موسوعة الإمام الخوئي - ج29

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
484 /
1

[تتمة كتاب الحج]

[تتمة أعمال عمرة التمتع]

[الطواف]

[شرائط الطّواف]

شرائط الطّواف الطّواف هو الواجب الثاني في عمرة التمتّع و يفسد الحج بتركه عمداً، سواء أ كان عالماً بالحكم أم كان جاهلًا به أو بالموضوع (1)

____________

(1) لا شبهة في أنّ الطّواف من أجزاء الحج و العمرة، بل هو ركن فيهما إجماعاً و ضرورة، و لم يختلف فيه أحد من المسلمين، و يدلُّ عليه مضافاً إلى ما ذكر الآية الشريفة «وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالًا إلى قوله تعالى- وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» (1).

و أمّا الروايات فكثيرة جدّاً منها: الروايات الواردة في كيفية الحج (2).

و منها: النصوص الدالّة على لزوم الإعادة إذا شكّ في عدد الأشواط (3) أو أحدث في الأثناء (4)، أو حاضت المرأة في الأثناء (5) و غير ذلك من الروايات.

و من تركه عامداً بطل حجّه أو عمرته، لأنّه لم يأت بالمأمور به و بما وجب عليه و هذا أمر واضح لا يحتاج إلى دليل خاص، بل نفس الجزئية تقتضي البطلان إذا لم‌

____________

(1) الحجّ 22: 27 29.

(2) الوسائل 11: 212/ أبواب أقسام الحج ب 2.

(3) الوسائل 13: 359/ أبواب الطّواف ب 33.

(4) الوسائل 13: 378/ أبواب الطّواف ب 40.

(5) الوسائل 13: 453/ أبواب الطّواف ب 85.

2

و يتحقّق الترك بالتأخير إلى زمان لا يمكنه إدراك الرّكن من الوقوف بعرفات (1).

____________

يؤت به، من دون فرق بين كونه عالماً أو جاهلًا بالحكم أو بالموضوع كما إذا طاف في مكان آخر بتخيل أنّه البيت لأنّ العمل ناقص و هو غير مأمور به و إجزاء الناقص عن التام يحتاج إلى دليل بالخصوص، فان لم يكن دليل على الاجزاء فالحكم بالبطلان على القاعدة، لعدم الإتيان بالمأمور به، إذ المركب ينتفي بانتفاء جزئه و لا حاجة إلى الدليل على البطلان.

مضافاً إلى ذلك يدلّنا على البطلان في فرض الجهل صحيح علي بن يقطين‌

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة، قال: إن كان على وجه جهالة في الحج أعاد و عليه بدنة»

(1)

و من المعلوم أولوية العالم من الجاهل بالإعادة و الفساد.

و يؤيّده خبر علي بن أبي حمزة‌

«عن رجل جهل أن يطوف بالبيت حتّى يرجع إلى أهله، قال: إن كان على وجه الجهالة أعاد الحج و عليه بدنة»

(2)

.

و لكن موردهما الحج و لا يشمل العمرتين، إلّا أنّ الّذي يسهل الأمر أنّ الحكم بالبطلان على القاعدة بعد القطع بجزئية الطّواف في الحج و العمرة، فلا نحتاج إلى دليل خاص للحكم بالبطلان، من دون فرق بين ما لو تركه عالماً أو جاهلا.

و أمّا الناسي فسيأتي حكمه.

(1) و يتحقق ترك الطّواف بعدم إدراك الوقوف بعرفات و لو آناً ما، على الخلاف المتقدم في حدّ الضيق لمن ضاق وقته عن إتمام العمرة و إدراك الحج (3).

____________

(1) الوسائل 13: 404/ أبواب الطّواف ب 56 ح 1.

(2) الوسائل 13: 404/ أبواب الطّواف ب 56 ح 2.

(3) راجع شرح العروة 27: 228 المسألة [3210].

3

ثمّ إنّه إذا بطلت العمرة بطل إحرامه أيضاً على الأظهر (1) و الأحوط الأولى حينئذ العدول إلى حج الافراد، و على التقديرين تجب إعادة الحج في العام القابل.

____________

(1) فحينئذ لا حاجة إلى المحلل بعد فساد النسك بتعمد ترك الطّواف، ضرورة بطلان الإحرام الّذي هو جزء من العمرة ببطلان الطّواف و فساده، فانّ الإحرام إنّما يكون جزءاً للنسك إذا لحقه بقية الأجزاء، فالإحرام الملحوق بسائر الأعمال و الأجزاء جزء للنسك، فلو انقطع و لم يأت ببقية الأعمال على وجهها ينكشف عن أنّ الجزء الأوّل لم يكن بواجب و بمأمور به أصلًا كما هو الحال في تكبيرة الإحرام، فإنّ التكبيرة إنّما تكون جزءاً للصلاة إذا أتى المصلي ببقية الأجزاء اللّاحقة، فجزئية التكبيرة مشروطة بإتيان الأجزاء اللّاحقة على نحو الشرط المتأخر، و كذلك المقام، إذ ليس مجرد قوله: لبيك يكون إحراماً ما لم يأت ببقية الأعمال، فاذا لبى و لم يطف و لم يذهب إلى عرفات فلم يأت بالمأمور به من الأوّل و يكشف عن أنّ الإحرام الصادر منه ملغى لا يترتّب عليه أيّ أثر، من دون فرق بين العلم و الجهل، لعدم إتيانه بالمأمور به، و ما أتى به مجرّداً عن الأجزاء اللّاحقة غير مأمور به.

و بما ذكرنا ظهر فساد ما نسب إلى المحقق الكركي من بقائه على إحرامه و محرماته إلى أن يأتي بالفعل الفائت في محله و هو السنة الآتية (1).

على أنّه يسأل المحقق المذكور أن هذا الشخص يحج في السنة الآتية بالإحرام الأوّل و من دون تجديده، فهذا ينافي ما ذكروه من اعتبار وقوع العمرة و الحج في سنة واحدة، و إن التزم بإحرام آخر فلا معنى لبقائه على إحرامه الأوّل، فإن تجديد الإحرام يكشف عن بطلان الإحرام الأوّل، و لكن مع ذلك الأحوط استحباباً أن يعدل إلى الإفراد، لعدّة من الروايات المتقدمة في تلك المسألة (2)، و لكن موردها عدم الإدراك اضطراراً و الترك عن غير اختيار، و لا تشمل مورد الترك الاختياري العمدي‌

____________

(1) لاحظ جامع المقاصد 3: 201.

(2) راجع شرح العروة 27: 229 ذيل المسألة [3210].

4

و يعتبر في الطّواف أُمور:

[الأوّل: النيّة]

الأوّل: النيّة، فيبطل الطّواف إذا لم يقترن بقصد القربة (1).

____________

و لا وجه للتعدي، و لكن الاحتياط حسن و لو لمجرد الاحتمال و إن كان ضعيفاً، و على التقديرين لا يجزئ عن حجه الواجب عليه لفساده و بقائه في ذمّته، فتجب عليه إعادة الحج في العام القابل.

(1) النيّة المعتبرة تارة يراد بها قصد العمل و صدور الفعل عن اختيار، فلا ريب في اعتبار ذلك، لأنّ الفعل الصادر عن غير قصد و لا اختيار لم يتعلق به التكليف، فلو صدر منه الفعل من غير قصد و لا اختيار لم يأت بالمأمور به، و هذا من دون فرق بين كون الواجب تعبّدياً أو توصّلياً إلّا فيما إذا علم بحصول الغرض بالفعل غير الاختياري فيجتزئ به، لا لإتيان المأمور به بل لسقوط الأمر بحصول الغرض كغسل الثوب فإنّه يجتزى به و لو كان بسبب إطارة الريح و نحو ذلك، و قد ذكرنا تحقيق ذلك في بحث التعبدي و التوصلي من علم الأُصول (1).

و أُخرى: يراد بها قصد القربة، و هذا أيضاً ممّا لا ريب في اعتبارها فلو طاف لغرض آخر غير التقرب كالتمشي لا يكون مجزئاً.

و يدلُّ على ذلك مضافاً إلى الضرورة و الارتكاز، الآية الشريفة «وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» (2) فانّ المستفاد منها أنّ الحج للّٰه تعالى و أنّه أمر إلٰهي و لا بدّ من الانتساب إليه تعالى و إضافته إليه سبحانه، و كذلك يستفاد عباديته من السنّة كالروايات الدالّة على أنّ الإسلام بُني على خمس: الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية (3)، فان ما بُني عليه الإسلام يكون أمراً إلٰهياً قربياً منتسباً إليه.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 139.

(2) آل عمران 3: 97.

(3) الوسائل 1: 13/ أبواب مقدمة العبادات ب 1.

5

[الثاني: الطّهارة من الحدثين الأكبر و الأصغر]

الثاني: الطّهارة من الحدثين الأكبر و الأصغر، فلو طاف المحدث عمداً أو جهلًا أو نسياناً لم يصح طوافه (1)

____________

(1) لا إشكال و لا خلاف في اعتبار الطهارة من الحدثين في الطّواف الواجب و يدلُّ عليه روايات معتبرة:

منها‌

صحيحة محمّد بن مسلم «عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور، قال يتوضأ و يعيد طوافه»

(1)

.

و منها‌

صحيح علي بن جعفر «عن رجل طاف بالبيت و هو جنب فذكر و هو في الطّواف، قال: يقطع الطّواف و لا يعتد بشي‌ء مما طاف. و سألته عن رجل طاف ثمّ ذكر أنّه على غير وضوء، قال: يقطع طوافه و لا يعتد به»

(2)

.

و في جملة من روايات الباب أنّ الحكم باعتبار الطهارة خاص بالطواف الواجب و أمّا الطّواف المندوب فلا يعتبر فيه الطهارة و إنّما يتوضأ لصلاته.

و هنا رواية رواها الشيخ بإسناده‌

عن زيد الشحام عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في رجل طاف بالبيت على غير وضوء، قال: لا بأس»

(3)

و إطلاقها يشمل الطّواف الواجب و المندوب، و لكن لا بدّ من رفع اليد عن إطلاقها و حملها على المندوب و تقييدها به، لصحيح محمّد بن مسلم و غيره.

مضافاً إلى ضعف الرواية سنداً، لأن في طريق الشيخ إلى زيد الشحام أبا جميلة و هو ضعيف.

____________

(1) الوسائل 13: 374/ أبواب الطّواف ب 38 ح 3.

(2) الوسائل 13: 375/ أبواب الطّواف ب 38 ح 4.

(3) الوسائل 13: 377/ أبواب الطّواف ب 38 ح 10.

6

[مسألة 285: إذا أحدث المحرم أثناء طوافه فللمسألة صور]

مسألة 285: إذا أحدث المحرم أثناء طوافه فللمسألة صور:

الاولى: أن يكون ذلك قبل بلوغه النصف ففي هذه الصورة يبطل طوافه و تلزمه إعادته بعد الطهارة (1).

____________

(1) لو أحدث أثناء الطّواف فهل يبطل طوافه أو يتوضأ و يأتي بالباقي أو فيه تفصيل؟

المعروف بين الأصحاب بل لا خلاف بينهم في أنّه لو أحدث في طوافه قبل بلوغ النصف بطل طوافه، و إن كان بعده توضأ و أتى بالباقي.

و عن المدارك أن هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، بل ادعى عليه الإجماع (1).

و عن الفقيه: أنّ الحائض تبنى مطلقاً لصحيح ابن مسلم «عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل ثمّ رأت دماً، قال: تحفظ مكانها فإذا طهرت طافت و اعتدت بما مضى» (2).

و لا يخفى أن ما ذكره الصدوق (قدس سره) حكم خاص بالحيض، لأنّ القاعدة تقتضي البطلان بحدوث الحيض في الأثناء، لأن أقل الحيض ثلاثة أيّام فيتحقق الفصل الطويل بين الأشواط، و إذا دلّ دليل خاص على الصحّة و كفاية الإتيان بالباقي نقتصر على مورد النص و لا نتعدى إلى غيره. على أن مسألة حدوث الحيض أثناء الطّواف أجنبية عن المقام بالمرة، لأنّ الكلام في مانعية الحدث في نفسه مع قطع النظر عن مانع آخر كالفصل الطويل و عدم التوالي بين الأشواط.

و كيف كان، فقد يستدل للمشهور بما دلّ على اعتبار الطهارة في الطّواف، فان مقتضاه بطلانه إذا صدر الحدث أثناءه لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه، و أمّا الحكم‌

____________

(1) المدارك 8: 156.

(2) الفقيه 2: 241/ 1154، الوسائل 13: 454/ أبواب الطّواف ب 85 ح 3.

7

..........

____________

بالصحّة بعد التجاوز عن النصف فلأجل دليل خاص، و إلّا فالقاعدة الأولية تقتضي البطلان مطلقاً.

و يرد عليه: ما ذكرناه في باب الصلاة (1) من أنّ المانعية شي‌ء و القاطعية شي‌ء آخر، و لو كنّا نحن و أدلّة اعتبار الطهارة في الصلاة كقوله: «لا صلاة إلّا بطهور» (2) فلا يستفاد منها إلّا اقتران أجزاء الصلاة بالطهارة، و أمّا الأكوان المتخللة فلا يعتبر فيها الطهارة، فلو صدر الحدث في الأثناء يتوضأ و يأتي بالأجزاء اللّاحقة، فإن جميع الأجزاء تكون مقرونة بالطهارة و إن كانت الأجزاء السابقة بالطهور السابق و الأجزاء اللّاحقة بالطهور اللّاحق، و لا دليل على وقوع جميع الأجزاء عن طهور واحد، إلّا أنّه في باب الصلاة دلّ دليل خاص على قاطعية الحدث و أنّه موجب لعدم قابلية إلحاق الأجزاء اللّاحقة بالسابقة، ففي باب الصلاة إنّما نقول بالفساد لا لأجل اعتبار الطهارة في الصلاة، بل لأجل أدلّة أُخرى تدل على القاطعية كالأمر بالإعادة و الاستئناف.

و أمّا الطّواف الّذي هو اسم للأشواط السبعة، فالأدلّة دلّت على اشتراط الطّواف بالطهارة، فاللازم إيقاع الأشواط السبعة عن طهور، و أمّا اعتبار كون الطهارة شرطاً في الأكوان المتخللة و كون الحدث قاطعاً كما في الصلاة فلا دليل عليه.

و ربّما يتوهّم أنّه يدل على ذلك في باب الطّواف صحيح حمران بن أعين لقوله (عليه السلام): «و إن كان طاف طواف النِّساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثمّ خرج فغشي فقد أفسد حجّه أي طوافه و عليه بدنة و يغتسل، ثمّ يعود فيطوف أُسبوعاً» (3) فإنّه يدل على الفساد و قاطعية الحدث في الأثناء، و هو و إن كان وارداً في طواف النِّساء و لكن الحكم يجري في طواف الحج بالأولى، لأنّه جزء للحج بخلاف طواف النِّساء فإنّه واجب مستقل.

____________

(1) لم نجد تصريحاً بذلك في كتاب الصّلاة.

(2) الوسائل 1: 365/ أبواب الوضوء ب 1 ح 1.

(3) الوسائل 13: 126/ أبواب كفارات الاستمتاع ب 11 ح 1.

8

..........

____________

و فيه: أن مورد الصحيحة هو الجماع و له أحكام خاصّة في باب الحج، و كيف يمكن التعدي منه لمطلق الحدث.

و ممّا ذكرنا يظهر أن ما دلّ على الصحّة أو الفساد فيما إذا حدث الحيض في الأثناء خارج عن محل الكلام، لأنّ حدوث الحيض في الأثناء يوجب الفصل الطويل و لا أقل بثلاثة أيّام، فلا يمكن الاستدلال بذلك للحدث الصادر في الأثناء، فلا دليل لمذهب المشهور إلّا مرسل ابن أبي عمير على ما رواه الكليني، و مرسل جميل على ما رواه الشيخ عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يحدث في طواف الفريضة و قد طاف بعضه، قال: يخرج و يتوضأ، فان كان جاز النصف بنى على طوافه، و إن كان أقل من النصف أعاد الطّواف» (1).

و المرسلة صريحة في مذهب المشهور و لكنّها ضعيفة بالإرسال، و قد ذكرنا كثيراً أنّه لا عبرة بالمراسيل و إن كان المرسل مثل جميل أو ابن أبي عمير، فأدلّة المشهور كلّها ضعيفة، و لكن مع ذلك ما ذهب إليه المشهور هو الصحيح و الوجه في ذلك:

أن حدوث الحيض أثناء الطّواف و إن كان نادراً جدّاً و لكن مع ذلك كثر السؤال عنه في الروايات، و أمّا صدور الحدث خصوصاً من المريض و الشيخ و الضعيف كثيراً ما يتحقق في الخارج لا سيما عند الزحام، و لا سيما أنّ الطّواف يستوعب زماناً كثيراً و مع ذلك لم ينسب القول بالصحّة إلى أحد من الأصحاب، بل تسالموا على البطلان و أرسلوه إرسال المسلمات، و هذا يوجب الوثوق بصدور الحكم بالبطلان من الأئمة (عليهم السلام) و لو لم يكن الحكم به صادراً منهم (عليهم السلام) لخالف بعض العلماء و لو شاذاً، فمن تسالم الأصحاب و عدم وقوع الخلاف من أحد مع أنّ المسألة مما يكثر الابتلاء به نستكشف الحكم بالبطلان، فما هو المعروف هو الصحيح.

____________

(1) الوسائل 13: 378/ أبواب الطّواف ب 40 ح 1، الكافي 4: 414/ 2، التهذيب 5: 118/ 384.

9

الثانية: أن يكون الحدث بعد إتمامه الشوط الرابع و من دون اختياره، ففي هذه الصورة يقطع طوافه، و يتطهر و يتمه من حيث قطعه (1).

____________

(1) إذا صدر الحدث بعد إتمامه الشوط الرابع ففيه صورتان:

الاولى: أن يصدر الحدث من دون اختياره، ففي هذه الصورة يقطع طوافه و يتوضأ و يتمه من حيث قطعه، للتسالم من الأصحاب على الصحّة، و لمرسلة جميل المتقدمة (1) و لعدّة من الروايات الدالّة على الصحّة بطروء الحيض (2) فانّ الحدث أولى بالصحّة.

مضافاً إلى أنّ الأصل يقتضي الصحّة، لاقتران الأشواط بالطهارة و لا دليل على قاطعية الحدث كما تقدم.

الثانية: أن يصدر الحدث اختياراً، فيحتمل الحكم بالصحّة لإطلاق مرسل جميل بناءً على أن إطلاقه يشمل الحدث الاختياري أيضاً، و يحتمل البطلان لا من جهة الحدث بل من جهة الخروج من المطاف اختياراً، فان قطع الطّواف اختياراً إلّا في موارد خاصّة منصوص عليها موجب للبطلان، فالأحوط هو الجمع بين أن يتم طوافه من حيث قطع ثمّ يعيده و يستأنف من جديد.

على أنّ شمول إطلاق مرسل جميل للحدث الاختياري بعيد جدّاً، لأن بعض أفراده يوجب التعزير و بعضه الآخر يوجب القتل فكيف يصدر ذلك من المحرم، ثمّ يسأل الإمام (عليه السلام) عن حكمه، إلّا إذا أُريد منه النوم أو مجرّد الريح.

و كيف كان فالحكم بالصحّة بعيد جدّاً، و قد ذهب جماعة من الفقهاء إلى البطلان في هذه الصورة لاستلزامها قطع الطّواف اختياراً، فالقول بالبطلان أرجح و لا أقل من الاحتياط.

____________

(1) في الصفحة السابقة.

(2) الوسائل 13: 453/ أبواب الطّواف ب 85.

10

الثالثة: أن يكون الحدث بعد النصف و قبل تمام الشوط الرابع، أو يكون بعد تمامه مع صدور الحدث عنه بالاختيار. و الأحوط في هذين الفرضين أن يتم طوافه بعد الطهارة من حيث قطع ثمّ يعيده، و يجزئ عن الاحتياط المذكور أن يأتي بعد الطهارة بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام و الإتمام، و معنى ذلك: أن يقصد الإتيان بما تعلق في ذمّته، سواء أ كان هو مجموع الطّواف، أم هو الجزء المتمّم للطواف الأوّل، و يكون الزائد لغواً (1).

____________

نعم، يجزئ عن الاحتياط المذكور أن يأتي بعد الطهارة بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام و الإتمام و يكون الزائد لغواً في فرض ما إذا كان الباقي هو الجزء المتمّم للطواف الأوّل.

(1) أمّا إذا صدر الحدث بعد تمام الشوط الرابع مع الاختيار فقد ذكرنا حكمه في الصورة الثانية، و الكلام فعلًا فيما لو صدر الحدث بعد النصف و قبل تمام الشوط الرابع و المحتمل في هذه الصورة أمران:

أحدهما: الحكم بالصحّة، فيبني على طوافه و يتطهر و يأتي بالباقي.

ثانيهما: الحكم بالفساد و لزوم الاستئناف.

و منشأ الاحتمالين أنّ المراد بالنصف في المرسلين المتقدِّمين (1) و كلام الأصحاب هل هو النصف الصحيح أو النصف الكسري؟ فانّ النصف إنّما هو باعتبار الأشواط، و من المعلوم أنّ السبعة ليس لها نصف صحيح إلّا النصف الكسري أي ثلاثة و نصف.

فإن أُريد به النصف الصحيح فلا محالة يراد بالتجاوز عن النصف في المرسل و كلام الأصحاب بعد الشوط الرابع و إتمامه، و إن أُريد به النصف الحقيقي الكسري أي ثلاثة و نصف فيبعّده أنّ التعبير بالوصول إلى الركن الثالث كان أسهل و أولى، فانّ النصف الحقيقي الكسري هو الوصول إلى الركن الثالث سواء أ كانت المسافة بينه و بين الكعبة‌

____________

(1) في ص 8.

11

[مسألة 286: إذا شكّ في الطهارة قبل الشروع في الطّواف أو في أثنائه]

مسألة 286: إذا شكّ في الطهارة قبل الشروع في الطّواف أو في أثنائه، فإن علم أنّ الحالة السابقة كانت هي الطهارة و كان الشك في صدور الحدث بعدها لم يعتن بالشك و إلّا وجبت عليه الطهارة و الطّواف أو استئنافه بعدها (1).

____________

قليلة أو كثيرة، فإنّ الطّواف حول الكعبة على نحو الدائرة و الوصول إلى الركن الثالث هو النصف على كل تقدير.

فعلى الاحتمال الأوّل لا بدّ من الإعادة و الاستئناف لعدم إتمام الشوط الرابع، و على الاحتمال الثاني لا حاجة إلى الإعادة بل يبني على طوافه، فمقتضى الاحتمالين و عدم ترجيح أحدهما على الآخر هو الجمع بين الأمرين بأن يتم طوافه من حيث قطع بعد الطهارة ثمّ يأتي بطواف آخر. و يجزئ عن الاحتياط المذكور أن يأتي بطواف كامل يقصد به الأعم من التمام و الإتمام، فإن كان المطلوب هو التمام فقد أتى به و لا عبرة بما تقدم منه، و إن كان المطلوب هو الإتمام فقد حصل و يكون الزائد لغواً.

و ممّا يؤيِّد أنّ العبرة في النصف بالنصف الصحيح خبر إبراهيم بن إسحاق عمن سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) «عن امرأة طافت أربعة أشواط و هي معتمرة ثمّ طمثت، قال: تتم طوافها و ليس عليها غيره و متعتها تامّة، و لها أن تطوف بين الصفا و المروة، لأنّها زادت على النصف و قد قضت متعتها، فلتستأنف بعد الحج، و إن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج» الحديث (1) فقد جعل الثلاثة مقابل الأربعة لا الثلاثة و النصف، فيعلم أنّ النصف لوحظ باعتبار العدد الصحيح و هو الأربعة.

(1) من شكّ في الطهارة فقد يفرض أنّه مسبوق بالطهارة فلا ريب أنّه محكوم بالطهارة لاستصحابها، لصحيح زرارة المعروف الدال على استصحاب الطهارة (2) سواء كان الشك في الأثناء أو بعده أو قبله، و قد يفرض أنّه مسبوق بالحدث‌

____________

(1) الوسائل 13: 455/ أبواب الطّواف ب 85 ح 4.

(2) الوسائل 1: 245/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 و غيره.

12

..........

____________

فاستصحاب الحدث يجري على كل تقدير، و قد يفرض أنّه من باب توارد الحالتين و يشك في السابق و اللّاحق و هذا على صور:

أحدها: أن يشك بعد الفراغ من الطّواف ففي مثله يحكم بالصحّة لقاعدة الفراغ لجريانها في جميع الموارد و لا خصوصية لها بالصلاة.

و نقل في الجواهر (1) عن كاشف اللثام (2) الحكم بالبطلان، و لا وجه له أصلًا و هو أعرف بما قال.

ثانيها: أن يشك قبل الطّواف فحينئذ لا بدّ من الطهارة لعدم إحرازها في العمل المشترط بها، سواء قلنا بجريان استصحابي الطهارة و الحدث و تساقطهما أو قلنا بعدم جريانهما أصلًا كما عن المحقق صاحب الكفاية (3).

ثالثها: أن يشك في الأثناء، المعروف هو البطلان لعدم إحراز الطهارة و هو الصحيح، و احتمل في الجواهر الصحّة بالنسبة إلى الأشواط السابقة و يتطهّر لما بقي من أشواطه نظير الشك في الطهارة بين صلاتي الظهر و العصر فإنّه يحكم بصحّة الظهر و عدم الالتفات إلى الشك و يجب الوضوء للعصر مع أنّ العصر مترتب على الظهر، و قال (قدس سره) و لكن لم أجد من احتمله في المقام (4).

و يرد عليه بالفرق بين صلاتي الظهر و العصر و بين الطّواف، و لا يمكن إجراء قاعدة الفراغ في المقام، و لا يقاس بباب الظهر و العصر، و الوجه أن صحّة العصر لا تتوقف على صحّة الظهر واقعاً فانّ الترتيب بينهما ذكرى، فلو كان الظهر فاسداً واقعاً صحّ عصره فلا مانع من بطلان ظهره واقعاً و صحّة عصره واقعاً.

____________

(1) الجواهر 19: 273.

(2) كشف اللثام 5: 411.

(3) كفاية الأُصول: 421.

(4) الجواهر 19: 273.

13

[مسألة 287: إذا شكّ في الطهارة بعد الفراغ من الطّواف لم يعتن بالشك]

مسألة 287: إذا شكّ في الطهارة بعد الفراغ من الطّواف لم يعتن بالشك (1) و إن كانت الإعادة أحوط، و لكن تجب الطهارة لصلاة الطّواف (2).

____________

(1) لقاعدة الفراغ، و قد عرفت عدم اختصاصها بالصلاة، و لكن تجب الطهارة لصلاة الطّواف لاعتبار إحراز الطهارة فيها.

(2) قد تحصّل من مجموع ما ذكرنا: أنّه إذا شكّ في الطهارة قبل الشروع في الطّواف، فان علم أنّ الحالة السابقة كانت هي الطهارة فهو محكوم بالطهارة لاستصحابها، و إن علم أنّ الحالة السابقة هي الحدث فهو محكوم بالحدث لاستصحابه و تجب عليه الطهارة، و إن كان المورد من باب توارد الحالتين و لم يعلم السابق و اللّاحق تجب عليه الطهارة أيضاً، و إن شكّ في الطهارة بعد الفراغ من الطّواف يحكم له بصحّة الطّواف على جميع التقادير لقاعدة الفراغ.

هذا كلّه بالنسبة إلى الطّواف، و أمّا بالنسبة إلى صلاة الطّواف فلا يمكن الحكم بصحّتها بجريان قاعدة الفراغ في الطّواف، و تفصيل ذلك: أنّه إذا كانت الحالة السابقة هي الطهارة فلا حاجة إلى طهارة جديدة بل يستصحبها و يصلّي صلاة الطّواف و إن كانت الحالة السابقة هي الحدث أو كان المورد من توارد الحالتين و لم يعلم السابق و اللّاحق فلا بدّ له من الطهارة لصلاة الطّواف لاعتبار الطهارة فيها و لا بدّ من إحرازها، و قاعدة الفراغ الجارية في الطّواف إنّما تثبت صحّة العمل السابق الّذي مضى، و أمّا العمل اللّاحق فلا بدّ من إحراز شرائطه.

و بعبارة اخرى: قاعدة الفراغ لا تثبت أنّ الطّواف كان عن طهارة، و إنّما تثبت صحّة الطّواف و العمل السابق و لا تتكفل صحّة العمل اللّاحق.

ثمّ إنّه قد يفرض أنّ المكلّف كان محدثاً بالحدث الأصغر و يشك في أنّه توضأ أم لا، ففي مثل ذلك تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطّواف، و يجب عليه الوضوء للصلاة لاشتراطها بالطهارة.

14

..........

____________

و قد يفرض أنّ الحالة السابقة كانت هي الحدث الأكبر كالجنابة و طاف ثمّ بعد الطّواف يشك في أنّه اغتسل أوّلًا و طاف أم لم يغتسل، ففي ذلك قد يفرض أنّه لم يحدث بالحدث الأصغر و إنّما الصادر منه الحدث الأكبر فقط، فهنا لا شك في جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطّواف و يغتسل لصلاة الطّواف بمقتضى استصحاب الجنابة مثلًا، و قد عرفت أن قاعدة الفراغ لا تثبت أنّ الطّواف كان مع الغسل و إنّما تثبت صحّة الطّواف فقط.

و قد يفرض أنّه أحدث بالحدث الأصغر بعد الطّواف، ففي مثل ذلك لا يمكن جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الطّواف و لا يمكن الحكم بصحّة طوافه، بل لا بدّ له من إعادة الطّواف، و كذا يجب عليه الجمع بين الوضوء و الغسل لصلاة الطّواف، و الوجه في ذلك:

أنّه يعلم إجمالًا إمّا بعدم صحّة جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الحدث الأكبر و إمّا بعدم جريان قاعدة الفراغ، لأنّ المفروض أنّه أحدث بالحدث الأصغر فمقتضى جريان الاستصحاب أنّه بالفعل مجنب و لا بدّ له من الغسل و لا أمر له بالوضوء، إلّا أنّ المفروض أنّه أحدث بالحدث الأصغر، فإن كان في الواقع جنباً بالفعل فطوافه باطل لأنّه وقع حال الجنابة، و إن لم يكن جنباً بالفعل فوظيفته الوضوء لا الغسل فليس له أن يغتسل و يصلّي صلاة الطّواف فاذا اغتسل و صلّى يعلم إجمالًا إمّا ببطلان الطّواف أو ببطلان الصلاة، لأنّه على تقدير صحّة طوافه واقعاً فهو مأمور بالوضوء للصلاة فعلًا، لأنّه قد أحدث بالحدث الأصغر، فالجمع بين جريان الاستصحاب و الاغتسال لصلاة الطّواف و بين الحكم بصحّة الطّواف السابق غير ممكن، فإن أحدهما خلاف الواقع يقيناً، يعني لو اغتسل و صلّى يعلم إمّا ببطلان الصلاة أو الطّواف، لأنّه إذا كان مغتسلًا سابقاً فصلاته باطلة، لأنّ وظيفته الوضوء لا الغسل، و إن كانت الجنابة باقية و لم يكن مغتسلًا قبلًا فالطواف باطل فهو عالم جزماً ببطلان أحد العملين إمّا يجب عليه الوضوء للصلاة أو يجب عليه إعادة الطّواف لبطلانه، فالجمع بين استصحاب بقاء الجنابة و الاغتسال للصلاة و بين الحكم بصحّة الطّواف السابق ممّا لا يمكن، فقاعدة الفراغ تسقط للمعارضة، فإذا سقطت القاعدة تصل النوبة إلى قاعدة‌

15

[مسألة 288: إذا لم يتمكن المكلّف من الوضوء يتيمم و أتى بالطواف]

مسألة 288: إذا لم يتمكن المكلّف من الوضوء يتيمم (1) و أتى بالطواف، و إذا لم يتمكّن من التيمم أيضاً جرى عليه حكم من لم يتمكّن من أصل الطّواف. فاذا حصل له اليأس من التمكّن لزمته الاستنابة للطواف، و الأحوط الأولى أن يأتي هو أيضاً بالطواف من غير طهارة.

____________

الاشتغال، لأنّه يشك في الامتثال، كما أنّه يجب عليه الجمع بين الوضوء و الغسل لإحراز الطهارة لعدم العلم بحاله و أنّه جنب أو غير جنب، فيعلم إجمالًا بوجوب أحد الأمرين، و من جهة لزوم إحراز الطهارة لا بدّ من الجمع بينهما، فالشك بعد الفراغ محكوم بعدم الاعتناء في غير هذا المورد الّذي يكون معه علم إجمالي ببطلان العمل السابق أو اللّاحق، فإنّه إذا فرضنا أنّ الجنب أحدث بالأصغر بعد الطّواف ليس له الاكتفاء بالغسل اعتماداً على استصحاب الجنابة، و يأتي بصلاة الطّواف عن غسل، لأنّه مستلزم للعلم بالمخالفة، فتدبر فان هذه نكتة لم أر من تنبّه إليها.

(1) لأنّ التراب أحد الطهورين و هو بمنزلة الوضوء، و المعتبر في الطّواف هو الطهارة، و الواجد للماء طهارته الوضوء و الفاقد له طهارته التيمم، و إذا لم يتمكن من التيمم أيضاً فهو فاقد الطهورين فهو في الحقيقة غير متمكن من الطّواف، لأن عدم التمكن من الشرط موجب لعدم التمكن من المشروط فتصل النوبة إلى الاستنابة، لما سيأتي (1) أنّ الطّواف تجب فيه المباشرة و إلّا فيستنب.

و بتعبير آخر: أنّ العمل بعهدة المكلف و لكن يقوم به تارة بالمباشرة و أُخرى بالتسبيب بحمله و إطافته، و إن لم يتمكن من ذلك أيضاً يطاف عنه، فهذه مراتب الطّواف كما في صحيحة معاوية بن عمار (2)، و لكن في المقام لا مجال للإطافة به، لأنّ المفروض أنّه قادر على إتيان نفس العمل و لكن لا يتمكن من إتيانه مع الطهارة فينتهي الأمر إلى الاستنابة.

____________

(1) في الصفحة 97 ذيل المسألة 326.

(2) الوسائل 13: 390/ أبواب الطّواف ب 47 ح 4، 6.

16

..........

____________

و يحتمل بعيداً سقوط الطهارة في الطّواف كما احتمل في الصلاة بأن يصلّي بلا طهور و هكذا المقام يطوف بلا طهارة. و هذا الاحتمال ساقط جدّاً، لأن ظاهر الأدلّة هو الاشتراط على الإطلاق للقادر و العاجز.

نعم، لا بأس بالاحتياط بأن يطوف بلا طهارة و يستنيب فيما إذا كان الحدث حدثاً أصغر.

و حكى في الجواهر عن الفخر عن والده (قدس سره) أنّه لا يرى إجزاء التيمم فيه بدلًا عن الغسل، لعدم مشروعية التيمم للجنب من أجل الدخول في المسجدين و لا اللّبث في سائر المساجد، و مقتضى ذلك عدم مشروعيته للطواف لاستلزامه الدخول و اللّبث في المسجد (1).

و يندفع بأنّ التيمم للطواف نفسه لا للدخول في المسجد نظير التيمم للصلاة فيكون متطهراً فيجوز له الدخول في المسجد للصلاة.

هذا مضافاً إلى ما ذكرناه في باب التيمم (2) من قيام الطهارة الترابية مقام المائية فإنّ الطهارة الترابية لها نفس الخصوصية المائية الثابتة لها فلا موجب للاستنابة، نعم هو أحوط.

و إن لم يتمكن من التيمم يتعين عليه الاستنابة لحرمة دخول الجنب في المسجد و الاحتياط بالطواف من غير طهارة غير جار في المقام.

فظهر أنّ المكلف إذا كان محدثاً بالحدث الأصغر و لم يتمكن من الوضوء يتيمم و يأتي بالطواف، و إن لم يتمكن من التيمم أيضاً يستنيب، و الأحوط استحباباً أن يأتي هو أيضاً بالطواف من غير طهارة، و أمّا إذا كان محدثاً بالحدث الأكبر فيتعيّن عليه الاستنابة و لا يجوز له الدخول في المسجد و لا يحتاط بالطواف بنفسه. و هكذا الحال في الحائض و النفساء إذا تعذر الاغتسال.

____________

(1) الجواهر 19: 270.

(2) في المسألة [1148].

17

[مسألة 289: يجب على الحائض و النفساء بعد انقضاء أيّامهما و على المجنب الاغتسال للطواف]

مسألة 289: يجب على الحائض و النفساء بعد انقضاء أيّامهما و على المجنب الاغتسال للطواف، و مع تعذر الاغتسال و اليأس من التمكن منه يجب الطّواف مع التيمم و الأحوط الأُولى حينئذ الاستنابة أيضاً، و مع تعذر التيمم تتعين عليه الاستنابة (1).

[مسألة 290: إذا حاضت المرأة في عمرة التمتّع حال الإحرام أو بعده]

مسألة 290: إذا حاضت المرأة في عمرة التمتّع حال الإحرام أو بعده و قد وسع الوقت لأداء أعمالها صبرت إلى أن تطهر فتغتسل و تأتي بأعمالها، و إن لم يسع الوقت فللمسألة صورتان:

الاولى: أن يكون حيضها عند إحرامها أو قبل أن تحرم ففي هذه الصورة ينقلب حجها إلى الافراد، و بعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة المفردة إذا تمكّنت منها.

الثانية: أن يكون حيضها بعد الإحرام، ففي هذه الصورة تتخير بين الإتيان بحج الافراد كما في الصورة الأُولى، و بين أن تأتي بأعمال عمرة التمتّع من دون طواف، فتسعى و تقصّر ثمّ تحرم للحج، و بعد ما ترجع إلى مكّة بعد الفراغ من أعمال منى تقضي طواف العمرة قبل طواف الحج، و فيما إذا تيقنت ببقاء حيضها و عدم تمكّنها من الطّواف حتّى بعد رجوعها من منى استنابت لطوافها ثمّ أتت بالسعي بنفسها. ثمّ إنّ اليوم الّذي يجب عليها الاستظهار فيه بحكم أيّام الحيض فيجري عليها حكمها (2).

____________

(1) قد ذكرنا حكم هذه المسألة في ضمن بيان حكم المسألة السابقة.

(2) يطرأ الحيض تارة قبل الطّواف و أُخرى في أثنائه و ثالثة بعده.

ثمّ إنّه قد يفرض أنّها متمكّنة من إتيان الطّواف مع الاغتسال كما إذا حاضت المرأة في سعة الوقت، و قد يفرض أنّها غير متمكّنة من الطّواف مع الطهارة كما إذا ضاق الوقت عن إتيان الطّواف متطهرة فهذه صور تذكر في ضمن مسائل.

18

..........

____________

الأُولى: ما إذا طرأ الحيض قبل الطّواف، سواء حاضت حال الإحرام أو بعده و فرضنا سعة الوقت لأداء أعمالها، فلا ريب في أنّه يجب عليها الصبر إلى أن تطهر و تغتسل و تأتي بأعمالها.

و أمّا إذا لم يسع الوقت فالمعروف و المشهور أنّها تعدل إلى حج الإفراد. و قيل بالتخيير بين العدول إلى الافراد و بين ترك الطّواف و الإتيان بالسعي، ثمّ الإتيان بأعمال الحج و قضاء طواف العمرة بعد ذلك.

و هنا أقوال أُخر ذكرناها في شرح كتاب العروة في المسألة الرابعة من فصل صورة حجّ التمتّع (1) و القول المشهور هو الصحيح في بعض الفروض فإنّ الحائض على قسمين:

أحدهما: أن يكون حيضها عند إحرامها أو قبل أن تحرم.

ثانيهما: ما إذا طرأ الحيض بعد الإحرام.

أمّا الأوّل: فوظيفتها ما ذكره المشهور من انقلاب حجّها إلى الافراد و بعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة المفردة.

و أمّا الثاني: فهي مخيّرة بين العدول إلى الافراد و تأتي بعمرة مفردة، و بين أن تترك الطّواف و تبقى على عمرتها و تسعى و تقصر ثمّ تحرم للحج، و بعد أداء المناسك تقضي طواف العمرة ثمّ تأتي بطواف الحج، و الوجه في هذا التفصيل ما ذكرناه مبسوطاً في شرح كتاب العروة (2) و ملخّصه: أنّ الروايات الواردة في المقام على أقسام:

فمنها: ما دلّ على العدول إلى الافراد من دون تفصيل بين حدوث الحيض عند الإحرام أو طروئه بعد الإحرام، و هي صحيحة جميل «عن المرأة الحائض إذا قدمت مكّة يوم التروية، قال: تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها حجّة، ثمّ تقيم حتّى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتجعلها عمرة» (3).

____________

(1) شرح العروة 27: 242 المسألة [3211].

(2) المصدر السابق.

(3) الوسائل 11: 296/ أبواب أقسام الحج ب 21 ح 2.

19

..........

____________

و منها: ما دلّ على أن وظيفتها حجّ الافراد و لكن موردها حدوث الحيض من أوّل الإحرام، و هي صحيحة زرارة و معاوية بن عمار الواردتان في قضية نفاس أسماء بنت عميس حين أرادت الإحرام من ذي الحليفة (1).

و هاتان الطائفتان لا معارض لهما، فيتعيّن عليها العدول في هذا الفرض، أي ما إذا كان الحيض قبل الإحرام.

و أمّا إذا طرأ الحيض بعد الإحرام و قبل الطّواف فالروايات مختلفة، ففي مصححة إسحاق «عن المرأة تجي‌ء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتّى تخرج إلى عرفات قال: تصير حجّة مفردة، قلت: عليها شي‌ء؟ قال: دم تهريقه و هي أُضحيتها» (2).

و بإزائها روايات تدل على بقائها على عمرتها و قضاء الطّواف و الصلاة بعد أداء المناسك، منها صحيحة العلاء و عجلان (3) فهاتان الطائفتان متنافيتان و لا بدّ من العلاج بينهما، فان بنينا في أمثال هذه الموارد ممّا أُمر المكلّف بشيئين و علمنا من الخارج بأنّ الواجب عليه أحدهما كالأمر بالقصر و التمام في مورد واحد على التعارض فاللّازم إعمال قواعد التعارض. و إن قلنا بعدم التعارض و أن لهما جمعاً عرفياً فلا بدّ من العمل بهما.

و الظاهر إمكان الجمع بينهما و هو قاض بالتخيير، لأن أصل الوجوب مستفاد من النص و لا يمكن رفع اليد عن وجوب كل منهما، و أمّا وجوب كل منهما على سبيل التعيين فيستفاد من إطلاق كل من الخبرين، فنرفع اليد عن إطلاق كل منهما بنص الآخر، و نتيجة ذلك هي التخيير فيعمل بكل من الخبرين.

و لو قلنا بالتعارض فيسقطان معاً فيرجع إلى صحيح جميل الدال على العدول مطلقاً، فليس لها الاكتفاء بإتيان بعض أعمال العمرة و تأخير الطّواف.

____________

(1) الوسائل 13: 462/ أبواب الطّواف ب 91 ح 1 و الوسائل 12: 401/ أبواب الإحرام ب 49 ح 1.

(2) الوسائل 11: 299/ أبواب أقسام الحج ب 21 ح 13.

(3) الوسائل 13: 448/ أبواب الطّواف ب 84 ح 1، 2.

20

[مسألة 291: إذا حاضت المحرمة أثناء طوافها]

مسألة 291: إذا حاضت المحرمة أثناء طوافها فالمشهور على أن طروء الحيض إذا كان قبل تمام أربعة أشواط بطل طوافها، و إذا كان بعده صحّ ما أتت به و وجب عليها إتمامه بعد الطّهر و الاغتسال، و الأحوط في كلتا الصورتين أن تأتي بطواف كامل تنوي به الأعم من التمام و الإتمام. هذا فيما إذا وسع الوقت، و إلّا سعت و قصّرت و أحرمت للحج، و لزمها الإتيان بقضاء طوافها بعد الرجوع من منى و قبل طواف الحج على النحو الّذي ذكرناه (1).

____________

هذا كلّه إذا تمكّنت من إتيان بقية أعمال العمرة من السعي و التقصير، و أمّا إذا فرضنا أنّها لا تتمكّن من ذلك لعدم سعة الوقت للسعي و عدم صبر الرفقة فيفوت منها الوقوف، فوظيفتها العدول إلى الافراد كما في صحيح مرازم (1) و غيره، فان مقتضى الجمع بين الروايات أنّ المناط في العدول و عدمه درك الوقوف الاختياري لعرفة و عدمه، و هذا من دون فرق بين الحائض و غيرها من ذوي الأعذار.

(1) هذه الصورة الثانية: و هي ما إذا طرأ الحيض أثناء الطّواف، فقد ذهب المشهور إلى بطلان طوافها إذا طرأ الحيض قبل إتمام الشوط الرابع، و يجب عليها الاستئناف. و ذهب الصدوق إلى أنّها تعتد بما مضى و بعد الطّهر تأتي ببقية الأشواط (2) و هذه الصورة لها أقسام يظهر حكمها في ضمن مسائل:

المسألة الأُولى: ما إذا حاضت المرأة قبل إتمام الشوط الرابع و تتمكن من الإتمام أو الاستئناف.

الثانية: نفس الصورة و لكن المفروض أنّها لا تتمكن من الاستئناف أو الإتمام.

الثالثة: ما إذا حاضت بعد الأربعة.

أمّا المسألة الأُولى: كما إذا فرضنا أنّها حاضت في أوّل ذي الحجة و عادتها خمسة‌

____________

(1) الوسائل 11: 295/ أبواب أقسام الحج ب 20 ح 14، و الوسائل 11: 296/ أبواب أقسام الحج ب 21.

(2) الفقيه 2: 241.

21

..........

____________

أيّام أو ستّة، فقد ذهب المشهور إلى البطلان في هذا القسم و أن عليها الاستئناف خلافاً للصدوق (قدس سره) (1)، فإنّه ذهب إلى الصحّة و أنّها تعتد بالأشواط السابقة و عليها الإتمام بعد الطهر، بل ذهب إلى الصحّة حتّى إذا طرأ الحيض قبل الشوط الرابع، و منشأ الاختلاف اختلاف الروايات، فقد استدلّ للمشهور بعدّة روايات:

منها: ما رواه الصدوق عن إبراهيم بن إسحاق عمّن سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) «عن امرأة طافت أربعة أشواط و هي معتمرة ثمّ طمثت، قال: تتم طوافها إلى أن قال و إن هي لم تطف إلّا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج» (2).

رواه الشيخ باختلاف يسير عن إبراهيم بن أبي إسحاق عن سعيد الأعرج كما في التهذيب (3). و عن إبراهيم عن أبي إسحاق عمّن سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) كما في الاستبصار (4)، فإنّها تدل على فساد الأشواط الثلاثة و عدم جواز إتمامها بالأشواط الأربعة بعد الطهر، كما أنّ التعليل بقوله: «لأنّها زادت على النصف» تدل على البطلان قبل التجاوز من النصف.

و الرواية ضعيفة على كلا الطريقين بإبراهيم الواقع في السند، فإنّه إن كان هو النهاوندي الأحمري فهو ضعيف، و إن كان غيره فهو مجهول، مضافاً إلى الإرسال في طريق الصدوق، و إلى وقوع محمّد بن سنان في طريق الشيخ.

و منها: ما رواه الشيخ عن أبي إسحاق صاحب اللؤلؤ قال «حدثني من سمع أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: في المرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثمّ حاضت فمتعتها تامّة و تقضي ما فاتها من الطّواف» (5) و رواه الكليني بطريق آخر عن إسحاق بيّاع اللؤلؤ (6).

____________

(1) تقدّم مصدره في الصفحة السابقة.

(2) الوسائل 13: 455/ أبواب الطّواف ب 85 ح 4، الفقيه 2: 241/ 1155.

(3) التهذيب 5: 393/ 1371.

(4) الاستبصار 2: 313/ 1112.

(5) الوسائل 13: 456/ أبواب الطّواف ب 86 ح 2، التهذيب 5: 393/ 1370.

(6) الكافي 4: 449/ 4.

22

..........

____________

و الرواية بمفهومها تدل على فساد متعتها إذا كان الطّواف أقل من الأربعة. و لكنّها ضعيفة بالإرسال و بإسحاق أو بأبي إسحاق صاحب أو بيّاع اللؤلؤ.

على أن مورد الرواية ما إذا لم تتمكن الحائض من استئناف الطّواف قبل الحج و كلامنا في من تمكنت من الاستئناف.

و منها: ما رواه الكليني عن أحمد بن محمّد عمن ذكره عن أحمد بن عمر الحلال عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثمّ اعتلت قال: إذا حاضت المرأة و هي في الطّواف بالبيت أو بالصفا و المروة و جاوزت النصف علمت ذلك الموضع الّذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطّواف من أوّله» (1).

و منها: رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «إذا حاضت المرأة و هي في الطّواف بالبيت و بين الصفا و المروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك الموضع، فاذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الّذي علمته، فإن هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطّواف من أوّله» (2).

و هما و إن كانتا واضحتي الدلالة على فساد الطّواف إذا طرأ الحيض قبل الأربعة أشواط و قبل التجاوز من النصف، و ليس موردها عدم التمكن من الاستئناف، و لكنهما ضعيفتان سنداً، أمّا الأُولى فبالإرسال و الثانية بسلمة بن الخطاب. فاذن لا مدرك للمشهور.

و أمّا الصدوق فلم يذكر إلّا مرسلة إبراهيم بن إسحاق المتقدمة و صحيحة محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل من ذلك ثمّ رأت دماً، فقال: تحفظ مكانها، فاذا طهرت طافت منه و اعتدت بما مضى» (3) ثمّ قال (قدس سره): و بهذا الحديث افتي لأنّه رخصة و رحمة و إسناده‌

____________

(1) الوسائل 13: 454/ أبواب الطّواف ب 85 ح 2، الكافي 4: 449/ 3.

(2) الوسائل 13: 453/ أبواب الطّواف ب 85 ح 1.

(3) الوسائل 13: 454/ أبواب الطّواف ب 85 ح 3.

23

..........

____________

متصل، و أمّا الحديث الأوّل أي مرسل إبراهيم بن إسحاق فإسناده منقطع (1).

فمذهب الصدوق هو الصحّة سواء حاضت المرأة بعد النصف أو قبله اعتماداً على صحيح ابن مسلم.

و قد ذكر الشيخ هذه الصحيحة و قال إنّها محمولة على النافلة (2) لما تقدّم منه (3)، أن طواف الفريضة متى نقص عن النصف يجب على صاحبه استئنافه من أوّله و يجوز له في النافلة البناء عليه.

و توضيح ما ذكره الشيخ: انّه قد تقدّم (4) انّه متى نقص طواف الفريضة عن النصف و أحدث الطائف و خرج ليتوضأ بطل طوافه.

و إذا كان بعد النصف اعتد بما مضى و بنى عليه و المسألة غير خلافية.

و ذكرنا أنّ ذلك كثير الابتلاء و التحقق في الخارج فإذا بطل الطّواف بالحدث الأصغر يبطل بالحيض بالأولوية القطعية فإنّه لا يقصر عن النوم أو الريح، على أنّ الفصل بالحيض لا يخلو من سائر الأحداث.

مضافاً إلى ذلك أنّه يكفي في البطلان عدم التوالي و الفصل الكثير بين الأشواط لأنّ الحيض أقلّه ثلاثة أيّام، فالروايات الدالّة على بطلان الطّواف بالحدث تكون قرينة على حمل هذه الصحيحة على طواف النافلة، فما ذكره الشيخ من الحكم بالبطلان هو الصحيح.

المسألة الثانية: نفس المسألة السابقة مع عدم سعة الوقت لإتمام الطّواف أو استئنافه و هذه المسألة تدخل في المسألة الّتي تقدّمت و هي ما إذا حاضت المرأة قبل الإحرام و لا تتمكّن من الطّواف إلى أن يبلغ زمان الحج، و ظاهر كلام الصدوق هو الصحّة و الاعتداد بما مضى حتّى في هذه الصورة، فإنّ الظاهر من ذكره صحيح ابن‌

____________

(1) الفقيه 2: 241.

(2) التهذيب 5: 397/ 1380.

(3) في التهذيب 5: 117 بَعد الحديث 383.

(4) في ص 6.

24

..........

____________

مسلم و الإفتاء بمضمونه و عدم العمل بمرسلة إسحاق هو الحكم بالإتمام و الاعتداد في كلتا الصورتين، كانت متمكنة من الإتمام أم لا.

و لكن لا يخفى أنّه لا يمكن الالتزام بما ذكره أصلًا حتّى لو فرضنا ورود صحيح ابن مسلم في طواف الفريضة، فإن غاية ما يستفاد من الصحيحة عدم مانعية الحيض و عدم اعتبار التوالي بين الأشواط، و أمّا جواز الإتمام حتّى بعد أعمال الحج فلا يستفاد منها، بل ذلك يحتاج إلى دليل آخر.

و بعبارة اخرى كلامنا في مقامين: أحدهما: في مانعية الحيض. ثانيهما: في جواز التبعيض و عدم التوالي، و لا يستفاد الثاني من صحيح ابن مسلم، بل تدخل المسألة في مسألة عدم تمكّن الحائض من الطّواف برأسه، فلو وافقنا الصدوق في الصورة الأُولى و هي تمكن الحائض من الإتمام لا نوافقه في هذه الصورة و هي عدم تمكنها من الإتمام.

المسألة الثالثة: ما إذا طرأ الحيض بعد أربعة أشواط.

المعروف بينهم أن عمرتها تامّة، لأنّ الحيض حدث بعد تجاوز النصف فتأتي بالبقيّة بعد الطّهر، و استدلّوا بالروايات المتقدمة (1) كرواية إبراهيم بن إسحاق و أحمد بن عمر الحلال، و لكن قد عرفت أنّ الروايات كلّها ضعيفة، فإن قلنا بالانجبار فهو، و إلّا فتدخل المسألة في المسألة المتقدمة، و هي ما إذا حاضت المرأة قبل الطّواف، فنقول: إنّ الوقت إذا كان واسعاً كما لو فرضنا أنّ المرأة حاضت في شهر ذي القعدة، فالأحوط لها أن تجمع بين الاستئناف لحصول الفصل و عدم التوالي و بين الإتمام، و لها أن تأتي بطواف كامل تنوي به الأعم من التمام و الإتمام، و لا تصل النوبة إلى العدول إلى الإفراد.

و أمّا إذا ضاق الوقت فالمشهور أيضاً الصحّة، فتتم طوافها بعد أعمال الحج و الرجوع إلى مكّة، و لكنّ الأظهر هو البطلان و تدخل المسألة أيضاً في المسألة السابقة، و هي ما إذا حاضت بعد الإحرام و لم تتمكّن من الإتيان بالعمرة قبل الحج.

و المختار عندنا فيها هو التخيير بين أن تعدل إلى الإفراد و بين أن تسعى و تقصّر‌

____________

(1) في ص 21، 22.

25

[مسألة 292: إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطّواف و قبل الإتيان بصلاة الطّواف]

مسألة 292: إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطّواف و قبل الإتيان بصلاة الطّواف صحّ طوافها و أتت بالصلاة بعد طهرها و اغتسالها، و إن ضاق الوقت سعت و قصّرت و قضت الصلاة قبل طواف الحج (1).

____________

و تقضي الطّواف بعد أداء مناسك الحج، و الأحوط لها هو الإتمام و الاستئناف على النحو الّذي مرّ.

(1) هذه هي الصورة الثالثة، و هي طروء الحيض بعد الفراغ من الطّواف، و قد حكم فيها بالصحّة، إذ لا موجب لبطلانه بالحيض اللّاحق، فإنّه بعد ما قيل بأن حدوث الحيض بعد أربعة أشواط لا يوجب البطلان و تكمل بقية الأشواط بعد أعمال الحج، فجواز تأخيرها الصلاة أولى، لأن كلّا منهما عمل مستقل، و إن لم نقل بذلك كما هو الصحيح عندنا فمقتضى القاعدة أيضاً عدم البطلان، إذ لا مقتضي لبطلانه بالحيض الطارئ بعده.

نعم، يتحقق الفصل بين الطّواف و الصلاة، و لا مانع إذا كان بأمر غير اختياري، كما إذا عجز من الصلاة كالمريض و الكسير فتأتي بالصلاة بعد ارتفاع الحيض، و إن لم يسع الوقت فتسعى و تقصّر و تأتي بالصلاة بعد أعمال الحج كما هو الحال في قضاء الطّواف.

و أمّا احتمال العدول إلى الإفراد فساقط جزماً، لأنّ أدلّة العدول وردت في من لا يتمكّن من الطّواف لا الصلاة.

و يكفينا في الحكم المزبور صحيح زرارة قال: «سألته عن امرأة طافت بالبيت فحاضت قبل أن تصلِّي الركعتين، فقال: ليس عليها إذا طهرت إلّا الركعتين و قد قضت الطّواف» (1).

و نحوها صحيح معاوية بن عمار (2) فان مورده و إن كان حدوث الحيض قبل السعي و لكن إطلاقه يشمل قبل الصلاة و بعدها.

____________

(1) الوسائل 13: 458/ أبواب الطّواف ب 88 ح 1.

(2) الوسائل 13: 459/ أبواب الطّواف ب 89 ح 1.

26

[مسألة 293: إذا طافت المرأة و صلّت ثمّ شعرت بالحيض و لم تدر أنّه كان قبل الطّواف]

مسألة 293: إذا طافت المرأة و صلّت ثمّ شعرت بالحيض و لم تدر أنّه كان قبل الطّواف أو قبل الصلاة أو في أثنائها أو أنّه حدث بعد الصلاة، بنت على صحّة الطّواف و الصلاة (1) و إذا علمت أن حدوثه كان قبل الصلاة و ضاق الوقت، سعت و قصّرت و أخّرت الصلاة إلى أن تطهر و قد تمّت عمرتها.

____________

و يؤيّدهما رواية أبي الصباح الكناني (1) و المستفاد منها أنّ الحيض غير ضائر بالاتصال و لا يوجب البطلان، و قوله: «ليس عليها إلّا الركعتين» ظاهر في أنّ الطّواف طواف الفريضة.

بقي الكلام في أمرين: أحدهما: أنّه لا فرق بين كون الحيض ظاهراً و بين كونه واقعياً مخفياً كأيّام الاستظهار، فإنّ المرأة محكومة بالحيض في أيّام الاستظهار.

ثانيهما: ما ذكرناه للحائض من انقلاب حجتها إلى الإفراد أو تأخير الطّواف إلى ما بعد أعمال الحج و أداء المناسك مشروط بعدم تيقن المرأة ببقاء حيضها إلى زمان الخروج من مكّة، و أمّا إذا علمت ببقاء حيضها إلى زمان الخروج من مكّة، كما إذا حاضت في السابع من ذي الحجة و كانت عادتها عشرة أيّام و تعلم بأنّ القافلة لا تنتظرها هذا المقدار من الزمان، فلا ريب في أنّها غير مشمولة للروايات الدالّة على تأخير الطّواف و قضائه بعد أعمال الحج أو على الانقلاب إلى الإفراد، فإن موردها التمكن من قضاء الطّواف بعد الحج، أو التمكن من إتيان العمرة المفردة و الخروج إلى التنعيم، فاذا علمت ببقاء الحيض إلى زمان لا يتمكّن من الطّواف و لا من الخروج إلى التنعيم للعمرة المفردة فاللّازم عليها الاستنابة، و تدخل المرأة حينئذ في عنوان من لا يتمكّن من الطّواف برأسه كالمريض و الكسير و نحوهما، فتستنيب لجميع الطوافات الثلاثة.

(1) لقاعدة الفراغ، لأنّها تشك في صحّة العمل السابق و عدمها، و لو فرضنا أنّها‌

____________

(1) الوسائل 13: 458/ أبواب الطّواف ب 88 ح 2.

27

[مسألة 294: إذا دخلت المرأة مكّة و كانت متمكنة من أعمال العمرة]

مسألة 294: إذا دخلت المرأة مكّة و كانت متمكنة من أعمال العمرة و لكنّها أخّرتها إلى أن حاضت حتّى ضاق الوقت مع العلم و العمد، فالظاهر فساد عمرتها و الأحوط أن تعدل إلى حجّ الافراد و لا بدّ لها من إعادة الحج في السنة القادمة (1).

[مسألة 295: الطّواف المندوب لا تعتبر فيه الطهارة]

مسألة 295: الطّواف المندوب لا تعتبر فيه الطهارة (2) فيصح بغير طهارة، و لكن صلاته لا تصح إلّا عن طهارة.

____________

كانت غافلة حين العمل فالقاعدة لا تجري، و لكن يجري استصحاب عدم الحيض.

و ربّما يتوهّم معارضة استصحاب عدم الحيض باستصحاب عدم وقوع الطّواف أو الصلاة إلى زمان الحيض.

و فيه: أنّا قد ذكرنا في محله (1) أنّه لا مجال لهذا الاستصحاب، لأن استصحاب عدم وقوع الطّواف إلى زمان الحيض لا يثبت وقوع الطّواف حال الحيض إلّا بالمثبت فلا أثر لهذا الاستصحاب، فالاستصحاب الأوّل و هو استصحاب عدم الحيض جار بلا معارض و نحكم بالصحّة بضمّ الوجدان إلى الأصل، فإنّ الطّواف متحقق في الخارج وجداناً و الحيض مرتفع بالأصل.

(1) الظاهر فساد عمرتها في هذه الصورة، و كذا كل من أخّر الطّواف عالماً عامداً حتّى ضاق الوقت، و قد تقدّم (2) أن أدلّة الانقلاب و أدلّة جواز تأخير الطّواف لا تشمل التأخير العمدي، و إنّما تختص بالتأخير العذري، فعليه الحج من قابل، و الأحوط العدول إلى الافراد و إعادة الحج في السنة القادمة كما في المتن.

(2) للروايات المستفيضة منها: صحيحة محمّد بن مسلم «عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور، قال: يتوضأ و يعيد طوافه، و إن كان تطوّعاً توضأ‌

____________

(1) راجع مصباح الأُصول 3: 150 التنبيه الثامن: الأصل المثبت.

(2) في ص 3.

28

[مسألة 296: المعذور يكتفي بطهارته العذرية كالمجبور و المسلوس]

مسألة 296: المعذور يكتفي بطهارته العذرية كالمجبور و المسلوس، أمّا المبطون فالأحوط أن يجمع مع التمكّن بين الطّواف بنفسه و الاستنابة، و أمّا المستحاضة فالأحوط لها أن تتوضأ لكل من الطّواف و صلاته إن كانت الاستحاضة قليلة و أن تغتسل غسلًا واحداً لهما و تتوضأ لكل منهما إن كانت الاستحاضة متوسطة و أمّا الكثيرة فتغتسل لكل منهما من دون حاجة إلى الوضوء إن لم تكن محدثة بالأصغر، و إلّا فالأحوط ضمّ الوضوء إلى الغسل (1).

____________

و صلّى ركعتين» (1) إذ لا صلاة إلّا بطهور، و لم يرد في الطّواف ذلك، بل يجوز للمجنب و الحائض الطّواف فيما إذا كان دخولهما في المسجد أو اللبث فيه جائزاً لهما كموارد الضرورة و الخوف من الخروج، و إنّما لا يصح لهما الطّواف لحرمة الدخول عليهما، و لو لم يكن الدخول أو اللبث محرماً لا دليل على مانعية الجنابة و الحيض في الطّواف المندوب.

(1) الطهارة المعتبرة في الطّواف كالطهارة المعتبرة في الصلاة تشمل الطهارة الترابية و المائية بجميع مراتبها، كالوضوء أو الغسل الاختياري منهما أو الجبيري مثل الكسير و نحوه.

نعم، في خصوص المبطون كلام فقد ذكروا أنّه يستنيب في الطّواف و قال في الجواهر و لعل الفارق النص، و إلّا فالقاعدة تقتضي جواز الاكتفاء بالطهارة الاضطرارية كسائر ذوي الأعذار (2)، ففي روايات عديدة عمدتها صحيحة معاوية بن عمار أنّ المبطون يرمي و يطاف عنه، و يصلّى عنه (3) و لا ريب أنّ الأحوط له أن يطوف بنفسه مع الطهارة الاضطرارية، و أن يستنيب.

و لكن الظاهر كفاية طوافه بنفسه، لأنّ الظاهر من النصوص هو المبطون غير‌

____________

(1) الوسائل 13: 374/ أبواب الطّواف ب 38 ح 3.

(2) الجواهر 90: 271.

(3) الوسائل 13: 394/ أبواب الطّواف ب 49 ح 6.

29

..........

____________

القادر على الطّواف بنفسه كالمريض العاجز عن الطّواف بالمرة، و ذلك بقرينة عطف المبطون على الكسير في النص أوّلًا، فإنّ المراد بالكسير هنا الّذي يطاف عنه، من عجز عن الطّواف بالمرة، و لا نحتمل أن يكون المراد به مطلق الكسير حتّى الّذي يتمكّن من الطّواف كمن كسرت يده، و بقرينة عطف الرمي على الطّواف ثانياً مع أنّه لا يعتبر الطهارة في الرمي يعلم أنّ المراد بذلك من يعجز عن إتيان العمل، بل و من عطف الصلاة على الطّواف ثالثاً حيث يظهر أنّ المراد هو العاجز عن أداء الأعمال، و إلّا فمطلق المبطون غير عاجز عن الصلاة.

ثمّ إن شيخنا الأُستاذ في مناسكه عطف المسلوس على المبطون (1)، و لم يظهر لنا وجهه، فانّ المذكور في الروايات هو المبطون، فالواجب على المسلوس أن يعمل بوظيفته المقررة له و طهارته العذرية كافية.

و أمّا المستحاضة فلا شك في أنّه يجب عليها الطّواف، إذ لا مانع لها من الدخول في المسجد بعد أن تعمل بوظيفتها المقرّرة لها، و أمّا بالنسبة إلى اعتبار الطهارة في طوافها فقد ورد في صحيح عبد الرّحمٰن بن أبي عبد اللّٰه قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المستحاضة أ يطؤها زوجها و هل تطوف بالبيت؟ إلى أن قال وكل شي‌ء استحلّت به الصلاة فليأتها زوجها و لتطف بالبيت» (2) فانّ المستفاد منه أنّ الطهارة المعتبرة في الطّواف بعينها هي الطهارة المعتبرة في الصلاة، و أن ما يستحل به الصلاة يستحل به الطّواف، و أنّ الطّواف كالصلاة في الحاجة إلى الطهارة، فلا يجوز لها الإتيان بالطواف بلا طهارة من الوضوء أو الغسل، و حيث إنّ المستحاضة على أقسام و كيفية طهارتها مختلفة، فاللّازم عليها إتيان ما عليها من الوظائف المقررة لها في كل قسم لأجل الطّواف و صلاته، فان كانت قليلة فتتوضأ لكل من الطّواف و الصلاة.

____________

(1) دليل الناسك (المتن): 243.

(2) الوسائل 13: 462/ أبواب الطّواف ب 91 ح 3.

30

[الثالث من الأُمور المعتبرة في الطّواف]

الثالث من الأُمور المعتبرة في الطّواف: الطهارة من الخبث، فلا يصح الطّواف مع نجاسة البدن أو اللباس، و النجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الأقل من الدرهم لا تكون معفواً عنها في الطّواف على الأحوط (1).

____________

و أمّا المتوسطة فتغتسل غسلًا واحداً لهما و تتوضأ لكل منهما، و إن كانت كثيرة فتغتسل لكل من الطّواف و الصلاة و لا حاجة إلى الوضوء إن لم تكن محدثة بالأصغر و إلّا فتتوضأ أيضاً بناءً على المشهور، و لكن على المختار عندنا فلا حاجة إلى الوضوء لإغناء كل غسل عن الوضوء، و إن كان الأحوط ضمّ الوضوء إلى الغسل، فحال الطّواف حال الصلاة، بل لو فرضنا أن هذه الرواية الصحيحة لم تكن فالأمر كما بيّنا.

بيان ذلك: أن ابتلاء النِّساء بالاستحاضة كثير، و لا ريب أنّ الاستحاضة حدث و الطّواف غير ساقط عنها و يعتبر فيه الطهارة، و لم يذكر كيفية طهارة المستحاضة و طوافها في نصوص المقام مع كثرة الابتلاء بها، و لا يمكن إهمالها كما لم يهملوا كيفية طواف الحائض، فيعلم من هذه الأُمور و القرائن بعد ضم بعضها إلى بعض، أن حكم المستحاضة ما ذكرنا، و أن حال الطّواف حال الصلاة فتدبّر في المقام.

(1) المعروف بين الفقهاء اعتبار الطهارة من الخبث في البدن و اللباس، و عن ابن الجنيد كراهة الطّواف في ثوب أصابه الدم (1) و عن ابن حمزة كراهته مع النجاسة في ثوبه أو بدنه (2) و مال إليه في المدارك تضعيفاً للرواية الدالّة على ذلك (3).

أقول: النصوص الواردة في المقام ثلاثة:

أحدها: ما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه‌

____________

(1) حكاه عنه في المختلف 4: 213.

(2) الوسيلة: 173.

(3) المدارك 8: 117.

31

..........

____________

السلام) عن رجل يرى في ثوبه الدم و هو في الطّواف، قال: ينظر الموضع الذي رأى فيه الدم فيعرفه ثمّ يخرج و يغسله ثمّ يعود فيتم طوافه» (1) و الدلالة واضحة و لكن السند ضعيف بمحسن بن أحمد الواقع في السند، فإنّه ممن لم يوثق.

ثانيها: ما رواه الصدوق بإسناده عن يونس بن يعقوب قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رأيت في ثوبي شيئاً من دم و أنا أطوف، قال: فاعرف الموضع ثمّ اخرج فاغسله، ثمّ عد فابن على طوافك» (2) و دلالته تامّة، و أمّا السند فمعتبر عندنا لأنّ الحكم ابن مسكين الواقع في طريق الصدوق إلى يونس و إن لم يوثق في الرجال و لكنّه من رجال كامل الزيارات فيكون ثقة فتكون الرواية معتبرة، و لكن السيِّد صاحب المدارك حيث لا يرى وثاقته فيكون الخبر ضعيفاً عنده، و لذا استشكل في الحكم المزبور (3).

ثالثها: مرسل البزنطي عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله، فطاف في ثوبه، فقال: أجزأه الطّواف ثمّ ينزعه و يصلّي في ثوب طاهر» (4) و هو دال على عدم مانعية النجاسة و عدم اعتبار الطهارة و لكنّه غير قابل للمعارضة لضعفه بالإرسال، فالمعتمد إنّما هو موثق يونس على طريق الصدوق.

و أمّا ما استدلّ للحكم المذكور بالنبوي المعروف «الطّواف بالبيت صلاة» (5) ففيه أنّ النبوي لم يثبت من طرقنا.

____________

(1) الوسائل 13: 399/ أبواب الطّواف ب 52 ح 2، 1، التهذيب 5: 126/ 415، الفقيه 2: 246/ 1183.

(2) الوسائل 13: 399/ أبواب الطّواف ب 52 ح 2، 1، التهذيب 5: 126/ 415، الفقيه 2: 246/ 1183.

(3) المدارك 8: 117.

(4) الوسائل 13: 399/ أبواب الطّواف ب 52 ح 3.

(5) سنن الدارمي 2: 44، سنن النِّسائي 5: 222.

32

[مسألة 297: لا بأس بدم القروح و الجروح فيما يشق الاجتناب عنه]

مسألة 297: لا بأس بدم القروح و الجروح فيما يشق الاجتناب عنه، و لا تجب إزالته عن الثوب و البدن في الطّواف، كما لا بأس بالمحمول المتنجس، و كذلك نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه (1).

مسألة 298: إذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه ثمّ علم بها بعد الفراغ من الطّواف صحّ طوافه، فلا حاجة إلى إعادته، و كذلك تصح صلاة الطّواف إذا لم يعلم بالنجاسة إلى أن فرغ منها (2).

____________

(1) هذه المسألة تشتمل على أمرين:

أحدهما: لا فرق في النجاسة بين النجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الأقل من الدرهم و بين غير المعفو عنها، إذ لا دليل على الاستثناء في الطّواف، و مقتضى إطلاق الموثق عدم الفرق بين الأقل من الدرهم و الأكثر منه، كما أنّه لا دليل على استثناء دم القروح و الجروح إلّا إذا كان بحيث يشق الاجتناب عنه و يشق على المكلف إزالته فإنّه يصحّ الطّواف معه لنفي الحرج، و كذا لا مانع من المحمول المتنجس حتّى على القول بمنعه في الصلاة، لأنّ الدليل منع عن الطّواف في الثوب النجس و لا يشمل الثوب المحمول فانّ الظاهر من قوله: رأيت في ثوبي، الثوب الملبوس لا المحمول.

ثانيهما: هل يختص المنع بالثوب الّذي تتم فيه الصلاة كالقميص و الجبّة و القباء و نحوها، أم يعمّ الثوب الّذي لا تتم فيه الصلاة كالتكة و الجورب و القلنسوة؟ وجهان.

الظاهر هو الأوّل، و ذلك لعدم صدق الثوب بصيغة المفرد المذكور في النص على مثل التكة و القلنسوة و الجورب و نحوها و إن صدق عليها الثِّياب، فانّ الثوب ينصرف إلى مثل القباء و الجبّة و القميص و نحو ذلك و لا يصدق على الجورب و التكة و القلنسوة جزماً، و لا أقلّ من الشك فيرجع إلى الأصل المقتضي لعدم الاعتبار.

(2) لا يخفى أن اعتبار الطهارة مشروطة بالعلم، و أمّا إذا طاف و صلّى ثمّ علم بالنجاسة صحّ طوافه و صلاته، أمّا الصلاة فواضحة، لأنّ النجاسة إنّما تكون مانعة في‌

33

[مسألة 299: إذا نسي نجاسة بدنه أو ثيابه ثمّ تذكرها بعد طوافه]

مسألة 299: إذا نسي نجاسة بدنه أو ثيابه ثمّ تذكرها بعد طوافه صحّ طوافه على الأظهر، و إن كانت إعادته أحوط، و إن تذكرها بعد صلاة الطّواف أعادها (1).

____________

الصلاة مع العلم، لحديث لا تعاد (1) و لروايات خاصّة فارقة بين الجهل و النسيان (2).

و أمّا الطّواف فلأنّ المستفاد من موثق يونس (3) أنّ النجاسة الواقعية غير ضائرة و لذا أمر بالبناء على طوافه و الاعتداد بما مضى فيما إذا علم بالنجاسة في الأثناء، و لا نحتمل الفرق بين الأشواط السابقة و اللّاحقة.

على أنّه يكفينا عدم الدليل على الاعتبار على الإطلاق، لأن مقتضى النص مانعية النجاسة بشرط العلم بها، و أمّا لو لم يعلم بها فلا مانع.

(1) و مما ذكرنا في المسألة السابقة يظهر الحال في النسيان، فانّ الظاهر من النص مانعية النجاسة في صورة العلم بها لا المانعية مطلقاً، فما نسب إلى جماعة منهم الشهيد في الدروس من البطلان في صورة النسيان (4) كالصلاة ضعيف، و حمل الطّواف على الصلاة في النجاسة المنسية لا وجه له كما عرفت.

بل لا يبعد دعوى إطلاق الموثق باعتبار ترك الاستفصال للجهل و النسيان، بخلاف الصلاة فإنّه إنّما نقول ببطلانها في النجاسة المنسية لأدلّة خاصّة في مورد النسيان.

فإذن لا فرق في الحكم بالصحّة بين الجهل و النسيان.

____________

(1) الوسائل 4: 312/ أبواب القبلة ب 9 ح 1.

(2) الوسائل 3: 474/ أبواب النجاسات ب 40، و ص 479 ب 42.

(3) المتقدِّم في ص 30.

(4) الدروس 1: 404.

34

[مسألة 300: إذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه و علم بها أثناء الطّواف]

مسألة 300: إذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه و علم بها أثناء الطّواف، أو طرأت النجاسة عليه قبل فراغه من الطّواف، فان كان معه ثوب طاهر مكانه طرح الثوب النجس و أتم طوافه في ثوب طاهر، و إن لم يكن معه ثوب طاهر فان كان ذلك بعد إتمام الشوط الرابع من الطّواف قطع طوافه و لزمه الإتيان بما بقي منه بعد إزالة النجاسة، و إن كان العلم بالنجاسة أو طروئها عليه قبل إكمال الشوط الرابع، قطع طوافه و أزال النجاسة، و يأتي بطواف كامل بقصد الأعم من التمام و الإتمام على الأحوط (1).

____________

(1) لو تذكر بالنجاسة و هو في أثناء الطّواف، فان تمكن من الإتمام في الطاهر طرح الثوب النجس و أتم طوافه في الثوب الطاهر و لا حاجة إلى الإعادة، لما عرفت من أنّ النجاسة الواقعية غير ضائرة، و الطهارة إنّما هي شرط ذكرى، و المانع إنّما هو النجاسة المعلومة حين الطّواف، هذا مما لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال فيما إذا لم يكن له ثوب آخر و أنّه لا يتمكن من التبديل، فقد نسب إلى جماعة منهم الشهيد (1) و تبعهم الأُستاذ النائيني (2) (قدس سره) التفصيل بين التجاوز عن النصف و عدمه، ففي الأوّل يزيلها و يبني، و في الثاني يستأنف كما هو الحال في صدور الحدث في الأثناء، إلّا أنّه لا دليل على هذا التفصيل في النجاسة الخبثية، و الروايات إنّما وردت في الحدث و الحيض، و في بعضها ورد التعليل بأنّها زادت على النصف، و قد عرفت فيما تقدم أن روايات الحيض المفصّلة ضعيفة، و أمّا في الحدث فالتفصيل صحيح للنصوص، و لكن قياس الخبث عليه بلا موجب.

بل موثق يونس المتقدم (3) مطلق من حيث التجاوز عن النصف و عدمه، و لكن مع ذلك الأحوط إعادة الطّواف قاصداً بها التمام و الإتمام حتّى نخرج من الخلاف.

____________

(1) الدروس 1: 405.

(2) دليل الناسك (المتن): 246.

(3) في ص 30.

35

[الرابع: الختان للرجال]

الرابع: الختان للرجال، و الأحوط بل الأظهر اعتباره في الصبي المميز أيضاً إذا أحرم بنفسه، و أمّا إذا كان الصبي غير مميز أو كان إحرامه من وليه فاعتبار الختان في طوافه غير ظاهر، و إن كان الاعتبار أحوط (1).

____________

(1) يشترط في صحّة الطّواف واجباً كان أو مندوباً أن يكون الرجل مختوناً بلا خلاف بين الأصحاب، و يدلُّ عليه عدّة من الروايات، و في بعضها التفصيل بين الرّجل و النِّساء.

فمنها: معتبرة ابن سدير «عن نصراني أسلم و حضر الحج و لم يكن اختتن أ يحج قبل أن يختتن؟ قال: لا، و لكن يبدأ بالسنة» (1).

و منها: معتبرة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «الأغلف لا يطوف بالبيت، و لا بأس أن تطوف المرأة» (2).

و منها: صحيحة حريز عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «لا بأس أن تطوف المرأة غير المخفوضة، فأمّا الرجل فلا يطوف إلّا و هو مختتن» (3).

و منها: رواية إبراهيم بن ميمون «في الرجل يسلم فيريد أن يحج و قد حضر الحج أ يحج أم يختتن؟ قال: لا يحج حتّى يختتن» (4).

و هل يعتبر الختان في الصبي أم لا؟ فيه كلام و خلاف، و الظاهر هو التفصيل بين الصبي المميز الّذي يطوف بنفسه و بين الصبي غير المميز الّذي يطاف به فيعتبر في الأوّل دون الثاني.

____________

(1) الوسائل 13: 271/ أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 4.

(2) الوسائل 13: 271/ أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 1.

(3) الوسائل 13: 271/ أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 3.

(4) الوسائل 13: 270/ أبواب مقدمات الطّواف ب 33 ح 2.

36

[مسألة 301: إذا طاف المحرم غير مختون بالغاً كان أو صبياً مميزاً]

مسألة 301: إذا طاف المحرم غير مختون بالغاً كان أو صبياً مميزاً فلا يجتزئ بطوافه (1) فان لم يعده مختوناً فهو كتارك الطّواف يجري فيه ماله من الأحكام الآتية.

[مسألة 302: إذا استطاع المكلّف و هو غير مختون]

مسألة 302: إذا استطاع المكلّف و هو غير مختون، فإن أمكنه الختان و الحج في سنة الاستطاعة وجب ذلك، و إلّا أخّر الحج إلى السنة القادمة، فان لم يمكنه الختان أصلًا لضرر أو حرج أو نحو ذلك فاللّازم عليه الحج، لكن الأحوط أن يطوف بنفسه في عمرته و حجّه و يستنيب أيضاً من يطوف عنه و يصلّي هو صلاة الطّواف بعد طواف النائب (2).

____________

و ذلك لأنّ الظاهر من المقابلة بين الرجل و المرأة المذكورة في الروايات و إن كان ثبوت الحكم لمطلق الذكر لا خصوص البالغين، و يكفينا في ذلك صحيح معاوية بن عمار فانّ المذكور فيه الأغلف و هو أعم من البالغ و الصبي، و لكن مع ذلك لا يمكن الحكم بالتعميم و الالتزام باعتباره في الصبي غير المميز، لأن موضوع النهي في الروايات هو الشخص الّذي يطوف بنفسه و يكون مأموراً بالطواف بنفسه، و أمّا الّذي يطاف به و لا يطوف بنفسه فلا أمر له بالطواف، إذ المفروض أنّ التكليف بالطواف متوجه إلى الولي الّذي يطاف به، فمقتضى الأصل عدم الاعتبار بالنسبة إلى الصبي غير المميز.

(1) لفساده، لفقدان المشروط بفقدان الشرط فكأنه لم يطف.

(2) إذا استطاع الأغلف يجب عليه الختان في نفس سنة الاستطاعة إن أمكن لوجوب مقدّمة الواجب عقلًا كسائر مقدمات الواجب، و إن لم يتمكن من ذلك لضيق الوقت و نحوه يؤخّر الحج إلى السنة القادمة، و ذلك لعدم تمكنه من الحج في هذه السنة، لأنّ الحج يجب فيه الطّواف و الطّواف مشروط بالختان فهو غير متمكن منه و لا دليل على الاستنابة في خصوص هذا الفرض، لأنّ الاستنابة إنّما تجب في فرض‌

37

[الخامس: ستر العورة حال الطّواف]

الخامس: ستر العورة حال الطّواف على الأحوط (1).

____________

الاستطاعة، و المفروض أن هذا الشخص غير مستطيع لعدم تمكنه من مباشرة الأعمال في هذه السنة.

و يستفاد ما ذكرناه من معتبرة حنان بن سدير المتقدمة (1) فانّ المتفاهم منها أنّ الأمر دائر بين الحج و الخروج مع الرفقة و بين أن يختتن، و لكن لو اختتن لا يتمكّن من الحج في هذه السنة، فحكم (عليه السلام) بأنّه لا يحج و يبدأ بالسنّة أي بالختان المؤيدة برواية إبراهيم بن ميمون المتقدمة (2).

هذا فيما إذا كان متمكناً من الختان و لو في السنين القادمة، و أمّا إذا لم يكن متمكناً من الختان أصلًا للحرج و الضرر و نحوهما، فقد ذهب بعضهم إلى سقوط الحج عنه بالمرة لعدم كونه مستطيعاً.

و فيه: أنّه لا وجه لسقوط الحج، فإنّ الاستطاعة المالية كافية في وجوب الاستنابة نظير المريض الّذي لا يرجو زوال مرضه، فلا وجه لسقوط الحج عنه، فيدور الأمر بين وجوب الحج عليه و الطّواف بغير اختتان لسقوط الشرط حينئذ، و بين أن يستنيب للطواف فيدخل هذا في المرتبة الثالثة للطواف من الطّواف بنفسه أو إطافته أو الطّواف عنه، و من المعلوم أنّ الإطافة به أيضاً طواف صادر منه فيتعين الثالث، لأن مقتضى الإطلاق اعتبار الختان في الطّواف فهو غير مأمور بالطواف بنفسه، فيدخل تحت عنوان من لا يستطيع الطّواف، و الأحوط أن يطوف بنفسه غير مختون و يطاف عنه أيضاً.

(1) المعروف وجوب ستر العورة في الطّواف، و ناقش فيه بعضهم و ذهب إلى العدم.

و استدلّ للمشهور بالنبوي المعروف «الطّواف بالبيت صلاة» (3) و لكنّه غير ثابت‌

____________

(1) في ص 35.

(2) في ص 35.

(3) سنن الدارمي 2: 44، سنن النِّسائي 5: 222.

38

..........

____________

من طرقنا، و لم يعلم استناد المشهور إليه حتّى يقال بالانجبار.

و العمدة في المقام الروايات الناهية عن الطّواف عرياناً (1) و هي مروية بطرق كثيرة منّا و من العامّة (2)، و لكنها جميعاً ضعيفة السند إلّا أنّها كثيرة متظافرة لا يمكن رد جميعها، بل عن كشف اللِّثام أنّها تقرب من التواتر من طريقنا و طريق بقيّة المذاهب (3).

و لكن لا يمكن الاستدلال بها لوجوب ستر العورة في الطّواف، لأنّ النسبة بين العِراء و ستر العورة عموم من وجه، لأنّ المراد بالعريان من لم يكن لابساً للثوب و يمكن أن يكون الشخص غير عار و لابساً للثوب و عورته مكشوفة، كما إذا كان في ثوبه ثقب تظهر عورته منه، كما يمكن أن يكون الشخص مستور العورة و هو عار، كما إذا ستر عورته بيده أو بحشيش أو طين و نحو ذلك، و قد اعتبروا في الطّواف ستر العورة لا اللباس، فيظهر الفرق بين الستر في باب الصلاة و في الطّواف، فانّ المعتبر في الصلاة هو الستر باللباس و لا يكفي مجرد ستر العورة، و المعتبر في الطّواف هو ستر العورة بأيّ نحو كان و لو بيده أو بالحشيش و لا يعتبر اللباس قطعاً، للإجماع على صحّة طواف الرجل عارياً مع ستر عورته، و هذه الروايات لو فرض صحّة أسانيدها لا بدّ من حملها على الاستحباب.

و بالجملة: لا دليل على اعتبار ستر العورة في الطّواف، و ما دلّ عليه هذه الروايات الكثيرة و هو اللبس في الطّواف فهو غير واجب. و ما ذهب إليه المشهور من وجوب ستر العورة لا تدل عليه هذه الروايات.

فما ذهب إليه بعضهم من عدم وجوب ستر العورة في الطّواف هو الصحيح، و إن كان الأحوط الستر كما في المتن.

____________

(1) الوسائل 13: 400/ أبواب الطّواف ب 53.

(2) سنن الترمذي 5: 276، مستدرك الحاكم 2: 331.

(3) كشف اللّثام 5: 408.

39

و يعتبر في الساتر الإباحة، و الأحوط اعتبار جميع شرائط لباس المصلي فيه (1).

____________

(1) قد عرفت أنّه لا دليل على اعتبار ستر العورة في الطّواف، و لكن بناءً على اعتباره لا بدّ أن يكون الساتر مباحاً و إلّا بطل طوافه، لأنّ الستر المأمور به لا يمكن أن يكون بالمحرّم، و الحرام لا يكون مصداقاً للواجب، فاذا كان الساتر محرّماً و مغصوباً يخرج عن كونه مأموراً به.

و أمّا إذا كان غير الساتر مغصوباً و محرّماً أو لم نعتبر الستر فهل يبطل طوافه أم لا باعتبار تصرفه فيه؟

يبتني ذلك على ما ذكرنا في الأُصول في بحث اجتماع الأمر و النهي (1) و هو أن مورد الأمر و النهي إن كان متحداً في الوجود فلا يمكن التقرب به لعدم إمكان التقرب بالحرام، و إن كان متعدداً و إن اقترنا في الوجود الخارجي فلا تسري حرمة أحدهما إلى الآخر، كالصلاة و غصبية اللباس فإنّ الصلاة عبارة عن الأذكار و أفعال خاصّة، و حرمة شي‌ء خارجي و إن كان مقارناً للصلاة لا تسري إلى الأذكار و الأفعال، لعدم اتحادهما وجوداً و إن اقترنا خارجاً، و لذا لم نستشكل في صحّة الصلاة إذا كان غير الساتر مغصوباً.

و ربما يقال بحرمة الطّواف، لأنّه مقدمة للتصرف في الثوب المغصوب، لأنّه يتحرك بتحرك الشخص و بطوافه حول البيت.

و لكن قد ذكرنا في المباحث الأُصولية أنّ الأفعال قد تكون توليدية كالقتل و التطهير و التنجيس و نحو ذلك، فانّ الصادر من الشخص إنّما هو الذبح و نحوه أو الغسل بالماء و إلّا فنفس القتل و زهاق الروح لا يصدر من الفاعل، و كذلك الطهارة لا تحصل من الفاعل و إنّما المقدمات تصدر منه، و القتل يترتب على الذبح و يتولد منه، فاذا نهينا عن القتل فبالمتفاهم العرفي يكون إيجاد المقدمات كالذبح محرماً.

____________

(1) راجع محاضرات في أُصول الفقه 4: 165 و بعدها.

40

[واجبات الطّواف]

[تعتبر في الطّواف أُمور سبعة]

تعتبر في الطّواف أُمور سبعة:

[الأوّل: الابتداء من الحجر الأسود]

الأوّل: الابتداء من الحجر الأسود، و الأحوط الأولى أن يمرّ بجميع بدنه على جميع الحجر، و يكفي في الاحتياط أن يقف دون الحجر بقليل فينوي الطّواف من الموضع الّذي تتحقق فيه المحاذاة واقعاً على أن تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية (1).

____________

و أمّا إذا لم يكن الأفعال توليدياً، بل كانت من باب العلة و المعلول كحركة الثوب بحركة البدن، فإن كلّاً منهما يتحرك بالحركة الدورية حول الكعبة المعبّر عنها بالطواف فان جسم الإنسان يتحرك بدوران البدن حول البيت، و كذلك الثوب يتحرك بحركة البدن و الطّواف حوله، فالعلة لحركة الثوب و التصرف فيه إنّما هي حركة البدن حول البيت و الطّواف به، و المحرّم إنّما هو حركة الثوب و التصرف فيه، و لا مقتضي لحرمة حركة البدن و الطّواف حول البيت، لعدم حرمة المقدمة بحرمة ذي المقدمة كما حقق في الأُصول (1)، فالحكم بالبطلان يختص بما إذا كان الساتر مغصوباً كما عرفت.

ثمّ إن بقية شرائط الصلاة و موانعها لا تكون معتبرة في الطّواف، و ذلك لأن بعضها لا يكون معتبراً قطعاً كالتكلم و الضحك و الطمأنينة، و البعض الآخر لا دليل على اعتباره كلبس غير المأكول و حمل الميتة أو لبسها و لبس الذهب و هكذا، إذ لا دليل على اعتبار ذلك سوى النبوي المعروف الّذي عرفت ضعفه (2)، و إن كان الأحوط رعاية مثل هذه الشروط.

(1) لا ريب في وجوب البدأة بالحجر الأسود و الختم به، و لم يقع فيه خلاف بين المسلمين قاطبة، و جرت عليه السيرة القطعية المتصلة إلى زمان النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام).

____________

(1) في محاضرات في أُصول الفقه 2: 439.

(2) في ص 38.

41

[الثاني: الانتهاء في كل شوط بالحجر الأسود]

الثاني: الانتهاء في كل شوط بالحجر الأسود و يحتاط في الشوط الأخير بتجاوزه عن الحجر بقليل، على أن تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية (1).

____________

و لو كان البدأة أو الانتهاء بغيره جائزاً لظهر و بان و لنقل من الأئمة (عليهم السلام) فالحكم مقطوع به و لا نقاش فيه أبداً.

و يدلُّ عليه مضافاً إلى ما تقدم: صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من اختصر في الحجر الطّواف فليعد طوافه من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود» (1) فإنّه صريح الدلالة على اعتبار البدأة و الختم بالحجر الأسود.

ثمّ إنّ المستفاد من النص و السيرة و طواف النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) راكباً هو الابتداء و الانتهاء به بمقدار الصدق العرفي، و لا يعتبر مرور جميع أجزاء بدنه بالحجر، بأن يحاذي أقدم عضو من أعضائه للحجر كما توهّم، و لذا اختلفوا في تعيين أوّل جزء و أقدم عضو من البدن، و أنّه هل هو الأنف أو البطن أو إبهام الرجل، و ربما اختلف الأشخاص بالنسبة إلى ذلك و لا حاجة إلى ذلك أصلًا، بل المعتبر صدق المحاذاة و البدأة بالحجر و الختم به عرفاً، و أن يمرّ أوّل جزء من بدنه عليه في الطّواف فلو بدأ بالطواف من الحجر الأسود و لم يكن أوّل عضو من أعضائه من مقاديم بدنه محاذياً للحجر بحيث لم يمرّ جميع أجزائه و أعضاء بدنه بالحجر صحّ طوافه، لصدق البدأة أو الختم بالحجر بذلك عرفاً.

نعم، الأحوط الأولى أن يمرّ بجميع أعضاء بدنه على جميع الحجر، بأن يقف دون الحجر بقليل من باب المقدّمة العلمية فينوي الطّواف من الموضع الّذي تتحقق المحاذاة واقعاً و يكون الزائد لغواً.

(1) قد ظهر حال هذا الشرط مما تقدم في بيان الشرط الأوّل فلا موجب للإعادة.

____________

(1) الوسائل 13: 357/ أبواب الطّواف ب 31 ح 3.

42

[الثالث: جعل الكعبة على يساره في جميع أحوال الطّواف]

الثالث: جعل الكعبة على يساره في جميع أحوال الطّواف، فاذا استقبل الطائف الكعبة لتقبيل الأركان أو لغيره، أو ألجأه الزحام إلى استقبال الكعبة أو استدبارها، أو جعلها على اليمين فذلك المقدار لا يعد من الطّواف، و الظاهر أنّ العبرة في جعل الكعبة على اليسار بالصدق العرفي كما يظهر ذلك من طواف النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) راكباً، و الأولى المداقّة في ذلك و لا سيما عند فتحي حجر إسماعيل و عند الأركان (1).

____________

(1) هذا الاشتراط و إن لم يصرح به في الروايات و لكنّه لا خلاف فيه بين المسلمين كافّة، و قد قامت عليه السيرة القطعية تأسياً بالنبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلم) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بحيث يكون خلافه أمراً منكراً عند المسلمين، و لو كان جائزاً لظهر و شاع، و لوقع من أحدهم و لو مرّة واحدة، و يؤكّده عدّة من الروايات:

منها: صحيح معاوية بن عمار «إذا فرغت من طوافك و بلغت مؤخّر الكعبة و هو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل فابسط يدك على البيت إلى أن قال ثمّ ائت الحجر الأسود» (1).

و في صحيحة أُخرى له «ثمّ تطوف بالبيت سبعة أشواط إلى أن قال فاذا انتهيت إلى مؤخّر الكعبة و هو المستجار دون الركن اليماني بقليل في الشوط السابع فابسط يديك على الأرض و الصق خدك و بطنك بالبيت إلى أن قال ثمّ استقبل الركن اليماني و الركن الّذي فيه الحجر الأسود و اختتم به» (2) و غيرهما من الروايات، فانّ المفروض فيها جعل الكعبة على اليسار، فانّ الترتيب المزبور في الروايات يستدعي أن يطوف على يساره دون يمينه كما هو واضح.

____________

(1) الوسائل 13: 345، 347/ أبواب الطّواف ب 26 ح 4، 9.

(2) الوسائل 13: 345، 347/ أبواب الطّواف ب 26 ح 4، 9.

43

[الرّابع: إدخال حجر إسماعيل في المطاف بمعنى أن يطوف حول الحجر]

الرّابع: إدخال حجر إسماعيل في المطاف بمعنى أن يطوف حول الحجر من دون أن يدخل فيه (1).

[الخامس: خروج الطائف عن الكعبة]

الخامس: خروج الطائف عن الكعبة و عن الصفة الّتي في أطرافها المسماة بشاذَروان (2).

____________

(1) هذا أيضاً أمر متسالم عليه عند المسلمين و النصوص فيه مستفيضة (1).

نعم، وقع الكلام في أمر آخر و هو بطلان أصل الطّواف أو شرطه لو اختصر في الطّواف و دخل في الحجر، و ذلك لاختلاف الروايات، و سنتعرض إلى ذلك عن قريب إن شاء اللّٰه تعالى.

(2) لا ريب و لا شك في لزوم كون الطّواف حول البيت، فلا بدّ أن يكون البيت الشريف بتمامه مطافاً، فاللّازم أن يجعل الشاذَروان (2) داخلًا في المطاف، لأنّ الشاذَروان أساس البيت و قاعدته، فلا يصح الطّواف داخل الكعبة، و كذا لو طاف من فوق الشاذَروان.

و بعبارة اخرى: لا بدّ أن يكون الطائف خارجاً من البيت و من الشاذَروان، فلو طاف داخل البيت أو من فوق الشاذَروان بطل طوافه برأسه، و الحكم بالنسبة إلى البيت واضح.

و أمّا بالنسبة إلى الشاذَروان فالمعروف أنّه من أساس البيت و قاعدته و من نفس جدار الكعبة كما جاءت بذلك الآثار التاريخية، و هو القدر الباقي من أساس الحائط بعد عمارته أخيرا.

و لو شكّ في دخول الشاذروان في البيت و عدمه فالأصل أيضاً يقتضي جعله مطافاً‌

____________

(1) الوسائل 13: 353، 356/ أبواب الطّواف ب 30، 31.

(2) الشاذَروان بفتح الذال من جدار البيت الحرام، و هو الّذي ترك من عرض الأساس خارجاً و يسمّى تأزيراً لأنّه كازار للبيت. مجمع البحرين [3: 183] و الكلمة فارسية، شادروان بالدال المهملة زير كنگرهاى عمارتها را گويند. برهان قاطع [3: 1223].

44

[السادس: أن يطوف بالبيت سبع مرات]

السادس: أن يطوف بالبيت سبع مرات (1) متواليات عرفاً و لا يجزي الأقل من السبع، و يبطل الطّواف بالزيادة على السبع عمداً كما سيأتي.

____________

و إجراء حكم البيت عليه، و ذلك لأنّه لو أخرجه عن المطاف و لم يطف حوله لم يحرز كون الطّواف طوافاً بالبيت، بعكس ما لو أدخله في المطاف. إذن فلا بدّ من إدخاله في البيت ليحرز كون الطّواف بالبيت من باب المقدمة العلمية لحصول الطّواف بالبيت و لذا لو فرضنا أنّ الكعبة الشريفة خربت بتمامها (لا سمح اللّٰه) يجب إدخال ما شك فيه من البيت في المطاف، و لا بدّ من الطّواف في مكان يحرز كونه خارج البيت.

و دعوى كون الشاذروان من البيت و عدمه من قبيل الشك بين الأقل و الأكثر و الأصل يقتضي عدم دخوله في البيت، ضعيفة بأن أصالة عدم دخول الشاذروان في البيت لا تحقق كون الطّواف طوافاً بالبيت و لا توجب إحراز ذلك.

نعم، وقع الكلام في البطلان و عدمه فيما لو طاف من فوق الشاذروان، و أمّا أصل الحكم و هو جعل الشاذروان مطافاً فمما لا خلاف فيه أصلا.

(1) بلا خلاف في ذلك بين المسلمين و الحكم به مقطوع به عند الأصحاب، و يمكن استفادته من عدّة من الروايات الموجودة في أبواب متفرقة و الّتي لا يبعد دعوى تواترها.

منها: الأخبار البيانية لكيفية الحج (1).

و منها: الروايات الواردة في من شكّ في عدد أشواط الطّواف بين السبعة و الستّة (2).

و منها: الروايات الآمرة بالإعادة إذا زاد شوطاً على سبعة أشواط (3).

و منها: الروايات الواردة في القرآن بين أُسبوعين (4) و غير ذلك من الروايات الكثيرة.

____________

(1) الوسائل 11: 212/ أبواب أقسام الحجّ ب 2.

(2) الوسائل 13: 359/ أبواب الطّواف ب 33.

(3) الوسائل 13: 363/ أبواب الطّواف ب 34.

(4) الوسائل 13: 369/ أبواب الطّواف ب 36.

45

[مسائل]

[مسألة 303: اعتبر المشهور في الطّواف أن يكون بين الكعبة و مقام إبراهيم]

مسألة 303: اعتبر المشهور في الطّواف أن يكون بين الكعبة و مقام إبراهيم (عليه السلام) و يقدّر هذا الفاصل بستّة و عشرين ذراعاً و نصف ذراع، و بما أن حجر إسماعيل داخل في المطاف فمحل الطّواف من الحجر لا يتجاوز ستّة أذرع و نصف ذراع، و لكن الظاهر كفاية الطّواف في الزائد على هذا المقدار أيضاً، و لا سيما لمن لا يقدر على الطّواف في الحد المذكور، أو أنّه حرج عليه، و رعاية الاحتياط مع التمكّن أولى (1).

____________

و أمّا اعتبار التوالي بين الأشواط، فلأنّ الطّواف عمل واحد مركب من أشواط سبعة، و ليس كل شوط عملًا مستقلا، فحاله حال سائر الأعمال، و العمل الواحد المركب من أجزاء غير متماثلة كالصلاة، أو المركب من أجزاء متماثلة كالطواف المركب من الأشواط إذا أُمر به يفهم العرف إتيانه متوالياً من دون فصل بين الأجزاء، و إلّا فلا يصدق العمل الواحد المأمور به على ما أتى به، كما إذا أتى بشوط من الطّواف ثمّ بعد عشر ساعات أتى بشوط آخر، كما هو الحال في الصلاة و الأذان و الإقامة، بل حتّى العقود و غير ذلك من الأعمال المركبة، و مما ذكرنا ظهر اعتبار التوالي في نفس الشوط الواحد و إلّا فلا يصح الطّواف.

(1) المعروف و المشهور بين الأصحاب وجوب كون الطّواف بين الكعبة و بين المقام مراعياً ذلك القدر من البعد في جميع أطراف البيت حتّى جهة حجر إسماعيل، و لذا يضيق المطاف حينئذ من تلك الجهة و يكون قريباً من ستّة أذرع و نصف ذراع، و يقرب في سائر الجوانب بستّة و عشرين ذراعاً و نصف ذراع.

و يدلُّ على مذهب المشهور ما رواه الكليني عن محمّد بن مسلم قال: «سألته عن حدّ الطّواف بالبيت الّذي من خرج عنه لم يكن طائفاً بالبيت، قال: كان الناس على عهد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) يطوفون بالبيت و المقام، و أنتم اليوم تطوفون ما بين المقام و بين البيت، فكان الحد موضع المقام، فمن جازه فليس بطائف، و الحد قبل اليوم و اليوم واحد قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلّها، فمن طاف‌

46

..........

____________

فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفاً بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لأنّه طاف في غير حد و لا طواف له» (1) و الرواية صريحة في مذهب المشهور و لكنّها ضعيفة سنداً، لأن في طريقها ياسين الضرير و هو غير موثق، و قد ذكرنا غير مرّة أنّ الانجبار مما لا أساس له عندنا.

و نسب إلى ابن الجنيد أنّه جوّز الطّواف خارج المقام و من خلفه عند الضرورة (2)، و عن الصدوق الجواز مطلقاً و لو اختيارا (3).

و يظهر الميل إليه من المختلف (4) و التذكرة (5) و المنتهى (6) كما يظهر الميل من صاحب المدارك (7)، و هو الصحيح.

و يدل عليه صحيحة الحلبي قال «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الطّواف خلف المقام، قال: ما أُحب ذلك و ما أرى به بأساً فلا تفعله إلّا أن لا تجد بدّاً» (8) و صريح الرواية الجواز على المرجوحية الّتي ترتفع عند الاضطرار، فلا بأس بالعمل بها كما عن الصدوق الإفتاء بمضمونها.

فالمتحصل: أنّ الطّواف بالنسبة إلى البُعْد و القُرْب إلى الكعبة غير محدّد بحد، بل العبرة بصدق الطّواف حول البيت عرفاً و إن كان خلف المقام.

نعم، لو طاف خارج المسجد كالشوارع المحيطة بالمسجد أو نفس المسجد و لكن في مكان بعيد جدّاً عن الكعبة بحيث لا يصدق عليه الطّواف حول البيت لا يجتزأ به قطعاً.

____________

(1) الوسائل 13: 350/ أبواب الطّواف ب 28 ح 1، الكافي 4: 413/ 1.

(2) حكاه عنه في المختلف 4: 200 [مسألة 154].

(3) الفقيه 2: 249/ 1200.

(4) المختلف 4: 200 [مسألة 154].

(5) التذكرة 8: 93.

(6) المنتهي 2: 691 السطر 12.

(7) المدارك 8: 131.

(8) الوسائل 13: 351/ أبواب الطواف ب 28 ح 2.

47

الخروج عن المطاف إلى الداخل أو الخارج

[مسألة 304: إذا خرج الطائف عن المطاف فدخل الكعبة]

مسألة 304: إذا خرج الطائف عن المطاف فدخل الكعبة بطل طوافه و لزمته الإعادة، و الأولى إتمام الطّواف ثمّ أعادته إذا كان الخروج بعد تجاوز النصف (1).

____________

(1) إذا خرج الطائف عن المطاف فهل يصح طوافه أو يبطل أو فيه تفصيل؟

قد يفرض أنّ الطائف يخرج عن المطاف و يدخل في الكعبة، و قد يفرض خروجه عن مدور المطاف إلى الخارج.

أمّا بالنسبة إلى الداخل فلا إشكال في البطلان في الجملة و يعيد ما أتى به من الأشواط، و هل هذا حكم على الإطلاق أو يختص بما إذا لم يتجاوز النصف؟

المشهور هو التفصيل بين التجاوز عن النصف و عدمه، فان دخل الكعبة قبل التجاوز من النصف بطل طوافه و عليه إعادته من أصله، و إن دخل إلى الكعبة بعد التجاوز من النصف فيبني على طوافه و يعيد نفس الشوط الّذي أتى به داخل الكعبة.

و لكن هذا التفصيل لم يرد في شي‌ء من الروايات، بل صحيحة ابن البختري تدل على البطلان على الإطلاق فعن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «في من كان يطوف بالبيت فيعرض له دخول الكعبة فدخلها، قال: يستقبل طوافه» (1) فإنّها واضحة الدلالة على البطلان على الإطلاق، سواء دخل الكعبة قبل التجاوز من النصف أو بعده.

و لكن في صحيح الحلبي حكم بالبطلان فيما إذا دخل البيت قبل التجاوز من النصف كما جاء عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طاف بالبيت ثلاثة أشواط ثمّ وجد من البيت خلوة فدخله كيف يصنع؟ قال: يعيد طوافه، و خالف السنّة» (2). و في مرسلة ابن مسكان قال: «حدثني من سأله عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة ثلاثة أشواط، ثمّ وجد خلوة من البيت فدخله قال: نقض (يقضي) طوافه و خالف السنة فليعد» (3).

____________

(1) الوسائل 13: 378/ أبواب الطّواف ب 41 ح 1.

(2) 3) الوسائل 13: 379/ أبواب الطّواف ب 41 ح 3.

(3) الوسائل 13: 379/ أبواب الطّواف ب 41 ح 4.

48

[مسألة 305: إذا تجاوز عن مطافه إلى الشاذروان]

مسألة 305: إذا تجاوز عن مطافه إلى الشاذروان بطل طوافه بالنسبة إلى المقدار الخارج عن المطاف، و الأحوط إتمام الطّواف بعد تدارك ذلك المقدار ثمّ إعادته. و الأحوط أن لا يمدّ يده حال طوافه من جانب الشاذروان إلى جدار الكعبة لاستلام الأركان أو غيره (1).

____________

و لو كنّا نحن و هاتان الروايتان فمقتضاهما البطلان في خصوص صورة الدخول قبل التجاوز من النصف، و أمّا إذا دخل إلى الكعبة بعد التجاوز من النصف فالروايتان ساكتتان عن حكمه و مقتضى الأصل هو الصحّة.

إلّا أن مقتضى صحيح ابن البختري هو البطلان مطلقاً و لا مقيّد لإطلاقه.

و أمّا الروايتان، فقد عرفت أنّهما لا تدلّان على البطلان في فرض الدخول بعد التجاوز من النصف، فلا تدل الروايتان على البطلان و لا على الصحّة، فالمرجع حينئذ إطلاق صحيح ابن البختري.

فالظاهر هو البطلان بالنسبة إلى الدخول إلى البيت، سواء كان قبل التجاوز من النصف أو بعده.

(1) لا ريب في أنّه لو تسلّق على الشاذروان و طاف من فوقه لا يحسب ذلك المقدار طوافاً للبيت، فإنّه لو ثبت كون الشاذروان من جدار الكعبة و من أساس البيت فالأمر واضح، فإنّه محكوم بحكم البيت نفسه، و لو شكّ في ذلك فالشك كافٍ في الحكم بالبطلان، لعدم إحراز الطّواف بالبيت، و أصالة عدم كونه من البيت لا تثبت أن طوافه بالبيت.

هذا بالنسبة لهذا المقدار الّذي طاف من فوق الشاذروان، و أمّا بالنسبة إلى أصل الطّواف فهل يحكم ببطلانه أم لا؟.

الظاهر هو الثاني، إذ لم يثبت كون الشاذروان من البيت، و لو شكّ في ذلك فالدخول في الشاذَروان و التسلّق عليه لا يوجب البطلان، لعدم صدق الطّواف من داخل البيت‌

49

[مسألة 306: إذا دخل الطائف حجر إسماعيل]

مسألة 306: إذا دخل الطائف حجر إسماعيل بطل الشوط الّذي وقع ذلك فيه فلا بدّ من إعادته و الأولى إعادة الطّواف بعد إتمامه، هذا مع بقاء الموالاة، و أمّا مع عدمها فالطواف محكوم بالبطلان و إن كان ذلك عن جهل أو نسيان، و في حكم دخول الحِجر التسلّق على حائطه على الأحوط، بل الأحوط أن لا يضع الطائف يده على حائط الحِجر أيضاً (1).

____________

عليه، و ما دلّ على المنع من الدخول في البيت حال الطّواف منصرف عن التسلّق على الشاذروان، فالظاهر بطلان المقدار الّذي تسلّق عليه لا بطلان بقيّة الأشواط الّتي لم يكن على الشاذَروان، فعليه تدارك ذلك المقدار الّذي تسلّق على الشاذَروان، و الأحوط إتمام الطّواف بعد تدارك ذلك المقدار ثمّ إعادته من أصله.

و هل له أن يمدّ يده حال الطّواف على الحجر الأسود أو إلى جدار الكعبة لاستلام الأركان أو غيرها أم لا؟

اختلفت كلماتهم في ذلك، بل حصل الاختلاف من عالم واحد كالعلّامة (1).

و وجه الاشكال: أنّ الطّواف هل يلزم أن يكون بتمام بدنه أو يكفي بمعظم بدنه؟ فان اعتبرنا تمام البدن فلا يجتزئ بطوافه هذا، لأن يده خرجت عن المطاف، و إن قلنا بكفاية الصدق العرفي و الاكتفاء بمعظم البدن فمدّ اليد إلى جدار الكعبة أو الحجر غير ضائر في الصدق المذكور.

و لا ريب أن هذا الصدق غير قابل للإنكار كما في الطّواف في غير الكعبة، و لكن الأحوط استحباباً هو الترك.

(1) لا ريب في عدم جواز الدخول في حجر إسماعيل حال الطّواف، و هل يبطل طوافه برأسه أو يبطل ذلك الشوط الّذي وقع فيه؟ فيه كلام، ففي صحيحة معاوية بن عمار «من اختصر في الحِجر الطّواف فليعد طوافه» (2) و ظاهرها بطلان الطّواف من‌

____________

(1) قال بعدم الجواز في التذكرة 8: 92، و بالجواز في القواعد 1: 428.

(2) الوسائل 13: 357/ أبواب الطّواف ب 31 ح 3.

50

..........

____________

أصله.

و في غيرها من الروايات أنّه يعيد ذلك الشوط، فتكون هذه الروايات قرينة على أنّ المراد بالطواف في صحيحة معاوية بن عمار هو الشوط، حيث أُطلق الطّواف على الشوط في غير واحد من الروايات.

فالأظهر كفاية إعادة الشوط الّذي دخل فيه إلى الحِجر و إن كان الأحوط إعادة أصل الطّواف.

و أمّا التسلّق على حائط الحِجر فيظهر من الأصحاب أنّه محكوم بالحِجر و ألحقوه به.

أقول: إن كان مضمون الروايات هو جعل الحِجر مطافاً فالإلحاق في محله، لأنّه كالبيت في لزوم جعله مطافاً فلا يجوز التسلّق عليه، و لكن المذكور في الروايات هو المنع عن الدخول في الحِجر، و بالتسلق على حائطه لا يصدق الدخول في الحِجر فالإلحاق مشكل.

و لكن احتمال كون الحائط من الحِجر و أنّه مبني على الحِجر كما هو غير بعيد يمنع التسلّق عليه، لوجوب إدخال حجر إسماعيل في المطاف، فالاحتياط بترك التسلّق على حائط الحِجر في محله.

و أمّا وضع اليد على حائط الحِجر حال الطّواف فقد ذكروا أنّه لا يجوز، لأن بعض بدنه يكون في الحِجر، و لا يمكن إثباته بدليل، و لا يقاس بوضع اليد على جدار الكعبة أو الشاذَروان، لأنّ الطائف لا بدّ له أن يطوف بتمام بدنه حول البيت، و إذا وضع يده على الكعبة لا يصدق عليه أنّه طاف بتمام بدنه، و لكن الأمر في الحِجر ليس كذلك و ليس المأمور به الطّواف حول الحِجر، بل الممنوع دخول الطائف في الحِجر، و بوضع اليد على حائط الحِجر لا يصدق عليه الدخول في الحِجر.

و أوضح من ذلك إشكالًا: ما ذكره بعضهم من أنّه لا يمس جدار الحِجر، لما عرفت أنّ الممنوع شرعاً هو الدخول في ذلك و غير صادق على وضع اليد على الحائط أو مسّه، حتّى لو فرضنا أنّ الطرف الأعلى من الحائط أقل عرضاً من الأسفل، كما لو‌