من الرّوايات هو الصغير مقابل الكبير، و أنّه لو كان مميّزاً تصدّى الأعمال بنفسه، و إن كان غير مميّز أناب عنه وليّه، و لا نظر لها إلى الذّكورة و الأُنوثة، و بما ذكرنا يظهر حال بقيّة الرّوايات. و الظّاهر أنّ أحداً من الفقهاء لم يستشكل و لم يتوقّف في تعميم الحكم للصبية، فما ذكره صاحب المستند غير تام.

(1) ورد ذلك كلّه في نصوص الباب كصحيحة زرارة و صحيحة عبد الرّحمٰن بن الحجاج (3) و غيرهما.

(2) لما رواه الشيخ بإسناد صحيح عن أيّوب بن الحر، قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) من أين تجرّد الصبيان؟ قال: كان أبي يجرّدهم من فخ» و نحوه صحيح‌

____________

(1) مستند الشيعة 11: 19.

(2) الوسائل 11: 286/ أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 1.

(3) الوسائل 11: 286/ أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5، 1.

15

به بين الصفا و المروة، و يقف به في عرفات و المشعر، و يأمره بالرمي إن قدر عليه و إلّا رمى عنه، و كذلك صلاة الطّواف، و يحلق رأسه و كذلك بقيّة الأعمال.

[مسألة 8: نفقة حجّ الصبي في ما يزيد على نفقة الحضر على الولي لا على الصبي]

مسألة 8: نفقة حجّ الصبي في ما يزيد على نفقة الحضر على الولي لا على الصبي، نعم إذا كان حفظ الصبي متوقفاً على السفر به، أو كان السفر مصلحة له جاز الإنفاق عليه من ماله (1).

[مسألة 9: ثمن هدي الصبي على الولي]

مسألة 9: ثمن هدي الصبي على الولي (2).

____________

علي بن جعفر (1) و أمّا بقيّة الآداب و الأعمال المسطورة في المتن فهي مذكورة في النصوص الواردة في المقام (2).

(1) لا ريب في أنّ نفقة الصبي ممّا تتوقّف عليه حياته و مصالحه تكون من مال الصبي، سواء كان في السفر أو الحضر، و أمّا النفقة الزائدة على الحضر الّتي تصرف في السفر فلا مجوّز لتصرّف الولي في المال الزائد، إلّا إذا كان في السفر بالطفل مصلحة عائدة إليه فلا بأس بأخذ الزائد من ماله.

(2) لا إشكال في أنّ التصرّف في مال الطفل في نفسه غير جائز إلّا إذا عاد إلى مصلحة ينتفع بها الطفل، و لا ريب أنّ صرف مال الصبي في الهدي ليس من مصالحه إذ بإمكان الولي أن يأخذه معه و لا يحجّ به، و المستفاد من الرّوايات إنّما هو مجرّد استحباب إحجاج الصبي، و أمّا صرف ماله في الحجّ فيحتاج إلى دليل، و لذا ذكرنا في المسألة السابقة أنّ نفقة الحجّ فيما يزيد على الحضر على الولي إلّا إذا كان السفر مصلحة للصبي، فما يصرف في الحجّ و شؤونه لا وجه لأخذه من مال الطفل.

و يدلُّ على ذلك أيضاً صحيح زرارة «إذا حجّ الرّجل بابنه و هو صغير إلى أن قال يذبح عن الصغار و يصوم الكبار» (3) و مورد الرّواية و إن كان إحجاج الأب ابنه‌

____________

(1) الوسائل 11: 336/ أبواب المواقيت ب 18 ح 1، التهذيب 5: 409/ 1422.

(2) الوسائل 11: 286/ أبواب أقسام الحجّ ب 17.

(3) الوسائل 11: 288/ أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5.

16

و كذلك كفارة صيده (1) و أمّا الكفّارات الّتي تجب عند الإتيان بموجبها عمداً فالظاهر أنّها لا تجب بفعل الصبي لا على الولي و لا في مال الصبي (2).

____________

و لكن بقرينة قوله: «لبّوا عنه» يظهر أنّ الطفل كان في جماعة حجّوا به، فالهدي على من حجّ به أباً كان أم غيره، كما يدل على ذلك أيضاً موثقة إسحاق بن عمار «عن غلمان دخلوا مكّة بعمرة و خرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام، قال قل لهم: يغتسلون ثمّ يحرمون، و اذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم» (1) و المأمور بالذبح إنّما هو الّذي حجّ بالصبي.

(1) كما هو المشهور، و عن ابن إدريس عدم وجوب الكفّارة أصلًا لا على الولي و لا في مال الصبي (2)، و عن العلّامة في التذكرة أنّها تجب في مال الصبي (3)، و ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح، لصحيح زرارة «و إن قتل صيداً فعلى أبيه» و قد عرفت فيما سبق أنّ الأب لا خصوصيّة له، و إنّما وجب عليه لكونه من مصاديق الولي، فلا وجه لما عن العلّامة بعد تصريح الرّواية، كما لا وجه لما عن ابن إدريس فإنّ ذلك اجتهاد في مقابل النص.

(2) أمّا عدم وجوبها على الولي فواضح، لعدم الموجب له و النص المتقدّم إنّما دلّ على أنّ كفارة الصيد على أبيه، فلا يقاس غير الصيد به، كما لا تجب على الصبي أيضاً لأنّ وجوب الكفّارة ليس من قبيل باب الضمان و الإتلاف، بل هو حكم تكليفي ثابت في مورده و مرفوع عن الطفل، لحديث رفع القلم و عدم جريه عليه.

و قد يستدل لذلك بأن عمد الصبي و خطأه واحد كما في صحيحة محمّد بن مسلم و أن عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة كما في معتبرة إسحاق بن عمّار (4).

____________

(1) الوسائل 11: 287/ أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 2.

(2) السرائر 1: 637.

(3) التذكرة 7: 32.

(4) الوسائل 29: 400/ أبواب العاقلة ب 11 ح 2، 3.

17

[الشرط الثّاني: العقل]

الشرط الثّاني: العقل فلا يجب الحج على المجنون و إن كان أدواريّاً (1) نعم، إذا أفاق المجنون في أشهر الحجّ و كان مستطيعاً و متمكّناً من الإتيان بأعمال الحجّ وجب عليه، و إن كان مجنوناً في بقيّة الأوقات (2).

[الشرط الثّالث: الحرّيّة]

الشرط الثّالث: الحرّيّة فلا يجب الحجّ على المملوك و إن كان مستطيعاً و مأذوناً من قبل المولى (3)

____________

و الجواب عنه: أنّ هذه الجملة بقرينة قوله: «يحمل على العاقلة» ناظرة إلى باب الديات و الجنايات الّتي لعمدها حكم و لخطئها حكم آخر، فإذا قتل الصبي عمداً يترتب على فعله حكم قتل الخطأ الصادر من البالغين و لا يقتص منه، و أمّا المورد الّذي ليس له إلّا حكم واحد في حال العمد فغير مشمول لهذه الجملة، و لذا لم يستشكل أحد في بطلان صلاة الصبي إذا تكلّم عمداً أو بطلان صومه إذا أفطر عمداً.

(1) لا ريب و لا خلاف بين العلماء كافة في اعتبار العقل في جميع التكاليف الإلٰهيّة و أنّ الأحكام الشرعيّة غير متوجّهة إلى المجنون فإنّه كالبهائم من هذه الجهة.

و يدلُّ على ذلك مضافاً إلى ما تقدّم، ما ورد من أنّ أوّل ما خلق اللّٰه العقل استنطقه، ثمّ قال له: أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال: و عزّتي و جلالي إلى أن يقول و إيّاك أُعاقب، و إيّاك أُثيب (1) فإنّه صريح في أنّ الثواب و العقاب يدوران مدار وجود العقل و عدمه.

(2) لوجود المقتضي و عدم المانع، و مجرّد حصول الجنون في بقيّة الأوقات السابقة أو اللّاحقة لا يمنع عن توجه التكليف إليه حال إفاقته.

(3) قد تسالم الأصحاب على اعتبار الحرّيّة في وجوب الحجّ، فلا يجب على‌

____________

(1) الوسائل 1: 39/ أبواب مقدّمات العبادات ب 3 ح 1.

18

و لو حجّ بإذن مولاه صحّ و لكن لا يجزئه عن حجّة الإسلام، فتجب عليه الإعادة إذا كان واجداً للشرائط بعد العتق (1).

[مسألة 10: إذا أتى المملوك المأذون من قبل مولاه في الحجّ بما يوجب الكفّارة]

مسألة 10: إذا أتى المملوك المأذون من قبل مولاه في الحجّ بما يوجب الكفّارة فكفّارته على مولاه في غير الصيد، و على نفسه فيه (2).

____________

المملوك و إن أذن له مولاه و كان مستطيعاً، و قد تضافرت النصوص في ذلك، منها: صحيح الفضل بن يونس «فليس على المملوك حج و لا عمرة حتّى يعتق» (1) نعم، إنّ هناك رواية واحدة معارضة للروايات المتقدّمة و قد أُطلق فيها حجّة الإسلام على حجّ العبد، و هي رواية أبان (2) «أيّما عبد حج به مواليه فقد قضى حجّة الإسلام» (3) و لكن لشذوذها و مخالفتها للروايات المشهورة لا بدّ من طرحها أو حملها على إدراك ثواب حجّة الإسلام كما في الجواهر (4) أو حملها على حجّة الإسلام من العبد حال عبوديّته، فلا ينافي ذلك ثبوت حجّة الإسلام المطلوبة من الأحرار عليه إذا أُعتق.

و يؤكّد ما ذكرناه إطلاق حجّة الإسلام على حجّه مع إيجابها عليه إذا أعتق في رواية أُخرى لأبان «و العبد إذا حجّ به فقد قضى حجّة الإسلام حتّى يعتق» (5).

(1) أمّا الصحّة للنصوص الكثيرة، منها: صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إنّ المملوك إن حجّ و هو مملوك أجزأه إذا مات قبل أن يعتق و إن أُعتق فعليه الحجّ» (6) و أمّا الإعادة فلارتفاع المانع و المفروض وجود المقتضي و للنصوص الكثيرة المتقدّمة.

(2) لأنّ ذلك مقتضى الجمع بين صحيحة عبد الرّحمٰن بن أبي نجران قال: «سألت‌

____________

(1) الوسائل 11: 47/ أبواب وجوب الحجّ ب 15 ح 1.

(2) عن حكم بن حكيم الصّيرفي ....

(3) الوسائل 11: 50/ أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 7.

(4) الجواهر 17: 242.

(5) الوسائل 11: 49/ أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 2.

(6) الوسائل 11: 49/ أبواب وجوب الحجّ ب 16 ح 1.

19

..........

____________

أبا الحسن (عليه السلام) عن عبد أصاب صيداً و هو محرم هل على مولاه شي‌ء من الفداء؟ فقال: لا شي‌ء على مولاه» (1) المصرحة بأن ما أصاب العبد من صيد فليس على مولاه شي‌ء، و بين صحيحة حريز المرويّة في التهذيب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «كلّما أصاب العبد و هو محرم في إحرامه فهو على السيِّد إذا أذن له في الإحرام» (2) الدالّة على أنّ كلّ ما أصاب العبد صيداً كان أو غيره فهو على السيِّد فإن النسبة بينهما العموم و الخصوص المطلق، فتخصص الصحيحة الثّانية العامّة بالصحيحة الأُولى فتكون النتيجة هي التفصيل المذكور في المتن.

نعم، ذكر في الإستبصار رواية حريز بعين السند المذكور في التهذيب لكن على نحو يختلف عمّا رواه في التهذيب، فإنّ المذكور في الإستبصار «المملوك كلّما أصاب الصيد و هو محرم في إحرامه فهو على السيِّد إذا أذن له في الإحرام» (3) فتكون منافية لصحيحة عبد الرّحمٰن بن أبي نجران، لأن مقتضى صحيحة عبد الرّحمٰن ثبوت الكفّارة على العبد نفسه لا على مولاه إذا أصاب الصيد، و مقتضى صحيحة حريز المرويّة في الإستبصار ثبوت كفارة الصيد على مولاه، و لكن الظاهر أنّه لا موضوع للتعارض لأنّ رواية الإستبصار غلط، لأنّ الشيخ روى هذه الرّواية بعين السند في التهذيب و ذكر «كلّما أصاب العبد» و لا نحتمل أن يروي حريز بسند واحد مرّتين مختلفتين مرّة يروي لحماد «كلّما أصاب العبد» و مرّة اخرى يروي لحماد أيضاً «المملوك كلّما أصاب الصيد» فيدور الأمر بين صحّة ما في التهذيب و بين صحّة ما في الإستبصار و الصحيح ما في التهذيب، لأنّ الإستبصار ليس كتاباً مستقلا و إنّما يذكر فيه الرّوايات المتعارضة المذكورة في التهذيب، و كلّ ما في الإستبصار موجود في التهذيب و لا عكس فالإستبصار جزء و متمم لكتاب التهذيب فهو الأصل و المرجع، فما في التهذيب هو المتعيّن. مضافاً إلى شهادة الكليني و الصدوق (4) بصحّة ما في التهذيب لأنّهما رويا مثل‌

____________

(1) الوسائل 13: 105/ أبواب كفّارات الصيد ب 56 ح 3.

(2) الوسائل 13: 104/ أبواب كفارات الصيد ب 56 ح 1، التهذيب 5: 382/ 1334.

(3) الإستبصار 2: 216/ 741.

(4) الكافي 4: 304/ 7، الفقيه 2: 264/ 1284.

20

[مسألة 11: إذا حجّ المملوك بإذن مولاه و انعتق قبل إدراك المشعر]

مسألة 11: إذا حجّ المملوك بإذن مولاه و انعتق قبل إدراك المشعر أجزأه عن حجّة الإسلام (1) بل الظاهر كفاية إدراكه الوقوف بعرفات معتقاً و إن لم يدرك المشعر (2) و يعتبر في الاجزاء الاستطاعة حين الانعتاق، فإن لم يكن مستطيعاً لم يجزئ حجّه عن حجّة الإسلام (3)

____________

ما جاء في التهذيب، فلم يبق في البين إلّا رواية حريز المذكورة في التهذيب و رواية ابن أبي نجران، و قد عرفت ما يقتضيه الجمع بينهما.

(1) بلا خلاف بين الأصحاب للنصوص الدالّة على ذلك، منها: صحيحة معاوية ابن عمار «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): مملوك أُعتق يوم عرفة، قال: إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحجّ» (1) فتكون هذه الطائفة من الأخبار الدالّة على الاكتفاء بإدراك أحد الموقفين معتقاً تخصيصاً للأخبار المتقدّمة الّتي صرّحت بأنّه لا حج و لا عمرة على العبد حتّى يعتق، فيعلم من ذلك أنّ الحرّيّة غير معتبرة من البداية إلى النهاية بل يكتفى بالحرّيّة قبل أحد الموقفين أيضاً.

(2) لإطلاق قوله (عليه السلام): في صحيحة معاوية بن عمار المتقدّمة «إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحجّ».

و لكن لا يخفى أنّه لا بدّ من ضم وقوف المشعر الاضطراري إليه، لما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى أن درك الوقوف الاختياري لعرفة فقط غير مجزئ، و من المعلوم أنّ العبد المعتق حاله حال بقيّة الأحرار و لا يزيد حكمه عن حكمهم، و ليس للعبد المعتق حكم جديد يختلف عن غيره، و الرّوايات الدالّة على الاكتفاء بإدراك أحد الموقفين معتقاً إنّما تتكفّل بإلغاء اعتبار الحرّيّة بهذا المقدار، و أنّه لا يلزم درك الموقفين حرّا، و لا تتكفّل إثبات الصحّة حتّى لو اقتصر على الوقوف بعرفة.

(3) لأنّ ذلك مقتضى الأدلّة الأوّليّة الدالّة على اعتبار الاستطاعة، و أمّا الرّوايات الدالّة على الإجزاء إذا أدرك أحد الموقفين معتقاً فغير ناظرة إلى إلغاء جميع الشروط‌

____________

(1) الوسائل 11: 52/ أبواب وجوب الحجّ ب 17 ح 2.

21

و لا فرق في الحكم بالإجزاء بين أقسام الحجّ من الإفراد و القِران و التمتّع، إذا كان المأتي به مطابقاً لوظيفته الواجبة (1).

[مسألة 12: إذا انعتق العبد قبل المشعر في حجّ التمتّع فهديه عليه]

مسألة 12: إذا انعتق العبد قبل المشعر في حجّ التمتّع فهديه عليه، و إن لم يتمكّن فعليه أن يصوم بدل الهدي على ما يأتي (2) و إن لم ينعتق فمولاه بالخيار فإن شاء ذبح عنه و إن شاء أمره بالصوم (3)

____________

بل مقتضى إطلاق نصوص المقام أنّ حجّه إلى زمان العتق يحكم عليه بالصحّة، و أمّا بعد العتق فلا بدّ من الرّجوع إلى الأدلّة العامّة الدالّة على اعتبار الاستطاعة، فإلغاء شرطيّة الاستطاعة بالمرّة كما صرّح به السيِّد في العروة الوثقى (1) لا وجه له، كما أنّ القول باعتبار الاستطاعة من أوّل الأمر لا دليل عليه، فإنّ الرّوايات تدل على أنّ العبوديّة السابقة غير ضائرة و لو كانت مع عدم الاستطاعة.

(1) لإطلاق النصوص و لا موجب لتقييدها ببعض أقسام الحجّ.

(2) إذ لا موجب لأن يكون على مولاه بعد ما صار معتقاً و حرّاً، فحاله حال سائر الأحرار، فتجري أحكام حجّة الإسلام على حجّه، و حينئذ فيجب عليه الهدي، و إن عجز فعليه الصّوم.

تنبيه: لقد قيّد جمع من الفقهاء في كلماتهم وجوب الهدي على العبد بما إذا انعتق قبل المشعر، مع أنّ ذلك غير دخيل في كون الهدي على العبد أو على مولاه، بل الانعتاق قبل المشعر أو بعده دخيل في إجزاء حجّه عن حجّة الإسلام و عدمه، و أمّا كون الهدي عليه أو على مولاه فمن آثار الحرّيّة و العبوديّة، فإنّه متى ما صار حرّا فهديه عليه و لو صار حرّا يوم العيد، و لا مقتضي لكونه على المولى بعد ما كان حرّا عند الذبح.

(3) للإجماع و للنصوص، منها: صحيحة جميل «عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع‌

____________

(1) العروة الوثقى 2: 226/ 2990.

22

[الشرط الرّابع: الاستطاعة]

الشرط الرّابع: الاستطاعة

[و يعتبر فيها أُمور]

و يعتبر فيها أُمور:

[الأوّل: السعة في الوقت]

الأوّل: السعة في الوقت (1) و معنى ذلك وجود القدر الكافي من الوقت للذهاب إلى مكّة و القيام بالأعمال الواجبة هناك، و عليه فلا يجب الحجّ إذا كان حصول المال في وقت لا يسع للذهاب و القيام بالأعمال الواجبة فيها، أو أنّه يسع ذلك و لكن بمشقّة شديدة لا تتحمّل عادة (2) و في مثل ذلك يجب عليه التحفّظ على المال إلى السنة القادمة فإن بقيت الاستطاعة إليها وجب الحجّ فيها و إلّا لم يجب (3).

____________

قال: فمره فليصم، و إن شئت فاذبح عنه» (1).

و منها: صحيحة سعد بن أبي خلف «إن شئت فاذبح عنه و إن شئت فمره فليصم» (2).

و يعارضهما صحيح محمّد بن مسلم قال: «سألته عن المتمتع المملوك، فقال: عليه مثل ما على الحر، إمّا أُضحية و إمّا صوم» (3) حيث يظهر منه أنّ التخيير بين الهدي و الصوم على العبد نفسه، و قد حمله الشيخ على المساواة في الكميّة لئلا يظن أنّ عليه نصف ما على الحر كالظهار و نحوه، فالمنظور في الرّواية أنّ الأُضحيّة الثابتة في حجّ المملوك أو الصوم كالأُضحيّة الثابتة في حجّ الحر أو الصوم الثابت فيه، و غير ناظرة إلى أنّ الهدي على المملوك أو على مولاه (4).

(1) و إلّا لم يكن متمكّناً من أداء الحجّ فلا يعقل التكليف به حينئذ.

(2) لنفي الحرج في الشريعة المقدّسة.

(3) إذا كان عنده مال بمقدار يكفيه للحج، و لكن لا يتمكّن من السير لضيق‌

____________

(1) الوسائل 14: 83/ أبواب الذبح ب 2 ح 1.

(2) الوسائل 14: 83/ أبواب الذبح ب 2 ح 2.

(3) الوسائل 14: 85/ أبواب الذبح ب 2 ح 5.

(4) الإستبصار 2: 262.

23

[الثّاني: الأمن و السّلامة]

الثّاني: الأمن و السّلامة و ذلك بأن لا يكون خطراً على النفس أو المال أو العرض ذهاباً و إياباً و عند القيام بالأعمال (1)،

____________

الوقت فلا يجوز له أن يتصرّف في المال بما يخرجه عن الاستطاعة، بل يجب عليه التحفّظ على المال إلى السنة القادمة، و ذلك لتقبيح العقل تفويت الواجب عليه و تعجيز نفسه عن أدائه بعد تنجزه و وجوبه عليه بشرائطه و حدوده و إن كان الواجب متأخّراً، فإنّ الميزان في عدم جواز تعجيز نفسه من إتيان الواجب هو تنجّز الوجوب و فعليته، سواء كان الواجب فعليّاً أو استقباليّاً.

نعم، وقع الكلام في مبدأ هذا الوجوب، فقد ذكر بعضهم أنّ مبدأه خروج الرفقة فلا يجوز تعجيز نفسه عند خروج الرفقة، و ذكر السيِّد الطباطبائي (قدس سره) في العروة أنّ مبدأه هو التمكّن من المسير و لا عبرة بخروج الرفقة (1)، و عن بعضهم أنّ مبدأه أشهر الحجّ، فلا يجوز تفويت الاستطاعة فيها كما عن المحقق النائيني (قدس سره) (2).

و لكن الظاهر أنّه لا دليل على شي‌ء من ذلك، فإنّ مقتضى الآية المباركة و النصوص المفسّرة للاستطاعة تنجز الوجوب عليه بمجرّد حصول الزاد و الرّاحلة و تخلية السرب و صحّة البدن، من دون فرق بين حصول ذلك في أشهر الحجّ أم لا، أو خروج الرفقة و التمكّن من المسير أم لا، بل مقتضاها أنّه متى حصلت الاستطاعة تنجز الوجوب عليه في أيّ وقت كان، و عليه فلو حصلت له الاستطاعة في هذه السنة لا يجوز له تفويتها فيما لو علم بتمكّنه من الحجّ في السنين اللّاحقة، و يجب عليه إبقاء المال إلى السنة المقبلة.

(1) أمّا اعتبار الأمن و عدم الخطر في الطريق على نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله‌

____________

(1) العروة الوثقى 2: 239/ 3020.

(2) دليل الناسك: 36.

24

كما أنّ الحجّ لا يجب مباشرة على مستطيع لا يتمكّن من قطع المسافة لهرم أو مرض أو لعذر آخر، و لكن تجب عليه الاستنابة على ما سيجي‌ء تفصيله.

____________

المعبّر عنه بالاستطاعة السربيّة، فتدل عليه نفس الآية الشريفة ... مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... (1) فإنّ الاستطاعة السبيليّة الواردة في الآية لا تصدق إلّا على ما إذا كان الطريق مأموناً و مخلى سربه، لا يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله.

مضافاً إلى دلالة النصوص المعتبرة على ذلك، منها: صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قوله عزّ و جلّ وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة» (2).

و منها: معتبرة محمّد بن يحيى الخثعمي قال: «سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و أنا عنده عن قول اللّٰه عزّ و جلّ ... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة فهو ممّن يستطيع الحجّ، الحديث» (3). بل مجرّد الخوف على نفسه أو عرضه أو ماله يكفي في سقوط الحجّ، لأنّ الخوف بنفسه موضوع مستقل لجواز الترك و قد جرت سيرة العقلاء على الاجتناب عن محتمل الضّرر.

و أمّا اعتبار الاستطاعة البدنيّة فتدل عليه أيضاً الرّوايات المفسّرة للآية الكريمة كصحيحة هشام و معتبرة الخثعمي المتقدّمتين، و أمّا وجوب الاستنابة فيما إذا لم يتمكّن من المباشرة فسيأتي تفصيله في المسألة 63.

____________

(1) آل عمران 3: 97.

(2) الوسائل 11: 35/ أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 7.

(3) الوسائل 11: 34/ أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 4.

25

[مسألة 13: إذا كان للحج طريقان أحدهما مأمون و الآخر غير مأمون]

مسألة 13: إذا كان للحج طريقان أحدهما مأمون و الآخر غير مأمون، لم يسقط وجوب الحجّ بل وجب الذهاب من الطريق المأمون و إن كان أبعد (1).

[مسألة 14: إذا كان له في بلده مال معتد به، و كان ذهابه إلى الحجّ مستلزماً لتلفه]

مسألة 14: إذا كان له في بلده مال معتد به، و كان ذهابه إلى الحجّ مستلزماً لتلفه لم يجب عليه الحجّ (2). و كذلك إذا كان هناك ما يمنعه عن الذهاب شرعاً، كما إذا استلزم حجّه ترك واجب أهم من الحجّ كإنقاذ غريق أو حريق أو توقف حجّه على ارتكاب محرم، كان الاجتناب عنه أهم من الحجّ (3).

____________

(1) لعدم اختصاص الوجوب بأقرب الطرق بل العبرة بالاستطاعة و القدرة على الحجّ.

(2) لحديث نفي الضرر الحاكم على جميع الأحكام الأوّليّة.

و ربما يقال بعدم جريان قاعدة لا ضرر في المقام، لأنّ دليل وجوب الحجّ مخصّص لدليل نفي الضرر، نظير التكليف بالجهاد و الزّكاة و وجوب الإنفاق على الرحم من الأحكام الضرريّة المبتنية على الضرر، فلا مجال لإجراء قاعدة نفي الضرر في أمثال هذه الموارد.

و الجواب عنه: أنّ الحجّ و إن كان حكماً ضرريّاً في نفسه و يستوجب صرف المال و لكن القاعدة تجري بالنسبة إلى الزائد عمّا يقتضيه طبع الحجّ.

(3) جميع ذلك من موارد التزاحم فتلاحظ الأهميّة، فإنّ دليل وجوب الحجّ و دليل الواجب أو الحرام مطلقان و لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال فيقع التزاحم بينهما فاللازم تقديم الأهم و ترجيحه على غيره و التخيير في المتساويين، كما أنّ الأمر كذلك في سائر التكاليف الإلٰهيّة المتزاحمة. هذا بناءً على المختار من أنّ الاستطاعة المعتبرة ليست إلّا العقليّة، غاية الأمر أنّها استطاعة خاصّة مفسّرة بأُمور معيّنة في الرّوايات و لم يؤخذ في موضوع الحجّ عدم المانع الشرعي، و أمّا بناءً على مسلك المشهور من اعتبار القدرة الشرعيّة و التمكّن الشرعي في وجوب الحجّ، بحيث أُخذ في موضوع الحجّ عدم المانع الشرعي، فيمكن القول بعدم وجوب الحجّ إذا استلزم مانعاً شرعيّاً‌

26

[مسألة 15: إذا حجّ مع استلزام حجّه ترك واجب أهم أو ارتكاب محرم كذلك]

مسألة 15: إذا حجّ مع استلزام حجّه ترك واجب أهم أو ارتكاب محرم كذلك، فهو و إن كان عاصياً من جهة ترك الواجب أو فعل الحرام إلّا أنّ الظاهر أنّه يجزئ عن حجّة الإسلام إذا كان واجداً لسائر الشرائط (1) و لا فرق في ذلك بين من كان الحجّ مستقرّاً عليه و من كان أوّل سنة استطاعته.

[مسألة 16: إذا كان في الطريق عدوّ لا يمكن دفعه إلّا ببذل مال معتد به]

مسألة 16: إذا كان في الطريق عدوّ لا يمكن دفعه إلّا ببذل مال معتد به، لم يجب بذله و يسقط وجوب الحجّ (2)

____________

من ترك واجب أو ارتكاب محرم و إن لم يكن أهم، لعدم تحقّق الاستطاعة الشرعيّة حينئذ، و لكن قد حققنا في محلِّه أنّه لا وجه و لا أساس لما ذكره المشهور أصلًا (1).

(1) لجريان الترتب حتّى في باب الحجّ، و عليه فلا فرق بين الحجّ الفعلي و المستقر فإنّه بناءً على وجود الأمر بالحج و لو بالترتب فلا مانع من الإجزاء في القسمين.

(2) اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى أقوال ثلاثة:

الأوّل: عدم وجوب بذل المال و سقوط وجوب الحجّ كما عن الشيخ (2) و جماعة.

الثّاني: وجوب بذل المال كما عن المحقق (3) و المدارك (4).

الثّالث: التفصيل بين المضر بحاله و المجحف به و عدمه، فيجب في الثّاني دون الأوّل.

و الصحيح أن يقال: إن كان بذل المال حرجيّا عليه و هو المعبّر عنه بالمضر بحاله و المجحف به يرتفع وجوبه لنفي الحرج، و إن لم يكن حرجياً و مشقّة عليه فلا بدّ من التفصيل بين ما إذا كان الضرر و النقص الحاصل في ماله معتدّاً به و إن لم يكن مضرّاً بحاله و مجحفاً به فلا يجب بذله لحديث نفي الضرر، و قد عرفت قريباً أنّ قاعدة نفي الضرر تجري في الحجّ و نحوه من الأحكام الضرريّة إذا كان الضرر اللّازم أكثر ممّا‌

____________

(1) راجع شرح العروة 26: 56.

(2) المبسوط 1: 301.

(3) الشرائع 1: 255.

(4) المدارك 7: 62.

27

[مسألة 17: لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط وجوب الحجّ]

مسألة 17: لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط وجوب الحجّ (1) إلّا مع خوف الغرق أو المرض (2) و لو حجّ مع الخوف صحّ حجّه على الأظهر (3).

[الثّالث: الزاد و الرّاحلة]

الثّالث: الزاد و الرّاحلة و معنى الزاد هو وجود ما يتقوّت به في الطريق من المأكول و المشروب و سائر ما يحتاج إليه في سفره، أو وجود مقدار من المال النقود و غيرها يصرفه في سبيل ذلك ذهاباً و إياباً (4)،

____________

يقتضيه طبع الواجب، و بين ما إذا كان الضرر يسيراً فلا يسقط وجوب الحجّ لصدق تخلية السرب على ذلك، و على سبيل المثال فربّما لا يعد البذل في بعض الفروض من الضرر عرفاً كبذل عشرة دنانير بالنسبة إلى ألف دينار الّذي يصرفه في الحجّ و شؤونه و نظير ذلك بذل المال لأخذ جواز السفر و نحوه.

(1) لأنّ العبرة بالوصول إلى بيت اللّٰه الحرام لأداء فريضة الحجّ و القدرة على السفر برّاً كان أو بحراً أو جوّاً، و لا موجب لاختصاص الوجوب بأحدها.

(2) لا يختص ذلك بالسفر بحراً، بل لو خاف على نفسه من الهلاك و المرض إذا سافر بطريق البر يسقط وجوب الحجّ أيضاً للحرج، فإنّ الملاك في سقوط وجوب الحجّ بلوغ الخوف إلى حد يكون السفر حرجيّا عليه، و إن كان منشأ الخوف أمراً غير عقلائي، من غير نظر إلى نوعيّة السفر.

(3) لأنّ ذلك في المقدّمة و هي المشي إلى الميقات، و لا يضر ذلك في صدق الاستطاعة.

(4) و تدل على اعتبارهما مضافاً إلى عدم تحقق الاستطاعة عرفاً بدونهما غالباً عدّة من النصوص المعتبرة المفسّرة للاستطاعة المذكورة في الآية الشريفة، منها: معتبرة محمّد بن يحيى الخثعمي، قال: «سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) و أنا عنده عن قول اللّٰه عزّ و جلّ ... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحاً في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة فهو ممّن يستطيع الحجّ، أو قال: ممّن كان له مال، فقال له حفص الكناسي: فإذا كان صحيحاً في بدنه مخلى في سربه له زاد و راحلة فلم يحجّ فهو ممّن يستطيع الحجّ؟ قال:

28

و معنى الرّاحلة هو وجود وسيلة يتمكّن بها من قطع المسافة ذهاباً و إياباً (1) و يلزم في الزاد و الرّاحلة أن يكونا ممّا يليق بحال المكلّف (2).

____________

نعم» (1) و نحوها صحيحة هشام (2) و معتبرة السكوني (3).

فالمتحصل من الرّوايات أنّ المعتبر في الحجّ ليس مجرّد القدرة العقليّة، بل يشترط فيه قدرة خاصّة، و منها أن يكون له زاد و راحلة.

(1) و إنّما يعتبر نفقة الإياب لمن يريد العود إلى وطنه، و إلّا فلا يعتبر التمكّن من مصارف الإياب كما سيأتي في مسألة 22.

(2) و إلّا لكان حرجياً و هو منفي في الشريعة. نعم، ربّما يظهر من بعض الرّوايات عدم العبرة بالراحلة و لزوم تحمّل المشقّة بالمشي أو بالرّكوب على حمار أجدع أبتر.

منها: صحيح ابن مسلم في حديث قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) فإن عرض عليه الحجّ فاستحيى؟ قال: هو ممّن يستطيع الحجّ، و لِمَ يستحيي؟ و لو على حمار أجدع أبتر؟ قال: فإن كان يستطيع أن يمشي بعضاً و يركب بعضاً فليفعل» (4) و مثله صحيح الحلبي (5).

و الجواب عن ذلك: مضافاً إلى أنّه لم يقل أحد بمضمونهما حتّى القائل بعدم اعتبار الرّاحلة، أنّ هذه الرّوايات وردت في مورد البذل و عرض الحجّ، و أنّه لو بذل له الحجّ و استقرّ عليه و صار مستطيعاً بذلك فليس له الامتناع و الحياء بعد عرض الحجّ، و إذا امتنع من القبول و استحيا يستقر عليه الحجّ و يجب عليه إتيانه و لو كان فيه مشقّة و حرج فالحكم المذكور فيهما أجنبي عن مورد كلامنا، و هو حصول الاستطاعة الماليّة للمكلّف.

____________

(1) الوسائل 11: 34/ أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 4.

(2) الوسائل 11: 35/ أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 7.

(3) الوسائل 11: 34/ أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 5.

(4) الوسائل 11: 39/ أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 1.

(5) الوسائل 11: 40/ أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 5.

29

..........

____________

و منها: صحيح معاوية بن عمّار قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل عليه دين أ عليه أن يحجّ؟ قال: نعم، إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين، و لقد كان (أكثر) من حجّ مع النّبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) مشاة و لقد مرّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) بكراع الغميم فشكوا إليه الجهد و العناء فقال: شدّوا أزركم و استبطنوا، ففعلوا ذلك فذهب عنهم» (1) فإنّه قد حكم فيه بوجوب الحجّ على من أطاق المشي، و المراد من «أطاق» إعمال غاية الجهد و المشقّة و منه قوله تعالى ... وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ ... (2).

و يجاب عن ذلك أوّلًا بأنّه لم يعمل أحد من الفقهاء بمضمونه.

و ثانياً: أنّ المراد بمن أطاق المشي، القدرة على المشي في قبال المريض و المسجى الّذي لا يتمكّن من المشي أصلًا حتّى في داره و بلده، فمن تمكّن من المشي و أطاقه بمعنى أنّه لم يكن مريضاً و لم يكن مسجى، يجب عليه الحجّ بالطرق المتعارفة لا مشياً على الأقدام.

و لو سلمنا ظهور هذه الرّوايات في عدم اعتبار الرّاحلة، فلا ريب أنّ ظهور تلك الرّوايات الدالّة على الاعتبار أقوى من ظهور هذه، فترفع اليد عن ظهور هذه لأظهريّة تلك الرّوايات.

و يؤكّد ما قلناه: أنّ الحجّ لو كان واجباً على كلّ من تمكّن من المشي و إن لم يكن له راحلة لكان وجوبه حينئذ من الواضحات الّتي لا يمكن خفاؤها لكثرة الابتلاء بذلك.

و أمّا استشهاد الإمام (عليه السلام) بأصحاب رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فلم يعلم أنّ حجّهم كان حجّة الإسلام و يحتمل كونه حجّا ندبيّاً و إن فرض أوّل سنتهم لاستحباب الحجّ للمتسكع، فلا ريب في اعتبار الزاد و الرّاحلة حتّى لمن يتمكّن من المشي.

____________

(1) الوسائل 11: 43/ أبواب وجوب الحجّ ب 11 ح 1.

(2) البقرة 2: 184.

30

[مسألة 18: لا يختص اشتراط وجود الرّاحلة بصورة الحاجة إليها]

مسألة 18: لا يختص اشتراط وجود الرّاحلة بصورة الحاجة إليها، بل يشترط مطلقاً و لو مع عدم الحاجة إليها كما إذا كان قادراً على المشي من دون مشقّة و لم يكن منافياً لشرفه (1).

[مسألة 19: العبرة في الزاد و الرّاحلة بوجودهما فعلًا]

مسألة 19: العبرة في الزاد و الرّاحلة بوجودهما فعلًا، فلا يجب على من كان قادراً على تحصيلهما بالاكتساب و نحوه (2) و لا فرق في اشتراط وجود الرّاحلة بين القريب و البعيد (3).

____________

(1) قد عرفت أنّ الاستطاعة المعتبرة في الحجّ فسّرت في الرّوايات بأُمور خاصّة منها الزاد و الرّاحلة، و لكن وقع الخلاف في اشتراط الزاد و الرّاحلة، و أنّهما شرط على الإطلاق أو أنّهما شرط عند الحاجة إليهما، فلو كان قادراً على المشي من دون مشقّة لا يعتبر وجود الرّاحلة، فعن المشهور أنّهما شرط مطلقاً حتّى في حق من كان متمكّناً من المشي، فلو حجّ ماشياً من دون وجود الرّاحلة لا يجزي حجّه عن حجّة الإسلام و يظهر من صاحب الوسائل اعتبارهما عند الحاجة، لأخذ الحاجة في عنوان أخبار المقام (1).

و قد عرفت بما لا مزيد عليه أنّ المستفاد من الأخبار اعتبار الزاد و الرّاحلة مطلقاً حتّى في حق القادر على المشي.

(2) لعدم وجوب تحصيل الشرط.

(3) لإطلاق ما دلّ على اعتبار وجود الرّاحلة حتّى بالنسبة إلى أهل مكّة المكرّمة لقطع المسافة بينها و بين عرفات الّتي تبلغ أربعة فراسخ تقريباً.

و عن المحقق (2) و غيره عدم اعتبار وجود الرّاحلة للمكّي، و أجابوا عن إطلاق الرّوايات الدالّة على اشتراط الرّاحلة بأنّها وردت في تفسير الآية الشريفة الّتي‌

____________

(1) الوسائل 11: 33/ أبواب وجوب الحجّ ب 8.

(2) الشرائع 1: 252.

31

[مسألة 20: الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحجّ إنّما هي الاستطاعة من مكانه]

مسألة 20: الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحجّ إنّما هي الاستطاعة من مكانه لا من بلده (1) فإذا ذهب المكلّف إلى المدينة مثلًا للتجارة أو لغيرها و كان له هناك ما يمكن أن يحجّ به من الزاد و الرّاحلة أو ثمنهما وجب عليه الحجّ، و إن لم يكن مستطيعاً من بلده.

[مسألة 21: إذا كان للمكلّف ملك و لم يوجد من يشتريه بثمن المثل]

مسألة 21: إذا كان للمكلّف ملك و لم يوجد من يشتريه بثمن المثل، و توقف الحجّ على بيعه بأقل منه بمقدار معتد به لم يجب البيع (2)،

____________

موضوعها السفر إلى البيت و القصد إليه، فلا تشمل من كان في مكّة و يريد السفر إلى عرفات، و من المعلوم أنّ أهل مكّة يحجّون حجّ الإفراد أو القِران، فيسافرون إلى عرفات لا إلى البيت.

و الجواب عنه: أنّه لا ريب في أنّ البيت الشريف مقصود في جميع الأقسام الثلاثة للحج، غاية الأمر قد يقصده قبل إتيان بقيّة المناسك كحج التمتّع، و قد يقصده بعد أداء المناسك كحج القِران أو الإفراد الّذي يكون وظيفة لأهل مكّة، فلا فرق في اشتراط الرّاحلة بين السفر إلى بيت اللّٰه الحرام أوّلًا و بين السفر إلى عرفات أوّلًا، لأنّ البيت مقصود لا محالة في جميع أنواع الحجّ.

(1) لإطلاق أدلّة اشتراط الاستطاعة، و لا خصوصيّة لحصولها في بلد دون بلد آخر. و بعبارة اخرى: متى كان واجداً للشرائط تنطبق عليه الأدلّة، و لا دليل على لزوم حصول الاستطاعة من بلده.

(2) قد عرفت حكم هذه المسألة من مطاوي الأبحاث السابقة، فقد ذكرنا (1) أنّ قاعدة لا ضرر لا مانع من جريانها في الحجّ و نحوه من الأحكام الضرريّة إذا كان الضرر اللّازم أكثر ممّا يقتضيه طبع الحجّ، كما إذا كان الضرر و النقص الحاصل مجحفاً به فحينئذ لا يجب البيع بالقيمة النازلة المجحفة به.

____________

(1) في ص 25.

32

و أمّا إذا ارتفعت الأسعار فكانت اجرة المركوب مثلًا في سنة الاستطاعة أكثر منها في السنة الآتية لم يجز التأخير (1).

[مسألة 22: إنّما يعتبر وجود نفقة الإياب في وجوب الحجّ فيما إذا أراد المكلّف العود إلى وطنه]

مسألة 22: إنّما يعتبر وجود نفقة الإياب في وجوب الحجّ فيما إذا أراد المكلّف العود إلى وطنه، و أمّا إذا لم يرد العود و أراد السكنى في بلد آخر غير وطنه فلا بدّ من وجود النفقة إلى ذلك البلد و لا يعتبر وجود مقدار العود إلى وطنه. نعم إذا كان البلد الّذي يريد السكنى فيه أبعد من وطنه لم يعتبر وجود النفقة إلى ذلك المكان، بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه (2).

____________

(1) إذا كان الارتفاع متعارفاً كما في هذه الأزمنة فلا موجب للسقوط و تأخير الحجّ. نعم، إذا كان الغلاء غير متعارف و كان مجحفاً به فلا يجب الحجّ في هذه السنة لجريان قاعدة لا ضرر بالنسبة إلى الضرر غير المتعارف الّذي لا يقتضيه طبع الحجّ.

(2) لا إشكال و لا ريب في اعتبار نفقة الإياب في وجوب الحجّ لمن يريد العود إلى وطنه، بحيث كان البقاء في مكّة المكرّمة أمراً حرجياً عليه، و مجرّد تمكّنه من نفقة الذهاب من دون تمكّنه من نفقة العود لا يحقق الاستطاعة لنفي الحرج. نعم، إذا لم يكن بقاؤه في مكّة المكرّمة حرجياً عليه و يتمكّن من العيش هناك لعدم علاقة له بوطنه كما إذا كان وحيداً لا أهل له فلا يعتبر تمكّنه من نفقة العود إلى وطنه و تكفي نفقة الذهاب، إذ لا موجب لاعتبار ذلك فتشمله أدلّة وجوب الحجّ.

و أمّا إذا لم يرد العود إلى وطنه و أراد السكنى في بلد آخر غير وطنه، ففصّل في المتن بين ما إذا كان ذلك البلد الّذي يريد السكنى فيه أبعد من وطنه، كمن ذهب من العراق إلى مكّة و يريد الذهاب من مكّة إلى خراسان، فلا يعتبر وجود النفقة إلى ذلك المكان كخراسان، بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه، و بين ما إذا لم يكن البلد الّذي يريد السكنى فيه أبعد كالشام فيعتبر وجود النفقة إلى ذلك البلد الذي يريد البقاء فيه، و لا يعتبر وجود نفقة العود إلى وطنه.

و لا يخفى أنّ العبرة بكثرة النفقة و قلّتها لا بقرب المسافة و بعدها، و لعل أخذ البعد‌

33

[الرّابع: الرّجوع إلى الكفاية]

الرّابع: الرّجوع إلى الكفاية، و هو التمكّن بالفعل أو بالقوّة من إعاشة نفسه و عائلته بعد الرّجوع، و بعبارة واضحة: يلزم أن يكون المكلّف على حالة لا يخشى معها على نفسه و عائلته من العوز و الفقر بسبب صرف ما عنده من المال في سبيل الحجّ، و عليه فلا يجب على من يملك مقداراً من المال يفي بمصارف الحجّ و كان ذلك وسيلة لإعاشته و إعاشة عائلته، مع العلم بأنّه لا يتمكّن من الإعاشة عن طريق آخر يناسب شأنه (1).

____________

و القرب من جهة الغلبة، فإنّ الأكثر مسافة يستدعي أكثر اجرة و قيمة، كما أنّ الأقل مسافة يستدعي أقل نفقة و أُجرة غالباً، و ربّما يعكس الأمر فقد يكون أقرب مسافة يحتاج إلى الأكثر اجرة و قيمة، و الأكثر مسافة يستدعي أقل نفقة كالعود إلى العراق بطريق البر، و العود إلى الشام من طريق الجو الّذي هو أقل مسافة و لكنّه أكثر اجرة فالعبرة في الحقيقة بالأقل و الأكثر نفقة، فالأحسن أن يفصّل بنحو آخر ذكره سيِّدنا الأُستاذ (ذمّ ظله) في الشرح على العروة (1).

و حاصله: أنّه قد يفرض عدم تمكّنه من العود إلى بلده و لكن لا بدّ له من أن يذهب إلى بلد آخر، فحينئذ يعتبر وجود نفقة الذهاب إلى ذلك البلد و إن كان أبعد لأنّ الرّجوع إلى وطنه كالعراق غير ممكن له، و بقاؤه في مكّة حرجي عليه، و المفروض لزوم الذهاب إلى بلد آخر، فيعتبر وجود نفقة الذهاب إلى ذلك البلد.

و قد يفرض أنّه يريد الذهاب إلى بلد آخر لرغبته الشخصيّة، فلا عبرة في نفقة الذهاب إلى ذلك البلد بالقرب و البعد، بل العبرة حينئذ بكثرة القيمة و قلّتها، فإن كان الذهاب إلى ذلك البلد الّذي يريد البقاء فيه اختياراً يستدعي الصرف أكثر من العود إلى وطنه و إن كان أقل مسافة، فالعبرة بمقدار نفقة العود إلى وطنه، و إن كان الذهاب إليه يحتاج إلى الأقل أُجرة فالعبرة بذلك و إن كان أبعد مسافة كالمثال المتقدّم.

(1) و عمدة ما يدل على اعتبار ذلك إنّما هي قاعدة نفي العسر و الحرج، و أمّا الأخبار الّتي استدلّ بها على ذلك فكلّها ضعيفة إلّا خبر أبي الربيع الشامي، قال:

____________

(1) شرح العروة 26: 75.

34

فبذلك يظهر أنّه لا يجب بيع ما يحتاج إليه في ضروريّات معاشه من أمواله، فلا يجب بيع دار سكناه اللّائقة بحاله و ثياب تجمّله و أثاث بيته، و لا آلات الصنائع الّتي يحتاج إليها في معاشه و نحو ذلك، مثل الكتب بالنسبة إلى أهل العلم ممّا لا بدّ منه في سبيل تحصيله.

____________

«سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قول اللّٰه عزّ و جلّ ... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... فقال: ما يقول النّاس؟ قال فقلت له: الزاد و الرّاحلة، قال فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): قد سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن هذا فقال: هلك الناس إذن، لئن كان من كان له زاد و راحلة قدر ما يقوت عياله و يستغني به عن الناس ينطلق إليهم فيسلبهم إيّاه لقد هلكوا إذن، فقيل له: فما السبيل؟ قال فقال: السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض و يبقى بعضاً لقوت عياله أ ليس قد فرض اللّٰه الزّكاة فلم يجعلها إلّا على من يملك مائتي درهم» (1) و الخبر و إن كان موثقاً لأن أبا الربيع الشامي من رجال تفسير علي بن إبراهيم القمي و هم ثقات إلّا أنّه على ما رواه الشيخ في التهذيب ليس فيه ما يدل على المدّعى إلّا جملة «السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض و يبقى بعضاً لقوت عياله» (2) و هذه تدل على شرط آخر و هو اعتبار وجود ما يمون به عياله حتّى يرجع في الاستطاعة و ذلك أجنبي عن اعتبار الرّجوع إلى الكفاية، و لذا قال الشهيد الثّاني: إنّ الرّواية لا تدل على مطلوبهم، و إنّما تدل على اعتبار المئونة ذاهباً و عائداً و مئونة عياله كذلك (3).

نعم، المفيد رواه في المقنعة عن أبي الربيع الشامي و زاد فيه بعد قوله: «و يستغني به عن النّاس يجب عليه أن يحجّ بذلك ثمّ يرجع فيسأل الناس بكفه لقد هلك إذن، فقيل له: فما السبيل؟ قال: السعة في المال» (4) ثمّ ذكر تمام الحديث، و فيما رواه المفيد‌

____________

(1) الوسائل 11: 37/ أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 1.

(2) التهذيب 5: 2/ 1.

(3) الروضة البهيّة 2: 168.

(4) المقنعة: 385.

35

و على الجملة: كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في حياته و كان صرفه في سبيل الحجّ موجباً للعسر و الحرج لم يجب بيعه، نعم، لو زادت الأموال المذكورة عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في نفقة الحجّ، بل من كان عنده دار قيمتها ألف دينار مثلًا و يمكنه بيعها و شراء دار أُخرى بأقل منها من دون عسر و حرج لزمه ذلك إذا كان الزائد وافياً بمصارف الحجّ ذهاباً و إياباً و بنفقة عياله (1).

[مسائل الاستطاعة]

[مسألة 23: إذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحجّ لحاجته إليه]

مسألة 23: إذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحجّ لحاجته إليه، ثمّ استغنى عنه وجب عليه بيعه لأداء فريضة الحجّ، مثلًا إذا كان للمرأة حلي تحتاج إليه و لا بدّ لها منه ثمّ استغنت عنه لكبرها أو لأمر آخر وجب عليها بيعه لأداء فريضة الحجّ (2).

____________

دلالة على المدّعى و لكن طريق المفيد إلى أبي الربيع الشامي مجهول.

و الحاصل: الرّواية الموثقة خالية عمّا يكون شاهداً على المدّعى، و ما يكون شاهداً عليه غير موثق، فالعمدة كما ذكرنا أدلّة نفي الحرج.

و من ذلك يظهر اعتبار أمر آخر في الاستطاعة و هو وجود ما يمون به عياله حتّى يرجع، بل لو لم يكن له ذلك لا يتحقق عنوان الاستطاعة فإنّ قوله (عليه السلام): «يجب الحجّ إذا كان عنده ما يحجّ به» (1) لا يصدق إلّا إذا كان مالكاً لقوت عياله ممّن يجب عليه نفقته شرعاً. فإنّه حق مالي يجب عليه أداؤه و ليس له تفويته. ثمّ لا يخفى إن مفاد خبر أبي الربيع الشامي لا يزيد عمّا يقتضيه أدلّة نفي الحرج.

(1) و الوجه في ذلك كلّه أدلّة نفي العسر و الحرج الّتي أشار إليها في المتن، و لذا يجب بيع الزائد عن مقدار الحاجة و صرفه في الحجّ، و كذا يجب الانتقال إلى دار أُخرى أرخص من داره، لعدم وقوعه في العسر و الحرج على الفرض.

(2) فإنّ المرأة إذا كانت محتاجة إلى لبس الحلي كما إذا كانت شابة و من شأنها أن تلبس الحلي فحينئذ لا يجب عليها بيعه و تبديله و صرفه في الحجّ، لأن صرفه في الحجّ‌

____________

(1) ورد مضمونه في الوسائل 11: 33/ أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 1، 3.

36

[مسألة 24: إذا كانت له دار مملوكة و كانت هناك دار اخرى]

مسألة 24: إذا كانت له دار مملوكة و كانت هناك دار اخرى يمكنه السكنى فيها من دون حرج عليه كما إذا كانت موقوفة تنطبق عليه، وجب عليه بيع الدار المملوكة إذا كانت وافية بمصارف الحجّ و لو بضميمة ما عنده من المال، و يجري ذلك في الكتب العلميّة و غيرها ممّا يحتاج إليه في حياته (1).

[مسألة 25: إذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصارف الحجّ]

مسألة 25: إذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصارف الحجّ، و كان بحاجة إلى الزواج أو شراء دار لسكناه أو غير ذلك ممّا يحتاج إليه، فإن كان صرف ذلك المال في الحجّ موجباً لوقوعه في الحرج لم يجب عليه الحجّ، و إلّا وجب عليه (2).

[مسألة 26: إذا كان ما يملكه ديناً على ذمّة شخص و كان الدّين حالًا]

مسألة 26: إذا كان ما يملكه ديناً على ذمّة شخص و كان الدّين حالًا وجبت عليه المطالبة، فإن كان المدين مماطلًا وجب إجباره على الأداء، و إن توقّف تحصيله على الرّجوع إلى المحاكم العرفية لزم ذلك، كما تجب المطالبة فيما إذا كان الدّين مؤجّلًا و لكن المدين يؤدّيه لو طالبه، و أمّا إذا كان المدين معسراً أو مماطلًا و لا يمكن إجباره، أو كان الإجبار مستلزماً للحرج، أو كان الدّين مؤجّلًا و المدين لا يسمح بأداء ذلك قبل الأجل، ففي جميع ذلك إن أمكنه بيع الدّين بما يفي بمصارف الحجّ و لو بضميمة ما عنده من المال و لم يكن في ذلك ضرر و لا حرج وجب البيع و إلّا لم يجب (3).

____________

أمر حرجي عليها، بخلاف ما لو استغنت عنه لكبرها مثلًا، وجب عليها بيعه و صرفه في الحجّ لعدم استلزام ذلك الحرج.

(1) لصدق الاستطاعة حينئذ إذا لم تكن السكنى في الدار الموقوفة حرجياً عليه و لم تكن منافية لشأنه، فإذن لا حاجة له إلى الدار المملوكة لسدّ حاجته بالوقف و نحوه، و كذا الحال بالنسبة إلى الكتب العلميّة و نحوها من الأثاث.

(2) لأنّ الميزان في سقوط الحجّ و عدمه أن يكون الإلزام بالحج حرجياً عليه فيرتفع وجوبه، حتّى و لو قلنا بعدم حرمة إيقاع النفس في الحرج و المشقّة، و ذلك لحكومة دليل الحرج على الأحكام الأوّليّة.

(3) هذه المسألة تنحل إلى أربع صور:

37

..........

____________

الاولى: ما إذا كان الدّين حالًا و كان المديون باذلا، فاللّازم مطالبته لصدق الاستطاعة بذلك و كونه واجداً لما يحجّ به، إذ لا فرق في ملكه للزاد و الرّاحلة بين ما يملكهما عيناً أو قيمة و بدلًا.

الثّانية: أن يكون الدّين حالًا و المدين مماطلًا غير باذل، فإن أمكن إجباره و لو بالرّجوع إلى المحاكم العرفيّة وجب لصدق الاستطاعة بذلك، و مجرّد الاستعانة بالغير لا يوجب خروج ذلك عن الاستطاعة فيما لو لم يكن في الاستعانة حرج عليه، فإنّ ذلك نظير ما إذا توقّف الحصول على ماله على علاج، كما إذا كان له مال مدفون في الأرض أو كان في صندوق و توقف التصرّف فيه على حفر الأرض أو فتح الصندوق و لو بأن يستأجر أحداً لذلك، فإنّ القدرة التكوينيّة إذا كانت متوقّفة على مقدّمات يجب عقلًا تحصيل تلك المقدّمات و لا يوجب ذلك سقوط الواجب. و أمّا المنع عن الرّجوع إلى حاكم الجور للنهي عن الركون إليه و الاستعانة به، فقد ذكرنا في محلِّه (1) أنّ الأقوى جواز الرّجوع إليه إذا توقف استيفاء الحق و إنقاذه عليه.

الثّالثة: ما إذا كان الدّين مؤجلًا و لكن المدين يبذله قبل الأجل لو طالبه الدائن فالظاهر أيضاً وجوب المطالبة لصدق الاستطاعة، و مجرّد توقف التصرّف على المطالبة لا يوجب عدم صدق الاستطاعة، فإنّ ذلك كالمال الموجود في الصندوق الّذي يحتاج فتحه إلى العلاج.

الرّابعة: ما إذا كان المدين معسراً أو مماطلًا و لا يمكن إجباره، أو كان الإجبار مستلزماً للحرج، أو كان الدّين مؤجّلًا و المدين لا يدفعه قبل الأجل، ففي جميع ذلك لو تمكّن من بيعه نقداً بأقل منه كما هو المتعارف يجب عليه بيعه، لصدق الاستطاعة بذلك و أنّه واجد لما يحجّ به، و قد عرفت أنّه لا يعتبر في صدق الاستطاعة وجود ما يحجّ به عيناً، بل تصدق الاستطاعة على من يملك ما يحجّ به و لو بدلًا أو قيمة.

____________

(1) شرح العروة 1: 307.

38

[مسألة 27: كلّ ذي حرفة كالحدّاد و البنّاء و النّجار و غيرهم ممّن يفي كسبهم بنفقتهم]

مسألة 27: كلّ ذي حرفة كالحدّاد و البنّاء و النّجار و غيرهم ممّن يفي كسبهم بنفقتهم و نفقة عوائلهم يجب عليهم الحجّ، إذا حصل لهم مقدار من المال بإرث أو غيره، و كان وافياً بالزاد و الرّاحلة و نفقة العيال مدّة الذهاب و الإياب (1).

[مسألة 28: من كان يرتزق من الوجوه الشرعيّة كالخمس و الزّكاة و غيرهما و كانت نفقاته بحسب العادة مضمونة]

مسألة 28: من كان يرتزق من الوجوه الشرعيّة كالخمس و الزّكاة و غيرهما و كانت نفقاته بحسب العادة مضمونة من دون مشقّة، لا يبعد وجوب الحجّ عليه فيما إذا ملك مقداراً من المال يفي بذهابه و إيابه و نفقة عائلته، و كذلك من قام أحد بالإنفاق عليه طيلة حياته، و كذلك كلّ من لا يتفاوت حاله قبل الحجّ و بعده من جهة المعيشة إن صرف ما عنده في سبيل الحجّ (2).

[مسألة 29: لا يعتبر في الاستطاعة الملكيّة اللازمة بل تكفي الملكيّة المتزلزلة أيضاً]

مسألة 29: لا يعتبر في الاستطاعة الملكيّة اللازمة بل تكفي الملكيّة المتزلزلة أيضاً (3) فلو صالحه شخص ما يفي بمصارف الحجّ و جعل لنفسه الخيار إلى مدّة معيّنة وجب عليه الحجّ، و كذلك الحال في موارد الهبة الجائزة.

____________

(1) لحصول الاستطاعة و التمكّن من السفر إلى الحجّ، و لا يعتبر في الرّجوع إلى الكفاية وجود ما تعيش به نفسه و عائلته بالفعل، بل يكفي التمكّن من ذلك و لو لأجل صنعته و حرفته، فإنّ المعتبر فيه أن لا يحتاج إلى التكفّف و أن لا يقع في الشدّة و الحرج بعد الرّجوع.

(2) لوجود ما يحجّ به من مئونة الذهاب و الإياب و نفقة العيال، و عدم وقوعه في الحرج بعد الرّجوع.

(3) خلافاً لصاحب العروة (قدس سره) معلّلًا بأن الملكيّة المتزلزلة في معرض الزوال و لا تثبت بها الاستطاعة (1)، و لكن الظاهر هو الاكتفاء بها، لصدق كونه واجداً للزاد و الرّاحلة و أن عنده ما يحجّ به، و أدلّة وجوب الحجّ على من كان واجداً لهما لم تقيّد بعدم كون المال في معرض الزوال، فمتى ما كان المكلّف واجداً للزاد‌

____________

(1) العروة الوثقى 2: 241/ 3024.

39

[مسألة 30: لا يجب على المستطيع أن يحجّ من ماله فلو حجّ متسكعاً أو من مال شخص آخر أجزأه]

مسألة 30: لا يجب على المستطيع أن يحجّ من ماله فلو حجّ متسكعاً أو من مال شخص آخر أجزأه (1) نعم إذا كان ثوب طوافه أو ثمن هديه مغصوباً لم يجزئه ذلك (2).

[مسألة 31: لا يجب على المكلّف تحصيل الاستطاعة بالاكتساب أو غيره]

مسألة 31: لا يجب على المكلّف تحصيل الاستطاعة بالاكتساب أو غيره (3)

____________

و الرّاحلة وجب عليه الحجّ حتّى مع علمه بفسخ المشتري فيما بعد، فإن أقصاه أنّه يفي دينه للمشتري بلا حرج على الفرض، و لو شكّ في الرّجوع يستصحب عدمه. و بذلك يظهر الحال في موارد الهبة الجائزة.

(1) لأنّ الواجب عليه إنّما هو الحجّ، و لا يعتبر فيه أن يكون صرف المال من كيسه الخاص أو صرفه حسب شؤونه، و إنّما ذلك مقدّمة و وسيلة للوصول إلى الحجّ. و الحاصل لو توقّف إتيان الحجّ على الصرف من ماله الخاص وجب، و إلّا فلا دليل على وجوب الصرف من ماله.

(2) قد عرفت أنّ صرف المال من كيسه الخاص غير واجب، و إنّما الواجب عليه الحجّ و صرف المال وسيلة للوصول إليه، بل لو غصب مالًا و حجّ به صحّ حجّه و أجزأه، و إنّما يكون ضامناً للمال المغصوب.

نعم، يعتبر إباحة ثوب الطّواف لأنّ الستر معتبر في الطّواف و لا يصح عارياً، فإذا كان الساتر محرماً لا يصح طوافه لأنّ الفرد الحرام لا يكون مصداقاً للواجب، فحاله حال الصلاة في اعتباره بالثوب الساتر، و أمّا ثمن الهدي فإن كان من عين المال المغصوب فلا ريب في عدم دخول الهدي في ملكه، فلو ذبحه فهو في الحقيقة تارك للهدي متعمداً فيفسد حجّه و طوافه لما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى (1) أن من ترك الهدي عالماً عامداً فطاف بطل طوافه و لزمه التدارك بعد تدارك الذبح. و أمّا إذا اشتراه بالذمّة كما هو الغالب في المعاملات و ادّى الثمن من المغصوب وفاءً للمعاملة، ففي مثله تصحّ المعاملة و يكون الهدي داخلًا في ملكه غاية الأمر يضمن المال لصاحبه.

(3) لأنّ ذلك من تحصيل الشرط و لا يجب على المكلّف تحصيله، فإنّ الاستطاعة‌

____________

(1) في المسألة 382.

40

فلو وهبه أحد مالًا يستطيع به لو قبله لم يلزمه القبول، و كذلك لو طلب منه أن يؤجر نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعاً، و لو كانت الخدمة لائقة بشأنه.

____________

أُخذت مفروضة الوجود، و لذا لو وهبه أحد مالًا يستطيع به لو قبله أو طلب منه إجارة نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعاً لم يجب عليه القبول.

و قد يقال كما عن النراقي (قدس سره) بالوجوب لوجهين:

الأوّل: صدق الاستطاعة العرفيّة على ذلك.

الثّاني: أنّ الإنسان يملك منافع نفسه كما يملك منافع ما يملكه من الأعيان كالعقار و الدواب فيكون واجداً للمال و مستطيعاً قبل الإجارة و من المعلوم أنّه لا يعتبر في الاستطاعة وجود الأثمان و النقود أو وجود عين مال مخصوص، بل المعتبر وجود ما يمكن صرفه في سبيل الحجّ (1).

و الجواب عن الأوّل: أنّ الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحجّ ليست الاستطاعة العرفيّة و لا العقليّة، و إنّما هي استطاعة خاصّة مفسّرة في الرّوايات بملكيّة الزاد و الرّاحلة و تخلية السرب، و هي تحصل بأحد أمرين إمّا واجديته لما يحجّ به أو بالبذل، و كلاهما غير حاصل في المقام.

و عن الثّاني بأنّ الإنسان و إن كان يملك منافع نفسه لكن لا بالملكيّة الاعتباريّة نظير ملكيّته للعقار و الدواب، و لا يصدق عليه أنّه ذو مال باعتبار قدرته على منافع نفسه و قدرته على أعماله، و لذا تسالم الفقهاء على أنّه لو حبس أحد حرّا لا يضمن منافعه باعتبار تفويته هذه المنافع.

و الّذي يدل على ما ذكرناه أنّ الإنسان لو كان مالكاً لمنافع نفسه بالملكيّة الاعتباريّة لكان واجداً لما يحجّ به، فلا حاجة إلى طلب الاستئجار منه، بل يجب عليه أوّلًا تعريض نفسه للإيجار، كما إذا كان مالكاً للدار و الدواب، و لا أظن أنّ أحداً يلتزم بذلك.

____________

(1) مستند الشيعة 11: 51.

41

نعم لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحجّ و استطاع بذلك وجب عليه الحجّ (1).

[مسألة 32: إذا آجر نفسه للنيابة عن الغير في الحجّ و استطاع بمال الإجارة]

مسألة 32: إذا آجر نفسه للنيابة عن الغير في الحجّ و استطاع بمال الإجارة قدّم الحجّ النيابي إذا كان مقيّداً بالسنة الحالية، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة وجب عليه الحجّ و إلّا فلا (2) و إن لم يكن الحجّ النيابي مقيّداً بالسنة الفعليّة قدّم الحجّ عن نفسه.

[مسألة 33: إذا اقترض مقداراً من المال يفي بمصارف الحجّ و كان قادراً على وفائه]

مسألة 33: إذا اقترض مقداراً من المال يفي بمصارف الحجّ و كان قادراً على وفائه بعد ذلك وجب عليه الحجّ (3).

____________

(1) قد يؤجر المكلّف نفسه للخدمة في طريق الحجّ كالطبخ و غيره بما يصير مستطيعاً، بحيث يكون متعلق الإجارة نفس العمل المذكور و يكون السير في الطريق مقدّمة لتسليم العمل المملوك إلى مالكه، ففي مثله يجب عليه الحجّ و يجزئ حجّه عن حجّة الإسلام، و لا ينافيه وجوب قطع الطريق للغير، لأنّ الواجب عليه في حج نفسه أفعال الحجّ و أعماله، و قطع الطريق ليس منها و إنّما هي مقدّمة توصلية، فما وجب عليه لم يقع عليه الإجارة، و ما استؤجر عليه غير ما وجب عليه.

(2) لوجوب تسليم العمل المملوك إلى مالكه، كما لو آجر نفسه لسائر الأعمال كالخياطة و البناء، فإنّ وجوب تسليم العمل المملوك ينافي و يزاحم وجوب الحجّ على نفسه على الفرض.

نعم، إذا لم يكن الحجّ النيابي مقيّداً بالعام الحاضر بل كانت الإجارة مطلقة، قدم الحجّ عن نفسه لعدم المزاحمة، لكن فيما إذا لم يكن الإتيان به مزاحماً لإتيان الحجّ النيابي في السنين الآتية، و أمّا إذا كان مزاحماً قدم الحجّ النيابي، كما لو علم بأنّه لو حجّ عن نفسه في هذا العام لا يتمكّن من الحجّ النيابي في العام القابل، فالحج النيابي كالديون في المزاحمة و عدمها.

(3) لا ريب في أنّه لا يجب عليه الاقتراض للحج و إن كان متمكّناً من أدائه بسهولة، لأنّ ذلك من تحصيل الاستطاعة و هو غير واجب قطعاً. نعم، لو استدان‌

42

[مسألة 34: إذا كان عنده ما يفي بنفقات الحجّ و كان عليه دين و لم يكن صرف ذلك في الحجّ منافياً]

مسألة 34: إذا كان عنده ما يفي بنفقات الحجّ و كان عليه دين و لم يكن صرف ذلك في الحجّ منافياً لأداء ذلك الدّين وجب عليه الحجّ (1) و إلّا فلا، و لا فرق في الدّين بين أن يكون حالًا أو مؤجّلًا، و بين أن يكون سابقاً على حصول ذلك المال أو بعد حصوله.

[مسألة 35: إذا كان عليه خمس أو زكاة و كان عنده مقدار من المال و لكن لا يفي بمصارف الحجّ]

مسألة 35: إذا كان عليه خمس أو زكاة و كان عنده مقدار من المال و لكن لا يفي بمصارف الحجّ لو أدّاهما وجب عليه أداؤهما و لم يجب عليه الحجّ، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الخمس و الزّكاة في عين المال أو يكونا في ذمّته (2).

____________

مقداراً من المال بحيث صار واجداً للزاد و الرّاحلة و كان قادراً على وفائه بلا مشقّة وجب عليه الحجّ لفعليّة الحكم بفعليّة موضوعه.

(1) فإنّ الدّين بنفسه لم يكن منافياً و مزاحماً للحج إلّا إذا كان إتيان الحجّ مزاحماً لأدائه بحيث لو صرف المال في الحجّ لم يتمكّن من وفاء الدّين فحينئذ يقدم الدّين لأهميّته جزماً فإنّ الخروج من عهدة النّاس أهم من حقّ اللّٰه تعالى، بل لو كان محتمل الأهميّة يقدّم أيضاً لأنّ محتمل الأهميّة من جملة المرجحات في باب التزاحم.

و يدلُّ على ذلك مضافاً إلى ما ذكرنا، صحيح معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل عليه دين أ عليه أن يحجّ؟ قال: نعم، إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين» (1) فإنّ المستفاد منه أنّ الدّين بنفسه لا يمنع عن الحجّ، فما ذهب إليه المحقق (2) و جماعة من أنّ الدّين مطلقاً مانع عن الحجّ لا وجه له.

و لا فرق فيما ذكرنا بين كون الدّين حالًا أو مؤجّلًا و بين كونه سابقاً على حصول ذلك المال أم لا، لأنّ الميزان بالمزاحمة و عدمها.

(2) إذا كان عليه خمس أو زكاة و كان عنده مقدار من المال لا يكفي إلّا للحج أو‌

____________

(1) الوسائل 11: 43/ أبواب وجوب الحجّ ب 11 ح 1.

(2) الشرائع 1: 253.

43

[مسألة 36: إذا وجب عليه الحجّ و كان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة لزمه أداؤها]

مسألة 36: إذا وجب عليه الحجّ و كان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة لزمه أداؤها و لم يجز له تأخيره لأجل السفر إلى الحجّ (1). و لو كان ثياب طوافه و ثمن هديه من المال الّذي قد تعلّق به الحق لم يصحّ حجّه (2).

____________

لأداء ما عليه من الخمس أو الزّكاة، فهل يقدّم الحجّ على أداء الحق الشرعي أم لا؟ و هنا صورتان:

الاولى: ما إذا كان الحق متعلّقاً بذمّته، و حكمه حكم الدّين الشخصي و قد عرفت أنّ الدّين المطالب به يقدّم على الحجّ، و لا فرق بين كونه مديناً لشخص معيّن أو لجهة من الجهات، فيتزاحم التكليفان و يجب عليه صرف المال في أداء الدّين، لأهميّته من حق اللّٰه تعالى فتزول الاستطاعة.

الثّانية: أن يكون الحق الّذي هو الزكاة أو الخمس متعلّقاً بعين ماله فلا ريب أيضاً في تقديمهما على الحجّ، لا لأنّ التعلّق بالعين مانع عن التصرّف فيها على خلاف مقتضى الحال كالتصرّف في العين المغصوبة فإنّه لا يجوز التصرّف فيها، فإنّ الجواب عن هذا واضح لأنّ حرمة التصرّف في المال لا تكون مانعة، و لذا لو عزل الزكاة و جاز له تأخير أدائها لم يجز له التصرّف في المال بالحج، فيتبيّن أنّ عدم وجوب الحجّ غير مستند إلى الحكم التكليفي كحرمة التصرّف في المال أو وجوب الأداء، بل الوجه في التقديم أنّه مع وجود الحق في ذمّته غير مستطيع و غير واجد لما يحجّ به فإنّ ثبوت الحق في ذمّته يوجب فقدان موضوع الحجّ و هو الاستطاعة.

(1) لعدم الفرق بين الدّين لشخص أو لجهة كالفقراء و السادة، و قد عرفت فيما سبق أنّ أداء الدّين لأهميّته يقدّم على الحجّ.

(2) لأنّه كالمغصوب و المعتبر إباحة ثوب الطّواف، كما أنّه يعتبر حلية ثمن الهدي و إلّا فلا يدخل في ملكه فيكون تاركاً للهدي، و قد تقدّم الكلام في ذلك في المسألة الثلاثين.

44

[مسألة 37: إذا كان عنده مقدار من المال و لكنّه لا يعلم بوفائه بنفقات الحجّ لم يجب عليه الحجّ]

مسألة 37: إذا كان عنده مقدار من المال و لكنّه لا يعلم بوفائه بنفقات الحجّ لم يجب عليه الحجّ و لا يجب عليه الفحص (1) و إن كان الفحص أحوط.

____________

(1) لأنّ الشبهة موضوعيّة فتجري فيها أصالة البراءة العقليّة و النقليّة، و لا دليل على وجوب الفحص فيها.

و ربّما يستدل لوجوب الفحص في المقام بأُمور:

منها: ما عن المحقق النائيني (قدس سره) من أنّ هذا المقدار من الفحص لا يعد من الفحص عرفاً، فإنّ الفحص بمقدار يعرف أنّه مستطيع أم لا كالمراجعة إلى دفتر حساباته لا يعد ذلك لدى العرف فحصاً، فإنّه نظير النظر إلى الأُفق لتبين الفجر و نحو ذلك (1).

و الجواب عنه: أنّ الفحص لم يؤخذ في لسان أيّ دليل حتّى يقال بأنّ هذا المقدار من الفحص ليس فحصاً عرفاً أو هو فحص عرفاً، و أدلّة البراءة موضوعها الجاهل و الشاك، و مقتضى إطلاقها جريان البراءة ما دام المكلّف جاهلًا بالموضوع و لا دليل على اعتبار الفحص، و إنّما يعتبر الفحص في الشبهات الحكمية لدليل مذكور في محلِّه (2) غير جار في الشبهات الموضوعيّة، كما يعتبر الفحص في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي و الموضوعات المهمّة كالدماء و الفروج، و في غير ذلك يتمسّك بإطلاق أدلّة الأُصول. نعم، في بعض الموارد قد لا يصدق عنوان الجاهل كالمورد الّذي يحتاج إلى الفحص اليسير جدّاً، بل قد لا يعد من الفحص كالنظر إلى الأُفق بفتح عينه ليرى الفجر، ففي مثله لا يجري الاستصحاب.

و منها: بأنّه لولا الفحص لزمت المخالفة القطعيّة الكثيرة.

و فيه أوّلًا بالنقض بموارد كثيرة للأُصول الشرعيّة، كالشك في الطّهارة و النّجاسة و نحوهما ممّا يعلم فيها بالمخالفة غالباً لو تفحّص عنها.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 302.

(2) مصباح الأُصول 2: 489.

45

[مسألة 38: إذا كان له مال غائب يفي بنفقات الحجّ منفرداً أو منضمّاً إلى المال الموجود عنده]

مسألة 38: إذا كان له مال غائب يفي بنفقات الحجّ منفرداً أو منضمّاً إلى المال الموجود عنده، فإن لم يكن متمكّناً من التصرّف في ذلك المال و لو بتوكيل من يبيعه هناك لم يجب عليه الحجّ (1)

____________

و ثانياً بالحل، فإنّ المكلّف بالنسبة إلى نفسه لا يعلم بوقوعه في المخالفة، و لو علم لكان من العلم الإجمالي في التدريجيّات و يجب الفحص حينئذ و لكنّه خارج عن محل الكلام، و أمّا بالنسبة إلى سائر الناس فإنّه قد يعلم بوقوعهم في الخلاف و لكن لا أثر لذلك بالنسبة إلى نفسه.

و منها: خبر زيد الصائغ الوارد في الدراهم الممتزجة من الفضّة و المس و الرصاص الآمر بتخليصها و تصفيتها حتّى يحترق الخبيث و يبقى الخالص قال: «قلت: و إن كنت لا أعلم ما فيها من الفضّة الخالصة إلّا أنّي أعلم أنّ فيها ما يجب فيه الزّكاة؟ قال: فاسبكها حتّى تخلص الفضّة و يحترق الخبيث ثمّ تزكي ما خلص من الفضّة لسنة واحدة» (1) فإنّ الأمر بالتخليص ليس إلّا لاعتبار الفحص و إلّا فلا موجب له.

و الجواب عن ذلك أوّلًا: أنّ الخبر ضعيف السند بزيد الصائغ و ثانياً: أنّه ضعيف الدلالة، بأنّه لو كانت الدراهم ممتزجة من ثلاثة أشياء فيتمكّن المكلّف من إعطاء الزّكاة بنسبة المال الموجود في الدراهم و لا حاجة إلى إعمال هذه العمليّة من سبك الدراهم و تخليصها. و الظاهر أنّ الرواية في مقام بيان تعليم كيفيّة التخليص و ليست في مقام بيان وجوب الفحص.

فتحصل: أنّه لا دليل على وجوب الفحص في هذه الموارد، و للمكلّف أن يعمل بالأُصول الشرعيّة الجارية فيها.

(1) لعدم صدق الاستطاعة، لأنّ العبرة في تحقق الوجوب بالتمكّن من التصرّف و مجرّد الملكيّة لا يحقق موضوع الاستطاعة.

____________

(1) الوسائل 9: 255/ أبواب المستحقين للزكاة ب 21 ح 2.

46

و إلّا وجب (1).

[مسألة 39: إذا كان عنده ما يفي بمصارف الحجّ وجب عليه الحجّ و لم يجز له التصرّف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة]

مسألة 39: إذا كان عنده ما يفي بمصارف الحجّ وجب عليه الحجّ و لم يجز له التصرّف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة و لا يمكنه التدارك، و لا فرق في ذلك بين تصرّفه بعد التمكّن من المسير و تصرّفه فيه قبله، بل الظاهر عدم جواز التصرّف فيه قبل أشهر الحجّ أيضاً (2).

____________

(1) لصدق الاستطاعة، إذ لا يعتبر فيها حضور المال و كونه تحت يده فعلًا، بل الميزان هو التمكّن من التصرّف و المفروض حصوله.

(2) لا ريب في أنّ مقتضى حكم العقل حرمة تفويت الملاك و عدم جواز تعجيز المكلّف نفسه عن أداء الواجب بعد فعليته و تحقق شرائطه و حدوده و إن كان الواجب متأخّراً، لأنّ الميزان في تقبيح العقل للتعجيز هو تنجيز الواجب و فعليته و إن كان زمان الواجب استقباليّاً.

و الظاهر أنّه لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز إتلاف الاستطاعة بعد تحققها و إنّما اختلفوا في مبدأ زمان عدم الجواز، فالمعروف بينهم أنّ مبدأه خروج الرفقة فيجوز الإتلاف قبل خروج القافلة الاولى و إن كان متمكّناً من المسير. و عن بعضهم كالسيِّد في العروة أنّ مبدأه هو التمكّن من المسير و لا عبرة بخروج الرفقة، فيجوز له قبل أن يتمكّن من المسير أن يتصرّف في المال بما يخرجه عن الاستطاعة، و أمّا بعد التمكّن منه فلا يجوز و إن كان قبل خروج الرفقة (1).

و عن المحقق النائيني أنّ العبرة بأشهر الحجّ، فإذا هلّ هلال شوال لم يجز له إتلاف ما استطاع به.

و الظّاهر أنّه لا دليل على شي‌ء ممّا ذكروه، و الصحيح عدم جواز إتلاف الاستطاعة من أوّل زمان حصولها، و لو قبل التمكّن من المسير أو قبل خروج الرفقة أو قبل أشهر الحجّ، و ذلك لأنّ مقتضى الآية الكريمة و الرّوايات المفسّرة للاستطاعة‌

____________

(1) العروة الوثقى 2: 239/ 3020.

47

نعم، إذا تصرّف فيه ببيع أو هبة أو عتق أو غير ذلك حكم بصحّة التصرّف و إن كان آثماً بتفويته الاستطاعة (1).

____________

تنجّز الوجوب عليه بمجرّد حصول الاستطاعة من الزاد و الرّاحلة و تخلية السرب و صحّة البدن، من دون فرق بين حصولها في أشهر الحجّ أو قبلها أو قبل خروج الرفقة أو قبل التمكّن من المسير أو بعده، فمتى حصلت الاستطاعة يتنجز الواجب عليه، و أشهر الحجّ إنّما هو ظرف للواجب لا للوجوب، فالوجوب المستفاد من الأدلّة غير محدّد بوقت خاص، و لذا لو استطاع قبل أشهر الحجّ و فرضنا أنّه لا يتمكّن من الوصول إلى الحجّ لو سافر في شهر شوال لبعد المسافة كما في الأزمنة السابقة بالنسبة إلى البلاد البعيدة يجب عليه السفر في زمان يمكنه الوصول إلى الحجّ و لو في شهر رجب أو قبله، فلا عبرة بأشهر الحجّ و لا بغير ذلك ممّا ذكروه.

(1) لما ذكرنا في الأُصول أنّ النهي في المعاملات لا يقتضي الفساد (1)، و حاصل ما ذكرنا هناك: أنّ المعاملات كالبيع مثلًا مركبة من أُمور ثلاثة لا رابع لها، و هي الاعتبار الشرعي أو العقلائي، و المبرز بالكسر و المبزر بالفتح أي اعتبار نفس البائع.

أمّا الاعتبار الشرعي أو العقلائي فلا يعقل تعلّق النهي به، لأنّه خارج عن تحت اختيار البائع أو المشتري، إذ ليس ذلك بفعله و إنّما هو فعل الشارع، فما يصح تعلّق النهي به إمّا المبرز بالكسر أو المبرز بالفتح و مجرّد النهي عن أحدهما أو كليهما لا يقتضي الفساد، بل أقصاه دلالته على المبغوضية، و لا ينافي ذلك ترتب أثر البيع عليه، فإنّه من قبيل غسل الثوب بالماء المغصوب، فإنّه و إن كان محرّماً و لكن يطهر الثوب به جزماً.

نعم، لو تعلّق النهي بنفس عنوان البيع إرشاداً إلى الفساد كالنهي عن بيع ما ليس عنده أو النهي عن بيع الغرر، فيدل على الفساد لا لأجل الحرمة و المبغوضيّة بل للإرشاد إلى الفساد، و لذا قد تكون المعاملة جائزة و مع ذلك يحكم عليها بالفساد.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 36.

48

[مسألة 40: الظاهر أنّه لا يعتبر في الزاد و الرّاحلة ملكيتهما]

مسألة 40: الظاهر أنّه لا يعتبر في الزاد و الرّاحلة ملكيتهما، فلو كان عنده مال يجوز له التصرّف فيه وجب عليه الحجّ إذا كان وافياً بنفقات الحجّ مع وجدان سائر الشروط (1).

____________

(1) لصدق الاستطاعة بالتمكّن من التصرّف في المال، و إباحته له و إن لم يكن المال ملكاً له.

و ربما يورد عليه بأنّ مقتضى إطلاق بعض الأخبار المفسّرة للاستطاعة كقوله (عليه السلام): «له زاد و راحلة» (1) ملكية الزاد و الرّاحلة، لظهور اللّام في الملك فلا يكفي مجرّد الإباحة، و أمّا وجوب الحجّ بالبذل فقد ثبت بالدليل، فالمستفاد من الأخبار وجوب الحجّ بملكيّة الزاد و الرّاحلة أو ببذلهما، و أمّا قوله (عليه السلام): «إذا قدر الرّجل على ما يحجّ به» و نحوه كما في صحيح الحلبي (2) و غيره ممّا ظاهره الأعم من الملك و الإباحة فمقتضى القاعدة تقييده بالملك لحمل المطلق على المقيّد.

ففيه: مضافاً إلى إمكان منع ظهور اللّام في الملك دائماً بل كثيراً ما يستعمل في مطلق الاختصاص كقولنا: الجل للفرس، أنّه لا مجال لحمل المطلق على المقيّد في أمثال المقام، فإنّ المطلق إنّما يحمل على المقيّد إذا وردا في متعلّقات الأحكام كالمثال المعروف أعتق رقبة، و أعتق رقبة مؤمنة، لا في موضوعاتها كنجاسة الخمر و المسكر، فإنّ المطلق إنّما يحمل على المقيّد لحصول التنافي بينهما بعد إحراز وحدة المطلوب كمورد المثال المعروف، و أمّا إذا لم يكن بينهما تناف فلا موجب للحمل، كما في المقام فإنّ حصول الاستطاعة بملكيّة الزاد و الرّاحلة لا يناف حصولها بالإباحة و جواز التصرّف في المال بأيّ نحو حصلت.

و أمّا قياس الإباحة المالكيّة بالإباحة الشرعيّة كالأنفال و المعادن و المباحات‌

____________

(1) الوسائل 11: 35/ أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 7.

(2) الوسائل 11: 26/ أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 3.

49

[مسألة 41: كما يعتبر في وجوب الحجّ وجود الزاد و الرّاحلة حدوثاً كذلك يعتبر بقاءً إلى تمام الأعمال]

مسألة 41: كما يعتبر في وجوب الحجّ وجود الزاد و الرّاحلة حدوثاً كذلك يعتبر بقاءً إلى تمام الأعمال (1). بل إلى العود إلى وطنه (2) فإن تلف المال في بلده أو في أثناء الطريق لم يجب عليه الحجّ و كشف ذلك عن عدم الاستطاعة من أوّل الأمر.

____________

الأصليّة في عدم حصول الاستطاعة بذلك كما في المستمسك (1)، فيرد عليه بوضوح الفرق بينهما، لصدق الاستطاعة بالإباحة المالكية عرفاً و عدم صدقها بمجرّد إباحة الأسماك في البحر له، نعم لو صاد السمك و حاز المباحات و استولى عليها تحقق عنوان الاستطاعة، و أمّا مجرّد الجواز الشرعي للحيازة فلا يحقق الاستيلاء لتحصل الاستطاعة.

(1) مقتضى الأدلّة الدالّة على اعتبار الاستطاعة في وجوب الحجّ اعتبار بقائها إلى تمام الأعمال، بمعنى أنّه يلزم الإتيان بأعمال الحجّ عن استطاعة، لأنّ الحجّ عبارة عن مجموع الأعمال المعهودة فلا بدّ من اقترانها بالاستطاعة، و إلّا كما لو تلف المال في أثناء الطريق أو في أثناء الأعمال يكشف عن عدم الاستطاعة من أوّل الأمر، فلا يجزي عن حجّة الإسلام كما لو حجّ من الأوّل عن غير استطاعة.

(2) بمعنى أنّه لو فقد مصارف العود إلى وطنه في أثناء الطريق أو في أثناء الأعمال كشف ذلك عن عدم الاستطاعة من الأوّل، فإنّ الحجّ إنّما يجب على من كان واجداً للزاد و الرّاحلة إلى تمام الأعمال، فلو فقدهما في أثناء الطريق أو في أثناء الأعمال يكشف عن عدم كونه مستطيعاً و عدم كونه واجداً لهما من أوّل الأمر.

نعم، لو حجّ و انتهى من الأعمال ثمّ فقد مصارف العود إلى وطنه فذلك لا يضر بصحّة حجّه و أجزأه عن حجّة الإسلام، لأنّه إنّما اعتبرنا مئونة الإياب لأجل الحرج في البقاء في مكّة، و لا يجري نفي الحرج بعد الانتهاء من الأعمال، لاستلزامه خلاف الامتنان إذ لا امتنان في الحكم بالفساد بعد إتيان العمل.

____________

(1) المستمسك 10: 117.

50

و مثل ذلك ما إذا حدث عليه دين قهري، كما إذا أتلف مال غيره خطأ و لم يمكنه أداء بدله إذا صرف ما عنده في سبيل الحجّ (1) نعم، الإتلاف العمدي لا يسقط وجوب الحجّ (2) بل يبقى الحجّ في ذمّته مستقرّاً فيجب عليه أداؤه و لو متسكعاً هذا كلّه في تلف الزاد و الرّاحلة، و أمّا تلف ما به الكفاية من ماله في بلده فهو لا يكشف عن عدم الاستطاعة من أوّل الأمر بل يجتزي حينئذ بحجّه و لا يجب عليه الحجّ بعد ذلك (3).

____________

(1) قد سبق (1) أن ذكرنا أنّ الدّين في نفسه لا يمنع عن وجوب الحجّ، و إنّما يمنع عنه إذا كان حالًا و مطالباً به، و هذا من دون فرق بين كون سبب الدّين الاستقراض و نحوه أو إتلاف مال الغير خطأ.

(2) فإنّ الإتلاف العمدي كإتلاف نفس الزاد و الرّاحلة اختياراً بعد حصولهما و وجودهما، فإنّ ذلك لا يمنع عن استقرار الحجّ في ذمّته لفعليّته عليه بعد استكمال شرائطه، فيجب عليه التحفّظ على الاستطاعة فلو أزالها اختياراً يستقر عليه الحجّ و صار ديناً عليه و وجب الإتيان به بأيّ وجه تمكّن.

(3) يعني إذا تلف بعد تمام الأعمال ما به الكفاية من ماله في وطنه يجتزئ بحجّه و لا أثر لتلف ما به الكفاية، و ذلك لأنّا إنّما اعتبرنا الرّجوع إلى الكفاية لنفي الحرج و هو امتناني فلا يجري بعد الإتيان بالأعمال، لأن لازمه الحكم بالفساد و عدم الاجتزاء بما أتى به و لا امتنان في ذلك فلا مانع من الحكم بالصحّة، نظير من اغتسل أو توضأ ثمّ علم بأنّ وضوءه أو غسله كان حرجيّا، فإنّه لا يحكم بالفساد لأنّه على خلاف الامتنان، و نفي الحرج إنّما يجري في موارد الامتنان.

____________

(1) في المسألة 34.