كتاب الزكاة - ج1

- الميرزا محمد حسن الآشتياني المزيد...
480 /
9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المقدمه

الحديث عن شخصيّة مؤلّف كتاب «الزكاة» و هو العلّامة المحقّق الميرزا محمد حسن الآشتياني (1248- 1319 ه‍. ق) و آثاره العلمية من خلال التعرّف على كتبه و نسخها الخطيّة، قد تطرّقنا إليه بإسهاب في أكثر من أربعين صفحة في مقدّمة تحقيقنا لكتاب «القضاء» (ج 1، ص 1- 42) و نتجنّب هنا إعادتها، غير أنّنا خلال هذه الفترة الزمنية، توفّرنا على امور جديدة بشأن التعرّف على كتب الميرزا الآشتياني (رحمه اللّه) و نسخها الخطّية، و نوردها هنا، لإكمال تلك المقدّمة.

1. كتاب «الوقوف و الصدقات» من حسن الحظّ أنّني قد تعرّفت على النسخة الخطّية لهذا الكتاب، المجهول المؤلف، و منهمك الآن في تصحيحه و تحقيقه، و سيتمّ بعون اللّه تعالى عرضه على الأوساط العلمية بعد طبعه من قبل مؤسسة «بنياد پژوهشهاى إسلامى» التابعة لمؤسسة سدانة حرم الإمام الرضا (عليه السّلام) خلال عقد «مؤتمر الوقف».

2. كتاب الرهن، تمّ التعرّف على النسخة الخطيّة لهذا الكتاب، و في هذا الكتاب، يذكر المؤلف، كتاب الزكاة، و سيتمّ إن شاء اللّه طبع هذا الكتاب بمعيّة ثلاثة أو أربع كتب فقهية اخرى للميرزا الآشتياني.

3. كتاب الغصب، تعرّفنا على النسخة الخطّية لهذا الكتاب و سيتمّ طبعه إن شاء اللّه.

4. كتاب «إحياء الموات» تعرّفنا على النسخة الخطّية لهذا الكتاب و سيتمّ طبعه إن شاء اللّه بمعيّة الآثار الفقهية الاخرى للآشتياني في اثنين أو ثلاث مجلّدات.

5. كتاب «الخلل في الصلاة» و كما أشرنا في مقدمة كتاب القضاء، سيتمّ طبع هذا الكتاب من قبل مؤتمر تكريم العلّامة الآشتياني، غير أنّني تعرفت على النسخة الخطّية لهذا الكتاب و قد كانت مجهولة.

10

يذكر أنّ الكتب الخمسة المذكورة للميرزا الآشتياني، و أربعة منها، غير كتاب «الخلل» قد تم التعرّف عليها لأوّل مرة، و بعضها تخضع حاليا للتحقيق و الآخر ستطبع في المستقبل القريب.

للمزيد من المعلومات حول الآثار الفقهية للميرزا الآشتياني، تراجع مقدّمة كتاب «الوقوف و الصدقات» و آثاره الاخرى التي تطبع لأول مرّة.

و فيما يلى الحديث عن النسخة الخطّية لكتاب «الزكاة» للميرزا الآشتياني:

كتاب الزكاة

يتناول كتاب الزكاة دراسة و مناقشة أحكام الزكاة بالتفصيل من رؤية فقهية شيعية، و هو تقريرات لأبحاث أستاذه الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه اللّه).

في كتاب «الذريعة» (ج 12، ص 40- 45) يذكر الشيخ آغا بزرگ الطهراني، أكثر من أربعين كتاب و رسالة في «الزكاة» غير أنّه لم يذكر مطلقا كتاب الزكاة للميرزا الآشتياني. و كما انّه لم يشر مطلقا إلى هذا الكتاب في كتابه الآخر و هو «نقباء البشر» (ج 1، ص 390) حيث يتحدّث عن مؤلفات الميرزا الآشتياني. كما أنّنا لم نجد اسما لهذا الكتاب خلال فحصنا في فهارس النسخ الخطّية و التعرّف على فهارس الكتب و ترجمة حياة الشخصيّات العلمية. سوى أنّ العاملي في كتاب «أعيان الشيعة» (ج 5، ص 38) خلال فهرس لمؤلفات الميرزا الآشتياني- في الفقرة 19- يذكر اسم كتاب الزكاة.

و اني خلال التفحّص و البحث في مؤلّفات الآشتياني عثرت على نسخة مجهولة لكتاب «الزكاة» حيث ذكرته في مقدمة تحقيقي على كتاب «القضاء» (ج 1، ص 23) بما نصه: «كتاب الزكاة، و هو من تقريرات دروس الشيخ الأنصاري و لم يطبع حتى الآن، و يبدو أنّ النسخة الخطّية لكتاب الزكاة للمرحوم الآشتياني و هي بخط يده و تشتمل على ما يقارب 600 صفحة، كانت في مكتبة الشيخ فضل اللّه النوري (رحمه اللّه) و الظاهر أنّها نقلت إلى مكتبة المحدث ارموئي (رحمه اللّه) ...».

11

و جاءت هذه المعلومات في فهرس النسخ الخطّية لمكتبة المحدث ارموئى- و هي في حال التدوين- و علمنا هذه النسخة الخطّية بعد أن تمّ تصويرها، هي ليست بخطّ يد المؤلّف، و أنّ كاتبها و محررها لم يتمتع بخبرة علمية، و لذلك نرى أنّ بعض الكلمات قد دوّنت مغلوطة، و قد قمنا خلال عمليّة التصحيح معالجة ذلك.

كتاب الزكاة للمرحوم العلامة الميرزا محمد حسن الآشتياني المتوفى 1319 ه‍. ق، هو من جملة الآثار العلمية لهذا العالم و التي تعدّ كبقيّة آثاره الفقهية و الاصولية، تقريرات لدروس استاذه الشيخ مرتضى الأنصاري المتوفّى 1281 ه‍. ق.

من عشرات الحواشي و الشرح لرسائل الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه)، حاشية و شرح المرحوم الآشتياني (رحمه اللّه) أي كتاب «بحر الفوائد» هي أكثر نفعا و أهمّها، و أكثرها واقعية في فهم مطالب الاستاذ، و يمكن إيراد هذا القول أيضا بشأن الآثار الفقهية للميرزا الآشتياني و هي شرح و تقرير لأبحاث استاذه الشيخ الأنصاري. و كتاب القضاء، هو أصدق شاهد على هذه الدعوى إلى جانب كتاب الزكاة و آثاره الفقهية الأخرى و قد أورد الميرزا الآشتياني آراء استاذه الشيخ الأنصاري في كتاب الزكاة تحت عنوان «ما أفاده شيخنا دام ظله» أو بعبارات قريبة لهذا المضمون، و قد قام بشرح و تقرير آراء استاذه بكلّ وضوح و شفافيّة. و إذا ما قلنا إنّ جميع الآثار الفقهية للميرزا الآشتياني هي التقريرات الفقهية للشيخ الأنصاري، لم نكن قد جاوزنا الصواب. و قد جاء في خلفية خلاف النسخة الخطّية لكتاب الزكاة، بقلم من قام بتصحيحه «تقرير بحث الشيخ الأنصاري طاب ثراه من تلميذه العلامة الميرزا حسن الآشتياني».

و النسخة الخطّية لكتاب الزكاة، هي من كتب مكتبة الشيخ فضل اللّه النوري (رحمه اللّه) حيث تظهر ختمة هذه المكتبة في الصفحة الأولى و الوسطى و الأخيرة لهذه النسخة الخطّية. و قد نقلت هذه النسخة بمعيّة كتب اخرى من هذه المكتبة إلى مكتبة المحدث ارموئي. و قد قام مركز «إحياء ميراث اسلامي» بشراء كافّة الكتب المطبوعة و الخطّية مكتبة ارموئي بعد رحيل الأخير. و قد تمّ ترقيم النسخة الخطّية لهذا الكتاب برقم 3989 في 295 ورقة في مكتبة هذا المركز.

12

مؤلف كتاب الزكاة

كما مرّ آنفا، لم يأت في كتب ترجمة حياة العلماء و المؤلفين و الفهارس الخطّية و المطبوعة ذكر لاسم كتاب الزكاة للميرزا الآشتياني سوى كتاب أعيان الشيعة في ج 5، ص 38، و هي مجهولة المؤلف، أي لم يذكر فيها اسم مؤلّف الكتاب و تاريخ كتابته و كذلك اسم المستنسخ و الكاتب لها، غير أنّه بعد التتبّع و التفحّص و التدقيق في هذا الكتاب، أيقنّا أنّه للمرحوم الميرزا الآشتياني مؤلّف كتاب القضاء. و أقوى دليل على ذلك، هو نصّ كتاب الزكاة، حيث يذكر فيه المؤلّف، مؤلّفاته الاخرى التي هي دون شك للميرزا الآشتياني.

يراجع:

الف) الإرجاعات في كتاب الزكاة، لكتبه الاخرى

1. كتاب القضاء: «هذا بعض الكلام في ذلك، و قد فصّلنا القول فيه في كتاب القضاء عند قراءتنا على شيخنا دام ظله ...» كتاب الزكاة، ج 1، ص 328.

2. كتاب القضاء: «... و مقتضى القاعدة الرجوع إلى القرعة كما أوضحناه في كتاب القضاء في مسألة تعارض الأدلّة» كتاب الزكاة، ج 1، ص 451.

3. كتاب بحر الفوائد: «فإن شئت تفصيل القول في ذلك و توضيحه فارجع إلى ما كتبه شيخنا دام ظلّه العالي في الاستصحاب، أو إلى ما علّقناه عليه» كتاب الزكاة، ج 2، ص 688.

4. رسالة المشتق: «و التلبّس في الكلّ يعتبر على نحو خاص، كما حقّق في مسألة المشتق» كتاب الزكاة، ج 1، ص 230.

5. كتاب الرهن: «و قد ذكرنا شطرا من الكلام فيه، فيما كتبناه في الرهن عند قراءتنا على شيخنا- دام ظله- و حاصله اشتراط عدم المفسدة ...» كتاب الزكاة، ج 1، ص 44.

و موارد اخرى تدلّل على أنّ مؤلّف هذه النسخة الخطّية لكتاب الزكاة، هو المرحوم الميرزا الآشتياني.

13

ب) مصحّح النسخة الخطّية لكتاب الزكاة

على الرغم من أنّ النسخة الخطّية لهذا الكتاب مملوءة بالأغلاط و كلمات غير معروفه، و قد تعرّض منها للبلل و النقصان و ...، يبدو أنّ شخصا آخرا غير كاتب هذه النسخة الخطّية قام بتصحيحها. (و رغم قلّة هذه التصحيحات إلّا أنّها ساعدتنا على تقويم النص).

كتب خلف غلاف الكتاب، بقلم مصحح النسخة الخطّية «تقرير بحث الشيخ الأنصاري طاب ثراه من تلميذه العلامة الميرزا حسن الآشتياني» و يظهر أنّ خطّ هذه العبارة هو نفس خط المصحّح.

ج) اسلوب كتاب الزكاة

كما كتب المصحّح للنسخة الخطية لهذا الكتاب في جملة واحدة «تقرير بحث الشيخ الأنصاري طاب ثراه»، و الواقع يتلخّص بهذه الجملة البليغة الواضحة، في الوقت الذي هو تأليف مستقلّ للميرزا الآشتياني؛ كما هو حال كتاب القضاء حيث يشير في توضيح كل مسألة إلى استاذه بعنوان (دام ظله العالي) في مختلف فصول الكتاب. لذلك يمكن القول إنّ كافّة كتب الآشتياني، ككتاب القضاء، و الزكاة و الوقوف و الصدقات و الخلل و الرهن و الغصب و احياء الموات و ... في الوقت الذي تعد من مؤلّفاته، هي تقريرات استاذه المرحوم الشيخ الأنصاري.

و قد ألفت جميع الآثار الفقهية للآشتياني قبل وفاته بأربعين سنة.

عملنا في الكتاب

1. النسخة المعتمدة في التحقيق:

و هي نسخة فريدة من كاتب مجهول، قليل الفضل و المعرفة، لم يقم سوى باستنساخ شكل الكلمة دون ذكر لتاريخ الكتابة، و هي في 295 ورقة (587 صفحه) و 13* 18 (18 سطر).

اصلها موجود في مكتبة الشيخ المجاهد المرحوم سماحة الشيخ فضل اللّه‌

14

النوري، و قد نقلت إلى مكتبة المرحوم ارموئي ثمّ إلى مركز «إحياء ميراث إسلامي» في قم برقم 3989.

2. مقابلة النسخة:

كما أشرنا سابقا، بما أنّ هذه النسخة هي فريدة، و كاتبها عديم الفضل و المعرفة، و قد تضرّرت بالماء، و شوهت الأسطر الاولى من الصفحات بحيث يصعب قراءتها، و احيانا لا يمكن قراءتها، و هناك كلمات قد نسخت مغلوطة، فانّ عمليّة التصحيح و المقابلة استغرقت زمنا طويلا و اعيدت مرات عديدة، و ذلك من قبلي و من قبل عدد من فضلاء الحوزة العلمية.

3. تقويم النصّ:

عطفا على ما سبق، فإنّ تقويم نصّ الكتاب، واجه صعوبات و مشاكل جمّة، و قد صرّح البعض الذين امضوا حوالي عشرين سنة في أمر التحقيق و التصحيح، انهم لم يواجهوا مثل هذه النسخة، و إذا كانت هناك بعض الأعمال المشابهة فهي لم تنحصر نسخة واحدة و فريدة، و انما كانت هناك نسخ اخرى تسهيل عملية التصحيح. و رغم بذل جهد مضن و الزمن الطويل الذي بذل لهذا العمل، فقد تمّ من خلال الرجوع إلى مصادر الكتاب، مثل الجواهر و المدارك و غيرها، أن ندوّن نصّا، كنصّ المؤلّف أو ما يقاربه. هذا في الوقت الذي نقرّ إنّه اذا كانت بأيدينا نسخة خطية اخرى لهذا الكتاب، فالنتيجة كانت أفضل، و هذا ما تأمّله في الطبعات الجديدة.

4. تخريج الآيات و الروايات:

من خلال مراجعة مصادر كافّة الآيات و الروايات التي وردت في كتاب الزكاة، تمكّنا من ذكر ذلك في الحاشية، إلى جانب تقويم نصّ الكتاب، حيث جاءت قسم من عمليّة التصحيح بهذا الشكل.

5. تخريج الأقوال و الآراء:

من أجل تقويم نص كتاب الزكاة، و تصحيح ما كتب بصورة مغلوطة و مشوهة، فقد راجعنا عند ذكر آراء العلماء إلى كتب هؤلاء و استخراج نصوصها حرفيا، و هي‌

15

أفضل طريقة لتقويم كتب السلف، كما و ذكرنا في هامش الكتاب، كافّة المآخذ و المصادر التي نقل عنها المؤلف بعض مطالبه، أو أنّه قد تأثّر بها، و كذا الحال في موارد اخرى كعنوان: قيل و نقل و نسب و ....

6. إعداد الفهارس الفنيّة:

من أجل تسهيل عملية الوصول إلى ما يريده الباحث من الكتاب، فقد تمّ إعداد فهارس عامّة و فنيّة للكتاب. تشتمل هذه الفهارس عشرة أنواع: فهرس المواضيع و الآيات الشريفة و الأحاديث و الأعلام و الكتب و .... و ألحقناها في خاتمة الكتاب.

7. مصادر الكتاب:

جعلنا مصادر الكتاب تحت الفهارس الفنيّة و هي خاصّة بالكتب التي نقل عنها، و جاءت في الهامش، و تمّ تعريف طبعتها و تصحيحها، تجنّبا من التباس الأمر على المراجعين.

8. عناوين المواضيع الأصلية:

بما أنّ تقريرات بحث الزكاة للميرزا الآشتياني (رحمه اللّه) هي شرح و حاشية على كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلّي، و قد جاء نصّ متن الشرائع معنونا ب‍ (قوله)، و شرح و توضيحات الآشتياني معنونا ب‍ (أقول)، فإنّنا و من أجل تسهيل الأمر على المطالعين، انتقينا العنوان العامّ من متن الشرائع، و ذلك لبيان مطالب الشارح و قد لم يكن هذا العنوان أحيانا جامعا مانعا.

شكر و تقدير

إنّ إعداد هذا الكتاب أنجز بمساعدة و تعاون عدد من الفضلاء و الأصدقاء الكرام، من الجدير و عرفانا للجميل أن نذكر أسماءهم و نقدّم لهم فائق شكرنا و تقديرنا:

1. حجة الإسلام السيّد علي غضنفري، حيث قام بتخريج كافّة مصادر كتاب الزكاة بجدارة تامّة، كما تكفّل مقابلة النسخة الخطّية للكتاب.

16

2. حجة الإسلام و المسلمين الشيخ رضا المختاري، الذي بذل جهدا مضنيا لتقويم نصّ الكتاب، حيث كان المرشد لنا في إزالة ما أشكل علينا و إيضاح الغامض منها.

3. حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد الباقري، الذي بذل جهدا مضنيا و بدقّة عالية لتقويم نصّ الكتاب، بمتابعة مفردات كلماته، مصحّحا جميع الأغلاط المطبعيّة و الكتابيّة، و حتى الأغلاط المفهوميّة و المحتوائية، كما قام بأمر المقابلة مع النسخة الخطّية للكتاب.

4. حجة الإسلام الشيخ كاظم السپاسي، فلو لا متابعاته الحثيثه، لما أنجز عمل هذا الكتاب.

5. السيّدان السيّد محمد الصمداني و حمزه كريمخاني، اللذان كانت لهما مشاركة مشكورة في إعداد بعض فهارس الكتاب.

و من كلّ السادة و الأحبة اللذين بذلوا جهدا في مساعدتي و من جاء ذكرهم آنفا في عمليات المقابلة و الفهارس و التحقيق و ... و بشكل عام كلّ من ساهم في إصدار هذا الأثر العلمي القيّم.

في الختام، أقدّم جزيل امتناني و ثنائي للهيئة المؤسسة و الهيئة العلميّة لمؤتمر تكريم العلّامة الآشتياني (رحمه اللّه)- خصوصا حجة الإسلام و المسلمين الشيخ محمد رضا الآشتياني رئيس المؤتمر العلّامة الآشتياني (رحمه اللّه)- و كافة مسئوليها الذين تشاطروا لإحياء الآثار العلميّة للعلّامة الآشتياني (رحمه اللّه).

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين 23/ ربيع الأوّل/ 1426 ه‍. ق الموافق 12/ 2/ 1384 ه‍. ش قم- علي اكبر زماني نژاد‌

17

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.]

[تعريف الزكاة]

قوله: كتاب الزكاة. (1) (1)

____________

أقول: الزكاة في اللغة جاءت لمعان كما في القاموس (2) و الصحاح (3) و غيرهما (4):

الطهارة. و قيل: منها قوله تعالى: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً (5) و قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا (6)، و قوله تعالى: مٰا زَكىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ (7).

و النموّ. و قيل (8): منه قوله تعالى: أَزْكىٰ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ (9) نظرا إلى أولويّة التأسيس من التأكيد.

و الزيادة، إلى غير ذلك.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 105.

(2). القاموس المحيط، ج 4، ص 339.

(3). صحاح اللغة، ج 6، ص 2368.

(4). لسان العرب، ج 14، ص 358؛ كتاب العين، ج 5، ص 394؛ مجمع البحرين، ج 1، ص 203.

(5). الكهف (15): 74.

(6) الشمس (91): 9.

(7). النور (24): 21.

(8). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 2.

(9). البقرة (2): 232.

20

..........

____________

و عن الشهيد (رحمه اللّه) (1) أنّها قد تطلق على العمل الصالح. و قيل: إنّ هذا من باب المجاز. (2)

و هل هي حقيقة في جميع هذه المعاني على سبيل الاشتراك اللفظي؟ أو حقيقة في بعضها و مجاز في الباقي؟ أو حقيقة في القدر المشترك بينها، أي الزيادة سواء كانت حسّيّة أو معنويّة فتشمل الطهارة و غيرها؟ وجوه، أوجهها: الأخير، كما هو الشأن في كثير من الألفاظ التي تذكر في اللغة لها معان متعدّدة. هذا بحسب اللغة.

و أمّا في الشرع- على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة، أو عند المتشرّعة بناء على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة، أو عند الفقهاء بناء على عدم مدخليّة غيرهم فيما ذكروا له من المعنى- فيكون حقيقة فقهائيّة. و عرفا خاصّا- فقد عرّفت بتعاريف مرجعها إلى التعريف باسم العين، كما عن الأكثر، و اسم المعنى، كما عن الشيخ في المبسوط (3) و الحلّي في السرائر (4).

قال في محكيّ المعتبر و التذكرة (5): «و في الشرع اسم لحقّ يجب في المال يعتبر في وجوبه النصاب». (6)

قال في محكيّ البيان: «إنّها قدر معيّن يثبت في المال أو في الذمّة للطهارة و النماء» (7).

____________

(1). حكاه جواهر الكلام، ج 15، ص 2.

(2). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 2.

(3). المبسوط، ج 1، ص 190.

(4). السرائر، ج 1، ص 428.

(5). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 7 و فيه: «و شرعا الحق الواجب في المال الذي يعتبر فيه النصاب».

(6). المعتبر، ج 2، ص 485.

(7). البيان، ص 164.

21

..........

____________

و قال في الدروس (1) و المسالك (2): «إنّها صدقة مقدّرة بأصل الشرع ابتداء».

و قال في محكيّ كنز العرفان: «إنّها صدقة متعلّقة بنصاب بالأصالة» (3).

و مرجع هذه التعاريف و أمثالها كما ترى إلى كون الزكاة منقولة إلى اسم عين؛ لأنّ المراد بالصدقة ما يتصدّق به، كما لا يخفى.

و عن الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط: «أنّها شبّه في الشرع بإخراج بعض المال» (4). انتهى.

و عن المحكي (5) [ظ: المبسوط] أيضا التعريف بالإخراج، و حكي التعريف به عن بعض المتأخّرين أيضا.

و مرجع هذا التعريف إلى كونها منقولة إلى اسم معنى.

ثمّ إنّ النقل على الأوّل من قبيل النقل إلى المباين، و على الثاني يحتمل أن يكون من قبيل النقل إلى الخاصّ لو كانت منقولة من «زكاة» مصدرا من «زكّى»- بالتشديد- من باب التفعيل لو قلنا بأنّ «زكّى» مزيد، دون مصدرين كما حكي عن مجمع البحرين (6).

و أمّا لو كانت منقولة من «زكى»- بالتخفيف- فلا معنى لجعل النقل عليه من قبيل النقل من العامّ إلى الخاصّ؛ لأنّ الزكاة مصدرا للمجرّد بأيّ معتبر اعتبر صفة في الشي‌ء فلا يكون الإخراج فردا له كما لا يخفى. فيكون النقل على هذا التقدير من قبيل نقل المصدر المجرّد إلى معنى المصدر المزيد كما في نقل الطهارة إلى استعمال طهور‌

____________

(1). الدروس، ج 1، ص 228.

(2). مسالك الأفهام، ج 1، ص 356.

(3). كنز العرفان، ج 1، ص 314.

(4). المبسوط، ج 1، ص 190. العبارة منقولة بالمعنى.

(5). حكاه جواهر الكلام عن المبسوط أيضا. راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 3.

(6). مجمع البحرين، ج 2، ص 777.

22

..........

____________

مشروط بالنيّة أو الوضوء أو الغسل أو التيمّم، و كما في نقل الوضوء إلى المعنى المعهود في الشرع و الغسل إلى معناه المعهود إلى غير ذلك من المصادر المنقولة إلى فرد من معنى المزيد مع كونها على أوزان المجرّد.

ثمّ إنّ التعريف الأوّل و إن كان مرجوحا بحسب قاعدة النقل؛ لأنّ الحقّ المخصوص ليس فردا للمعنى اللغوي و لا سببا له، و إنّما السبب له الفعل المتعلّق به و هو الإخراج مثلا، و هذا بخلاف التعريف باسم المعنى، فإنّ السببيّة موجودة فيه لا محالة، إلّا أنّه أرجع بحسب الاستعمالات فإنّ أكثر استعمالاتها في الكتاب و السنّة في اسم العين، و لهذا عرّف الأكثر به، كما في قوله تبارك و تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ* (1) فإنّ المراد بالإيتاء الإعطاء فيكون الزكاة اسما للعين.

نعم، لو قال: ائتوا الزكاة فعلا من الإتيان، كان المراد من الزكاة الفعل. و مثله قوله تعالى: وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ (2)، و قوله: وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ زَكٰاةٍ (3) الآية. و أمّا قوله: وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكٰاةِ فٰاعِلُونَ (4) فيحتمل لكلّ منها؛ لأنّ المراد من الفاعل في الآية لو كان المعنى اللغوي كان المراد من الزكاة الفعل لا محالة؛ لأنّ نسبة الفعل إلى العين لا معنى له إلّا بارتكاب تأويل في النسبة و إرادة الفعل المتعلّق بها، و إن كان المراد منه المؤدّى و المعطى كان المراد منها اسم العين كما عرّف به الأكثر.

هذا، و الروايات الظاهرة في إرادة اسم العين من الزكاة كثيرة، و إن كانت جملة منها تدلّ على إرادة اسم المعنى منها.

____________

(1). البقرة (2): 43 و 83 و 110؛ النساء (4): 77؛ النور (25): 56؛ المزمل (73): 20.

(2). فصلت (41): 6- 7.

(3). الروم (30): 39.

(4). المؤمنون (23): 4.

23

..........

____________

منها: ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان «قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام):

لمّا نزلت آية الزكاة: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا (1) و انزلت في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مناديه فنادى في الناس أنّ اللّه فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة» الحديث (2).

و مثله صحيحه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض الزكاة كما فرض الصلاة». (3)

و ظهورهما في إرادة الفعل من الزكاة لا يخفى على من له أدنى تدبّر؛ لأنّ الفرض و الوجوب لا يسند إلى غيره حقيقة و تقدير الفعل فيها خلاف الأصل. و منه يظهر ظهور قولهم في مطاوي كلماتهم: (تجب الزكاة) (تستحبّ الزكاة)، أو: (لا تجب) أو: (لا تستحبّ) في هذا المعنى أيضا.

ثمّ إنّ جمعا من الأعلام قد أطالوا الكلام في النقض و الإبرام على الحدود المذكورة في كتب القوم طردا أو عكسا، و لمّا لم يكن ثمرة مهمّة في التعرّض عليها فالإعراض عنه و الاشتغال بما هو المهمّ أولى مع وضوح عدم كون مقصودهم من التعاريف بيان تميّز المعرّف عن جميع ما عداه، بل التميّز في الجملة.

هذا، مع أنّا مستغن عن التعريف في المقام من وجه آخر أيضا؛ لأنّ الداعي إليه إنّما هو التوصّل إلى تميّز الأفراد الحقيقيّة و المشتبهة، و ليس للزكاة فرد مشتبه حتّى يحوجنا إلى التشبّث بذيل التحديد كما هو واضح، هذا.

و لكن لا بأس للتعرّض فيما أفاده في المسالك (4) لبعض الفوائد، فإنّه (قدّس سرّه) أخرج‌

____________

(1). التوبة (9): 103.

(2). الكافي، ج 3، ص 497.

(3). الكافي، ج 3، ص 498؛ الفقيه، ج 2، ص 3؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 10.

(4). مسالك الأفهام، ج 1، ص 356.

24

..........

____________

الخمس عن تعريف الزكاة بأخذ الصدقة في حدّها.

و ذكر شيخنا- دام ظلّه أنّه غير مستقيم ظاهرا فإنّه إنّما يستقيم لو كانت الصدقة حقيقة في غير الخمس، أو منصرفة إليه انصراف المطلق إلى الأفراد الشائعة، و شي‌ء منهما غير موجود في المقام؛ لأنّ المراد من الصدقة إمّا أن يكون ما هو المراد منها في باب الصدقة أي التمليك المقرون بقصد القربة مجّانا، أو ما يظهر من كثير من الأخبار من كون كلّ معروف صدقة.

و على أيّ تقدير لا يصحّ جعل الصدقة في مقابل خصوص الخمس، كما لا يخفى.

و أمّا إرادة خصوص الزكاة منها في بعض الأخبار (1)، كإرادة خصوص الوقف منها في جملة من الأخبار، و إرادة خصوص غيرهما كالكفّارات و نحوها، فممّا لا ينكر إلّا أنّه لا يجدي شيئا في المقام كما لا يخفى.

و أمّا دعوى دلالة ما دلّ على حرمة الصدقات الواجبة (2) أو مطلقا (3)- كما في بعض الأخبار- على السادات على سبيل الحصر- كما في بعض الأخبار- بتقريب أنّه لو كان الخمس داخلا موضوعا في الصدقة لزم التخصيص فيه؛ لأنّ الخمس ليس لغير السادات مع كونه واجبا و هو خلاف الأصل فينتج بعكس النقيض عدم أن يكون الخمس صدقة؛ ففاسدة جدّا؛ نظرا إلى أنّ المراد من الصدقات فيها فرد خاصّ منها قطعا سيّما ما دلّ على حرمة مطلق الصدقة على السادات، لأنّ صدقة السادات و الصدقات المندوبة ليست محرّمة عليهم قطعا، فلا بدّ من أن يحمل على العهد، فكيف‌

____________

(1). الكافي، ج 4، ص 26؛ الفقيه، ج 2، ص 55؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 459.

(2). الاستبصار، ج 2، ص 35؛ التهذيب، ج 4، ص 58؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 274.

(3). عوالي اللئالي، ج 3، ص 130؛ الكافي، ج 1، ص 539؛ الاستبصار، ج 2، ص 35؛ التهذيب، ج 4، ص 60.

25

..........

____________

يمكن الاستدلال به على خروج الخمس من الصدقة.

هذا، مع أنّ في الأخبار ما يدلّ على شمول الصدقة للخمس، كما لا يخفى لمن راجع إليها، و إن كان ما استشهد به شيخنا- دام ظلّه- لإطلاق الصدقة على الخمس من صحيحة عبد اللّه بن سنان (1) المتقدّمة و ما يقرب منها محلّ تأمّل، إذ الظاهر من الصحيحة خصوص الزكاة، و من قوله: «و عفا» بعد أمره بإعطاء الزكاة إليه من جهة ما ذكر في الآية من الغاية لأخذها الغنى عن أكل الزكاة و إظهار أنّها ليست بشي‌ء يتصرّف فيها.

هذا، ثمّ إنّه يتحصّل ممّا ذكرنا في مطاوي هذه الكلمات مطلب نافع جدّا في بعض فروع الخمس و هو أنّه هل يشترط في الخمس ما يشترط في الزكاة من شرائط التكليف في الجملة، أم لا؟ حيث إنّه لم يرد هناك نصّ يدلّ على ثبوته في مطلق الصدقة الواجبة و لم يكن منصرفا إلى خصوص الزكاة و إلّا فلا يجدي. و منه يعلم أنّ إدراج الفاضل في جملة من كتبه كالقواعد (2) و الإرشاد (3) و التذكرة (4) الخمس في باب الزكاة و جعله من أحد أقسامها لا يدلّ على ثبوت الاشتراط عنده؛ لأنّ مجرّد كونه قسما من الزكاة بالمعنى الأعمّ لا يجدي في تسرية ما ثبت من الشرائط في بعض أقسامه بغيره من الأقسام.

هذا، ثمّ إنّ المحكيّ عن بعض (5) أنّه قال: إنّ الزكاة منقولة من المعنيين- أي النموّ و الطهارة- لوجود المعنيين فيها.

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 497.

(2). قواعد الأحكام، ج 1، ص 361.

(3). إرشاد الأذهان، ج 1، ص 292.

(4). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 407.

(5). نسبه في جواهر الكلام إلى المعتبر و غيره. راجع المعتبر، ج 2، ص 485؛ البيان، ص 164.

26

..........

____________

و قد أشكل بعض مشايخنا (1) صحّته على تقدير كون الوضع تعيينا.

هذا، و لكن يمكن التكلّف له بما لا يخفى بأن يدّعى كثرة الاستعمال بعلاقة المعنيين. هذا،

و لكن هذا الكلام ساقط؛ بناء على ما أسمعناك في طيّ كلماتنا السابقة من [أنّ] الزكاة موضوع للقدر المشترك، فليس لها معنيان فتأمّل، هذا.

ثمّ إنّه لا إشكال في مشروعيّة الزكاة في الشريعة؛ لدلالة الأدلّة الثلاثة عليها؛ و يكفي من الكتاب ما أقرأنا عليك (2)، و من السنّة ما لا يخفى كثرة حتّى تجاوزت حدّ التواتر جدّا، كما لا يخفى على من راجع إلى كتب الأخبار (3). و أمّا الإجماع فهو واضح على من له أدنى تتبّع، بل أقول- كما قالوا أيضا (4)-: إنّها من ضروريّات الدين و من أحد الأركان الخمسة، فيدخل منكره من المسلمين في الملّيّين أو الفطريّين على نحو غيره من إنكار الضروري. و عليه يحمل ما دلّ من الأخبار على كفر مانع الزكاة (5)، أو على المبالغة كما هو الوجه في الحكم بالكفر بترك التكليف في كثير من الواجبات و المحرّمات (6). هذا.

____________

(1). جواهر الكلام، ج 15، ص 3.

(2). البقرة (2): 43 و 83 و 110؛ النساء (4): 77؛ النور (25): 56؛ المزمل (73): 20؛ فصلت (41): 6- 7؛ الروم (30): 39.

(3). راجع الكافي، ج 3، ص 496؛ الفقيه، ج 2، ص 3؛ الاستبصار، ج 2، ص 2؛ التهذيب، ج 4، ص 2؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 6.

(4). الخلاف، ج 2، ص 3؛ الوسيلة، ص 120؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 7؛ تحرير الأحكام، ج 1، ص 345؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 297؛ المهذّب البارع، ج 1، ص 500؛ الحدائق الناضرة، ج 12، ص 7؛ رياض المسائل، ج 5، ص 33؛ غنائم الايام، ج 4، ص 29؛ مستند الشيعة، ج 9، ص 7.

(5). الكافي، ج 3، ص 505؛ الفقيه، ج 2، ص 12؛ التهذيب، ج 4، ص 111؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 31- 35.

(6). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 13.

27

فائدة:

قيل (1): إنّ التاء في قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا (2) يحتمل أن يكون للخطاب في كلّ منهما، أي تطهّرهم أيّها الآخذ و تزكّيهم بواسطة تلك الصدقة (3). و يحتمل أن يكون للتأنيث فيهما، (4) أي تطهّرهم الصدقة المأخوذة و تزكّيهم بنفسها. و يحتمل أن يكون في (تطهّرهم) للتأنيث و في (تزكّيهم) للخطاب (5).

و الظاهر أنّ الأخير هو الوجه؛ لبعد الأوّلين، سيّما الثاني؛ لاحتياجه إلى تمحّل لا يخفى، و أمّا الثالث فهو و إن لم يخل عن تفكيك لكنّه لا ضير فيه بعد ظهور الكلام فيه مضافا إلى ما ذكره شيخنا- دام ظلّه- من أنّ هذا التفكيك ليس ممّا لا يجوز ارتكابه بلا قرينة.

ثمّ إنّ التزكية مبالغة في التطهير كما استظهره شيخنا- دام ظلّه-.

و قيل: يحتمل أن يكون بمعنى الإنماء (6). هذا.

____________

(1). و القائل هو العاملي في مدارك الأحكام، ج 5، ص 9. راجع أيضا ذخيرة المعاد، ج 3، ص 419؛ جوامع الجامع، ج 2، ص 92.

(2). التوبة (9): 103.

(3). مدارك الأحكام، ج 5، ص 9.

(4). راجع جوامع الجامع، ج 2، ص 92.

(5). راجع التبيان، ج 5، ص 292؛ مجمع البيان، ج 5، ص 117.

(6). قاله العاملي في مدارك الأحكام، ج 5، ص 9.

28

[النظر الأوّل في من تجب عليه الزكاة: العقل و البلوغ و ...]

قوله: و فيه قسمان: الأوّل: في زكاة المال، و النظر في من تجب عليه، و ما تجب فيه، و من تصرف إليه.

أمّا الأوّل، فتجب الزكاة على البالغ العاقل الحرّ المالك المتمكّن من التصرّف، فالبلوغ يعتبر في الذهب و الفضّة إجماعا (1) (1).

____________

أقول: وجوب الزكاة على من جمع الامور الخمسة فممّا لا إشكال- بل لا خلاف- فيه.

و يدلّ عليه من النصوص ما لا يخفى كثرة (2). إنّما الكلام في اشتراطه بها بحيث يتبعها عدما أيضا على ما هو معنى الشرط.

ثمّ إنّ الكلام ليس في شرطيّة بعض هذه الامور كالبلوغ و العقل في الجملة؛ لأنّه ممّا انعقد عليه الإجماع و دلّت عليه النصوص، إنّما الكلام في اشتراط هذه الامور على الإطلاق و عدمه؛ بمعنى قيام الدليل الشرعي على الاشتراط عموما في جميع أقسام الزكاة فيتّبع حتّى يثبت خلافه، أو قيامه على عدم الاشتراط فيرجع إليه فيما لم يقم دليل على الاشتراط، فلا بدّ من تحرير الكلام في أنّ قضيّة الأصل و القاعدة بالنظر إلى العمومات و الإطلاقات أيّ شي‌ء؟ لأنّه نافع جدّا في المسائل الخلافيّة المشتبهة و إن كانت قضيّة الاصول العمليّة الأوّليّة الاشتراط سواء جعلنا الزكاة من أموال الفقراء‌

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 105.

(2). راجع الكافي، ج 3، ص 496؛ الفقيه، ج 2، ص 3؛ الاستبصار، ج 2، ص 2؛ التهذيب، ج 4، ص 2؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 6.

29

..........

____________

و حقوقهم أوّلا و بالذات، فأمر الشارع بدفعها إليهم، أو جعلناها من أموال الأغنياء إلّا أنّ الشارع [أمر] بالتصدّق بها من باب المواساة و تمليك الفقراء لها و إن استتبعه جهة وضع أيضا؛ لأنّ الأصل عدم تعلّق الحقّ في مال فاقد الامور المذكورة، و الأصل البراءة من التكليف أيضا، و نفي كون مقتضى الاصول العمليّة اشتراط الامور المذكورة على الإطلاق لا يعتريه الإشكال، إنّما الكلام في المقام في قضيّة الاصول اللفظيّة بالنظر إلى عمومات الكتاب و السنّة الواردة أو الحاكمة على الاصول العمليّة.

فنقول: إنّ شيخنا- دام ظلّه العالي- قد بنى الوجهين في المسألة على أنّ المستفاد ممّا ورد في الباب من الآيات و الأخبار هل هو كون الزكاة حقّا للفقراء و مالا لهم في ضمن أموال الأغنياء؟ بحيث شرّكتهم [شرّكهم] معهم، أو في ذممهم كما في زكاة الفطرة قد ملّكهم المالك الحقيقي لمصلحة التّطهير و التّزكية، أو غيرهما من المصالح و إن استتبع حكما تكليفيّا من باب اللطف لئلّا يضيع حقوق الفقراء، كما يكون الأمر كذلك في الدين فيكون قبضهم و إقباض الأغنياء بمنزلة تميّز مالهم و التقسيم الموضوع في باب الشركة، أو كونها ممّا أمر الشارع بالتصدّق بها على الفقراء و تمليكها لهم مع كونها مالا للأغنياء مواساة و إن استتبعت وضعا و استحقاقا للفقراء في المطالبة و غيرها كما في كثير من الامور إلّا أنّهم يملكونها بالقبض؛ ضرورة أنّ الكلام في المقام ليس في ثبوت الجهتين للزكاة أي جهة وضع و تكليف، و بعبارة اخرى جهة معاملة و عبادة، إنّما الكلام في الأصالة و الفرعيّة و أنّ أصل تشريع الزكاة على وجه العبادة و إن استتبعت معاملة، أو العكس.

فعلى الأوّل يحكم بأنّ الأصل عدم الاشتراط حتّى يثبت خلافه بالأدلّة الخاصّة، لو كان فيما دلّ على كونه حقّا للفقراء عموما أو إطلاقا (1) بالنسبة إلى الفاقدين للشرائط‌

____________

(1). راجع الكافي، ج 3، ص 497؛ الفقيه، ج 2، ص 3؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 10.

30

..........

____________

كما هو ظاهر، و إلّا فلا يجدي مجرّد كونها مالا للفقراء جدّا، فيرجع عند الشكّ إلى الأصل الأوّلي بالنسبة إلى الفاقد لبعض الامور المذكورة؛ لأنّ انتفاء التكليف بالإخراج و الدفع في حقّ الفاقد لبعض الامور على هذا الفرض لا يقضي بانتفاء الزكاة فليباشروه و بعد الأخباري [كذا] و لو كان حاكم الشرع أو الأخباري [كذا] أو نفسه بعد وجدانه لما فقد في حقّه.

و على الثاني يحكم بأنّ الأصل الاشتراط؛ لأنّه إذا لم يتوجّه التكليف بالنسبة إليه لم يكن معنى للحكم بثبوت الحقّ في ماله أو ذمّته؛ لأنّ المفروض انحصار طريقته إلى توجّه التكليف.

و منه يعلم فساد ما يقال عليه من أنّ التكليف و إن لم يتوجّه عليه في زمان فقدانه للشرط إلّا أنّ توجّهه في زمان وجدانه للشرط يكفي للحكم بثبوت الزكاة عليه في زمان فقدانه للشرط.

و توضيح ذلك أنّ الحكم بثبوت الحقّ في الزمان السابق على التكليف إنّما يصحّ لو تعلّق التكليف بأداء الزكاة ممّا ملكه في زمان فقدانه للشرط، و هذا في محلّ المنع جدّا، و إنّما المسلّم ثبوت التكليف بالزكاة في حقّ الواجد للشرائط في زمان وجدانه.

لا يقال: لازم كونها مالا للفقراء في أموال الأغنياء أو في ذممهم جريان جميع أحكام المعاملات عليها كالدين، فكيف يقال باشتراط قصد القربة و عدم حصولها بأداء المتبرّع إلى غير ذلك من أحكام العبادات، مع أنّ الدين الذي هو نظير المقام ليس كذلك، بل قد يرتفع قهرا كما في التهاتر، فالالتزام بأحكام العبادات فيها لا يجامع القول بكونها من المعاملات، كما أنّ الالتزام بكونها من العبادات أيضا ينافي جريان بعض أحكام المعاملات عليها كجريان التوكيل فيها.

لأنّا نقول: قد أسمعناك في طيّ كلماتنا السابقة أنّ الزكاة ليست عبادة محضة على تقدير كونها من العبادات بحسب أصل التشريع، و لا معاملة محضة على تقدير كونها‌

31

..........

____________

من المعاملات بحسب أصل التشريع، و إنّما هي برزخ بين الأمرين، و أنّ مرجع الوجه الأوّل- و هو كونها من المعاملات- بحسب أصل التشريع إلى كونها مالا في أموال الغنيّ أو في ذمّته قد أمر الشارع بأدائها إليه على وجه الصدقة، فلا تقع في الخارج إلّا بقصد القربة و المباشرة إلّا مع التوكيل فإنّه ثبت فيها أيضا. و لعلّ السرّ فيه أنّ الأغنياء وكلاء اللّه عزّ و جلّ و الفقراء عياله كما يدلّ عليه الحديث القدسي (1)، فما لم يقصد الغني التقرّب في إعطاء الزكاة لم يحصل الإعطاء من اللّه على وجه التوكيل. و مرجع الثاني إلى كونها صدقة أمر الشارع بها و إن جرى عليه بعض أحكام المعاملات أو أكثرها كما في الحجّ في حقّ العاجز عنه، فإنّه لا يجوز له أخذ النّائب. هذا.

ثمّ إنّ الوجهين مشتركان في أكثر الأحكام كما عرفت الإشارة إليه، مثل استحقاق المطالبة و جريان الإجبار فيها على تقدير الامتناع و كون بيع المال الذي تعلّق به الزكاة فضوليّا، إلى غير ذلك؛ لأنّ مجرّد تعلّق الحقّ به، المستفاد من التكليف و إن لم يكن ما لا يخفى في جريان هذه الأحكام.

ألا ترى إلى حكم الشهيد (2) باستحقاق المطالبة للمنذور له في نذر الفعل مع أنّه ليس هناك ملك له كما في نذر العامّة. بل ذكر شيخنا- دام ظلّه- أنّا لم نقف إلى الآن على ثمرة بين الوجهين غير ما هو محلّ البحث من تأسيس الأصل في المقام. هذا.

ثمّ إنّه- دام ظلّه العالي- ذكر أنّ الإنصاف أنّ كلّا من الوجهين يستفاد ممّا ورد في الباب من الآيات و الأخبار فإنّها مختلفة من حيث الدلالة نظرا إلى دلالة بعضها على الوجه الأوّل، مثل ما دلّ من الأخبار على أنّ اللّه تبارك و تعالى شرّك بين الفقراء و الأغنياء، (3) فإنّه ظاهر كمال الظهور فيه، و مثل ما دلّ على أنّ اللّه فرض في أموال‌

____________

(1). جامع الأخبار، ص 80؛ روضة المتقين، ج 3، ص 183؛ لطائف المواقف، ص 10.

(2). راجع الدروس، ج 2، ص 154.

(3). الكافي، ج 3، ص 545؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 215.

32

..........

____________

الأغنياء ما يكفي الفقراء، (1) إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على هذا المعنى.

و دلالة بعضها الآخر على الوجه الثاني، مثل قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ* (2) و ما يقرب إليه من الآيات (3) و الأخبار (4) الدالّة على كون مساق الزكاة مساق الصلاة، و قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً (5) الآية.

و دلالته عليه ظاهرة، فإنّ الأمر بأخذ الزكاة من مالهم يدلّ على بقاء المال بتمامه في ملكهم بعد تعلّق الزكاة أيضا، و إلّا لم يكن معنى لإضافة المال إليهم بعد تعلّق الصدقة بها، إلى غير ذلك. هذا.

و ممّا يقرّب هذا الوجه ملاحظة ما ورد من الأخبار (6) في حكمة التشريع و أنّها من جهة المواساة، و ممّا يؤيّد- بل يدلّ عليه- دلالة الأخبار (7) و حكم الأصحاب (8) من غير خلاف يعتدّ به باستحباب الزكاة فيما ستقف عليه، مع أنّ الزكاة ليست لها حقيقتان‌

____________

(1). الكافي، ج 3، ص 497- 498؛ الفقيه، ج 2، ص 3؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 10.

(2). البقرة (2): 43 و 83 و 110؛ النساء (4): 77؛ النور (25): 56؛ المزمل (73): 20.

(3). راجع البقرة (2): 177 و 277؛ النساء (4): 162؛ المائدة (5): 12 و 55؛ التوبة (9): 5 و 11 و 18 و 71؛ الانبياء (21): 73؛ الحج (22): 41 و 78؛ النور (25): 37؛ النحل (27): 3؛ لقمان (31): 4؛ المجادلة (58): 13؛ البينة (98): 5.

(4). الكافي، ج 3، ص 497- 498؛ الفقيه، ج 2، ص 3؛ الاستبصار، ج 2، ص 3؛ التهذيب، ج 4، ص 3؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 9- 10 و 13.

(5). التوبة (9): 103.

(6). الفقيه، ج 2، ص 8؛ علل الشرائع، ج 2، ص 369؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 12؛ بحار الأنوار، ج 6، ص 96.

(7). الكافي، ج 3، ص 499- 501 و 510- 511؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 61- 64.

(8). الرسائل العشر، ص 204؛ الجامع للشرائع، ص 134؛ قواعد الأحكام، ج 1، ص 344؛ نهاية الأحكام، ج 2، ص 377؛ الدروس، ج 1، ص 238؛ مداك الأحكام، ج 5، ص 185؛ غنائم الأيام، ج 4، ص 212؛ جواهر الكلام، ج 15، ص 8.

33

..........

____________

قطعا بأن تكون فيما تجب فيه مال للفقراء و فيما تستحبّ صدقة أمر بتملّكها الفقراء على وجه الاستحباب، و على تقدير الاتّحاد في الحقيقة لا معنى للإلزام بالماليّة فيما تستحبّ فيه، فلا بدّ من الإلزام بعدم الماليّة في موارد الوجوب أيضا. هذا.

و أمّا ما يقال (1) من عدم منافاة الاستحباب لكونها حقّا للفقراء نظرا إلى تفسير قوله تعالى: وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ (2) في جملة من الأخبار (3) بغير الزكاة من الصدقات المستحبّة التي الزم الرجل على دفعها في كلّ يوم أو اسبوع أو شهر؛ ففاسد جدّا. ضرورة المنافاة بين الملكيّة و استحباب الدفع.

و أمّا ما ذكر من الأخبار في تفسير الآية فلا يدلّ على عدم المنافاة جدّا؛ لأنّ المراد من الحقّ في الآية هو مقدار خاصّ من المال الزم الرجل على نفسه بدفعه إلى الفقراء في زمان خاصّ على وجه الاستمرار، فتسميته حقّا للفقراء إنّما هو بمقتضى إلزام الغنيّ نصيبا في ماله للفقراء، و أين هذا من الدلالة على اجتماع الاستحباب للماليّة. هذا.

فإن قلت: لو كانت ثمّة منافاة بين الاستحباب و الملكيّة فما وجه اختلاف الأصحاب في وجوب الحبوة و استحبابها، و هل حقيقتها إلّا شي‌ء واحد على القولين؟

قلت: منشأ خلاف الأصحاب في باب الحبوة إنّما هو اختلافهم في دلالة ما ورد فيه (4)، فبعضهم فهم منها الدلالة على كون الحبوة ملكا للولد الأكبر ينافي الوجوب، و آخر فهم الدلالة على عدمها فيحكم بالاستحباب؛ نظرا إلى أنّ الظاهر منه استحباب‌

____________

(1). راجع جواهر الكلام، ج 9، ص 12.

(2). المعارج (70): 24- 25.

(3). الكافي، ج 3، ص 499؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 47.

(4). راجع الكافي، ج 7، ص 85- 86؛ الفقيه، ج 4، ص 346- 347؛ الاستبصار، ج 4، ص 144- 145؛ التهذيب، ج 9، ص 275- 276؛ وسائل الشيعة، ج 26، ص 97- 99.

34

..........

____________

تمليك الورثة للولد الأكبر جزءا من المال المتروك نظير استحباب ارتزاق الجدّ شيئا من التركة إذا حضر القسمة، فاختلافهم في تلك المسألة إنّما هو بهذا الاعتبار، و ليس الدليل على التفكيك موجودا في المقام جدّا. هذا. و لعلّه اسمعك في الفروع الآتية ما يرشدك إلى أحد الوجهين.

ثمّ إنّ الجمع بين الطائفتين يمكن من وجهين:

أحدهما: أن يتصرّف فيما دلّ على كونها ملكا بحسب أصل التشريع و يبقى مقابله في ظهوره بأنّ المراد جعل فرضه الحقّ أو التشريك بحسب الحكم التكليفي و إن استتبع وضعا لا التملّك و إعطاء جزء من أموال الأغنياء للفقراء كما هو قضيّة الوجه الأوّل.

ثانيهما: أن يتصرّف فيما دلّ على كونها عبادة بحسب أصل الشرع، بأنّ المراد وجود جهة العبادة فيه، و أنّ التكليف المتعلّق بها للإرشاد إلى دفع أموال الفقراء فيكون مسبوقا بالحقّ و الملك بقرينة هذه الأخبار، و لذا يتعدّى في حقّ من لا يتوجّه عليه تكليف و إن لم يكن استفادة هذا المعنى منها لو خلّيت و أنفسها و لو كان الأمر فيها غيريّا إرشاديّا؛ لأنّ اختصاص التكليف في هذا الفرض كما لا يدلّ على التخصيص لا يدلّ على التعميم، مع أنّ الأمر على تقدير كونها من العبادات ليس إرشاديّا قطعا؛ و لذا يستشكل في استفادة الحقّ على هذا التقدير.

و عليه: ما يسلّم استفادته منها ثبوت الحقّ في الجملة لا كنفقة الزوجة حتّى يصير كالدين فيرجع إلى الوجه الأوّل، و لا كنفقة سائر الأقارب، بل هو أدنى من الاولى و أعلى من الثانية.

و الجمع على الوجه الثاني و إن كان أقرب بحسب قواعد الجمع لأنّ ما دلّ على كونها مالا بمنزلة النصّ بالنسبة إلى ما دلّ على كونها من العبادات، إلّا أنّ شيخنا- دام ظلّه العالي- رجّح كونها عبادة بحسب أصل التشريع نظرا إلى الوجوه المتقدّمة‌

35

..........

____________

و غيرها، لكنّه- دام ظلّه- نفى الثمرة التي ذكرها بين الوجهين نظرا إلى أنّ محلّ الكلام في اعتبار الامور المذكورة و اشتراطها في المقام هو اعتبارها في تعلّق الزكاة من أوّل زمان تملّك النصاب إلى آخر الحول، و أنّ من لم يجتمع في حقّه الأوصاف المذكورة و لو في جزء من حول تملّك النصاب لا تتعلّق الزكاة بماله و لا يصير ماله موردا له، بناء عى ما قضت به كلماتهم في المقام و غيره من اعتبار وجود الشرط من أوّل زمان وجود السبب إلى آخره، و بعبارة اخرى في تمام زمان وجود السبب إلّا في السبب الذي له استمرار كالحدث و الوقف، و لذا لا تجب الفطرة على من اجتمع في حقّه شرائط في أثناء شهر رمضان نظرا إلى ما بنوا عليه من أنّ السبب دخول الهلال، و يجب على الصبيّ بعد بلوغه الغسل إذا أجنب في زمان صباه؛ لأنّ السبب في الوجوب هو الحدث المسبّب عن الجنابة المستمرّ إلى زمان البلوغ، و كذلك يجب عليه الصلاة إذا بلغ في أثناء الوقت نظرا إلى أنّ كلّ جزء من الوقت سبب لوجوب الصلاة على الجامع لشرائط التكليف فيه.

نعم، قد يحكمون بثبوت مقتضى بعض الأسباب في حقّ الفاقد للشرائط كالضمان و أرش الجناية نظرا إلى ما فهموا من دليله من عدم اختصاصه بالواجد، فهو خارج عمّا نحن فيه إذا بني على أنّ السبب في الزكاة تملّك النصاب في الحول التامّ، فلا بدّ على القول باعتبار الامور المذكورة- كما عليه الإجماع في الجملة- من وجودها في تمام حول تملّك النصاب كما صرّحوا به، و إن خالف فيه بعض المتأخّرين فاكتفى بوجودها في بعض الحول.

و من المعلوم أنّ الاشتراط بهذا المعنى لا يثبت ما بنينا عليه الأمر من كون الزكاة من مقولة التكليف المختصّ بزمان وجود شرائط التكليف و لا ينفي تمام المراد فإنّه لا يجدي فيما فرض وجود شرائط التكليف في أثناء الحول فإنّه لا مانع من التكليف بالزكاة حينئذ مع أنّ القائلين بالاشتراط لا يقرّون به.

36

..........

____________

اللهمّ إلّا أن يتمّ المدّعى بضميمة الإجماع المركّب نظرا إلى عدم الفرق في نفي الزكاة- على القول بالاشتراط- بين ما لم تجتمع الشرائط في تمام الحول أو بعضه كما أنّه لا فرق على القول بعدم اعتبار هذه الامور بين الفرضين، فتأمّل، هذا.

فلا بدّ من أن يتشبّث على هذا التقدير بالأخبار الخاصّة الدالّة على الاشتراط في خصوص الموارد- كما ستقف عليها- الحاكمة على ما قضى بعمومه على ثبوت الزكاة في حقّ الفاقد و لو فرض ثبوته. هذا.

ثمّ ذكر- دام ظلّه العالي- أنّ أضعف من التمسّك لإثبات شرطيّة الامور المذكورة بما دلّ على تشريع الزكاة على تقدير كونه مثبتا على التكليف التمسّك بما دلّ على رفع القلم عن الثلاثة من النبوي المعروف (1)، كما وقع عن جماعة؛ نظرا إلى حكومته على جميع الأدلّة المثبتة للأحكام على سبيل العموم الشامل للثلاثة و غيرهم؛ لأنّ المرفوع بالنبوى لا يخلو إمّا أن يكون خصوص قلم التكليف و المؤاخذة كما هو الظاهر أو الأعمّ منه و قلم الوضع، فإن كان المراد منه الأوّل فلا يجدي في المقام بالتقريب الذي تقدّم، و إن كان المراد منه الثاني كما يظهر من جماعة فهو و إن كان مجديا إلّا أنّه يرفع الثمرة على الوجهين كما لا يخفى.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه- في المقام، و عليك بالتأمّل فيه كمال التأمّل، فإنّ بعض مواقفه لا يخلو عن النظر، و اللّه العالم.

ثمّ إنّك بعد ما عرفت ما أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- في تأسيس الأصل فاستمع لما يتلى عليك من الكلام فيما يقتضي باعتبار الامور المذكورة من الأدلّة الخاصّة.

فنقول: أمّا اعتبار البلوغ في مال الصامت الذي يراد منه الذهب و الفضّة في‌

____________

(1). عوالي اللئالي، ج 1، ص 209؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 20؛ بحار الأنوار، ج 30، ص 681.

37

..........

____________

كلماتهم فممّا لا إشكال فيه، بل الإجماع عليه محقّقا و منقولا (1) بلغ حدّ التواتر.

و الأصل فيه قبل الإجماع أخبار الشيعة الصحيحة:

منها: ما رواه الشيخ (رحمه اللّه) في الصحيح عن زرارة، «عن أبي جعفر (عليه السّلام)، قال: ليس في مال اليتيم زكاة». (2)

و منها: ما في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السّلام)، قال: «سألته عن مال اليتيم؟ فقال: ليس له [فيه] زكاة». 3

و منها: ما في الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، «قال: قلت له في مال اليتيم: عليه زكاة؟ قال: إذا كان موضوعا فليس عليه زكاة فإذا عملت به فأنت ضامن و الربح لليتيم». 4

و منها: ما في الصحيح عن يونس بن يعقوب: «أرسلت إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ لي إخوة صغار، فمتى تجب عليهم في أموالهم الزكاة؟ فقال: إذا وجبت عليهم الصلاة وجبت عليهم الزكاة. قلت: فما لم تجب عليهم الصلاة؟ قال: إذا اتّجر به فزكّه». 5

و منها: ما في الصحيح عن أبي بصير، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ليس على مال اليتيم زكاة، و ليس عليه صلاة، و ليس على جميع غلّاته من نخل أو زرع أو غلّة‌

____________

(1). الخلاف، ج 2، ص 41؛ شرائع الإسلام، ج 1، ص 105؛ المعتبر، ج 2، ص 486؛ كشف الرموز، ج 1، ص 232؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 298؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 471؛ البيان، ص 165؛ الروضة البهيّة، ج 2، ص 12؛ مدارك الأحكام، ج 5، ص 15؛ غنائم الأيام، ج 4، ص 30؛ رياض المسائل، ج 5، ص 34؛ جواهر الكلام، ج 15، ص 14.

(2) 2 و 3. التهذيب، ج 4، ص 26؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 85.

(3) 4. الكافي، ج 3، ص 540؛ التهذيب، ج 4، ص 26؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 83. (مع اختلافات فيها).

(4) 5. الكافي، ج 3، ص 541؛ الاستبصار، ج 2، ص 29؛ التهذيب، ج 4، ص 27؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 85. (مع اختلافات فيها).

38

..........

____________

زكاة، و إن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة، و لا عليه لما يستقبل حتّى يدرك، فإذا أدرك فإنّما عليه زكاة واحدة ثمّ كان عليه مثل ما على غيره من الناس». (1)

إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة أو الصريحة في نفي الزكاة عن الصبيّ.

و دلالتها على شرطيّة البلوغ بالمعنى المبحوث فيه في المقام ممّا لا إشكال فيه فانّ نفي الزكاة عمّن كان صبيّا و لو في جزء من الحول يدلّ على أنّ ماله ليس كأموال البالغين قابلا لتعلّق الزكاة. هذا.

و قد تمسّك جماعة من الأصحاب لاشتراط البلوغ في المقام بما عرفت بعضه من شيخنا- دام ظلّه العالي- من الوجهين.

هذا بعض الكلام في اشتراط البلوغ.

و أمّا اشتراط العقل المستلزم لانتفاء الزكاة من المجنون فممّا لا إشكال فيه أيضا، بل ادّعي عليه الإجماع في الجملة (2)، و لا ينبغي الارتياب في تحقّقه في المطبق.

و يدلّ عليه- مضافا إلى ما عرفت- ما ورد في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): امرأة من أهلنا مختلطة، عليها زكاة؟ قال: إن كان عمل به فعليها زكاة، و إن لم يكن يعمل به فلا» (3) [فلا] تجب إذا في المجنون المطبق.

و أمّا إذا كان جنونه أدواريّا يعرض في أثناء الحول فالمحكيّ عن العلّامة في التذكرة عدم تعلّق الزكاة به، حيث قال: «لو كان الجنون [يعتوره] أدوارا اشترط‌

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 31؛ التهذيب، ج 4، ص 30. (مع اختلافات يسير).

(2). راجع الخلاف، ج 2، ص 41؛ المعتبر، ج 2، ص 486؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 471؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 300؛ البيان، ص 165؛ الروضة البهيّة، ج 2، ص 12؛ مدارك الأحكام، ج 5، ص 15؛ غنائم الأيام، ج 4، ص 37.

(3). الكافي، ج 3، ص 542؛ التهذيب، ج 4، ص 30؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 90.

39

..........

____________

الكمال طول الحول، و لو جنّ في أثنائه سقط و استأنف من حين عوده» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و هو ظاهر إطلاق الأصحاب أيضا، لكن استشكله في المدارك حيث قال بعد نقل ما عرفت عن العلّامة: «و هو مشكل لعدم الظفر [بما يدلّ] على ما ادّعاه». (2) انتهى كلامه.

و أنت خبير بأنّ الصحيحة مطلقة ككلمات الأصحاب، فكيف يدّعى عدم وجود الدليل. فالحقّ ما ذكره في التذكرة. هذا في المجنون.

و أمّا المغمى عليه في تمام الحول أو في بعضه، فهل يلحق بالمجنون، فلا تجب عليه الزكاة في الصامت من ماله، أو بالنائم و الساهي و المغفّل؟ وجهان، بل قولان:

صريح المحكي عن العلّامة الإلحاق بالأوّل، حيث قال: «و تجب الزكاة على الساهي و النائم و المغفّل دون المغمى عليه؛ لأنّه تكليف و ليس من أهله» (3). انتهى كلامه.

و صريح السيّد في المدارك ترجيح الإلحاق بالنائم و أخويه، حيث قال- بعد نقل ما عرفت عن العلّامة-: «و في الفرق نظر، فإنّه إن أراد أنّ المغمى عليه ليس أهلا للتكليف في حال الإغماء فمسلّم، لكنّ النائم كذلك. و إن أراد كون الإغماء مقتضيا لانقطاع الحول و سقوط الزكاة كما ذكره في ذوي الأدوار طولب بدليله و بالجملة فالمتّجه مساواة الإغماء للنوم في تحقّق التكليف بالزكاة بعد زوالها كما في غيرها من التكاليف» (4). انتهى كلامه رفع مقامه.

____________

(1). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 16.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 16.

(3). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 16.

(4). مدارك الأحكام، ج 5، ص 16.

40

..........

____________

و قد نقل الخلاف في المسألة و في الجنون الأدواري في محكيّ (1) الذخيرة (2) و الكفاية (3)، و قد أورد عليه المولى الفريد البهبهاني في حواشيه على الذخيرة (4) بما لا مزيد عليه.

قال بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب بعد نقل كلام المولى الفريد البهبهاني في الحواشي ما هذا لفظه: «قلت: هو كما ذكره بالنسبة إلى الأدواري، و أمّا المغمى عليه فالأقوى ما ذكره في المدارك مؤيّدا بعدم استثناء الأصحاب له، بل اقتصارهم على الطفل و المجنون شاهد على خلافه، و كذا السكران» (5). انتهى كلامه.

و قد جزم شيخنا- دام ظلّه العالي- بإلحاقه بالمجنون ناسبا له إلى الأصحاب و إن لم يذكروه جميعهم في عداد الشرائط في المقام، بل في غيره كالصوم و نحوه، و لذا اتّفقوا ظاهرا على كون تخلّله بين الإيجاب و القبول مانعا عن صحّة العقد و انعقاده.

و ربّ مسألة غير معنونة في كلماتهم يعلم اتّفاقهم فيها بذكر بعض الأعلام لها و إرسالها إرسال المسلّمات مع عدم تعرّض من تأخّر عنه لردّه كما في المقام.

و نحن نعلم أنّ الإغماء عندهم ملحق بالجنون لا بالنوم، و مخالفة بعض المتأخّرين (6) لا يقدح جدّا.

و الوجه في إلحاقه بالجنون لا بالنوم هو أنّ المستفاد ممّا قضى بشرطية العقل و البلوغ ارتفاع الزكاة عمّن ليس أهلا للتكليف بحسب الشأن و عليه ليس له شأنية‌

____________

(1). حكاه في جواهر الكلام، ج 15، ص 29.

(2). ذخيرة المعاد، ج 3، ص 421.

(3). كفاية الأحكام، ص 34.

(4). حاشية الذخيرة، حكاه جواهر الكلام، ج 15، ص 30.

(5). جواهر الكلام، ج 15، ص 30.

(6). كالعاملي في مدارك الأحكام و الشيخ في جواهر الكلام.

41

..........

____________

التكليف عندهم بخلاف النوم؛ و لذا لا يجب عليه القضاء إذا استغرق تمام الوقت و يجب عليه، و من هنا يحكم بوجوبها على السفيه، فتأمّل.

و هذا هو مراد العلّامة فلا يرد عليه ما في المدارك.

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه العالي- و هو كما ترى لا يخلو عن المناقشة بل النظر.

ثمّ إنّه- دام ظلّه- حكم من غير تأمّل بإلحاق السكر بالنوم (1) في عدم المبالغة [كذا] في الفرق بينه و بين الأعلى، فتأمّل.

____________

(1). كتاب الزكاة (الأنصاري)، ص 12، و فيه: «و أمّا النائم و الساهي و شبههما فالظاهر عدم منعهما ابتداء و استدامة و إن خرجا عن المعتاد».

42

[أحكام الزكاة في مال الطفل: النقدين]

قوله: نعم، إذا اتّجر [له] من إليه النظر استحبّ له الزكاة عليه [إخراج] الزكاة من مال الطفل، فإن ضمنه [و اتّجر لنفسه] و كان مليّا (1) كان الربح له، و يستحبّ و تستحب [له] الزكاة.

أمّا لو لم يكن مليّا أو لم يكن وليّا كان ضامنا و الربح لليتيم، و لا زكاة هنا (1) (2).

____________

أقول: استحباب الزكاة فيما لو اتّجر الوليّ في مال الطفل فيما كان جائزا له شرعا ممّا ذهب إليه المشهور، بل ادّعى الإجماع عليه جماعة منهم المصنّف في المعتبر (3) و يدلّ عليه من الروايات ما قدّمناه.

و حكي هنا قولان آخران:

أحدهما: وجوب الزكاة، حكي عن المفيد في المقنعة (4)، لكن أوّله الشيخ (رحمه اللّه) (5) بإرادة الاستحباب؛ لأنّه لا يقول بوجوب الزكاة لو كان المال للبالغ و اتّجر به فكيف يقول بالوجوب في الطفل، و هو جيّد.

ثانيهما: سقوط الزكاة رأسا، حكي عن الحلّي في السرائر و تبعه في المدارك.

____________

(1). مليا: ان المراد بالملاءة أن يكون للمتصرّف مال بقدر مال الطفل المضمون فاضلا عن المستثنيات في الدين و عن قوت يومه و ليله له و لعياله الواجبي النفقة. (مسالك الأفهام، ج 1، ص 50).

(2). شرائع الإسلام، ج 1، ص 105.

(3). المعتبر، ج 2، ص 487.

(4). المقنعة، ص 238؛ جواهر الكلام، ج 15، ص 15.

(5). التهذيب، ج 4، ص 27.

43

..........

____________

قال في السرائر: «إنّ الرواية الواردة بالاستحباب ضعيفة شاذّة أوردها الشيخ (رحمه اللّه) في كتبه إيرادا لا اعتقادا» (1). انتهى كلامه.

و قال في المدارك- بعد نقل ما عرفت عن الحلّي-: «و القول بالسقوط جيّد على أصله، بل لا يبعد المصير إليه» إلى آخر ما ذكره (2).

و هو كما ترى؛ لأنّ جملة من الروايات الدالّة على الاستحباب (3) صحيحة، مضافا إلى ما عرفت من اعتضادها بالشهرة المحقّقة و الإجماع المحكي في كلام من عرفت. (4)

و ثبوت حرمة التصرّف في مال الغير بالعقل و النقل لا يمنع مع ثبوت الإذن من المالك الحقيقي، فحكم الفرض ممّا لا ينبغي الإشكال فيه، كما أنّه لا إشكال في عدم الضمان على الوليّ في الفرض لقاعدة الإحسان و إطلاق الروايات (5) و إن خالف فيه في المدارك (6) و غيره، لكنّه أضعف و إن كان ربّما يعاضده بعض الأخبار و عدم الفرق بين النقدين و غيرهما في حكم الفرض لإطلاق الأخبار و إن قيل بانصرافها إلى النقدين، لكنّه ممنوع.

إنّما الإشكال كلّه في اتّجار الوليّ و غيره فيما لم يكن جائزا، فنقول: إنّ الكلام في المقام يقع تارة من حيث حكم اتّجار الوليّ من حيث اشتراطه بالمصلحة، أو عدم اشتراطه بها و كفاية عدم المفسدة أو عدم اشتراطه بعدم المفسدة في خصوص الأب‌

____________

(1). ليس هذا صريح كلامه بل نقله بهذا اللفظ العاملي في مدارك الأحكام. راجع السرائر، ج 1، ص 441.

(2). مدارك الأحكام، ج 5، ص 18.

(3). راجع الكافي، ج 3، ص 540- 541؛ الاستبصار، ج 2، ص 29- 30؛ التهذيب، ج 4، ص 26- 30؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 87- 89.

(4). أي المصنف في المعتبر، ج 2، ص 487.

(5). الاستبصار، ج 2، ص 30؛ التهذيب، ج 4، ص 29؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 89.

(6). راجع مدارك الأحكام، ج 5، ص 18- 19.

44

..........

____________

و الجدّ، و اخرى في حكم الاتّجار سواء كان من الوليّ أو غيره فيما لم يكن جائزا من حيث الضمان و حكم الربح و الزكاة.

أمّا الكلام في الجهة الاولى فهو خارج عن محلّ البحث، و إنّما هو موكول فيما يبحث عن حكم مطلق تصرّف الوليّ فإنّه جزئيّ من جزئيّاته و قد تكلّم شيخنا- دام ظلّه- فيه بما لا مزيد عليه فيما كتبه في البيع (1).

و قد ذكرنا شطرا من الكلام فيه فيما كتبناه في الرهن (2) عند قراءتنا على شيخنا- دام ظلّه- و حاصله اشتراط عدم المفسدة في الأب و الجدّ، بل في مطلق الوليّ سواء كان إجباريّا أو اختياريّا كالوصيّ، بل استظهرناه من كلمات الأصحاب (3) و إن كان ظاهر الشيخ (رحمه اللّه) (4) و تابعيه (5) اشتراط المصلحة، لكنّه محمول على ما إذا كان نوع التصرّف مشتملا على المفسدة كالاتّجار- مثلا- ممّن ليس أهلا له؛ فإنّه يمكن القول بعدم الجواز فيه و إن راعى المصلحة في شخص التصرّف، و إن كان كلام الشيخ يأبى عن ذلك، فراجع إليه.

و ظاهر إطلاق أكثر المتأخّرين- كما في المدارك (6)- الجواز حتّى مع المفسدة في الأب و الجدّ، بل عن مجمع البرهان (7) كأنّه لا خلاف فيه. و يدلّ عليه جملة من‌

____________

(1). كتاب المكاسب، ج 3، ص 535.

(2). كتاب الرهن (الآشتياني)، مخطوط، سيطبع إن شاء اللّه.

(3). كتاب المكاسب (الأنصاري)، ج 3، ص 540؛ جواهر الكلام، ج 22، ص 332 و ج 28، ص 297.

(4). المبسوط، ج 2، ص 200، (قال: إلّا على وجه الاحتياط و الحظ للصغير).

(5). راجع السرائر، ج 1، ص 441؛ الارشاد، ج 1، ص 360؛ مسالك الأفهام، ج 3، ص 166؛ جامع المقاصد، ج 4، ص 87؛ مجمع الفائدة، ج 4، ص 14؛ كفاية الاحكام، ص 89.

(6). راجع مدارك الأحكام، ج 5، ص 19؛ و الظاهر خلاف ما ادّعاه.

(7). مجمع الفائدة و البرهان، ج 4، ص 14.

45

..........

____________

الروايات (1)، لكنّا أثبتنا في محلّه فساد هذا الاستظهار بما لا مزيد عليه، فينحصر التكلّم في المقام في الجهة الثانية، و هو حكم اتّجار الوليّ و غيره من جهة الأحكام الثلاثة فيما فرض عدم جوازه مع مراعاة المصلحة في شخص المقام و إن كان نوع التصرّف في معرض المفسدة، فمسألة الاقتراض خارج عن محلّ الكلام، و إنّما يتكلّم فيه بعد الفراغ عن حكم المسألة، كما أنّ حكم اتّجار غير الوليّ من حيث الجواز و العدم حتّى مع مراعاة المصلحة خارج عن محلّ البحث و إن كان مقتضى الأصل فيه عدم الجواز و مقتضى إطلاق الأخبار الجواز؛ و أنّ باب المناقشة فيه واسع؛ و لذا اختلفوا فيه.

فنقول: إنّ الكلام في المقام يقع في موضعين:

أحدهما: ما إذا اتّجر الوليّ مطلقا أو غيره في عين مال الطفل في ذمّته أو في عهدة ماله.

ثانيهما: ما إذا اتّجر في ذمّة أنفسهما و دفعا مال الطفل بدلا لما في الذمّة.

أمّا الكلام في الموضع الأوّل [ما إذا اتّجر الوليّ مطلقا أو غيره في عين مال الطفل في ذمّته أو في عهدة ماله.]

فيقع في مقامات:

أحدها: في وقوع المعاملة للطفل و كون الربح له.

ثانيها: في حكم الزكاة و أنّها على الطفل أو لا.

ثالثها: ثبوت الضمان على التاجر في الفرض و عدمه.

أمّا الكلام في الأوّلين [في وقوع المعاملة للطفل و كون الربح له. و في حكم الزكاة و أنّها على الطفل أو لا.]

فحاصله أنّه أطلق المصنّف (2) و الفاضل في بعض كتبه (3) أنّ‌

____________

(1). راجع الكافي، ج 5، ص 135- 136؛ الفقيه، ج 3، ص 176- 177؛ الاستبصار، ج 3، ص 48- 50؛ التهذيب، ج 6، ص 343- 345؛ وسائل الشيعة، ج 11، ص 91- 92.

(2). شرائع الإسلام، ج 1، ص 105.

(3). تذكرة الفقهاء: ج 5، ص 14.

46

الربح لليتيم و لا زكاة عليه، و عن المبسوط (1) و النهاية (2) موافقتهما في الأوّل و مخالفتهما في الثاني، [و] لكن في غير الوليّ.

و عن جماعة منهم الشهيد و ثاني المحقّقين (3) موافقتهما في الأوّل إذا كان وليّا و مخالفة بعضهم لهما في الثاني. و صريح بعض مشايخنا (4) أيضا موافقتهما في الأوّل إذا كان وليّا و مخالفتهما في الثاني، فإنّه أثبت الزكاة على الطفل في الفرض و حكم في غير الوليّ بتوقّف التجارة على الإجازة، و ظاهر القائلين بأنّ الربح لليتيم بل صريح بعضهم أنّ المعاملة الواقعة على العين سواء كانت من الوليّ أو من غيره لا تتوقّف على الإجازة، و هو مقتضى إطلاق الأخبار الواردة في المقام (5) أيضا. و استوجهه شيخنا- دام ظلّه- بعد بعده في الجملة بما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى. هذا.

و استدلّ للقول بأنّ الربح لليتيم و لا زكاة عليه بجملة من الروايات:

منها: صحيح ربعي عن الصادق (عليه السّلام) «في رجل عنده مال اليتيم؟ فقال: إن كان محتاجا [و] ليس له مال فلا يمس ماله، و إن هو اتّجر به فالربح لليتيم و هو ضامن» (6).

و منها: ما رواه منصور الصيقل: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن مال اليتيم يعمل به؟

[قال:] فقال: إذا كان عندك مال و ضمنته فلك الربح و أنت ضامن للمال، و إن كان لا مال لك و عملت به فالربح للغلام و أنت ضامن للمال» (7).

____________

(1). راجع المبسوط، ج 1، ص 234.

(2). نهاية الإحكام، ج 2، ص 299.

(3). راجع جامع المقاصد، ج 3، ص 5.

(4). جواهر الكلام، ج 15، ص 21- 22.

(5). كما سيجي‌ء ذكر بعضها.

(6). الكافي، ج 5، ص 131؛ التهذيب، ج 6، ص 341- 342؛ وسائل الشيعة، ج 17، ص 257- 258.

(7). الاستبصار، ج 2، ص 30؛ التهذيب، ج 4، ص 29؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 89.

47

إلى غير ذلك من الروايات، و الحكم فيها بأنّ الربح للطفل عند عدم جواز الاتّجار مع السكوت عن الزكاة يقتضي بما أفتوا به من القضيّة الثبوتيّة و السلبيّة. هذا.

و مستند القائلين بالقضيّة الثبوتيّة دون السلبيّة سكوت الأخبار المذكورة عن حكم الزكاة و عدم سوقها لبيانه، فيرجع فيه إلى ما قضى بإطلاقه على ثبوت الزكاة عليه، و مستند المفصّلين انصراف الأخبار إلى غير الوليّ. و هذه كما ترى محلّ مناقشة و نظر.

فالصواب أن يقال: إنّ مقتضى القاعدة في النظر الجلي فيما لو فرض عدم جواز التصرّف توقّف الصحّة على الإجازة و إن كان التاجر وليّا و راعى المصلحة في شخص المقام و أوقع التجارة للطفل؛ لأنّ فرض عدم جواز التصرّف في حقّه يسقطه عن حكم الولاية، فيرجع الأمر إلى غيره من الأولياء أو إلى الطفل بعد بلوغه على قاعدة الفضولي، و إن كان هذا الفرض لا يخلو عن إشكال؛ لأنّ مجرّد وجود المفسدة في النوع لا يقضي بحرمة الشخص إذا كان مبنيّا على مراعاة المصلحة أو عدم المفسدة، إلّا بقيام دليل تعبّدي عليه بحيث تكون المفسدة النوعيّة حكمة و أنّى بإثباته، مع أنّ الكلام هنا في حكم القصد و لا يصير بسبب وجود المفسدة في الشخص حراما فضلا عمّا إذا فرض وجود المفسدة في النوع فقط و على تقدير تسليم الحرمة، كان مقتضى القاعدة الفساد و عدم قابليّة لحوق الإجازة لا يقتضي الفساد و إن كان فيه نظر لا يخفى وجهه، إلّا أنّ شيخنا- دام ظلّه العالي- بنى عليه في مجلس البحث في ظاهر كلامه؛ لكنّه يمكن المناقشة في هذه القاعدة، بأنّه إذا فرض وقوع القصد على وجه مراعاة المصلحة فلا معنى لتوقّفه على الإجازة إذا كان من غير الولي فضلا عمّا إذا كان منه؛ لأنّ التوقّف على الإجازة إنّما هو في مورد التسلّط على الردّ، ضرورة التلازم بينهما، و لا تأثير للردّ هنا قطعا و ليس بجائز جزما لأنّه تفويت منفعة على الطفل بفرض وجود سبب تملّكه و إن لم يصر ملكا له فعلا، فهو تصرّف بغير الأحسن جزما.

48

فلا يقال: إنّا نمنع من صدق التفويت؛ للمنع من تحقّق الصدق بدون التملّك الموقوف على الإجازة بمقتضى القواعد، كما لا ينبغي النقض بمثال عدم وجوب قبول الهبة على الوليّ و عدم وجوب الاستنماء على الوليّ؛ لعدم تحقّق السبب في الأوّل فضلا عن الثاني، فعدم قبول الهبة من قبيل الدفع لا الرفع، و هذا بخلاف المقام، فإنّ العقد سبب عرفا للتمليك و يصدق معه التفويت و لو على القول بكون الإجازة ناقلة.

و القول بأنّ عدم جواز الردّ لا يقضي الصحّة و عدم التوقّف على الإجازة بعدم التلازم بينهما، ضرورة توقّف العقد على الرضا في الشرع، و مجرّد حكم الشرع بعدم جواز الردّ لا يقضي بتحقّق الرضا من المالك أو المولى فلا ضير في الالتزام بعدم جواز الردّ، و توقّف الصحّة على الرضا من الوليّ الغير التاجر إذا أذن أو الطفل إذا لم يأذن، فاسد جدّا؛ لأنّ الإجازة من السلطان الحقيقي و خليفته موجودة فلا معنى لإفساد العقد كما هو قضية إطلاق الأخبار.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّه لا معنى لابتناء حكم المقام على مسألة الفضولي إمّا من جهة عدم افتقار هذا العقد إلى الرضا و الإجازة من المالك أو من يقوم مقامه كما هو [قضيّة] إطلاق الأخبار فيحكم بخروجه عن قضيّة القاعدة المسلّمة من جهة على أبعد الوجهين، و إمّا من جهة تحقّق الرضا من الوليّ و لو كان هو الإمام (عليه السّلام).

هذا حاصل ما أفاده شيخنا- دام ظلّه- و وافقه بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب فيما كان التاجر الوليّ (1)، و هو كما ترى لا يخلو عن مناقشة.

هذا كلّه بالنسبة إلى الربح، و أمّا الزكاة فلا ينبغي الإشكال في كونها على اليتيم فيما يحكم بدخول الربح في ملكه لعدم سوق الأخبار المتقدّمة لنفيها عنه في الفرض فيحكم بها على الطفل نظرا إلى ما اقتضى بإطلاقه من الأخبار المتقدّمة على كونها‌

____________

(1). راجع جواهر الكلام، ج 15، ص 16- 21.

49

عليه و إن كانت قضيّة القاعدة التي خرجنا عنها به نفيها عنه.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من حكم المقامين إنّما هو مع مراعاة المصلحة في شخص المقام، و أمّا لو وقعت المعاملة من دون مراعاة مصلحة و فرض عدم جوازها و إن كان تصويرها في غاية الإشكال، فالظاهر عدم الإشكال في توقّفها على الإجازة مع عدم المفسدة و فسادها مع المفسدة فتأمّل، إلّا إذا كان التاجر وليّا و قلنا بجواز تصرّفه مع عدم المفسدة أو مع المفسدة أيضا، فإنّه لا إشكال في الصحّة كما أنّه لا إشكال في جريان ما ذكره شيخنا- دام ظلّه- من الحكم بالصحّة منجّزا فيما لو لم يقصد [لم ير] التاجر المصلحة و اتّفق حصول الربح. هذا بعض الكلام في المقامين الأوّلين.

و أمّا الكلام في المقام الثالث [ثبوت الضمان على التاجر في الفرض و عدمه]

فحاصله أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّ قضيّة القاعدة عدم الضمان على القول بصحّة العقد منجزّا و عدم توقّفها على الإجازة على ما مال إليه شيخنا- دام ظلّه- لعدم وجود ما يقضي به، كما أنّه لا إشكال في أنّ قضيّتها ثبوت الضمان على التاجر على القول الآخر فيما لو وجد سببه كما لو دفع العين إلى المشتري أو البائع. هذا.

و لكن قد يقال بثبوت الضمان على الإطلاق نظرا إلى إطلاق الروايات المتقدّمة، لكنّه غير مستقيم بظاهره، فلا بدّ من حمل إطلاق الروايات على ما إذا وجد سبب الضمان.

نعم، الحكم بالضمان فيها ينافي الحكم بصحّة المعاملة و عدم توقّفها على الإجازة. اللهمّ إلّا أن يحمل هذا القول أيضا على ما إذا وجد سبب الضمان لو أمكن فرضه، فتأمّل، هذا.

ثمّ إنّه لا إشكال في عدم الفرق فيما ذكرنا في حكم المقامات بين أن يوقع التاجر المعاملة في العين للطفل أو لنفسه لأنّ هذا القصد يلقى في المعاملة على عين مال الغير فيقع له إمّا من دون توقّف على الإجازة أو معه كما حقّق القول فيه في باب‌

50

الفضولي سيّما إذا كان التاجر في مال الغير وكيلا أو وليّا، فما عن بعض المتأخّرين (1) من فساد التجارة في الفرض في وجه حتّى مع الإجازة لا ينبغي أن يصغى إليه. هذا بعض الكلام في الموضع الأوّل.

و أمّا الموضع الثاني و هو ما إذا اتّجر الوليّ أو غيره في ذمّته و أضمر التأدية من مال الطفل أو بدأ التأدية من ماله،

فلا ينبغي الإشكال في أنّ قضية القاعدة كون الربح للتاجر مطلقا و الزكاة عليه أيضا، كما أنّه لا إشكال في ضمانه بالدفع، لأنّ المعاملة لم تقع على مال الطفل في وجه حقيقة، فلا معنى لدخول الربح في ملكه، و من هنا ذهب جماعة منهم الشهيد (2) و بعض مشايخنا في شرحه على الكتاب (3) إلى ما ذكر. هذا.

و لكنّ المحكي عن جماعة من القدماء منهم الشيخ (قدّس سرّه) (4) و بعض المتأخّر [ين] (5) إطلاق القول بكون الربح للطفل بل عن بعضهم (6) التصريح به في الفرض مصرّا عليه، بل عن آخر (7) كما حكاه شيخنا- دام ظلّه- تسرية الحكم إلى مطلق الغاصب إذا اتّجر فيما غصبه على هذا الوجه، و استدلّوا بإطلاق الروايات الواردة في الباب، فإنّ الحكم المذكور و إن كان على خلاف القاعدة إلّا أنّه لا بدّ من الإلزام به بعد قضاء إطلاق الروايات. هذا.

و أجاب عن هذا الاستدلال ثاني المحقّقين (8) و الشهيدين (9) و غيرهما على ما‌

____________

(1). الظاهر أنّه العاملي في مدارك الأحكام، ج 5، ص 20.

(2). البيان، ص 165.

(3). جواهر الكلام، ج 15، ص 18.

(4). راجع المبسوط، ج 1، ص 234.

(5). راجع ذخيرة المعاد: ج 3، ص 422.

(6). السرائر، ج 1، ص 441.

(7). راجع غنائم الأيام، ج 4، ص 36.

(8). راجع جامع المقاصد، ج 3، ص 5.

(9). راجع مسالك الأفهام، ج 1، ص 357.

51

حكي عن بعضهم: بحمل الروايات على ما إذا وقع الشراء بعين مال الطفل، جمعا بين مقتضى القاعدة و الروايات فيرجع في حكم الفرض إلى القاعدة.

و اورد عليهم بعدم استقامة هذا الحمل؛ لأنّه حمل على الفرد النادر؛ لأنّ الشراء بالعين الخارجي في غاية القلّة جدّا. هذا.

و أجاب شيخنا- دام ظلّه العالي- عن هذا الإيراد بأنّ مرادهم حمل الأخبار على المعاملة بالعين و الاتّجار به سواء كان ثمنا أو مثمنا، و بعبارة اخرى المضاربة بالعين، و من المعلوم أنّ المضاربة بمال اليتيم على أن يكون بعهدة ربّ المال ليست من القلّة بالمثابة التي يلزم من حمل الأخبار عليها الحمل على الفرد النادر؛ إذ لا يشترط في المضاربة وقوع الشراء بالعين الخارجي بل يكفي فيه وقوع الشراء بالذمّة بعهدة بالعين كما هو المتعارف في المضاربات، و الأخبار غير آبية عن هذا الحمل؛ لعدم إناطة الحكم فيها بالشراء بمال الطفل بل القبول به و الاتّجار به و جعل مال الطفل رأس المال ليس فردا نادرا كما يكون الشراء بالعين نادرا، بل التحقيق عدم صدق العمل و الاتّجار بمجرّد الشراء بالعين مرّة واحدة، فإذا لا معنى لرفع اليد عن القاعدة المحكمة القاضية بكون الربح للتاجر في الفرض سيّما فيما إذا فرض عدم إضمار التأدية من مال الطفل بإطلاق هذه الأخبار على تقدير تسليم إطلاق لها بالنسبة إليه، مع أنّه في حيّز المنع بالنسبة إلى أكثرها؛ لعدم صدق الاتّجار بمال الطفل في الفرض.

و لو فرض تسليم ظهور بعضها في خصوص الفرض كما هو الظاهر من رواية المنصور (1) و غيرها فيتعيّن التصرّف فيها حذرا عن تخصيص القاعدة. هذا.

و القول بأنّ الحكم بخروج الفرض عن مورد الروايات ينافي الحكم بالضمان في حقّ التاجر و لو كان وليّا كما هو ظاهر مورد بعضها مع فرض مراعاة المصلحة في‌

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 30؛ التهذيب، ج 4، ص 29؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 89.

52

المعاملة فاسد جدّا، أمّا أوّلا فلأنّ فرض مراعاة المصلحة لا ينافي عدم جواز التصرّف؛ لما عرفت من عدم الملازمة بينهما مفصّلا، فلا ينافي الحكم بالضمان لو اتّفق تلف مال الطفل. و أمّا ثانيا فلأنّ فرض وجود الربح لا يستلزم مراعاة المصلحة من التاجر؛ لأنّه قد يتّفق الربح من دون مراعاة مصلحة من التاجر. هذا كلّه مع أنّ هذا الإيراد مشترك الورود؛ لأنّ القائل بشمول الروايات للفرض لا يقول باختصاصها، به.

فيرد عليه ما ذكر. هذا.

بقي الكلام في مدرك القول بالتعدّي عن مورد النصّ إلى مطلق التاجر في مال الغير إذا كان غاصبا،

كما حكاه شيخنا- دام ظلّه العالي- عن بعض المتأخّرين (1)؛ فإنّه لا إشكال في عدم شمول الأخبار له. و ذكر شيخنا- دام ظلّه- أنّه يمكن الاستدلال له بما ورد في بعض الأخبار في باب الدعاوى حيث إنّه حكم فيه برجحان دفع بعض الربح إلى المنكر بغير حقّ للتاجر في مال المدّعي مع رجوعه عن إنكاره بعد التجارة، فإنّ الحكم برجحان دفع بعض الربح إليه معناه كون تمام الربح للمالك. هذا.

و لكنّك قد عرفت أنّا لا نقول بهذه المقالة في مال الطفل فضلا عن غيره، فقد تلخّص ممّا ذكرنا كلّه أنّه ليس على التاجر في محلّ الكلام إلّا الضمان. نعم، عليه الزكاة في الربح استحبابا بناء على ثبوته في مطلق التجارة.

هذا على المختار من كون الربح للتاجر، و أمّا على القول بكون الربح للطفل فلا ينبغي الإشكال في كون الزكاة عليه أيضا و إن خالف فيه جماعة، و ليست على التاجر قطعا كما يدلّ عليه بعض الروايات أيضا (2).

هذا كلّه فيما لو اتّجر في مال الطفل أو في ذمّته مع دفع ماله عوضا عمّا في الذمّة،

____________

(1). راجع الغنائم، ج 4، ص 36.

(2). راجع الكافي، ج 3، ص 541؛ الاستبصار، ج 2، ص 29- 30؛ التهذيب، ج 4، ص 27- 29؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 86.

53

و أمّا لو اقترض الولي مال الطفل و اتّجر به فيعلم حكمه ممّا ذكرنا، فإنّه فيما يكون الاقتراض فيه جائزا لا معنى للإشكال في كون الربح للتاجر و الزكاة عليه و عليه الضمان، و فيما لا يكون صحيحا يدخل في الاتّجار بمال الطفل، فإن كان متعلّقه العين لحقه حكمه، و إن كان متعلّقه الذمّة فكذلك، فلا ينبغي الإشكال على كلّ تقدير، و عنوان المسألة في خصوص الاقتراض كما صنعه المصنّف (1) و غيره (2) بل التحقيق في عنوان المسألة ما عرفته هنا،

نعم، هنا كلام في أنّه في أيّ مورد يجوز الاقتراض، و في أيّ مورد لا يجوز، و هو كلام آخر لا دخل له بما نحن في صدده، مع أنّ التحقيق فيه جواز الاقتراض مع الملازمة دون ما إذا لم يكن معها، و اللّه العالم.

____________

(1). شرائع الإسلام، ج 1، ص 105.

(2). راجع قواعد الأحكام، ج 1، ص 329؛ إيضاح الفوائد، ج 1، ص 167؛ البيان، ص 165؛ جامع المقاصد، ج 3، ص 5؛ مسالك الأفهام، ج 1، ص 356؛ مجمع الفائدة، ج 4، ص 15؛ ذخيرة المعاد، ج 3، ص 422؛ كفاية الأحكام، ص 34.

54

[أحكام الزكاة في مال الطفل: الغلّات و المواشي]

قوله: و تستحبّ في غلّات الطفل و مواشيه (1)، و قيل: تجب. و التكليف بالإخراج يتناول الوالي عليه (1) (2).

____________

أقول: قد عرفت سابقا أنّ الكلام في الزكاة في مال الطفل قد يقع في النقدين و قد يقع في الغلّات و المواشي، و قد عرفت ما عندنا من الكلام في الجهة الاولى، و أمّا الكلام في الجهة الثانية فحاصل القول فيها أنّهم اختلفوا فيها- على ما استظهره جماعة- على أقوال:

أحدها: استحباب الزكاة، و قد صرّح به الفاضل (3) و الشهيدان (4) و الكركي (5) و غيرهم (6) على ما حكي عن بعضهم، بل ادّعي ذهاب المشهور إليه (7)، بل عن تلخيص الخلاف (8) نسبته إلى أصحابنا، بل عن كشف الحقّ: ذهب الإماميّة إلى أنّ الزكاة لا تجب على الطفل و المجنون (9).

____________

(1). المراد من الغلّات، التمر و الزبيب و الحنطة و الشعير، و من المواشي الابل و البقر و الغنم.

(2). شرائع الإسلام، ج 1، ص 105.

(3). تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 14؛ إرشاد الأذهان، ج 1، ص 278؛ نهاية الإحكام، ج 2، ص 300.

(4). الدروس، ج 1، ص 299؛ مسالك الأفهام، ج 1، ص 358.

(5) جامع المقاصد: ج 3، ص 5.

(6). راجع مدارك الأحكام، ج 5، ص 22؛ ذخيرة المعاد، ج 3، ص 422؛ إيضاح الفوائد، ج 1، ص 167.

(7). ادعاه في كفايه الأحكام، ص 34.

(8). تلخيص الخلاف، ج 1، ص 276.

(9). نهج الحق و كشف الصدق، ص 456.

55

..........

____________

ثانيها: وجوب الزكاة، ذهب إليه الشيخان (1) و جماعة من القدماء (2) على ما حكي عنهم (3)، بل عن ناصريّات المرتضى: «ذهب أكثر أصحابنا إلى أنّ الإمام يأخذ [منه] الصدقة [أي] (من زرع الطفل و ربحه)» (4).

ثالثها: حرمة الزكاة، بناء على عدم ثبوت الوجوب و الندب معا، و استظهر من الصدوقين و جماعة من القدماء (5)، و ذهب إليه من المتأخّرين السيّد بحر العلوم في المصابيح (6).

هذا كلّه في الغلّات. و أمّا المواشي فستقف على تفصيل القول فيه، و الحقّ هو ما ذهب إليه الأكثرون من عدم وجوب الزكاة في الغلّات و استحبابها.

و يدلّ عليه- مضافا إلى الأصل المقتضي لنفي الوجوب و إن لم يقتض الاستحباب بل مقتضى الأصل الأوّلي حرمة التصرّف على الإطلاق، و ما تقدّم من الأخبار المستفيضة الدالّة على نفي الزكاة عن مال اليتيم الشاملة للمقام بعمومها أو إطلاقها- موثّق أبي بصير و غيره (7) الدالّين على نفي الزكاة عن غلّات الطفل، و قد تقدّما في طيّ كلماتنا السابقة، و مقتضى الجمع بينها و صحيح زرارة و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام): «ليس على مال اليتيم في العين و المال الصامت شي‌ء،

____________

(1). المقنعة، ص 238؛ الخلاف، ج 2، ص 40.

(2). الكافي في الفقه، ص 165؛ نسبه في جواهر الكلام إلى ابن زهره و ابن سعيد و ابن حمزه أيضا. راجع المختصر النافع، ص 53؛ كشف الرموز، ج 1، ص 233؛ المهذب، ج 1، ص 168.

(3). بل نسب في ذخيرة المعاد إلى المشهور بين المتأخرين. الذخيرة، ج 3، ص 421.

(4). المسائل الناصرية، ص 281.

(5). نسب إلى ظاهرهما الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 26؛ و إلى ظاهر السيد المرتضى و ابن أبي عقيل و غيرهم أيضا.

(6). حكاه الشيخ في جواهر الكلام، ج 15، ص 26.

(7). الكافي، ج 3، ص 541؛ الاستبصار، ج 2، ص 31؛ التهذيب، ج 4، ص 29- 30؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 86.

56

..........

____________

فأمّا الغلّات فعليها الصدقة واجبة» (1)، هو حمل الوجوب على الثبوت كما هو معناه بحسب اللغة فتحصل الدلالة على الاستحباب؛ لأنّ ما دلّ على نفي الوجوب صريح، و الصحيح ظاهر في الوجوب، و مقتضى الجمع بينهما هو حمل الصحيح على الاستحباب.

و منه يظهر أنّ الرجوع إلى المرجّحات من حيث الصدور أو الجهة أوّلا كما صنعه بعض لا معنى له.

نعم، يمكن ترجيح ما دلّ على نفي وجوب الزكاة على ما دلّ على الوجوب بعد الغضّ عمّا ذكرنا من المرجّح من حيث الدلالة بالمرجّحات من حيث الصدور أو الجهة أو المضمون كالترجيح بالشهرة أو موافقة [ظ: مخالفة] جمهور العامّة و نحوهما، لا بموافقة الأصل لأنّه غير قابل للترجيح به بناء على المختار في وجه اعتباره، لكن على هذا لا يمكن إثبات الاستحباب كما لا يخفى؛ لأنّ المقام ليس مقام التسامح حتّى يثبت الاستحباب لذهاب المشهور إليه؛ لأنّ الأصل حرمة التصرّف على ما عرفت الإشارة إليه مرارا، مع أنّ الكلام في دليل المشهور فكيف يجدي التسامح في دليل الندب لهم، هذا.

و ممّا ذكرنا كلّه يظهر مدرك القول بالوجوب و الحرمة، فلا يحتاج إلى إطالة الكلام.

هذا بعض الكلام في حكم الزكاة في غلّات الطفل، و أمّا الكلام في المواشي فحاصل القول فيه أنّ صريح جماعة (2) مساواتها للغلّات في الحكم، و ظاهر جماعة من جهة اقتصارهم على ذكر الغلّات، و صريح بعض المتأخّرين (3) نفي الزكاة فيها، و الفرق بينهما، حيث إنّه لم يرد حديث يدلّ على ثبوت الزكاة فيها كما ورد في الغلّات و كان‌

____________

(1). الاستبصار، ج 2، ص 31؛ التهذيب، ج 4، ص 29؛ عوالى اللئالي، ج 3، ص 114.

(2). شرائع الإسلام، ج 1، ص 105؛ تذكرة الفقهاء، ج 5، ص 14؛ جامع المقاصد، ج 3، ص 5.

(3). راجع مدارك الأحكام، ج 5، ص 22؛ ذخيرة المعاد، ج 3، ص 421.

57

..........

____________

مقتضى الأصل أيضا حرمة التصرّف على الإطلاق ببعض القول بنفي الاستحباب فيها إن لم يكن هناك إجماع مركّب كما حكي عن ابن حمزة (1) على ما ادّعاه بعض مشايخنا (2) و هو الظاهر؛ إذ قد عرفت أنّ المقام ليس ممّا يتسامح في أدلّة السنن فيه. هذا.

و ينبغي التنبيه على امور:

الأوّل: أنّه لا إشكال في أنّ المخاطب بأداء الزكاة على القول بوجوب الزكاة ليس إلّا الولي،

فلو فرّط في الأداء أو أدّى الطفل بدون إذنه كان ضامنا للزكاة فيجب عليه إخراجها من ماله لا مال الطفل إذا لم يكن مال الطفل الذي تعلّق به الزكاة موجودا كما هو الشأن في جميع موارد تفريط الولي عن أداء ما في يد الطفل أو حفظه من حقوق الناس و أموالهم.

و أمّا على القول بالاستحباب فيمكن أن يخاطب به الطفل على القول بشرعيّة عباداته، فيجوز له التأدية كما اختاره بعض مشايخنا 3، لكن لا إشكال في ثبوت الخطاب بالنسبة إلى الولي على هذا القول أيضا، فلو فرّط في الأداء جرى فيه ما عرفت، فيستحبّ له الإخراج من ماله على وجه الاستحباب، و من هنا قال في الدروس: «و يتولّى الاخراج الولي، فيضمن لو أهمل مع القدرة في ماله وجوبا أو استحبابا لا في مال الطفل» 4. انتهى كلامه، و إن كان الحكم بالضمان في ماله لا يخلو عن إشكال، و إن جزم به شيخنا- دام ظلّه- فتأمّل.

الثاني: أنّه ذكر الأردبيلي في شرح الإرشاد أنّه: «على تقدير عدم حضور الولي يمكن التوقّف حتّى يوجد أو يبلغ (الطفل) [فيقضي]،

____________

(1). حكاه في الايضاح هكذا: «و قال ابن حمزه: تجب في المال الطفل- و لم يذكر المجنون ... إلى أن قال:- فيجب في الأنعام بالإجماع المركب» و لم نستظهر ذلك من الوسيلة. راجع الوسيلة، ج 1، ص 122- 123.

(2) (2) و (3) جواهر الكلام، ج 15، ص 26.

(3) (4) الدروس، ج 1، ص 229.

58

و يحتمل جواز الأخذ لآحاد العدول» (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

و وجّهه بعض مشايخنا بأنّ: «هذا الاستحباب ليس تكليفا مختصّا [محضا] بل له جهة تعلّق بالمال حينئذ، إلّا أنّه ينبغي أن يكون المتولّي لأخذ ذلك الحاكم مع غيبة الولي، بل و مع امتناعه في وجه» (2). انتهى كلامه رفع مقامه. هذا. و المسألة لا تخلو [عن] إشكال.

الثالث: أنّه لو تعدّد الأولياء مع كونهم في مرتبة واحدة فلا إشكال في جواز التأدية لكلّ واحد منهم،

كما أنّه لا إشكال في عدم جواز التشاحّ لهم، فيقدّم من يمكن منهم. فما في محكي كشف الغطاء (3) من أنّه مع التشاحّ يوزّع عليهما مع إمكان التوزيع، لا وجه [له] أصلا.

الرابع: أنّه لا ينبغي الإشكال في عدم جريان ما ذكرنا في المباحث المتقدّمة في حقّ الحمل و إن تردّد فيه في البيان

(4) ثمّ استقرب كونه مراعى بالانفصال حيّا. و مال إلى الجريان بعض الأصحاب (5)، و ذهب إليه على تقدير عدم تماميّة الإجماع المنقول في الإيضاح (6) الفاضل الهندي في شرح الروضة إن كان (7) المستند العمومات، و إلّا بنى الحكم على دخوله في مفهوم اليتيم؛ لأنّ كلّ ذلك ساقط عند عميق النظر.

____________

(1). مجمع الفائدة، ج 4، ص 12.

(2). جواهر الكلام، ج 15، ص 27.

(3). كشف الغطاء، ج 2، ص 245.

(4). البيان، ص 166.

(5). و هو الفاضل الهندي في شرح الروضة أي المناهج السويّة، حكاه في جواهر الكلام، ج 15، ص 28.

(6). إيضاح الفوائد، ج 1، ص 167. حيث قال: «ان اجماع اصحابنا على انه قبل انفصال الحمل لا زكاة في ماله كالميراث لا وجوبا و لا غيره».

(7). في المخطوطه هكذا: «و مال إلى الجريان بعض الأصحاب ... المنقول في الإيضاح، الفاضل الهندي في شرح الروضة إن كان المستند ...» و الظاهر كون «الفاضل الهندي في شرح الروضة» بيانا ل‍ «بعض الأصحاب» و هي في هامش النسخة الأصل، و الناسخ استنسخ و أدرجه في المتن، و هو سهو من الكاتب.