مصباح الفقيه - ج4

- الشيخ آقا رضا الهمداني المزيد...
409 /
5

[تتمة كتاب الطهارة]

[الفصل الثاني في الحيض]

(الفصل الثاني) من الفصول الخمسة: (في) تشخيص دم (الحيض) و ما يتعلّق به من الأحكام الشرعيّة.

أمّا دم الحيض فهو: دم معروف معتاد للنساء خُلق فيهنّ لحِكَم كثيرة، منها: تغذية الولد إذا حملت، فإذا وضعت، أزال اللّٰه عنه صورة الدم و كساه صورة اللبن ليتغذّىٰ به الطفل مدّة رضاعه، فإذا خلت من الحمل و الرضاع، بقي الدم لا مصرف له، فيستقرّ في مكان ثمّ يخرج غالباً في كلّ شهر ستّة أيّام أو سبعة أو أقلّ أو أزيد علىٰ حسب مزاج المرأة حرارةً و برودةً، و هو معروف عند النساء لا خفاء فيه مفهوماً كالبول و المنيّ و إن كان ربما تشتبه مصاديقه بغيره من الدماء.

و ربما يطلق الحيض في العرف و الشرع و يراد منه هذا الدم مسامحةً، و إلّا فحيض المرأة في الحقيقة كما عن تنصيص جماعة من العلماء و اللغويّين عبارة عن سيلان دمها، لا عن نفس الدم، و قد شاعت هذه المسامحة في عرف الفقهاء حتىٰ كان الحيض صار لديهم حقيقةً في نفس الدم، و لذا عرّفه به جملة منهم.

[أما الأول في بيان الحيض]

و كيف كان (ف‍) دم (الحيض هو الدم) المعهود المعروف عند‌

6

النساء (الذي) عُلم من بيان الشارع أنّ (له تعلّقاً بانقضاء العدّة، و) أنّ (لقليله حدّا).)

و هاتان الصفتان من الخواصّ المركّبة التي لا توجد إلّا في دم الحيض، و أمّا سائر أوصافه كالحرارة و السواد و الحرقة و نحوها فهي أوصاف غالبيّة ربّما يتخلّف عنها و يكون فاقداً لجميعها، كما سيتّضح لك فيما سيأتي.

ثمّ إنّ الدم المعهود يعرف غالباً بوقته و أوصافه؛ لأنّ له في أغلب أفراده المتعارفة وقتاً مضبوطاً و أوصافاً معيّنة يمتاز بها عن غيره.

(و) هو (في الأغلب يكون أسود) أي مائلًا إلىٰ السواد؛ لشدّة حمرته (غليظاً حارّاً يخرج بحرقة) حاصلة من دفعه و حرارته.

و استفيد كونه متّصفاً بهذه الأوصاف من النصّ و الحسّ بشهادة أهله.

ففي صحيحة حفص بن البختري أو حسنته، قال: دَخَلَتْ علىٰ أبي عبد اللّٰه ((عليه السلام)) امرأة سألته عن المرأة يستمرّ بها الدم فلا تدري حيض هو أم غيره، قال: فقال لها: «إنّ دم الحيض حارّ عبيط (1) أسود له دفع و حرارة، و دم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة» قال: فخرجَتْ و هي تقول: و اللّٰه لو كان امرأةً ما زاد علىٰ هذا (2).

و في صحيحة معاوية بن عمّار، قال: «إنّ دم الاستحاضة و الحيض‌

____________

(1) العبيط: الطري. لسان العرب 7: 347 «عبط».

(2) الكافي 3: 91/ 1، التهذيب 1: 151/ 429، الوسائل، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 2.

7

ليس يخرجان من مكان واحد، إنّ دم الاستحاضة بارد و دم الحيض حارّ» (1).

و موثّقة إسحاق بن جرير (2)، قال: سألَتْ امرأة منّا أن أُدخلها علىٰ أبي عبد اللّٰه ((عليه السلام))، فاستأذنت لها فأذن لها فدخلَتْ و معها مولاة لها إلىٰ أن قال- فقالت له: ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيّام حيضها؟ قال: «إن كان أيّام حيضها دون عشرة أيّام استظهرت بيومٍ واحد ثمّ هي مستحاضة» قالت: فإنّ الدم يستمرّ بها الشهر و الشهرين و الثلاثة، كيف تصنع بالصلاة؟ قال: «تجلس أيّام حيضها ثمّ تغتسل لكلّ صلاتين» قالت له: إنّ أيّام حيضها تخلف عليها و كان يتقدّم الحيض اليوم و اليومين و الثلاثة و يتأخّر مثل ذلك فما علمها به؟ قال: «دم الحيض ليس به خفاء، هو دم حارّ تجد له حرقة، و دم الاستحاضة دم فاسد بارد» قال: فالتفتت إلىٰ مولاتها فقالت: أ تراه كان امرأة مرّة؟ (3).

ثمّ إنّ توصيف الدم بهذه الصفات في الأخبار وارد مورد الأغلب، و إلّا فسيتّضح لك أنّ كثيراً ما يحكم بالحيضيّة علىٰ فاقدها، و بالاستحاضة علىٰ المتّصف بها.

و حيث أمكن تخلّف دم الحيض و الاستحاضة عن الأوصاف المذكورة في الروايات ربما لا يحصل الوثوق بكون الموصوف بأوصاف‌

____________

(1) الكافي 3: 91/ 3، التهذيب 1: 151/ 430، الوسائل، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 1.

(2) في التهذيب: إسحاق بن جرير عن حريز.

(3) الكافي 3: 91- 92/ 3، التهذيب 1: 151 152/ 431، الوسائل، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 3.

8

الحيض أو الاستحاضة حيضاً أو استحاضةً أو كون فاقد أوصاف الحيض أو الاستحاضة غير الحيض أو الاستحاضة، فيشكل الاعتماد عليها في غير مورد النصوص في تشخيص دم الحيض.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى كما في المدارك و الحدائق و المستند (1) ظهور هذه الروايات في كون هذه الأوصاف أمارةً ظنّيّة اعتبرها الشارع طريقاً تعبّديّاً لمعرفة موضوع الحيض بحيث يدور الحكم بالحيضيّة مدارها وجوداً و عدماً إلّا في الموارد التي دلّ الدليل علىٰ خلافه.

قال في المدارك: و يستفاد من هذه الروايات أنّ هذه الأوصاف خاصّة مركّبة للحيض، فمتىٰ وجدت حكم بكون الدم حيضاً، و متىٰ انتفت انتفىٰ إلّا بدليلٍ من خارج، و إثبات هذا الأصل ينفع في مسائل متعدّدة من هذا الباب (2). انتهىٰ.

و لكنّك خبير بما في عموم هذه الدعوىٰ من الإشكال؛ إذ لا دلالة في شي‌ء من الأخبار أصلًا علىٰ أنّه لا يكون دم آخر بأوصاف الحيض أو الاستحاضة، و لذا لا يعتنى بأوصاف الدم عند اشتباهه بدم القروح أو العذرة.

و منطوق الشرطيّة في قوله ((عليه السلام)): «فإذا كان للدم حرارة و دفع و سواد فلتدع الصلاة» لا يدلّ إلّا علىٰ ثبوت الحيضيّة بتحقّق الأوصاف في الموضوع الذي فرضه السائل، و هو ما لو استمرّ بها الدم، و اختلط حيضها بالاستحاضة، فمرجع الضمير في قوله ((عليه السلام)): «فلتدع الصلاة» ليس إلّا هذه‌

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 313، الحدائق الناضرة 3: 152، مستند الشيعة 2: 383.

(2) مدارك الأحكام 1: 313.

9

المرأة المفروضة لا مطلق المرأة التي خرج منها دم موصوف بهذه الأوصاف و إن لم يختلط حيضها بالاستحاضة بل اشتبه بدم العذرة أو القروح مثلًا.

و دعوىٰ ظهور سياق الروايات في كونها مسوقةً لبيان إعطاء الضابط لمعرفة دم الحيض مطلقاً، مدفوعة.

أوّلًا: بأنّ غاية ما يمكن دعواه ليس إلّا كونها مسوقةً لبيان ما يتميّز به دم الحيض عن الاستحاضة عند اختلاط بعضها ببعض.

و ثانياً: أنّ المتأمّل في سياق الأخبار لا يكاد يرتاب في عدم كونها مسوقةً لبيان ضابطةٍ تعبّديّة، بل هي إرشاد إلىٰ معرفة أوصاف الدم المعهود، التي يمتاز بها عن دم الاستحاضة، و حيث إنّ هذه الأوصاف أمارة غالبيّة لا دائميّة يعرف من اعتناء الشارع بها و إرجاعها إليها كونها طريقاً تعبّديّاً في موردها، و هو ما لو استمرّ بها الدم و اختلط الحيض بالاستحاضة.

نعم، لا يبعد دعوى استفادة طريقيّتها لتشخيص دم الحيض عن الاستحاضة عند اشتباه أحدهما بالآخر مطلقاً ما لم يدلّ دليل علىٰ خلاف ذلك، فليتأمّل.

و هل يخرج دم الحيض من الجانب الأيسر أو الأيمن؟ فيه خلاف سيأتي التعرّض له إن شاء اللّٰه.

(و قد يشتبه) دم الحيض (بدم العذرة) أي البكارة (فيعتبر بالقطنة) و نحوها، و لا يلتفت حينئذٍ إلىٰ أوصاف الدم؛ لما أشرنا فيما تقدّم من أنّ الرجوع إلىٰ الأوصاف إنّما هو لتمييز الحيض عن الاستحاضة لا عن سائر الدماء.

10

(فإن خرجت) القطنة (مطوّقةً، فهو) دم (العذرة) و إن خرجت منغمسةً، فهو الحيض؛ لصحيحة خلف بن حمّاد، قال: دخلت علىٰ أبي الحسن موسى بن جعفر ((عليه السلام)) بمنىٰ، فقلت له: إنّ رجلًا من مواليك تزوّج جاريةً معصراً (1) لم تطمث، فلمّا اقتضّها (2) سال الدم فمكث سائلًا لا ينقطع نحواً من عشرة أيّام و إنّ القوابل اختلفن في ذلك، فقال بعضهنّ: دم الحيض، و قال بعضهنّ: دم العذرة، فما ينبغي لها أن تصنع؟ قال ((عليه السلام)): «فلتتّق اللّٰه فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر، و ليمسك عنها بعلها، و إن كان من العذرة فلتتّق اللّٰه و لتتوضّأ و لتصلّ و يأتيها بعلها إن أحبّ ذلك» فقلت له: و كيف لهم أن يعلموا ما هو حتى يفعلوا ما ينبغي؟ قال: فالتفت يميناً و شمالًا في الفسطاط مخافة أن يسمع كلامه أحد ثمّ نهد (3) إليَّ فقال: «يا خلف سرّ اللّٰه سرّ اللّٰه فلا تذيعوه و لا تعلّموا هذا الخلق أُصول دين اللّٰه بل ارضوا لهم ما رضي اللّٰه لهم من ضلال» قال: ثمّ عقد بيده اليسرىٰ تسعين (4) ثمّ قال: «تستدخل القطنة ثمّ تدعها‌

____________

(1) الجارية المعصر زنة مكرم: التي أوّل ما أدركت و حاضت أو أشرفت علىٰ الحيض و لم تحض. مجمع البحرين 3: 408 «عصر».

(2) اقتضّ الجارية: افترعها و أزال بكارتها. و الافتضاض- بالفاء بمعناه. مجمع البحرين 4: 228 «قضض».

(3) أي نهض و تقدّم. مجمع البحرين 3: 152 «نهد».

(4) قال بعض شُرّاح الحديث: أراد أنّه لفّ سبّابته اليسرىٰ تحت العقد الأسفل من الإبهام اليسرىٰ، فحصل بذلك عقد تسعين بحساب عدد اليد. و المراد أنّها تستدخل القطنة بهذا الإصبع صوتاً للمسبّحة عن القذارة كما صِينت اليد اليمنىٰ عن ذلك، لتمييز الدم الخارج، فتعمل علىٰ ما يقتضيه. هكذا فسّره في مجمع البحرين [3: 105] حاكياً عن البعض.

و لكنّه اعترض علىٰ ذلك بعدم موافقته لحساب اليد، المشهور، مَنْ أراد تفصيل الاعتراض مع ما يحتمله في تفسير الرواية فليراجعه. (منه ((قدّس سرّه))). و انظر: مرآة العقول 13: 232 233، و الوافي 6: 447 448.

11

مليّاً ثمّ تخرجها إخراجاً رفيقاً، فإن كان الدم مطوّقاً في القطنة فهو من العذرة، و إن كان مستنقعاً في القطنة فهو من الحيض» قال خلف: فاستخفّني (1) الفرح فبكيت فلمّا سكن بكائي قال: «ما أبكاك؟» قلت: جعلت فداك مَنْ كان يحسن هذا غيرك، قال: فرفع يده إلىٰ السماء و قال: «إنّي و اللّٰه ما أُخبرك إلّا عن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن جبرئيل عن اللّٰه عزّ و جلّ» (2).

و صحيحة زياد بن سوقة، قال: سُئل أبو جعفر ((عليه السلام)) عن رجل اقتضّ امرأته أو أمته فرأت دماً كثيراً لا ينقطع عنها يوماً كيف تصنع بالصلاة؟ قال: «تمسك الكرسف فإن خرجت القطنة مطوّقةً بالدم فإنّه من العذرة تغتسل و تمسك معها قطنة و تصلّي، فإن خرج الكرسف منغمساً بالدم فهو من الطمث تقعد عن الصلاة أيّام الحيض» (3).

ثمّ إنّ المتبادر من الصحيحتين و فتاوىٰ الأصحاب ليس إلّا إرادة حكم ما إذا تردّد الدم بين كونه دم الحيض أو العذرة علىٰ سبيل منع الخلوّ، فيكون عدم تطوّق الدم حينئذٍ دليلًا علىٰ عدم كونه من العذرة، فيتعيّن كونه حيضاً بحكم الفرض.

____________

(1) في الكافي: فاستحفّني، بالحاء المهملة بمعنى الشمول و الإحاطة، و بالخاء المعجمة بمعنى النشاط. انظر: الوافي 6: 448.

(2) الكافي 3: 92 94/ 1، الوسائل، الباب 2 من أبواب الحيض، الحديث 1.

(3) الكافي 3: 94/ 2، الوسائل، الباب 2 من أبواب الحيض، الحديث 2.

12

و أمّا لو لم ينحصر الاحتمال فيهما بأن احتمل كونه من القرحة أو الاستحاضة، فيشكل الحكم بالحيضيّة بمجرّد خروج القطنة منغمسةً بالنظر إلىٰ إطلاق الصحيحتين و فتاوىٰ الأصحاب، إلّا أن يقتضيه دليل آخر من قاعدة الإمكان و نحوها؛ لأنّه لا يفهم منهما بعد فرض انحصار الاحتمالين في موردهما- كون الانغماس أمارةً تعبّديّة لثبوت الحيضيّة؛ لجواز أن يكون طريق العلم بحيضيّة الدم نفي الاحتمال الآخر لا الانغماس. و لذا توقّف المصنّف في ظاهر المتن و النافع و صريح المعتبر (2) و كذا العلّامة في ظاهر القواعد (3) في المسألة، و لم يحكم بالحيضيّة.

و الاعتراض عليهما بمنافاته لظاهر النصوص و الفتاوىٰ قد عرفت دفعه بعدم دلالتهما علىٰ كون الانغماس أمارةً تعبّديّة لثبوت الحيضيّة.

و أمّا الاعتراض عليهما بأنّ مفروضهما ما إذا انحصر الاحتمال في الأمرين، فلا وجه للتوقّف في ثبوت أحدهما بعد الجزم بنفي الآخر، فيدفعه أنّ ثبوت أحد الأمرين المعلوم ثبوت أحدهما بعد العلم بنفي الآخر من البديهيّات الأوّليّة التي لا تختفي علىٰ أحد فضلًا عن مثل المحقّق و العلّامة، فعدم جزمهما بثبوت الحيضيّة دليل علىٰ أنّ توقّفهما إنّما هو فيما إذا احتمل كونه دماً آخر سوىٰ العذرة و الحيض.

و أمّا ما نقل عن المصنّف في المعتبر من دعوى الإجماع علىٰ أنّ ما تراه المرأة من الثلاثة إلىٰ العشرة يحكم بكونه حيضاً ما لم يعلم أنّه لقرح أو عذرة و إن لم يكن بصفات الحيض، فلا ينافي توقّفه في المقام؛ لأنّ‌

____________

(2) انظر: المختصر النافع: 9، و المعتبر 1: 198.

(3) انظر: قواعد الأحكام 1: 14.

13

مقتضىٰ الجزم بكونه حيضاً بمجرّد الانغماس: الحكم بحيضيّتها في اليوم الأوّل و الثاني و إن لم يعلم بأنّه يستمرّ إلىٰ ثلاثة أيّام.

و الحاصل: أنّ المقصود في المقام ليس إلّا التنبيه علىٰ أنّه لا يفهم من النصّ و الإجماع كون انغماس الدم من حيث هو دليلًا علىٰ كونه حيضاً، بل هو دليل علىٰ عدم كونه من العذرة، فيكون حاله عند الانغماس كحال الدم الذي تراه و لم تحتمل كونه من العذرة، و ستعرف في بعض الفروع الآتية أنّ المصنّف (رحمه اللّٰه) لا يقول بحيضيّة الدم بمجرّد رؤيته و احتمال كونه حيضاً.

ثمّ إنّ مقتضىٰ إطلاق الصحيحتين بقرينة ترك التفصيل: وجوب الاختبار عليها مطلقاً، سواء علمت أوّلًا بأنّه من العذرة ثمّ شكّت لكثرته أو استمراره أو نحوهما في أنّ ذلك هل هو دم العذرة أو أنّه انقطع دم العذرة و حدث الحيض أو لم ينقطع و لكنّه حدث الحيض فامتزجا، أو شكّت ابتداءً في أنّه من الحيض أو من العذرة. و لا مسرح لأصالة عدم حدوث دم الحيض أو بقاء دم العذرة أو أصالة البراءة عن التكليف بعد ظهور النصّ في وجوب الاختبار عليها عند الاشتباه مطلقاً من دون تفصيل.

نعم، لو لم تعلم بالاقتضاض و لكنّها احتملته فشكّت في كون الدم منه أو من الحيض، لم يجب عليها الفحص؛ لعدم الدليل عليه؛ لاختصاص الصحيحتين بصورة العلم، فالأصل براءة ذمّتها عن التكليف، بل الأصل سلامتها و عدم حدوث الاقتضاض المقتضي لوجوب الفحص، فتعمل في حكم الدم علىٰ القواعد الشرعيّة المقرّرة لها، و لكنّها لو‌

14

اختبرت و خرجت القطنة مطوّقةً، بنَتْ علىٰ أنّه من دم العذرة لا الحيض؛ لدلالة الصحيحتين علىٰ أنّ خروجها مطوّقةً ينفي احتمال الحيضيّة مطلقاً و لو في غير مورد السؤال.

نعم، يجوز عقلًا أن يكون خروجها مطوّقةً أمارةً ظنّيّة معتبرة في خصوص المورد، إلّا أنّ ظاهر الروايتين اعتبارها في مقام التمييز مطلقاً؛ إذ لا يفهم عرفاً لخصوص المورد خصوصيّة في طريقيّتها و لا في اعتبارها شرعاً، بل المتبادر منهما ليس إلّا كون خروج القطنة مطوّقةً مائزاً بين دم الحيض و العذرة مطلقاً، بل ربّما يقال بحصول التمييز بذلك بين دم العذرة و الاستحاضة أيضاً، فيرجع إليه عند الاشتباه.

و فيه نظر؛ لأنّه إنّما يتمّ لو ثبت أنّ دم الاستحاضة كالحيض لا يكون إلّا منغمساً بالقطنة، و إلّا فخروجها مطوّقةً لا ينفي احتمال كونه استحاضةً.

نعم، خروجها منغمسةً دليل علىٰ عدم كونه من العذرة، فالاختبار إنّما يجدي في صورة انحصار الاحتمالين و خروجها منغمسةً، و أمّا فيما عدا هذا الفرض فيحكم بأنّه استحاضة لو قلنا بأنّها الأصل في كلّ دم ليس بحيض، و إلّا فالمرجع استصحاب حالتها قبل رؤية هذا الدم من الطهارة أو الحدث.

و هل يجب عليها الاختبار لو حاضت أوّلًا ثمّ اقتضّت فشكّت في كون الدم منه أو من الحيض، أم ترجع إلىٰ أصالة بقاء الحيض و براءة ذمّتها عن التكليف؟ وجهان: من خروجه من مورد النصّ، فيرجع فيه إلىٰ القواعد، و من أنّ خصوصيّة المورد لا توجب تخصيص الحكم، فكما يفهم من الصحيحتين حصول التمييز بهذه العلامة في جميع موارد‌

15

الاشتباه، كذلك يفهم منهما وجوب الرجوع إليها في جميع تلك الموارد.

نعم، لو كان الشكّ في أصل الاقتضاض، يشكل استفادة وجوب الفحص فيه من الروايتين حيث إنّ اعتبار أصالة العدم بالنسبة إليه من الأُمور المغروسة في الأذهان علىٰ وجه لا يلتفت الذهن عند احتماله إلىٰ كون الدم ممّا يشكّ في حكمه.

و الإنصاف أنّه لا ينبغي ترك الاحتياط بالفحص في جميع موارد الشبهة، بل لا يبعد القول بوجوبه مطلقاً في جميع مواقع الاشتباه؛ نظراً إلىٰ ما في صحيحة خلف (1) من التهديد علىٰ مخالفة الواقع؛ فإنّ ظاهرها عدم كون الجهل عذراً في موارد الاشتباه، و مقتضاه: عدم جواز الرجوع إلىٰ الأُصول من أوّل الأمر و وجوب الفحص عليها مهما أمكن.

نعم، في كلّ مورد تعذّر عليها الفحص؛ لكثرة الدم أو نحوها من الأعذار، تعمل بالاصول من استصحاب الحدث أو الطهارة؛ لأنّ الجهل حينئذٍ عذر عقليّ، كما في الشبهات الحكميّة، فيرجع فيها إلىٰ القواعد الشرعيّة المقرّرة للجاهل، و اللّٰه العالم.

و لو تركت الفحص في الموارد التي وجب عليها الاختبار و صلّت ثمّ انكشفت مطابقتها لما هو تكليفها، لم تجب إعادتها علىٰ الأظهر؛ لأنّه إنّما وجب عليها الاختبار مقدّمةً لترتيب آثار دم العذرة عليه علىٰ تقدير كونه منها، و آثار دم الحيض علىٰ تقدير كونه حيضاً، و لا دليل علىٰ مدخليّة الاختبار في قوام تلك الآثار حتى تفسد بالإخلال به، بل الأدلّة‌

____________

(1) انظر الكافي 3: 92 94/ 1، و الوسائل، الباب 2 من أبواب الحيض، الحديث 1.

16

قاضية بعدمها.

نعم، لو التفتت في أوّل الصلاة إلىٰ وجوب الفحص و احتملت حرمة الصلاة عليها ذاتاً، أعادتها حيث لا يتأتّىٰ منها في مثل الفرض قصد القربة المعتبرة في صحّة العبادة. و أمّا لو لم تحتمل إلّا حرمتها تشريعاً فأتت بها بقصد الاحتياط، صحّت صلاتها إن لم نعتبر الجزم في النيّة، و إلّا بطلت علىٰ ما هو المشهور من اعتبار الجزم بالنيّة مع الإمكان، و لكنّه لا يخلو عن تأمّل، كما عرفت تحقيقه في نيّة الوضوء.

و الحاصل: أنّ الصحّة تدور مدار الشرائط المعتبرة في ماهيّة الصلاة من قصد القربة و الجزم في النيّة و نحوهما، و ليس للاختبار من حيث هو وجوداً و عدماً مدخليّة في ماهيّة عباداتها، و اللّٰه العالم.

و اعلم أنّه ليس لإدخال القطنة كيفيّة مخصوصة عدا ما نصّ عليها في صحيحة خلف، المتقدّمة (1).

و ما عن الشهيد في الروض من أنّها تستلقي علىٰ ظهرها و ترفع رِجْليها ثمّ تستدخل القطنة (2)، فلا دليل عليه و إن استند فيه إلىٰ روايات أهل البيت، إلّا أنّ جماعة ممّن تأخّر عنه نبّهوا على أنّ ذلك صدر منه غفلة، فإنّ الأمر بالاستلقاء إنّما هو في الرواية الآتية في اشتباه الحيض بالقرحة، الآمرة باستدخال الإصبع بعد الاستلقاء، لا في أخبار الباب، و اللّٰه العالم.

____________

(1) تقدمت في ص 10.

(2) روض الجنان: 60، و حكاه عن الشهيد في المسالك 1: 56 العاملي في مدارك الأحكام 1: 315.

17

(و كلّ ما تراه الصبيّة) من الدم (قبل بلوغها تسعاً) كاملًا من حيث الولادة، أي إكمالها تسعاً بالسنة القمريّة بأن ينتهي كلّ دور من حين الولادة إلىٰ حلول هذا الحين من مثل شهرها من السنة الآتية علىٰ الأظهر فليس بحيض إجماعاً، كما عن جماعة (1) دعواه.

و يدلّ عليه مضافاً إلىٰ الإجماع صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: قال أبو عبد اللّٰه ((عليه السلام)): «ثلاث يتزوّجن علىٰ كلّ حال- و عدّ منها: التي لم تحض و مثلها لا تحيض» قال: قلت: و ما حدّها؟ قال: «إذا أتى لها أقلّ من تسع سنين» (2).

و في رواية أُخرى له عنه ((عليه السلام)) قال: «إذا كمل لها تسع سنين أمكن حيضها» (3).

و هنا إشكال مشهور، و هو: أنّهم صرّحوا في المقام من غير خلاف بأنّ ما تراه الصبيّة قبل إكمال التسع فليس بحيض و إن كان بصفاته، و هذا ينافي عدّ الحيض من علائم البلوغ، كما هو المشهور؛ لأنّ العلم بكونه حيضاً موقوف علىٰ إحراز شرطه و هو البلوغ الذي يحصل بالتسع علىٰ المشهور، فكيف يمكن معرفة البلوغ بالحيض!؟

و حلّه: أنّ للحيض أوصافاً و أماراتٍ ظنّيّةً يندر التخلّف عنها، فربما يحصل منها الوثوق بأنّه هو الدم المعهود، فيثبت به لازمه و هو البلوغ،

____________

(1) كما في كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري-: 186، و انظر: المعتبر 1: 199، و رياض المسائل 1: 35، و الحدائق الناضرة 3: 169، و مستند الشيعة 2: 53.

(2) الكافي 6: 85/ 4، الوسائل، الباب 2 من أبواب العدد، الحديث 4.

(3) انظر: التهذيب 7: 469/ 1881، الوسائل، الباب 3 من أبواب العدد، الحديث 5.

18

و من المعلوم أنّه إنّما يعقل الاعتماد علىٰ الأمارات و إن كانت معتبرةً شرعاً- كالبيّنة و خبر الثقة و غيرهما ما لم يعلم مخالفتها للواقع، فالعلم بعدم البلوغ كالعلم بمسبوقيّة الدم بحيضة غير متخلّلة بزمان أقلّ الطهر يوجب العلم بتخلّف الأمارات عن الواقع، فلا يجوز الاعتناء بها حينئذٍ، و هذا بخلاف صورة الشكّ؛ فإنّه يعمل بمؤدّاها من الحكم بالحيضيّة، فيثبت بها البلوغ الذي هو من لوازمها.

و أمّا الكلام في طريقيّة هذه الأمارات و اعتبارها شرعاً فله مقام آخر لا مدخليّة له في حلّ الإشكال.

هذا، مع أنّ المناقشة في اعتبارها شرعاً إنّما تتمشّىٰ فيما إذا لم يحصل الاطمئنان بعدم التخلّف عن الواقع، و إلّا فلو حصل الاطمئنان و جزم النفس بعدم التخلّف، فلا وجه للمناقشة في الاعتماد عليها.

(و كذا) أي كالدم الخارج قبل التسع في عدم الحيضيّة (قيل فيما يخرج من الجانب الأيمن) كما عن الصدوق و الشيخ و أتباعه (1)، بل نسب إلىٰ المشهور اشتراط خروجه من الجانب الأيسر عند اشتباهه بدم القرحة (2).

و عن ابن الجنيد (رحمه اللّٰه) أنّه قال: دم الحيض أسود عبيط تعلوه حمرة، يخرج من الجانب الأيمن، و تحسّ المرأة بخروجه، و دم الاستحاضة بارد‌

____________

(1) حكاه عنهم العاملي في مدارك الأحكام 1: 316 317، و انظر: الفقيه 1: 54، و النهاية: 24، و المبسوط 1: 43، و المهذّب 1: 35، و الوسيلة: 57.

(2) انظر: جامع المقاصد 1: 282، و مفتاح الكرامة 1: 338، و جواهر الكلام 3: 144، و كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري-: 187.

19

رقيق يخرج من الجانب الأيسر (1).

و عن الشهيد (رحمه اللّٰه) في البيان (2) موافقة الشيخ و أتباعه، و في الذكرى و الدروس (3) كابن الجنيد في دم الحيض.

و منشأ هذا الاختلاف اختلاف متن الرواية التي هي مستند الحكم، فإنّه روىٰ شيخنا الجليل محمّد بن يعقوب- (رضى اللّٰه عنه) في الكافي عن محمَّد بن يحيىٰ رفعه عن أبان، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه ((عليه السلام)): فتاة منّا بها قرحة في جوفها و الدم سائل لا تدري من دم الحيض أم من دم القرحة، فقال ((عليه السلام)): «مُرْها فلتستلق علىٰ ظهرها ثمّ ترفع رِجْليها ثمّ تدخل إصبعها الوسطىٰ، فإن خرج الدم من الجانب الأيمن فهو من الحيض، و إن خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة» (4).

و عن الشيخ في التهذيب أنّه نقل الرواية بعينها، و ساق الحديث إلىٰ أن قال: «فإن خرج من الجانب الأيسر فهو من الحيض، و إن خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة» (5).

قال في المدارك: قيل: و يمكن ترجيح رواية التهذيب بأنّ الشيخ أعرف بوجوه الحديث و أضبط خصوصاً مع فتواه بمضمونها في النهاية‌

____________

(1) حكاه عنه المحقّق في المعتبر 1: 199، و العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 195، المسألة 141.

(2) حكاه عنه العاملي في مدارك الأحكام 1: 317، و انظر: البيان: 16، و الذكرىٰ 1: 229، و الدروس 1: 97.

(3) حكاه عنه العاملي في مدارك الأحكام 1: 317، و انظر: البيان: 16، و الذكرىٰ 1: 229، و الدروس 1: 97.

(4) الكافي 3: 94/ 3، الوسائل، الباب 16 من أبواب الحيض، الحديث 1.

(5) حكاه عنه العاملي في مدارك الأحكام 1: 317، و انظر: التهذيب 1: 385/ 1185، و الوسائل، الباب 16 من أبواب الحيض، الحديث 2.

20

و المبسوط، و فيهما نظر بيّن يعرفه مَنْ يقف علىٰ أحوال الشيخ و وجوه فتواه.

نعم، يمكن ترجيحها بإفتاء الصدوق (رحمه اللّٰه) في كتابه بمضمونها، مع أنّ عادته فيه نقل متون الأخبار.

و يمكن ترجيح رواية الكليني (رحمه اللّٰه) بتقدّمه و حسن ضبطه كما يعلم من كتابه الذي لا يوجد مثله، و بأنّ الشهيد (رحمه اللّٰه) ذكر في الذكرى أنّه وجد الرواية في كثير من نسخ التهذيب كما في الكافي، و ظاهر كلام ابن طاوُس (رحمه اللّٰه) أنّ نسخ التهذيب، القديمة كلّها موافقة له أيضاً.

و كيف كان فالأجود اطراح هذه الرواية، كما ذكره المصنّف (رحمه اللّٰه) في المعتبر؛ لضعفها و إرسالها و اضطرابها و مخالفتها للاعتبار؛ لأنّ القرحة يحتمل كونها في كلٍّ من الجانبين. و الأولى الرجوع إلىٰ حكم الأصل و اعتبار الأوصاف.

بقي هنا شي‌ء، و هو أنّ الرواية مع تسليم العمل بها إنّما تدلّ علىٰ الرجوع إلىٰ الجانب مع اشتباه الدم بالقرحة، و ظاهر كلام المصنّف (رحمه اللّٰه) هنا و صريح غيره يقتضي اعتبار الجانب مطلقاً.

و هو غير بعيد؛ فإنّ الجانب إن كان له مدخل في حقيقة الحيض، وجب اطّراده، و إلّا فلا (1). انتهىٰ كلامه رُفع مقامه.

أقول: أمّا ضعف سند الرواية و إرسالها فلا يوهنها بعد انجبارها بعمل الأصحاب قديماً و حديثاً بحيث لا يكاد يوجد مَنْ يطرحها و يرفع‌

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 318، و انظر: النهاية: 24، و المبسوط 1: 43، و الفقيه 1: 54، و الذكرىٰ 1: 229 و 230، و المعتبر 1: 199.

21

اليد عنها بالمرّة.

و أمّا اضطراب متنها فلا يوجب إلّا إجمالها من حيث تعيين الجانب. و أمّا دلالتها علىٰ عدم كون الأوصاف مرجعاً في مثل الفرض فلا، بل و كذا يفهم منها عدم كون قاعدة الإمكان التي سيأتي التكلّم فيها بعد تسليم عمومها مرجعاً في المقام، بل المتعيّن فيه بمقتضىٰ القواعد علىٰ تقدير تسليم الإجمال إنّما هو الرجوع إلىٰ استصحاب الحالة السابقة الموافقة لأحد الاحتمالين.

و أمّا ما قيل في توهن الرواية بمخالفتها للاعتبار؛ لجواز كون القرحة في كلٍّ من الجانبين. فممّا لا ينبغي الالتفات إليه؛ إذ من الجائز أن يكون حصول القرحة التي يسيل منها دم يشتبه بدم الحيض في أحد الجانبين ممّا يندر أو يمتنع عادةً؛ لما فيه من الموانع التي لا نعلمها، أو يكون للاستلقاء بالكيفيّة الخاصّة مدخليّة في استقرار دم القرحة في مقرّ خاصّ و خروجه من مجرى معيّن، و أمّا دم الحيض فلقوّته و تدافعه لا يخرج إلّا من مخرجه الطبيعيّ.

و كيف كان فلا يلتفت إلىٰ مثل هذه الاعتبارات في الأحكام الشرعيّة التعبّديّة.

ثمّ إنّ مقتضىٰ ما نقله عن الشهيد و ابن طاوُس (رحمهما اللّٰه) إنّما هو وقوع التشويش و الاضطراب في نسخة التهذيب، فهي بنفسها مع قطع النظر عن المرجّحات الخارجيّة لا تصلح لمكافئة الكافي.

و لكنّ الإنصاف أنّ المتأمّل في القرائن الخارجيّة لا يكاد يرتاب في صحّة النُّسخ الموافقة للمشهور، و كون النُّسخ القديمة الموافقة للكافي من‌

22

تحريفات النُّسّاخ، و لعلّ منشأها عرضها علىٰ الكافي و مقابلتها معه.

منها (1): فتوى الشيخ في النهاية و المبسوط بمضمونه؛ فإنّ من المستبعد جدّاً أن تكون فتواه في الكتابين مخالفةً لما رواه في التهذيب، مع أنّ الظاهر انحصار مدركها فيه.

و منها: ما نقل عن بعض المحقّقين أنّه قال: اتّفقت نسخ التهذيب علىٰ المشهور (2)؛ فإنّ اتّفاقها في الأعصار المتأخّرة يؤيّد كون ما رواه الشهيد من النُّسخ القديمة مصحّفةً، كما يؤيّده عدم تعرّض المحشّين- علىٰ ما قيل (3) لبيان كون المورد من مواقع الاشتباه، مع أنّ عادتهم التعرّض لبيان مثل ذلك.

و منها: فتوى المشهور قديماً و حديثاً علىٰ ما يوافقه، فإنّ ما في التهذيب علىٰ تقدير كونه اشتباهاً من الشيخ أو من غيره إنّما يعقل أن يؤثّر في فتوى مَنْ تأخّر عن الشيخ لا مَنْ تقدّم عليه، و لذا قيل (4): إنّ رواية الشيخ أثبت؛ لموافقتها لما ذكره المفيد و الصدوق في المقنع و الفقيه- الذي ضمن صحّة ما فيه و كونه مستخرجاً من الكتب المشهورة و لرسالة علي بن بابويه، التي قيل (5) في حقّها: إنّها كانت مرجع جميع مَنْ تأخّر عنه عند إعواز النصّ؛ لكونها من متون الأخبار، و كذا نهاية الشيخ علىٰ ما قيل (6)، و عن الفقه الرضوي أيضاً ما يوافقها (7).

____________

(1) أي: من القرائن.

(2) كما في جواهر الكلام 3: 146.

(3) كما في جواهر الكلام 3: 145.

(4) انظر: كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري-: 187.

(5) انظر: كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري-: 187.

(6) انظر: كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري-: 187.

(7) انظر: كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري-: 187، و الفقه المنسوب للإمام الرضا ((عليه السلام)): 193.

23

و كيف كان فلا شبهة في أنّه يستكشف من فتوى الصدوق و نظرائه ثبوت رواية موافقة لما عليه المشهور في الأُصول المعتبرة التي يعتمد عليها مثل الصدوق؛ لأنّه يمتنع عادةً أن يصدر مثل هذه الفتوىٰ من مثلهم عن حدسٍ و اجتهاد من دون أن يصل إليهم رواية معتبرة، فإن كانت هذه الرواية ما رواه الشيخ في التهذيب كما هو المظنون لو لم نقل بكونه المقطوع به فهو، و إلّا فنقول: هذه الرواية التي استكشفناها إجمالًا من فتوى مثل هؤلاء الإعلام لا يعارضها ما في الكافي؛ لشذوذه و إعراض الأصحاب عنه.

فظهر لك أنّه لا حاجة لنا إلىٰ إثبات أرجحيّة ما في التهذيب بخصوصه ممّا في الكافي حتى يتوهّم أنّ الأشياء المذكورة إنّما تفيد الظنّ بعدم وقوع الاشتباه من الشيخ في نقله، و أنّه أوثق من الكليني في خصوص المقام، و لا دليل علىٰ اعتبار مثل هذا الظنّ حيث إنّ المقام ليس من قبيل تعارض الخبرين حتى يترجّح أحدهما بالشهرة أو بالأوثقيّة أو بغيرها من المرجّحات؛ إذ الظاهر بل المقطوع به كونهما روايةً واحدة و قد وقع الاختلاف في نقلها، و لا دليل علىٰ اعتبار المرجّحات في مثل الفرض.

هذا، مع أنّ التوهّم فاسد من أصله؛ لاستقرار سيرة العلماء بالاعتناء بمثل هذه المرجّحات في تعيين ألفاظ الرواية، فيمكن الاستدلال عليه أوّلًا: ببناء العقلاء علىٰ الاعتناء بمثل هذه الترجيحات لدى الحاجة، كما في ترجيح أقوال اللغويّين بعضها علىٰ بعض.

و ثانياً: باستفادته ممّا ورد في الأخبار المتعارضة إمّا بتنقيح المناط؛

24

للقطع بأنّ الأمر بالأخذ بقول مَنْ كان أوثق و أصدق من الراوين ليس إلّا لكون احتمال صدوره من الإمام أقوى، أو بدعوىٰ عدم قصور ما ورد في الأخبار المتعارضة عن شمول مثل الفرض؛ إذ المناط ليس صدور أخبار متعارضة عنهم ((عليهم السلام))، و إلّا فلا معنىٰ للأخذ بقول الأصدق و الأوثق، بل المناط بلوغ روايتين مختلفتين إلينا، و هذا كما يصدق فيما لو نسبهما الراويان إلىٰ الإمام ((عليه السلام)) بحيث تتعدّد الرواية اصطلاحاً، كذلك يصدق في مثل الفرض؛ لصدق قولنا: روينا عن الكليني بإسناده إلىٰ الإمام ((عليه السلام)) كذا، و روينا عن الشيخ كذا، فقد بلغنا عن الإمام ((عليه السلام)) في الفرض روايتان مختلفتان و إن اتّحدتا اصطلاحاً ببعض الاعتبارات.

إن قلت: فمقتضىٰ ما ذكرت الحكم بالتخيير علىٰ تقدير تكافؤ الاحتمالين لا التساقط، كما هو المختار في تعارض الخبرين، و هذا ينافي ما تقدّم من أنّ المتعيّن- علىٰ تقدير تكافؤ الاحتمالين الرجوع إلىٰ الأصل الموافق لأحدهما.

قلت: الظاهر اختصاص الحكم بالتخيير في الخبرين المتعارضين بما إذا لم يعلم بكذب أحدهما و احتمل صدورهما معاً من الشارع؛ لأنّ حكمته علىٰ ما يستفاد من جملة من الأخبار التسليم و الانقياد لأمر الشارع، و عدم رفع اليد عنه مهما أمكن، و هذا إنّما يتصوّر فيما إذا أُحرز أمر الشارع بكلِّ منهما إمّا بالسمع أو بالتواتر أو بإخبار الثقات [الذين (1)] لا يعتنى باحتمال كذبهم.

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «ض 6، 8» و الطبعة الحجريّة: التي. و الصحيح ما أثبتناه.

25

توضيح المقام: أنّ الملحوظ أوّلًا و بالذات في الأخبار الواردة في علاج المتعارضين علىٰ ما يشهد به التأمّل فيها إنّما هو ترجيح أحد الخبرين علىٰ الآخر من حيث طريقيّته لإثبات الحكم الشرعيّ الواقعيّ، و بعد أن فرض السائل تساويهما من جميع الجهات من حيث طريقيّتهما لإثبات متعلّقهما أمر الإمام ((عليه السلام)) بالأخذ بأحدهما مخيّراً تسليماً لأمر الشارع، و مرجعه في الحقيقة إلىٰ أنّ الطريقين لمّا تكافئا من حيث طريقيّتهما للواقع تساقطا عن الاعتبار من هذه الجهة، و لكنّهما بعدُ باقيان علىٰ طريقيّتهما من حيث كشفهما عن صدور الأمر من الشارع؛ إذ لا معارضة بينهما من هذه الجهة؛ لإمكان صدورهما معاً و عدم كون أحدهما أو كليهما لبيان الحكم الواقعي النفس الأمريّ، فيكون التكليف بعد إحراز صدور الخطابين المتنافيين من الشارع بالعلم أو بطريقٍ معتبر الأخذ بأحدهما مخيّراً من حيث وجوب التسليم و الانقياد، لا من حيث كشفه عن الحكم الواقعي، فإنّ لامتثال الأوامر الصادرة من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و أوصيائه- صلوات اللّٰه عليهم جهتين من الوجوب، كما لا يخفىٰ.

و الحاصل: أنّ الحكم بالتخيير إنّما هو فيما أمكن صدور الروايتين من الشارع، و أمّا الرجوع إلىٰ المرجّحات السنديّة فمورده أعمّ من ذلك، فإنّه يعمّ ما لو علم كذب إحداهما كما فيما نحن فيه، فليتأمّل.

ثمّ لا يخفىٰ عليك أنّه بناءً علىٰ حرمة عبادة الحائض ذاتاً لا يمكن الاحتياط عند اشتباه دم الحيض بدم القرحة أو غيرها؛ لدوران الأمر بين المحذورين.

فما في الجواهر بعد ترجيح رواية التهذيب من أنّ سبيل‌

26

الاحتياط غير خفيّ (1)، علىٰ إطلاقه محلّ نظر.

بقي الكلام فيما ذكره في المدارك من تأييد ظاهر عبارة المصنّف و صريح غيره من اعتبار الجانب مطلقاً بأنّ الجانب إن كان له مدخل في حقيقة الحيض، يجب اطّراده (2).

و فيه: أنّه يمكن أن يكون منشؤ اعتباره الغلبةَ، فهي أمارة ظنّيّة قد اعتبرها الشارع في موردٍ خاصّ، كسائر الأمارات المعتبرة في باب الحيض، كأوصاف الدم، و كونه في أيّام العادة، و خروج القطنة غير مطوّقة، و نحوها، فلا يجوز التخطّي عن المورد المنصوص إلّا بعد القطع بعدم مدخليّة خصوصيّته في طريقيّتها و لا في اعتبارها شرعاً.

اللّهم إلّا أن يدّعى أنّ احتمال مدخليّة القرحة في خروج الدم من الأيسر ليس احتمالًا عقلائيّاً.

و أمّا احتمال كونه أمارةً شرعيّة اعتبرها الشارع لأجل الغلبة كسائر الأمارات المعتبرة في باب الحيض فهو احتمال قويّ و لكنّ الرواية بظاهرها تدلّ علىٰ أنّ ما يخرج من الأيمن ليس بحيض حقيقةً، و ما يخرج من الأيسر لا يكون من القرحة، و مقتضى حمل الرواية علىٰ ظاهرها هو الالتزام بكون كلٍّ من الوصفين معرّفاً حقيقيّا لكلٍّ من الدمين؛ لأنّ ظاهر الشرطيّة كونها لزوميّةً لا غالبيّةً أو اتّفاقيّةً. و كون سائر الأمارات أوصافاً غالبيّة لا يصلح قرينةً لرفع اليد عن ظاهر هذه الرواية.

و لكنّ الإنصاف أنّه يشكل رفع اليد بمثل هذا الظاهر عن الإطلاقات‌

____________

(1) جواهر الكلام 3: 146.

(2) مدارك الأحكام 1: 318.

27

و العمومات المقتضية للحكم بالحيضيّة عند اجتماع شرائطها، ككونه في أيّام العادة، و نحوه؛ لقوّة الظنّ لو لم ندّع القطع بكون الوصفين أمارةً شرعيّة تعبّديّة منشأ اعتبارها الغلبة، لا من الأوصاف التي لا تتخلّف، و اللّٰه العالم.

و لو شكّت في وجود القرحة و احتملت كون الدم منها علىٰ تقدير وجودها، لا يجب عليها الفحص و الاختبار؛ لأصالة السلامة، و عدم وجوب الفحص.

و لو اختبرت و علمت بخروج الدم من الأيمن و لم نقل باعتبار الجانب مطلقاً- كما هو الأظهر فهل يبنى علىٰ أنّه من القرحة؟ وجهان: من اختصاص النصّ بصورة العلم بوجودها، و من أنّ خصوصيّة المورد لا توجب قصر الحكم، كما عرفت في المشتبه بدم العذرة، لا يخلو أوّلهما عن وجه؛ لأنّ دعوى القطع بعدم مدخليّة الخصوصيّة في المقام مشكلة جدّاً؛ لأنّ كون القرحة الموجودة في الجوف علىٰ وجه يدرك وجودها و شأنيّتها لأن يسيل منها دم مشتبه بالحيض يورث قوّة الظنّ بكون الدم الخارج من الأيمن منها، و هذا بخلاف ما لو كانت الشبهة في أصل وجودها؛ فإنّه يبعد كون الدم المشتبه بالحيض من قرحة غير معلومة التحقّق، فيشكل استفادة اعتبار الجانب في هذه الصورة من الدليل الدالّ علىٰ اعتباره في الفرض الأوّل، و اللّٰه العالم.

ثمّ إنّه نقل عن كاشف الغطاء إلحاق الجرح بالقرح معلّلًا بعدم التميز‌

28

بينهما في الباطن، و بأنّهما في المعنىٰ واحد (1).

و فيه نظر ظاهر.

(و أقلّ الحيض ثلاثة أيّام) فما نقص منها ليس بحيض؛ لما سيتّضح لك من أنّ سيلان الدم في ثلاثة أيّام في الجملة من مقوّمات ماهيّة الحيض نصّاً و إجماعاً، فلا يعقل تحقّقها في ضمن الأقلّ من الثلاثة.

و ما في خبر إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّٰه ((عليه السلام)) في المرأة الحبلىٰ التي ترى الدم اليوم و (2) اليومين، قال ((عليه السلام)): «إن كان الدم عبيطاً فلا تصلّي ذينك اليومين، و إن كان صفرة فلتغتسل عند كلّ صلاتين» (3) مطروح أو مأوّل، كما سيتّضح لك في محلّه، و علىٰ تقدير كونه حجّةً فهو مخصوص بمورده.

(و أكثره عشرة) أيّام، فلو رأت الدم بعدها، فليس من الحيض.

و ما في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن أبي عبد اللّٰه ((عليه السلام))، قال: «أكثر ما يكون من الحيض ثمان، و أدنى ما يكون منه ثلاثة» (4) لأجل مخالفته للإجماع و الأخبار المستفيضة بل المتواترة يجب ردّ علمه إلىٰ أهله.

و لا يبعد أن يكون المراد منه بيان الأكثر منه بمقتضىٰ عادة النساء في الغالب لا التحديد الشرعيّ.

(و كذا) أي: و مثل أكثر الحيض (أقلّ الطهر) في كونه عشرة أيّام،

____________

(1) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 188، و انظر: كشف الغطاء: 129.

(2) في «ض 6، 8» و الاستبصار: «أو» بدل «و».

(3) التهذيب 1: 387/ 1192، الإستبصار 1: 141/ 483، الوسائل، الباب 30 من أبواب الحيض، الحديث 6.

(4) التهذيب 1: 157/ 450، الوسائل، الباب 10 من أبواب الحيض، الحديث 14.

29

فلا يكون الطهر أقلّ من عشرة أيّام بلا خلاف بل و لا إشكال في شي‌ء منها إجمالًا، كما يدلّ عليها المعتبرة المستفيضة التي سيأتي التعرّض لنقل جملة منها إن شاء اللّٰه.

و لا حدّ لأكثر الطهر قطعاً؛ ضرورة دوران الحيضيّة مدار رؤية الدم، و هي أمر غير قابل لأن يكون له حدّ شرعيّ.

و ما حكي عن أبي الصلاح من تحديد أكثره بثلاثة أشهر (1)، فلعلّه أراد بيان عدم تجاوزه عنها في الأفراد الغالبة لا التحديد الشرعيّ، و إلّا فهو بظاهره ظاهر الفساد؛ إذ لا يمكن الالتزام بالحيضيّة ما لم تر دماً.

و كيف كان فلا شبهة في شي‌ء من الأحكام المذكورة (و) إنّما الإشكال في أنّه (هل يشترط التوالي في الثلاثة) أيّام التي أشرنا إلىٰ توقّف الحيضيّة علىٰ رؤية الدم فيها، فلو رأت الدم يوماً أو يومين ثمّ انقطع فرأت في الخامس و السادس مثلًا، فليس بحيضٍ كما عن المشهور (2) (أم) لا يشترط بل (يكفي كونها من جملة العشرة؟) كما عن النهاية و الاستبصار و المهذّب و ظاهر مجمع البرهان و صريح كاشف اللثام و الحدائق ناقلًا له عن بعض علماء البحرين أيضاً (3)، بل يظهر من الحدائق (4) أنّه يكفي كونها في مدّة لا يتخلّل بين أبعاضها الفصل بأقلّ‌

____________

(1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 193، المسألة 139، و تذكرة الفقهاء 1: 259 (الفرع الرابع) و انظر: الكافي في الفقه: 128.

(2) نسبه إليه البحراني في الحدائق الناضرة 3: 159، و صاحب الجواهر فيها 3: 149.

(3) حكاه عنها صاحب الجواهر فيها 3: 153، و انظر: النهاية: 26، و الاستبصار 1: 141 ذيل الحديث 483، و المهذّب 1: 34، و مجمع الفائدة و البرهان 1: 143، و كشف اللثام 2: 65، و الحدائق الناضرة 3: 159.

(4) الحدائق الناضرة 3: 160 161.

30

الطهر، فلو رأت يوماً و انقطع ثمّ رأت في اليوم التاسع ثمّ انقطع ثمّ رأت بعد تسعة أيّام، يكون الدم المرئي في هذه الأيّام الغير المتخلّلة بأقلّ الطهر حيضاً، بل الظاهر التزامه بإمكان حصول حيضة واحدة في ضمن أحد و تسعين يوماً بأن ترى في كلّ رأس عشرة يوماً، فيكون مجموع زمان حيضها عشرةً، و هي أكثر الحيض، و أمّا الأيّام المتخلّلة التي لم تر فيها دماً فليست عنده من الحيض، بل يجب عليها في هذه الأيّام الصلاة و الصوم و غيرهما من العبادات المشروطة بالطهور.

و لا يبعد التزام القائلين بعدم اعتبار التوالي بكفاية رؤية الدم في ساعات كثيرة متخلّلة بالنقاء إذا بلغ مجموع تلك الساعات مقدار ثلاثة أيّام من جملة العشرة، بل قضيّة استدلال صاحب الحدائق علىٰ مذهبه: الالتزام بذلك و إن طالت المدّة ما لم يتخلّل الفصل بين أبعاض الدم بعشرة أيّام.

و استدلّ للمشهور: بأُمور:

منها: الأُصول الكثيرة الجارية في المقام، التي مرجعها إلىٰ أصالة عدم الحيض، و استصحاب الأحكام الثابتة قبل خروج ما يشكّ في حيضيّته.

و سيأتي التكلّم في تحقيق الأصلين و بيان عدم صلاحيّة شي‌ء من الاصول لمعارضتهما، و لكنّ الاستدلال بالأصل إنّما يتمّ علىٰ تقدير إبطال دليل الخصم.

و منها: العمومات المثبتة للتكاليف مثل الصلاة و الصوم و سائر العبادات المقتصر في تخصيصها علىٰ الحائض المعلوم حيضها.

31

و فيه: أنّ الأدلّة مخصّصة بالنسبة إلىٰ مَنْ كانت حائضاً في الواقع، لا مَنْ علم حيضها، و الشكّ إنّما هو في كون الفرد من مصاديق المخصّص أو العامّ، و قد تقرّر في محلّه عدم جواز التشبّث بالعمومات في الشبهات المصداقيّة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المخصّص مجمل مردّد بين الأقلّ و الأكثر، ففيما عدا القدر المتيقّن يرجع إلىٰ حكم العامّ، فتأمّل.

و منها: ما عن الفقه الرضوي «فإن رأت الدم يوماً أو يومين فليس ذلك من الحيض ما لم تر الدم ثلاثة أيّام متواليات، و عليها أن تقضي الصلاة التي تركتها في اليوم و اليومين» (1).

و ضعفه مجبور باشتهار الفتوىٰ بمضمونه شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً على ما ادّعاه بعض (2).

و فيه: أنّ انجبار ضعف الرواية بفتوىٰ المشهور ما لم يكن استنادهم إليها في الفتوىٰ لا يخلو عن إشكال.

و منها: أنّ المتبادر من الأخبار المستفيضة الدالّة علىٰ أنّ أقلّ الحيض ثلاثة كونها متواليةً.

و لا بدّ في تتميم الاستدلال بهذه الأخبار من نقلها و التكلّم في مفادها.

فمنها: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّٰه ((عليه السلام))، قال: «أقلّ‌

____________

(1) أورده عنه البحراني في الحدائق الناضرة 3: 165، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا ((عليه السلام)): 192.

(2) انظر: مستند الشيعة 2: 389.

32

ما يكون الحيض ثلاثة أيّام، و أكثره ما يكون عشرة أيّام» (1).

و صحيحة صفوان بن يحيىٰ، قال: سألت أبا الحسن الرضا ((عليه السلام)) عن أدنىٰ ما يكون من الحيض، فقال: «أدناه ثلاثة و أبعده عشرة» (2).

و صحيحة يعقوب بن يقطين عن أبي الحسن ((عليه السلام)) قال: «أدنىٰ الحيض ثلاثة و أقضاه عشرة» (3) إلىٰ غير ذلك من الأخبار الكثيرة الواردة بهذا المضمون.

و هذه الأخبار بأسرها صريحة في أنّ زمان الحيض لا يقصر عن ثلاثة أيّام و لا يتعدّىٰ عن العشرة، و قد أشرنا في صدر المبحث أنّ الحيض إمّا عبارة عن نفس الدم المعهود مسامحة أو عن سيلانه، فالروايات بظاهرها مسوقة لتحديد مدّة سيلان الدم المعهود المسمّى بالحيض، فكأنّه قال: مدّة خروج الدم المعهود لا تقصر عن ثلاثة أيّام و لا تزيد عن العشرة، و إطلاق الحيض علىٰ الصفة الحادثة في الحائض- أعني اتّصافها بالحائضيّة مجاز لا تحمل الروايات عليه، مع أنّه علىٰ تقدير إرادة هذا المعنىٰ من الروايات بأن تكون مسوقةً لبيان زمان إمكان الاتّصاف بالحائضيّة لا لبيان مدّة خروج دم الحيض من حيث كونه دم الحيض، فهي أيضاً تدلّ بالالتزام علىٰ أنّ مدّة خروج دم الحيض لا تقصر عن ثلاثة أيّام؛ لأنّ اتّصاف المرأة بالحائضيّة إنّما هو باعتبار سيلان الدم‌

____________

(1) الكافي 3: 75/ 2، الوسائل، الباب 10 من أبواب الحيض، الحديث 1.

(2) الكافي 3: 75 76/ 3، التهذيب 1: 156/ 446، الإستبصار 1: 130/ 447، الوسائل، الباب 10 من أبواب الحيض، الحديث 2.

(3) التهذيب 1: 156/ 447، الإستبصار 1: 130/ 448، الوسائل، الباب 10 من أبواب الحيض، الحديث 10.

33

منها، و إلّا فقبل رؤية الدم و لو بمقدار دقيقة و كذا بعد انقطاع الدم ليست بحائض قطعاً، و الحكم بكونها حائضاً مع النقاء في بعض الموارد حكميّ لا حقيقيّ.

و كيف كان فلا ريب في أنه يستفاد من مجموع هذه الروايات و غيرها من الروايات التي سيأتي بعضها استفادة قطعيّة أنّه يعتبر في دم الحيض أن يكون مدّة خروجه ثلاثة أيّام، و لا شبهة في أنّ المتبادر من قوله ((عليه السلام)): «أقلّ الحيض ثلاثة أيّام و أكثره عشرة» ليس إلّا إرادة أنّه لا يتحقّق أقلّ الحيض إلّا بأن يمتدّ زمانه خروجه و يستمرّ إلىٰ ثلاثة أيّام و انقطع عليها، و إن لم ينقطع و استمرّ إلىٰ عشرة أيّام، فهذا أقصى الحيض، فلا يكون بعدها الدم حيضاً، و يفهم منه بالالتزام أنّه لو انقطع فيما بين الحدّين فهو وسط الحيض، فلو لم يكن لنا في باب الحيض غير الروايات الواردة بهذا المضمون، لكُنّا نحكم حكماً جزميّاً بأنّه لو رأت الدم ثلاثة أيّام أو أربعة مثلًا ثمّ انقطع يوماً ثمّ رأت بعده يوماً أو يومين، فإنّ الدم الثاني ليس بحيض؛ لأنّه في حدّ ذاته فرد مستقلّ للدم، و زمانه أقلّ من ثلاثة أيّام، فلا يكون حيضاً بمقتضىٰ هذه الروايات، و إنّما نحكم بحيضيّته لأجل سائر الأدلّة الحاكمة علىٰ هذه الروايات الدالّة علىٰ أنّ ما تراه قبل انقضاء عشرة أيّام فهو حيض و معدود من أجزاء الحيضة الأُولىٰ و ليس فرداً مستقلا بانفراده، فهذه الأدلّة حاكمة علىٰ الروايات الدالّة علىٰ أنّ دم الحيض لا يقصر عن ثلاثة أيّام، و مفسّرة لمدلولها، فلولا هذه الأدلّة لكُنّا نجزم بعدم حيضيّته، لا لمجرّد دعوى تبادر كون أيّام الحيض متواليةً، بل لوجوب كون مجموع الدم السائل حيضةً واحدة، و هذا‌

34

يتوقّف علىٰ استمرار الدم و اتّصال بعض أجزائه ببعض عرفاً بحيث لا يتخلّل بينها زمان معتدّ به، و إلّا فكلّ جزء بنفسه فرد مستقلّ لرؤية الدم، فله حكمه، إلّا أن يدلّ دليل تعبّديّ علىٰ عدم الاعتناء بالفصل، و كون المجموع بنظر الشارع فرداً واحداً.

و بهذا ظهر لك فساد الاعتراض علىٰ مَنْ يدّعي تبادر اعتبار التوالي و الاستمرار في أقلّ الحيض من هذه الأدلّة بأنّه لو دلّت علىٰ اعتبار التوالي في أقلّ الحيض، لدلّت علىٰ اعتباره في أكثره مع أنّه غير معتبر فيه إجماعاً.

توضيح الفساد: أنّ مفاد هذه الروايات ليس إلّا أنّ أقلّ الحيض- الذي هو عبارة عن رؤية الدم و سيلانه أن يمتدّ زمانه إلىٰ ثلاثة أيّام، و أكثره أن يمتدّ إلىٰ عشرة أيّام، فلو انقطع بعض الدم عن بعض باعتبار سيلانه، يكون كلّ جزءٍ جزءٍ من الأجزاء المنقطعة فرداً مستقلا لرؤية الدم، فإن كان شي‌ء منها علىٰ وجه صدق عليه أنّه طالت مدّة خروجه ثلاثة أيّام، فهو الحيض دون ما عداه من الأجزاء سواء سبقه الأجزاء أم لحقه، إلّا أن يدلّ دليل خارجي علىٰ وجوب ضمّ بعضها إلىٰ بعض، و ملاحظة المدّة المعيّنة بالنسبة إلىٰ المجموع إمّا مطلقاً أو في الجملة، و هذا خارج من مدلول هذه الأخبار.

و الحكم بكون المرأة حائضاً في مجموع عشرة أيّام إذا رأت الدم فيها في الجملة و إن تخلّل بالنقاء فإنّما هو تعبّد شرعيّ، فهي حائض حكماً لا حقيقةً، و ليس هذا المصداق الحكميّ مراداً من الأخبار المبيّنة لزمان إمكان خروج دم الحيض من حيث الطول و القصر، و إنّما نحكم‌

35

بحيضيّتها لأجل الأدلّة الدالّة علىٰ أنّ عود الدم في أثناء العشرة بمنزلة استمراره.

و أضعف من هذا الاعتراض النقضُ بنذر الصوم ثلاثة أيّام؛ فإنّه لا يفهم منه التوالي.

و فيه ما لا يخفىٰ؛ لوضوح الفرق بين تعلّق النذر بعدّة أفعال غير مرتبطة في الوجود و بين ما لو حدّد الفعل الواحد الزماني بزمانه، فإنّ ما نحن فيه نظير ما لو أُريد من الصوم المأمور به السكوت في زمان معتدّ به لا مطلق السكوت، فسُئل عن أدنىٰ ما به يتحقّق الصوم، فقيل: أدناه ثلاث دقائق و أقصاه عشرة، فإنّ في مثل الفرض لا مجال لتوهّم إرادة ما يعمّ ثلاث دقائق غير متوالية.

و كذا نظيره ما لو علم إجمالًا أنّ الإقامة في البلد ليس مطلق الدخول و المكث فيه في الجملة، فسُئل عن أقلّ ما به تتحقّق الإقامة، فقيل: أدناه عشرة أيّام، و استفادة إرادة الاستمرار في مثل هذه الموارد هو الوجه في دلالتها علىٰ دخول الليالي المتوسّطة في الحدّ، و إلّا فاليوم حقيقةً لا يعمّ الليل حتى يدلّ علىٰ إرادته، كما لا يخفىٰ.

و كيف كان فلا شبهة في أنّ مفاد هذه الأخبار هو أنّ الدم الذي يمكن أن يكون حيضاً ما كان استمراره ثلاثة أيّام و ما زاد إلىٰ العشرة، و ما لم يكن كذلك بأن كان يوماً أو يومين مثلًا لا يكون حيضاً من دون فرق بين أن سبقه دم الحيض أو لحقه أم لا، و سواء كان في أيّام العادة أم لا، فلا يجوز رفع اليد عن هذه القاعدة الكلّيّة إلّا بدليل مخصّص أو حاكم، و قد ثبت بالنصّ و الإجماع أنّه إذا استمرّ الدم ثلاثة أيّام و انقطع ثمّ‌

36

عاد قبل انقضاء العشرة من حين رؤية الدم و لم يتجاوز عنها، فهو من الحيضة الاولىٰ، و لا يلاحظ الدم الثاني بحياله فرداً مستقلا حتى ينافي حيضيّته للقاعدة الكلّيّة، فهذا هو القدر المسلّم الذي ثبت حكم الشارع فيه بكونه بمنزلة المستمرّ، فإلحاق ما عدا هذه الصورة المسلّمة بها يتوقّف علىٰ مساعدة الدليل.

و بهذا ظهر لك بطلان استدلال القائلين بعدم اشتراط التوالي في الثلاثة بأصالة عدم الاشتراط و أصالة براءة الذمّة عن التكليف بالصلاة و الصوم و سائر العبادات، و قاعدة الإمكان.

مضافاً إلىٰ ضعف الاستدلال بهذه الأُصول من أصله؛ فإنّ أصالة عدم الاشتراط إن أُريد منها الاستصحاب، فليس له حالة سابقة معلومة. و إن أُريد منها أصل آخر، فلا أصل له.

اللّهمّ إلّا أن يكون الحيض في العرف اسماً للأعمّ، و يكون الاشتراط تقييداً شرعيّاً تابعاً لدليله، فليتأمّل.

و أمّا أصالة البراءة عن التكاليف فهي محكومة بأصالة عدم الحيض، و استصحاب التكليف.

و توهّم اختصاص استصحاب التكليف بما لو حاضت بعد تنجّز الأمر بالصلاة و نحوها بأن كان بعد دخول وقتها و التمكّن من امتثالها، مدفوع: بعدم الفرق بين الواجب المنجّز و المشروط في جريان الاستصحاب، كما تقرّر في محلّه.

و ربما يتوهّم معارضة أصالة عدم الحيض بأصالة عدم الاستحاضة، و سيتّضح لك في مقام تأسيس الأصل اندفاعه.

37

و أمّا قاعدة الإمكان ففي إمكان الاستدلال بها في مثل المقام تأمّل، و سيتّضح لك تحقيقها إن شاء اللّٰه.

فالمهمّ في المقام هو التعرّض للأخبار الخاصّة التي يستند إليها في مخالفة المشهور.

و عمدتها مرسلة يونس عن الصادق ((عليه السلام))، قال: «أدنى الطهر عشرة أيّام، و ذلك أنّ المرأة أوّل ما تحيض ربما كانت كثيرة الدم و يكون حيضها عشرة أيّام، فلا تزال كلّما كبرت نقصت حتى ترجع إلىٰ ثلاثة أيّام، فإذا رجعت إلىٰ ثلاثة أيّام ارتفع حيضها، و لا يكون أقلّ من ثلاثة أيّام، فإذا رأت المرأة الدم في أيّام حيضها، تركت الصلاة، فإن استمرّ بها الدم ثلاثة أيّام، فهي حائض، و إن انقطع الدم بعد ما رأته يوماً أو يومين، اغتسلت و صلّت و انتظرت من يوم رأت الدم إلىٰ عشرة أيّام، فإن رأت في تلك العشرة أيّام من يوم رأت الدم يوماً أو يومين حتى يتمّ لها ثلاثة أيّام، فذلك الذي رأته في أوّل الأمر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض، و إن مرّ بها من يوم رأت عشرة أيّام و لم تر الدم، فذلك اليوم و اليومان الذي رأته لم يكن من الحيض، إنّما كان من علّة إمّا من قرحة في جوفها و إمّا من الجوف، فعليها أن تعيد الصلاة تلك اليومين التي تركتها، لأنّها لم تكن حائضاً، فيجب أن تقضي ما تركت من الصلاة في اليوم و اليومين، و إن تمّ لها ثلاثة أيّام فهو من الحيض، و هو أدنىٰ الحيض، و لم يجب عليها القضاء، و لا يكون الطهر أقلّ من عشرة أيّام، و إذا حاضت المرأة و كان حيضها خمسة أيّام ثمّ انقطع الدم، اغتسلت و صلّت، فإن رأت بعد ذلك الدم و لم يتمّ لها من يوم طهرت عشرة أيّام،

38

فذلك من الحيض تدع الصلاة، فإن رأت الدم من أوّل ما رأت الثاني الذي رأته تمام العشرة أيّام و دام عليها، عدّت من أوّل ما رأت الدم الأوّل و الثاني عشرة أيّام ثمّ هي مستحاضة تعمل ما تعمله المستحاضة» و قال: «كلّ ما رأت المرأة في أيّام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، و كلّ ما رأته بعد أيّام حيضها فليس من الحيض» (1).

و هذه الرواية كما تراها صريحة في عدم اعتبار التوالي و كفاية كون الثلاثة من جملة العشرة، و هي بذاتها حاكمة علىٰ جميع الأخبار الظاهرة في إرادة الاستمرار؛ لأنّها مبيّنة للمراد من أقلّ الحيض و أكثره.

و لكنّها مع ذلك لا تخلو عن إجمال؛ لما يتراءى من التنافي بين بعض فقرأتها مع بعض؛ فإنّه قد استدلّ صاحب الحدائق بهذه الرواية لما ذهب إليه من كفاية كون الثلاثة أو أزيد في مدّة لا يتخلّل بين أبعاض الدم بأقلّ الطهر (2)، مع أنّ صدر الرواية كاد أن يكون صريحاً في خلافه، فلا بدّ أوّلًا من التكلّم فيما يقتضيه الجمع بين فقرأتها حتى يتّضح مفادها، و يتنقّح القول الذي يمكن المسير إليه علىٰ تقدير العمل بهذه الرواية.

فأقول: أمّا صدر الرواية كذيلها فصريح في أنّ الطهر لا يكون أقلّ من عشرة أيّام، و سوق الرواية يُشعر بأنّ قوله ((عليه السلام)): «و ذلك أنّ المرأة» إلىٰ آخره، بمنزلة التعليل لذلك، لا أنّه كلام مستأنف مسوق لبيان مقدار إمكان امتداد دم الحيض قلّةً و كثرةً.

____________

(1) الكافي 3: 76 77/ 5، التهذيب 1: 158/ 452، الوسائل، الحديث 3 من الباب 4 و الحديث 4 من الباب 10 و الحديث 2 من الباب 12 من أبواب الحيض.

(2) الحدائق الناضرة 3: 159 160.

39

و لا يبعد أن تكون المناسبة المصحّحة للعلّيّة هي معلوميّة عدم تحيّض النساء عادةً في كلّ شهر أزيد من مرّة و إن كان ربما يعجّل الدم بيوم أو يومين و لكنّه ليس التحيّض في شهرٍ مرّتين تامّتين عادةً للنساء، فإذا كان المتعارف بينهنّ ذلك، يحسن التعليل؛ لأنّه إذا كان حيض كثيرة الدم عشرة أيّام و لم يتعدّ عنها، فكيف يكون الطهر أقلّ من عشرة مع أنّها لا تتحيّض في الشهر إلّا مرّة واحدة!؟

و كيف كان فظاهر هذه الفقرة بل صريحها كغيرها من الأخبار السابقة: أنّ دم الحيض كثيره يمتدّ سيلانه عشرة أيّام و لا يزيد عليها، و قليله يمتدّ ثلاثة أيّام و لا يقصر عنها، و المتبادر منها كغيرها من الروايات ليس إلّا إرادة الأيّام المتوالية في أكثر الحيض و أقلّه، كما هو المتبادر إلىٰ الذهن بالنسبة إلىٰ أدنىٰ الطهر، و لكنّه يفهم من قوله ((عليه السلام)): «و إذا رأت المرأة الدم» إلىٰ آخره: أنّ التوالي و الاستمرار المتبادر منها ليس من مقوّمات الموضوع، و إنّما المناط سيلان الدم ثلاثة أيّام من جملة العشرة، فإن رأت يوماً أو يومين و انقطع ثمّ عاد قبل انقضاء عشرة أيّام من يوم رأت الدم ما يتمّ به ثلاثة أيّام، فمجموعه حيضة واحدة.

و يستفاد من هذه الفقرة مضافاً إلىٰ ما عرفت أنّ رؤية الدم في أيّام العادة أمارة الحيض، فتتحيّض المرأة بمجرّد الرؤية، فإن استمرّ ثلاثة أيّام، يستقرّ حيضها، و إن انقطع بعد أن رأت يوماً أو يومين، فهي متحيّرة؛ لتردّد دمها بين أن يكون حيضاً أو دماً آخر، فيجب عليها حينئذٍ بمقتضىٰ أصالة عدم الحيض أن تصلّي، و ليس في أمر الإمام ((عليه السلام)) بالاغتسال و الصلاة إشعار بكون النقاء المتخلّل في أثناء حيضة واحدة‌

40

طهراً؛ لاحتمال كون الاغتسال المأمور به هو غسل الاستحاضة التي هي الأصل في الدم الذي ليس بحيض.

هذا، مع أنّه لا يجب عليها غسل الحيض ما لم يتحقّق موضوعه، بل لا يشرع إلا من باب الاحتياط.

و كيف كان فلا إشعار في هذه الفقرة فضلًا عن الدلالة بأنّ أيّام النقاء طهر حتىٰ يتكلّف في الجمع بينها و بين قوله ((عليه السلام)): «أدنىٰ الطهر عشرة» بحمل الطهر علىٰ الطهر الواقع بين حيضتين مستقلّتين، كما تخيّله صاحب الحدائق (1).

و كذا ليس في قوله ((عليه السلام)): «فذلك الذي رأته في أوّل الأمر مع هذا الذي رأته بعد ذلك في العشرة فهو من الحيض» دلالة علىٰ أنّ أيّام النقاء طهر.

نعم، فيه إشعار بذلك و لكنّه لا يلتفت إليه خصوصاً بعد التصريح بأنّه لا يكون الطهر أقلّ من عشرة أيّام.

و كذا لا يدلّ قوله ((عليه السلام)): «و هو أدنىٰ الحيض» علىٰ اختصاص مدّة الحيض بزمان رؤية الدم؛ لأنّ المراد أنّ الدم الذي تمّ لها ثلاثة أيّام هو أدنىٰ دم الحيض و قد صرّح ((عليه السلام)) في صدر الرواية بأنّ المناط في الأقلّيّة و الأكثريّة إنّما هو بقلّة الدم و كثرته، فلا منافاة بين كون هذا الفرد من مصاديق أقلّ الحيض حقيقةً و كونه بمنزلة الأكثر حكماً، كما يدلّ عليه قوله ((عليه السلام)) بعد ذلك بلا فاصل: «و لا يكون الطهر أقلّ من عشرة أيّام» فإنّ‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 3: 160.

41

مفاده أنّ الانقطاعات المتخلّلة في أثناء الحيض ليست طهراً و نقاءً واقعيّاً، بل هي فترات عارضه في الأثناء منشؤها ضعف الدم و قلّته.

و كيف كان فهذه الفقرة كادت تكون صريحةً في أنّه يعتبر في الحيضة الواحدة وقوع أجزائها في ضمن العشرة أيّام التي ابتداؤها من يوم رأت فيه الدم بأن يكون مجموعة في ضمن العشرة، فهي كالنصّ في بطلان ما زعمه صاحب الحدائق من كفاية عدم حصول الفصل بين أبعاض الدم بأقلّ الطهر.

و حَمْلُ قوله ((عليه السلام)): «من يوم رأت الدم إلىٰ عشرة أيّام» علىٰ إرادة يوم انقطاعه، فيكون المراد: «من يوم لم تر فيه الدم» مع ما فيه من المخالفة للظاهر لا يجدي لصاحب الحدائق بعد أن ورد التنصيص علىٰ أنّه «إن رأت في تلك العشرة أيّام يوماً أو يومين حتى يتمّ لها ثلاثة أيّام ..» إذ لا يعتبر صاحب الحدائق كون المتمّم مجموعة في تلك العشرة، كما هو مقتضىٰ ظاهر الرواية، بل يكتفى بظهور شي‌ء منه في آخر اليوم العاشر من أيّام النقاء، سواء استمرّ إلىٰ أن أتمّ الثلاثة أم انقطع ثمّ عاد قبل عشرة اخرىٰ، و هذه الفقرة كما تراها ناطقة ببطلان هذا القول مع مخالفته في حدّ ذاته للإجماع.

و لا يعارضها ما يتراءىٰ من قوله: «فإذا حاضت المرأة و كان حيضها خمسة أيّام ثمّ انقطع الدم اغتسلت و صلّت، فإن رأت بعد ذلك الدم و لم يتمّ لها من يوم طهرت عشرة أيّام فذلك من الحيض» فإن المراد منه- بقرينة ما تقدّم عليه أنّه إن لم يستكمل عشرة أيّام حيضها من يوم طهرت، فينطبق حينئذٍ علىٰ ما استفيد ممّا تقدّم عليه، و لا يكون حينئذٍ‌

42

مخالفاً لما انعقد عليه الإجماع.

هذا، مع أنّ إرادة هذا المعنىٰ في حدّ ذاته أوفق بظاهر قوله ((عليه السلام)): «لم يتمّ لها من يوم طهرت» فإنّ المتبادر منه كون الظرف لغواً متعلّقاً ب‍ «لم يتمّ» لا بعاملٍ مقدر كي يكون حالًا أو صفةً مبيّنة لمبدإ العشرة.

هذا، و لكنّ الإنصاف أنّه لو لُوحظت هذه الفقرة بنفسها مع قطع النظر عن سابقتها و مخالفتها للإجماع لكان المتبادر منها عرفاً ما زعمه صاحب الحدائق من أنّ المراد إذا لم يتعدّ من يوم طهرها عشرة أيّام (1)، إلّا أنّه لا بُدّ من رفع اليد عن هذا الظاهر؛ لما عرفت، مضافاً إلىٰ عدم استقامته في حدّ ذاته؛ فإنّ مفهوم قوله ((عليه السلام)): «فإن رأت بعد ذلك الدم و لم يتمّ لها من يوم طهرت عشرة أيّام فهو من الحيض» أنّه إن تمّ فليس من الحيض، مع أنّه علىٰ هذا التقدير أيضاً حيض مستقبل.

اللّهمّ إلّا أن يكون اللام للعهد، فيكون حينئذٍ إرادة هذا المعنىٰ أنسب، كما لا يخفى.

هذا كلّه، مع أنّه نقل شيخنا المرتضىٰ (رحمه اللّٰه) عن نسخة مصحّحة مقروءة علىٰ الشيخ الحرّ العاملي بدل قوله: «طهرت»: «طمثت» (2) فعلى هذا التقدير لا إجمال فيها أصلًا.

و ممّا يؤيّد أنّ المراد من هذه الفقرة هو المعنىٰ الأوّل بل يعيّنه- مضافاً إلىٰ ما عرفت قوله بعد ذلك تفريعاً عليه: «فإن رأت الدم من أوّل ما رأت الثاني الذي رأته تمام العشرة أيّام و دام عليها» إلىٰ آخره؛ فإنّ‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 3: 160.

(2) كتاب الطهارة: 193.

43

هذه الفقرة و إن كانت في غاية الاضطراب لفظاً و معنًى إلّا أنّ المتبادر منها كون العشرة المشار إليها هي العشرة المذكورة في الفقرة المتقدّمة عليها، و من المعلوم أنّ المراد من هذه العشرة عشرة ابتداؤها أوّل رؤية الدم لا أوّل يوم الانقطاع، فإنّ المراد منها أنّه إن استمرّ الدم الثاني إلىٰ أن استكمل به عشرة أيّام الحيض و دام عليها، فما زاد علىٰ العشرة استحاضة، فهذه قرينة علىٰ أنّ المراد من الفقرة السابقة أيضاً أنّه إن استكمل عشرة أيّام حيضها من يوم طهرت، و إلّا لما صحّت الإشارة إليها في هذه الفقرة، فيكون مفاد الفقرة السابقة مفهوماً و منطوقاً بقرينة هذه الفقرة فضلًا عمّا يستفاد من الفقرات المتقدّمة عليها، المعتضدة بالنصّ و الإجماع أنّه إن رأت الدم بعد الانقطاع قبل انقضاء عشرة أيّام حيضها، فهو من الحيض، و إن رأت بعد انقضائها فليس من الحيض، فحينئذٍ يكون هذا الحكم الأخير شاهداً علىٰ أنّ ما يتراءىٰ من ظاهر الفقرة التي بعدها أعني ضمّ خمسة أيّام من أوّل ما رأت الدم الثاني إلىٰ الخمسة الأُولىٰ التي رأت فيها الدم بإسقاط أيّام النقاء من البين، و جَعْل ما عدا عشرة أيّام رأت في جميعها الدم استحاضةً ليس مراداً منها، و إلّا للزم أن يكون بعض ما رأته بعد العشرة التي ابتداؤها أوّل رؤية الدم حيضاً، و هذا ينافي التحديد في الفقرة السابقة بكونه قبل انقضاء العشرة لا بعدها.

هذا، مع مخالفته صريحاً للفقرة التي بعدها، و هي: «كلّ ما رأته بعد أيّام حيضها فليس من الحيض» اللّهم إلّا أن يراد من أيّام الحيض ما لا ينافي ذلك و إن كان خلاف الظاهر.

و كيف كان فالمتعيّن حمل هذه الفقرة علىٰ ما لا ينافي سائر الفقرات‌

44

المتقدّمة المعتضدة بفتوىٰ الأصحاب و إجماعهم، التي جعل الحكم المذكور في هذه الفقرة متفرّعاً عليها، بأن يحمل قوله ((عليه السلام)): «عدّت من أوّل ما رأت الدم الأوّل و الثاني» (1) علىٰ إرادة أنّها عدّت من أوّل زمان رأت فيه هذين الدمين، أي من ابتداء رؤية الدم.

و إن أبيت إلّا عن ظهور هذه الفقرة فيما زعمه صاحب الحدائق و عدم صلاحيّة ما ذكر لصرفها عن ذلك، فنقول: إنّه لا بدّ حينئذٍ من ردّ علمها إلىٰ أهله؛ إذ لا يمكن إثبات حكم شرعيّ مخالف لصريح الإجماع و الأخبار الكثيرة الظاهرة في أنّ الحيض لا يكون أكثر من عشرة أيّام متوالية، و الطهر لا يكون أقلّ منها بمثل هذه الفقرة، مع ما فيها من التشويش و الاضطراب و عدم مناسبتها لسائر الفقرات، بل سيتّضح لك عدم جواز العمل بهذه الفقرة أصلًا و لو علىٰ المعنىٰ الأوّل؛ لما ستعرف من أنّ ذات العادة كما هو المفروض في هذه الفقرة إذا تجاوز دمها العشرة، ترجع إلىٰ عادتها، و تجعل ما عداها استحاضةً، خلافاً لصريح هذه الفقرة، فلا بدّ من طرحها؛ لابتلائها بالمعارضات التي منها ظاهر الفقرة التي بعدها.

و لنعم ما قال شيخنا المرتضىٰ (رحمه اللّٰه): إنّه لا يبعد أن يكون ما في الرواية من الاضطراب ناشئاً من ضمّ الراوي حين كتابة الرواية بعض ما حفظه بألفاظه إلىٰ ما نقله بالمعنى (2)، و اللّٰه العالم.

____________

(1) الكافي 3: 76 77/ 5، التهذيب 1: 158/ 452، الوسائل، الباب 12 من أبواب الحيض، الحديث 2.

(2) كتاب الطهارة: 193.

45

فاتّضح لك أنّ الرواية لا تصلح مستندةً لصاحب الحدائق، بل هي دالّة علىٰ بطلان مذهبه من جهات.

نعم، هي صريحة في خلاف المشهور من عدم اعتبار التوالي في الثلاثة، و قد عرفت حكومتها علىٰ غيرها من الأخبار الظاهرة في اعتبار الاستمرار و التوالي.

و قد أُجيب عنها: بضعف السند.

و نُوقش فيه: بوثاقة سندها، و أمّا إرسالها فلا ضير فيه؛ لأنّ المُرسل- و هو يونس ممّن نقل الإجماع علىٰ قبول مراسيله، و أنّها كالمسانيد، و لذا قال شيخنا المرتضىٰ ((قدّس سرّه)): و الأولى في الجواب عنها بأنّها مخالفة للمشهور، بل شاذّة (1)، كما عن الروض و جامع المقاصد دعواه (2)، بل عن الجامع أنّ الكلّ علىٰ خلاف رواية يونس. و لكنّه استظهر منها ما فهمه صاحب الحدائق، فادّعىٰ الإجماع علىٰ خلافه.

قال فيما حكي عنه: إنّه لو رأت ثلاثة أيّام متفرّقة أو ساعات متفرّقة، يتلفّق منها ثلاثة، و كانت وحدها حيضاً علىٰ رواية يونس، و علىٰ خلافها الكلّ (3). و قد عرفت ما في هذه الاستفادة من النظر.

و كيف كان فالرواية ممّا لا تأمّل في إعراض المشهور عنها، إلّا أنّ رفع اليد عنها مع وثاقة سندها و عمل الشيخ و غير واحد من القدماء‌

____________

(1) كتاب الطهارة: 191.

(2) حكاها عنهما الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 191، و انظر: روض الجنان: 62، و جامع المقاصد 1: 287.

(3) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 190، و انظر: الجامع للشرائع: 43.

46

و المتأخّرين بها في غاية الإشكال، و الاعتماد عليها في رفع اليد عن ظواهر الأدلّة المتكاثرة أشكل، فالاحتياط بتدارك عباداتها بعد انقضاء العشرة التي رأت في خلالها الدم بمقدار ثلاثة أيّام ممّا لا ينبغي تركه.

و أمّا تكليفها في تلك الأيّام فهو التحيّض عند رؤية الدم و البناء علىٰ الطهارة مع النقاء. أمّا في ذات العادة: فواضح، و في غيرها أيضاً كذلك علىٰ الأظهر، كما ستعرف، و اللّٰه العالم.

و استدلّ أيضاً صاحب الحدائق تبعاً لغيره لعدم اعتبار التوالي في الثلاثة: بإطلاق الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم عن محمّد بن مسلم عن الباقر ((عليه السلام))، قال: «إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأُولىٰ، و إن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة» (1).

و موثّقة محمد بن مسلم عن الصادق ((عليه السلام))، قال: «أقلّ ما يكون الحيض ثلاثة أيّام، و إن رأت الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأُولىٰ، و إن رأته بعد عشرة أيّام فهو من حيضة أُخرى مستقبلة» (2).

قال في تقريب الاستدلال: إنّهما ظاهرتان في أنّه إذا رأت المرأة الدم بعد ما رأته أوّلًا سواء كان الأوّل يوماً أو أزيد، فإن كان بعد توسّط عشرة أيّام خالية من الدم، كان الدم الثاني حيضةً مستقبلة، و إن كان قبل ذلك، كان من الحيضة الأُولىٰ (3).

____________

(1) الكافي 3: 77/ 1، الوسائل، الباب 11 من أبواب الحيض، الحديث 3.

(2) التهذيب 1: 156/ 448، الإستبصار 1: 130 131/ 449، الوسائل، الباب 10 من أبواب الحيض، الحديث 11.

(3) الحدائق الناضرة 3: 161 162.

47

و فيه: ما لا يخفىٰ؛ فإنّ التمسّك بإطلاق كون الدم الثاني من الحيضة الأُولىٰ فرع إحراز كون الأوّل حيضاً، و هذا ممّا لا كلام فيه، و إنّما النزاع في أنّه هل يشترط في كون الأوّل حيضاً أن يستمرّ ثلاثة أيّام أم لا؟ فكيف يتمسّك بهذا الإطلاق لنفي ما يشكّ في اعتباره في حيضيّة الأوّل!؟

هذا، مع إمكان دعوى ظهور الموثّقة في حدّ ذاتها فيما عليه المشهور؛ لما عرفت فيما سبق من ظهور قوله ((عليه السلام)): «أقلّ ما يكون الحيض ثلاثة أيّام» (1) في إرادة الاستمرار و التوالي، فالمقصود من الرواية- علىٰ ما هو الظاهر منها أنّ أقلّ ما يكون الحيض أن يستمرّ الدم ثلاثة أيّام، فإن انقطع بعدها ثمّ عاد قبل انقضاء العشرة فهو من الحيضة الأُولىٰ، و إن رأته بعد العشرة، فهو من حيضة مستقبلة.

ثمّ لا يخفىٰ عليك أنّ الشرطيّتين في هاتين الروايتين ليستا مسوقتين لبيان أنّ كلّ دم رأته قبل العشرة فهو دم الحيض و يُعدّ من الحيضة الأُولىٰ، و كلّ دم رأته بعد العشرة فهو من حيضة مستقبلة، بل هما مسوقتان لبيان أنّها لو رأت دم الحيض قبل انقضاء العشرة، فهو من الحيض الأوّل، و لو رأت دم الحيض بعدها، فهو من حيضة مستقبلة، و ليس إطلاقهما وارداً لبيان جميع ما يعتبر في ماهيّة الحيض حتى يتمسّك به لنفي ما يشكّ في اعتباره في ماهيّة الحيض من اعتبار التوالي و نحوه، و لا سيّما الشرطيّة الثانية في الموثّقة، فإنّها بحسب الظاهر تعبير عمّا يفهم‌

____________

(1) التهذيب 1: 156/ 448، الإستبصار 1: 130 131/ 449، الوسائل، الباب 10 من أبواب الحيض، الحديث 11.

48

من الشرطيّة الأُولى، و المقصود الأصلي منها ليس إلّا بيان عدم كون الدم المرئي بعد العشرة من الحيضة الأُولىٰ، و الحكم بكونه حيضاً مستقلا جارٍ مجرى الغالب.

و بهذا ظهر لك جواب آخر عن الاستدلال بالروايتين لنفي اشتراط التوالي.

و ملخّصه: أنّ إطلاقهما مسوق لبيان حكمٍ آخر لا لبيان شرائط الحيض.

و كذا ظهر لك ضعف استدلال صاحب الحدائق بهما لإثبات كون النقاء المتخلّل بين الحيضة الواحدة طهراً و أنّه يعتبر في الحيضة الواحدة أن لا يتخلّل بين أبعاضها عشرة أيّام خالية من الدم؛ نظراً إلىٰ ظهور الروايتين في اتّحاد المراد من العشرة التي وقع التفصيل فيها بين رؤية الدم قبلها فيكون من الحيضة الأُولىٰ، أو بعدها فيكون من حيضة مستقبلة، و لا شبهة أنّ العشرة التي يحكم بكون الدم المرئي بعدها حيضةً مستقبلة مبدؤها من حين انقطاع الدم لا من حين رؤيته، و مقتضى التفصيل الواقع في الروايتين: كون الدم المرئي قبل هذه العشرة التي مبدؤها من حين انقطاع الدم من الحيضة الأُولىٰ، فوجب أن تكون أيّام النقاء طهراً، و إلّا للزم أن تكون حيضة واحدة أكثر من عشرة أيّام فيما لو رأت يوماً أو يومين أو ثلاثة ثمّ رأت في اليوم العاشر من حين الانقطاع، و هو خلاف النصّ و الإجماع.

و فيه: أنّ المراد من العشرة التي حكم بكون الدم المرئي قبلها من الحيضة الاولىٰ هي العشرة التي مبدؤها من حين رؤية الدم، كما هو‌

49

الظاهر المتبادر منهما، المعتضد بغيرهما من النصّ و الإجماع.

و أمّا الحكم بكون الدم المرئي بعدها من الحيضة المستقبلة فقد عرفت أنّه مبنيّ علىٰ الإهمال، و لم يقصد منه إلّا كونه من الحيضة المستقبلة بشرط اجتماعه لشرائط الحيضيّة، التي منها حصول الفصل بينه و بين الحيض الأوّل بأقلّ الطهر، كاشتراطه بعدم كونه أقلّ من ثلاثة أيّام.

هذا، مع أنّه في بعض النسخ التي عثرنا عليها منها: نسخة الحدائق، الموجودة عندي رويت الموثّقة بتنكير العشرة الثانية هكذا: «أقلّ ما يكون الحيض ثلاثة أيّام، و إن رأت الدم قبل العشر فهو من الحيضة الأُولىٰ، و إن رأته بعد عشرة أيّام فهو من حيضة أُخرى» و ظاهرها عدم اتّحاد العشرتين.

و كيف كان فلو سلّم ظهورها في الإطلاق، فلا بدّ إمّا من تقييده بقوله ((عليه السلام)): «أدنىٰ الطهر عشرة» (1) أو من حمل العشرة في خصوص الشقّ الثاني من الترديد علىٰ إرادة ما كان ابتداؤها من حين انقطاع الدم.

و أمّا الشقّ الأوّل فليس المراد من العشرة فيه إلّا ما كان مبدؤها من يوم رأت الدم، و إلّا للزم إمّا كون حيضة واحدة أكثر من عشرة أيّام إن قلنا بأنّ النقاء المتخلّل في الأثناء حيض، أو كون الطهر أقلّ من عشرة لو قلنا بأنّه طهر، و كلاهما مخالف للنصّ و الإجماع.

و ما ادّعاه صاحب الحدائق من أنّ المراد من الطهر الذي دلّت النصوص و الفتاوىٰ علىٰ أنّه لا يكون أقلّ من عشرة أيّام هو النقاء الواقع‌

____________

(1) الكافي 3: 76/ 5، التهذيب 1: 158/ 452، الوسائل، الباب 10 من أبواب الحيض، الحديث 4.

50

بين حيضتين مستقلّتين ممّا لا ينبغي الالتفات إليه؛ إذ لا نتعقّل من الطهر إلّا الحالة التي حكم عندها بعدم كون المرأة حائضاً، و قد نصّ الإمام ((عليه السلام)) في غير واحد من الأخبار بأنّه لا يكون الطهر أقلّ من عشرة أيّام.

منها: رواية يونس، المتقدّمة (1)؛ فإنّه ((عليه السلام)) قال فيها: «أدنىٰ الطهر عشرة أيّام إلىٰ أن قال و لا يكون الطهر أقلّ من عشرة أيّام».

و منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر ((عليه السلام)) قال: «لا يكون القرء أقلّ من عشرة أيّام فما زاد، و أقلّ ما يكون عشرة من حين تطهر إلىٰ أن ترى الدم» (2).

و حَمْلُ مثل هذه الأخبار علىٰ إرادة الطهر الواقع بين حيضتين مستقلّتين لا مطلق الطهر مجازفة.

نعم، يمكن المناقشة في دلالة الصحيحة: بإمكان الالتزام بكون القرء أخصّ من الطهر. و كيف كان ففيما عداها غنى و كفاية.

هذا، مع أنّ جَعْل الدماء المتعدّدة المتخلّلة بأيّام النقاء، المحكوم بكونها طهراً مجموعها حيضة واحدة تحكّمٌ، فلو ثبت ذلك شرعاً، نلتزم به بلحاظ بعض آثاره لمحض التعبّد، و إلّا فكلّ دم حينئذٍ حيض مستقلّ، و لذا ربما يستظهر من قوله ((عليه السلام)): «فإن رأت الدم قبل عشرة أيّام فهو من الحيضة الأُولىٰ» (3) أنّ النقاء المتخلّل حيض حيث إنّه يدلّ علىٰ بقاء‌

____________

(1) في ص 37.

(2) الكافي 3: 76/ 4، التهذيب 1: 157/ 451، الإستبصار 1: 131/ 452، الوسائل، الباب 11 من أبواب الحيض، الحديث 1.

(3) التهذيب 1: 156/ 448، الإستبصار 1: 130 131/ 449، الوسائل، الباب 10 من أبواب الحيض، الحديث 11.

51

الحيضة الاولىٰ إلىٰ زمان خروج الدم الثاني، و أنّ النقاء المتخلّل ليس موجباً لانقطاع كلٍّ من الدمين عن الآخر حتى يعدّ كلٌّ منهما حيضة مستقلّة، بل لا ينبغي التأمّل في دلالة مرسلة يونس علىٰ أنّ دم الحيض دم خاصّ يستقرّ في الرحم، فإن كانت المرأة كثيرة الدم، يخرج ذلك الدم مستمرّاً إلىٰ عشرة أيّام، و إن كانت قليلة الدم، يخرج في مدّة ثلاثة أيّام مستمرّة أو منقطعة في خلال العشرة، و بعد أن صرّح الشارع بأنّ الطهر لا يكون أقلّ من عشرة يعلم أنّ المرأة من أوّل خروج هذا الدم إلىٰ آخره لا تكون طاهرةً، بل هي حائض، و لا يعتبر في اتّصافها بالحائضيّة السيلان الفعليّ، و بعد اعتضاد هذه الاستفادة بفتوىٰ الأصحاب و إجماعهم لا ينبغي الارتياب في الحكم، و اللّٰه العالم.

و استدلّ صاحب الحدائق أيضاً بما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه، قال: سألت الصادق ((عليه السلام)) عن المرأة إن طلّقها زوجها متى تملك نفسها؟ فقال: «إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فهي تملك نفسها» قلت: فإن عجّل الدم عليها قبل أيّام قرئها؟ فقال: «إذا كان الدم قبل العشرة أيّام فهو أملك بها، و هو من الحيضة التي طهرت منها، و إن كان الدم بعد العشرة فهو من الحيضة الثالثة فهي أملك بنفسها» (1).

قال في تقريب الاستدلال: و التدبّر فيها كما مرّ في صحيحة محمد ابن مسلم (2).

____________

(1) التهذيب 8: 124/ 430، الوسائل، الباب 17 من أبواب العدد.

(2) الحدائق الناضرة 3: 163.

52

أقول: و قد اتّضح الجواب عنها فيما مرّ.

و ملخّصه: أنّ إطلاق مثل هذه الأخبار وارد لبيان حكمٍ آخر، و علىٰ تقدير ظهورها في الإطلاق لا بدّ من التصرّف فيها بما لا ينافي غيرها من الأدلّة.

و قد استشهد لإثبات إمكان كون الطهر أقلّ من عشرة أيّام، و أنّ ما لا يكون أقلّ هو الطهر الواقع بين حيضتين مستقلّتين: بموثّقة يونس بن يعقوب، قال: قلت للصادق ((عليه السلام)): المرأة ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة، قال: «تدع الصلاة» قلت: فإنّها ترى الطهر ثلاثة أيّام أو أربعة، قال: «تصلّي» قلت: فإنّها ترى الدم ثلاثة أيّام أو أربعة، قال: «تدع الصلاة تصنع ما بينها و بين شهر، فإن انقطع عنها الدم، و إلّا فهي بمنزلة المستحاضة» (1).

و رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّٰه ((عليه السلام)) عن المرأة ترى الدم خمسة أيّام و الطهر خمسة و ترى الدم أربعة أيّام و الطهر ستّة أيّام، فقال: «إن رأت الدم لم تصلّ، و إن رأت الطهر صلّت ما بينها و بين ثلاثين يوماً» (2) الحديث.

و لا يخفىٰ ما في هذا الاستشهاد؛ فإنّه لو تمّت شهادة الروايتين علىٰ مدّعاه لدلّنا علىٰ إمكان كونها حائضاً في شهر خمسة عشر يوماً من‌

____________

(1) الكافي 3: 79/ 2، التهذيب 1: 380/ 1179، الإستبصار 1: 131 132/ 453، الوسائل، الباب 6 من أبواب الحيض، الحديث 2.

(2) التهذيب 1: 380/ 1180، الإستبصار 1: 132/ 454، الوسائل، الباب 6 من أبواب الحيض، الحديث 3.

53

دون أن يتحقّق الفصل بأقلّ الطهر، فإن كان مجموعها حيضةً واحدة، للزم كونها أكثر من عشرة، و إلّا للزم كون الطهر الواقع بين حيضتين مستقلّتين أقلّ من عشرة.

فالوجه في الروايتين تنزيلهما علىٰ بيان تكليف من اختلط عليها حيضها في مقام العمل، بل هذا هو الظاهر من سياقهما، كما يشهد به الأمر بترتيب أحكام المستحاضة بعد انقضاء شهر، فمقتضىٰ ظاهر الروايتين أنّ تكليف هذه المرأة أن تترك الصلاة عند رؤية الدم، و تصلّي عند انقطاعه احتياطاً حتى ينكشف الواقع أو يمضي شهر فتعمل عند رؤية الدم بعده ما تعمله المستحاضة.

قال المصنّف في محكي المعتبر بعد نقل هذا التوجيه و ما يقرب منه عن الشيخ (رحمه اللّٰه): هذا تأويل لا بأس به. و لا يقال: الطهر لا يكون أقلّ من عشرة أيّام. لأنّا نقول: هذا حقّ و لكن هذا ليس بطهر علىٰ اليقين و لا حيضاً، بل هو دم مشتبه تعمل فيه بالاحتياط (1). انتهىٰ.

فتلخّص لك من جميع ما ذكرنا أنّه كما يمتنع أن تتحقّق حيضة واحدة في أقلّ من ثلاثة أيّام، كذلك يمتنع أن تتحقّق في أكثر من عشرة أيّام، و أنّ النقاء المتخلّل في أثناء حيضة واحدة حيض لا طهر، و إلّا للزم كون الطهر أقلّ من عشرة أيّام، و هو باطل نصّاً و إجماعاً.

و ظهر لك فيما تقدّم أنّ المتبادر من قوله ((عليه السلام)): «أقلّ الحيض ثلاثة أيّام» (2) إرادة استمرار الدم في تلك الثلاثة أيّام بأن ترى الدم من أوّل اليوم‌

____________

(1) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 194، و انظر: المعتبر 1: 207.

(2) الفقيه 1: 55/ 210، الوسائل، الباب 10 من أبواب الحيض، الحديث 6.

54

الأوّل و يستمرّ إلىٰ آخر اليوم الثالث، و لو رأت في أثناء اليوم، يعتبر استمراره إلىٰ هذا الوقت من اليوم الرابع حتى يستكمل به ثلاثة أيّام، نظير إقامة العشرة القاطعة لحكم السفر، فالليلتان المتوسّطتان و كذلك الليالي المتوسّطات في الفرض الأخير داخلة في المحدود.

و لكنّك عرفت حكومة رواية يونس علىٰ ذلك، و دلالتها علىٰ عدم اعتبار الاستمرار و التوالي، إلّا أنّ الذي تقتضيه رواية يونس عدم اعتبار الاستمرار و التوالي في الثلاثة، لا جواز كون الدم السائل مدّته أقلّ من ثلاثة أيّام، فالقول بكفاية رؤية الدم في ثلاثة أيّام في الجملة ضعيف في الغاية، و مخالف لظواهر جميع الأدلّة.

فالأقوىٰ اعتبار امتداده زمان سيلانه مقدار ثلاثة أيّام و لياليها المتوسّطة و لو علىٰ تقدير العمل برواية يونس.

و هل يكفي بناءً علىٰ العمل بها التلفيق من الساعات، كما [لو] ترى الدم ساعة و النقاء اخرىٰ و هكذا إلىٰ أن يتمّ به مقدار ثلاثة أيّام بلياليها المتوسّطة؟ فيه إشكال.

و أشكل منه تلفيق الأيّام من ساعات الليل، كما لو لم تر الدم في الأيّام العشرة و رأت في لياليها؛ لخروج مثل هذه الفروض عمّا هو المفروض في الرواية.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى استفادة حكمها من الرواية بدعوىٰ ظهورها في إمكان خروج دم الحيض شيئاً فشيئاً في خلال العشرة مطلقاً، و أنّ المناط كون الدم الخارج من الكثرة بمكان لا يكون مدّة خروجه في خلال العشرة أقلّ من مقدار ثلاثة أيّام من دون أن يكون لكونه في اليوم مدخليّة‌