مصباح الفقيه - ج6

- الشيخ آقا رضا الهمداني المزيد...
387 /
7

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة الركن الثاني في الطهارة المائية]

[تتمة مبحث الغسل]

[الأغسال المسنونة]

(و أمّا الأغسال المسنونة فالمشهور) المعروف (منها: ثمانية و عشرون غسلا) و إلّا فهي أكثر من ذلك، بل عن المصابيح أنّها تقرب من مائة (1).

[ستّة عشر ستّة عشر للوقت]

(ستّة عشر) من تلك الأغسال المشهورة (للوقت،)

[غسل يوم الجمعة]

(و هي: غسل يوم الجمعة) الذي لا شبهة في شرعيّته، بل لعلّه من ضروريّات الدين.

و هو من الأغسال المستحبّة لا الواجبة على المشهور بين الأصحاب، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه.

و حكي (2) عن بعض العامّة: القول بوجوبه، و عن بعض (3) متأخّري أصحابنا الميل إليه أو القول به؛ اغترارا ببعض الروايات المشعرة به أو الظاهرة فيه.

و ليس بشي‌ء؛ ضرورة أنّه لو كان غسل الجمعة كالجنابة فريضة، لصار وجوبه من صدر الإسلام- كسائر الفرائض التي يعمّ بها البلوى- ضروريّا فضلا عن أن يشتهر بين العامّة و الخاصّة خلافه، فلو فرض في مثل المقام ورود أخبار‌

____________

(1) الحاكي عنها هو صاحب الجواهر فيها 5: 2، و كتاب المصابيح مخطوط.

(2) الحاكي هو العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 2: 138، ضمن المسألة 272، و انظر: المحلّى 2: 8، و بداية المجتهد 1: 164، و المبسوط- للسرخسي- 1: 89، و المجموع 4: 535، و المغني 2: 199.

(3) الحاكي عنه هو البحراني في الحدائق الناضرة 4: 217، و انظر: الحبل المتين: 78- 79.

8

معتبرة سليمة عن المعارض دالّة على الوجوب، لوجب تأويلها أو ردّ علمها إلى أهله.

فما يتراءى من جملة من الأخبار وجوبه وجب حمله على إرادة الاستحباب المؤكّد- لقد روي عن أبي عبد اللّٰه عن آبائه (عليهم السلام) عن النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله أنّه قال: «ليس شي‌ء من التطوّع أعظم منه» (1)- أو غيره من المحامل، ففي كثير من الأخبار وصفه بالوجوب.

و الظاهر أنّ المراد من الوجوب الثبوت المؤكّد، لا لزوم الفعل، و الوجوب المصطلح، كما يدلّ عليه جملة من القرائن الداخلة في نفس تلك الأخبار فضلا عن غيرها.

و في غير واحد من الأخبار عدّه من الأغسال الواجبة بهذه الملاحظة، كعدّ غيره من الأغسال المستحبّة أيضا في عرضه في تلك الأخبار.

و في المرسل المحكي عن كتاب العروس عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «لا يترك غسل يوم الجمعة إلّا فاسق، و من فاته غسل الجمعة فليقضه يوم السبت» (2).

و في رواية سهل بن اليسع عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل يدع غسل الجمعة ناسيا أو غير ذلك، قال: «إن كان ناسيا فقد تمّت صلاته، و إن كان متعمّدا فالغسل أحبّ إليّ، فإن هو فعل فليستغفر اللّٰه و لا يعود» (3).

____________

(1) جمال الأسبوع: 228، مستدرك الوسائل، الباب 3 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 9.

(2) العروس (ضمن جامع الأحاديث): 160، مستدرك الوسائل، الباب 4 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 2، و الباب 6 من تلك الأبواب، ح 2.

(3) التهذيب 1: 113/ 299، الإستبصار 1: 103- 104/ 339، الوسائل، الباب 7 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 3.

9

و في رواية أبي بصير «إذا كان ناسيا فقد تمّت صلاته، و إن كان متعمّدا فليستغفر اللّٰه و لا يعد» (1).

و موثّقة عمّار عن الصادق (عليه السلام) عن الرجل ينسى الغسل يوم الجمعة حتّى صلّى، قال: «إن كان في وقت فعليه أن يغتسل و يعيد الصلاة، و إن مضى الوقت فقد جازت صلاته» (2) إلى غير ذلك من الروايات التي يتراءى منها الوجوب.

و لا يخفى على المتتبّع في الأخبار أنّ ورود مثل ذلك في السنن غير عزيز، فكفى في صرف مثل هذه الروايات عن ظاهرها مخالفتها للمشهور خصوصا في مثل هذه المسألة، فضلا عن معارضتها بجملة من الروايات التي كادت تكون صريحة في الاستحباب.

مثل: صحيحة ابن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الغسل في الجمعة و الأضحى و الفطر، قال: «سنّة و ليس بفريضة» (3).

و رواية عليّ بن حمزة، قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن غسل العيدين أ واجب هو؟ قال: «سنّة» قلت: فالجمعة؟ قال: «سنّة» (4).

و خبر الحسين بن خالد قال: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) كيف صار غسل الجمعة واجبا؟ فقال: «إنّ اللّٰه أتمّ صلاة الفريضة بصلاة النافلة، و أتمّ صوم الفريضة‌

____________

(1) الفقيه 1: 64/ 242، الوسائل، الباب 8 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(2) التهذيب 1: 112- 113/ 298، الإستبصار 1: 103/ 338، الوسائل، الباب 8 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(3) التهذيب 1: 112/ 295، الإستبصار 1: 102/ 333، الوسائل، الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 9.

(4) التهذيب 1: 112/ 297، الإستبصار 1: 103/ 335، الوسائل، الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 12.

10

بصوم النافلة، و أتمّ وضوء الفريضة بغسل الجمعة ما كان في ذلك من سهو أو تقصير أو نسيان» (1).

و خبر الفضل بن شاذان عن مولانا الرضا (عليه السلام) في كتاب كتبه إلى المأمون:

«و غسل يوم الجمعة سنّة، و غسل العيدين و غسل دخول مكّة و المدينة و غسل الزيارة و غسل الإحرام و أوّل ليلة من شهر رمضان و ليلة سبع عشرة و ليلة تسع عشرة و ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان هذه الأغسال سنّة، و غسل الجنابة فريضة، و غسل الحيض مثله» (2) إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالّة عليه.

و وضوح الحال أغنانا عن إطناب المقال باستقصاء الأخبار و التعرّض لمفادها بما يقتضيه النقض و الإبرام.

(و وقته) على المشهور (ما بين طلوع الفجر) الثاني (إلى زوال الشمس) فلا يجوز تقديمه عليه في غير ما استثني إجماعا، كما عن جماعة نقله.

و يدلّ عليه- مضافا إلى الإجماعات المستفيضة- قاعدة توقيفيّة العبادة، فإنّ الوقت الموظّف الذي ثبت شرعيّة غسل الجمعة فيه في غير ما ستعرفه إنّما هو يومها لا قبله.

و ربما يستشعر ذلك بل يستظهر من الأخبار الدالّة على جوازه بعد طلوع الفجر.

____________

(1) الكافي 3: 42/ 4، التهذيب 1: 111/ 293، الوسائل، الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 7.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 123، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 6.

11

مثل صحيحة زرارة و الفضيل، قالا: قلنا له: أ يجزئ إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة؟ قال: «نعم» (1).

و حسنة زرارة «إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الجمعة و عرفة» (2) إلى آخره.

و رواية ابن بكير أنّه سأل أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الغسل في رمضان، إلى أن قال: «و الغسل أوّل الليل» قلت: فإن نام بعد الغسل؟ قال: فقال: «أ ليس هو مثل غسل يوم الجمعة؟ إذا اغتسلت بعد الفجر كفاك» (3).

و رواية أخرى عنه عن أبيه عن أبي عبد اللّٰه (4) (عليه السلام) مثلها بأدنى اختلاف في ألفاظها.

و كيف كان فهذه الروايات تدلّ على جواز الإتيان به بعد طلوع الفجر، و لو لا استفادته من مثل هذه الروايات و عدم مخالفة الأصحاب فيه ظاهرا، لكان لتوهّم اختصاصه بما بعد طلوع الشمس مجال؛ لإمكان دعوى انصراف المطلقات الآمرة بالغسل يوم الجمعة إلى إرادته بعد طلوع الشمس لا قبله.

لكن لا مجال لمثل هذا التوهّم بعد ما عرفت، كما أنّه لا ريب في امتداد وقته إلى الزوال، بل لا خلاف فيه على الظاهر، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه.

____________

(1) الكافي 3: 418/ 8، التهذيب 3: 236/ 621، الوسائل، الباب 11 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(2) الكافي 3: 41 (باب ما يجزئ الغسل منه ..) ح 1، التهذيب 1: 107/ 279، الوسائل، الباب 43 من أبواب الجنابة، ح 1.

(3) قرب الإسناد: 168/ 614، الوسائل، الباب 11 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 4.

(4) التهذيب 1: 373/ 1142، الوسائل، الباب 11 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 2.

12

و لا ينافيه ما عن المصنّف في المعتبر من تحديده بما قبل الزوال، و دعوى الإجماع عليه (1)؛ فإنّ كون الزوال حدّا يلزمه أن يقع الفعل المحدود به قبله.

(و كلّما قرب) الغسل (من الزوال كان أفضل) كما صرّح به في المتن و غيره، و يظهر من غير واحد دعوى الإجماع عليه.

و عن الفقه الرضوي التعبير بعين العبارة (2).

و يؤيّده حكمه مشروعيّة غسل الجمعة من الطهارة و النظافة عند الزوال و اجتماع الناس للصلاة.

و يدلّ عليه في الجملة- مضافا إلى ما عرفت- صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) «لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنّه سنّة، و شمّ الطيب و البس صالح ثيابك، و ليكن فراغك من الغسل قبل الزوال، فإذا زالت فقم و عليك السكينة و الوقار» (3) الحديث.

و صحيحة البزنطي- المرويّة عن قرب الإسناد- عن الرضا (عليه السلام) أنّه «كان أبي يغتسل للجمعة عند الرواح» (4) بناء على أن يكون المراد بالرواح هو الرواح إلى الصلاة، كما هو الظاهر، دون الرواح بمعنى العشيّ.

و كيف كان فلا إشكال في شي‌ء ممّا عرفت، و إنّما الإشكال فيما صرّحوا به- بل ادّعى غير واحد إجماعهم عليه- من انقضاء وقته بالزوال، و صيرورته قضاء‌

____________

(1) الحاكي عنه هو صاحب الجواهر فيها 5: 8، و انظر: المعتبر 1: 354.

(2) الحاكي عنه هو صاحب الجواهر فيها 5: 13، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 175.

(3) الكافي 3: 417/ 4، الوسائل، الباب 47 من أبواب صلاة الجمعة، ح 3.

(4) قرب الإسناد: 360/ 1285، الوسائل، الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 22.

13

بعده، فإنّه لا يكاد يفهم ذلك من الأخبار، و ليس في قوله (عليه السلام) في الصحيحة المتقدّمة: «و ليكن فراغك من الغسل قبل الزوال» دلالة عليه؛ لكونه مسوقا لبيان ما هو الأفضل، و لا دلالة فيه على انقضاء وقته بالزوال، كما لا يخفى على المتأمّل في الرواية.

نعم، ربما يستظهر كونه قضاء في آخر النهار من خبر سماعة بن مهران عن الصادق (عليه السلام) في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة أوّل النهار، قال: «يقضيه آخر النهار، فإن لم يجد فليقضه يوم السبت» (1) بناء على أن يكون المراد بالقضاء معناه المصطلح، كما يؤيّده اتّحاده مع السبت.

و خبر عبد اللّٰه بن بكير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة، قال: «يغتسل ما بينه و بين الليل، فإن فاته اغتسل يوم السبت» (2) إذ لو كان وقته ممتدّا إلى الغروب، لم يتحقّق الفوت قبل انقضاء وقته، فلم يكن وقع للجواب بقوله (عليه السلام): «يغتسل ما بينه و بين الليل» بل يفهم من ذلك اختصاص وقته بما هو المعهود عندهم من كونه قبل الزوال، و أنّ إتيانه فيما بعد هذا الوقت إنّما هو بعنوان تدارك الفائت.

لكن لقائل أن يقول: يكفي في إطلاق الفوت و صحّة العبارة معهوديّة إيقاعه في ذلك الوقت، و توهّم السائل اختصاصه به لأجل معهوديّته، و لا يقتضي ذلك كون وقته المضروب له أوّلا و بالذات في أصل الشريعة هو ذلك الوقت كي‌

____________

(1) التهذيب 1: 113/ 300، الإستبصار 1: 104/ 340، الوسائل، الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 3.

(2) التهذيب 1: 113/ 301، الوسائل، الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 4.

14

يكون إيجاده فيما بعده إتيانا للشي‌ء في غير وقته الموظّف.

ثمّ لو سلّمت دلالة الروايتين- كما ليس بالبعيد- فلا يكفي في إثبات المطلوب- أعني كون أوّل الزوال حدّا- إلّا بضميمة فتوى الأصحاب و غيرها من المؤيّدات.

و لا يهمّنا تحقيقه بعد أن ثبتت شرعيّة الغسل إلى الليل، كما دلّت عليها الروايتان و غيرهما؛ إذا لا يترتّب على تحقيقه أثر يعتدّ به إلّا من حيث قصد كونه قضاء أو أداء، و هو ممّا لا يضرّ الإخلال به في صحّة العبادة على الأظهر و الأولى، بل الأحوط هو الإتيان به بعد الزوال بقصد امتثال أمره الواقعي المعلوم عند اللّٰه من دون تعيين كونه هو الأمر الخاصّ المتعلّق بغسل الجمعة أو الأمر المتعلّق بقضائه.

و ربّما يثمر أيضا فيما لو اغتسل يوم الخميس عند خوف إعواز الماء، فوجد الماء يوم الجمعة بعد الزوال و قلنا بالإعادة في الوقت لا في خارجه، كما سيأتي التكلّم فيه.

و كذا يثمر عند اختصاص خوف الإعواز بما قبل الزوال دون ما بعده في جواز التقديم على احتمال، لكن يشرع له في هذا الفرض تقديمه بقصد الاحتياط لرجاء المطلوبيّة على الأقوى، كما أنّه يشرع في الفرض الأوّل الإعادة بعد الظهر بقصد الاحتياط و رجاء بقاء وقته الواقعي، فلا فائدة يعتدّ بها في تنقيح هذا المطلب، و اللّٰه العالم بحقيقة أحكامه.

(و يجوز تعجيله يوم الخميس لمن خاف إعواز الماء) على‌

15

المشهور، بل لم ينقل الخلاف فيه من أحد، بل عن الحدائق (1) و غيره (2) نفي الخلاف فيه.

و يدلّ عليه: الصحيح عن الحسين- [أو] (3) الحسن- بن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن امّه و أمّ أحمد بن موسى قالتا: كنّا مع أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) في البادية و نحن نريد بغداد، فقال لنا يوم الخميس: «اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة، فإنّ الماء غدا بها قليل» قالتا: فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة (4).

و في الصحيح عن محمّد بن الحسين عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال لأصحابه: «إنّكم تأتون غدا منزلا ليس فيه ماء، فاغتسلوا اليوم لغد» فاغتسلنا ليوم الجمعة (5).

و عن الفقه الرضوي «و إن كنت مسافرا و تخاف عدم الماء يوم الجمعة فاغتسل يوم الخميس» (6).

و ضعف الروايات منجبر بما عرفت، و موردها- كما هو ظاهر المتن و غيره- إنّما هو التعجيل عند إعواز الماء.

____________

(1) الحاكي عنه هو صاحب الجواهر فيها 5: 15، و انظر: الحدائق الناضرة 4: 231.

(2) جواهر الكلام 5: 15.

(3) بدل ما بين المعقوفين في الطبعة الحجريّة و «ض 7، 8»: «ابن خالد عن». و الصحيح ما أثبتناه؛ لأنّ «الحسين بن خالد» ليس في المصادر، و إنّما في الفقيه: «الحسن بن موسى بن جعفر (عليه السلام)». و في الكافي و التهذيب: «الحسين بن موسى بن جعفر (عليه السلام)».

(4) الكافي 3: 42/ 6، الفقيه 1: 61/ 227، التهذيب 1: 365- 366/ 1110، الوسائل، الباب 9 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 2.

(5) التهذيب 1: 365/ 1109، الوسائل، الباب 9 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(6) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 129، مستدرك الوسائل، الباب 5 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

16

و هل يلحق به مطلق الفوات كما عن جملة من الأصحاب التصريح به (1)؟

وجهان: من الاقتصار في الحكم المخالف للأصل على مورد الثبوت، و من دعوى القطع بعدم مدخليّة خصوصيّة إعواز الماء، و إناطة الحكم بمطلق الفوات بل مطلق التعذّر.

و كيف كان فدعوى القطع بالمناط على عهدة مدّعيها و إن كانت غير بعيدة، فالقول بالاختصاص لمن لم يحصل له القطع بذلك هو المتعيّن.

و الأولى الإتيان به حينئذ بداعي الاحتياط و رجاء المطلوبيّة.

ثمّ إنّ ظاهر المتن و غيره- بل قيل: إنّه المشهور شهرة كادت تكون إجماعا (2)- إنّما هو كفاية مطلق الخوف.

و ظاهر المحكيّ عن بعض: اعتبار غلبة الظنّ (3)، بل عن ظاهر بعض اعتبار اليأس (4)، كما هو مورد الرواية الثانية (5) على الظاهر.

و الأقوى هو الأوّل، كما هو صريح الرضوي (6)، و ظاهر الصحيح الأوّل، المؤيّد بالشهرة المحكيّة، و شهادة التتبّع بكفاية الخوف في الضرورات.

و كيف كان فالمتبادر من النصوص و الفتاوى إنّما هو جواز التقديم عند خوف عوز الماء للغسل في وقته أداء، فلا عبرة بتمكّنه من الماء يوم السبت، بل و‌

____________

(1) راجع جواهر الكلام 5: 15.

(2) كما في جواهر الكلام 5: 16.

(3) حكاه صاحب الجواهر فيها 5: 16 عن منتهى المطلب 1: 129.

(4) حكاه صاحب الجواهر فيها 5: 16 عن الخلاف 1: 611- 612، المسألة 377.

(5) أي: صحيحة محمد بن الحسين، المتقدّمة في ص 15.

(6) تقدّم الرضوي في ص 15.

17

كذا يوم الجمعة بعد الزوال على إشكال فيه منشؤه تعليق التعجيل في الفتاوى و النصوص بالإعواز يوم الجمعة، الظاهر في إرادته إلى الغروب.

و دعوى انصرافها إلى إرادة إعوازه في وقته المعهود، أي إلى الزوال و إن لم تكن بعيدة لكنّها غير خالية عن التأمّل.

هذا، مع ما عرفت من أنّ صيرورته قضاء بعد الزوال أيضا لا يخلو عن نظر، فالأولى عدم تقديمه حينئذ إلّا بقصد الاحتياط، كما أنّ الأحوط إعادته بعد الزوال عند التمكّن.

ثمّ إنّه قد يقال: إنّ تعجيل الغسل يوم الخميس أفضل من قضائه.

و لعلّه للأمر به في الروايتين (1)، مع ما فيه من الاستباق إلى الخيرات، و اللّٰه العالم.

ثمّ إنّ مقتضى الجمود على مورد النصّ إنّما هو التقديم يوم الخميس، لكن حكي عن صريح بعض و ظاهر آخرين: جوازه ليلة الجمعة (2)، بل عن المصابيح دعوى الإجماع عليه (3).

و ربّما يوجّه ذلك بانسباقه من العلّة المنصوصة في الروايتين؛ فإنّ المتبادر إلى الذهن كون جواز التقديم يوم الخميس مسبّبا عن إعواز الماء يوم الجمعة من دون أن يكون لكونه في اليوم مدخليّة في الحكم.

____________

(1) أي: روايتي الحسين بن موسى و محمد بن الحسين، المتقدّمتين في ص 15.

(2) الظاهر- بملاحظة التتبّع في المصادر و بالقياس إلى دعوى الإجماع عن المصابيح-: «ليلة الخميس» لا «ليلة الجمعة» و إن حكي جواز الغسل ليلة الجمعة عن ظاهر المعظم. لا حظ جواهر الكلام 5: 17، و كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 323، السطر 19.

(3) الحاكي عنها هو صاحب الجواهر فيها 5: 17.

18

و فيه نظر؛ فإنّ العلّة ليست علّة لجواز التقديم مطلقا، و إلّا لدلّت على جوازه ليلة الخميس أيضا، بل هي علّة لجوازه في يوم الخميس، فإلحاق ليلة الجمعة (1) به لا يكون إلّا بدعوى الأولويّة و تنقيح المناط، لا بالدلالة اللفظيّة.

و الإنصاف أنّها ظنّيّة لا قطعيّة، لكن مع ذلك لا يبعد الالتزام بالإلحاق من باب المسامحة لأجل ما سمعت من دعوى الإجماع عليه (2).

و احتمال استناد الأصحاب فيه إلى ما عرفت ضعفه غير ضائر في جريان قاعدة التسامح ما لم يتحقّق هذا الاحتمال.

لكن مع ذلك لا ريب في أنّ الأحوط هو الإتيان به في الليل بقصد الاحتياط لا التوظيف، و اللّٰه العالم.

ثمّ إنّه لو اغتسل يوم الخميس عند خوف الإعواز فوجد الماء يوم الجمعة، قيل: أعاده؛ لسقوط حكم البدل عند التمكّن من المبدل منه (3).

و عن شارح الدروس: الاستدلال له بإطلاق الأوامر، قال: و إن سلّمنا أنّ ظاهر الروايتين بدليّة هذا الغسل المتقدّم لغسل الجمعة مطلقا، لكن تخصيص الأخبار الكثيرة بمثل هاتين الروايتين مشكل (4). انتهى.

و نوقش في الوجه الأوّل: بأنّ البدل قد وقع صحيحا، فلا يجمع بينه و بين المبدل، كما لو قدّم صلاة الليل أو الوقوف بالمشعر.

و في الثاني- بعد تسليم عدم انصراف الإطلاقات إلى من لم يغتسل-: أنّ‌

____________

(1) لاحظ التعليقة رقم (2) في ص 17.

(2) لاحظ التعليقة رقم (2) في ص 17.

(3) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 323.

(4) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 323، و انظر: مشارق الشموس: 42.

19

أخبار التقديم دالّة على أنّ ما يؤتى به هو غسل الجمعة، الذي أراده الشارع من المتمكّن، فهي حاكمة على الإطلاقات، كما في كلّ واجب قدّم.

و قد يذبّ عن الأولى: بأنّ عدم التمكّن من المبدل شرط في صحّة البدل واقعا، فانكشاف التمكّن منه كاشف عن عدم صحّة البدل واقعا.

نعم، سوّغ الدخول فيه ظاهرا خوف العجز عن المبدل صونا للفعل عن الفوات.

و منه يظهر الجواب عن المناقشة في الإطلاقات؛ إذ بعد تبيّن عدم تحقّق الشرط الواقعي للبدل فلا مخرج من العمومات.

قال شيخنا المرتضى (قدّس سرّه)- بعد الإشارة إلى ما عرفت-: و لكنّ الإنصاف أنّ الظاهر من الروايتين أنّ ما يفعله الخائف هو الغسل الذي يفعله المتمكّن في يوم الجمعة، فلو صحّ سندهما و استغنيا (1) عن الجابر، لم يكن مناص عن العمل بهما في الحكم بالبدليّة الواقعيّة، إلّا أنّهما لضعفهما لا يقومان على إثبات حكم زائد على أصل استحباب الفعل، و الجابر لهما- من الشهرة و عدم ظهور الخلاف- أيضا لم يجبر الزائد على ذلك (2). انتهى.

و يتوجّه عليه أنّ عمل الأصحاب بالرواية يجبر ضعف السند، فتكون بمنزلة غيرها من الروايات الصحيحة المعمول بها، و إلّا فإثبات الاستحباب بها لا يحتاج إلى الجابر، و حينئذ فلا يتّجه رفع اليد عن ظاهرها من دون معارض.

و أمّا ما ذكره (قدّس سرّه) من أنّ ظاهر الروايتين أنّ ما يفعله الخائف هو الغسل الذي‌

____________

(1) في المصدر: «و استغنينا».

(2) كتاب الطهارة: 323.

20

يفعله المتمكّن، ففيه: أنّ هذا مسلّم، و لكنّه لا يجدي، و إنّما المجدي دعوى ظهورهما في أنّ أمر الخائف بإيجاده أمر واقعي بحيث أثّر الخوف في توسعة وقت الفعل واقعا، لا أنّه أمر ظاهريّ نشأ من حسن الاحتياط و صيانة الفعل عن الفوت. و لا يبعد أن يكون مراده (قدّس سرّه) ذلك و إن كانت العبارة قاصرة.

و كيف كان فالأظهر عدم جواز طرح مثل هذه الروايات المشهورة المعمول بها، فلو سلّم ظهورها فيما ذكر فهو حاكم على إطلاقات الغسل يوم الجمعة، لكنّه لا ينفي احتمال مشروعيّة الإعادة و لو باحتمال رجحانها لإدراك فضيلة الوقت، فالأولى حينئذ هو الإعادة بقصد الاحتياط، و اللّٰه العالم.

و لو فاته الغسل يوم الجمعة قبل الزوال، جاز له قضاؤه إلى الليل، كما أشرنا إليه فيما سبق، و قلنا: إنّ الأحوط حينئذ إتيانه بقصد امتثال أمره الواقعي من دون التفات إلى كونه قضاءً أو أداءً.

(و) كذا جاز له (قضاؤه يوم السبت).

و ربما يستشعر من المتن و غيره اختصاصه بيوم السبت. و لعلّه غير مراد بالعبارة، و على تقديره فهو ضعيف محجوج بقول الصادق (عليه السلام) في خبر سماعة في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة أوّل النهار، قال: «يقضيه آخر النهار، فإن لم يجد فليقضه يوم السبت» (1).

و موثّقة ابن بكير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة، قال: «يغتسل ما بينه و بين الليل، فإن فاته اغتسل يوم السبت» (2).

____________

(1) التهذيب 1: 113/ 300، الإستبصار 1: 104/ 340، الوسائل، الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 3.

(2) التهذيب 1: 113/ 301، الوسائل، الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 4.

21

و المرسل المحكيّ عن الهداية عن الصادق (عليه السلام) «إن نسيت الغسل أو فاتك لعلّة فاغتسل بعد العصر أو يوم السبت» (1).

و عن الفقه الرضوي «و إن نسيت الغسل ثمّ ذكرت وقت العصر أو من الغد فاغتسل» (2).

و لا ينافيها ما في بعض الأخبار من اختصاص يوم السبت بالذكر، كخبر عبد اللّٰه بن جعفر القمّي- المنقول من كتاب العروس- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «لا يترك غسل يوم الجمعة إلّا فاسق، و من فاته غسل الجمعة فليقضه يوم السبت» (3) و مرسلة حريز عن الباقر (عليه السلام) «لا بدّ من غسل يوم الجمعة في السفر و الحضر، فمن نسي فليعد من الغد» (4) فإنّ المراد بفوته يوم الجمعة بحسب الظاهر إنّما هو فوته في مجموع اليوم، و على تقدير انصرافه إلى إرادة فوته في وقته المعهود- أي قبل الزوال- فليحمل على ما عرفت بقرينة سائر الروايات.

ثمّ إنّه لا فرق على الظاهر في مشروعيّة القضاء بين فوته عمدا أو لعذر، كما عن المشهور (5)؛ لإطلاق خبر سماعة و موثّقة ابن بكير و خبر عبد اللّٰه بن جعفر القمّي (6).

و لا ينافيه تعليقه في مرسلة الهداية و الفقه الرضوي (7) على النسيان؛ لعدم‌

____________

(1) الحاكي عنه هو صاحب الجواهر فيها 5: 19- 20، و انظر: الهداية: 103.

(2) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 5: 20، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 175.

(3) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في ص 8، الهامش (2).

(4) الكافي 3: 43/ 7، الوسائل، الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(5) نسبه إلى المشهور صاحب الحدائق فيها 4: 228- 229.

(6) تقدّمت أخبارهم آنفا.

(7) تقدّم تخريجهما في الهامش (1 و 2).

22

ظهورهما في إرادة المفهوم، بل شهادة سياقهما بكون الشرطيّة مسوقة لبيان تحقّق الموضوع، كظهور قوله (عليه السلام) في خبر سماعة: «فإن لم يجد فليقضه يوم السبت» (1) في إرادة ذلك لمريد الغسل، و على تقدير ظهورها في إرادة المفهوم فليس على وجه يصلح لتقييد المطلقات.

فما عن الحلّي- من أنّه لو تركه تهاونا، ففي استحباب قضائه يوم السبت إشكال (2). انتهى- في غير محلّه.

و عن الصدوقين (3) التعبير بمثل المرسلة المتقدّمة (4) عن الهداية، فاستظهر منهما اختصاص القضاء بالناسي. و عبارتهما قابلة للحمل الذي عرفته في المرسلة، و على تقدير إرادتهما الاختصاص فقد عرفت ضعفه.

و هل يلحق بيوم السبت ليلته في جواز قضائه فيها كما حكي عن ظاهر الأكثر (5)، أم لا كما عن غير واحد نقله؟ (6) وجهان: من الاقتصار على مورد النصوص مع ما فيها من الإشعار بإرادة القضاء- كالأداء- في اليوم، و من دعوى الأولويّة و تنقيح المناط، التي عهدتها على من يدّعي القطع بها.

و لا يجدي في إثبات الإلحاق دعوى جري القيد الوارد في الروايات- من قضائه آخر النهار أو يوم السبت- مجرى العادة من عدم فعل القضاء غالبا إلّا في‌

____________

(1) تقدّم تخريجه في ص 20، الهامش (1).

(2) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 324 نقلا عن «ئر» و الظاهر: «التحرير» حيث لم نجده في السرائر، و ورد نصّا في تحرير الأحكام 1: 11.

(3) الحاكي عنهما هو صاحب الجواهر فيها 5: 23، و انظر: الفقيه 1: 61 ذيل ح 227.

(4) في ص 21.

(5) الحاكي عنهم هو صاحب البحار فيها 81: 126.

(6) انظر: كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 324، و مجمع الفائدة و البرهان 1: 75.

23

اليوم، فإنّ غاية هذه الدعوى عدم دلالة القيد على إرادة المفهوم، لا ثبوت الحكم لغير الموضوع المذكور في القضيّة من غير دليل، فالقول بعدم الإلحاق أشبه بالقواعد.

نعم، لا بأس بإتيانه في ليلة السبت بقصد الاحتياط و رجاء المطلوبيّة و إن تمكّن من تحصيل الجزم بالنيّة بتأخيره إلى اليوم على الأقوى.

ثمّ إنّ ظاهر الأصحاب من غير نقل خلاف فيه من أحد- كما ادّعاه بعض (1)- عدم مشروعيّة القضاء بعد انقضاء نهار السبت.

لكن عن الفقه الرضوي أنّه يقضي يوم السبت أو بعده من أيّام الجمعة (2). و هو شاذّ.

و عن المصابيح أنّه احتمله بعض مشايخنا المعاصرين تسامحا في أدلّة السنن، و اعترضه بأنّه ليس بجيّد؛ لأنّ ظاهر الأدلّة ينفي ذلك، و أدلّة التسامح لا تجري مع ظهور المنع؛ فإنّه مخصوص بما يؤمن معه الضرر مع رجاء النفع (3).

انتهى.

و أنت خبير بأنّ الأدلّة المتقدّمة لا ينفي ذلك إلّا من حيث السكوت.

نعم، لا يبعد أن يقال: إنّ في تخصيص يوم السبت- في النصوص- بالذكر إشعارا بذلك، أمّا الدلالة فلا، فلا مانع من الإتيان به بعده برجاء المطلوبيّة، بل بعنوان الاستحباب أيضا من باب المسامحة بعد أن ورد فيه رواية ضعيفة، بل‌

____________

(1) هو صاحب البحار فيها 81: 126.

(2) الحاكي عنه هو المجلسي في البحار 81: 125 ذيل ح 10، و العاملي في مفتاح الكرامة 1: 14، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 129.

(3) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 324.

24

لو دلّت الأدلّة أيضا على المنع، لا يمنع ذلك من جواز إتيانه بقصد الاحتياط و رجاء الأجر لأجل العمل بالرواية الواصلة ما لم تكن دلالتها على المنع موجبة للقطع بعدم مشروعيّته في الواقع، فإنّ حرمة إتيان الغسل في غير وقته ليست إلّا من حيث التشريع الذي لا يتحقّق قطعا عند إتيانه باحتمال المطلوبيّة، أو العمل بالرواية الضعيفة من باب التسامح.

فما احتمله بعض المشايخ في غاية الجودة بعد البناء على المسامحة، و اللّٰه العالم.

و يستحبّ الدعاء عند غسل الجمعة بالمأثور.

ففي رواية أبي ولّاد الحنّاط عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من اغتسل يوم الجمعة للجمعة فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، و اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين، كان طهرا له من الجمعة إلى الجمعة» (1).

[غسل أول ليلة من شهر رمضان]

(و) من الأغسال المسنونة المشهورة (ستّة في شهر رمضان: أوّل ليلة منه) إجماعا كما عن الغنية و الروض نقله (2)، و عن المعتبر أنّه مذهب الأصحاب (3).

و يدلّ عليه- مضافا إلى ذلك- جملة من الأخبار.

ففي خبر سماعة- الذي عدّ فيها جملة من الأغسال الواجبة و المستحبّة-

____________

(1) التهذيب 3: 10/ 31، الوسائل، الباب 12 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(2) الحاكي عنهما هو صاحب الجواهر فيها 5: 24، و انظر: الغنية: 62، و روض الجنان: 17.

(3) الحاكي عنه هو صاحب الجواهر فيها 5: 24، و انظر: المعتبر 1: 355.

25

عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «و غسل أوّل ليلة من شهر رمضان مستحبّ» (1).

و عن كتاب الإقبال عن بعض كتب القمّيّين عن الصادق (عليه السلام) قال: «من اغتسل أوّل ليلة من شهر رمضان في نهر جار و يصبّ على رأسه ثلاثين كفّا من الماء طهر إلى شهر رمضان من قابل» (2).

و من ذلك الكتاب أيضا: «من أحبّ أن لا تكون به الحكّة فليغتسل أوّل ليلة من شهر رمضان فلا تكون به الحكّة إلى شهر رمضان القابل» (3).

و من كتاب الإقبال أيضا قال: روى ابن أبي قرّة في كتاب «عمل شهر رمضان» بإسناده إلى أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «يستحبّ الغسل في أوّل ليلة من شهر رمضان (و ليلة النصف) منه» (4) فيستفاد من هذه الرواية استحبابه في ليلة النصف أيضا، كما حكي عن المشايخ الثلاثة و أتباعهم (5)، بل عن الغنية و الوسيلة الإجماع عليه (6).

و يدلّ عليه أيضا: المرسل المحكي عن المقنعة عن الصادق (عليه السلام) أنّه «يستحبّ الغسل ليلة النصف من شهر رمضان» (7).

____________

(1) التهذيب 1: 104/ 270، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 3.

(2) إقبال الأعمال: 14، الوسائل، الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 4.

(3) إقبال الأعمال: 14، الوسائل، الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 5.

(4) إقبال الأعمال: 14، الوسائل، الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(5) الحاكي عنهم هو العاملي في مدارك الأحكام 2: 165، و انظر: المقنعة: 51، و الجمل و العقود (ضمن الرسائل العشر): 168، و المهذّب 1: 33، و المراسم: 52، و الكافي في الفقه:

135، و المعتبر 1: 355 حيث فيه حكاية قول السيّد المرتضى نقلا عن المصباح له.

(6) الحاكي عنهما هو صاحب الجواهر فيها 5: 27، و انظر: الغنية: 62، و الوسيلة: 54.

(7) حكاه عنها السيّد ابن طاوس في كتاب الإقبال: 150، و عنه في الوسائل، الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 9.

26

[سبع عشرة و تسع عشرة و إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين من شهر رمضان]

(و) ليلة (سبع عشرة و تسع عشرة و إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين) كما يدلّ عليها الأخبار المستفيضة:

منها: رواية الفضل بن شاذان، المتقدّمة (1) في غسل الجمعة.

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «الغسل في سبعة عشر موطنا: ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، و هي ليلة التقى الجمعان، و ليلة تسع عشرة، و فيها يكتب الوفد وفد السنّة، و ليلة إحدى و عشرين، و هي الليلة التي أصيب فيها أوصياء الأنبياء، و فيها رفع عيسى بن مريم (عليه السلام)، و قبض موسى (عليه السلام)، و ليلة ثلاث و عشرين يرجى فيها ليلة القدر» (2) إلى غير ذلك من الأخبار.

و يستحبّ في ليلة الثلاث و عشرين غسل آخر الليل؛ لرواية بريد بن معاوية، قال: رأيته- يعني أبا عبد اللّٰه (عليه السلام)، كما صرّح به في محكيّ (3) الإقبال- اغتسل في ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان مرّة في أوّل الليل و مرّة في آخره (4)، الخبر.

و يستحبّ أيضا في شهر رمضان أغسال أخر غير الأغسال المشهورة التي عرفتها.

ففي رواية ابن أبي يعفور- المرويّة عن الإقبال من كتاب علي بن‌

____________

(1) في ص 10.

(2) التهذيب 1: 114/ 302، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 11.

(3) الحاكي هو صاحب الوسائل فيها، ذيل ح 1 من الباب 5 من أبواب الأغسال المسنونة.

(4) التهذيب 4: 331/ 1035، إقبال الأعمال: 207، الوسائل، الباب 5 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

27

عبد الواحد- عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، قال: سألته عن الغسل في شهر رمضان، فقال:

«اغتسل ليلة تسع عشرة و إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين و سبع و عشرين و تسع و عشرين» (1).

و عنه أيضا من الكتاب المذكور عن ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال:

«كان رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله يغتسل في شهر رمضان في العشر الأواخر في كلّ ليلة» (2).

و عنه أيضا من كتاب الأغسال لأحمد بن محمّد بن عيّاش الجوهري بإسناده عن عليّ (عليه السلام) في حديث «أنّ النبيّ صلّى اللّٰه عليه و آله كان إذا دخل العشر من شهر رمضان شمّر و شدّ المئزر و برز من بيته و اعتكف و أحيى الليل كلّه، و كان يغتسل كلّ ليلة منه بين العشاءين» (3).

و يحتمل قويّا كون مرجع الضمير في قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «منه» شهر رمضان المذكور في صدر الحديث، فتدلّ الرواية حينئذ على استحباب الغسل في كلّ ليلة منه.

و قد صرّح المحدّث المجلسي في زاد المعاد بأنّه ورد في رواية استحباب الغسل في كلّ ليلة (4)، فلعلّه عثر على رواية أخرى غير هذه الرواية، فلا يبعد الالتزام به من باب التسامح.

و عن جماعة من أساطين الأصحاب (5) التصريح باستحباب الغسل في‌

____________

(1) إقبال الأعمال: 226، الوسائل، الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 13.

(2) إقبال الأعمال: 195، الوسائل، الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 10.

(3) إقبال الأعمال: 21، الوسائل، الباب 14 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 6.

(4) زاد المعاد: 99.

(5) الحاكي عنهم هو صاحب الجواهر فيها 5: 25.

28

جميع ليالي الإفراد.

و يدلّ عليه ما أرسله السيّد ابن طاوس رحمه اللّٰه في الإقبال، قال- فيما حكي عنه في أعمال الليلة الثالثة من شهر رمضان-: و يستحبّ فيها الغسل على حسب الرواية التي تضمّنت أنّ كلّ ليلة مفردة من جميع الشهر يستحبّ فيها الغسل (1).

[غسل ليلة الفطر]

(و) من الأغسال المشهورة: غسل (ليلة الفطر).

و يدلّ عليه رواية حسن بن راشد، قال: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّ الناس يقولون: إنّ المغفرة تنزل على من صام شهر رمضان ليلة القدر، فقال: «يا حسن إنّ القاريجار إنّما يعطى أجرته عند فراغه و ذلك ليلة العيد» قلت: جعلت فداك فما ينبغي لنا أن نعمل فيها؟ فقال: «إذا غربت الشمس فاغتسل» (2) الحديث.

«القاريجار» فارسيّ معرّب «كارگر» معناه: العامل و الأجير، كما حكاه في الوسائل عن بعض مشايخه (3).

[غسل يومي العيدين الفطر و الأضحى]

(و) منها: الغسل (يومي العيدين): الفطر و الأضحى بلا خلاف فيه ظاهرا، بل عن جماعة دعوى الإجماع عليه.

و يدلّ عليه أخبار كثيرة:

ففي خبر سماعة، الوارد في بيان الأغسال: «و غسل يوم الفطر و غسل يوم الأضحى سنّة لا أحبّ تركها» (4).

____________

(1) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 5: 25، و انظر: إقبال الأعمال: 121.

(2) الكافي 4: 167/ 3، الوسائل، الباب 15 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(3) الوسائل، الباب 15 من أبواب الأغسال المسنونة، ذيل ح 1.

(4) التهذيب 1: 104/ 270، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 3، و أيضا الباب 16 من تلك الأبواب، ح 2.

29

و رواية عليّ بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الغسل في الجمعة و الأضحى و الفطر، قال: «سنّة و ليس بفريضة» (1) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

و قد يتراءى من بعض الروايات وجوبه، كموثّقة عمّار، الآتية (2).

و رواية القاسم بن الوليد، قال: سألته عن غسل الأضحى، قال: «واجب إلّا بمنى» (3).

لكنّه يجب طرحه أو تأويله بقرينة ما عرفت.

و أمّا وقت هذا الغسل فلا خلاف ظاهرا في أنّ أوّله من طلوع الفجر، كما يدلّ عليه- مضافا إلى صدق الغسل في اليوم-: ما رواه عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: سألته هل يجزئه أن يغتسل بعد طلوع الفجر؟ هل يجزئه ذلك من غسل العيدين؟ قال: «إن اغتسل يوم الفطر و الأضحى قبل الفجر لم يجزئه، و إن اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه» (4).

و يؤيّده بل يدلّ عليه مرسلة جميل بن درّاج عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا اغتسل الجنب بعد طلوع الفجر أجزأ عنه ذلك الغسل من كلّ غسل يلزمه في ذلك اليوم» (5).

____________

(1) التهذيب 1: 112/ 295، الإستبصار 1: 102/ 333، الوسائل، الباب 16 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(2) في ص 30.

(3) الفقيه 1: 321/ 1465، الوسائل، الباب 16 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 4.

(4) قرب الإسناد: 181/ 669، الوسائل، الباب 17 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(5) الكافي 3: 41/ 2، الوسائل، الباب 43 من أبواب الجنابة، ح 2.

30

و صحيحة زرارة، المتقدّمة (1) في مبحث تداخل الأغسال.

و هل يمتدّ وقته إلى الليل؟ كما عن ظاهر الأكثر بل عن جملة من الأصحاب (2) التصريح به؛ لإطلاق الأخبار، و معاقد إجماعاتهم المحكيّة، أو أنّه إلى ما قبل الخروج إلى المصلّى؟ كما عن الحلّي (3)، و أحد قولي العلّامة حيث قال في محكيّ المنتهى: و الأقرب تضيّقه عند الصلاة؛ لأنّ المقصود منه التنظيف للاجتماع و الصلاة و إن كان اللفظ الوارد دالّا على امتداد وقته (4).

و عن الذكرى أنّه نسب هذا القول إلى ظاهر الأصحاب، قال فيما حكي عنه:

الظاهر امتداد غسل العيدين بامتداد اليوم؛ عملا بالإطلاق، و يتخرّج من تعليل الجمعة أنّه إلى الصلاة أو إلى الزوال الذي هو وقت صلاة العيد، و هو ظاهر الأصحاب (5). انتهى.

و قد يستدلّ له: بموثّقة عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يغتسل يوم العيد حتّى يصلّي، قال: «إن كان في وقت فعليه أن يغتسل و يعيد الصلاة، و إن مضى الوقت فقد جازت صلاته» (6).

____________

(1) في ج 2 ص 270.

(2) الحاكي عنهم هو العاملي في مفتاح الكرامة 1: 15، و انظر: نهاية الإحكام 1: 176، و روض الجنان: 18، و مدارك الأحكام 2: 166.

(3) حكاه عنه العاملي في مفتاح الكرامة 1: 15- 16، و انظر: السرائر 1: 318.

(4) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 326، و انظر: منتهى المطلب 1: 130.

(5) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 4: 185، و انظر: الذكرى 1: 202.

(6) التهذيب 3: 285/ 850، الإستبصار 1: 451/ 1747، الوسائل، الباب 16 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 3.

31

و عن الفقه الرضوي: «إذا طلع الفجر يوم العيد فاغتسل، و هو [أوّل] (1) أوقات الغسل [ثمّ] (2) إلى وقت الزوال» (3).

و في الجميع ما لا يخفى؛ فإنّ العلّة المتخرّجة- التي نبّه عليها في الذكرى و استدلّ بها في محكيّ المنتهى- بعد الغضّ عن عدم صلاحيّتها لإثبات حكم شرعي أنّها من قبيل الحكم التي لا يدور مدارها الحكم، و لذا لا تنفي استحبابه لمن لا يصلّي العيد.

و أمّا الموثّقة: فهي بظاهرها مسوقة لبيان حكم الصلاة الواقعة بلا غسل، فهي بظاهرها تدلّ على اشتراط الصلاة بالغسل، و وجوب إعادتها عند الإخلال به ما دام وقتها باقيا، و مقتضاها وجوب تقديم غسل العيد على الصلاة من باب المقدّمة.

و لا ينافي ذلك استحباب الغسل لذاته يوم العيد مطلقا لا من باب المقدّمة في حقّ كلّ أحد ممّن يصلّي و لا يصلّي، كما يقتضيه سائر الأدلّة؛ إذ لا منافاة بين استحباب الغسل لذاته في اليوم مطلقا، و وجوب إتيانه قبل الصلاة لأجل توقّف الصلاة الواجبة عليه.

هذا إذا أمكن الالتزام بظاهر الموثّقة من توقّف الصلاة على الغسل، فكيف و لا يجوز الأخذ بهذا الظاهر؛ لوجود القاطع بعدم الاشتراط، فلا بدّ إمّا من طرح الموثّقة، أو حملها على استحباب إيقاع الصلاة عقيب الغسل، المستلزم لاستحباب تقديم الغسل عليها من باب المقدّمة الغير المنافي لإطلاق استحبابه النفسي، كما هو واضح.

____________

(1) ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) ما بين المعقوفين من المصدر.

(3) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 5: 34، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 131.

32

و أمّا الرضوي- فمع ضعفه و مخالفته لفتوى الأصحاب- لا يصلح مقيّدا لإطلاقات الأدلّة، مع أنّ انطباقه على ما يدّعيه الخصم لا يخلو عن تأمّل.

و أضعف ممّا عرفت: الاستدلال له برواية عبد اللّه بن سنان، الآتية (1)، كما لا يخفى.

فالأظهر ما حكي عن الأكثر من بقاء وقته إلى الليل و إن لا يخلو استدلالهم عليه- بإطلاق النصوص و الفتاوى و معاقد الإجماعات المحكيّة- عن تأمّل؛ نظرا إلى قوّة احتمال ورود المطلقات مورد حكم آخر من بيان مشروعيّة الغسل في اليوم المخصوص، و نحوها، فلا يبقى لها ظهور معتدّ به في الإطلاق، لكن مع ذلك لا يخلو عن قوّة، فإنّ ترك التعرّض للتقييد مع تظافرها و تكاثرها ربما يوجب ظهورها في ذلك بملاحظة المجموع و إن لم يكن لكلّ من آحادها من حيث هو هذا الظهور.

هذا، مضافا إلى استصحاب بقاء التكليف، و عدم سقوطه بحضور وقت الصلاة.

و منع جريان الاستصحاب فيه؛ لكونه زمانيّا مدفوع: بأنّ المأخوذ في موضوع الحكم في النصوص و الفتاوى ليس إلّا يوم العيد، و لذا تمسّك الأصحاب لإثبات المدّعى بإطلاق الأدلّة، لا الجزء الأوّل منه كي يكون الشكّ بعد انقضاء ذلك الجزء راجعا إلى الشكّ في ثبوت مثل الحكم الأوّل لموضوع آخر غير الموضوع الأوّل حتّى يمتنع فيه الاستصحاب، نظير ما لو أمر الشارع بالجلوس يوم الجمعة في المكان الفلاني بأمر غير قابل لأن يتمسّك بإطلاقه،

____________

(1) في ص 34.

33

فشكّ في اختصاص التكليف بما قبل الزوال أو شموله لما بعده أيضا، فلا مانع من استصحابه ما دام اليوم باقيا، و إنّما الممتنع إجراؤه بعد انقضاء اليوم الذي أخذه قيدا في الموضوع، لا الجزء الأوّل الذي احتملنا مدخليّته فيه.

نعم، لو كان مبنى الاستصحاب في بقاء الموضوع على المداقّة العقليّة، لاتّحد حكم الصورتين، لكنّه ليس كذلك؛ و إلّا لم يجر في شي‌ء من الأحكام الشرعيّة، بل المحكّم فيه العرف القاضي ببقاء الموضوع في مثل الفرض بلا شبهة، لكن مع ذلك لا ريب في أنّ الأولى عدم تأخير الغسل عن أوّل الزوال بل عن وقت الصلاة، و الأحوط إتيانه عند التأخير بداعي الاحتياط، و اللّه العالم.

[غسل يوم عرفة]

(و) منها: غسل (يوم عرفة) على المشهور بل المجمع عليه، كما عن الغنية و المدارك (1)؛ للأخبار المستفيضة.

و في بعضها وصفه بالوجوب، كخبر (2) سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، الذي عدّ فيه جملة من الأغسال الواجبة و المستحبّة، و وصف أكثرها بالوجوب.

و المراد به- على ما يشهد نفس هذه الرواية فضلا عن شهادة غيرها من النصوص و الفتاوى- ما لا ينافي الاستحباب، كما لا يخفى على من لاحظها، فيحمل عليه بقرينة ما عرفت.

و لا يختصّ بالناسك في عرفات؛ لإطلاق النصوص و الفتاوى، و خصوص رواية عبد الرحمن (3) بن سيابة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن‌

____________

(1) الحاكي عنهما هو صاحب الجواهر فيها 5: 35، و انظر: الغنية: 62، و مدارك الأحكام 2: 166.

(2) تقدّم تخريجه في ص 28، الهامش (4).

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «عبد اللّه» بدل «عبد الرحمن» و الصحيح ما أثبتناه من المصدر.

34

غسل عرفة في الأمصار، فقال: «اغتسل أينما كنت» (1).

و الظاهر امتداد وقت هذا الغسل أيضا- كسابقيه- بامتداد اليوم؛ للأصل، و إطلاق الدليل من النصّ و الفتوى.

و عن عليّ بن بابويه أنّه قال: و اغتسل يوم عرفة قبل زوال الشمس (2). و لعلّه أراد به الفضل.

و كيف كان فلا دليل عليه.

نعم، في رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الغسل من الجنابة و الجمعة و يوم الفطر و يوم الأضحى و يوم عرفة عند زوال الشمس» (3).

و هي لا تصلح مستندة له، كما هو واضح، كما أنّها بعد إعراض الأصحاب عنها لا تصلح قرينة لتقييد غيرها من الأخبار، خصوصا مع بعد إرادة الغسل في خصوص وقت الزوال من تلك الأخبار، المتظافرة من دون تعرّض له في شي‌ء منها، فلا يبعد أن يكون تخصيص هذا الوقت بالذكر في هذه الرواية إمّا لكونه أفضل أو لرجحان اشتغاله بعد الغسل بالأعمال المطلوبة يوم المعرفة بعد الزوال، و اللّه العالم.

و يستحبّ الغسل يوم التروية أيضا، كما عن جملة من الأصحاب (4)

____________

(1) التهذيب 5: 479/ 1696، روضة الواعظين: 351، الوسائل، الباب 2 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(2) كما في جواهر الكلام 5: 35.

(3) التهذيب 1: 110- 111/ 290، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(4) الحاكي عنهم هو النراقي في مستند الشيعة 3: 335، و انظر: الهداية- للصدوق-: 90، و نزهة الناظر: 15، و منتهى المطلب 1: 130، و نهاية الإحكام 1: 177.

35

التصريح به؛ لصحيحة ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «الغسل في سبعة عشر موطنا» و عدّ منها «يوم التروية و يوم عرفة» (1).

و صحيحة [معاوية بن عمّار] (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إذا كان يوم التروية فاغتسل» (3) الحديث.

[غسل ليلة النصف من رجب]

(و) من الأغسال المشهورة: غسل (ليلة النصف من رجب) كما صرّح به جملة من الأصحاب، بل عن غير واحد دعوى الشهرة عليه، بل عن بعض نفي الخلاف فيه (4)، و كفى به دليلا في مثل المقام، مضافا إلى ما حكي عن بعض من نسبته إلى الرواية (5).

و عن السيّد ابن طاوس في الإقبال أنّه قال: وجدنا في كتب العبادات عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «من أدرك شهر رجب فاغتسل في أوّله و أوسطه و آخره خرج من ذنوبه كيوم ولدته امّه» (6).

و لو قيل بعدم اختصاص وقت هذا الغسل بالليل و امتداده إلى آخر النهار نظرا إلى إطلاق هذه الرواية، لكان وجها.

و الأحوط تكرير الغسل في اليوم و ليلته؛ لاحتمال كون كلّ منهما بالخصوص مرادا بالرواية، و يفهم منها استحباب الغسل في أوّله و آخره أيضا،

____________

(1) التهذيب 1: 114/ 302، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 11.

(2) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «زرارة». و ما أثبتناه من المصدر.

(3) الكافي 4: 454/ 1، الوسائل، الباب 52 من أبواب الإحرام، ح 1.

(4) حكاه صاحب الجواهر فيها 5: 36 عن الوسيلة: 54.

(5) كما في جواهر الكلام 5: 36 عن العلّامة الحلّي في نهاية الإحكام 1: 177، و الصيمري في كشف الالتباس 1: 340- 341.

(6) إقبال الأعمال: 628، الوسائل، الباب 22 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

36

و اللّه العالم.

[غسل يوم السابع و العشرين من رجب]

(و) منها: غسل (يوم السابع و العشرين منه) و هو يوم المبعث، كما عن المشهور (1)، بل عن الغنية الإجماع عليه (2)، و عن العلّامة و الصيمري نسبته إلى الرواية (3)، لكن حكي عن جماعة (4) الاعتراف بعدم الظفر على رواية.

و ربما يستأنس له: بالمرسل عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال في جمعة من الجمع: «هذا يوم جعله اللّه عيدا للمسلمين فاغتسلوا» (5) حيث علّل الاغتسال: بأنّه عيد، خصوصا بضميمة ما حكي عن الخلاف من الإجماع على استحباب الغسل في الجمعة و الأعياد (6)، و عليه يتّجه القول باستحبابه في يوم المولود أيضا، كما صرّح به بعض (7)، بل و كذا في غيره من الأعياد بعد البناء على المسامحة.

كما يؤيّده أيضا ما رواه المجلسي (رحمه اللّه) في زاد المعاد من فعل أحمد بن إسحاق القمّي في تاسع ربيع المولود، معلّلا بأنّه عيد (8)، بل يظهر منه كون الغسل في الأعياد من الأمور المعهودة المفروغ منها، و اللّه العالم.

[غسل ليلة النصف من شعبان]

(و) منها: (ليلة النصف من شعبان) بلا خلاف فيه، كما في الجواهر (9)،

____________

(1) نسبه إلى المشهور الشهيد الثاني في الروضة البهيّة 1: 686.

(2) حكاه عنها صاحب الجواهر فيها 5: 36، و انظر: الغنية: 62.

(3) الحاكي عنهما هو صاحب الجواهر فيها 5: 36، و انظر: نهاية الإحكام 1: 177، و كشف الالتباس 1: 340- 341.

(4) الحاكي عنهم هو الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 326، و انظر: الذكرى 1: 199.

(5) كنز العمّال 7: 756/ 21256.

(6) كما في جواهر الكلام 5: 37، و انظر: الخلاف 1: 219، المسألة 187.

(7) صاحب الجواهر فيها 5: 36.

(8) زاد المعاد: 373.

(9) جواهر الكلام 5: 37.

37

بل عن الغنية دعوى الإجماع عليه (1).

و يدلّ عليه: رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «صوموا شعبان و اغتسلوا ليلة النصف منه، و ذلك تخفيف من ربّكم و رحمة» (2).

[غسل يوم الغدير]

(و) منها: غسل (يوم الغدير) إجماعا، كما عن جماعة نقله، و قد سمعت نقل الإجماع أيضا على استحبابه في الأعياد، الشامل للمقام.

و يدلّ عليه- مضافا إلى ذلك- خبر عليّ بن الحسين العبدي، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «صيام يوم غدير خمّ يعدل صيام عمر الدنيا- إلى أن قال- و من صلّى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة» ثمّ بيّن كيفيّة الصلاة، إلى أن قال: «ما سأل اللّه حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة إلّا قضيت له كائنة ما كانت» (3) الحديث.

و عن كتاب الإقبال بسنده عن الصادق (عليه السلام) في حديث ذكر فيه فضل يوم الغدير، قال: «فإذا كان صبيحة ذلك اليوم وجب الغسل في صدر نهاره» (4).

و ظاهر الرواية الأولى تحديد الغسل بما قبل الزوال، و ظاهر الثانية كونه في صدر النهار، و ظاهر الفتاوى و معاقد الإجماعات امتداده بامتداد اليوم.

و لا يبعد تنزيل الروايتين على الفضل، بل لا يبعد اختصاص الاولى بمريد الصلاة.

و كيف كان فلا يبعد الالتزام باستحبابه مطلقا بعد البناء على المسامحة.

____________

(1) الحاكي عنها هو صاحب الجواهر فيها 5: 37، و انظر: الغنية: 62.

(2) التهذيب 1: 117/ 308، الوسائل، الباب 23 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(3) التهذيب 3: 143- 144/ 317، الوسائل، الباب 28 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(4) إقبال الأعمال: 474، و عنه في جواهر الكلام 5: 38.

38

[غسل يوم المباهلة]

(و) منها: غسل يوم (المباهلة) و هو الرابع و العشرون من ذي الحجّة على المشهور.

و عن الإقبال نسبته إلى أصحّ الروايات بعد أن حكى فيه قولا بأنّه الواحد و العشرون، و قولا بأنّه السابع و العشرون (1)، و لم يحك قولا بالخامس و العشرين، لكن حكي عن المصنّف في المعتبر (2) القول به.

و يدلّ على الأوّل ما عن مصباح الشيخ عن محمّد بن صدقة العنبري عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «يوم المباهلة يوم الرابع و العشرون من ذي الحجّة تصلّي في ذلك اليوم ما أردت» ثمّ قال: «و تقول و أنت على غسل: الحمد للّه ربّ العالمين» (3) إلى آخره.

و منه يظهر استحباب غسل هذا اليوم، كما هو المشهور بين الأصحاب، بل عن ظاهر الوسيلة عدم الخلاف في ثبوت غسل يوم المباهلة (4)، و عن الغنية الإجماع على استحباب غسل المباهلة (5).

و في موثّقة سماعة، التي عدّ فيها جملة من الأغسال: «و غسل المباهلة واجب» (6).

و المراد بالوجوب الاستحباب المؤكّد.

____________

(1) كما في جواهر الكلام 5: 40، و انظر: إقبال الأعمال: 515.

(2) الحاكي عنه هو العاملي في مفتاح الكرامة 1: 16، و صاحب الجواهر فيها 5: 40، و انظر:

المعتبر 1: 357.

(3) مصباح المتهجّد: 708، الوسائل، الباب 47 من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة، ح 2.

(4) الحاكي عنه هو الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 327، و انظر: الوسيلة: 55.

(5) حكاه عنها العاملي في مفتاح الكرامة 1: 16، و انظر: الغنية: 62.

(6) التهذيب 1: 104/ 270، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 3.

39

و المراد بالمباهلة فيها- على الظاهر- ليس إلّا يومها و لو بقرينة فتوى الأصحاب.

لكن يحتمل قويّا إرادة الغسل لفعل المباهلة، كما عن جماعة من المتأخّرين استظهاره، بل عن الحدائق أنّ في بعض الحواشي المنسوبة إلى المولى محمّد تقي المجلسي (رحمه اللّه) مكتوبا على الحديث المشار إليه ما صورته: «ليس المراد بالمباهلة اليوم المشهور حيث بأهل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مع نصارى نجران، بل المراد به الاغتسال لإيقاع المباهلة مع الخصوم في كلّ حين، كما في الاستخارة، و قد وردت بذلك رواية صحيحة في الكافي، و كان ذلك مشتهرا بين القدماء، كما لا يخفى» (1) انتهى.

و لعلّ مراده بما في الكافي رواية أبي مسروق- المرويّة عن أصول الكافي- عن الصادق (عليه السلام)، قال: قلت: إنّا نتكلّم مع الناس فنحتجّ عليهم بقول اللّه عزّ و جلّ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (2) فيقولون:

نزلت في أمراء السرايا، فنحتجّ بقول اللّه عزّ و جلّ قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ (3) فيقولون: نزلت في مودّة قربى المسلمين، فنحتجّ بقول اللّه عزّ و جلّ إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ (4) فيقولون: نزلت في المؤمنين، فلم أدع شيئا ممّا حضرني ذكره من هذا و شبهه إلّا ذكرته، فقال لي: «إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة» قلت: فكيف أصنع؟ قال: «أصلح نفسك» ثلاثا، و أظنّه قال: «و صم‌

____________

(1) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 327، و انظر: الحدائق الناضرة 4: 190- 191.

(2) النساء 4: 59.

(3) الشورى 42: 23.

(4) المائدة 5: 55.

40

و اغتسل و ابرز أنت و هو إلى الجبّان، فشبّك أصابعك اليمنى في أصابعهم ثمّ ألصقه و ابدأ بنفسك، و قل: اللّهمّ ربّ السموات و ربّ الأرضين عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم، إن كان أبو مسروق جحد حقّا و ادّعى باطلا فأنزل عليه حسبانا من السماء أو عذابا أليما، ثمّ ردّ الدعاء عليه فقل: و إن كان فلان جحد حقّا أو ادّعى باطلا فأنزل عليه حسبانا من السماء أو عذابا أليما، ثمّ قال: «فإنّك لا تلبث إلّا أن ترى ذلك، فو اللّه ما وجدت خلقا يجيبني إلى ذلك» (1) الخبر.

و يستفاد من هذه الرواية مشروعيّة المباهلة و استحباب الغسل لها، و اللّه العالم.

ثمّ إنّه قد حكي عن جملة من الأصحاب أنّه يستحبّ الغسل ليوم دحو الأرض (2)، و هو يوم الخامس و العشرين من ذي القعدة. و لم يظهر مستنده.

و حكي عن الحلبي في إشارة السبق استحباب غسل ليلة الجمعة (3).

و هو أيضا- كسابقه- غير معلوم المستند، لكن لا بأس بالالتزام بهما من باب المسامحة.

و عن جملة من الأصحاب التصريح باستحباب الغسل يوم النيروز، بل لعلّه هو المشهور بين المتأخّرين، بل في الجواهر: لم أعثر فيه على مخالف (4).

و المستند فيه: رواية المعلّى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) في يوم النيروز،

____________

(1) الكافي 2: 513- 514/ 1.

(2) الحاكي عنهم هو صاحب الجواهر فيها 5: 40- 41، و انظر: البيان: 4، و الدروس 1: 87، و الذكرى 1: 199.

(3) حكاه عنه صاحب كشف اللثام فيه 1: 148، و انظر: إشارة السبق: 72.

(4) جواهر الكلام 5: 41.

41

قال: «إذا كان يوم النيروز فاغتسل و البس أنظف ثيابك» (1) الحديث.

و الأقوال في تعيين النيروز مختلفة، و المشهور المعروف في هذه الأزمنة بل و كذا في الأعصار المتقدّمة- مثل زمان المجلسيّين بل و كذا قبله- إنّما هو يوم انتقال الشمس إلى الحمل.

و قيل: إنّه اليوم العاشر من أيّار (2).

و ربما احتمل كونه مصحّف «آذار» فيؤول إلى المشهور.

و قيل: إنّه يوم نزول الشمس في أوّل الجدي (3).

و عن المهذّب أنّه المشهور بين فقهاء العجم (4).

و قيل: إنّه السابع عشر من كانون الأوّل (5).

و قيل: إنّه تاسع شباط، حكي عن المهذّب نسبته إلى صاحب كتاب الأنواء (6).

و قيل (7): هو أوّل يوم من «فروردين» ماه، و هو أوّل سنة الفرس.

و حكي عن بعض أنّه قال: إنّ تأسيس النيروز الجديد بانتقال الشمس إلى برج الحمل في زمان السلطان ملكشاه السلجوقي في يوم الجمعة عاشر شهر رمضان المبارك من سنة إحدى و سبعين و أربعمائة، فكيف يمكن أن يجعل ذلك‌

____________

(1) مصباح المتهجّد: 790 (الهامش) الوسائل، الباب 24 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(2) حكاه صاحب السرائر فيها 1: 315 عن بعض محصّلي أهل الحساب و علماء الهيئة.

(3) كما في جواهر الكلام 5: 42.

(4) الحاكي عنه هو البحراني في الحدائق الناضرة 4: 213، و انظر: المهذّب البارع 1: 192.

(5) حكاه صاحب كتاب الأنواء- كما في المهذّب البارع 1: 192- عن بعض العلماء.

(6) الحاكي عنه هو البحراني في الحدائق الناضرة 4: 213، و انظر: المهذّب البارع 1: 192.

(7) القائل هو صاحب كشف اللثام فيه 1: 145 بعنوان «لعلّ».

42

منوطا للأحكام الشرعيّة الثابتة قبل ذلك نحوا من خمسمائة سنة!؟ و ذكر قبل ذلك أنّ نيروز الفرس إنّما حدث في زمان جمشيد رابع ملوك الدنيا، بل قيل: كان في زمان نوح (عليه السلام) (1). انتهى.

و الذي يغلب على الظنّ كون المراد به في الرواية هو اليوم المشهور المعروف في هذه الأزمنة.

و أمّا سائر الأقوال فلا يبعد أن يكون منشؤها الحدس و الاجتهادات، أو الاعتماد على نقل قصص غير ثابتة.

و ما حكي عن زمان ملكشاه على تقدير ثبوته لم تتحقّق منافاته لذلك؛ لاحتمال كونه تجديدا له بعد الاندراس، لا تأسيسا.

و كيف كان فربّما يؤيّد المشهور: الخبر الآخر الذي رواه المعلّى أيضا عن الصادق (عليه السلام) في فضل النيروز، المشتمل على ذكر أمور عظيمة قد وقعت في هذا اليوم، مثل: أخذ العهد لأمير المؤمنين (عليه السلام) في غدير خمّ، و إرساله إلى وادي الجنّ، و ظفره بأهل نهروان، و قتل ذي الثدية، و أنّه يظهر فيه القائم (عجّل اللّه فرجه)، و يظفّره [اللّه] (2) بالدجّال فيصلبه في كناسة الكوفة- إلى أن قال: «و ما من يوم نيروز إلّا و نحن نتوقّع فيه الفرج لأنّه من أيّامنا حفظه الفرس و ضيّعتموه» (3) إلى آخر الرواية.

و في رواية أخرى عنه أيضا أنّه (عليه السلام) قال لي: «أ تعرف هذا اليوم؟» قال:

____________

(1) حكاه الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 328 (الهامش) عن شارح النخبة.

(2) ما بين المعقوفين من المصدر.

(3) المهذّب البارع 1: 194- 195، الوسائل، الباب 48 من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة، ح 2.

43

قلت: لا، و لكنّه يوم يعظّمه العجم، فقال (عليه السلام): «أفسّره لك حتّى تعلمه» قال: «يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ اللّه ميثاق العباد أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا» (1) الحديث، فإنّ العادة قاضية بأنّه لو كان اليوم المعظّم المحفوظ لدى العجم غير هذا اليوم المشهور، لبقي رسمه في الجملة، و لا أقلّ من بقاء اسمه لديهم و لو في ألسنة الشعراء و غيرهم من أرباب الحكايات.

و يؤيّده أيضا ما قيل (2) من انطباقه على اليوم الذي أخذ فيه البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بغدير خمّ حيث حسب ذلك، فوافق نزول الشمس بالحمل في التاسع عشر من ذي الحجّة على حساب التقويم، و لم يكن الهلال مرئيّا ليلة الثلاثين في تلك السنة، فكان الثامن عشر بحسب الرؤية، و اللّه العالم.

[الأغسال المستحبّة للفعل]

هذا كلّه في الأغسال المستحبّة للزمان (و) أمّا ما يستحبّ لغيره فقد ذكر المصنّف (رحمه اللّه) منه (سبعة للفعل،)

[غسل الإحرام]

(و هي: غسل الإحرام) الذي لا خلاف في مشروعيّته في الجملة نصّا و فتوى، بل الأخبار الدالّة عليه كادت تكون متواترة.

و ربما يظهر من بعض الأخبار وجوبه، كمرسلة يونس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الغسل في سبعة عشر موطنا منها الفرض ثلاثة» قلت: جعلت فداك و ما الفرض منها؟ قال: «غسل الجنابة و غسل من مسّ ميّتا و غسل الإحرام» (3).

لكن يجب ارتكاب التأويل فيه و كذا في غيره ممّا ظاهره الوجوب من حيث اشتماله على الأمر به؛ لاستفاضة نقل الإجماع على استحبابه، بل عن حجّ‌

____________

(1) المهذّب البارع 1: 195، الوسائل، الباب 48 من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة، ح 3.

(2) القائل هو ابن فهد الحلّي في المهذّب البارع 1: 196.

(3) التهذيب 1: 105/ 271، الإستبصار 1: 98/ 316، الوسائل، الباب 1 من أبواب الجنابة، ح 4.

44

التحرير التصريح بأنّه ليس بواجب إجماعا (1).

و عن ابن المنذر: أجمع أهل العلم أنّ الإحرام جائز بغير اغتسال (2).

و يؤيّده بعد اختفاء مثله في الشريعة مع توفّر الدواعي على نقله.

مضافا إلى ظهور جملة من الروايات فيه:

مثل: خبر فضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) فيما كتبه إلى المأمون «و غسل يوم الجمعة سنّة و غسل العيدين و غسل دخول مكّة و المدينة و غسل الزيارة و غسل الإحرام- إلى أن قال- هذه الأغسال سنّة، و غسل الجنابة فريضة و غسل الحيض مثله» (3).

و عن الفقه الرضوي «الغسل أربعة عشر وجها: ثلاث منها غسل واجب مفروض متى نسيه ثمّ ذكره بعد الوقت اغتسل، و إن لم يجد الماء تيمّم، ثمّ إن وجدت فعليك الإعادة، و أحد عشر غسلا سنّة: غسل العيدين و الجمعة و غسل الإحرام و يوم عرفة و دخول مكّة و دخول المدينة و زيارة البيت و ثلاث ليال في شهر رمضان: ليلة تسعة عشر و ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين، و متى نسي بعضها أو اضطرّ أو به علّة تمنعه من الغسل فلا إعادة» (4) إلى غير ذلك من الروايات الدالّة عليه.

____________

(1) حكاه عنه صاحب كشف اللثام فيه 5: 247، و انظر: تحرير الأحكام 1: 95.

(2) حكاه عنه ابنا قدامة في المغني 3: 232، و الشرح الكبير 3: 231.

(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 123، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 6.

(4) حكاه عنه المجلسي في البحار 81: 13، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 3، و ليس فيه «غسل الإحرام». و عدّه من الواجب في ص 83 منه، فلا حظ.

45

فما عن ظاهر بعض (1) القدماء من وجوبه ضعيف.

[غسل زيارة النبيّ ص و الأئمّة ع]

(و غسل زيارة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام)) على المشهور، بل عن الغنية دعوى الإجماع عليه (2)، و عن الوسيلة عدّه في المندوب (3)، بلا خلاف. و عن المصابيح و غيره نسبته إلى قطع الأصحاب (4)، و هو الحجّة في مثل المقام.

و ربّما يستدلّ له: بخبر سماعة (5) و نحوه (6) ممّا دلّ على استحباب غسل الزيارة.

و نوقش فيه: بأنّ المراد به زيارة البيت على ما يشهد به القرائن.

و عن الفقه الرضوي التصريح بغسل الزيارات بعد ذكره غسل زيارة البيت (7)، فلا يتطرّق فيه مثل هذه المناقشة.

و ربما يستدلّ له أيضا: برواية العلاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (8) قال: «الغسل عند لقاء كلّ‌

____________

(1) هو ابن أبي عقيل كما حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 152، المسألة 102.

(2) حكاه عنها صاحب الجواهر فيها 5: 45، و انظر: الغنية: 62.

(3) حكاه عنها صاحب الجواهر فيها 5: 45، و انظر: الوسيلة: 54.

(4) الحاكي هو صاحب الجواهر فيها 5: 45، و انظر: كشف اللثام 1: 150. و كتاب المصابيح مخطوط.

(5) الكافي 3: 40/ 2، الفقيه 1: 45/ 176، التهذيب 1: 104/ 270، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 3.

(6) الخصال 498- 499/ 5، و 603/ 9، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 123، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، الأحاديث 6- 8.

(7) الحاكي عنه هو صاحب الجواهر فيها 5: 45، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 82.

(8) الأعراف 7: 31.

46

إمام» (1) الحديث، بناء على ظهوره- بقرينة التعبير بلفظ «كلّ» و وقوعه تفسيرا للآية الظاهرة في تعدّد المسجد في كلّ زمان- في ما يعمّ مشاهدهم، أو بدعوى عدم الفرق بين زيارتهم حيّا و ميّتا، كما يؤيّدها بعض الشواهد النقليّة و المناسبات العقليّة.

و الأولى في المقام الاستدلال بالأخبار الكثيرة الواردة في كيفيّة زياراتهم و إن اختصّ بعضها ببعض، أو ورد في خصوص زيارة، مثل الرواية (2) المشهورة الواردة في زيارة الجامعة التي يزار بها كلّ إمام، الآمرة بالغسل، و الأخبار الكثيرة الدالّة عليه عند زيارة النبيّ (3) (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (4) و أبي عبد اللّه (5) و أبي الحسن الرضا (6) (صلوات اللّه عليهم).

و المرويّ عن كامل الزيارات- لابن قولويه- عن سليمان بن عيسى عن أبيه، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): كيف أزورك إذا لم أقدر على ذلك؟ قال: قال لي:

«يا عيسى إذا لم تقدر على المجي‌ء فإذا كان يوم الجمعة فاغتسل و توضّأ و اصعد إلى سطحك و صلّ ركعتين و توجّه نحوي فإنّه من زارني في حياتي فقد زارني في‌

____________

(1) التهذيب 3: 110/ 197، الوسائل، الباب 29 من أبواب المزار، ح 2.

(2) الفقيه 2: 370/ 1625، الوسائل، الباب 29 من أبواب المزار، ح 3.

(3) الكافي 4: 550 (باب دخول المدينة و زيارة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ..) ح 1، التهذيب 6: 5/ 8، الوسائل، الباب 6 من أبواب المزار، ح 1.

(4) التهذيب 6: 25/ 53، الوسائل، الباب 29 من أبواب المزار، ح 1.

(5) الكافي 4: 572/ 1، الوسائل، الباب 59 من أبواب المزار، ح 1.

(6) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 26/ 21، و 262/ 32، الوسائل، الباب 88 من أبواب المزار، ح 1 و 2.

47

مماتي، و من زارني في مماتي فقد زارني في حياتي» (1).

و عن الكتاب المذكور عن أبي الحسن (عليه السلام) «إذا أردت زيارة موسى بن جعفر و محمّد بن علي (عليهما السلام) فاغتسل و تنظّف و البس ثوبيك الطاهرين» (2).

و عنه أيضا قال: و روي عن بعضهم (عليهم السلام) «إذا أردت زيارة قبر أبي الحسن علي بن محمّد و أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام)، تقول بعد الغسل إن وصلت إلى قبرهما و إلّا أومأت بالسلام من عند الباب الذي على الشارع» (3) الحديث.

فإنّ المتأمّل في مثل هذه الروايات لا يكاد يشكّ في شرعيّة الغسل، و كونه من الآداب المطلوبة عند زيارة جميع الأئمّة (عليهم السلام) مطلقا و لو بغير الزيارة الجامعة المنصوص عليها بالخصوص و إن لم يرد نصّ عليه في خصوص بعضهم، خصوصا بعد ما سمعت من الشهرة و دعوى الإجماع عليه، فلا شبهة فيه و لو لم نقل بالمسامحة، و اللّه العالم.

[غسل المفرّط في صلاة الكسوف]

(و غسل المفرّط في صلاة الكسوف) أو الخسوف بأن تركهما متعمّدا (مع احتراق القرص) كلّه (إذا أراد قضاءها على الأظهر) الأشهر بل المشهور سيّما بين المتأخّرين، كما في طهارة شيخنا المرتضى (4) (قدّس سرّه)، بل عن الغنية الإجماع عليه (5).

و يدلّ عليه ما عن الخصال عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

____________

(1) كامل الزيارات: 287- 288/ 4، و عنه في البحار 101: 366/ 6.

(2) كامل الزيارات: 301، و عنه في البحار 102: 7/ 1.

(3) كامل الزيارات: 313، و عنه في البحار 102: 61/ 5.

(4) كتاب الطهارة: 329.

(5) حكاه عنها العاملي في مفتاح الكرامة 1: 18، و انظر: الغنية: 62.

48

«الغسل في سبعة عشر موطنا» و عدّها إلى أن قال: «و غسل الكسوف إذا احترق القرص كلّه فاستيقظت و لم تصلّ فاغتسل و تقضي الصلاة، و غسل الجنابة فريضة» (1) إلى آخره.

و رواه في الفقيه (2) مرسلا.

و صحيحة محمد بن مسلم- المرويّة عن التهذيب- عن أحدهما (عليهما السلام) قال:

«الغسل في سبعة عشر موطنا- إلى أن قال- و غسل الكسوف إذا احترق القرص كلّه فاغتسل» (3).

و مرسلة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل أن يصلّي (4) فليغتسل من غد، و ليقض الصلاة، و إن لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلّا القضاء بغير غسل» (5).

و عن الفقه الرضوي «و إن انكسف الشمس أو القمر و لم تعلم به فعليك أن تصلّيها إذا علمت، فإن تركتها متعمّدا حتّى تصبح فاغتسل و صلّ، و إن لم يحترق القرص فاقضها و لا تغتسل» (6).

____________

(1) الخصال: 508/ 1، و ليس فيه «و غسل الجنابة فريضة» الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 5.

(2) الفقيه 1: 44/ 172، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 4.

(3) التهذيب 1: 114- 115/ 302، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 11.

(4) في التهذيب: «و لم يصلّ» بدل «فكسل أن يصلّي».

(5) التهذيب 1: 117- 118/ 309، الإستبصار 1: 453- 454/ 1758، الوسائل، الباب 25 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(6) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 4: 211- 212، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 135.

49

و ظاهر هذه الأخبار بأسرها وجوبه، كما حكي القول به عن صلاة المقنعة و المراسم و المهذّب و مصباح الشيخ و جمله و المبسوط و الخلاف و الاقتصاد و الكافي و الوسيلة و شرح الجمل للقاضي و الصدوقين (1) نصّا في بعضها، و ظهورا في الباقي، و مال إليه في محكيّ المنتهى و المدارك (2)، بل عن الشيخ في الخلاف الإجماع على أنّ من ترك صلاة الكسوف مع احتراق القرص فعليه الغسل و القضاء (3). انتهى.

و عن شرح الجمل للقاضي: و أمّا لزوم القضاء فالدليل عليه الإجماع، و طريق براءة الذمّة. و كذلك القول في الغسل (4).

و لذلك كلّه اختاره صريحا بعض (5) متأخّري المتأخّرين، إلّا أنّ المحكيّ عن أكثر هؤلاء التصريح بالاستحباب في باب الطهارة (6)، و لذا ادّعى في محكيّ‌

____________

(1) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 330، و انظر: المقنعة: 211، و المراسم: 81، و المهذّب 1: 124، و مصباح المتهجّد: 742، و الجمل و العقود (ضمن الرسائل العشر): 194، و المبسوط 1: 172، و الخلاف 1: 678، المسألة 452، و الاقتصاد: 272، و الكافي في الفقه: 156، و الوسيلة: 112، و شرح جمل العلم و العمل: 136- 137، و الفقيه 1: 44/ 172، و الهداية: 90، و حكاه عن الصدوقين العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 2: 292، ضمن المسألة 180.

(2) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 330، و انظر: منتهى المطلب 1: 131، و مدارك الأحكام 2: 170.

(3) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 330، و انظر: الخلاف 1: 679، ذيل المسألة 452.

(4) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 330، و انظر: شرح جمل العلم و العمل:

136- 137.

(5) لم نتحقّقه.

(6) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 330.

50

[المصابيح] (1) تحقّق الإجماع على الاستحباب (2).

و استدلّ للمشهور: بالأصل، و حصر الأغسال الواجبة في جملة من الروايات فيما عداه، و إشعار الأخبار الآمرة به باستحبابه من حيث عدّه في ضمن الأغسال المستحبّة، خصوصا مع تخصيص الفرض في صحيحة ابن مسلم و رواية الخصال (3) بغسل الجنابة، و أنت خبير بأنّ رفع اليد عن ظواهر الأخبار المستفيضة بمثل المذكورات في غاية الإشكال.

و أمّا تخصيص الفرض في الروايتين بغسل الجنابة فلا بدّ من توجيهه؛ لاشتمالهما على غسل المسّ الذي نلتزم بوجوبه.

و بهذا ظهر لك أنّ عدّه في سوق الأغسال المستحبّة لا يجدى لكون غسل المسّ أيضا مذكورا في ضمنها، خصوصا مع أنّه مذكور في صحيحة ابن مسلم بعد غسل الجنابة حيث عدّ سائر الأغسال ثمّ قال: «و غسل الجنابة فريضة و غسل الكسوف إذا احترق القرص كلّه فاغتسل» (4).

لكن مع ذلك يغلب على الظنّ استحبابه، إلّا أنّه ليس عن مستند يعتدّ به. و لعلّ منشأه الشهرة، و نقل الإجماع، و بعض المبعّدات المغروسة في الذهن، فالقول بالوجوب لو لم يكن أقوى فلا ريب في أنّه أحوط.

ثمّ إنّ المشهور اختصاص الغسل بالقضاء، فلا يشرع للأداء.

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «المصباح». و الصحيح ما أثبتناه من جواهر الكلام.

(2) حكاه عنها صاحب الجواهر فيها 5: 50.

(3) تقدّمتا في ص 48.

(4) التهذيب 1: 114- 115/ 302، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 11.

51

و عن المختلف و بعض من تأخّر عنه استحبابه للأداء أيضا (1). و لعلّه لإطلاق الأمر بالاغتسال عند احتراق القرص كلّه في الصحيحة المتقدّمة (2).

و فيه: أنّ ظاهر هذه الصحيحة بمقتضى إطلاق الأمر الوارد فيها: مطلوبيّة الغسل بل وجوبه بعد الاحتراق لذاته، لا لأجل الصلاة التي ربما يؤتى بها قبل احتراق القرص، و هذا ممّا لا يقول به الخصم، بل لم يلتزم به أحد، بل عن بعض (3) دعوى الإجماع على عدم كونه إلّا لأجل الصلاة، فالقرينة المرشدة إلى إرادة خلاف هذا الظاهر ليست إلّا سائر النصوص و الفتاوى الدالّة على اختصاصه بالقضاء.

و بعبارة أخرى: إذا تعذّر الأخذ بهذا الظاهر، تكون الرواية مجملة من حيث المتعلّق، و سائر الأخبار مبيّنة لها.

هذا، مع أنّه ليس للصحيحة ظهور معتدّ به في الإطلاق، فإنّها على الظاهر (4) مسوقة لبيان عدد الأغسال المشروعة، لا لبيان شرعيّتها على الإطلاق.

هذا كلّه بعد الغضّ عمّا يقوى في النظر من اتّحاد هذه الرواية مع رواية الخصال، الصريحة في الاختصاص بالقضاء بقرينة اتّحاد الراوي و المرويّ عنه- على احتمال- و مضمون الرواية و معظم فقراتها، فالاختلاف الحاصل فيها بحسب الظاهر ليس إلّا بواسطة الرواية من حيث الاختصار و نقل المضمون، و اللّه‌

____________

(1) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 330، و انظر: مختلف الشيعة 1: 153، المسألة 103، و مدارك الأحكام 2: 170، و مفاتيح الشرائع 1: 31.

(2) و هي صحيحة ابن مسلم، المتقدّمة في ص 50.

(3) الحاكي عنه هو الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 330.

(4) في «ض 8»: «بحسب الظاهر» بدل «على الظاهر».

52

العالم.

و قد حكي (1) عن المشهور أيضا- كما في المتن و غيره- اشتراط الغسل للقضاء بشرطين، أحدهما: تعمّد الترك، و الآخر: استيعاب الاحتراق، بل عن السرائر نفي الخلاف في عدم الغسل فرضا و نفلا عند انتفاء أحد الشرطين (2)، خلافا للمحكيّ عن المرتضى (رحمه اللّه) في المصباح (3)، فلم يعتبر الثاني، و للمحكيّ عن المقنع و الذكرى (4)، فلم يعتبرا الأوّل.

و لعلّ مستند الأوّل: إطلاق مرسلة (5) حريز، الواجب حملها على صورة الاستيعاب بقرينة غيرها من النصوص و الفتاوى.

و مستند الأخيرين: إطلاق صحيحة (6) ابن مسلم، التي عرفت قوّة احتمال اتّحادها مع رواية الخصال، التي كادت تكون صريحة فيما هو المشهور فضلا عن لزوم تقييدها على تقدير التعدّد بهذه الرواية و غيرها من مرسلة حريز، المصرّحة بالاشتراط، و كذلك الفقه الرضوي (7)، مع اعتضادها بفتاوى الأصحاب، و اللّه العالم.

[غسل التوبة]

(و غسل التوبة سواء كان عن فسق أو كفر) على المشهور، بل عن‌

____________

(1) الحاكي هو الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 330.

(2) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 330، و انظر: السرائر 1: 321.

(3) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 330، و حكاه عنه المحقّق الحلّي في المعتبر 1: 358.

(4) الحاكي عنهما هو صاحب كشف اللثام فيه 1: 152، و حكاه عن ابن بابويه في المقنع العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 2: 292، ضمن المسألة 180، و لم نجده فيه، و انظر:

الذكرى 1: 198.

(5) المتقدّمة في ص 48.

(6) المتقدّمة في ص 48.

(7) تقدّم في ص 48.

53

المنتهى أنّه مذهب علمائنا أجمع (1).

و يدلّ عليه: رواية مسعدة بن زياد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له رجل: بأبي أنت و أمّي إنّي أدخل كنيفا ولي جيران و عندهم جوار يتغنّين و يضربن بالعود فربما أطلت الجلوس استماعا منّي لهنّ، فقال (عليه السلام): «لا تفعل» فقال الرجل: و اللّه ما أتيتهنّ برجلي و إنّما هو سماع أسمعه بأذني، فقال (عليه السلام): «باللّه أنت أما سمعت اللّه يقول إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (2)؟» فقال: بلى و اللّه كأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه من عربيّ و لا من عجميّ، لا جرم إنّي لا أعود إن شاء اللّه و إنّي أستغفر اللّه، فقال له: «قم فاغتسل و صلّ ما بدالك فإنّك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك، احمد اللّه و سله التوبة من كلّ ما يكره، فإنّه لا يكره إلّا كلّ قبيح، و القبيح دعه لأهله فإنّ لكلّ أهلا» (3).

و الرواية و إن وردت في الفسق لكن يكفي في التعميم للكفر: الشهرة و نقل الإجماع، مضافا إلى إمكان استفادته من التعليل الوارد في الرواية.

و قد روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمر قيس بن عاصم و ثمامة بن أثال بالاغتسال لمّا أسلما (4)، و الظاهر أنّه لم يكن للجنابة؛ لعدم اختصاصها بهما.

____________

(1) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 330، و انظر: منتهى المطلب 1: 131.

(2) الإسراء 17: 36.

(3) الكافي 6: 432/ 10، و في الفقيه 1: 45- 46/ 177، و التهذيب 1: 116/ 304 مرسلا، و في الجميع بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.

(4) سنن أبي داود 1: 98/ 355، سنن النسائي 1: 109، سنن البيهقي 1: 171 و 172، مسند أحمد 5: 61، اسد الغابة 4: 133/ 4364، الإصابة في تمييز الصحابة 5: 259/ 7188، معرفة الصحابة- لأبي نعيم- 3: 290- 291/ 1391.

54

ثمّ إنّه حكي عن بعض الأصحاب التصريح باختصاص استحباب الغسل بالتوبة عن الكبيرة دون الصغيرة (1)، بل ربما استظهر ذلك من المتن و نحوه؛ نظرا إلى عدم كون الصغيرة موجبة للفسق كي يندرج في موضع الحكم، لكن عمّمه بعضهم (2)، بل عن بعض أنّه هو المشهور (3)، بل عن المنتهى دعوى الإجماع عليه (4)، و عن الحدائق نسبته إلى الأكثر (5)، بل لا يبعد إرادته من المتن و غيره.

و كيف كان فهذا هو الأظهر بعد البناء على المسامحة خصوصا مع إمكان دعوى استفادته من الرواية المتقدّمة (6)؛ إذ الظاهر أنّ قوله (عليه السلام): «قم فاغتسل» إلى آخره، بيان لكيفيّة التوبة بإظهار الندم بالتطهير، و فعل الصلاة كفّارة له عمّا صدر منه من الخطيئة، و قوله (عليه السلام): «فإنّك كنت مقيما على أمر عظيم» مسوق لأن يقرّب احتياجه إلى التوبة إلى ذهنه.

هذا، مع أنّ المورد- و هو استماع التغنّي من وراء الجدار- بحسب الظاهر من الصغائر، و كون إصرار الجاهل بالحكم- الذي يرى جوازه- موجبا لصيرورته كبيرة لا يخلو عن إشكال.

و لا ينافيه إطلاق الأمر العظيم عليه في الرواية؛ فإنّ مطلق الخروج من طاعة اللّه بارتكاب محارمه عظيم و إن كان بعضها أعظم من بعض، و اللّه العالم.

____________

(1) حكاه صاحب الجواهر فيها 5: 53 عن الغنية: 62.

(2) كصاحب الجواهر فيها 5: 54.

(3) حكاه صاحب الجواهر فيها 5: 54 عن كتاب المصابيح، و هو مخطوط.

(4) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 5: 54، و انظر: منتهى المطلب 1: 131.

(5) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 331، و انظر: الحدائق الناضرة 4: 194.

(6) في ص 53.

55

[غسل صلاة الحاجة و صلاة الاستخارة]

(و) غسل (صلاة الحاجة و صلاة الاستخارة) على المشهور من غير نقل خلاف فيه، بل عن الغنية و ظاهر غير واحد دعوى الإجماع عليه (1).

و قيل (2): إنّ المراد بصلاة الحاجة و الاستخارة هي الصلاة الخاصّة التي وردت للحاجة و الاستخارة مقيّدة بالغسل، لا مطلق صلاة يصلّيها الرجل لهما.

أقول: أمّا الأخبار الآمرة بالغسل لصلاة الحاجة فهي كثيرة، لكنّها مشتملة على خصوصيّات ربما يقوى في النظر كونها من الآداب المحسّنة من دون أن يتقيّد بها مطلوبيّة صلاتها أو الغسل لها.

و يؤيّده إطلاق الأصحاب في فتاويهم و معقد إجماعهم، فإنّ ظاهرها استحباب الغسل لمطلق صلاة الحاجة و الاستخارة و إن لم تكن بالكيفيّة الواردة في خصوص الأخبار الآمرة بالغسل. فالأشبه شرعيّة الغسل لمطلق صلاتهما، كما أنّ الأظهر شرعيّة الصلاة لهما مطلقا و إن لم تكن بالآداب الموظّفة المنصوصة.

بل قد يقال: إنّ الأقوى شرعيّة الغسل لنفس طلب الحاجة و الاستخارة من دون صلاة، كما يستظهر ذلك من المحكيّ عن التذكرة ناسبا إلى علمائنا (3).

و يستشهد له بما عن الفقه الرضوي في تعداد الأغسال: «و غسل طلب الحوائج و غسل الاستخارة» (4).

____________

(1) كما في كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 331، و انظر: الغنية: 62، و المعتبر 1: 359، و تذكرة الفقهاء 2: 146، المسألة 282، و روض الجنان: 18.

(2) القائل هو الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: 331، و قبله المحقّق الكركي في جامع المقاصد 1: 76، و العاملي في مدارك الأحكام 2: 171، و صاحب كشف اللثام فيه 1: 157.

(3) كما في جواهر الكلام 5: 55، و انظر: تذكرة الفقهاء 2: 146، المسألة 282.

(4) الحاكي عنه هو صاحب كشف اللثام فيه 1: 157، و انظر: الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 82.

56

و في موثّقة سماعة، الواردة في تعداد الأغسال: «و غسل الاستخارة مستحبّ» (1).

لكن يتوجّه عليه: كون الخبرين مسوقين لبيان حكم آخر، فلا ظهور لهما في الإطلاق، فالقول باستحبابه مطلقا لا يخلو عن تأمّل.

ثمّ إنّه قد يراد بالاستخارة المشاورة و الإرشاد إلى الأصلح. و قد يراد بها طلب أن يجعل اللّه له الخيرة في الأمر الذي يطلبه.

و لعلّ هذا الأخير هو المراد بصحيحة زرارة عن الصادق (عليه السلام) في الأمر الذي يطلبه الطالب من ربّه، إلى أن قال: «فإذا كان الليل فاغتسل في ثلث الليل الثاني» و ساق الحديث إلى أن قال: «فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية استخار مائة مرّة» (2) الحديث.

و أمّا الأصحاب فمرادهم على الظاهر- كما يظهر من بعض (3)- هو المعنى الأوّل.

و كيف كان فلا شبهة في شرعيّة الصلاة لها في الجملة بكلا معنييه، كما يدلّ عليه الأخبار الواردة في باب الاستخارة.

و الأظهر شرعيّة الغسل لصلاتها بكلا المعنيين و لو باعتبار اندراجها في صلاة طلب الحوائج، كما أنّه لا يبعد اندراج بعض الأغسال المسنونة التي أهمل المصنّف ذكرها في ذلك.

____________

(1) التهذيب 1: 104/ 270، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 3.

(2) التهذيب 1: 117/ 307، الوسائل، الباب 21 من أبواب الأغسال المسنونة، ح 1.

(3) راجع جواهر الكلام 5: 55.