مصباح الفقيه - ج5

- الشيخ آقا رضا الهمداني المزيد...
455 /
7

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة الركن الثاني في الطهارة المائية]

[تتمة مبحث الغسل]

[تتمة الأغسال الواجبة]

[الفصل الخامس في أحكام الأموات]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

(الفصل الخامس: في أحكام الأموات) و قد جرت سيرة الأصحاب على التعرّض للأحكام المتعلّقة بالمكلّفين بالنسبة إلى الأموات بل و جملة ممّا يناسب ذكره- كآداب الاحتضار- في هذا المبحث الذي وقع الكلام فيه أصالة للبحث عن غسلها استغناء بما فيها من المناسبة من أنه يبوّبوا لها بابا مستقلّا، فما صنعه المصنّف (قدّس سرّه) من جعل العنوان «أحكام الأموات» أولى من جعله خصوص غسل الميّت كما صنعه غيره، لكن كان عليه (قدّس سرّه) إقحام غسل المسّ و كذا الصلاة عليها في طيّ ما ذكره، إلّا أنّه أوكل بيان غسل المسّ إلى ما سيذكره في أحكام الميتة، و الصلاة عليها إلى كتاب الصلاة، لشدّة المناسبة، فعلينا حينئذ أن نقتفي أثره.

(و هي) أي الأحكام التي تعلّق الغرض بالبحث عنها في هذا الفصل: (خمسة).

و ينبغي قبل التكلّم فيها أن نذكر شطرا من الآداب المتعلّقة بالمريض- كما صنعه جملة من الأعلام- مع الإشارة إلى بعض ما ورد فيها من الأخبار على سبيل الاختصار.

8

فمنها: أنّه يستحبّ للمريض احتساب المرض و الصبر عليه، بل ينبغي أن يشكر اللّه على ما أنعم به عليه لمرضه من الثواب و تكفير الذنوب.

ففي جملة من الأخبار «إنّ اللّه تعالى يأمر الملك الموكّل بالمؤمن إذا مرض أن يكتب له ما كان يكتب في صحّته» (1).

و قد روي أنّ «حمّى ليلة تعدل عبادة سنة، و حمّى ليلتين تعدل عبادة سنتين، و حمّى ثلاث ليال تعدل عبادة سبعين سنة» (2).

و روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) في وصيّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام)، قال: «يا علي أنين المؤمن تسبيح، و صياحه تهليل، و نومه على الفراش عبادة، و تقلّبه من جنب إلى جنب جهاد في سبيل اللّه، فإن عوفي مشى في الناس و ما عليه من ذنب» (3).

و في بعض الروايات أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «عجبت للمؤمن و جزعه من السقم، و لو يعلم ما له في السقم من الثواب لأحبّ أن لا يزال سقيما حتى يلقى ربّه عزّ و جلّ» (4).

و يستحبّ له كتم المرض و ترك الشكوى منه.

فعن بشير الدهّان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال اللّه عزّ و جلّ: أيّما عبد ابتليته ببليّة فكتم ذلك عوّاده ثلاثا أبدلته لحما خيرا من لحمه و دما خيرا من دمه و‌

____________

(1) الكافي 3: 113/ 1- 3، و 114/ 7، ثواب الأعمال: 230 (باب ثواب المريض) الحديث 1 و 2، أمالي الطوسي: 384/ 832- 83، الوسائل، الباب 1 من أبواب الاحتضار، الأحاديث 1 و 2 و 7 و 8 و 17 و 18 و 24.

(2) الكافي 3: 114/ 9، الوسائل، الباب 1 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(3) الفقيه 4: 263/ 824، الوسائل، الباب 1 من أبواب الاحتضار، الحديث 11.

(4) أمالي الصدوق: 405/ 14، الوسائل، الباب 1 من أبواب الاحتضار، الحديث 19.

9

بشرا خيرا من بشره، فإن أبقيته أبقيته و لا ذنب له، و إن مات مات إلى رحمتي» (1).

و عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (2) (عليه السلام) ما هو بمضمونه.

و عن العزرمي عن أبيه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها و أدّى إلى اللّه شكرها كانت كعبادة ستّين سنة» قال أبي: فقلت له: ما قبولها؟ قال: «يصبر عليها و لا يخبر بما كان فيها، فإذا أصبح حمد اللّه على ما كان» (3).

و قد ورد الحثّ على ترك الشكوى إلى غير اللّه تعالى في كثير من الأخبار:

ففي حديث المناهي، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من مرض يوما و ليلة فلم يشك عوّاده بعثه اللّه يوم القيامة مع خليله إبراهيم خليل الرحمن حتى يجوز الصراط كالبرق اللامع» (4).

و ليعلم أنّه ليس مطلق إظهار المرض و الإخبار عمّا هو الواقع شكاية و إن كان الأفضل كتمانه رأسا، كما يدلّ عليه الأخبار المتقدّمة و غيرها، إلّا أنّ الشكاية عن المرض أمر آخر وراء ذلك، كما يدلّ عليه رواية جميل بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن حدّ الشكاة للمريض، فقال: «إنّ الرجل يقول:

حممت اليوم و سهرت البارحة، و قد صدق، و ليس هذا شكاة، و إنّما الشكوى أن يقول: لقد ابتليت بما لم يبتل به أحد، و يقول: لقد أصابني ما لم يصب أحدا،

____________

(1) الكافي 3: 115/ 3، الوسائل، الباب 3 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(2) الكافي 3: 116/ 6، الوسائل، الباب 3 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

(3) الكافي 3: 116/ 5، الوسائل، الباب 3 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(4) الفقيه 4: 9- 10، الوسائل، الباب 3 من أبواب الاحتضار، الحديث 8.

10

و ليس الشكوى أن يقول: سهرت البارحة و حممت اليوم و نحو هذا» (1).

و لا بأس بإظهار المرض عند إخوانه المؤمنين، بل يستحبّ إعلامهم بذلك رجاء أن يدعوا له أو يعودوه فيؤجروا.

فعن عبد اللّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «ينبغي للمريض منكم أن يؤذن إخوانه بمرضه فيعودونه فيؤجر فيهم و يؤجرون فيه» قال: فقيل له:

نعم، هم يؤجرون فيه لممشاهم إليه فكيف يؤجر هو فيهم؟ قال: فقال: «باكتسابه لهم الحسنات فيؤجر فيهم فيكتب له بذلك عشر حسنات، و يرفع له عشر درجات، و يمحى بها عنه عشر سيّئات» (2).

و في رواية حسن بن راشد قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «يا حسن إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف و لكن اذكرها لبعض إخوانك فإنّك لن تعدم خصلة من خصال أربع: إمّا كفاية و إمّا معونة بجاه أو دعوة تستجاب أو مشورة برأي» (3).

و لا منافاة بين استحباب الكتمان مطلقا و استحباب إعلام الإخوان رجاء لعيادتهم أو دعائهم أو نحوها، كما أنّه لا منافاة بين استحباب الصوم و رجحان تركه إذا تحقّق به إجابة المؤمن، كما تقدّم تحقيقه غير مرّة.

و يستحبّ للمريض أن يأذن لإخوانه المؤمنين في الدخول عليه.

ففي رواية الوشّاء عن الرضا (عليه السلام) قال: «إذا مرض أحدكم فليأذن للناس‌

____________

(1) الكافي 3: 116/ 1، الوسائل الباب 5 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(2) الكافي 3: 117 (باب المريض يؤذن به الناس) الحديث 1، الوسائل، الباب 8 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(3) الكافي 8: 170/ 192، الوسائل، الباب 6 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

11

يدخلون عليه فإنّه ليس من أحد إلّا و له دعوة مستجابة» ثمّ قال: «أ تدري من الناس؟» قلت: امّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، قال: «الناس هم شيعتنا» (1).

و يستحبّ عيادة المريض المسلم إلّا في وجع العين، كما يدلّ عليه الأخبار البالغة من الكثرة نهايتها.

ففي رواية فضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من عاد مريضا شيعه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يرجع إلى منزله» (2).

و أمّا وجع العين: فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في مرسلة عليّ بن أسباط «لا عيادة فيه» (3).

لكن في خبر السكوني عنه (عليه السلام) «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) اشتكى عينه فعاده النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)» (4).

و قد روي أنّه «إذا طالت العلّة ترك المريض و عياله» (5) فلا يستحسن العيادة في هذه الصورة.

و يستحبّ لمن عاد المريض تخفيف الجلوس، إلّا أن يحبّ المريض إطالته.

ففي رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ أمير‌

____________

(1) طبّ الأئمّة: 16، الوسائل، الباب 9 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(2) الكافي 3: 120/ 2، الوسائل، الباب 10 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(3) الكافي 3: 117 (باب في كم يعاد المريض ..) الحديث 1، الوسائل، الباب 13 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(4) الكافي 3: 253/ 10، الوسائل، الباب 13 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(5) الكافي 3: 117 (باب في كم يعاد المريض ..) الحديث 1، الوسائل، الباب 13 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

12

المؤمنين (عليه السلام) قال: إنّ من أعظم العوّاد أجرا عند اللّه لمن إذا عاد أخاه خفّف الجلوس إلّا أن يكون المريض يحبّ ذلك و يريده و يسأله ذلك، و قال: من تمام العيادة أن يضع العائد إحدى يديه على الأخرى أو على جبهته» (1).

و تستحبّ الصدقة للمريض و الصدقة عنه، فقد روي «أنّ الصدقة تدفع البلاء المبرم، فداووا مرضاكم بالصدقة» (2).

و روي أيضا «أنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن صاحبها» (3).

و تستحبّ الوصيّة، كما يدلّ عليه خبر محمد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «الوصيّة حقّ و قد أوصى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فينبغي للمؤمن أن يوصي» (4).

و رواية أبي الصباح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن الوصيّة، فقال:

«هي حقّ على كلّ مسلم» (5).

و قيل- كما في القواعد (6) و غيره (7)- بوجوبها على كلّ من عليه حقّ اللّه تعالى أو للناس معلّلا في كشف اللثام: بوجوب استبراء الذمّة كيف أمكن (8).

و فيه: أنّ الذمّة إنّما اشتغلت بنفس الحقّ لمن له الحقّ، فالواجب ليس إلّا‌

____________

(1) الكافي 3: 118/ 6، الوسائل، الباب 15 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(2) طبّ الأئمّة: 123، الوسائل، الباب 22 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(3) طبّ الأئمّة: 123، الوسائل، الباب 22 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

(4) الفقيه 4: 134/ 463، الوسائل، الباب 29 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(5) الفقيه 4: 134/ 462، الوسائل، الباب 29 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

(6) قواعد الأحكام 1: 17.

(7) جامع المقاصد 1: 351.

(8) كشف اللثام 2: 194.

13

الخروج من عهدة الحقّ بتفريغ الذمّة عند القدرة و تنجّز التكليف بالأداء.

نعم، لو علم من عليه الحقّ بأنّه يموت قبل الخروج من عهدته و أنّه إن ترك الوصيّة يضيع الحقّ و لا يخرج وارثه من عهدته، لاتّجه القول بوجوبها حينئذ.

و كيف كان فعن بعض القول بوجوبها مطلقا على كلّ مسلم (1)، لعموم قوله (عليه السلام): «الوصيّة حقّ على كلّ مسلم» (2).

و فيه: أنّه لا يفهم من ذلك أزيد من الاستحباب، بل ظاهر أخبارها ليس إلّا الاستحباب خصوصا رواية محمد بن مسلم، المتقدّمة (3).

و ينبغي له أن يوصي بشي‌ء من ماله في أبواب الخير.

ففي رواية أبي حمزة عن بعض الأئمّة (عليهم السلام)، قال: «إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول: ابن آدم تطوّلت عليك بثلاثة: سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، و أوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدّم خيرا، و جعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيرا» (4).

و رواية السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال علي (عليه السلام):

من أوصى فلم يحف و لم يضارّ كان كمن تصدّق به في حياته» (5).

و ينبغي للمريض أن يكون عند موته حسن الظنّ بربّه، فإنّه تعالى أرحم الراحمين، و هو تعالى عند ظنّ عبده به.

____________

(1) انظر: كشف اللثام 2: 194.

(2) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في ص 12، الهامش (5).

(3) في ص 12.

(4) الفقيه 4: 133/ 461، الوسائل، الباب 30 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(5) الفقيه 4: 134/ 465، الوسائل، الباب 30 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

14

و في العيون عن الصادق (عليه السلام) أنّه سأل عن بعض أهل مجلسه، فقيل:

عليل، فقصده فجلس عند رأسه فوجده دنفا، فقال: «أحسن ظنّك باللّه» (1).

و عن أمالي أبي علي ابن الشيخ مسندا عن أنس، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«لا يموتنّ أحدكم حتى يحسن ظنّه باللّه عزّ و جلّ، فإنّ حسن الظنّ باللّه ثمن الجنّة» (2) أعاننا اللّه على الاستعداد للموت قبل حلول الفوت، فإنّه من أعظم الآداب في هذا الباب، و اللّه هو الموفّق و المعين.

[الأوّل في الاحتضار]

(الأوّل) من الأحكام الخمسة: (في الاحتضار) أعاننا اللّه عليه و جميع المؤمنين بمحمد و آله الطاهرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

[في ما يجب في الاحتضار]

(و يجب فيه توجيه) المحتضر في آخر أزمنة حياته- أي عند زهاق الروح و حدوث الموت- إلى القبلة بأن يكون (الميّت) حين حدوث موته متوجّها (إلى القبلة) كما هو المشهور بين الأصحاب على ما في المدارك (3)، و عن الذكرى و الروضة أيضا دعوى الشهرة عليه (4)، و عن غير واحد نسبته إلى الأشهر.

و كيفيّته (بأن يلقى على ظهره و يجعل وجهه و باطن رجليه إلى القبلة) بحيث لو جلس لجلس مستقبلا بلا خلاف فيه ظاهرا، كما يدلّ عليه الأخبار الآتية الواردة في كيفيّة الاستقبال، مضافا إلى استقرار السيرة عليه.

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 3/ 7، الوسائل، الباب 31 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(2) أمالي الطوسي: 379- 380/ 814، الوسائل، الباب 31 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(3) مدارك الأحكام 2: 52.

(4) الحاكي عنهما هو صاحب الجواهر فيها 4: 9، و انظر: الذكرى 1: 295، و الروضة البهيّة 1: 399.

15

(و هو) على ما هو المشهور من القول بوجوبه كسائر أحكام الميّت من الواجبات التي ستعرفها إن شاء اللّه (فرض كفاية) كما سيأتي تحقيقه فيما سيأتي.

(و قيل) كما عن المصنّف في المعتبر (1) وفاقا لكثير من القدماء و المتأخّرين: (هو مستحبّ).

و استدلّ للأوّل: بما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا، و في العلل مسندا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على رجل من ولد عبد المطّلب و هو السّوق (2) قد وجّه لغير القبلة، فقال: وجّهوه إلى القبلة فإنّكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة و أقبل اللّه عزّ و جلّ عليه بوجهه فلم يزل كذلك حتى يقبض» (3).

و نوقش فيها: بضعف السند و قصور الدلالة.

و فيه: أمّا ضعف السند فليس من دأبنا الاعتناء به في مثل هذه الرواية المشهورة المقبولة المعتضدة بجملة من المعاضدات.

و أمّا قصور الدلالة فقد ذكر في محكيّ المعتبر (4) في وجهه وجهان:

الأوّل بأنّه قضيّة في واقعة معيّنة، فلا تدلّ على العموم.

و فيه ما لا يخفى، و إلّا لا نسدّ باب الاستدلال في معظم الأحكام بالأخبار.

و الثاني بأنّ التعليل في الرواية كالقرينة الدالّة على الفضيلة.

____________

(1) الحاكي عنه هو العاملي في مدارك الأحكام 2: 53، و انظر: المعتبر 1: 258- 259.

(2) أي: النزع. النهاية- لابن الأثير- 2: 424.

(3) الفقيه 1: 79/ 352، علل الشرائع: 297 (الباب 234) الوسائل، الباب 35 من أبواب الاحتضار، الحديث 6.

(4) الحاكي عنه هو البحراني في الحدائق الناضرة 3: 355، و انظر: المعتبر 1: 258.

16

و قد قرّره شيخنا المرتضى (رحمه اللّه) على هذه المناقشة، و ادّعى ظهور الرواية- بقرينة التعليل- في الاستحباب، ثمّ قال تعريضا على من أنكره بل نفى إشعارها بذلك: و منع إشعارها بالاستحباب خلاف الإنصاف ممّن له ذوق سليم (1). انتهى.

و فيه نظر، فإنّ هذا النحو من التعليلات المشتملة على ذكر فائدة العمل إنّما تصلح قرينة للاستحباب فيما إذا كانت الفائدة المذكورة عائدة إلى نفس المكلّف، و أمّا إذا كانت عائدة إلى غيره- كما فيما نحن فيه- فيشكل ذلك.

و سرّه أنّ تعليل الطلب بفائدة عائدة إلى المكلّف يوهن ظهوره في كونه مولويّا، بل يجعله ظاهرا في كونه إرشاديّا محضا، و لذا ربما يتأمّل في دلالته على الاستحباب أيضا إذا كانت الفائدة المعلّل بها دنيويّة محضة، كما لو قال: «ادخل الحمّام غبّا، فإنّه يكثر اللحم» و أمّا في مثل المقام فإنّما يفهم الاستحباب من معلوميّة كون المرشد إليه راجحا و محبوبا عند اللّه، كما لو بيّنه بجملة خبريّة، نظير ما لو قال: «أذّن و أقم قبل صلاتك، فإنّ من أذّن و أقام صلّى خلفه صفّان من الملائكة» فإنّه لا يفهم منه إلّا ما يفهم من قوله: «من صلّى بأذان و إقامة يصلّي خلفه صفّان من الملائكة» فكما يفهم الاستحباب من الثاني مع عدم اشتماله على الطلب، كذلك يفهم من الأوّل، فيكون الأمر بالفعل نظير أمر الطبيب للإرشاد إلى ما هو الأصلح بحال المكلّف.

و أمّا إذا كانت الفائدة عائدة إلى غيره، فلا يوهن ظهوره في كونه مولويّا، بل يؤكّده، كما لا يخفى وجهه.

و حينئذ يشكل ترخيص العقل جواز المخالفة ما لم يستظهر من الدليل‌

____________

(1) كتاب الطهارة: 278.

17

رضا المولى بترك المأمور به.

و دعوى استفادته من هذا الخطاب ممنوعة جدّا.

نعم، لا نتحاشي عن استشمام رائحة الاستحباب بل استشعاره من هذا السنخ من الأخبار المعلّلة بنزول الملائكة أو الرحمة أو وفور الأجر و نحوها، لكن لا يكفي ذلك في ترخيص العقل ترك امتثال الأمر الصادر من المولى لا على جهة الإرشاد خصوصا في مثل المقام الذي يكون بيان الفائدة لطفا في امتثال المأمور به، فإنّ أحدا لا يقدم على تفويت هذه الفائدة العظمى على الميّت بهذا العمل اليسير في هذا المضيق خصوصا أهله و أقاربه.

فالإنصاف أنّ القول بالوجوب بالنظر إلى ظاهر هذه الرواية مع أنّه أحوط لا يخلو عن قوّة.

و استدلّ له أيضا بمصحّحة سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إذا مات لأحدكم ميّت فسجّوه (1) تجاه القبلة، و كذلك إذا غسّل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبلا بباطن قدميه و وجهه إلى القبلة» (2).

و فيه: أنّ ظاهره الأمر بالتسجية تجاه القبلة بعد الموت، فتكون مستحبّة، إذ لا قائل بوجوبها، كما يؤيّده عطف قوله (عليه السلام): «و كذلك إذا غسّل» إلى آخره.

و دعوى: أنّ المراد من قوله: «إذا مات» إذا أشرف على الموت، غير مسموعة، إذ ليس ارتكاب هذا التجوّز أولى من حمل الأمر على الاستحباب‌

____________

(1) سجّي الميّت: غطّاه. و التسجية أن يسجّى الميّت بثوب، أي يغطّى به. لسان العرب 14: 371 «سجا».

(2) الكافي 3: 127/ 3، التهذيب 1: 286/ 835، الوسائل، الباب 35 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

18

خصوصا مع أنّ المأمور به هو التسجية تجاه القبلة و لا قائل بوجوبه على الظاهر.

و توهّم عدم منافاة استحباب التسجية وجوب الاستقبال، مدفوع: بأنّه بعد أن علم أنّ الأمر بالتسجية للاستحباب لم يبق لقوله (عليه السلام): «تجاه القبلة» ظهور في الوجوب مع كونه من متعلّقات ذلك المأمور به المحمول على الاستحباب.

و استدلّ له أيضا: بموثّقة معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الميّت، فقال: «استقبل بباطن قدميه القبلة» (1).

و فيه: أنّ الاستدلال بها- بعد الإغماض عن مثل المناقشة المتقدّمة في الرواية السابقة- إنّما يتمّ لو كان السؤال عن حكم الميّت، و هو غير معلوم، لجواز أن يكون السؤال عن كيفيّة الاستقبال، و على هذا التقدير لا ينعقد للجواب ظهور في الوجوب، كما لا يخفى وجهه.

و بهذا ظهر لك إمكان الخدشة في الروايات الواردة في كيفيّة الاستقبال.

مثل: رواية إبراهيم الشعيري و غير (2) واحد عن الصادق (عليه السلام) قال في توجيه الميّت: «يستقبل بوجهه القبلة، و يجعل قدميه ممّا يلي القبلة» (3).

و رواية ذريح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث، قال: «و إذا وجّهت الميّت للقبلة فاستقبل بوجهه القبلة لا تجعله معترضا كما يجعل الناس، فإنّي رأيت أصحابنا يفعلون ذلك، و قد كان أبو بصير يأمر بالاعتراض، أخبرني بذلك عليّ بن‌

____________

(1) الكافي 3: 127/ 2، التهذيب 1: 285/ 834، الوسائل، الباب 35 من أبواب الاحتضار، الحديث 4.

(2) في التهذيب: عن غير.

(3) الكافي 3: 126/ 1، التهذيب 1: 285/ 833، الوسائل، الباب 35 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

19

أبي حمزة» (1) الحديث، فإنّ ورودها في مقام بيان كيفيّة الاستقبال يمنع ظهورها في إرادة الوجوب التعبّدي، كسائر الأوامر المتعلّقة بالأجزاء و شرائط العبادات.

نعم، لا يتطرّق في هذه الروايات الخدشة المتقدّمة في رواية سليمان بن خالد من ظهورها في إرادة ما بعد الموت، فإنّ المتبادر من هذه الروايات إرادة الاستقبال المعهود المتعارف حين الاحتضار، و اللّه العالم.

ثمّ إنّ مفاد المرسلة المتقدّمة إنّما هو وجوب استقبال المحتضر إلى أن يقبض، فإذا قبض سقط وجوبه، فلا يجب استمراره مستقبلا و لا استقباله ابتداء إن لم يكن، للأصل، لكنّ الاحتياط بذلك ما لم ينقل من محلّه ممّا لا ينبغي تركه، بل لا يخلو القول بوجوبه- بعد كون إبقائه مستقبلا هو المعهود لدى المتشرّعة، المنصرف إليه الأخبار الواردة في كيفيّة الاستقبال- عن وجه، كما يؤيّده موثّقة عمّار في وجه و إن كان الأوجه خلافه، لكن لا ينبغي الارتياب في رجحانه، كما يدلّ عليه رواية سليمان بن خالد، المتقدّمة (2)، فإنّ المأمور به فيها و إن كان هو التسجية تجاه القبلة لكنّه من قبيل تعدّد المطلوب، لعدم تقيّد رجحان كلّ من التسجية و الاستقبال بالآخر.

و يؤيّده ما رواه في الجواهر عن المفيد في إرشاده في وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال لعليّ (عليه السلام) عند استحضاره: «فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك فامسح بها وجهك ثمّ وجّهني إلى القبلة و تولّ أمري- إلى أن قال- ثمّ قبض- (صلوات اللّه عليه)- و يد أمير المؤمنين (عليه السلام) اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى‌

____________

(1) التهذيب 1: 465/ 1521، الوسائل، الباب 35 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(2) في ص 17.

20

وجهه فمسحه بها ثمّ وجّهه و غمّضه و مدّ عليه إزاره» (1) الحديث.

لكن هذه الرواية مقتضاها عدم وجوب الاستقبال عند حدوث الموت، بل عدم استحبابه، فتعارض المرسلة المتقدّمة، لكنّها لا تصلح للحجّيّة فضلا عن المكافئة عند المعارضة و إن كان لا بأس بإيرادها للتأييد أو لإثبات الحكم المستحبّي، كما هو ظاهر.

و لعلّ المراد من أمره- صلوات اللّه و سلامه عليه و آله- بتوجيهه إلى القبلة أن يراقبه و يحسن مواجهتها بحيث لو انحرف بعض أعضائه حال الموت عن القبلة بحيث لا ينافي الاستقبال الواجب، لصرفه إليها بعده، و اللّه العالم.

ثمّ إنّه لا فرق على الظاهر في وجوب الاستقبال بين الصغير و الكبير و الذكور و الإناث، لقاعدة الاشتراك، المعتضدة بإطلاق فتاوى الأصحاب.

نعم، لا يبعد القول بعدم وجوبه بالنسبة إلى المخالف، كما تقتضيه العلّة المنصوصة في المرسلة، و اللّه العالم.

و لو تمكّن المحتضر بنفسه من التوجه، هل يجب عليه ذلك؟ وجهان: من كونه أحد المكلّفين الذين يجب عليهم إيجاد هذا الواجب الكفائي في الخارج، بل كونه أولى من غيره. و من انصراف الأدلّة عنه، و اللّه العالم.

[فيما يستحبّ في الاحتضار]

(و يستحبّ) للوليّ و غيره ممّن حضره عند الموت (تلقينه) أي تفهيمه (الشهادتين و الإقرار بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام)) الاثني عشر. و الأولى بل الأفضل تسميتهم بأسمائهم واحدا بعد واحد و إن كان الأظهر أنّ في تلقينه إمامتهم و ولايتهم إجمالا غنى و كفاية، بل بتلقين الإمامة يستغنى عن الأوّلين و إن لم يتأدّ‌

____________

(1) جواهر الكلام 4: 10- 11، و انظر: الإرشاد- للمفيد- 1: 186- 187.

21

به وظيفة الاستحباب حيث إنّ الشهادة بإمامتهم و كونهم خلفاء الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) شهادة إجماليّة بأنّ محمّدا رسول اللّه، كما أنّ هذه أيضا شهادة إجماليّة بأنّه لا إله إلّا اللّه، فإنّ التوحيد من أظهر أنبائه و أعظمها، فيحصل بالاعتراف بإمامة الأئمّة ما هو الغرض الأصلي المقصود بالتلقين من عدم خروجه من الدنيا بلا إيمان.

و بما أشرنا إليه يتوجّه قول الباقر و الصادق (عليهما السلام) في خبري ابني مسلم و البختري: «إنّكم تلقّنون أمواتكم عند الموت: لا إله إلّا اللّه، و نحن نلقّن موتانا:

محمّد رسول اللّه» (1).

و قد قيل في توجيهه مالا يخفى فيه.

و الأوجه ما أشرنا إليه من أنّ الشهادة بأنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شهادة إجماليّة بأنّه لا إله إلّا اللّه، فيجوز الاجتزاء بها عنها، و هذا بخلاف ما يلقّنه الناس، فإنّه لا يجديهم ما لم يضمّ إليه الشهادة بالرسالة.

و كيف كان فيدلّ على استحباب تلقين الشهادتين جملة من الأخبار:

منها: رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا حضرت الميّت قبل أن يموت فلقّنه شهادة أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله» (2).

و رواية أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما من أحد يحضره الموت إلّا وكّل به إبليس من شياطينه من يأمره بالكفر و يشكّكه في دينه حتى يخرج‌

____________

(1) الكافي 3: 122/ 2، الوسائل، الباب 36 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(2) الكافي 3: 121/ 2، التهذيب 1: 286/ 836، الوسائل الباب 36 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

22

نفسه، فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه، فإذا حضرتم موتاكم فلقّنوهم شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى يموتوا» (1).

و فيه دلالة على استحباب التكرار إلى أن يموت.

و رواية إسحاق بن عمّار عن جعفر بن محمّد عن آبائه (عليهم السلام) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «لقّنوا موتاكم لا إله إلّا اللّه، فإنّ من كان آخر كلامه لا إله إلّا اللّه دخل الجنّة» (2).

و رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لقّنوا موتاكم لا إله إلّا اللّه فإنّها تهدم الذنوب» (3) الحديث.

و يدلّ على استحباب تلقينه الولاية أيضا جملة من الأخبار:

منها: ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «لو أدركت عكرمة عند موته لنفعته» فقيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام): بما ذا كان ينفعه؟ قال: «يلقّنه ما أنتم عليه» (4).

و رواية أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: كنّا عنده فقيل له: هذا عكرمة في الموت و كان يرى رأي الخوارج، فقال لنا أبو جعفر (عليه السلام): «انظروني حتى أرجع إليكم» فقلنا: نعم، فما لبث أن رجع، فقال: «أما إنّي لو أدركت عكرمة قبل أن تقع النفس موقعها، لعلّمته كلمات ينتفع بها و لكنّي أدركته و قد وقعت موقعها»‌

____________

(1) الكافي 3: 123/ 6، الوسائل، الباب 36 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

(2) ثواب الأعمال: 232 (باب ثواب تلقين الميّت) الحديث 1، أمالي الصدوق: 434/ 5، الوسائل، الباب 36 من أبواب الاحتضار، الحديث 9.

(3) ثواب الأعمال: 16/ 3، الوسائل، الباب 36 من أبواب الاحتضار، الحديث 10.

(4) الكافي 3: 122/ 3، التهذيب 1: 288/ 839، الوسائل، الباب 37 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

23

فقلت: جعلت فداك و ما ذاك الكلام؟ قال: «هو و اللّه ما أنتم عليه، فلقّنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلّا اللّه و الولاية» (1).

و رواية أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «و اللّه لو أنّ عابد وثن وصف ما تصفون عند خروج نفسه ما طمعت النار من جسده شيئا» (2).

و عن الكافي بعد ذكر رواية أبي خديجة قال: و في رواية أخرى «فلقّنه كلمات الفرج و الشهادتين، و تسمّي له الإقرار بالأئمّة واحدا بعد واحد حتى ينقطع عنه الكلام» (3).

(و) يستحبّ أيضا تلقينه (كلمات الفرج).

و يدل عليه- مضافا إلى المرسلة المتقدّمة (4)- أخبار مستفيضة.

منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا أدركت الرجل عند النزع فلقّنه كلمات الفرج: لا إله إلّا اللّه الحليم الكريم، لا إله إلّا اللّه العليّ العظيم، سبحان اللّه ربّ السماوات السبع و ربّ الأرضين السبع و ما فيهنّ و ما بينهنّ و ربّ العرش العظيم، و الحمد للّه ربّ العالمين» (5).

و رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دخل على رجل من بني هاشم و هو يقضي، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قل: لا إله إلّا اللّه العليّ العظيم،

____________

(1) الكافي 3: 123/ 5، التهذيب 1: 287- 288/ 838، الوسائل، الباب 37 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(2) الكافي 3: 124/ 8، الوسائل، الباب 37 من أبواب الاحتضار، الحديث 4.

(3) الكافي 3: 123- 124/ 6، الوسائل، الباب 37 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

(4) آنفا.

(5) الكافي 3: 122/ 3، التهذيب 1: 288/ 839، الوسائل، الباب 38 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

24

لا إله إلّا اللّه الحليم الكريم، سبحان اللّه ربّ السماوات السبع و ربّ الأرضين السبع (1) و ربّ العرش العظيم، و الحمد للّه ربّ العالمين، فقالها، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الحمد للّه الذي استنقذه من النار» (2).

و في كشف اللثام بعد نقل الرواية قال: و زيد في الفقيه: «و ما تحتهنّ» قبل «ربّ العرش العظيم» و «سلام على المرسلين» بعده (3).

و في الحدائق رواها عن الفقيه مرسلا إلى الصادق (عليه السلام) بزيادة: «و سلام على المرسلين» ثمّ قال: قال الصدوق: و هذه هي كلمات الفرج (4).

و رواية عبد اللّه بن ميمون القدّاح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا حضر أحدا من أهل بيته الموت قال له: قل: لا إله إلّا اللّه الحليم الكريم، لا إله إلّا اللّه العليّ العظيم، سبحان اللّه ربّ السماوات السبع و ربّ الأرضين السبع و ما بينهما و ربّ العرش العظيم، و الحمد للّه ربّ العالمين، فإذا قالها المريض قال: اذهب فليس عليك بأس» (5).

و مرسلة الصدوق قال: قال الصادق (عليه السلام): «ما يخرج مؤمن من الدنيا إلّا برضا منه، و ذلك أنّ اللّه يكشف له الغطاء حتى ينظر إلى مكانه من الجنّة و ما أعدّ اللّه له فيها و تنصب له الدنيا كأحسن ما كانت، ثمّ يخيّر، فيختار ما عند اللّه و يقول:

____________

(1) في الكافي زيادة: «و ما بينهنّ». و في الوسائل: «و ما بينهنّ و ما تحتهنّ» و في هامش الطبعة الحجريّة: «و ما فيهنّ و ما بينهنّ. نسخة».

(2) الكافي 3: 124/ 9، الوسائل، الباب 38 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(3) كشف اللثام 2: 195، و انظر: الفقيه 1: 77/ 346.

(4) الحدائق الناضرة 3: 363، و انظر: الفقيه 1: 77- 78، ذيل الحديث 346.

(5) الكافي 3: 124/ 7، التهذيب 1: 288/ 840، الوسائل، الباب 38 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

25

ما أصنع بالدنيا و بلائها، فلقّنوا موتاكم كلمات الفرج» (1).

ثمّ إنّ ما في الروايات من اختلاف الترتيب و اشتمال بعضها على بعض الزيادات و اختلاف بعض ألفاظها على ما في بعض النسخ غير ضائر، فإنّ الأظهر جواز العمل بجميع الروايات، لعدم التنافي بينها، فإنّ من الجائز أن يكون نفس الكلمات بنفسها كلمات الفرج بحيث لا يضرّها تقديم بعض الفقرات على بعض، كما أنّ من الجائز أن لا يكون ما في بعضها من الزيادات أو اختلاف الألفاظ من المقوّمات، و اللّه العالم.

و يستحبّ أيضا تلقينه الدعاء بالمأثور.

ففي رواية أبي سلمة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «حضر رجلا الموت فقيل: يا رسول اللّه إنّ فلانا قد حضره الموت، فنهض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و معه ناس من أصحابه حتى أتاه و هو مغمى عليه، قال: فقال (صلّى اللّه عليه و آله): يا ملك الموت كفّ عن الرجل حتى أسأله، فأفاق الرجل، فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): ما رأيت؟ قال: رأيت بياضا كثيرا و سوادا كثيرا، قال: فأيّهما كان أقرب إليك؟ فقال: السواد، فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

قل: اللّهمّ اغفر لي الكثير من معاصيك و اقبل منّي اليسير من طاعتك، فقال، ثمّ أغمي عليه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): يا ملك الموت خفّف عنه حتى أسأله، فأفاق الرجل، فقال:

رأيت بياضا كثيرا و سوادا كثيرا، قال: فأيّهما أقرب إليك؟ فقال: البياض، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): غفر اللّه لصاحبكم» قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا حضرتم ميّتا فقولوا له هذا الكلام ليقوله» (2).

____________

(1) الفقيه 1: 80/ 358، الوسائل، الباب 38 من أبواب الاحتضار، الحديث 4.

(2) الكافي 3: 124- 125/ 10، الوسائل، الباب 39 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

26

و في المرسل عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «اعتقل لسان رجل من أهل المدينة فدخل عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال له: قل: لا إله إلّا اللّه، فلم يقدر عليه، فأعاد عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلم يقدر عليه و عند رأس الرجل امرأة، فقال لها: هل لهذا الرجل أمّ؟ قالت: نعم، أنا أمّه، فقال لها: أ فراضية أنت عنه أم لا؟ فقالت: [لا] (1) بل ساخطة، فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): فإنّي أحبّ أن ترضي عنه، فقالت: قد رضيت عنه لرضاك يا رسول اللّه، فقال له: قل: لا إله إلّا اللّه، فقال: لا إله إلّا اللّه، فقال [له] (2): قل: يا من يقبل اليسير و يعفو عن الكثير اقبل منّي اليسير و اعف عنّي الكثير إنّك أنت العفوّ الغفور، فقالها، فقال له: ماذا ترى؟ فقال: أرى أسودين قد دخلا عليّ، فقال: أعدها، فأعادها، فقال: ما ترى؟ فقال: قد تباعدا عنّي و دخل أبيضان و خرج الأسودان، فما أراهما و دنا الأبيضان منّي الآن يأخذان بنفسي، فمات من ساعته» (3).

و عن حريز بن عبد اللّه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا دخلت على مريض و هو في النزع الشديد فقل له: ادع بهذا الدعاء يخفّف اللّه عنك: أعوذ باللّه العظيم ربّ العرش الكريم من كلّ عرق نفار و من شرّ حرّ النار، سبع مرّات، ثمّ لقّنه كلمات الفرج، ثمّ حوّل وجهه إلى مصلّاه الذي كان يصلّي فيه، فإنّه يخفّف عنه و يسهل أمره بإذن اللّه» (4).

(و) أولى من تحويل وجهه كما في هذه الرواية (نقله إلى مصلّاه) الذي كان يصلّي فيه غالبا، كما يدلّ عليه رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

____________

(1) أضفناها من المصدر.

(2) أضفناها من المصدر.

(3) الفقيه 1: 78/ 350، الوسائل، الباب 39 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

(4) طبّ الأئمّة: 118، الوسائل، الباب 40 من أبواب الاحتضار، الحديث 7.

27

«إذا عسر على الميّت نزعه و موته قرّب إلى مصلّاه الذي كان يصلّي فيه» (1).

و رواية ذريح قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «قال عليّ بن الحسين (عليه السلام): إنّ أبا سعيد الخدري كان من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان مستقيما، فنزع ثلاثة أيّام فغسّله أهله ثمّ حمل إلى مصلّاه فمات فيه» (2).

و رواية ليث المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال: «إنّ أبا سعيد الخدري قد رزقه اللّه هذا الرأي و أنّه اشتدّ نزعه، فقال: احملوني إلى مصلّاي، فحملوه فلم يلبث أن هلك» (3).

و رواية حريز قال: كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له رجل: إنّ أخي منذ ثلاثة أيّام في النزع و قد اشتدّ عليه الأمر، فادع له، فقال: «اللّهمّ سهّل عليه سكرات الموت» ثمّ أمره، و قال: حوّلوا فراشه إلى مصلّاه الذي كان يصلّي فيه فإنّه يخفّف عليه إن كان في أجله تأخير، و إن كانت منيّته قد حضرت فإنّه يسهّل عليه إن شاء اللّه» (4).

و عن كاشف اللثام و غيره تعميم مصلّاه بحيث يعمّ ما يصلّي عليه (5).

و يمكن الاستدلال عليه: بمضمرة زرارة: «إذا اشتدّ عليه النزع فضعه في‌

____________

(1) الكافي 3: 125/ 2، التهذيب 1: 427/ 1356، الوسائل، الباب 40 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(2) الكافي 3: 125/ 1، الوسائل، الباب 40 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

(3) الكافي 3: 126/ 4، الوسائل، الباب 40 من أبواب الاحتضار، الحديث 4.

(4) طب الأئمّة: 79، الوسائل، الباب 40 من أبواب الاحتضار، الحديث 6.

(5) الحاكي هو صاحب الجواهر فيها 4: 18، و انظر: كشف اللثام 2: 195، و الوسيلة: 62، و الجامع للشرائع: 49.

28

مصلّاه الذي كان يصلّي فيه أو عليه» (1) بناء على كون الترديد من الإمام (عليه السلام) كما يقتضيه الأصل.

ثمّ إنّ مفاد الأخبار المتقدّمة بأسرها إنّما هو استحباب نقله إلى مصلّاه إذا اشتدّ عليه النزع لا مطلقا، كما عن جملة من الأصحاب التصريح بذلك، فما في المتن و غيره من الإطلاق لا يخلو عن نظر، بل الأولى في غير الصورة المفروضة المنصوصة إبقاؤه على حاله و عدم التعرّض له بمسّه قبل خروج روحه فضلا عن نقله من مكانه، كما يدلّ عليه ما رواه زرارة قال: لمّا ثقل ابن لجعفر (عليه السلام) و أبو جعفر (عليه السلام) جالس في ناحية فكان إذا دنى منه إنسان قال: «لا تمسّه فإنّه إنّما يزداد ضعفا، و أضعف ما يكون في هذه الحال، و من مسّه على هذه الحال أعان عليه» فلمّا قضى الغلام أمر به فغمّض عيناه و شدّ لحياه» (2) الحديث.

(و) يستحبّ أن (يكون عنده) بعد موته (مصباح) في الليل و إن مات في اليوم و لم يجهّز إلى الليل، لكن ظاهر المتن و غيره ممّن عبّر كعبارته:

استحباب ذلك (إن مات ليلا) لا مطلقا إلّا أنّه يحتمل أن يكون القيد في كلامهم جاريا مجرى الغالب، أو يكون مرادهم بيان استحبابه حين حدوث موته إن كان في الليل من دون تعرّض لحكم بقائه، كما يؤيّد ذلك ذكره في أحكام المحتضر، و يشعر بعموم الحكم لديهم تنصيص بعضهم على بقاء المصباح عنده إلى الصباح، فإنّه يشعر بكون المقصود عدم بقاء الميّت في بيت مظلم.

____________

(1) الكافي 3: 126/ 3، التذيب 1: 427/ 1357، الوسائل، الباب 40 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(2) التهذيب 1: 289/ 841، الوسائل، الباب 44 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

29

و كيف كان فاستحباب وضع السراج عنده في الجملة هو المشهور نقلا و تحصيلا، كما في الجواهر (1)، بل عن جامع المقاصد نسبته إلى الأصحاب (2) مشعرا بدعوى الإجماع عليه.

و كفى بذلك دليلا لإثبات الاستحباب مسامحة، مضافا إلى كونه في العرف و العادة تعظيما و احتراما للميّت، و هو ممّا لا شبهة في رجحانه شرعا.

و ربما يستدلّ له برواية سهل بن زياد عن عثمان بن عيسى عن عدّة من أصحابنا قال: لمّا قبض أبو جعفر (عليه السلام) أمر أبو عبد اللّه (عليه السلام) بالسراج في البيت الذي كان يسكنه حتى قبض أبو عبد اللّه (عليه السلام) ثمّ أمر أبو الحسن (عليه السلام) بمثل ذلك في بيت أبي عبد اللّه (عليه السلام) حتى أخرج به إلى العراق ثمّ لا أدري بما كان (3)، فإنّه يفهم منه استحباب وضع السراج عنده في الليل الذي قبض فيه بالفحوى أو التضمّن.

و فيه- بعد الغضّ عن عدم اقتضائه ثبوت الحكم فيما لو مات فيما عدا البيت الذي كان يسكنه- أنّه إنّما يتّجه الاستدلال بالرواية لو استفدنا منها استحباب وضع السراج في بيت كلّ أحد بعد موته كما وضعه أبو جعفر و كذا أبو الحسن لأبيه (عليهم السلام)، لكنّه في حيّز المنع، لجواز اختصاص الاستحباب بوضع السراج في بيت مثل أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) لا مطلقا، لا لدعوى كون الحكم من الخواصّ حتى ينفيه أصالة الاشتراك، بل لأنّ وجه العمل بحسب الظاهر هو تعظيم من عظّمه اللّه و أحبّ أن يبقى اسمه و لا ينمحي رسمه، فيختصّ رجحانه‌

____________

(1) جواهر الكلام، 4: 20.

(2) الحاكي عنه هو صاحب الجواهر فيها 4: 20، و انظر: جامع المقاصد 1: 352.

(3) الكافي 3: 251/ 5، التهذيب 1: 289/ 843، الوسائل، الباب 45 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

30

شرعا بمن كان حقيقا لهذا النحو من التعظيم لا بالنسبة إلى سائر الناس ممّن لا يستحقّ هذا النحو من التعظيم لا عرفا و لا شرعا، بل ربما يعدّ في نظر أصل العرف وضع السراج في بيت أغلب الأشخاص الذين لا يعدّون لديهم من العظماء الذين يستحسن لهم هذا النحو من الاحترام سفها و سرفا محضا.

و كيف كان فلا يمكن استفادة استحباب وضع السراج في بيت الميّت مطلقا فضلا عمّا نحن فيه من مثل هذا الفعل، فإن كان و لا بدّ من التأسّي بالأئمّة (عليهم السلام) فليتأسّ بهم في فعلهم بالنسبة إلى سائر من مات في بيتهم، مع أنّه لم يعهد عنهم وضع السراج في بيت سائر موتاهم، فيفهم من ذلك اختصاص رجحانه في حقّ من كان بقاء رسمه محبوبا عند اللّه تعالى، و لا يبعد أن يكون نوّابهم الكرام- أعني علماءنا الأعلام (رضوان اللّه عليهم)- منهم، و اللّه العالم.

(و) يستحبّ أيضا أن يكون عنده حال الاحتضار و كذا بعد الموت (من يقرأ القرآن) للتبرّك، و استدفاع الكرب و العذاب.

قال في محكيّ الذكرى: و يستحبّ قراءة القرآن بعد خروج روحه كما يستحبّ قبله استدفاعا عنه (1). انتهى.

لكن لم يصل إلينا من الأخبار ما يدلّ على استحباب قراءة مطلق القرآن في شي‌ء من الموردين بعنوانهما المخصوص بهما.

نعم، روي الأمر بقراءة القرآن في الجملة حال النزع.

ففي كشف اللثام بعد الحكم باستحباب قراءة القرآن عنده قبل الموت و بعده قال: روي أنّه يقرأ عند النازع آية الكرسي و آيتان بعدها ثمّ آية السخرة‌

____________

(1) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 3: 369، و انظر: الذكرى 1: 297.

31

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ (1) إلى آخرها، ثمّ ثلاث آيات من آخر البقرة لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ إلى آخرها، ثمّ يقرأ سورة الأحزاب (2).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «من قرأ سورة يس و هو في سكرات الموت أو قرئت عنده جاء رضوان خازن الجنّة بشربة من شراب الجنّة فسقاها إيّاه و هو على فراشه فيشرب فيموت ريّان و يبعث ريّان، و لا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء» (3).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «أيّما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكلّ حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلّون عليه و يستغفرون له و يشهدون غسله و يتبعون جنازته و يصلّون عليه و يشهدون دفنه» (4).

و عن سليمان الجعفري قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يقول لابنه القاسم: «قم يا بنيّ فاقرأ عند رأس أخيك «و الصافّات صفّا» حتى تستتمّها، فقرأ، فلمّا بلغ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنٰا (5) قضى الفتى، فلمّا سجّي و خرجوا أقبل عليه يعقوب بن جعفر، فقال له: كنّا نعهد الميّت إذا نزل به الموت يقرأ عنده يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ فصرت تأمرنا ب‍ «الصافّات صفّا» فقال: «يا بنيّ لم تقرأ عند مكروب من موت قطّ إلّا عجّل اللّه راحته» (6) و الأمر بالإتمام يتضمّن القراءة بعد الموت.

و عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) «من دخل المقابر فقرأ «يس» خفّف عنهم يومئذ، و كان له‌

____________

(1) سورة الأعراف 7: 54.

(2) الدعوات- للراوندي- 252/ 709.

(3) المصباح- للكفعمي-: 8 (الهامش).

(4) المصباح- للكفعمي-: 8 (الهامش).

(5) سورة الصافّات 37: 11.

(6) الكافي 3: 126/ 5، التهذيب 1: 427/ 1358، الوسائل، الباب 41 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

32

بعدد من فيها حسنات» (1) (2). انتهى.

أقول: لا يبعد استفادة استحباب مطلق القراءة في كلتا الحالتين من مثل هذه الأخبار، مع أنّه يكفي في ذلك فتوى مثل الشهيد و غيره من كبراء الأصحاب خصوصا مع معلوميّة استحبابها مطلقا، و رجحان التوسّل بها في الشدائد، و شدّة.

مناسبتها في الحالتين، و معهوديّة القراءة عند الجنائز لدى المتشرّعة، و غيرها من المؤيّدات و المناسبات المقتضية للاستحباب، فلا ينبغي الاستشكال فيه بعد البناء على المسامحة، و اللّه العالم.

(و إذا مات، غمّضت عيناه و أطبق فوه) و الأولى بل الأحوط كونه بشدّ لحييه.

ففي رواية أبي كهمس قال: حضرت موت إسماعيل و أبو عبد اللّه (عليه السلام) جالس عنده، فلمّا حضره الموت شدّ لحييه و غمّضه و غطّى عليه الملحفة (3).

و يدلّ عليهما أيضا رواية زرارة، المتقدّمة (4).

و يحتمل كون كلّ من إطباق فيه و شدّ لحييه مستحبّا مستقلّا، كما هو ظاهر المحكيّ عن بعض حيث جمعوا بين الأمرين (5)، لكن يستغنى بشدّ لحييه عن إطباق فيه غالبا، لحصوله به.

____________

(1) عدّة الداعي: 133- 134.

(2) كشف اللثام 2: 197- 198.

(3) التهذيب 1: 289/ 842، و 309/ 898، الوسائل، الباب 44 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

(4) في ص 28.

(5) حكاه صاحب الجواهر فيها 4: 23 عن سلّار في المراسم: 47، و ابن حمزة في الوسيلة: 62، و ابن سعيد في الجامع للشرائع: 49، و العلّامة الحلّي في المنتهى 1: 427.

33

(و مدّت يداه) في الجواهر: بلا خلاف أجده في استحبابه، بل نسبه جماعة إلى الأصحاب مشعرين بدعوى الإجماع عليه (1) انتهى.

و يؤيّده كما يؤيّد غيره من الآداب المذكورة في المقام: معروفيّته لدى المتشرّعة و استقرار سيرتهم عليه.

(و غطّي بثوب) كما في رواية أبي كهمس، المتقدّمة (2).

و قد روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سجّي بحبرة (3) (4)، و قد أمر الصادق (عليه السلام) بالتسجية تجاه القبلة في خبر سليمان بن خالد، المتقدّم (5).

(و يعجّل تجهيزه) في الجواهر: إجماعا محصّلا و منقولا مستفيضا، كالنصوص، بل هي ظاهرة في الوجوب، إلّا أنّها حملت على الاستحباب، لما عرفت من الإجماع، مع الطعن في أسانيدها، فلا إشكال في الاستحباب (6). انتهى.

أقول: بل يلوح من بعض أخبارها أيضا رائحة الاستحباب.

ففي رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا معشر الناس لا ألفينّ (7) رجلا مات له ميّت ليلا فانتظر به الصبح، و لا رجلا مات له ميّت نهارا فانتظر به الليل، لا تنتظروا بموتاكم طلوع الشمس، و لا غروبها، عجّلوا بهم إلى‌

____________

(1) جواهر الكلام 4: 23.

(2) في ص 32.

(3) الحبرة: ثوب يصنع باليمن من قطعن أو كتان. مجمع البحرين 3: 256 «حبر».

(4) صحيح البخاري 7: 190، صحيح مسلم 2: 651/ 942، سنن أبي داود 3: 191/ 3120، مسند أحمد 6: 153 و 269.

(5) في ص 17.

(6) جواهر الكلام 4: 23- 24.

(7) أي: لا أجدنّ منكم أحدا كذلك. مجمع البحرين 1: 377 «لفا».

34

مضاجعهم، يرحمكم اللّه، قال الناس: و أنت يا رسول اللّه يرحمك اللّه» (1).

و مرسلة الصدوق، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «كرامة الميّت تعجيله» (2).

و رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إذا مات الميّت أوّل النهار فلا يقيل (3) إلّا في قبره» (4).

و رواية جابر، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إذا حضرت الصلاة على الجنازة في وقت صلاة المكتوبة فبأيّهما أبدأ؟ فقال: «عجّل الميّت إلى قبره إلّا أن يخاف أن يفوت وقت الفريضة، و لا تنتظر بالصلاة على الجنازة طلوع الشمس و لا غروبها» (5).

و رواية عيص عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام)، قال: «إذا مات الميّت فخذ في جهازه و عجّله» (6) الحديث.

(إلّا أن يكون حاله مشتبهة) بالموت و عدمه، فلا يعجّل حينئذ، بل يحرم ذلك قطعا ما لم يعلم موته (فيستبرأ) عند الاشتباه (بعلامات الموت) المفيدة للعلم.

و قد ذكورا للموت علائم كثيرة، مثل: استرخاء رجليه، و انفصال كفّيه، و‌

____________

(1) الكافي 3: 137/ 1، التهذيب 1: 427- 428/ 1359، الوسائل، الباب 47 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(2) الفقيه 1: 85/ 388، الوسائل، الباب 47 من أبواب الاحتضار، الحديث 7.

(3) القائلة: الظهيرة. القيلولة: نومة نصف النهار. لسان العرب 11: 577 «قيل».

(4) الكافي 3: 138/ 2، التهذيب 1: 428/ 1360، الوسائل، الباب 47 من أبواب الاحتضار، الحديث 5.

(5) التهذيب، 3: 320/ 995، الوسائل، الباب 47 من أبواب الاحتضار، الحديث 4.

(6) التهذيب 1: 433/ 1388، الإستبصار 1: 195/ 684، الوسائل، الباب 47 من أبواب الاحتضار، الحديث 6.

35

ميل أنفه، و امتداد جلده و وجهه، و انخساف صدغيه، و تقلّص أنثييه إلى فوق مع تدلّي جلده، و غير ذلك من الأشياء المعروفة عند الأطبّاء، إلّا أنّه لا يجوز الالتفات إلى شي‌ء منها ما لم يورث العلم بموته، إذ لا يجوز الإقدام على دفن النفوس المحترمة ما لم يعلم موتها ضرورة، فلا بدّ إمّا من استكشاف موته (1) بالأمور المعروفة عند العرف و الأطبّاء بحيث لم يبق معها احتمال الحياة احتمالا عقلائيّا و إن كان بعيدا (أو يصبر عليه) إلى أن يتغيّر ريحه أو يمضي عليه (ثلاثة أيّام) فعند حصول أحد الأمرين ينتفي احتمال حياته عادة، فإنّه لا يتغيّر ريحه بمقتضى العادة إلّا بعد موته، و أمّا مضيّ الثلاثة فهو بنفسه سبب عادي لموت مثل هذا الشخص المشتبه الحال، فلا يبقى عنده احتمال حياته بمقتضى العادة، فإن بقي في النفس مع ذلك شي‌ء، فهو من وساوس الصدور لا ينبغي الاعتناء به، إلّا أن يكون احتمالا مسبّبا عن منشإ عقلائيّ، كما لو أمكن عادة في خصوص مرضه بقاؤه أيّاما بهذه الكيفيّة، أو احتمل كون نتن ريحه لقرحة في ظاهر بدنه أو باطنه مثلا، فيجب الصبر عليه حينئذ إلى أن يعلم حاله، لكنّ الفرض بحسب الظاهر ممّا يندر وقوعه، بل لا يكاد يتحقّق في الخارج، فإنّ الاشتباه يرتفع غالبا بالصبر عليه ثلاثة أيّام، بل ربما يتبيّن أمره بمضيّ يومين.

و عليه ينزّل موثّقة عمّار الساباطي عن الصادق (عليه السلام) قال: «الغريق يحبس حتى يتغيّر و يعلم أنّه قد مات ثمّ يغسّل و يكفّن» قال: و سئل عن المصعوق، فقال: «إذا صعق حبس يومين ثمّ يغسّل و يكفّن» (2).

____________

(1) في «ض 8»: «الموت».

(2) الكافي 3: 210/ 4، الوسائل، الباب 48 من أبواب الاحتضار، الحديث 4.

36

و قد يتوهّم كون مضيّ ثلاثة أيّام طريقا تعبّديّا لإحراز الموت، كما يشعر به ظاهر المتن و غيره، لما رواه هشام بن الحكم عن أبي الحسن (عليه السلام) في المصعوق و الغريق، قال: «ينتظر به ثلاثة أيّام إلّا أن يتغيّر قبل ذلك» (1).

و في خبر عليّ بن أبي حمزة، قال: أصاب الناس بمكة سنة من السنين صواعق كثيرة مات من ذلك خلق كثير، فدخلت على أبي إبراهيم (عليه السلام)، فقال مبتدئا من غير أن أسأله: «ينبغي للغريق و المصعوق أن يتربّص بهما ثلاثا لا يدفن إلّا أن يجي‌ء منه ريح تدلّ على موته» قلت: جعلت فداك، كأنّك تخبرني أنّه قد دفن ناس كثير أحياء، فقال: «نعم، يا علي قد دفن ناس كثير أحياء ما ماتوا إلّا في قبورهم» (2).

و رواية إسحاق بن عمّار، قال: سألته- يعني أبا عبد اللّه (عليه السلام)- عن الغريق أ يغسّل؟ قال: «نعم، و يستبرأ» قلت: و كيف يستبرأ؟ قال: «يترك ثلاثة أيّام قبل أن يدفن، و كذلك أيضا صاحب الصاعقة فإنّه ربما ظنّوا أنّه مات و لم يمت» (3).

و يدفعه ظهور الأخبار في كونها مسوقة لبيان وجوب الصبر عليه عند الاشتباه إلى ثلاثة أيّام حتى يرتفع الاشتباه على ما تقتضيه العادة، فليست الأخبار إلّا جارية مجرى العادة، و ليس فيها إشعار أصلا بكون الثلاثة أيّام طريقا تعبّديّا محضا، بل لا ينبغي الارتياب في عدم رضا الشارع بالإقدام على دفن النفوس‌

____________

(1) الكافي 3: 209/ 1، التهذيب 1: 338/ 992، الوسائل، الباب 48 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(2) الكافي 3: 210/ 6، الوسائل، الباب 48 من أبواب الاحتضار، الحديث 5.

(3) الكافي 3: 209/ 2، التهذيب 1: 338/ 990، الوسائل، الباب 48 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

37

المحترمة عند احتمال حياتها، كما عليه يبتني الأمر بالصبر في جميع هذه الأخبار، فلا ينبغي التشكيك في دوران جواز الدفن مدار العلم بالموت، و لذا علّقه عليه في موثّقة عمّار، المتقدّمة (1)، فقال: «حتى يتغيّر و يعلم أنّه قد مات».

و أطلق الأمر بالانتظار في رواية عبد الخالق، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

«خمس ينتظر بهم إلّا أن يتغيّروا: الغريق و المصعوق و المبطون و المهدوم و المدخّن» (2).

[فيما يكره في الاحتضار]

(و يكره أن يطرح على بطنه حديد) كما عن المشهور (3) بل عن الخلاف دعوى الإجماع على كراهة وضع الحديد على بطن الميّت مثل السيف (4)، و عن الشيخ في التهذيب أنّه سمعناه من الشيوخ مذاكرة (5).

و كفى بذلك دليلا في مثل المقام بعد البناء على المسامحة.

و يؤيّده مخالفته للمنقول عن الشافعي من الاستحباب (6)، بل عن المقنعة نسبة طرح الحديد عليه إلى العامّة (7).

____________

(1) في ص 35.

(2) الكافي 3: 210/ 5، الخصال: 300/ 74، التهذيب 1: 337/ 988، الوسائل، الباب 48 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(3) نسبه إليه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 225، المسألة 165، و الشهيد الثاني في الروضة البهيّة 1: 120، و كما في جواهر الكلام 4: 27.

(4) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 4: 27، و انظر: الخلاف 1: 169، المسألة 467.

(5) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 4: 27، و انظر: التهذيب 1: 290.

(6) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 691، المسألة 467، و انظر: الام 1: 274 و 280، و مختصر المزني: 35، و الوجيز 1: 72، و العزيز شرح الوجيز 2: 394، و المجموع 5: 123.

(7) حكاه عنها صاحب الجواهر فيها 4: 27، و انظر: المقنعة: 74.

38

و عن بعض (1) الأصحاب إلحاق غير الحديد به في كراهة وضعه على بطن الميّت. و لم يظهر مستنده.

ثمّ إنّ ظاهر كلماتهم و معقد إجماع الخلاف إنّما هو كراهته بعد الموت لا قبله حين الاحتضار، و اللّه العالم.

(و) يكره (أن يحضره جنب أو حائض) بلا خلاف فيه بين الأصحاب على ما في الحدائق (2).

كما يدلّ عليه رواية عليّ بن أبي حمزة، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): المرأة تقعد عند رأس المريض في حدّ الموت و هي حائض، قال: «لا بأس أن تمرّضه، فإذا خافوا عليه و قرب ذلك فلتنحّ عنه و عن قربه فإنّ الملائكة تتأذّى بذلك» (3).

و رواية يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا تحضر الحائض الميّت و لا الجنب عند التلقين، و لا بأس أن يليا غسله» (4).

و عن علل الصدوق مرفوعا إلى الصادق (عليه السلام)، قال: «لا تحضر الحائض و الجنب عند التلقين لأنّ الملائكة تتأذّى بهما» (5).

ثمّ إنّ ظاهر الروايات بقرينة التعليل الواقع فيها- كصريح الأصحاب فيما هو المشهور بينهم- إنّما هو كراهة حضور هما، فما عن ظاهر الهداية و المقنع من‌

____________

(1) الحاكي عنه هو صاحب الجواهر فيها 4: 28.

(2) الحدائق الناضرة 3: 371.

(3) الكافي 3: 138 (باب الحائض تمرّض المريض) الحديث 1، التهذيب 1: 428/ 1361، الوسائل، الباب 43 من أبواب الاحتضار، الحديث 1.

(4) التهذيب 1: 428/ 1362، الوسائل، الباب 43 من أبواب الاحتضار، الحديث 2.

(5) علل الشرائع: 298 (الباب 236) الحديث 1، الوسائل، الباب 43 من أبواب الاحتضار، الحديث 3.

39

الحرمة- لتعبيرهما بنفي الجواز (1)- ضعيف، و لا يبعد إرادتهما بذلك شدّة الكراهة، و اللّه العالم.

ثمّ إنّ مفاد الأخبار- كظاهر الأصحاب- إنّما هو كراهة الحضور حين الاحتضار لا بعد الموت بناء على أن يكون المراد من التلقين هو تلقين الشهادتين و غير هما ممّا يستحبّ حال الاحتضار، لا التلقين بعد الدفن، كما يؤيّده رواية علي ابن أبي حمزة، و كذا سبق ذكره على حكم الغسل في رواية يونس، بل فيها- كما تراها- التصريح بنفي البأس عن أن يليا غسله.

لكن عن الفقه الرضوي- بعد نفي البأس عن أن يليا غسله و يصلّيا عليه- قال: «و لا ينزلا قبره» (2).

و عن الخصال بسنده عن جابر الجعفي عن جعفر عن أبيه (3) (عليه السلام) قال:

«لا يجوز للمرأة الحائض و الجنب الحضور عند تلقين الميّت لأنّ الملائكة تتأذّى بهما، و لا يجوز لهما إدخال الميّت قبره» (4).

إلّا أنّه صرّح في الحدائق و الجواهر بعدم العامل بظاهر هذين الخبرين، بل ظاهر كلام الأصحاب جواز إدخالهما قبره من دون كراهة (5).

أقول: و مع ذلك لو قيل بالكراهة، لهاتين الروايتين، لكان أوفق بقاعدة التسامح، و اللّه العالم.

____________

(1) الحاكي عنهما هو العاملي في مفتاح الكرامة 1: 410، و انظر: الهداية: 105، و المقنع: 55.

(2) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 3: 370- 371، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 165.

(3) في المصدر عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام).

(4) أورده عنه البحراني في الحدائق الناضرة 3: 370، و انظر: الخصال: 585- 586/ 12.

(5) الحدائق الناضرة 3: 370، جواهر الكلام 4: 29.

40

[الثاني في التغسيل]

(الثاني) من الأحكام الخمسة: (في التغسيل، و هو فرض) بلا شبهة نصّا و إجماعا، بل عدّه شيخنا المرتضى (رحمه اللّه) من ضروريّات الدين (1)، لكنّه (على الكفاية) بلا خلاف بين أهل العلم، كما عن المنتهى (2).

(و كذا) سائر أحكامه الواجبة من (تكفينه و دفنه و الصلاة عليه) بإجماع العلماء كما عن التذكرة (3)، و مذهب أهل العلم كافّة كما عن المعتبر (4)، و بلا خلاف كما عن الغنية (5).

قال شيخنا المرتضى (رحمه اللّه)- بعد نقله الإجماعات المتقدّمة-: و هي الحجّة بعد ظهور جملة من الأخبار الواردة في جملة من أحكام الميّت، دون ما يقال من أنّا نعلم أنّ مقصود الشارع وجود الفعل لا عن مباشر معيّن، فإنّ ذلك لا يثبت إلّا سقوط الواجب بفعل أيّ مباشر كان، و هذا لا يوجب الوجوب الكفائي على جميع المباشرين، لأنّ غير الواجب قد يسقط به الواجب، و لذا يسقط وجوب الاستقبال بالميّت بفعل صبيّ بل بهيمة أو ريح عاصف، بل صرّح جماعة بجواز تغسيل الصبي المميّز للميّت، و حينئذ فيحتمل أن تكون أمور الميّت واجبة على بعض، مستحبّة على آخر، و يسقط الواجب بفعلهم، مع أنّها مصادرة في مقابل من يقول بوجوبها على الوليّ عينا، فإن امتنع فعلى غيره كفاية، كما اختاره في الحدائق (6).

انتهى.

____________

(1) كتاب الطهارة: 275.

(2) الحاكي عنها هو صاحب الجواهر فيها 4: 30، و كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 275، و انظر: منتهى المطلب 1: 427، و تذكرة الفقهاء 1: 345، المسألة 116، و المعتبر 1: 264، و الغنية: 101.

(3) الحاكي عنها هو صاحب الجواهر فيها 4: 30، و كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 275، و انظر: منتهى المطلب 1: 427، و تذكرة الفقهاء 1: 345، المسألة 116، و المعتبر 1: 264، و الغنية: 101.

(4) الحاكي عنها هو صاحب الجواهر فيها 4: 30، و كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 275، و انظر: منتهى المطلب 1: 427، و تذكرة الفقهاء 1: 345، المسألة 116، و المعتبر 1: 264، و الغنية: 101.

(5) الحاكي عنها هو صاحب الجواهر فيها 4: 30، و كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 275، و انظر: منتهى المطلب 1: 427، و تذكرة الفقهاء 1: 345، المسألة 116، و المعتبر 1: 264، و الغنية: 101.

(6) كتاب الطهارة: 275، و انظر: الحدائق الناضرة 3: 359.

41

و فيه: أنّ فرض احتمال وجوبها على بعض و استحبابها على آخرين و سقوط الواجب بفعلهم ينافي العلم بأنّ مقصود الشارع وجود الفعل لا عن مباشر معيّن، كما ادّعاه المستدلّ، ضرورة استقلال العقل بوجوب إيجاد ما أدرك محبوبيّة حصوله في الخارج شرعا، و عدم رضا الشارع بعدمه من دون أن يكون لآحاد المكلّفين بخصوصيّاتها الشخصيّة مدخليّة في حسنه و مطلوبيّته.

ألا ترى استقلال العقل بوجوب حفظ النبي أو الوصي أو غيره ممّا علم مطلوبيّة حصوله في الخارج من حيث هو على كلّ مكلّف، و لا ينافيه سقوط التكليف بحصول المقصود بفعل غير المكلّف، بل هذا هو الشأن في سائر الواجبات عينيّة كانت أم كفائيّة، لاستحالة بقاء الطلب بعد حصول متعلّقه في الخارج، كما عرفت تحقيقه في مبحث النيّة في الوضوء، و لا يمنع هذا استقلال العقل بوجوب مثل الفرض كفاية على كلّ أحد.

لا يقال: إنّا نرى بالوجدان أنّه ربما يريد المولى شيئا و لا يتعلّق غرضه إلّا بحصوله في الخارج من حيث هو و مع ذلك لا يكلّف بإيجاده إلّا بعض عبيده إمّا لكونه أحد الأفراد أو لخصوصيّة فيه مقتضية لطلب الفعل منه دون غيره، كانحطاط الرتبة و نحوه من الخصوصيّات الموجبة لتوجيه الطلب إليه بالخصوص.

لأنّا نقول: أمّا الفرض الأوّل فلا يخرجه من كونه واجبا كفائيّا، بل يجب على سائر العبيد أيضا إيجاده كفاية إذا علموا قصد المولى و أنّ توجيه طلبه إلى بعض لكونه أحد الأفراد، لا لخصوصيّة فيه، فلو عصى هذا البعض أو تركه نسيانا مثلا، ليس لغيره تركه معتذرا بعدم توجّه الخطاب إليه بعد علمه بالواقع، إذ لا يدور حسن العقاب مدار توجيه الخطاب اللفظي كما تقرّر في محلّه.

42

و أمّا الفرض الثاني فهو خلاف ما فرضه المستدلّ من أنّا نعلم أنّ مقصود الشارع وجود الفعل لا عن مباشر معيّن، فإنّ محبوبيّة الفعل بضميمة الخصوصيّة المفروضة اقتضت تعلّق غرضه بإيجاد البعض بالخصوص، فالإنصاف أنّه لا وجه للخدشة في الاستدلال من هذه الجهة.

نعم، على المستدلّ في مقام الاستدلال و إلزام الخصم إقامة البيّنة على ما ادّعاه من العلم.

و كفى له دليلا ما استدلّ به شيخنا (قدّس سرّه) للوجوب الكفائي من ظهور جملة من الأخبار- الواردة في جملة من أحكام الميّت- في ذلك، فإنّ دلالتها على الوجوب الكفائي ليس إلّا من حيث ظهورها في وجوب الفعل و عدم تعيّنه على شخص خاصّ، فإنّ مقتضاه وجوب خروج جميع المكلّفين من عهدته ما لم يوجد في الخارج، فإذا وجد بفعل بعض المكلّفين بل و لو بفعل غير المكلّف، ارتفع التكليف عن الكلّ، و هذا هو معنى الواجب الكفائي مطلقا، فيفهم من هذه الأخبار- و لو بضميمة فتوى الأصحاب و إجماعهم- كون سائر أحكام الميّت من هذا القبيل، بل لا مجال للتشكيك في ذلك بعد التتبّع في الأخبار، بل من نظر إليها بعين التدبّر لرأي جلّ ما ورد في هذا الباب من الآداب واجباتها و مسنوناتها ليس المقصود بالأمر فيها إلّا حصول متعلّقاتها و عدم حرمان الميّت عن فائدتها من أيّ شخص يكون، بل لا يفهم من الأوامر الواردة في هذا الباب، الموجّهة إلى شخص خاصّ و لو وليّ الميت إلّا إرادة ذلك.

ألا ترى هل يتوهّم متوهّم من قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في الرواية المتقدّمة (1) في‌

____________

(1) في ص 15.

43

آداب المحتضر: «وجّهوه إلى القبلة فإنّكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة» الحديث، إلّا إرادة هذا المعنى؟ و عدم توقّف حصول الفائدة المعلّل بها على صدور الفعل منهم بالخصوص لخصوصيّتهم من كونهم أقارب أو أهلا للميّت، المقتضي لاختصاص التكليف بهم و عدم محبوبيّة صدور الفعل من غير هم.

و كيف كان فوجوب غسل الميّت و سائر أحكامه- التي تقدّمت الإشارة إليها- كفاية على عامّة المكلّفين ممّا لا ينبغي الارتياب فيه، بل الظاهر- كما هو المصرّح به في كلام جمع- الإجماع عليه، و خلاف صاحب الحدائق- كما ستعرفه إن شاء اللّه- ممّا لا يلتفت إليه بعد ما عرفت.

ثمّ لا يخفى عليك أنّ هذا- أعني وجوب شي‌ء كفاية على عامّة المكلّفين- لا ينافي أحقّيّة بعضهم من بعض في إيجاد هذا الواجب بأن يكون له الولاية عليه من قبل الشارع.

مثلا: لو وجب كفاية حفظ الثغور و إمامة الجماعة لصلاة الجمعة و لم يرد الشارع من الأمر بهما إلّا حصولهما في الخارج، فلا مانع عقلا و لا عرفا في أن يجعل الشارع لمن كان في الأزمنة السابقة- مثلا- مشغولا بشي‌ء منهما أو كان ذلك شغلا لآبائه أو غير ذلك من الخصوصيّات المقتضية للأولويّة حقّا بالنسبة إليه بأن يكون له أن يتقدّم في إيجاد الفعل أو يقدّم من أحبّ من دون أن يتعيّن عليه الفعل مباشرة أو تسبيبا، ضرورة أنّ إلزامه بالفعل يناقض كون اختياره و تقدّمه لإيجاد الفعل حقّا له، و هذا لا ينافي وجوبه الكفائي، و إنّما يظهر أثره عند ترك الجميع للفعل، فإنّهم يستحقّون العقاب بذلك، فيجب على الجميع بحكم العقل تحصيل الوثوق بحصول الواجب في الخارج، لكن لا يجوز لأحد المبادرة إلى فعله قبل أن‌

44

يرفع صاحب الحقّ يده عن حقّه، و إلّا فيكون غاصبا (1) فيفسد عمله لو كان عبادة.

توضيح المقام: أنّه إذا علم تعلّق إرادة المولى إرادة حتميّة بحصول أمر مقدور لعبيدة من دون أن تكون خصوصيّات أشخاص العبيد ملحوظة فيما تعلّقت به إرادته، يستقلّ العقل بوجوب إيجاده على الجميع، و عدم معذوريّتهم في تركه، و جواز مؤاخذة الكلّ بذلك بعد اطّلاعهم على مراده، لكن لا يخفى أنّ تعلّق الوجوب بالفعل في مثل الفرض ليس إلّا على نحو تعلّقت به إرادة المولى، فيصير الفعل واجبا على الجميع لا على كلّ واحد واحد بالخصوص، و لذا نسمّيه واجبا كفائيّا لا عينيّا، فيكون حال الأشخاص حينئذ حال الأزمنة في الواجب الموسّع، فيجوز لكلّ واحد واحد لذاته الإتيان بالفعل و الترك من دون أن يتعيّن عليه أحد هما، لكن جواز الترك له ليس كجواز الفعل مطلقا، بل هو مشروط بحصول الفعل من غيره، إذ لولاه لم يجز له الترك، لأنّ المفروض جواز مؤاخذة الكلّ عليه، فيجب عليه عقلا إمّا إيجاد الفعل أو تحصيل الوثوق بحصوله من غيره، إذا لولاه لاحتمل العقاب على الترك، فلا يبيحه العقل.

هذا فيما إذا لم يكن الفعل مطلقا مزاحما لحقّ الغير، و أمّا لو كان كذلك- كما لو توقّف حصوله على التصرّف في ملك الغير، أو كان للغير- مثلا- حقّ الاستباق و التولية، كما هو المفروض فيما نحن فيه- فليس له حينئذ إيجاد الفعل أيضا مطلقا، بل له ذلك عند عدم مزاحمته لحقّ الغير بأن أذن له أو أسقط حقّه، أو امتنع عن إيجاد الفعل و ترخيص الغير على وجه لو روعي حقّه لفات الواجب، فإنّ هذا أيضا- كإسقاط الحقّ- مسقط له، و إلّا للزم أن لا يكون حصوله من حيث‌

____________

(1) في الطبعة الحجريّة: «عاصيا».

45

هو مطلوبا من الجميع مطلقا من دون مدخليّة الأشخاص بخصوصيّاتها، كما هو المفروض حيث لم يرده المولى في مثل الفرض من غير الوليّ، و إلّا للزم اجتماع الأمر و النهي، و هو باطل بديهة، فله حينئذ إمّا اختيار الترك بعد إحراز كفاية الغير عن فعله، أو إيجاد الفعل بعد العلم بعدم مزاحمته لحقّ الغير إمّا لسقوطه بالتفريط و الامتناع عن الفعل أو بإسقاطه أو الرخصة في الفعل، و ليس إحراز هذا الشرط أمرا غير مقدور للمكلّف حتى يكون اشتراط جواز الفعل به عند عدم الأمن من تبعة العقاب بالترك موجبا للتكليف بما لا يطاق، فإنّه يحرز ذلك بمراجعة صاحب الحقّ، فإن تقدّم بنفسه أو قدّم من أحبّ ممّن يصدر منه الفعل، فهو، و إن امتنع عن الفعل و تقديم الغير بحيث استكشف من حاله- و لو بسبب ضيق الوقت- أنّه لو أو كل الأمر إليه لفات الواجب، فقد سقط حقّه، و يكفي في ذلك الظنّ بالإهمال و التفويت عند تعذّر العلم، بل يكفي الاحتمال عند تعذّر الظنّ بعد العلم بأهمّيّة الواجب و عدم معذوريّة أحد في تركه.

و الحاصل: أنّه لا يجوز رفع اليد عن عموم ما دلّ على حرمة التصرّف في ملك الغير بمجرّد توقّف إيجاد واجب كفائي، كحفظ نفس محترمة عليه إذا أمكن حصوله من المالك أو مأذونه، فإنّ تخصيص أحد الدليلين بالآخر في مثل الفرض إنّما هو بقرينة العقل، فإذا أحرز العقل كون الواجب أهمّ في نظر الشارع، حكم بجواز التصرّف في ملك الغير على تقدير عدم قيام المالك أو مأذونه بذلك لا مطلقا.

و قد يتوهّم في مثل الفرض أنّ مقتضى القاعدة تخصيص الواجب الكفائي بالمالك و مأذونه دون من عداهم، إذا لا يزاحم الوجوب الكفائي الحرمة‌

46

العينيّة، فلا يجب على من عداهم إلّا مشروطا.

و يدفعه: أنّ كونه مالكا حقّ له لا عليه، فلا يقتضي قصر الوجوب عليه، فحاله بالنسبة إلى إيجاد الواجب ليس إلّا كحال غيره، فلا مقتضي للتصرّف فيما دلّ على وجوب الشي‌ء كفاية على عامّة المكلّفين، و إنّما يقتضي كونه مالكا أحقّيّته في إيجاد الفعل بمعنى سلطنته على منع الغير بشرط إيجاده للفعل، و على تقدير تركه ليس له هذا المنع، لأنّ المفروض كون الواجب أهمّ في نظر الشارع من ترك التصرّف في ملك الغير.

و بهذا ظهر لك أنّه لا يجب عليه الإذن أيضا بأن يكون أحد الأمرين واجبا تخييريّا شرعيّا عليه، بل له أن يقول: أمّا حالي في إيجاد الواجب فليس إلّا كحال غيري، و أمّا الإذن في التصرّف في مالي فلا أرضى إلّا بحكم اللّه تعالى.

لكن عرفت أنّ حكم اللّه تعالى في مثل الفرض لا يعقل أن يكون إلّا عدم سلطنته على منع الغير على تقدير عدم إيجاده للفعل، فله عدم الإذن، لكن لا يتوقّف جواز الفعل على إذنه حينئذ، و إلّا فلا يكون واجبا كفائيّا على الكلّ، و هو خلاف الفرض.

و قد ظهر لك ممّا ذكرنا ضعف ما قد يقال في أحكام الميّت من أنّه إذا امتنع الولي عن الفعل و الإذن، تنتقل ولايته إلى الحاكم، لأنّه وليّ الممتنع، و هذا بخلاف ما لو رفع اليد عن حقّه و أسقطه، فيجوز حينئذ إيجاد الفعل لكلّ أحد من دون توقّفه على الإذن.

توضيح ضعفه- بعد الغضّ عن أنّ ولاية الوليّ من الحقوق المتقوّمة بشخص الوليّ، الممتنع تحقّقها بفعل الغير من دون رضاه حتى يمكن استيفاؤها‌

47

بفعل الحاكم- أنّ الحاكم إنّما يكون وليّا على من يمتنع عن حقّ الغير لا عن حقّ نفسه، الذي جعله اللّه تعالى له من دون إلزام، فإنّ امتناعه حينئذ بالحقّ لا عن الحقّ، فلا يتولّاه الحاكم.

نعم، لو تعيّن عليه أحد الأمرين من الفعل و الإذن بأن كان أحد هما على سبيل البدل واجبا عليه عينا لا كفاية، لاتّجه حينئذ القول بأنّ الحاكم يجبره على أحد هما، لا أنّه يتولّى الإذن من دون رضاه، لكن يخرج الفرض حينئذ ممّا هو المفروض من كونه واجبا كفائيّا و أنّ الولاية حقّ له لا عليه، و على هذا التقدير فلا يقبل الإجبار و لا ولاية الحاكم كما عرفت، فحينئذ إن توقّف صحّة فعل الغير على إذن صاحب الحقّ و عدم جواز إيجاده من دون رضاه، للزم أن يكون وجوبه أيضا مشروطا بذلك، و إلّا للزم توقّف الواجب المطلق على مقدّمة مقدورة لغير المكلّف منوطة باختياره من دون أن يتعيّن عليه ذلك، و هو محال، و إن لم يكن مشروطا به، فمعناه سقوط حقّه، و على أيّ التقديرين فلا مقتضي لإذن الحاكم.

هذا، مع أنّه إذا لم يوجب الشارع عليه أحد الأمرين بل جعل له اختيار هما من دون إلزام، كيف يتعيّن على الحاكم- الذي هو وليّه- أحد الأمرين!؟ فله أيضا أن لا يأذن للغير، فليتأمّل.

إذا عرفت ما ذكرنا من إمكان كون بعض من وجب عليه الفعل كفاية أحقّ ممّن عداه في إيجاد الواجب، فنقول: كلّ ما هو الواجب في هذا الباب- من تغسيل الميّت و تكفينه و دفنه و الصلاة عليه- من هذا القبيل (و) أنّ (أولى الناس به) في جميع ذلك من هو (أولاهم بميراثه) بلا خلاف فيه ظاهرا، بل عن جامع‌

48

المقاصد أنّ الظاهر أنّه إجماعيّ (1)، و عن الخلاف و ظاهر المنتهى دعوى الإجماع عليه (2).

و استدلّ له: بعموم قوله تعالى وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ (3).

و عن المحقّق الأردبيلي (قدّس سرّه) أنّ الآية لا دلالة فيها أصلا (4).

و فيه: أنّ حذف المتعلّق يفيد العموم، فلا قصور في دلالة الآية أصلا بعد إثبات كون مباشرة هذه الأفعال و ولايتها من الحقوق، و عدم كونها مجرّد الحكم التكليفي، كما يشهد له جملة من الأخبار التي يتمّ الاستدلال بها بنفسها للمطلوب.

و يؤيّده: قضاء العرف بذلك حيث يذمّون من باشر هذه الأفعال من دون رضا أولياء الميّت، بل لا يرتابون في أولويّة أولياء الميّت بالنسبة إلى هذه الأفعال بحيث لو أراد الوليّ المباشرة لحكموا بقبح مزاحمته.

فمن جملة الأخبار الدالة عليه: قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر السكوني:

«إذا حضر سلطان من سلطان اللّه جنازة فهو أحقّ بالصلاة عليها إن قدّمه وليّ الميّت، و إلّا فهو غاصب» (5).

و هذه الرواية- كما تراها- صريحة في كون الصلاة على الميّت من الحقوق التي يتعلّق بها الغصب، كالأموال.

و خبر أبي بصير عن المرأة تموت من أحقّ أن يصلّي عليها؟ قال: «الزوج»‌

____________

(1) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 4: 31، و انظر: جامع المقاصد 1: 359.

(2) الحاكي عنهما هو صاحب كشف اللثام فيه 2: 315، و انظر: الخلاف 1: 720، المسألة 536، و منتهى المطلب 1: 450.

(3) سورة الأنفال 8: 75.

(4) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 281، و انظر: مجمع الفائدة و البرهان 1: 175.

(5) التهذيب 3: 206/ 490، الوسائل، الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة، الحديث 4.

49

قلت: الزوج أحقّ من الأب و الولد؟ قال: «نعم» (1).

و خبر إسحاق بن عمّار «الزوج أحقّ بامرأته حتى يضعها في قبرها» (2).

و في خبر غياث بن إبراهيم الرزامي عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن عليّ (عليهم السلام) قال: «يغسّل الميّت أولى الناس به» (3).

و ليس المراد تعيّن الفعل عليه، بل إثبات حقّ له، كما يشهد به ما في ذيل الرواية على ما أرسله في الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «يغسّل الميّت أولى الناس به أو من يأمره الوليّ بذلك» (4) فإنّ التعبير بلفظ الأمر من أقوى الشواهد على إرادة إثبات الحقّ له و اعتبار إذنه في جواز فعل الغير، إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في صلاته و غيرها من أحكامه، الدالّة على اعتبار إذن الوليّ في جواز الإقدام على الفعل، فيستفاد من مجموعها كون مباشرة الأفعال حقّا له.

هذا، و لكنّ الإنصاف أنّ هذه المؤيّدات كلّها لا تكفي في جبر قصور الآية عن الدلالة، لكن فيما عداها ممّا عرفت- بعد اعتضادها بفتوى الأصحاب- كفاية.

ثمّ إنّ المراد بالوليّ في هذا الباب على الظاهر ليس إلّا من هو أولى بميراثه، كما يشهد له- مضافا إلى الإجماعات المستفيضة المعتضدة بعدم نقل الخلاف- ما أشرنا إليه من كونه حقّا له، فيكون بمنزلة الميراث، و لذا استدلّ الفحول له بالآية الشريفة.

____________

(1) الكافي 3: 177/ 3، الوسائل، الباب 24 من أبواب صلاة الجنازة، الحديث 1.

(2) الكافي 3: 194/ 6، التهذيب 1: 325/ 949، الوسائل، الباب 24 من أبواب صلاة الجنازة، الحديث 3.

(3) التهذيب 1: 431/ 1376، الوسائل، الباب 26 من أبواب غسل الميّت، الحديث 1.

(4) الفقيه 1: 86/ 394، الوسائل، الباب 26 من أبواب غسل الميّت، الحديث 2.

50

هذا، مع إمكان استفادته من الروايات الواردة في قضاء الوليّ عن الميّت ما فاته من صلاة أو صيام، ففي بعضها «يقضي عنه أولى الناس به» (1) و ليس المراد منه إلّا من هو أولى بميراثه، كما نصّ عليه في صحيحة حفص حيث قال فيها:

«يقضي عنه أولى الناس بميراثه» (2) فيكشف ذلك عن أنّ المراد بأولى الناس بالميّت متى أطلق- كما في خبر غياث، المتقدّم (3)- هو هذا المعنى، بل لعلّ هذا هو المتبادر منه عرفا في مثل المقام، و لا ينافيه اختصاص الحكم في باب القضاء ببعضهم، لاستفادته بقرينة منفصلة، كما لا يخفى.

فما في المدارك، من أنّه لا يبعد أن يكون المراد بالأولى به من هو أشدّ الناس به علاقة (4)- في غاية الضعف إن أراد العلاقة العرفيّة، كما هو الظاهر، و إن أراد العلاقة المعتبرة شرعا، فهي ليست إلّا ما كشف عنها الشارع في طبقات الإرث.

و يتلوه في الضعف ما استظهر من بعض أنّه المحرم من الورثة، و إذا تعدّد، فالأشدّ علاقة به بحيث يكون هو المعزّى في وفاته و مرجعه في حياته (5)، بدعوى ظهور الأخبار في إرادته، فإنّ قوله (عليه السلام): «يغسّله أولى الناس به» ظاهر في من له مباشرة التغسيل و لو في بعض التقادير من عدم وجود المماثل من المحارم دون مطلق الوارث.

____________

(1) الوسائل، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 6 نقلا عن غياث سلطان الورى، و هو مخطوط.

(2) الكافي 4: 123/ 1، الوسائل، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5.

(3) في ص 49.

(4) مدارك الأحكام 2: 60.

(5) حكاه صاحب الجواهر فيها 4: 44 عن ظاهر بعض متأخّري علماء البحرين.

51

و فيه: أنّه إن تمّ فهو فيما إذا لم يكن الوارث مماثلا للميّت، و إلّا فيجوز له مباشرة الأفعال مطلقا.

مضافا إلى عدم انحصار الدليل في هذه الرواية حتى يدّعى ظهورها فيما ادّعي، فالأظهر ما عليه المشهور، و اللّه العالم.

ثمّ إنّ قضيّة ظاهر الأخبار و كلمات الأصحاب كون الأولويّة في المقام كأولويّته في الإرث من الحقوق اللازمة، و لذا يتحقّق بالنسبة إليها الغصب، كما يدلّ عليه بعض الروايات المتقدّمة.

فما عن ظاهر بعض القدماء و غير واحد من المتأخّرين (1)- من كونها على سبيل الفضل و الاستحباب- ضعيف.

و العجب من صاحب الحدائق حيث فهم من عبارة المتن ذلك، بل و كذا من عبارة المنتهى من قوله: و يستحبّ أن يتولّى تغسيله أولى الناس به. و ادّعى صراحته في ذلك (2).

و أنت خبير بأنّ عبارة المنتهى ليس مفادها إلّا استحباب مباشرة الغسل، لا كون ولايته على سبيل الاستحباب و الفضل، كما أنّ عبارة المتن ليس ظاهرها إلّا إرادة الأولويّة بالمعنى الذي أريد منها في الميراث.

و أعجب من ذلك ما ادّعاه من ظهور الأخبار- الواردة في أحكام الأموات- في اختصاص هذه التكاليف كلّها بالوليّ، و عدم الدليل على وجوبها على عامّة‌

____________

(1) الحاكي هو الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 281، و انظر: الغنية: 105، و منتهى المطلب 1: 428، و مجمع الفائدة و البرهان 1: 175- 176، و ذخيرة المعاد: 81.

(2) الحدائق الناضرة 3: 360، و انظر: منتهى المطلب 1: 428.

52

المكلّفين، كما هو المشهور عدا ما يظهر منهم من الاتّفاق عليه، و كون الحكم مسلّم الثبوت بينهم حيث أرسلوه إرسال المسلّمات، و لم ينقل فيه خلاف، و لم يناقش فيه مناقش.

و قال في مسألة توجيه المحتضر إلى القبلة: و الذي يظهر لي من الأخبار أنّ توجّه الخطاب بجميع هذه الأحكام و نحوها من التلقين و نحوه من المستحبّات أيضا إنّما هو إلى الوليّ، كأخبار الغسل و أخبار الصلاة و الدفن و التلقين و نحوها كما ستقف عليها إن شاء اللّه في مواضعها، و أخبار توجيه الميّت إلى القبلة و إن لم يصرّح فيها بالوليّ إلّا أنّ الخطاب فيها توجّه إلى أهل الميّت دون كافّة المسلمين، فيمكن حمل إطلاقها على ما دلّت عليه تلك الأخبار- إلى أن قال- نعم، لو أخلّ الوليّ بذلك و لم يكن ثمّة حاكم شرعيّ يجبره على القيام بذلك، انتقل الحكم إلى المسلمين بالأدلّة العامّة، كما يشير إليه أخبار العراة (1).

أقول: مراده من الأخبار- التي ادّعى ظهورها في خلاف ما عليه الأصحاب- بحسب الظاهر هي الأخبار التي تقدّمت الإشارة إلى جملة منها، الدالّة على اعتبار إذن الوليّ و كونه أحقّ بالصلاة و الغسل و سائر أحكامه من غيره، و قد عرفت عدم دلالتها إلّا على ثبوت الحقّ له، لا تعيّن الفعل عليه، و قد سمعت التنصيص في مرسلة (2) الفقيه على أنّه «يغسّل الميّت الوليّ أو من يأمره الوليّ بذلك» فكيف يجوز للحاكم إجباره على الغسل مع أنّه من أفراد «الغير» الذي إذا أمره الوليّ بالفعل يكون حاله كحال الوليّ في أولويّته به!؟ فلو قيل بأنّ الحاكم‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 3: 359- 360.

(2) تقدّمت في ص 49.

53

يجبره على الفعل أو الإذن لو امتنع منهما، لكان سليمان عن هذه المناقشة و إن كان فيه أيضا- مع مخالفته لمطلبه- ما عرفته فيما سبق.

ثمّ إنّ ما ذكره من عدم دليل يعتمد عليه و لا حديث يرجع إليه لإثبات الوجوب الكفائي، ففيه- مضافا إلى ما عرفته فيما سبق- أنّه إن كان الأمر كما زعم، فعند امتناع الوليّ أو عدمه فأيّ عموم يكون مرجعا بعد دعوى ظهور كون الخطابات بأسرها متوجّهة إلى الوليّ؟ و ما ليس فيها هذا الظهور محمول على ما عداه، فكيف يمكن على هذا التقدير استفادة حكم من عدا الوليّ منها بعد انصرافها عنه!؟

فاتّضح لك من جميع ما تقدّم أنّ ورثة الميّت في الجملة أولى بتجهيزاته من سائر الناس إلّا أنّ هذه الأولويّة بحسب الظاهر ليست ممّا يستحقّها جميع الورثة، كسائر ما تركه الميّت من الأموال و الحقوق حتى يعتبر في جواز فعل الغير بل البعض منهم رضا الجميع، ضرورة قصور الأدلّة عن إثبات هذا النحو من التعميم، بل الظاهر عدم الخلاف فيه، فلا يستحقّها إلّا البعض، و إنّما الكلام في تشخيص هذا البعض.

فنقول: أمّا من ليس أهلا للولاية- كالصغير و المجنون، و كالمملوك- فلا يستحقّها جزما، لقصورهم عن الولاية على أنفسهم فكيف يجعلهم الشارع وليّا فيما يتعلّق بالغير!؟ مضافا إلى انصراف الأدلّة عنهم جزما، و بمنزلتهم الغائب الذي يتعذّر صدور الفعل منه أو وقوعه بأمره.

و توهّم ثبوت الحقّ لهم فيتولّاه وليّهم من الحاكم و الوصيّ و نحو هما يدفعه- مضافا إلى عدم الدليل عليه بعد انصراف الأدلّة عن مثلهم- ما أشرنا فيما‌

54

سبق من أنّ حقّ الولاية من الحقوق المتقوّمة بنفس صاحب الحقّ، فيتعذّر استيفاؤه بولاية الغير، و حينئذ فلو فرض انحصار الوارث الفعلي به، فهل تسقط الولاية رأسا أو تنتقل إلى الطبقة المتأخّرة عنه؟ وجهان، أظهر هما: ذلك، فإنّ وجود الأقرب منه إلى الميّت بعد فرض عدم أهليّته للولاية لا يصلح مانعا من استحقاق القريب لهذا الحقّ، فهو أولى بالتولية ممّن عداه من الأجانب، فتعمّه الأدلّة، غاية الأمر أنّه لو كان الوارث الفعلي أهلا، لكان أحقّ منه، و كان هو المرجع في أمر الميّت، لكنّ المفروض عدمه.

ثمّ إنّه لو تعدّد الوارث الفعلي الصالح للولاية، فقد صرّحوا- من غير خلاف يعرف فيه، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه- بأنّ الأب أولى من سائر أولي الأرحام.

نعم، عن الإسكافي القول بتقديم الجدّ عليه (1)، و سيأتي تفصيل الكلام فيه و في تشخيص شخص الوليّ عند تعدّد الوارث في كلّ طبقة في كتاب الصلاة إن شاء اللّه.

(و) لكنّ الإشكال فيما نصّ عليه المصنّف في المقام، و سيأتي التصريح به أيضا في باب الصلاة من أنّه‌

[إذا كان الأولياء رجالا و نساء، فالرجال أولى]

(إذا كان الأولياء رجالا و نساء، فالرجال أولى) بل عن المنتهى نفي الخلاف عنه في الصلاة (2).

و قضيّة إطلاقهم عدم الفرق بين كون الميّت رجلا أو امرأة، بل في المدارك:

____________

(1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 237، المسألة 178.

(2) كما في جواهر الكلام 4: 45، و انظر: منتهى المطلب 1: 451.

55

جزم بهذا التعميم المتأخّرون (1).

و ربما علّلوه ببعض الاعتبارات التي لا تصلح دليلا لإثبات حكم شرعي، و لذا صرّح في الحدائق بعدم وقوفه على ما يدلّ عليه (2).

و عن المحقّق الثاني تقييد إطلاقهم بما إذا لم يكن الميّت امرأة، و إلّا انعكس الحكم (3).

و ربما يوجّه ذلك بانصراف دليل الولاية عمّن ليس له مباشرة الفعل بنفسه خصوصا مثل قوله (عليه السلام): «يغسّل الميّت أولى الناس به» (4).

و فيه- مع أخصّيّته عن المدّعى- أنّه إن تمّ، فمقتضاه نفي ولاية غير الممائل رأسا، لا ترجيح المماثل عند التعدّد.

هذا، و لكنّ الإنصاف أنّ ما عليه المشهور لا يخلو عن قوّة، فإنّ المتبادر من الوليّ في هذا الباب ليس إلّا المتصرّف في أمر الميّت عن استحقاق، بل قد يقال:

إنّ المتبادر من إطلاق الوليّ ليس إلّا ذلك، بل ربما يدّعى أنّ لفظة «أولى» لا يتبادر من إطلاقها إلّا هذا المعنى لا التفصيل و إن كان فيه تأمّل، لكن لا تأمّل في أنّ المتبادر من الوليّ المطلق في هذا الباب هو المتصرّف عن استحقاق، و قد عرفت نصّا و إجماعا أنّ أحقّهم بذلك من هو أولاهم بميراثه، بل هو الذي يساعد عليه العرف في الجملة، و إذا تعدّدت الورثة، فلا ينصرف الذهن عند الأمر بالرجوع إلى وليّ الميّت و الاستئذان منه إلّا إلى بعضهم ممّن كان له نحو تقدّم و رئاسة و اعتبار‌

____________

(1) مدارك الأحكام 2: 60.

(2) الحدائق الناضرة 3: 381.

(3) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 4: 46، و انظر: جامع المقاصد 1: 359.

(4) التهذيب 1: 431/ 1376، الوسائل، الباب 26 من أبواب غسل الميّت، الحديث 1.

56

عرفا أو شرعا بالنسبة إلى أمور الميّت.

ألا ترى أنّه لو كان له أب، لا يلتفت الذهن إلّا إليه، و لا يفهم من مثل هذا الأمر إرادة من عداه، و لعلّه لذا توهّم ابن الجنيد تقديم الجدّ على الأب زعما منه أنّه هو المرجع في أمر الميّت عرفا و إن كان فيه- بعد تسليم كونه كذلك عرفا- أنّ الشارع كشف بطلان ما يراه العرف بما بيّنه من أنّ أولى الناس به أولاهم بميراثه.

و كيف كان فمع تعدّد الوارث و كون بعضهم رجالا و بعضهم نساء لا ينسبق إلى الذهن إرادة النساء من الأمر بالرجوع إلى وليّ الميّت، بل يمكن أن يقال: إنّ المتبادر في مثل الفرض ليس إلّا إرادة أكبر الذكور و أرشدهم، كما سيأتي تحقيقه في باب الصلاة، و نقل القول به من صاحب الحدائق (1). فعلى هذا يبقى ولاية من عدا القدر المتيقّن- الذي ينصرف إليه الذهن- عارية عن الدليل، منفيّة بالأصل السالم من حكومة إطلاق عليه، إذ لا إطلاق في البين، كما لا يخفى.

هذا كلّه فيما عدا الزوج و الزوجة‌

[الزوج أولى بالمرأة من كلّ أحد]

(و) أمّا (الزوج) فهو (أولى بالمرأة من كلّ أحد في أحكامها كلّها) بلا خلاف فيه ظاهرا، كما يدلّ عليه رواية أبي بصير و موثّقة إسحاق بن عمّار، المتقدّمتان (2). و عن المعتبر و المنتهى حكاية الاتّفاق على مضمون موثّقة إسحاق (3). و عن الأردبيلي نسبته إلى عمل الأصحاب (4). فلا تعارضها صحيحة حفص عن الصادق (عليه السلام) في المرأة تموت و‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 10: 390.

(2) في ص 48 و 49.

(3) الحاكي عنهما هو صاحب الجواهر فيها 4: 47، و انظر: المعتبر 1: 264، و منتهى المطلب 1: 436.

(4) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 4: 47، و انظر: مجمع الفائدة و البرهان 1: 176.