موسوعة الإمام الخوئي - ج31

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
533 /
1

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المقدّمة

____________

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على محمّد و آله الطيبين الطاهرين، و اللّعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام الدِّين.

و بعد، فمن دواعي سروري و اعتزازي أن التقي بالقارئ الكريم مرّة أُخرى، في محاولة اخرى لشرح جانب آخر من الجوانب المهمّة للفقه الإسلامي الشامل.

و إذا كانت الدراسة الاولى كتاب النِّكاح ذات أهميّة كبيرة، بالنظر لاشتمالها على نظام تكوّن المجتمع و تنظيم نسب أفراده و انتماءاتهم، فالدراسة الثانية الكتاب الذي بين يديك لا تقل أهمية عنها لأنها المكمّل الأساسي في نظام المجتمع السعيد.

فإنّ كلا من نظام ارتباط الافراد بعضهم ببعض و النظام الاقتصادي يعتبر مقوِّماً أساسياً للمجتمع في حياته و كيانه، بعد نظام العبادات الذي يقوم بربط العبد بمولاة و يكون الطريق المفتوح بين المخلوق و خالقه. فإنّ المجتمع إذا كان لا يستقيم إلّا بنظام يتحكّم في انتساب الأفراد و شخصيّتهم، فهو لا يستقيم أيضاً إلّا بقواعد تتحكّم في معاملاتهم و إدارة شؤون أموالهم.

و على أيّ حال فالكتاب الذي بين يديك دراسة اقتصادية فقهية مهمّة، تشتمل على كتاب المضاربة الذي يعتبر أحد الأركان الأساسية لنظام الاقتصاد الإسلامي و ما يعرف بالمصطلح الحديث بنظام المصرف اللّاربوي.

2

..........

____________

و هي تقرير للمحاضرات التي ألقاها سماحة آية اللّٰه العظمى الإمام السيد الوالد (دام ظلّه) و قد حظي هذا الجزء كسابقيه بفائق لطفه و عنايته (حفظه اللّٰه) حيث أولاه اهتماماً خاصّاً فطالعه بتمامه.

حفظ اللّٰه سيّدنا (دام ظلّه) مناراً للإسلام و المسلمين، و أسأله التوفيق لنشر ما بقي من المحاضرات التي كان لي شرف حضورها و تدوينها، و اللّٰه وليّ التوفيق.

النجف الأشرف 20/ ذ ق/ 1406 ه‍ محمّد تقي الخوئي

كتاب المضاربة

3

[تمهيد]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب المضاربة و تسمّى قراضاً عند أهل الحجاز. و الأوّل من الضرب، لضرب العامل في الأرض لتحصيل الربح، و المفاعلة باعتبار كون المالك مسبّباً له و العامل مباشراً (1).

____________

(1) ما أفاده (قدس سره) إنما هو لتوجيه صدق المفاعلة في المضاربة، حيث إنّ باب المفاعلة يقتضي صدور الفعل من اثنين، و هو غير متحقّق في المقام، فإن القرض إنّما يكون من المالك خاصّة، و الضرب من العامل فقط.

غير إنّنا ذكرنا في مباحث المكاسب، أنّ هيئة المفاعلة و إن اشتهر وضعها للدلالة على صدور المادّة من اثنين، إلّا أنه لا أساس له. فإنها لا تدلّ إلّا على قيام الفاعل و تصدّيه نحو تحقيق المادة في الخارج، سواء أتحقّق ذلك أم لم يتحقق، فيقال: خادعته فلم ينخدع. و الشواهد على ذلك كثيرة، حيث تستعمل هذه الهيئة و لا يراد منها سوى تصدي الفاعل و لوحدة للفعل، فيقال: سايرته و دافعته و لو كان الطرف الآخر واقفاً لا يتحرك و طالعت و ناولته إلى غير ذلك.

نعم، قد تقتضي المادّة في بعض الموارد القيام في اثنين، كالمساواة و المقابلة و المحاذاة و المشاركة و غيرها، حيث إنها لا تتحقّق إلّا بطرفين، غير أنّ ذلك أجنبي عن الهيئة و إنما هو من خصوصيات المادّة.

و الذي يدلّنا على ما ندّعيه قوله تعالى «يُخٰادِعُونَ اللّٰهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ مٰا يَخْدَعُونَ إِلّٰا أَنْفُسَهُمْ وَ مٰا يَشْعُرُونَ» (1). فإنها تدلّنا على عدم اتحاد مفهوم (خادع)

____________

(1) سورة البقرة 2: 9.

4

و الثاني من القرض، بمعنى: القطع، لقطع المالك حصّة من ماله و دفعه إلى العامل ليتَّجر به. و عليه العامل مقارض بالبناء للمفعول، و على الأوّل مضارب بالبناء للفاعل.

و كيف كان، عبارة عن دفع (1) الإنسان مالًا إلى غيره ليتَّجر به، على أن يكون الربح بينهما، لا أن يكون تمام الربح للمالك، و لا أن يكون تمامه للعامل.

و توضيح ذلك: أنّ من دفع مالًا إلى غيره للتجارة:

تارة على أن يكون الربح بينهما، و هي مضاربة.

و تارة على أن يكون تمامه للعامل، و هذا داخل في عنوان القرض إن كان بقصده (2).

و تارة على أن يكون تمامه للمالك، و يسمّى عندهم باسم البضاعة.

____________

مع مفهوم (خدع) حيث إنّ الثاني ظاهر في تحقّق المادة في الخارج، في حين إن الأوّل لا يدلّ إلّا على تصدّي الفاعل و إرادته لذلك، من غير اعتبار لتحقّقه في الخارج.

و على هذا الأساس فلا حاجة لتحمل عناء ما ذكر من التأويلات لتصحيح صدق المفاعلة على المضاربة، فإنها صادقة عليها حقيقة و من غير حاجة إلى التأويل، نظراً لقيام المالك مقام الضرب و تصدّيه للقرض.

(1) بل هو عقد بين المالك و العامل.

(2) و إلّا فيبقى المال في ملك المالك، و مقتضى قانون تبعية الربح لرأس المال كونه بأكمله للمالك.

و بعبارة اخرى: إنّ القرض يتوقف على القصد. فإن قصدا ذلك كان المال ملكاً للعامل، و حينئذٍ فتكون الأرباح و بمقتضى القاعدة ملكاً له أيضاً. و إلّا، بأنْ قصد المالك إبقاء المال على ملكه، كانت المعاملة من المضاربة الفاسدة، فتجري عليها أحكامها. و ذلك لأن كون تمام الربح للعامل غير ممضى شرعاً، لعدم الدليل عليه و مقتضى القاعدة تبعية الربح للمال.

5

و تارة لا يشترطان شيئاً، و على هذا أيضاً يكون تمام الربح للمالك (1) فهو داخل في عنوان البضاعة.

و عليهما يستحقّ العامل اجرة المثل لعمله (2) إلّا أن يشترطا عدمه، أو يكون العامل قاصداً للتبرّع. و مع عدم الشرط و عدم قصد التبرع أيضاً، له أن يطلب الأُجرة، إلّا أن يكون الظاهر [1] منهما في مثله عدم أخذ الأُجرة، و إلّا فعمل المسلم محترم ما لم يقصد التبرع.

____________

(1) بموجب القاعدة، حيث إنّ كون بعضه أو كلِّه للعامل يحتاج إلى جعل من المالك و إمضاء من الشارع، و هما معاً مفقودان.

(2) ما أفاده (قدس سره) بالنسبة إلى القسم الثالث البضاعة ينافي ما التزم به في المسألة الرابعة عشرة من كتاب المساقاة، حيث صرح بعدم استحقاق العامل للأُجرة فيما إذا اشترط المالك انفراده بالثمر، لكونه حينئذٍ متبرِّعاً، فإنّ المسألتين من وادٍ واحد.

و الظاهر أنّ ما ذكره (قدس سره) في باب المساقاة هو الصحيح. فإنّ لهذا الكلام اعني طلب العمل على أن لا يكون له من الربح شي‌ء ظهوراً عرفياً في التبرّع و العمل المجّاني. و عليه فلا يكون له بإزاء عمله شي‌ء، لا من الربح للتصريح بعدمه، و لا اجرة المثل للتبرع بالعمل.

و أما ما أفاده بالنسبة إلى القسم الأخير، فهو تامّ و متين. و ذلك لأن أمر الغير بعمل له قيمة و مالية لدى العرف، تارة يكون ظاهراً في المجانية، فحينئذٍ لا اجرة للعامل، نظراً لكون الأمر متعلقاً بحصة معينة هي العمل المجّاني، فكأنّ العامل قد فعل هذا الفعل من غير أمر.

و أُخرى لا يكون له ظهور في المجّانية. و في هذا الفرض إنْ قصد العامل التبرّع‌

____________

[1] كما هو كذلك في البضاعة، و قد التزم (قدس سره) في باب المساقاة بعدم استحقاق العامل الأُجرة فيما إذا اشترط المالك انفراده بالثمر.

6

[شروط المضاربة]

و يشترط في المضاربة

[الإيجاب و القبول]

الإيجاب و القبول (1). و يكفي فيهما كل دالٍّ، قولًا، أو فعلًا (2). و الإيجاب القوليّ كأن يقول: ضاربتك على كذا، و ما يفيد هذا المعنى فيقول: قبلت.

و يشترط فيها أيضاً بعد

[البلوغ، و العقل، و الاختيار و عدم الحجر لفلس]

البلوغ، و العقل، و الاختيار (3) و عدم الحجر لفلس (4) [1]

____________

و المجانيّة، فلا يستحقّ الأُجرة عليه أيضاً، لأنه متبرع به، و بذلك فقد فوّت على نفسه ما كان يستحقّه من الأُجرة. و إن أتى به بقصد الأُجرة كما هو الغالب في أكثر المعاملات الخارجية، فيؤمر الحمال بحمل المتاع من غير تحديد للأُجرة فحينئذٍ و بطبيعة الحال و بمقتضى السيرة العقلائية القطعية يستحقّ العامل عليه الأُجرة، فيكون الآمر ضامناً لها.

بل و كذا الحال فيما لو كان لمتعلق الأمر مالية، كأمر الخباز بإعطاء الخبز للفقير فإنّه لو لم يكن للأمر ظهور في المجّانية و قصَد الدافع أخذ الثمن، كان الآمر مطالباً به.

و على هذا ففيما نحن فيه، إذا فرض أنه لم يكن أمر المالك للعامل بالتجارة ظاهراً في المجّانية، كما هو الغالب في أكثر الأوامر المتعلقة بالأعمال، فللعامل المطالبة بأُجرة مثل عمله فيما لم يقصد التبرع، سواء أتحقق الربح أم لم يتحقق، على ما تقتضيه القاعدة.

(1) ليتحقق بهما مفهوم العقد و المعاملة، كما هو الحال في سائر العقود.

(2) لما عرفت غير مرّة من أنه مقتضى القاعدة في العقود، حيث لا يعتبر فيها إلّا الاعتبار النفساني و إبرازه بمبرز في الخارج، و هو متحقق في المقام.

نعم، لا بدّ من رفع اليد عن القاعدة فيما دلّ الدليل على اعتبار لفظ خاصّ فيه كالطلاق، أو مطلق اللفظ كالنكاح.

(3) بلا خلاف فيها، فإنها من الشرائط العامة المعتبرة في كل عقد.

(4) مقتضى إطلاق العبارة أنّ المفلس لا تصحّ منه المضاربة، سواء أ كان مالكاً أم عاملًا. إلّا أنّ الإطلاق غير مراد جزماً، فإنّه لا محذور في كونه عاملًا، و سيجي‌ء منه (قدس سره) التصريح بصحّتها حينئذ.

____________

[1] هذا في المالك، و سيأتي منه (قدس سره) عدم اعتباره في العامل.

7

أو جنون [1] (1) أُمور:

[الأوّل: أن يكون رأس المال عيناً]

الأوّل: أن يكون رأس المال عيناً (2) فلا تصحّ بالمنفعة [2]، و لا بالدين. فلو كان له دين على أحد، لم يجز أن يجعله مضاربة إلّا بعد قبضه. و لو أذن للعامل في قبضه، ما لم يجدّد العقد بعد القبض.

____________

(1) لا يبعد أن يكون مراده (قدس سره) منه السفه، لأن حمله على معناه الحقيقي أي ما يقابل العقل، يوجب كونه مستدركاً، لأنه (قدس سره) قد اعتبر فيها العقل صريحاً.

ثمّ بناءً على الأوّل، مقتضى إطلاق كلامه (قدس سره) اعتبار عدمه في كلا طرفي المضاربة، و قد صرّح بذلك بعضهم، غير أن أكثر الفقهاء لم يتعرّضوا لذلك في كتاب المضاربة، و إنما اقتصروا على ما ذكروه في باب الحجر، من أنّ السفيه محجور عليه في ماله.

و كيف كان، فاعتباره بالنسبة إلى المالك مما لا خلاف فيه، فإنه ليس للسفيه أن يعقد المضاربة مع العامل، لكونه محجوراً عن التصرّف في أمواله.

و أما اعتباره بالنسبة إلى العامل فلا وجه له، إذ لا يعتبر قبول ذلك منه تصرّفاً في أمواله كما هو واضح، بل و لا عمله الذي هو بحكم المال، و ذلك لأن العامل لا يملك المالك عمله، و إنما المضاربة عقد شبيه بالوكالة كما عن المحقق (قدس سره) (1) أو الجعالة.

و عليه فلا وجه لاعتبار عدم السفه فيه، فإنه غير ممنوع منهما، بل ذكر غير واحد منهم أن له أخذ عوض الخلع، لكونه من تحصيل المال لا التصرّف في أمواله.

(2) اعتبره غير واحد من الفقهاء، نظراً لاختصاص أدلّتها الخاصة بالعين، فلا‌

____________

[1] لعلّه يريد به السفه، و إلّا فهو من سهو القلم، و على الأوّل فإنّما يعتبر عدمه في المالك دون العامل.

[2] على الأحوط.

____________

(1) الشرائع 2: 161.

8

نعم، لو وكَّلَه على القبض و الإيجاب من طرف المالك و القبول منه، بأن يكون موجباً قابلًا، صحّ.

____________

يمكن الحكم بالصحة في المنفعة و الدين، لعدم الدليل عليها.

و خالف فيه بعضٌ فالتزم بالصحة، تمسُّكاً بالأدلّة العامة و عمومات التجارة بدعوى أنّ مقتضاها نفي اشتراط ما يحتمل اعتباره في العقد.

و قد أشكل عليه في بعض الكلمات، بأنّه لا مجال للتمسك بهذه العمومات في نفي اعتبار ما يحتمل اعتباره بالنسبة إلى العقد.

و الذي ينبغي أن يقال: أن العقد الواقع في الخارج قد يكون من قبيل البيع و الإجارة و نحوهما، مما يكون التمليك من كل من الطرفين للآخر تمليكاً لما يملكه. و فيه لا مانع من التمسك بعمومات التجارة، و قد تمسّكنا بها لإثبات صحة المعاملة المعاطاتية.

و قد لا يكون كذلك، بأن لا يكون فيه تمليك من أحد الطرفين ماله للآخر كالمضاربة و المزارعة و المساقاة، حيث لا يملّك المالك العامل إلّا حصّة من الربح، و هي غير متحققة بالفعل، لأنه لا يملك إلّا أصل ماله، فكيف يصحّ تمليكها لغيره؟ و فيه فالقاعدة تقتضي البطلان، و لا عموم يقتضي صحته. و عليه فيكون تمام الربح للمالك نظراً لتبعية المنافع للأصل.

و كون بعضه للعامل رأساً و ابتداءً على خلاف القاعدة في العقود، إذ مقتضاها كون العوض لمن له المعوض فمن يبذل المثمن له الثمن، و العكس بالعكس، فلا وجه لكون بعضه للعامل.

و انتقاله آناً ما إلى ملك المالك و من ثمّ إلى العامل و إن كان معقولًا، إلّا أنه على خلاف قانون المضاربة و المزارعة و المساقاة. على أنه من تمليك ما لا يملك فعلًا، إذ ليس له الآن السلطنة عليه. و لذا لم يستشكل أحد في بطلان العقد إذا لم تكن حصّة العامل من ربح ما يتَّجر به، بأن يقول له المالك: اتّجر بهذا المال و لك الربع من أرباح تجارتي الخاصة، أو من ثمر بستاني في العام القادم.

9

..........

____________

و الحاصل أنّ الصحة في هذه الموارد التي ليس فيها شي‌ء مملوك للمملك بالفعل يملكه لغيره، تحتاج إلى دليل خاص، فإن كان فهو، و إلّا فالقاعدة تقتضي البطلان. نظير ما تقدّم في إجارة الأرض بحاصلها، أو بيع ما سيرثه من مورثه، فإنها غير مشمولة لأدلّة التجارة عن تراضٍ، و صحّتها على خلاف القاعدة، فلا بدّ لإثباتها من دليل خاصّ، و إلّا فهي محكومة بالفساد.

على أن المضاربة تزيد على غيرها في الإشكال، بأنها لا تنحصر غالباً بالتجارة مرّة واحدة، بل تكون من التجارة المستمرة و المتعددة.

و على هذا فلو فرض أنّ رأس المال مائة دينار و كان للعامل نصف الربح، فاتجر العامل به و اشترى سلعة بمائة دينار ثمّ باعها بمائتي دينار، كان مقتضى العقد اختصاص المالك بمائة و خمسين ديناراً و اختصاص العامل بخمسين ديناراً فقط.

فلو اشترى بعد ذلك شيئاً بمائتي دينار ثمّ باعه بأربعمائة دينار، فمقتضى العقد ان يكون للعامل مائة و خمسون ديناراً و للمالك مائتان و خمسون ديناراً. و هو مخالف للقاعدة من حيث أن المائتين ديناراً الحاصلة من التجارة الثانية، إنما هي ربح لمجموع خمسين ديناراً حصّة العامل، و مائة و خمسين ديناراً حصّة المالك. و مقتضى القاعدة أن يكون ربع هذا المبلغ له، و الثلاثة أرباع الباقية بينه و بين المالك.

و هذا يعني أن يكون للعامل من مجموع الأربعمائة مائة و خمسة و سبعون ديناراً و للمالك منه مائتان و خمسة و عشرون ديناراً فقط، و الحال أنه لا يأخذ إلّا مائة و خمسين ديناراً. و لازمه أن يكون ربح العامل أيضاً مناصفة بينه و بين المالك، و هو على خلاف القاعدة، حيث إنّ المالك لم يعمل فيه شيئاً، بل ذلك المال حصّة العامل بتمامه و العمل فيه من العامل، فلا وجه لأن يكون للمالك نصف ربحه.

و من هنا فلو كنا نحن و القاعدة، و لم يكن هناك دليل على الصحة، لالتزمنا بفساد عقد المضاربة بقول مطلق، و إنما قلنا بالصحة فيها للنصوص الخاصّة. و عليه فلا بدّ في تحديد ما يعتبر في الحكم بالصحة من اتّباع دلالتها، فبمقدار تلك الدلالة يحكم بالصحة، و الباقي بما في ذلك المشكوك يبقى على أصل الفساد.

و عليه فنقول: أما بالنسبة إلى الدَّين، فيكفي في الحكم بفساد المضاربة به معتبرة‌

10

و كذا لو كان له على العامل دين، لم يصحّ جعله قراضاً (1) إلّا أن يوكله في تعيينه، ثمّ إيقاع العقد عليه بالإيجاب و القبول بتولّي الطرفين.

____________

السكوني عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل له على رجل مال فيتقاضاه و لا يكون عنده، فيقول: هو عندك مضاربة، قال: لا يصلح حتى تقبضه منه» (1).

على أنّ المذكور في أدلّة المضاربة عنوان (إعطاء المال) و هو ظاهر في دفع العين فلا تشمل الأدلّة الدَّين. و يكفينا في ذلك الشكّ، حيث عرفت أن مقتضى الأصل البطلان.

و أما بالنسبة إلى المنفعة، فالمعروف و المشهور بينهم هو عدم الجواز. لكن يمكن أن يقال: إنّ التعبير في أدلّة المضاربة بالمال، لا سيما ما ورد في الوصية بالمضاربة بمال أولاده، شامل للمنفعة أيضاً، حيث لا دليل على بطلان المضاربة بها، خلافاً للدَّين.

إلّا أنه مردود بأنّ الظاهر من نصوص المضاربة، أنّ موضوعها إعطاء المالك ماله للعامل كي يعمل به على أن يكون رأس المال محفوظاً و الربح بينهما على حسب ما يتفقان عليه، و هو لا ينطبق على المنفعة حيث إنها غير قابلة للبقاء نظراً إلى أنها تتلف بنفسها، و من هنا فكل ما يكون في قبالها يكون بأجمعه ربحاً. و لذا قالوا في باب الخمس إنّ كل ما يقع بإزاء المنافع سواءً الأعيان و غيرها يكون متعلقاً للخمس و ليس ذلك إلّا لكونه بأجمعه ربحاً، لا أن الأصل محفوظ و الباقي هو الربح.

إذن فما ذكره المشهور من عدم صحة المضاربة بالمنفعة، إن لم يكن أقوى فهو أحوط.

هذا بناءً على جواز المضاربة بمطلق المال و إن لم يكن من الأثمان. و أما بناءً على عدم جوازه، فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز المضاربة بالمنفعة.

(1) للقاعدة و معتبرة السكوني، على ما تقدّم.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب المضاربة، ب 5 ح 1.

11

[الثاني: أن يكون من الذهب أو الفضة المسكوكين بسكة المعاملة]

الثاني: أن يكون من الذهب أو الفضة المسكوكين بسكة المعاملة، بأن يكون درهماً أو ديناراً. فلا تصحّ بالفلوس، و لا بالعروض، بلا خلاف بينهم، و إن لم يكن عليه دليل سوى دعوى الإجماع. نعم، تأمَّل فيه بعضهم، و هو في محلِّه لشمول العمومات، إلّا أن يتحقَّق الإجماع، و ليس ببعيد [1] (1) فلا يترك الاحتياط.

____________

(1) الظاهر أنّ الإجماع المدعى من الإجماع المنقول، فلا يمكن الاعتماد عليه، لا سيما بعد خلوّ كلمات غير واحد من الأصحاب من التعرض إليه.

و كيف كان، فالأصل في هذه الدعوى كلام القاضي في الجواهر، إلّا أنّ عبارته صريحة في دعوى الإجماع على صحّة المضاربة بالدراهم و الدنانير (1) و أين هذا من دعوى الإجماع على بطلانها في غيرهما؟ فإن بينهما بوناً بعيداً.

و منه يظهر أن الإجماع، بمعنى الاتفاق الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) غير متحقّق في المقام.

و معه فلا موجب لرفع اليد عن إطلاقات الأدلّة المعتبرة للمال في المضاربة، حيث لم يثبت تقييد بكونه من الدراهم أو الدنانير، فإنّ هذا العنوان كما يصدق عليهما، يصدق على غيرهما من الأثمان و الأموال المتمحضة في المالية.

نعم، الحكم لا يعمّ العروض، باعتبار أنّ الربح و الخسران إنما يلاحظان بالنسبة إلى ما هو متمحض في المالية، و هو الأثمان التي يتحفظ بها أوّلًا، ثمّ يلاحظ ربحها و خسارتها.

إذن فما اختاره صاحب الحدائق (قدس سره) من عدم اعتبار هذا الشرط (2) هو الصحيح.

____________

[1] الظاهر أنّ الإجماع لم يثبت، و عبارة القاضي في الجواهر تدلّ على تحقّق الإجماع على صحّة المضاربة بالدراهم و الدنانير، لا على عدم صحّتها في غيرهما، فالظاهر جواز المضاربة بما يكون في حكم النقدين من الأوراق النقديّة و غيرها.

____________

(1) الجواهر 26: 356 357.

(2) الحدائق 21: 204.

12

و لا بأس بكونه من المغشوش الذي يعامل به (1) مثل الشاميات و القمري و نحوها. نعم، لو كان مغشوشاً يجب كسره، بأن كان قلباً، لم يصحّ (2) و إن كان له قيمة، فهو مثل الفلوس.

و لو قال للعامل: بع هذه السلعة و خذ ثمنها قراضاً، لم يصحَّ [1] (3) إلّا أن يوكله في

____________

(1) إذ العبرة بناءً على اعتبار كونه من الذهب و الفضّة المسكوكين بصدق الدرهم و الدينار، و هو صادق على المغشوش على حد صدقه على الخالص، بل الخالص منهما إما لا يكون أو يكون نادراً جدّاً، و قد تقدّم الكلام فيه مفصّلًا في باب الزكاة.

نعم، لو كان الغش بحدّ يمنع صدق الاسم عليه، منع من صحة المضاربة به، بناءً على القول باعتبار كون مال المضاربة درهماً و ديناراً.

(2) بأن كان الغش في الهيئة لا المادة، بأن صب الذهب و الفضة بشكل الدراهم و الدنانير، فإنه لا يكون حينئذ من الأثمان، و تقدّم اعتبار كون مال المضاربة منها. و بذلك يظهر الفرق بينه و بين الفلوس.

(3) و كأنه لأن الذي يعطيه المالك للعامل ليس بالفعل درهماً أو ديناراً، و قد اعتبر كون مال المضاربة منهما. و ثمنه و إن كان منهما، إلّا أنه حين إعطائه له لم يكن مالكاً لذلك، و إنما يملكه بعد البيع.

و فيه ما لا يخفى. فإنا و إن سلّمنا عدم صحة المضاربة بالعروض، إلّا أنه إذا قصد المعطي المضاربة بالبدل و الثمن كما هو صريح عبارته، كان ذلك في الحقيقة توكيلًا للعامل في جعل الثمن قراضاً، كما هو الحال في سائر موارد الأمر بالأُمور المترتبة، كأن يقول: بع داري و اصرف ثمنه على الفقراء، فإنّه توكيل في الصرف عليهم لا محالة.

و من هنا فإذا نفّذ العامل ذلك فباع المتاع، ثمّ تصدى للتجارة بالثمن، كان فعله هذا إيجاباً للمضاربة بالوكالة من المالك، و قبولًا منه هو.

____________

[1] فيه إشكال، بل لا تبعد الصحّة.

13

تجديد العقد عليه بعد أن نض الثمن.

[الثالث: أن يكون معلوماً قدراً و وصفاً]

الثالث: أن يكون معلوماً قدراً و وصفاً (1) [1].

____________

و محذور كونها مضاربة معاطاتية، مدفوع بأنه لا إشكال فيها، حيث عرفت أنّ مقتضى العمومات عدم اعتبار اللفظ في صحة العقد إلّا ما خرج بالدليل.

(1) ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) في وجهه: أنّ الجهالة تمنع من تحقق الربح الذي ينبغي أن يكون مشتركاً بين المالك و العامل، و حيث إنه روح هذه المعاملة فيحكم ببطلانها (1).

و فيه: إنا لو سلّمنا عموم النهي عن الغرر للمضاربة أيضاً، فالمقام خارج عنه تخصصاً، إذ لا غرر في هذه المعاملة من ناحية المضاربة. فإنه لو أعطى المالك العامل كيساً مملوءاً بالدنانير و أمره بالمضاربة بها من دون أن يعلما مقدارها أو وصفها، لم يكن ذلك غررياً، من جهة تمكن العامل من عدّها بعد ذلك و إخبار المالك به فيرتفع جهلهما، لكونه أميناً عنده.

على أن لو لم يتمكن من عدّها، فيكفي في رفع الغرر أن المعاملة بذلك المال يستلزم علمه و لو تدريجاً بمقداره، فإنه كلما يشتري شيئاً ليتّجر به يعرف ما أخرج بإزائه من الكيس إلى ان ينتهي كلّ ما فيه، و حينئذ يرتفع غرره و يعلم بما كان في الكيس حين قبضه.

ثمّ لو فرضنا عدم ذلك أيضاً، فالربح يكون مشتركاً بين العامل و المالك، و حينئذٍ فيمكن حلّ المشكلة بالرجوع إلى التصالح إن أمكن، و إلّا فيحلّها الحاكم و لو بالقرعة.

و ليس في شي‌ء من ذلك أي غرر، حيث إنه عبارة عن الخطر المالي أو العرضي أو النفسي، و كلها مفقود في المقام، فإنّ الربح لكلٍّ منهما مضمون.

إذن فالظاهر عدم اعتبار هذا الشرط في عقد المضاربة، نظراً لعدم الدليل عليه.

____________

[1] على الأحوط الأولى.

____________

(1) الجواهر.

14

و لا تكفي المشاهدة و إن زال به معظم الغرر (1).

[الرابع: أن يكون معيّناً]

الرابع: أن يكون معيّناً [1] (2). فلو أحضر مالين و قال: قارضتك بأحدهما، أو بأيِّهما شئت، لم ينعقد إلّا أن يعيِّن ثمّ يوقعان العقد عليه.

نعم، لا فرق بين أن يكون مشاعاً أو مفروزاً (3) بعد العلم بمقداره و وصْفه. فلو كان المال مشتركاً بين شخصين، فقال أحدهما للعامل: قارضتك بحصتي في هذا المال، صحّ مع العلم بحصته من ثلث أو ربع. و كذا لو كان للمالك مائة دينار مثلًا، فقال: قارضتك بنصف هذا المال صحَّ.

____________

(1) خلافاً لما حكي عن الشيخ (قدس سره) من الاكتفاء بها، لما ذكره (1). و قد ظهر الحال فيه مما تقدّم.

(2) لم يظهر لنا وجهه.

فإنّ دعوى أن أحدهما و الفرد المبهم لا وجود له في الخارج، إذ الموجود في الخارج إنما هو الفرد المعيَّن المشخَّص، فلا تصحّ المضاربة به.

مدفوعةٌ بما ذكرناه في مبحث الواجب التخييري من المباحث الأُصولية، من أنّ الفرد المردَّد و إن لم يكن له وجود في الخارج، إلّا أنّ الجامع الذي هو عبارة عن عنوان أحدهما موجود في الخارج لا محالة، فإنه موجود بوجود الفردين. و لذا يقال: إنه يعلم بنجاسة أحد الإناءين، و الحال أنّ الذي لا وجود له كيف يعلم بنجاسته؟.

إذن فلا مانع من إيقاع المضاربة على أحدهما، فإنه مشمول للعنوان الوارد في النصوص، أعني دفع المال للتجارة. و حينئذٍ فيكون التخيير للعامل أو المالك على حسب ما يتَّفقان عليه.

(3) لصدق المال المذكور في النصوص عليهما على حدٍّ سواء.

____________

[1] على الأحوط، و لا يبعد عدم اعتباره.

____________

(1) المبسوط 3: 168.

15

[الخامس: أن يكون الربح مشاعاً بينهما]

الخامس: أن يكون الربح مشاعاً بينهما (1). فلو جعل لأحدهما مقداراً معيناً و البقية للآخر، أو البقية مشتركة بينهما، لم يصحّ [1] (2).

____________

(1) لتقوّم مفهوم المضاربة به، و إلّا فيكون داخلًا في مفهوم الإجارة أو الجعالة. و على كلا التقديرين يحكم ببطلان العقد، لأن غير المملوك بالفعل لا يصلح أن يكون اجرة أو جعلًا بإزاء عمل العامل.

(2) ما أفاده (قدس سره) إنّما يتمّ فيما إذا لم يكن وثوق بزيادة الربح عن المقدار الذي جعل لأحدهما تعييناً، فإنه حينئذٍ تخرج المعاملة عن المضاربة، حيث إن معه لا يبقى للآخر شي‌ء من الربح.

و أما إذا كان هناك وثوق بزيادة الربح عن المقدار المعيَّن، فقد استدلّ للبطلان فيه بأنّ ظاهر كون الربح مشتركاً بين المالك و العامل على ما دلّت عليه النصوص، هو اشتراكهما في كلّ جزء منه على نحو الإشاعة. و من هنا فاختصاص أحدهما بجزء منه دون الآخر يكون على خلاف مفهوم المضاربة، فلا يشمله دليلها، و القاعدة تقتضي البطلان.

و فيه: أنه لا يستفاد من أدلّة المضاربة كون كل جزء من الربح مشتركاً بينهما كما قيل، و إنما المستفاد منها أنّ مجموع الربح يكون بينهما في قبال اختصاص أحدهما به و هو صادق في المقام أيضاً. فإنه إذا استثنى المالك لنفسه عشرة دنانير مثلًا على أن يكون باقي الربح بينهما مناصفة، كان مرجع ذلك إلى المضاربة بالمال على أن يكون للعامل نصف الربح إلّا خمسة دنانير، و هو لا محذور فيه مع الوثوق بزيادة الربح على عشرة دنانير، لصدق كون الربح بينهما مشتركاً و مشاعاً.

و قد التزم الماتن (قدس سره) بجواز ذلك في المساقاة، مع أنّ المضاربة و المزارعة و المساقاة من هذه الجهة من وادٍ واحد و لا فرق بينهما.

إذن فالحكم بالبطلان في هذه الصورة لا يخلو عن إشكال، بل منع.

____________

[1] لا يخلو من الإشكال فيما إذا علم أنّ الربح يزيد على المقدار المعيّن، و قد التزم (قدس سره) في باب المساقاة بالصحّة في نظير المقام.

16

[السادس: تعيين حصّة كلّ منهما من نصف أو ثلث أو نحو ذلك]

السادس: تعيين حصّة كلّ منهما (1) من نصف أو ثلث أو نحو ذلك، إلّا أن يكون هناك متعارف ينصرف إليه الإطلاق (2).

[السابع: ان يكون الربح بين المالك و العامل]

السابع: ان يكون الربح بين المالك و العامل. فلو شرطا جزءاً منه للأجنبي عنهما، لم يصحّ (3) إلّا أن يشترط عليه عمل متعلّق بالتجارة (4).

____________

(1) فإنّ الملك لا بدّ و أن يتعلق بأمر معيَّن، فإنّ الشي‌ء الذي لا واقع له لا يصلح أن يكون مملوكاً لأحدهما. و حيث إن النسبة المجهولة لا واقع لها، فلا يصلح تمليكها للعامل.

هذا إذا كانت النسبة مجهولة و مردَّدة في الواقع. و أما إذا كان لها واقع لكنهما لم يكونا يعلمان بها، كما لو ضاربه بالنسبة التي اتفقا عليها في السنة الماضية مع نسيانهما لها، فهل يحكم بصحتها أم لا؟ قيل بالثاني، من جهة استلزامه للغرر.

إلّا أنّك قد عرفت ما فيه، حيث لا خطر على العامل في الربح، و إنما الشك في زيادته و نقصانه. على أنه لم يثبت نهيه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عن مطلق الغرر.

إذن فلا مانع من الالتزام بصحتها، إذ يصدق معه أنّ المالك أعطى ماله للعامل ليتَّجر به، على أن يكون الربح مشتركاً بينهما بنحو الإشاعة على النسبة المعينة في الواقع.

لكن لا يخفى أنّ ظاهر عبارة الماتن (قدس سره) هو القسم الأوّل، فإنه (قدس سره) غير ناظر إلى فرض كون النسبة معلومة في الواقع.

(2) حيث به يحصل العلم بالمقدار.

(3) و ذلك لأن مقتضى القاعدة و كما عرفت هو تبعية المنافع بأكملها لرأس المال في الملكيّة، و إنما خرجنا عنها في المضاربة حيث يكون بعض الربح للعامل بالدليل الخاصّ. و حيث لا دليل على جواز الجعل للأجنبي يكون باطلًا لا محالة، بعد أن لم يكن له شي‌ء من رأس المال أو العمل.

(4) لأنها في الحقيقة ترجع إلى المضاربة مع اثنين.

17

نعم، ذكروا أنّه لو اشترط كون جزء من الربح لغلام أحدهما صحّ. و لا بأس به، خصوصاً على القول [1] بأنّ العبد لا يملك، لأنه يرجع إلى مولاه. و على القول الآخر يشكل. إلّا أنه لما كان مقتضى القاعدة صحّة الشرط حتى للأجنبي (1) و القدر المتيقن من عدم الجواز ما إذا لم يكن غلاماً لأحدهما، فالأقوى الصحة مطلقاً. بل لا يبعد القول به في الأجنبي أيضاً و إن لم يكن عاملًا، لعموم الأدلّة (2).

[الثامن: ذكر بعضهم أنه يشترط أن يكون رأس المال بيد العامل]

الثامن: ذكر بعضهم أنه يشترط أن يكون رأس المال بيد العامل، فلو اشترط المالك أن يكون بيده لم يصح. لكن لا دليل عليه (3) فلا مانع أن يتصدّى العامل للمعاملة مع كون المال بيد المالك، كما عن التذكرة.

[التاسع: أن يكون الاسترباح بالتجارة]

التاسع: أن يكون الاسترباح بالتجارة. و أما إذا كان بغيرها، كأن يدفع إليه

____________

(1) مراده (قدس سره) من القاعدة هي العمومات و الإطلاقات. غير انك قد عرفت منا غير مرّة إنكار ذلك، حيث ليس لدينا أي عموم أو إطلاق يشمل تمليك ما لا يملك. و لذا لو اشترط شيئاً من الربح للأجنبي في غير عقد المضاربة، لم يصح جزماً، لأنه من تمليك المعدوم.

إذن فالصحيح أنّ الجعل للأجنبي غير جائز، سواء أ كان الأجنبي عبداً لأحدهما بناءً على ملكيّة العبد كما هو الصحيح، أم لم يكن.

(2) ظهر الحال فيه مما تقدّم.

(3) إذ المضاربة إنما تكون باعتبار صدور العمل من العامل، و رجوع الربح إليه و إلى المالك مشتركاً على النسبة المتفق عليها. و أما كون المال بيد العامل فلم يدلّ عليه دليل، بل ربّما لا يكون في العامل وثوق فيُبقي المالك ماله في يده تحفظاً عليه.

نعم، بعض النصوص تضمن التعبير ب‍ (يعطي مالًا) (1) و هو ظاهر في الدفع إليه‌

____________

[1] لا يبعد ابتناء صحّة الاشتراط على هذا القول إذا كان الشرط من شرط النتيجة كما هو المفروض، و أمّا الاشتراط للأجنبي فالظاهر عدم صحّته.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب المضاربة، ب 1 ح 1، 2.

18

ليصرفه في الزراعة مثلًا و يكون الربح بينهما، تشكل صحته (1) إذ القدر المعلوم من الأدلّة هو التجارة. و لو فرض صحة غيرها للعمومات، كما لا يبعد [1] (2) لا يكون داخلًا في عنوان المضاربة.

[العاشر: أن لا يكون رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به]

العاشر: أن لا يكون رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به، مع اشتراط المباشرة من دون الاستعانة بالغير، أو كان عاجزاً حتى مع الاستعانة بالغير، و إلّا فلا يصحّ [2] (3) لاشتراط كون العامل قادراً على العمل. كما أن الأمر كذلك في الإجارة للعمل، فإنه إذا كان عاجزاً تكون باطلة.

و حينئذٍ فيكون تمام الربح للمالك، و للعامل اجرة عمله

____________

و جعله في يده، إلّا أن التقييد وارد في كلام السائل دون جوابه (عليه السلام)، فلا يدلّ على اعتبار كونه في يد العامل، و عدم صحتها عند الخلاف.

على أنّ بعض النصوص مطلقة. ففي بعضها: (الرجل يقول للرجل: ابتاع لك متاعاً و الربح بيني و بينك) (1). و في بعضها: (الرجل يعمل بالمال مضاربة) (2) و غيرها. فإنّ هذه التعابير إن لم تكن ظاهرة في كون المال في يد المالك، فلا أقلّ من كونها عامة لكلا الطرفين.

(1) لاختصاص المضاربة، على ما يستفاد من نصوصها، بالاسترباح بالتجارة.

(2) بل هو بعيد، لما عرفت من عدم تمامية العمومات، و احتياج الحكم بالصحة في هذه المعاملات إلى الدليل الخاص، و حيث انه مفقود، فالقاعدة تقتضي البطلان.

(3) فيه إشكال، بل منع. فإنّ المضاربة كغيرها من العقود تنحل إلى عقود متعددة على أجزاء رأس المال، و إن كانت بحسب الإنشاء واحدة حالها في ذلك حال سائر العقود.

____________

[1] بل هو بعيد.

[2] لا تبعد الصحّة في المقدار الذي يقدر العامل على الاتجار به.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب المضاربة، ب 3 ح 1.

(2) الوسائل، ج 19 كتاب المضاربة، ب 1 ح 3.

19

..........

____________

و من هنا فحيث إنّ المفروض أن العامل ليس بعاجز عن التجارة بجميع أجزاء ذلك المال و إن كان عاجزاً عن الاتجار بمجموعه، فلا موجب للحكم بالبطلان من رأس و في جميع المال، بل يتعين الحكم بالصحة فيما يقدر عليه، و البطلان فيما يعجز عنه. فإنه لا محذور فيه سوى توهم أنّ الجهالة بالمقدار المقدور يستتبع الغرر الموجب لبطلان العقد، إلّا أنك قد عرفت ما في هذا التوهم، حيث لا غرر فلا موجب للحكم بالفساد.

نعم، لو كانت اجرة المثل في الخارج أقلّ من الربح المجعول للعامل، و كان المالك حين العقد جاهلًا بعجز العامل عن الاتجار ببعض المال، كان له الخيار في فسخ العقد من رأس، لتخلف الشرط، و هو انضمام المضاربة بكل جزء بالمضاربة بالجزء الآخر كما هو الحال في سائر موارد تبعض الصفقة. فيثبت للعامل اجرة مثل عمله حينئذٍ، أو إمضاء العقد في ذلك الجزء، فيكون له ما اتفقا عليه من النسبة. و أما الحكم بالبطلان من رأس كما أفاده الماتن (قدس سره)، فلا وجه له و لا يمكن المساعدة عليه.

و بعبارة اخرى نقول: إن المقدار المقدور، تارة يكون متميزاً عن غير المقدور و أُخرى لا يكون كذلك.

ففي الأوّل: لا ينبغي الشك في صحة المعاملة بالنسبة إلى المقدار المقدور، فإنه من ضم المعاملة الصحيحة إلى المعاملة الفاسدة. نظير بيع الخنزير و الشاة جملة، أو بيع ماله و مال غيره كذلك، فإنها تتبعض لا محالة، فتبطل في الخنزير و مال الغير، و تصحّ في الشاة و ماله.

و هذا جارٍ في الإجارة أيضاً، فإنه لو آجره لعملين أحدهما مقدور و الآخر غير مقدور دفعة، صحّت بالنسبة إلى المقدور، و بطلت بالنسبة إلى غيره.

و الحاصل إنَّ ضمَّ معاملة صحيحة إلى أُخرى فاسدة، لا يوجب البطلان بالنسبة إلى الصحيحة، بل تنحلّ المعاملة الواحدة إلى معاملتين، فتصحّ بالنسبة إلى الواجدة للشرائط، و تبطل بالنسبة إلى غيرها.

و منه يتّضح فساد ما ذكره (قدس سره) من عدم استحقاق العامل شيئاً من الربح فإنّ له النسبةَ المتَّفقَ عليها من ربح ما اتّجر به، لانكشاف كونه مقدوراً و صحيحاً.

20

مع جهله بالبطلان (1) و يكون ضامناً

____________

و في الثاني: فيحكم بالصحة في المقام أيضاً، و إن كنا نحكم بالفساد في الإجارة باعتبار أنه يعتبر فيها معلومية العمل بخلاف المضاربة، حيث قد عرفت أنه لا يعتبر فيها معرفة مقدار المال، لعدم الغرر في الجهل به. و على تقديره، فلا دليل على نفيه بقول مطلق.

إذن فلا موجب للحكم فيه بالبطلان فيما ظهر مقدوريته بعد ذلك من رأس، بعد أنْ كانت المضاربة عقداً جائزاً و لم يتضمّن التمليك من الابتداء، و لا مجال لقياسها بالإجارة التي هي من العقود اللازمة المتضمنة للتمليك من الطرفين. بل المتعين هو الحكم بثبوت النسبة المعينة من الربح للعامل، فيما إذا لم يكن المالك جاهلًا بعجزه عن المضاربة بالجميع من أوّل الأمر. و إلّا فهو بالخيار، إن شاء أبقى المعاملة كما كانت فيأخذ العامل نصيبه من الربح. أو فسخ، لتبعض الصفقة، فيكون للعامل اجرة مثل عمله.

(1) ما أفاده (قدس سره) متفرع على اختياره لبطلان المضاربة في المقام، فلا تثبت له الحصّة المعينة من الربح. و أما بناءً على ما اخترناه من صحّتها بالنسبة إلى المقدور، فلا موضوع لهذا الكلام كما عرفت.

و كيف كان، فكأنّ الوجه فيما أفاده (قدس سره) من استحقاق العامل لُاجرة مثل عمله عند جهله بالبطلان خاصّة، هو عدم إقدام العامل حينئذٍ على التبرع بعمله و المجانية، بخلاف ما لو كان عالماً بالفساد و عدم استحقاقه للنصيب المعيَّن، فإنه و بإقدامه بعد ذلك على العمل يكون مقدماً على التبرع بالعمل و المجانية.

إلّا أنك عرفت في مبحث الإجارة، أنّ العلم بالفساد لا يعني إقدام العامل على العمل مجّاناً، بل غاية ما يقتضيه هو العلم بعدم إمضاء الشارع المقدس للعقد و عدم استحقاقه للنصيب المعين، و هو لا يعني التبرع بعمله و الإقدام على المجّانية. و لذا يضمن كلٌّ من المتبايعين ما قبضاه بالعقد الفاسد، حتى مع علمهما بالفساد.

21

لتلف المال [1] (1) إلّا مع علم المالك بالحال (2).

____________

و عليه فلا وجه للقول بعدم استحقاق العامل لُاجرة مثل عمله على تقدير علمه بفساد العقد، بل هو مستحقّ لها على كلا التقديرين، نظراً لعدم إقدامه على المجانية.

نعم، استحقاقه لُاجرة المثل إنما هو في فرض عدم زيادتها عن الحصّة المعينة في المضاربة الفاسدة، و إلّا فليس له إلّا ذلك المقدار، لإقدامه على العمل بذلك المقدار و إلغاء احترامه بالنسبة إلى الزائد.

(1) فيه إشكال، بل منع. فإنّ الضمان إنما يثبت ببناء العقلاء، أو ضمّ الدليل الشرعي إليه، أو التعبد المحض في موارد خاصّة، من تعدٍّ، أو تفريط، أو أخذ مال الغير بغير رضاه، أو الإتلاف، أو إقدام الآخذ على الضمان كما هو الحال في العقود الضمانية، أو عارية الذهب و الفضة.

و لا شي‌ء من هذه العناوين متحققة في المقام. فإنّ المفروض عدم التعدي أو التفريط. و كلمة الأخذ ظاهرة في القهر و الغصب، فلا تشمل ما إذا كان برضاه أو اختياره. و الإتلاف العمدي مفروض العدم. و ليس الآخذ مقدماً على الضمان، بل و لم يسلمه المالك المال في المقام على أن يكون دركه عليه. و لا نصّ خاص يقتضي الضمان في المقام.

و من هنا فمقتضى كون اليد أمانة مالكية، عدم الضمان في المقام.

و يقتضيه مضافاً إلى ذلك، تسالمهم على ما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره) على أنّ «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» و بالعكس. فإنّ مقتضاه عدم ثبوت الضمان فيما نحن فيه، لأنّ المضاربة الصحيحة غير مضمونة، فتكون فاسدتها كذلك.

(2) ظهر مما تقدّم أنه لا وجه لتقييد عدم الضمان بفرض علم المالك بالحال، فإنّ أدلّة الضمان قاصرة عن شمول المقام، سواء علم المالك بالحال أم جهل.

____________

[1] الظاهر أنّه لا يضمن مطلقاً.

22

و هل يضمن حينئذ جميعه، لعدم التميز مع عدم الإذن في أخذه على هذا الوجه. أو القدر الزائد، لأن العجز إنما يكون بسببه، فيختصّ به. أو الأوّل إذا أخذ الجميع دفعة. و الثاني إذا أخذ أوّلًا بقدر مقدوره، ثمّ أخذ الزائد و لم يمزجه مع ما أخذه أوّلًا؟ أقوال، أقواها الأخير.

و دعوى أنه بعد أخذ الزائد يكون يده على الجميع، و هو عاجز عن المجموع من حيث المجموع، و لا ترجيح الآن لأحد أجزائه، إذ لو ترك الأوّل و أخذ الزيادة لا يكون عاجزاً (1)، كما ترى، إذ الأوّل وقع صحيحاً، و البطلان مستند إلى الثاني و بسببه (2)

____________

(1) و بعبارة اخرى: إنّ الدفعين الأوّل و الثاني لما كانا مبنيين على المضاربة الواقعة على الجميع، و المحكوم عليها بالفساد بالنسبة إلى جميع المال أيضاً المقدور و غير المقدور كما هو المفروض، لم يكن للتفصيل و ترجيح الأوّل على الثاني وجه، فإنّ العقد واحد، و نسبة كل واحد من الدفعين إليه واحدة أيضاً.

(2) و توضيحه أن يقال: إنّ عقد المضاربة لما كان جائزاً من الطرفين، و كان المالك غير ملزم بدفع المال إلى العامل بعد العقد، حيث إنه ليس له مطالبته به كما أنه ليس للمالك إلزام العامل بالعمل، فلا وجه لأن يقال إنّ تسليم المالك للعامل من الجري على المعاملة الفاسدة، و نسبة تلك المعاملة إلى كلا الدفعين واحدة.

فإنّه إنما يتمّ في العقود اللازمة، حيث لا يكون التسليم بعد الحكم بالفساد بنفسه مصداقاً لإنشاء ذلك العقد، فيتعيّن كونه جرياً على العقد الفاسد. و أما في العقود الجائزة التي يكون العمل بعد العقد الفاسد بنفسه مصداقاً لذلك العقد، فلا مجال لأن يكون العمل بعده جرياً على العقد السابق، بحيث يرى المالك نفسه ملزماً به، بل هو بعينه يكون مصداقاً لذلك العقد.

فلو أكره شخصٌ آخر ليهب ماله إليه، فوهب و من ثمّ سلَّم المال باختياره إليه، لم يكن ذلك من الجري على الهبة الفاسدة، و إنما كان التسليم بنفسه مصداقاً للهبة.

و ما نحن فيه من هذا القبيل. فإنّ دفع المالك للمال بعد فساد المضاربة إلى العامل‌

23

و المفروض عدم المزج (1).

هذا و لكن ذكر بعضهم أن مع العجز المعاملة صحيحة، فالربح مشترك، و مع ذلك يكون العامل ضامناً مع جهل المالك. و لا وجه له، لما ذكرنا، مع أنه إذا كانت المعاملة صحيحة لم يكن وجه للضمان.

____________

لا يمكن أن يكون جرياً على المعاملة الفاسدة، و إنما هو مضاربة حقيقية انشِئتْ بالفعل لا اللفظ، حيث إنّ المالك بدفعه للمال قاصد لمتاجرة العامل به على أن يكون الربح بينهما على النسبة التي اتفقا عليها، فيحكم بصحّته حيث لا موجب للحكم بالفساد فإنّ مجرّد كون العقد السابق اللفظي محكوماً بالفساد، لا يقتضي الحكم بالبطلان فيما أنشأ بعده بالفعل.

و على هذا الأساس يتّضح وجه ما أفاده الماتن (قدس سره) من التفصيل. فإن المقدار المقدور المقبوض أوّلًا مضاربة مستقلة عن المضاربة بالمقدار الثاني، حيث يكونان من الجري على المضاربة القولية الفاسدة، فيحكم بصحّة الأُولى حيث لا موجب للبطلان، و فساد الثانية لكونها غير مقدورة.

و الظاهر أنّ ما ذكرناه هو مراد الماتن (قدس سره) من قوله: إذ الأوّل وقع صحيحاً، فإنه محمول على أنّ الأوّل مضاربة معاطاتية صحيحة، و إلّا فالجري على العقد السابق فعل خارجي لا معنى لوصفه بالصحة و الفساد.

و بالجملة فالمتعين بناءً على القول ببطلان تمام المضاربة عند عدم القدرة على بعضها، و الحكم بضمان العامل لتلف المال مع جهل المالك بالحال كما بنى عليها الماتن (قدس سره)، هو ما أفاده (قدس سره) من التفصيل بين قبض المال جملة و تدريجاً.

(1) لم يظهر لنا وجه تقييد عدم الضمان في المقدار المقدور المقبوض أوّلًا، بما إذا لم يمزج الثاني به، بحيث لو مزجه لكان ضامناً للجميع. فإنّ المزج و عدم التمييز لا يقتضي ثبوت الضمان فيما لم يكن مضموناً من قبل، فإنّه لا موجب للضمان فيه، لا سيما و إنّ المالين ملك لمالك واحد.

24

ثمّ إذا تجدّد العجز في الأثناء، وجب عليه ردّ الزائد (1) و إلّا ضمن.

[مسائل]

[مسألة 1: لو كان له مال موجود في يد غيره، أمانة أو غيرها فضاربه عليها صحّ]

[3390] مسألة 1: لو كان له مال موجود في يد غيره، أمانة أو غيرها فضاربه عليها صحّ (2). و إن كان في يده غصباً أو غيره، مما يكون اليد فيه يد ضمان، فالأقوى أنه يرتفع الضمان بذلك، لانقلاب اليد حينئذ [1]، فينقلب الحكم (3).

و دعوى أن الضمان مغيا بالتأدية (4) و لم تحصل، كما ترى (5).

____________

(1) يظهر وجهه مما تقدّم. فإنّ هذا المال بعد العجز عن المضاربة به يكون أمانة شرعية في يد العامل، و عليه ردّه إلى مالكه في أقرب أزمنة الإمكان.

(2) إذ لا يعتبر في المضاربة أن يكون المال عند المالك كي يقبضه إلى العامل.

(3) فإنّ موضوع الحكم بالضمان إنما هو اليد الضمانية، كيد الغاصب أو العارية المضمونة. و حيث إنّ هذا الموضوع تبدل بيد الأمانة و المضاربة، ينتفي الضمان قهراً و يكون من السالبة بانتفاء الموضوع.

(4) لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (1) حيث إنّ مقتضاه ثبوت الضمان إلى حين الأداء و التسليم.

(5) فإنّ هذه الرواية نبوية لم تثبت، و العبرة في الضمان إنما هي ببناء العقلاء أو المتشرعة عليه، و لا شي‌ء منهما متحقق في المقام.

على أنّ موضوع هذا النصّ هو الاستيلاء على مال الغير على نحو يوجب الضمان كالغصب و العارية المضمونة، و المفروض عدم بقائه لأنه تبدل إلى الأمانة، و معه فلا‌

____________

[1] مرّ أنّه لا يعتبر في المضاربة كون المال بيد العامل، و عليه فلا دلالة لعقدها على رضا المالك ببقاء المال في يد الغاصب من دون قرينة، إلّا أنّ عقد المضاربة من المالك على ذلك المال قرينة عرفيّة على رضاه ببقاء هذا المال في يده و تصرّفه فيه، و عليه فلا ضمان، نعم لو لم تكن هنا قرينة على ذلك فالصحيح ما ذكره الجماعة من بقاء الضمان.

____________

(1) مستدرك الوسائل: باب 1 من كتاب الوديعة ح 12.

25

و لكن ذكر جماعة بقاء الضمان، إلّا إذا اشترى به شيئاً و دفعه إلى البائع، فإنّه يرتفع الضمان به، لأنه قد قضى دينه بإذنه (1). و ذكروا نحو ذلك في الرهن أيضاً و أن العين إذا كانت في يد الغاصب فجعله رهناً عنده أنها تبقى على الضمان. و الأقوى ما ذكرنا في المقامين، لما ذكرنا.

[مسألة 2: المضاربة جائزة من الطرفين]

[3391] مسألة 2: المضاربة جائزة من الطرفين، يجوز لكلّ منهما فسخها (2)

____________

مجال لبقاء الحكم الأوّل. نظير ما لو تبدّل عنوان الغصب أو العارية المضمونة بالإجارة و نحوها، فإنّ معه أ فيحتمل الحكم ببقاء الضمان من دون موضوع؟!.

بل لو تنزّلنا عن هذا أيضاً، فإطلاق هذا النص معارَض بإطلاق ما دلّ على عدم ضمان الأمين. حيث إنّ المال و بعد إجازة المالك أمانة بيد العامل، و مقتضى إطلاق أن الأمين لا يضمن عدم ضمانه، بلا فرق فيه بين ما إذا كان مضموناً قبل ذلك و عدمه. و حينئذ فيتعارض الإطلاقان، و من ثمّ يتساقطان، و النتيجة هو الحكم بعدم الضمان.

إذن فالصحيح هو الحكم بعدم الضمان، تبعاً للماتن (قدس سره).

و لكن لا بدّ من تقييد ذلك بما إذا قامت القرينة على رضاه ببقاء المال عند العامل و إلّا فمجرد عقد المضاربة لا يقتضي سقوط الضمان و رضاه ببقائه عنده، إذ قد عرفت فيما تقدّم أنه لا يعتبر في عقد المضاربة كون المال بيد العامل.

نعم، الظاهر أنّ إجراء المالك لعقد المضاربة مع الغاصب مع عدم مطالبته به، قرينة عرفية على رضاه ببقاء ذلك المال في يده و تصرّفه فيه، فينتفي الضمان.

(1) فيكون في فعله هذا كالوكيل، فيسقط الضمان عنه، لأنه أداء لحقّه حقيقة.

(2) و ليس الوجه فيه هو الإجماع، كي يناقش بأنه غير معلوم. و إنّما هو قصور أدلّة اللّزوم عن شمول العقود الإذنية التي لا يكون فيها أي التزام من أحدهما بشي‌ء كي يشمله «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) و إنّ من التزم بشي‌ء فعليه أن يُنهيه و إنما هي مجرّد‌

____________

(1) سورة المائدة 5: 1.

26

سواء كان قبل الشروع في العمل أو بعده، قبل حصول الربح أو أو بعده (1) نض المال أو كان به عروض، مطلقةً كانت أو مع اشتراط الأجل و إن كان قبل انقضائه (2).

نعم، لو اشترط فيها عدم الفسخ إلى زمان كذا، يمكن أن يقال بعدم جواز فسخها قبله، بل هو الأقوى، لوجوب الوفاء بالشرط. و لكن عن المشهور بطلان

____________

إباحة و إذن في التصرّف من أحدهما و قبول من الآخر كالعارية. و عليه فمتى ما رجع الآذن في إذنه، لكونه مسلّطاً على ماله يتصرف فيه كيف يشاء، ارتفع الموضوع، و معه ينتفي الحكم لا محالة.

(1) يريد بذلك جواز الفسخ بالنسبة إلى المعاملات المتأخرة عن المعاملة الواقعة التي ظهر فيها الربح. و أما بالنسبة إليها فلا خلاف و لا إشكال في اللزوم، و إنّ الربح و بطبيعة الحال يكون مشتركاً بينهما، و ليس للمالك أن يفسخ العقد ليأخذ تمام الربح و يدفع للعامل اجرة المثل.

و الوجه فيه واضح. فإنّ العقد لما كان محكوماً بالصحة و ممضًى من الشارع، كان مقتضاه اشتراك المالك و العامل في الربح الحاصل على النسبة المتفق عليها و بمجرد ظهوره، و ليس للمالك أن يفسخ العقد لينزعه منه من غير رضاه.

نعم، قد يثبت له ذلك من جهة أُخرى، كتخلف العامل عن شرط اشترط عليه إلّا إنه خارج عن محلّ كلامهم.

(2) حيث إنّ التأجيل لا يعني إلّا تحديد الإذن بالأجل و تقييد جواز التصرّف بالمال به، بحيث لا يكون العامل مأذوناً فيه بعد ذلك. و ليس معناه اشتراط عدم الفسخ في تلك الفترة، كما توهمه بعض، فإنّ لكل منهما فسخ العقد متى شاء. و من هنا يندفع ما قيل من أنه إذا لم يصحّ اشتراط عدم الفسخ، لم يصحّ اشتراط التأجيل أيضاً.

27

الشرط المذكور، بل العقد أيضاً [1]، لأنّه منافٍ لمقتضى العقد. و فيه منع، بل هو منافٍ لإطلاقه (1). و دعوى أن الشرط في العقود الغير اللازمة

____________

(1) و فيه ما لا يخفى.

و ذلك أما إذا كان الشرط هو عدم مالكيته للفسخ، أو عدم الفسخ خارجاً بعد ظهور الربح، فقد ظهر لك مما تقدّم عدم منافاته للعقد أو إطلاقه، بل كونه تأكيداً محضاً لمقتضاه، لكونه ثابتاً قبل الاشتراط.

و أما إن كان الشرط هو عدم مالكيته للفسخ أو عدم الفسخ خارجاً في محلّ الكلام أعني قبل ظهور الربح فهو خارج عن مقتضى العقد أصلًا و إطلاقاً، إذ الجواز و اللزوم حكمان شرعيان خارجان عن العقد و ليسا من مقتضياته.

إذن فلا مجال للحكم بفساد العقد من هذه الناحية.

و أما من سائر النواحي، فقد ذكرنا في طي أبحاثنا الفقهية غير مرّة أن الشرط في العقد ليس مجرّد مقارنة التزام بالتزام أو أمر آخر، و إنما هو نحو ارتباط بين الشرط و المشروط، و هو يكون على نحوين على سبيل القضية مانعة الخلو إذ قد يجتمعان معاً.

____________

[1] ذكرنا في محلّه أنّ اشتراط العقد بشي‌ء ليس معناه مجرّد مقارنة التزام مع التزام آخر، بل هو يختلف باختلاف الموارد، فقد يكون معنى الشرط في ضمن العقد تعليق الالتزام بالعقد و الوفاء به عليه كما إذا اشترط في بيع عبد مثلًا كونه كاتباً أو عادلًا أو ما شاكل ذلك، و قد يكون معناه تعليق نفس العقد على الالتزام بشي‌ء كما إذا اشترطت المرأة في عقد النكاح السكنى في بلد معيّن مثلًا أو نحو ذلك، و قد يكون كلا الأمرين معاً كما إذا اشترط البائع أو المشتري على الآخر خياطة ثوب أو كتابة شي‌ء مثلًا، ثمّ إنّ الاشتراط فيما نحن فيه ليس من قبيل الأوّل حيث إنّه لا التزام هنا بالعقد حتى يعلّق على شي‌ء آخر، بل هو من قبيل الثاني بمعنى أنّ المعلّق على الالتزام بشي‌ء إنّما هو عقد المضاربة نفسه، و عليه ففيما نحن فيه إن كان المعلّق عليه هو لزوم العقد و وجوب الوفاء به فهو باطل، و إن كان هو الالتزام بعدم فسخه خارجاً فهو صحيح و يجب عليه الوفاء به و لكن لا يلزم وجوب العقد وضعاً، و من هنا إذا فسخ كان فسخه نافذاً و إن كان غير جائز، و كذا الحال فيما إذا اشترط في ضمن عقد آخر، و بذلك يظهر الحال في سائر فروض المسألة.

28

..........

____________

فقد يكون الشرط بمعنى تعليق المنشأ و نفس العقد على التزام المشروط عليه بشي‌ء، بحيث لو لم يلتزم به لما كان الأوّل منشإ لذلك العقد، كاشتراط الزوجة الاستقلال في السكنى أو عدم إخراجها من بلد أهلها، فيصحّ بقبول الآخر، و لا يضرّ مثله لأنه من التعليق على أمر حاصل حال العقد، و يجب عليه الوفاء به لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم» (1).

إلّا أنه لا يترتب عليه غير إلزامه به، إذ التعليق إنما كان على نفس التزامه و قد حصل و لم يكن على الفعل في الخارج.

و قد يكون الشرط بمعنى تعليق التزامه بالمنشإ و الوفاء به على شي‌ء في الخارج فيكون العقد فيه مطلقاً و غير معلق، و إنما المعلق التزامه و وفاؤه به، و يرجع هذا في الحقيقة إلى جعل الخيار لنفسه عند فقدان ذلك الوصف المطلوب، كاشتراط الكتابة أو العدالة في قبول بيع العبد.

و قد يجتمعان معاً، كما إذا اشترط أحد طرفي العقد على الآخر عملًا معيّناً كخياطة ثوب أو كتابة شي‌ء، فإنه يكون من تعليق نفس العقد على التزام الآخر بذلك العمل و تعليق التزامه بذلك العقد و الوفاء به على تحقّق ذلك العمل في الخارج.

إذا اتضح ذلك فما نحن فيه لا يمكن أن يكون من قبيل الثاني، حيث إنّ المضاربة على ما عرفت من العقود الإذنية، حيث ليس فيها أي التزام من الطرفين المالك و العامل كي يكون الاشتراط فيها من تعليق الالتزام بشي‌ء، فلا محالة يكون الاشتراط من قبيل الأوّل، بمعنى تعليق نفس إذن المالك في التصرّف بالمال أو قبول العامل على ذلك.

و حينئذ فتارة يفرض كون المعلق عليه هو اللزوم و عدم مالكيته للفسخ.

و أُخرى يفرض كونه هو التزام الآخر بعدم الفسخ خارجاً.

ففي الأوّل: فبما أنّ المعلق عليه غير حاصل في الخارج، باعتبار أنّ عقد المضاربة عقد جائز حيث إنّ كلّاً من المالك و العامل مالك للفسخ بحكم الشارع و لا ينقلب إلى‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المهور، ب 20 ح 4.

29

غير لازم الوفاء، ممنوعة (1).

نعم، يجوز فسخ العقد، فيسقط الشرط، و إلّا فما دام العقد باقياً يجب الوفاء بالشرط فيه. و هذا إنّما يتم في غير الشرط الذي مفاده عدم الفسخ، مثل المقام

____________

اللازم بالاشتراط، يكون هذا العقد تبعاً للشرط محكوماً بالبطلان، لأن المالك لم يقدم على التجارة بماله على الإطلاق، و إنما أذن فيها على تقدير عدم ثبوت ملك الفسخ للآخر، و حيث إنّه ثابت فالمالك لم يأذن فيها.

و في الثاني: فحيث إنّ الفسخ فعل سائغ وجوداً و عدماً، فليس فيه أي محذور، إذ الالتزام بعدمه كالالتزام بسائر الأُمور المباحة من الخياطة و الكتابة و غيرهما.

فحيث لم يكن يجب على المالك أو العامل الفسخ أو عدمه و كان كل منهما سائغاً و جائزاً في حقه، لم يكن في الالتزام به محذور بل يصحّ الشرط و العقد معاً.

إذن فالصحيح في المقام هو التفصيل، بين اشتراط عدم ملك الفسخ فيحكم فيه بفساد الشرط و العقد، و بين اشتراط عدم الفسخ خارجاً فيحكم بصحتهما.

(1) لعموم قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم» (1). فإنّه غير مختص بالشروط في ضمن العقود اللازمة، بل يعمّ كل ما يصدق عليه الشرط، سواء أ كان في ضمن عقد لازم أم جائز. بل لو لم يكن الشرط ظاهراً في نحو ارتباط شي‌ء بشي‌ء، لقلنا بوجوب الوفاء بالشروط الابتدائية، لكن الأمر ليس كذلك باعتبار أنّ الشرط الابتدائي ليس شرطاً في الحقيقة، و إنما هو وعد محض.

و دعوى أنّ الشرط لا يزيد على المشروط، فإذا لم يكن لازماً فلا يكون الشرط لازماً أيضاً، بالأولوية.

مدفوعة بأنها صدى محض لا واقع لها. إذ لا مانع من كون وجوب الوفاء بالشرط مشروطاً بأمر جائز، كما هو الحال في أكثر الواجبات المشروطة، كالسفر بالنسبة إلى القصر في الصلاة، أو قصد الإقامة بالنسبة إلى التمام. فإنه وفى حين إنه لا يجب السفر‌

____________

(1) الوسائل، ج 21 كتاب النكاح، أبواب المهور، ب 20 ح 4.

30

فإنّه يوجب لزوم ذلك العقد (1).

هذا و لو شرط عدم فسخها في ضمن عقد لازم آخر، فلا إشكال في صحة

____________

يجب القصر على تقديره، فللمكلف أن يبقي السفر فيجب عليه القصر، و له أن ينهاه و يرجع إلى أهله فينتفي موضوعه. و من هنا فلا ملازمة بينهما، و لا أولوية.

و عليه ففي المقام، فللمكلف أن يلغي العقد فينتفي الشرط، و له أن يبقيه فيجب عليه الوفاء به، فإبقاء العقد و إن لم يكن واجباً، إلّا أنه على تقدير إبقائه يجب الوفاء بالشرط.

و ما قد يقال من أنّ ما دلّ على جواز العقد، دالّ على جوازه بتوابعه، و منها الشرط.

مدفوع بأنّ دليل الجواز في عقد المضاربة، إما هو الإجماع كما ذهب إليه المشهور و هو يختص بنفس العقد. و إما هو ما ذكرناه من عدم الدليل على اللزوم فيه، فهو مختص بالعقد أيضاً و لا يعمّ الشرط، لأنه واجب الوفاء، لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم» فلا يمكن أن يقال إنه لا دليل على لزومه.

و بالجملة فالصحيح أنّ الشروط مطلقاً، سواء أ كانت في ضمن عقد لازم أم كانت في ضمن عقد جائز، يجب الوفاء بها ما دام العقد باقياً، فإذا ارتفع العقد انتفى الموضوع.

ثمّ إنّ لزوم الشرط هذا إنما هو لزوم تكليفي محض و لا يترتب عليه أي أثر وضعي، باعتبار أنّ دليله، أعني قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم» لا يقتضي أزيد من ذلك. و من هنا فإذا تخلف المشروط عليه نفذ فعله و إن فعل حراماً.

(1) قد عرفت أنّ العمل بالشرط و إن كان لازماً، إلّا أنه لا يوجب لزوم العقد فإن اللزوم محض تكليف و لا يترتب عليه أي أثر وضعي.

ثمّ إنه ذكر بعضهم: إنّ وجود العقد إذا كان شرطاً في لزوم العمل بالشرط، امتنع أن يكون لزوم العمل بالشرط مقتضياً لوجود العقد و مانعاً من فسخه.

31

الشرط (1) و لزومه. و هذا يؤيد ما ذكرنا من عدم كون الشرط المذكور منافياً

____________

و بعبارة اخرى: إنّ وجوب العمل بالشرط لما كان منوطاً ببقاء العقد، كان لا بدّ من التفصيل في اشتراط عدم فسخ المضاربة بين ما يكون في نفس العقد، و ما يكون في عقد جائز آخر. ففي الثاني يصح الشرط و يجب الوفاء به ما دام العقد الثاني باقياً و أما إذا فسخ انتفى الشرط لانتفاء موضوعه. و أما في الأوّل فينبغي الحكم بعدم صحة الشرط، و ذلك لأنه لما كان فرع بقاء العقد، لم يعقل أن يكون بقاء العقد معلولًا له.

و فيه ما لا يخفى. إذ إن توقّف وجوب العمل بالشرط على بقاء العقد ليس مستنداً إلى دليل خاص، من إجماع أو نص أو غيرهما، و إنما هو من جهة قصور الشرط بنفسه عن إثبات الأزيد من ذلك. فإنّ المتفاهم العرفي من اشتراط شي‌ء على الغير في المعاملة، هو العمل بالشرط ما دام العقد باقياً. و لذا لو فسخ العقد بخيار المجلس أو غيره، لم يجب على المشروط عليه العمل بالشرط، بدعوى أنه يجب الوفاء به. و كذا لو اشترطت المرأة على الرجل النفقة في النكاح المنقطع. فإنّ المتفاهم العرفي في جميع ذلك هو العمل بالشرط ما دام العقد باقياً، بلا فرق في ذلك بين عقد المضاربة و غيره.

هذا كله إذا كان الشرط عملًا خارجياً. و أما إذا كان الشرط هو عدم الفسخ فحيث إنّه لا معنى لأن يكون متوقّفاً على بقاء العقد، إذ لا معنى للقول بأنّ عدم الفسخ متوقف على بقاء العقد، وجب العمل على وفق ذلك الشرط و الوفاء به مباشرة.

و ملخّص الكلام: إن المستفاد من قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم» هو وجوب العمل بكل شرط سائغ و ممكن بقول مطلق.

نعم، قد يكون وجوب العمل ببعض الشروط مشروطاً ببقاء الموضوع من جهة المتفاهم العرفي، إلّا أنّ ذلك لا يعني توقف وجوب الوفاء على بقاء العقد دائماً.

إذن فما ذكر من التفصيل لا يمكن المساعدة عليه، و الصحيح هو القول بصحّة الشرط على التقديرين.

(1) في إطلاقه إشكال بل منع، إذ يجري فيه ما ذكرناه من التفصيل في الشرط.

32

لمقتضى العقد، إذ لو كان منافياً لزم عدم صحته في ضمن عقد آخر أيضاً.

و لو شرط في عقد مضاربة، عدم فسخ مضاربة أُخرى سابقة، صحّ (1) و وجب الوفاء به، إلّا أن يفسخ هذه المضاربة فيسقط الوجوب. كما أنه لو اشترط في مضاربة مضاربة أُخرى في مال آخر، أو أخذ بضاعة منه، أو قرض، أو خدمة أو نحو ذلك، وجب الوفاء به ما دامت المضاربة باقية، و إن فسخها سقط الوجوب.

و لا بدّ أن يحمل ما اشتهر من أنّ الشروط في ضمن العقود الجائزة غير لازمة الوفاء على هذا المعنى، و إلّا فلا وجه لعدم لزومها مع بقاء العقد على حاله، كما اختاره صاحب الجواهر (قدس سره).

____________

فإن كان الشرط هو عدم الفسخ خارجاً، تم ما أفاده (قدس سره)، نظراً لكون فعله سائغاً فيجب بالشرط، لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم». لكن يبقى هذا الوجوب تكليفياً محضاً، و لذا لو عصى و فسخ لكان فسخه نافذاً، و إن ثبت بذلك للشارط الخيار في العقد اللازم الآخر لتخلف الشرط.

و إن كان الشرط هو لزوم المضاربة و عدم مالكيته للفسخ، فهو باطل، لكونه مخالفاً للسنّة. حيث إن عقد المضاربة جائز، فلا ينقلب بالشرط إلى اللزوم، فإنّ الحكم الشرعي لا يتغير به.

و حينئذٍ فهل يسري فساده إلى العقد، أم لا؟ فيه خلاف، و الصحيح عندنا هو الثاني، فيبقى العقد و يبطل الشرط.

(1) على التفصيل المتقدِّم حرفاً بحرف، بالقياس إلى صحة الشرط و فساده. و أما العقد المشروط فيه، فيختلف الحال فيه في المقام عن الحال في العقد اللازم، فإنّ بطلان الشرط هناك لم يكن يوجب فساد العقد. و هذا بخلاف المقام، فإنّ بطلانه يوجب بطلان العقد لا محالة، لأن الإذن في التصرّف إنما كان معلقاً على الشرط، فإذا انتفى ينتفي هو أيضاً، و معه فلا يجوز للمشروط عليه التصرّف فيه.

33

بدعوى أنها تابعة للعقد لزوماً و جوازاً، بل مع جوازه هي أوْلى بالجواز و إنها معه شبه الوعد. و المراد من قوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» اللّازمةُ منها لظهور الأمر فيها في الوجوب المطلق. و المراد من قوله (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «المؤمنون عند شروطهم» بيان صحّة أصل الشرط، لا اللزوم و الجواز. إذ لا يخفى ما فيه (1).

[مسألة 3: إذا دفع إليه مالًا و قال: اشترِ به بستاناً مثلًا]

[3392] مسألة 3: إذا دفع إليه مالًا و قال: اشترِ به بستاناً مثلًا، أو قطيعاً من الغنم.

فإن كان المراد الاسترباح بهما بزيادة القيمة، صحّ مضاربة.

و إن كان المراد الانتفاع بنمائهما بالاشتراك، ففي صحّته مضاربة وجهان: من أن الانتفاع بالنماء ليس من التجارة فلا يصحّ، و من أن حصوله يكون بسبب الشراء فيكون بالتجارة. و الأقوى البطلان مع إرادة عنوان المضاربة، إذ هي

____________

هذا فيما إذا كان الشرط لزوم العقد و عدم مالكية المشروط عليه الفسخ. و أما إذا كان الشرط هو عدم الفسخ خارجاً، و تخلف المشروط عليه عن شرطه و فسخ العقد، فإذا كان ذلك قبل ظهور الربح في المعاملة الثانية المشروطة، فلا أثر لتخلّف الشرط، فإن العقد جائز في نفسه. و أما إذا كان بعد ظهور الربح في المعاملة الثانية فللمشروط له أن يفسخ العقد من جهة تخلف الشرط، فيكون تمام الربح للمالك و للعامل اجرة المثل.

(1) أما الأوّل فيرده ما ذكرناه في مباحث المكاسب عند التعرض لما يقتضيه الأصل عند الشك في لزوم عقد أو جوازه، من أن الوفاء إنما هو بمعنى الإتمام و الإنهاء فالوفاء بالشي‌ء عبارة عن إنهائه و عدم فسخه. و حيث إنه يقطع بعدم حرمة الفسخ تكليفاً، فلا بدّ من حمل الأمر بالوفاء على الإرشاد إلى اللزوم و عدم نفوذ الفسخ و الرجوع.

34

ما يكون الاسترباح فيه بالمعاملات و زيادة القيمة، لا مثل هذه الفوائد (1). نعم لا بأس بضمها إلى زيادة القيمة (2).

و إن لم يكن المراد خصوص عنوان المضاربة، فيمكن دعوى [1] صحّته للعمومات (3).

____________

إذن فالآية الكريمة دليل للزوم كل عقد نشكّ في لزومه و جوازه و لم يقم دليل على جوازه، لا أنّ موضوعها العقد اللازم.

و أما الثاني فلما عرفت من أنه إنما يتضمن حكماً تكليفياً صرفاً، نظير قولهم (عليهم السلام) «المؤمن عند عدته» لا الصحة، و إنما هي تستفاد بالملازمة من الحكم التكليفي، و ليس هذا موضوعاً للجواز أو اللزوم، بل مقتضاه وجوب الوفاء بكل شرط سائغ في ضمن أي عقد من العقود كان الجائزة أو اللّازمة و لا مانع من الالتزام بذلك.

(1) و بعبارة اخرى: إن هذا العقد غير مشمول لأدلّة المضاربة. حيث إنّ المستفاد من أدلّتها اعتبار كون الاسترباح و ما ينتفع به كل من المالك و العامل كلّ حسب حصّته، حاصلًا بالتجارة بحيث يعد ربح التجارة، و هو غير صادق على النماء، فإنه ليس بربح التجارة.

(2) بلا خلاف فيه بينهم. فإنّ الإذن في التجارة ببيع و شراء ما له نماء إذن في بيع النماء أيضاً، فيشتركان في ربحه. و لا ينافيه عنوان المضاربة، لأنه اشتراك في الربح الحاصل من التجارة، و إن كان مال التجارة يزيد أيضاً.

(3) ك‍ «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ». بدعوى أنها و بمقتضى عمومها تقتضي الحكم بصحّة كل معاملة تنشأ بين طرفين، سواء أ كانت من المعاملات المتعارفة المعهودة أم لم تكن.

____________

[1] لكنّها بعيدة، و قد تقدّم نظير ذلك.

35

[مسألة 4: إذا اشترط المالك على العامل أن تكون الخسارة عليهما كالربح]

[3393] مسألة 4: إذا اشترط المالك على العامل أن تكون الخسارة عليهما كالربح، أو اشترط ضمانه لرأس المال، ففي صحّته وجهان، أقواهما الأوّل [1] (1) لأنه ليس شرطاً منافياً لمقتضى العقد كما قد يتخيل، بل إنما هو مناف لإطلاقه، إذ مقتضاه كون الخسارة على المالك، و عدم ضمان العامل إلّا مع التعدي أو التفريط.

____________

غير أنك قد عرفت غير مرّة، أنّ هذه العمومات لا تصلح لأن تشمل مثل هذه المعاملات. فإنّ التمليك لا بدّ و أن يتعلق إما بشي‌ء خارجي مملوك له بالفعل، و إما بشي‌ء في ذمّته. باعتبار أنه مسلط عليهما و هما تحت سلطانه. فإذا أنشأ المالك تمليك شي‌ء من هذين، شملته العمومات لا محالة.

و أما إذا تعلق إنشاء التمليك بأمر معدوم ليس بمملوك له فعلًا، فلا يصحّ بأي مملك كان، و لذا لم يلتزموا بصحّته فيما إذا كان ذلك في ضمن عقد آخر. و اشتراط أن يكون ملكاً له في ظرفه غير صحيح أيضاً، إذ الملكيّة لا تكون بغير سبب مملك.

إذن فهذا النحو من المعاملة الذي يتضمن تمليك أمر معدوم غير صحيح، و إنما قلنا بصحته في المزارعة و المضاربة و المساقاة و الوصية لأجل الدليل الخاص، و إلّا فمقتضى القاعدة فيه هو البطلان.

(1) بل الأقوى هو التفصيل، بين ما إذا كان الشرط هو الضمان و كون الخسارة في عهدة العامل فيبطل، و بين ما إذا كان هو التدارك الخارجي فيصحّ.

أمّا الأوّل: فليس ما ذكرناه من جهة كونه منافياً لمقتضى العقد، إذ الضمان و عدمه كالجواز و اللزوم خارجان عن مقتضى العقد أصلًا و إطلاقاً، فإنّ مقتضاه ليس إلّا عمل العامل بالمال و تصرّفه فيه على أن يكون الربح بينهما على ما اتفقا عليه. و إنما‌

____________

[1] هذا إذا كان الاشتراط راجعاً إلى لزوم تدارك العامل الخسارة من كيسه، و أمّا إذا رجع إلى اشتراط رجوع الخسارة إليه فالأظهر بطلان الشرط، و بذلك يظهر الحال في اشتراط ضمانه لرأس المال.

36

..........

____________

ذلك من جهة ملاحظة أن العامل أمين، و مقتضى ما دلّ على أن الأمين لا يضمن، و لا سيما بعض النصوص الواردة في خصوص المضاربة، هو عدم الضمان.

و عليه فيكون اشتراط الضمان من الشرط المخالف للسنة، حيث إنّ مقتضاه عدم ضمان الأمين، سواء اشترط ذلك عليه أم لم يشترط، فيبطل لا محالة.

و أما الثاني: فحيث أن تدارك العامل للخسارة و التلف من ماله الخاص، لا على نحو الضمان، أمر سائغ و فعل جائز قبل الاشتراط، فلا مانع من اشتراطه عليه، و عنده فيجب الوفاء به.

و من الغريب في هذا المقام ما صدر من بعضهم، من القول بانقلاب عقد المضاربة عند اشتراط الضمان على العامل قرضاً، فيكون جميع الربح للعامل، و لا يكون للمالك إلّا رأس ماله، و ذلك للنص المعمول به لدى الأصحاب.

و كأنه صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث-: «إنّ علياً (عليه السلام) قال: من ضمن تاجراً فليس له إلّا رأس ماله، و ليس له من الربح شي‌ء» (1).

لكنها و إن كانت صحيحة بحسب السند، إلّا أنها أجنبية بحسب الدلالة عن محلّ الكلام، فإنّها واردة في التضمين من أوّل الأمر، لا اشتراط الضمان عند التلف الذي هو محلّ كلامنا.

فإنّا ذكرنا في مبحث الفرق بين البيع و الدين من مباحث المكاسب، أنّ البيع عبارة عن مبادلة المال بالمال، بحيث إنّ كلّاً من المتبايعين يعطي شيئاً بإزاء أخذ شي‌ء من صاحبه. في حين إنّ القرض لا يتضمن أيّ مبادلة بين المالين، و إنما هو تمليك للمال مع الضمان، بمعنى إثباته في عهدة الآخر و نقله إلى ذمّته، كما هو الحال في الغاصب مع التلف. فليس القرض تبديل مال بمال غيره، و إنما هو جعل المال المعيّن بعينه في ذمّة الآخر، و هذا ما يعبّر عنه بالضمان المطلق.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب المضاربة، ب 4 ح 1.

37

[مسألة 5: إذا اشترط المالك على العامل أن لا يسافر مطلقاً]

[3394] مسألة 5: إذا اشترط المالك على العامل أن لا يسافر مطلقاً، أو إلى البلد الفلاني، أو إلّا إلى البلد الفلاني، أو لا يشتري الجنس الفلاني، أو إلّا الجنس الفلاني، أو لا يبيع من زيد مثلًا، أو إلّا من زيد، أو لا يشتري من شخص، أو إلّا من شخص معين، أو نحو ذلك من الشروط. فلا يجوز له المخالفة (1) و إلّا ضمن المال لو تلف بعضاً أو كلّاً، و ضمن الخسارة مع فرضها.

و مقتضى القاعدة (2) و إن كان كون تمام الربح للمالك على فرض إرادة القيدية (3) إذا أجاز المعاملة، و ثبوت خيار تخلّف الشرط على فرض كون المراد من الشرط الالتزام في الالتزام، و كون تمام الربح له على تقدير الفسخ، إلّا أنّ الأقوى

____________

إذن فهذه الصحيحة لما كانت ناظرة إلى الضمان المطلق، أعني دفع ماله إلى غيره ليكون في عهدته من أوّل الأمر، كانت الرواية أجنبية عن محل الكلام، فإنها واردة في القرض ابتداءً، لا في انقلاب المضاربة إلى القرض بالاشتراط.

فالصحيحة، بناءً على ما ذكرناه و اختاره صاحبا الوافي (1) و الحدائق (2) غير واردة في المضاربة، و إنما هي واردة في التضمين الفعلي، و أين ذلك من اشتراط الضمان عند التلف؟.

فما ذكره هذا القائل من كون الصحيحة معمولًا بها، غير تامّ بالقياس إلى المعنى الذي ذكره.

(1) عملًا بشرط المالك، و اقتصاراً على مورد إذنه.

(2) باعتبار أنّ العامل حينئذٍ فضولي. فإن أجاز المالك ما صدر من المعاملة منه صحّ العقد و كان تمام الربح له، و إلّا حكم ببطلان المعاملة الصادرة منه.

(3) يمتاز القيد من الشرط في العقود الالتزامية التمليكية كالبيع، بأنّ الشرط فيها‌

____________

(1) الوافي 18: 880.

(2) الحدائق 21: 207 208.

38

..........

____________

قد يكون أمراً خارجياً أجنبياً عن المبيع و الثمن كالخياطة. ففي مثله لا يمكن أن يكون قيداً لمتعلق العقد، إذ المبيع وجود و الشرط وجود آخر، و النسبة بين الوجودين هي التباين، فلا معنى لأن يكون أحدهما مقيداً للوجود الآخر، فيقال: إن الحنطة مقيدة بخياطة الثوب.

نعم، من الممكن جعله قيداً للمنشإ، بمعنى تعليق نفس البيع لا المبيع على الخياطة إلّا أنه باطل جزماً، لأنه من التعليق في العقود، و هو موجب لبطلانه.

و من هنا فينحصر أمره في أن يكون شرطاً في العقد، بمعنى تعليق الالتزام بالعقد على الخياطة، فيكون من الالتزام في ضمن الالتزام.

و قد يكون وصفاً لمتعلق العقد، و هو تارة يكون من الأوصاف الذاتية المقومة للذات، فهو قيد لا محالة، كأن يقول: بعتك هذا الموجود الخارجي على أن يكون ذهباً. و عليه فلو تخلف الوصف لكان البيع محكوماً بالبطلان لا محالة، و ذلك لأن مالية الأشياء إنما هي بفصولها و ما يمتاز به كل صنف عن الآخر من الصفات، و حيث إنّ الجامع بين الصنفين فاقد لها فلا مالية له.

و العبرة في اختلاف الصنف و النوع إنما هي بالنظر العرفي لا الدقة العقلية الفلسفية. فإنه إذا باع المملوك على أنه أمَة فبان عبداً، حكم ببطلان البيع، إذ العرف يراهما نوعين، و إن كانا بنظر العقل واحداً، باعتبار أن الذكورية و الأُنوثية من العوارض للإنسان.

و أُخرى لا يكون مقوِّماً للذات، كما لو باع العبد على أنه كاتب، و مثله لا يصلح أن يكون قيداً. فإنّ الموجود الخارجي لا إطلاق له لكي يكون مقيداً بالكتابة في بعض الأحيان، و إنما هو موجود واحد، إما هو كاتب بالفعل أو ليس بكاتب كذلك.

و حيث لا يجوز أن يكون من تعليق نفس البيع عليه، لأنه من التعليق المبطل جزماً، ينحصر أمره في كونه شرطاً، أعني تعليق الالتزام بالعقد على كونه كاتباً فيكون له الخيار على تقدير عدمه.

هذا كله بالنسبة إلى المائز بين القيود و الشروط في الأعيان الخارجية، و قد اتّضح‌

39

..........

____________

أنه يختلف باختلاف الشرط.

و من هنا يتضح أنّ العبرة في الفرق بينهما إنما هو بواقع الشرط لا التعبير، فلا فرق بين أن يقول: بعتك هذا العبد الكاتب، أو: بعتك هذا على أن يكون كاتباً، فإنّ الحال فيهما واحدة.

و أما إذا كان متعلق العقد كلياً في الذمّة، فحيث إنّ وجود الكلي ينحصر في وجود أفراده إذ لا وجود له إلّا في ضمنها، كان الاشتراط مقوِّماً كان الشرط أو غيره موجباً لتعدد الوجود و امتياز المقيد عن غيره. و من هنا يكون الشرط قيداً في متعلق المعاملة لا محالة، بحيث يكون متعلقها خصوص الحصّة المقيّدة دون غيرها، لاقتضاء أخذ الوصف تخصص الكلي لا محالة. و عليه فلو سلّمه غيرها لم تبرأ ذمّته، و وجب عليه أداء الحصّة التي اتفقا عليها.

و بهذا يفترق الكلّي عن العين الخارجية.

و كذا الحال إذا كان متعلق العقد عملًا من الأعمال، فإنّه عرض من الأعراض، و هو يختلف و يتعدّد في الوجود بما له من صفات، فهو موجود بوجودين واجد الصفة و فاقدها.

و من هنا فأخذ صفة في ضمن العقد، يعني كون متعلق المعاملة خصوص تلك الحصة، فلو أتى الأجير بغيرها لم تفرغ ذمّته.

و ليس هذا من موارد الخيار، و إنما هو من موارد عدم تحقق متعلق العقد في الخارج.

و الحاصل أنّ باب الكلّي في الذمّة و الأعمال من جهة، يغاير باب الأعيان الخارجية التي تكون متعلّقة للعقد من جهة أُخرى.

هذا كله في العقود الالتزامية التمليكية. و أما في عقد المضاربة الذي ينحلّ في الحقيقة إلى أمرين: إذن المالك للعامل في العمل و التزامه بأن يكون الرّبح بينهما، فهو من العقود الإذنية بلحاظ الجهة الأُولى، و من العقود الالتزامية بلحاظ الجهة الثانية.

فإذا اشترط المالك على العامل ما يرجع إلى خصوصية في المبيع أو الشراء، كان‌

40

اشتراكهما في الربح على ما قُرِّر، لجملة من الأخبار الدالّة على ذلك (1). و لا داعي

____________

ذلك من تقييد الإذن لا محالة، فيكون راجعاً إلى الجهة الأُولى في المضاربة. و مقتضى ذلك أنّ مخالفة الشرط توجب انتفاء الإذن في التصرّف فيه، و عليه فيحكم بعدم استحقاق العامل شيئاً. و أما ما وقع من العمل خارجاً فهو معاملة فضولية، إن أجازه المالك كان الربح أو الخسران له، و إلّا فهو محكوم بالفساد من أصله.

و أما إذا كان الشرط أمراً خارجياً، كالخياطة و الكتابة و نحوهما، فيمكن أن يكون راجعاً إلى الجهة الأُولى، فيكون من تعليق الإذن في التجارة و التصرّف بالمال على ذلك الفعل المعين، كما هو الحال في الإباحات. و لا يقدح فيه التعليق، لأن الممنوع إنما هو التعليق في العقود التمليكية، و المضاربة من العقود الإذنية.

و يمكن أن يكون راجعاً إلى الجهة الثانية، أعني التزامه بكون الربح بينهما على النسبة المعينة، و هذا هو الأظهر في الشروط التي لها مالية.

و عليه فعند تخلّف العامل عن الشرط، فللمالك أن يرفع يده عن التزامه هذا، و إن كان إذنه في أصل التجارة باقياً، فيأخذ تمام الربح، و يكون للعامل اجرة مثل عمله.

هذا تمام الكلام بالنسبة إلى ما تقتضيه القاعدة، و منه يظهر الحال في بعض ما أفاده الماتن (قدس سره) في هذا المقام.

(1) كصحيحة جميل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل دفع إلى رجل مالًا يشتري به ضرباً من المتاع مضاربة، فذهب فاشترى به غير الذي أمره، قال: «هو ضامن و الربح بينهما على ما شرط» (1).

و صحيحة الحلبي عنه (عليه السلام) أيضاً، في الرجل يعطي الرجل مالًا مضاربة فيخالف ما شرط عليه، قال: «هو ضامن و الرّبح بينهما» (2). و غيرهما من النصوص.

____________

(1) الوسائل، ج 19 كتاب المضاربة، ب 1 ح 9.

(2) الوسائل، ج 19 كتاب المضاربة، ب 1 ح 5.

41

إلى حملها على بعض المحامل (1) و لا إلى الاقتصار على مواردها، لاستفادة

____________

ثمّ إنّ أغلب هذه الروايات و إن كانت واردة في مخالفة العامل للمالك في الخروج من البلد و المكان الذي حدده له في التجارة، و صحيحة جميل واردة في مخالفته للمالك في جنس ما عيّنه له، إلّا أنه يمكن إثبات الحكم بشكل عام و التعدي عن المورد، بدعوى الأولوية القطعية. حيث إنه إذا ثبت اشتراك العامل و المالك في الربح على النسبة المعيّنة، مع مخالفة العامل للمالك في جنس المتاع و المخالفة ذاتية، كان ثبوته في مورد مخالفته للشرائط الأُخر العائدة إلى الاختلاف في الأوصاف أو الأزمان، بطريق أَوْلى.

و إن أبيت عن قبول ذلك، يكفينا في إثبات الحكم في سائر الموارد إطلاق صحيحة الحلبي المتقدِّمة، حيث إنّ مقتضى إطلاق قوله: (فيخالف ما شرط عليه) عدم الفرق بين كون المخالفة من حيث الجنس أو الزمان أو الوصف.

(1) حمل بعضهم المخالفة في هذه النصوص على المخالفة الصورية. بدعوى ان قصد المالك حين إعطائه لرأس المال للعامل إنما هو الاسترباح، غاية الأمر انه كان يتخيل انه إنما يكون بشراء الأطعمة مثلًا، لكن العامل لما يعلم انفعية شراء الحيوان مثلًا فيشتريه، فلا يمكن ان يقال انه كان من غير إذن المالك، لأنه لما كان قصده الاسترباح كان راضياً بكل معاملة فيها ربح. و من هنا تكون المعاملة صحيحة، و الربح بينهما بالنسبة لا محالة، باعتبار ان المخالفة صورية لا حقيقية.

و عليه فالمتحصل ان هذه النصوص لا تتضمن حكماً تعبدياً مخالفة للقاعدة، و إنما تتضمن حكماً تقتضيه القواعد بنفسها.

و فيه: انه لو تم فهو إنما يتم في صورة وجود الربح في المعاملة التي أتى بها العامل. و أما مع الخسارة فمقتضى القاعدة كون المعاملة فضولية، ان أجازها المالك كانت الخسارة عليه و إلّا استحق نفس ماله و عينه، لا الحكم بصحتها مطلقاً مع تحمل العامل للخسارة، فإنه لا ينطبق على أي قاعدة من القواعد.

على انه إنما يختص بما إذا كان ربح المعاملة التي قام بها العامل، أزيد أوْ لا أقل‌

42

العموم من بعضها الآخر (1).

____________

مساوياً لربح المعاملة التي أمر بها المالك. و أما مع قلته بالنسبة إليه، فكيف يمكن أن يقال: ان المالك راضٍ بها و ان المخالفة صورية؟ و الحال ان هذه النصوص مطلقة و غير مقيّدة بفرض تساوي الربحين، أو زيادة ربح الثانية عما أمر به المالك.

هذا كله مضافاً إلى ان العبرة في صحة التصرّف في مال الغير، انما هي بكون العقد الصادر منسوباً إلى المالك، و هو لا يكون إلّا بإذنه السابق أو إجازته اللاحقة. و لا يكفي مجرّد الرضا الباطني التقديري، فإنّ كل إنسان يرضى باطناً بالربح، لكن أ فهل يصحّح ذلك أخذ ماله و التصرّف من غير إذنه؟!.

إذن فهذه المخالفة حقيقية واقعية و ليست بصورية، و مقتضى القاعدة الحكم ببطلان ما صدر من العامل، غير أنّ النصوص تضمنت صحّته تعبداً، و كون الربح بينهما و الخسارة على العامل.

(1) على ما تقدّم بيانه.

نعم، الظاهر أنها إنما تختص بمخالفة العامل للشرط الراجع إلى الجهة الأُولى في المضاربة، أعني الإذن في التصرّف في المال، و لا تشمل مخالفته لما يرجع إلى الجهة الثانية و كون الربح بالنسبة المعينة بينهما.

و ذلك لانصراف هذه النصوص عن مثل هذه المخالفات، إذ الظاهر أنها ناظرة إلى عمل العامل عملًا لم يأذن فيه المالك و صدور العمل على خلاف الشرط، لا ما إذا كان العمل مأذوناً فيه؛ غاية الأمر أنه لم يف بشرط خارجي اشترط عليه بلحاظ جعل الربح له، على ما يشهد له ملاحظة سائر النصوص الواردة في مخالفة العمل، فإنها تقيد ما ظاهره الإطلاق لا محالة.

بل الظاهر أنه لا حاجة إلى ذلك أيضاً، إذ الظاهر من صحيحة الحلبي المتقدِّمة ترتب الأثر على العمل بخلاف ما شرط عليه، و لو بملاحظة مناسبة الحكم و الموضوع، حيث إنّ مجرّد عدم العمل بالشرط لا يقتضي الضمان، و إنما يقتضيه العمل‌

43

[مسألة 6: لا يجوز للعامل خلط رأس المال مع مال آخر، لنفسه أو غيره]

[3395] مسألة 6: لا يجوز للعامل خلط رأس المال مع مال آخر، لنفسه أو غيره (1) إلّا مع إذن المالك عموماً، كأن يقول: اعمل به على حسب ما تراه مصلحة، إن كان هناك مصلحة، أو خصوصاً. فلو خلط بدون الإذن ضمن التلف إلّا أنّ المضاربة باقية و الربح بين المالين على النسبة (2).

[مسألة 7: مع إطلاق العقد يجوز للعامل التصرّف على حسب ما يراه]

[3396] مسألة 7: مع إطلاق العقد يجوز للعامل التصرّف على حسب ما يراه، من حيث البائع و المشتري و نوع الجنس المُشترىٰ. لكن لا يجوز له أن يسافر من دون إذن المالك (3) إلّا إذا كان هناك متعارف ينصرف إليه الإطلاق. و إن خالف فسافر، فعلى ما مرّ في المسألة المتقدِّمة (4).

____________

و التصرّف على خلاف ما أذن فيه المالك و شرط على العامل. و هذا غير متحقق في الشرط الخارجي، لأن الأثر غير مترتب على العمل بخلاف ما شرط، و إنما هو مترتب على عدم العمل بالشرط.

فالأثر هناك مترتب على الفعل، و هنا على الترك، و البون بينهما بعيد. و لما لم يكن الثاني مورداً للروايات، فلا بدّ فيه من الرجوع إلى القواعد، و هي تقتضي الحكم بصحّة المضاربة مع ثبوت الخيار للمالك، فإن أجاز كان الربح بينهما، و إن فسخ أخذ تمام الرّبح و دفع للعامل اجرة مثل عمله.

(1) لكونه على خلاف ما أذن فيه المالك، حيث إنّ ظاهر كلامه عند تجرّده عن القرينة هو الاتجار بالمال بشخصه، لا مع خلطه بغيره.

(2) كلّ ذلك للنصوص المتقدِّمة، حيث إنها غير قاصرة الشمول لمثل المقام.

(3) يظهر الوجه فيه مما تقدّم في المسألة السابقة. فإنه على خلاف ظاهر كلامه حيث إنّه منصرف إلى الاتجار في البلد، فيما إذا لم يكن الاتجار في خارج البلد أمراً متعارفاً كما كان الحال في الأزمنة السابقة.

(4) من كون الربح بينهما، و الخسران على العامل، للنصوص المطلقة الشاملة للمقام، بل و جملة من النصوص الواردة في خصوصه.

44

[مسألة 8: مع إطلاق العقد و عدم الإذن في البيع نسيئة]

[3397] مسألة 8: مع إطلاق العقد و عدم الإذن في البيع نسيئة، لا يجوز له ذلك (1) إلّا أن يكون متعارفاً ينصرف إليه الإطلاق.

و لو خالف في غير مورد الانصراف، فإن استوفى الثمن قبل اطلاع المالك فهو (2).

و إن اطلع المالك قبل الاستيفاء، فإن أمضى فهو (3) و إلّا فالبيع باطل (4). و له الرجوع على كلٍّ من العامل و المشتري، مع عدم وجود المال عنده، أو عند مشترٍ آخر منه (5).

____________

(1) لأنّه على خلاف ظاهر إذنه.

(2) حيث يحكم بصحّة المضاربة و العقد الذي صدر من العامل، بلا خلاف فيه و لا إشكال.

و عليه فإن كان هناك ربح فهو بينهما على النسبة التي اتفقا عليها، و إن كانت و ضيعة فهي على العامل، على ما تضمنته النصوص. حيث إن المقام من مصاديق مخالفة العامل للمالك فيما شرط عليه، إذ أنه قد اتجر تجارة لم يأذن المالك فيها، فيكون مشمولًا لها لا محالة.

(3) حيث يحكم بصحّة المعاملة، لانتسابها بالإجازة إليه.

(4) لأنّها معاملة غير مأذون فيها، و لا تشملها النصوص السابقة، لظهورها في كون المال عند العامل بالفعل، بحيث لو طالب المالك برأس ماله لأخذه مع الرّبح، أو مع تدارك العامل للخسران. و هذا غير متحقق في المقام، حيث إنّ المال عند المشتري، و لا يلزمه الوفاء قبل الأجل.

و عليه فيحكم ببطلانها عند عدم إجازة المالك لها.

(5) و بعبارة اخرى: إنّه إن كانت العين موجودة، كان للمالك مطالبتها من كل من وضع يده عليها. و إن كانت تالفة، كان له تغريم أي منهم شاء بالمثل أو القيمة، على ما هو الميزان في باب الضمانات.

45

فإن رجع على المشتري بالمثل أو القيمة، لا يرجع هو على العامل (1) إلّا أن يكون مغروراً من قبله و كانت القيمة أزيد من الثمن، فإنه حينئذٍ يرجع بتلك الزيادة عليه (2). و إن رجع على العامل، يرجع هو على المشتري بما غرم (3) إلّا أن يكون مغروراً منه و كان الثمن أقلّ، فإنه حينئذٍ يرجع بمقدار الثمن.

[مسألة 9: في صورة إطلاق العقد لا يجوز له أن يشتري بأزيد من قيمة المثل]

[3398] مسألة 9: في صورة إطلاق العقد لا يجوز له أن يشتري بأزيد من قيمة المثل، كما أنه لا يجوز أن يبيع بأقلّ من قيمة المثل (4) و إلّا بطل. نعم إذا اقتضت المصلحة أحد الأمرين لا بأس به (5).

[مسألة 10: لا يجب في صورة الإطلاق أن يبيع بالنقد]

[3399] مسألة 10: لا يجب في صورة الإطلاق أن يبيع بالنقد، بل يجوز أن

____________

و قد ذكرنا في مبحث تعاقب الأيادي من مباحث المكاسب، أنه لا مانع من اعتبار المال الواحد في ذمم أشخاص متعددين، بمعنى أن يكون لمالكه مطالبة أيهم شاء، و إن استقر الضمان على من تلف المال بيده.

(1) لأن المال قد تلف بيده، أو يد من أعطى المال له. و من هنا فلو رجع على العامل، رجع هو عليه، لأن المفروض أنه قد أخذ منه.

(2) كما هو الحال في غير المضاربة من العقود أو التمليكات المجانية، نظراً لكون السبب أقوى من المباشر.

(3) فإنّ ماله لا يذهب هدراً، بل و بالمعاوضة القهرية ببناء العقلاء يملك المال التالف بمجرد دفع عوضه، و حينئذٍ فله مطالبة كل من ترتبت يده لاحقاً عليه ببدله و هكذا يرجع كل من السابق على اللاحق.

(4) و الوجه في ذلك كله هو أنّ عقد المضاربة مبني على كون التجارة بالبيع و الشراء بالقيمة المتعارفة و في معرض تحصيل الربح، فلا يشمل صورة علم العامل بالخسارة، بأن يشتري بأزيد من ثمن المثل، أو يبيع بالأقل منه.

(5) فإن العبرة إنما هي بالمصلحة، كما لو خاف تلف المال أو سرقته عند بقائه فباعه بأقل من ثمنه، فإنه يحكم بصحته بلا إشكال.

46

يبيع الجنس بجنس آخر (1). و قيل بعدم جواز البيع إلّا بالنقد المتعارف، و لا وجه له، إلّا إذا كان جنساً لا رغبة للناس فيه غالباً (2).

[مسألة 11: لا يجوز شراء المعيب، إلّا إذا اقتضت المصلحة]

[3400] مسألة 11: لا يجوز شراء المعيب، إلّا إذا اقتضت المصلحة (3). و لو اتفق، فله الرد أو الأرش، على ما تقتضيه المصلحة.

[مسألة 12: المشهور على ما قيل أن في صورة الإطلاق يجب أن يشتري بعين المال]

[3401] مسألة 12: المشهور على ما قيل أن في صورة الإطلاق يجب أن يشتري بعين المال، فلا يجوز الشراء في الذمّة.

و بعبارة اخرى: يجب أن يكون الثمن شخصياً من مال المالك، لا كليّاً في الذمّة. و الظاهر أنه يلحق به الكلي في المعيّن أيضاً.

و عُلِّل ذلك بأنه القدَر المتيقّن. و أيضاً الشراء في الذمّة قد يؤدّي إلى وجوب دفع غيره، كما إذا تلف رأس المال قبل الوفاء، و لعلّ المالك غير راضٍ بذلك. و أيضاً إذا اشترى بكلّي في الذمّة، لا يصدق على الربح أنه ربح مال المضاربة. و لا يخفى ما في هذه العلل (4).

و الأقوى كما هو المتعارف جواز الشراء في الذمّة، و الدفع من رأس المال.

ثمّ إنهم لم يتعرضوا لبيعه. و مقتضى ما ذكروه وجوب كون المبيع أيضاً شخصياً لا كلّياً، ثمّ الدفع من الأجناس التي عنده. و الأقوى فيه أيضاً جواز كونه كلّياً و إن لم يكن في التعارف مثل الشراء.

____________

(1) لعدم الدليل على اعتبار النقد، فضلًا عن النقد المتعارف. و اقتضاء الإطلاق جواز كل عقد يكون في معرض الربح و في مصلحة المالك.

(2) فلا يجوز، لكونه على خلاف مبنى عقد المضاربة.

(3) ظهر وجهه مما تقدّم، فإنّ العبرة في الصحّة إنما هي بوجود المصلحة، و كون التجارة في معرض الربح.

(4) فإنها مخالفة لإطلاقات أدلّة المضاربة المقتضية للصحّة، و لا موجب لرفع اليد عنها.

47

[ثمّ إنّ الشراء في الذمّة يتصوّر على وجوه]

ثمّ إنّ الشراء في الذمّة يتصوّر على وجوه:

[أحدها: أن يشتري العامل بقصد المالك]

أحدها: أن يشتري العامل بقصد المالك و في ذمّته من حيث المضاربة (1).

[الثاني: أن يقصد كون الثمن في ذمّته من حيث إنه عامل و وكيل عن المالك]

الثاني: أن يقصد كون الثمن في ذمّته من حيث إنه عامل و وكيل عن المالك. و يرجع إلى الأوّل، و حكمها الصحّة، و كون الربح مشتركاً بينهما على ما ذكرناه (2). و إذا فرض تلف مال المضاربة قبل الوفاء، كان في ذمّة المالك [1] يؤدّي من ماله الآخر (3).

____________

(1) بمعنى قصده لأداء الثمن من مال المضاربة.

(2) لما تقدّم من عدم اعتبار كون الشراء أو البيع شخصياً، و جواز كونهما في الذمّة.

(3) اعتبره في المسالك من المسلّمات (1) و استدل عليه في الجواهر بأنه مقتضى إطلاق إذن المالك (2).

و فيه: أما التسالم فلم يثبت. و على تقديره فلا يمكن المساعدة عليه، إذ كيف يمكن إلزام المالك بالدفع من ماله الخاص، و الحال أنه لم يأذن فيه، فإن إلزامه بذلك تعسّف محض و بلا موجب، فإنّ المالك إنما أذن بالشراء من ماله إما شخصياً أو كلياً على أن يدفع بدلهُ من المال المعين للمضاربة، و لم يأذن في غيره.

و أما دعوى الإطلاق فهو واضح الاندفاع، حيث إنّ المالك إنما أذن في التصرّف بالمال المعين، و لم يجز في الزائد منه كي يكون مضموناً في مالِهِ الخاص.

و عليه فالصحيح هو الحكم ببطلان هذهِ المعاملة. فإنّ الثمن و إن كان كلياً في الذمّة لكنه لما كان مقيداً بالدفع من المال الخارجي المعيّن و تعذر ذلك، كان من مصاديق تلف الثمن قبل قبضهِ، فيحكم بانفساخ العقد و رجوع مقابله إلى مالكهِ الأصلي. و لا‌

____________

[1] في إطلاقه إشكال بل منع.

____________

(1) مسالك الافهام 4: 351.

(2) الجواهر 26: 360.

48

[الثالث: أن يقصد ذمّة نفسه و كان قصده الشراء لنفسه]

الثالث: أن يقصد ذمّة نفسه و كان قصده الشراء لنفسه، و لم يقصد الوفاء حين الشراء من مال المضاربة، ثمّ دفع منه. و على هذا الشراء صحيح (1) و يكون عاصياً في دفع مال المضاربة من غير إذن المالك، إلّا إذا كان مأذوناً في الاستقراض و قصد القرض.

[الرابع: كذلك، لكن مع قصد دفع الثمن من مال المضاربة حين الشراء]

الرابع: كذلك، لكن مع قصد دفع الثمن من مال المضاربة حين الشراء، حتى يكون الربح له، فقصد نفسه حيلة منه. و عليه يمكن الحكم بصحّة الشراء (2) و إن كان عاصياً في التصرّف في مال المضاربة من غير إذن المالك، و ضامناً له بل ضامناً للبائع أيضاً، حيث إنّ الوفاء بمال الغير غير صحيح.

و يحتمل القول ببطلان الشراء (3) لأن رضى البائع مقيّد بدفع الثمن، و المفروض

____________

موجب للحكم بالصحّة، مع تحمل العامل أو المالك للضرر، بدفع عوضه من ماله الخاص.

(1) بلا إشكال فيه. فإنّ البيع أو الشراء أمر، و الأداء الخارجي أمر آخر، فيصحّ الشراء لكونه في الذمّة، و يبطل الأداء لكونه تصرفاً في مال الغير بغير إذنه. و من هنا فلا تبرأ ذمّته من الثمن بالنسبة إلى البائع، في حين أنه ضامن للعين بالنسبة إلى المالك لتصرّفه فيها من غير إذنه.

و بالجملة حال الدفع من مال المضاربة في هذه الصورة، حال الأداء من غير مال المضاربة من أموال الغير، كمال الوديعة أو الغصب فإنّ الحال فيهما واحد.

(2) لأنه قد اشتراه لنفسه، و نيته لأداء ثمنه من مال القراض أمر خارج عن حقيقة البيع، فإنه عبارة عن مبادلة مال بمال، فلا تكون موجبة لفساده.

(3) و فيه: أن التقيد لم يثبت بدليل. فإن معنى البيع على ما عرفت إنما هو المبادلة بين المالين، و المنشأ إنما هو ملكيّة كل منهما لمال الآخر، و أما الزائد عنه فلم يثبت بدليل. و دفع الثمن شرط ضمني يوجب تخلفه الخيار لا غير، و ليس هو مقوِّماً للبيع، و إلّا لوجب القول بالبطلان في الصورة السابقة أيضاً، إذ لا فرق بينهما من هذه الجهة حيث إنّ القيد‌

49

أنّ الدفع بمال الغير غير صحيح، فهو بمنزلة السرقة (1) كما ورد في بعض الأخبار أن من استقرض و لم يكن قاصداً للأداء فهو سارق (2).

و يحتمل صحّة الشراء، و كون قصده لنفسه لغواً بعد أن كان بناؤه الدفع من مال المضاربة، فإنّ البيع و إن كان بقصد نفسه و كليّاً في ذمّته، إلّا أنه ينصبّ على هذا الذي يدفعه، فكأنّ البيع وقع عليه (3).

و الأوفق بالقواعد الوجه الأوّل، و بالاحتياط الثاني (4) و أضعف الوجوه الثالث و إن لم يستبعده الآقا البهبهاني.

____________

متخلف فيهما، فلا مبرر للفرق.

(1) لأنه ناوٍ لعدم دفع الثمن.

(2) النص ضعيف، و لا أقل من كونه مرسلًا. و لعلّه محمول على عدم قصده للدين من أوّل الأمر، حيث يكون اختلاساً و سرقة.

ثمّ إن نصوص المقام غير منحصرة فيما أشار إليه الماتن (قدس سره)، إلّا أن جميعها لا يخلو من ضعف في السند، أو قصور في الدلالة.

(3) و فيه: أنّ مجرّد قصده للأداء من مال الآخر، كيف يجعله منصباً عليه و يجعل البيع له، مع عدم قصد العامل الشراء له بالمرة؟ فإنّ العقد لا ينقلب عما وقع عليه و الأداء وفاء للمعاملة و خارج عنها. و لذا لو قصد المشتري الأداء من مال غير مال المضاربة، غصباً كان أم وديعة أم غيرهما، لم يحكم بكون العقد لصاحب المال.

و من هنا يظهر الحال فيما أفاده شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته، من أنه ليس ببعيد، فإنه بعيد جدّاً بل لم نعرف له وجهاً.

(4) و وجهه غير واضح. فإنّ كلّاً من الأمرين على حد سواء، و ليس أحدهما أحوط من الآخر، إذ الأمر دائر بين ملكيّة المبيع للمشتري أو البائع أو مالك المال و مع احتمال كل منها لا وجه للقول بأن الثاني موافق للاحتياط.

50

[الخامس: أن يقصد الشراء في ذمّته من غير التفات إلى نفسه و غيره]

الخامس: أن يقصد الشراء في ذمّته من غير التفات إلى نفسه و غيره. و عليه أيضاً يكون المبيع له (1) و إذا دفعه من مال المضاربة يكون عاصياً. و لو اختلف البائع و العامل في أن الشراء كان لنفسه، أو لغيره و هو المالك المضارب، يقدم قول البائع، لظاهر الحال (2). فيلزم بالثمن من ماله، و ليس له إرجاع البائع إلى المالك المضارب.

[مسألة 13: يجب على العامل بعد تحقّق عقد المضاربة ما يعتاد بالنسبة إليه]

[3402] مسألة 13: يجب على العامل بعد تحقّق عقد المضاربة ما يعتاد بالنسبة إليه و إلى تلك التجارة، في مثل ذلك المكان و الزمان، من العمل، و تولّي ما يتولّاه التاجر لنفسه، من عرض القماش و النشر و الطيّ و قبض الثمن و إيداعه في الصندوق، و نحو ذلك مما هو اللّائق و المتعارف. و يجوز له استئجار من يكون المتعارف استئجاره، مثل الدلّال و الحمّال و الوزّان و الكيّال و غير ذلك، و يعطي الأُجرة من الوسط.

و لو استأجر فيما يتعارف مباشرته بنفسه، فالأُجرة من ماله (3). و لو تولّى بنفسه ما يعتاد الاستئجار له، فالظاهر جواز أخذ الأُجرة إن لم يقصد التبرع. و ربّما يقال بعدم الجواز. و فيه: أنه منافٍ لقاعدة احترام عمل المسلم المفروض عدم وجوبه عليه (4).

____________

(1) فإنّ كونه للغير يحتاج إلى مئونة زائدة، فما لم يقصده المنشئ يحكم بكون العقد لنفسه، كما هو الحال في سائر الوكلاء.

(2) فإنّ ظاهر الإنشاء انتسابه إلى نفسه و كونه هو المسئول عن بدله، بحيث يكون هو طرف العقد و المطالب به، كما يقتضيه بناء العقلاء و السيرة الجارية.

(3) لكونه على خلاف مقتضى عقد المضاربة، حيث إنه يقتضي كون تلك الأفعال على العامل نفسه.

(4) تقدّم غير مرّة أن هذا المقدار من التعليل لا يكفي في جواز أخذ العامل للأُجرة، بل لا بدّ في إثباته من إضافة أنّ العمل صادر بإذنه و مستند إليه، و إلّا فلو لم يكن العمل صادراً بأمره لم يكن وجه لإثبات الأُجرة عليه.