مصباح الفقيه - ج8

- الشيخ آقا رضا الهمداني المزيد...
423 /
7

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة الركن الرابع في النجاسات و أحكامها]

[القول في أحكام النجاسات]

[سراية النجاسة من كل ما حكم بنجاسته إلى ملاقيه]

(القول) [في المقام] (1) الثاني (في أحكام النجاسات).)

المشهور بين أصحابنا- (رضوان اللّه عليهم)- أنّ كلّ ما حكم بنجاسته شرعا يؤثّر في تنجيس ما يلاقيه برطوبة مسرية، عدا الماء الكثير و شبهه، بل القليل أيضا في الجملة أو مطلقا على الخلاف المتقدّم في محلّه، فينجّس الملاقي له و ينجس ما يلاقيه و هكذا بلغ ما بلغ.

و قد وقع الخلاف في ذلك في مقامين:

الأوّل: في اشتراط الرطوبة في السراية، و قد أنكره غير واحد في الميتة إمّا مطلقا أو في خصوص ميّت الإنسان، فزعموا سراية النجاسة منها إلى ما يلاقيها و لو مع الجفاف.

و قد تقدّم (2) تفصيل الكلام فيه مع ما فيه من الضعف في محلّه.

الثاني: في سراية النجاسة من كلّ ما حكم بنجاسته إلى ملاقيه.

و قد خالف في ذلك ابن إدريس، فإنّه قال في السرائر- بعد الكلام في‌

____________

(1) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق. و قد مرّ المقام الأوّل في ج 7، ص 7.

(2) في ج 7، ص 56 و ما بعدها.

8

تغسيل الميّت-: و يغتسل الغاسل فرضا واجبا في الحال أو فيما بعد، فإن مسّ مائعا قبل اغتساله و خالطه، لا يفسده و لا ينجّسه، و كذلك إذا لاقى جسد الميّت من قبل غسله إناء ثمّ أفرغ في ذلك الإناء قبل غسله مائع، فإنّه لا ينجس ذلك المائع و إن كان الإناء يجب غسله، لأنّه لاقى جسد الميّت، و ليس كذلك المائع الذي حصل فيه، لأنّه لم يلاق جسد الميّت، و حمله على ذلك قياس و تجاوز في الأحكام بغير دليل، و الأصل في الأشياء الطهارة إلى أن يقوم دليل قاطع للعذر و إن كنّا متعبّدين بغسل ما لاقى جسد الميّت، لأنّ هذه نجاسات حكميّات و ليست بعينيّات، و الأحكام الشرعيّة نثبتها بحسب الأدلّة الشرعيّة.

و لا خلاف أيضا بين الأمّة كافّة أنّ المساجد يجب أن تنزّه و تجنّب النجاسات العينيّة، و قد أجمعنا بلا خلاف في ذلك بيننا على أنّ من غسّل ميّتا له أن يدخل المسجد و يجلس فيه فضلا عن مروره و جوازه و دخوله إليه، فلو كان نجس العين، لما جاز ذلك، و أدّى إلى تناقض الأدلّة.

و أيضا فإنّ الماء المستعمل في الطهارة على ضربين: ماء استعمل في الصغرى، و الآخر ما استعمل في الكبرى، فالماء المستعمل في الصغرى لا خلاف بيننا أنّه طاهر مطهّر، و الماء المستعمل في الطهارة الكبرى الصحيح عند محقّقي أصحابنا أنّه أيضا طاهر مطهّر، و من خالف فيه من أصحابنا من قال: هو طاهر يزيل النجاسات العينيّات، و لا يرفع به الحكميّات، فقد اتّفقوا جميعا على أنّه طاهر، و من جملة الأغسال و الطهارات الكبار غسل من غسّل ميّتا، فلو نجس ما يلاقيه من المائعات، لما كان الماء الذي قد استعمله في غسله و إزالة حدثه طاهرا‌

9

بالاتّفاق و الإجماع اللّذين أشرنا إليهما (1). انتهى.

و لا يخفى عليك أنّ مقتضى دليله الأوّل إنكار سراية النجاسة من المتنجّسات الخالية من أعيان النجاسات مطلقا، إذ لا خصوصيّة لملاقي الميّت في ذلك.

اللّهمّ إلّا أن يقول بكون نجاسة الميّت أيضا حكميّة- كما حكي (2) القول بذلك عن المرتضى (رحمه اللّه)- فعلى هذا يكون مقصوده بقوله: «و هذه نجاسات حكميّات» نجاسة الميّت و ما يلاقيه.

لكن يبعّد ذلك- مضافا إلى عدم معروفيّة الخلاف عنه في نجاسة الميّت- التتبّع في كلماته في باب البئر و غيره ممّا يظهر منه كون نجاسة الميّت من ذي النفس مطلقا إنسانا كان أو غيره لديه عينيّة.

و أبعد من ذلك احتمال أن يكون مقصوده بملاقاة الإناء للميّت ملاقاته له مع الجفاف لا مطلقا، كما حكي القول بنجاسته الحكميّة في الفرض- بمعنى وجوب غسله و عدم تأثيره في تنجيس ملاقيه- عن بعض (3)، لأنّ كلامه كالصريح في عدم إرادته خصوص هذا الفرض، لأنّه ذكر مسألة الإناء من باب الاستطراد، و غرضه الأصلي إثبات عدم انفعال المائع الذي مسّه غاسل الميّت قبل التطهير الذي زعم عدم حصوله إلّا بالاغتسال، فغرضه ليس إلّا إنكار سراية النجاسة من الجسم المتنجّس بملاقاة الميّت، تشبّثا بعدم الدليل عليها، و كون الحكم بثبوت هذا‌

____________

(1) السرائر 1: 163- 164.

(2) الحاكي هو فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1: 66.

(3) راجع، ج 7، ص 56.

10

الحكم للمتنجّس قياسا.

و لذا اعترضه المصنّف (رحمه اللّه)- في محكيّ المعتبر- بقوله: لمّا اجتمع الأصحاب على نجاسة اليد الملاقية للميّت و أجمعوا على نجاسة المائع إذا وقع فيه نجاسة لزم من مجموع القولين نجاسة ذلك المائع لا بالقياس (1). انتهى.

و كيف كان فلا خفاء في ظهور عبارة الحلّي في الإنكار في مورد الكلام، كما أنّه لا خفاء في اقتضاء دليله منع السراية في المتنجّسات مطلقا.

و لعلّه ملتزم بذلك في غير المائعات الملاقية لأعيان النجاسات التي تتأثّر ذواتها بملاقاة النجس و لا تقبل التطهير.

كما ربما يظهر ذلك ممّا ذكره في كتابه بعد ذكر النجاسات و بيان وجوب إزالة قليلها و كثيرها من الثوب و نحوه حيث قال: و جملة الأمر و عقد الباب أنّ ما يؤثّر التنجيس على ثلاثة أضرب: أحدها يؤثّر بالمخالطة، و ثانيها بالملاقاة، و ثالثها بعدم الحياة. فالأوّل: أبوال و خرء كلّ ما لا يؤكل لحمه، و ما يؤكل إذا كان جلّالا، و الشراب المسكر و الفقّاع و المنيّ و الدم المسفوح و كلّ مائع نجس بغيره. و الثاني: أن يماسّ الماء أو غيره حيوان نجس العين، و هو الكلب و الخنزير و الكافر. و الثالث: أن يموت في الماء و غيره حيوان له نفس سائلة، و لا حكم لما عدا ما ذكر في التنجيس (2). انتهى، فإنّ الأجسام الجامدة الملاقية لأعيان النجاسات الخالية منها خارجة من هذه الأقسام، كما لا يخفى.

و كيف كان فقد اختار هذا القول- أي عدم سراية النجاسة من المتنجّسات‌

____________

(1) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 5: 352، و انظر: المعتبر 1: 350.

(2) السرائر 1: 179.

11

الخالية من أعيان النجاسات الى ما يلاقيها- المحدّث الكاشاني، و بالغ في نصرته، و أكثر الطعن- في جملة من كلماته- على المشهور القائلين بالسراية.

قال في محكيّ المفاتيح: إنّما يجب غسل ما لاقى عين النجاسة، و أمّا ما لاقى الملاقي لها بعد ما أزيل عنه العين بالتمسّح و نحوه بحيث لا يبقى فيه شي‌ء منها فلا يجب غسله، كما يستفاد من المعتبرة (1).

على أنّا لا نحتاج إلى دليل على ذلك، فإنّ عدم الدليل على وجوب الغسل دليل على عدم الوجوب، إذ لا تكليف إلّا بعد البيان، و لا حكم إلّا بعد البرهان (2).

ثمّ جرى على قلمه تعريضا على المشهور القائلين بالسراية بعض الكلمات التي لا يناسب صدورها من مثله، عصمنا اللّه من الزلل في القول و العمل.

و عن موضع آخر من كتابه- بعد ذكر النجاسات العشرة في طيّ مفاتيح- قال: مفتاح: كلّ شي‌ء غير ما ذكر فهو طاهر ما لم يلاق شيئا من النجاسات برطوبة، للأصل السالم من المعارض، و للموثّق: «كلّ شي‌ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» (3) (4).

انتهى.

و ظاهر هاتين العبارتين التزامه بسراية النجاسة من أعيان النجاسات، و وجوب غسل ما يلاقيها مطلقا و لو بعد زوال العين، و إنكارها بالنسبة إلى المتنجّس.

____________

(1) تأتي المعتبرة في ص 30.

(2) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 5: 266، و انظر: مفاتيح الشرائع 1: 75.

(3) التهذيب 1: 284- 285/ 832، الوسائل، الباب 37 من أبواب النجاسات، ح 4.

(4) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 5: 267- 268، و انظر: مفاتيح الشرائع 1: 72- 73.

12

لكن قد يلوح من بعض عبائره المحكيّة عنه- التي سيأتي نقلها- إنكار ذلك أيضا، و التزامه بدوران حكم النجاسة مدار عينها، إلّا في الموارد التي ثبت تعبّدا وجوب غسل ملاقيها، كالثوب و البدن، دون سائر الأجسام، و جعل ذلك وجها للحكم بطهارة البواطن و بدن الحيوانات بزوال العين عنها، لا لخصوصيّة فيها.

و ربما يلوح هذا المعنى- أي دوران حكم النجاسات مدار عينها- من السيّد (رحمه اللّه) في بعض كلماته المحكيّة عنه، كاستدلاله لجواز استعمال المائعات الطاهرة- غير الماء- في تطهير الثوب: بأنّ تطهير الثوب ليس إلّا إزالة النجاسة عنه، و قد زالت بغير الماء مشاهدة، لأنّ الثوب لا تلحقه عبادة (1).

و أصرح من ذلك ما حكي عنه من القول بجواز تطهير الأجسام الصيقليّة بالمسح بحيث يزول عنها العين، معلّلا لذلك: بزوال العلّة (2).

و عن المحدّث الكاشاني- بعد أن حكى هذا القول و الاستدلال عن السيّد- قال: و هو لا يخلو من قوّة، إذ غاية ما يستفاد من الشرع وجوب اجتناب أعيان النجاسات، أمّا وجوب غسلها بالماء من كلّ جسم فلا، فما علم زوال النجاسة عنه قطعا حكم بتطهّره، إلّا ما خرج بدليل يقتضي اشتراط الماء، كالثوب و البدن، و من هنا يظهر طهارة البواطن بزوال العين، و طهارة أعضاء الحيوان النجسة غير الآدمي، كما يستفاد من الصحاح (3). انتهى.

____________

(1) حكاه عنه العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 59- 60، ضمن المسألة 30، و انظر: مسائل الناصريّات: 105، المسألة 22.

(2) حكاه عنه الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع 1: 77، و كذا العلّامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 232- 233، المسألة 249.

(3) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 1: 406- 407، و انظر: مفاتيح الشرائع 1: 77.

13

و لا يخفى عليك أنّ هذا المعنى الذي يظهر من السيّد ماله إلى إنكار السراية رأسا حتّى بالنسبة إلى النجاسات العينيّة.

لكنّ الظاهر بل المقطوع به: أنّ محطّ نظر هؤلاء الجماعة- كما هو صريح العبارة المحكيّة عن الحلّي- إنّما هو إنكار كون الأجسام الجامدة المتأثّرة بملاقاة النجاسات كأعيانها من حيث الحكم، و أمّا المائعات الملاقية لها التي تتأثّر ذواتها بملاقاة النجس فلا خلاف في كونها كأعيانها في وجوب إزالتها عن الثوب و البدن و غيره من آثار النجس، كما يشهد بذلك: التدبّر في كلماتهم.

ثمّ إنّا و إن استظهرنا من الحلّي و السيّد القول بمنع السراية لكنّ القائل به صريحا إنّما هو المحدّث الكاشاني، و لذا جلّ من تأخّر عنه- ممّن تعرّض لإبطال هذا المذهب- جعلوه من متفرّداته، و طعنوه بمخالفته للإجماع، بل عن بعضهم الترقّي عن ذلك، و طعنه بمخالفته للضرورة.

أقول: إن أريد بالضرورة غير معناها الذي تقدّم (1) الكلام في كفر منكره، فله وجه، و إلّا فرميه بذلك غفلة من الرامي، فإنّ ضروريّات الشرع في هذه الأعصار منحصرة في الأحكام الكثيرة الدوران في كلمات الشارع من الكتاب و السنّة القطعيّة، كالصلاة و الصوم و الزكاة و نحوها ممّا لا تختفي شرعيّتها على من راجع الكلمات المعلومة الصدور من الشارع. و أمّا ما عداها من الأحكام و إن كانت إجماعيّة أو ضروريّة لدى المتشرّعة في هذه الأعصار بأن عرفها جميعهم بحيث لم يحتملوا خلافها، فإثبات صدورها من الشارع و لو بعد تسليم كونها‌

____________

(1) في ج 7، ص 271 و ما بعدها.

14

كذلك يحتاج إلى مقدّمات نظريّة، كقاعدة اللّطف، أو استكشاف رأي الرئيس من اجتماع المرؤوسين، أو قضاء العادة بوصول الحكم إليهم يدا بيد، إلى غير ذلك من المقدّمات التي غايتها بعد الإذعان بها صيرورة الحكم بواسطتها قطعيّا.

و الأحكام الضروريّة عبارة عن الأحكام التي قياساتها معها بأن كان صدورها من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو الأئمّة (عليهم السلام) بديهيّا بحيث يكون الاعتراف بصدقهم كافيا في الإذعان بتحقّقها من غير احتياجها إلى توسيط مقدّمة خارجيّة من إجماع و نحوه.

و كيف كان فالذي يمكن أن يستدلّ به للسراية أمور:

الأوّل: إجماع العلماء عليها خلفا عن سلف،

كما يكشف عن ذلك إرسالهم إرسال المسلّمات التي لا يشوبها شائبة إنكار، مع تصريح جملة منهم بكونها إجماعيّة.

الثاني: معروفيّتها لدى المتشرّعة

و مغروسيّتها في أذهانهم على وجه يزعمونها من ضروريّات المذهب، فيستكشف بها وصول الحكم إليهم يدا بيد عن الأئمّة (عليهم السلام).

الثالث: الأخبار المستفيضة الدّالة عليها.

فمنها: ما يدلّ على وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس، و حرمة الانتفاع به إن كان مائعا و لو مع خلوّه من عين النجاسة، كالمستفيضة الدالّة على نجاسة الماء القليل الواقع فيه شي‌ء من النجاسات (1)، و الأخبار الدالّة على نجاسة السمن و‌

____________

(1) راجع الوسائل، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الأحاديث 1 و 2 و 4 و 7- 11.

15

الزيت و غيرهما من المائعات التي مات فيها الفأرة و نحوها (1)، و ما دلّ على عدم جواز الاستصباح بأليات الغنم، المقطوعة من الحيّ، معلّلا «بأنّه يصيب الثوب و البدن، و هو حرام» (2).

و هذه الطائفة من الأخبار إنّما تنهض حجّة على من أنكر السراية رأسا و قال بدوران النجاسة مدار عينها، كما ربما يستشعر من عبارة السيّد و بعض عبائر المحدّث المتقدّم (3).

و نحوها الأخبار الدالّة على وجوب غسل الثوب و البدن و غيرهما من الأجسام الملاقية للنجس، الدالّة على عدم كفاية إزالة عينها بغير الغسل، بل في بعضها (4) الأمر بغسل الملاقي للميتة و نحوها ممّا لا يبقى فيه أثر محسوس بعد جفافه.

و لا يعارضها ما يظهر من بعض (5) الأخبار من دوران حكم النجاسة مدار عينها، لعدم المكافئة خصوصا مع إعراض الأصحاب عنه.

و منها: موثّقة عمّار: في الرجل يجد في إنائه فأرة و قد توضّأ من ذلك الإناء مرارا و اغتسل و غسل ثيابه، و قد كانت الفأرة متسلّخة، فقال: «إن كان رآها قبل أن‌

____________

(1) راجع الوسائل، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

(2) الكافي 6: 255/ 3، الوسائل، الباب 32 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 1.

(3) أي: الفيض الكاشاني، و تقدّمت عبارته و كذا عبارة السيّد في ص 11 و 12.

(4) الكافي 3: 6- 61/ 4، التهذيب 1: 262/ 763، و 277/ 816، الوسائل، الباب 34 من أبواب النجاسات، ح 3.

(5) انظر: الكافي 3: 20/ 4، و الفقيه 1: 41/ 160، و التهذيب 1: 348/ 1022، و الوسائل، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 7.

16

يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه ثمّ يفعل ذلك بعد ما رآها، فعليه أن يغسل ثيابه، و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء، و يعيد الوضوء و الصلاة، و إن كان إنّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله، فلا يمسّ من ذلك الماء شيئا، و ليس عليه شي‌ء، لأنّه لا يعلم متى سقطت فيه» ثمّ قال: «لعلّه إنّما سقطت فيه في تلك الساعة [التي رآها]» (1).

و هذه الموثّقة كما تراها كادت تكون صريحة في نجاسة الماء الملاقي للميتة و تنجيس ما يلاقيه.

و منها: الأخبار (2) الدالّة على وجوب غسل الإناء الذي شرب منه الكلب و الخنزير.

و تقريب الاستدلال بهذه الطائفة من الأخبار من وجهين:

أحدهما: أنّه يظهر من إطلاق الأمر بغسل الإناء مع عدم الملازمة بين ولوغ الكلب و الخنزير من مائه و بين ملاقاتهما للإناء: أنّ الماء الذي ولغ منه الكلب و الخنزير- كأعيان النجاسات- مؤثّر في تنجيس ملاقيه.

و الاستدلال بهذه الروايات بهذه النحو من التقريب، و كذا الاستدلال بموثّقة عمّار، المتقدّمة (3) إنّما يجدي في مقابل من أنكر السراية من المتنجّس رأسا حتّى في المائعات الملاقية لأعيان النجاسات.

و قد أشرنا إلى أنّه لم يعلم من أحد إنكار كون المائعات الملاقية للنجس‌

____________

(1) الفقيه 1: 14/ 26، التهذيب 1: 418- 419/ 1322، الوسائل، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، ح 1، و ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) منها: ما في التهذيب 1: 225/ 644، و 261/ 760، و الاستبصار 1: 18- 19/ 39، و الوسائل، الباب 1 من أبواب الأسئار، ح 2 و 3.

(3) آنفا.

17

بمنزلتها من حيث السراية، بل الظاهر- كما هو صريح الحلّي (1)- التزام الكلّ بذلك، فلا تكون هذه الروايات حجّة عليهم بهذا التقريب.

ثانيهما: أنّه يستفاد من الأمر بغسل الإناء- في هذه الأخبار و كذا من غيرها ممّا ورد في كيفيّة غسل الأواني و الفرش و البسط و نحوها- سراية النجاسة إلى ما يلاقيها برطوبة مسرية، و إلّا لم تكن فائدة في التكليف بتطهيرها، ضرورة أنّ تطهيرها بنفسه ليس واجبا نفسيّا، و ليست هذه الأشياء بنفسها ممّا يستعمل فيما يشترط بالطهارة، فالمقصود بتطهيرها ليس إلّا حفظ ما يلاقيها برطوبة مسرية- من الأشياء المشروطة بالطهارة- من النجاسة.

و يتوجّه عليه: أنّ غاية ما يمكن استفادته من الأمر بغسل الأواني و نحوها- بعد البناء على ظهورها في الوجوب الغيريّ، كما هو الظاهر بل المتعيّن- إنّما هي حرمة استعمالها حال كونها متنجّسة في المأكول و المشروب المطلوب فيهما النظافة و الطهارة في الجملة و لو بالنسبة إلى المائعات التي يتنفّر الطبع من شربها في إناء يستقذره، و أمّا تأثيرها في نجاسة ما فيها على وجه تبقى نجاسته بعد نقله إلى مكان آخر فلا.

ألا ترى أنّه لو أمر المولى عبده بغسل أوانيه الوسخة التي يستعملها في أكله و شربه، لا يفهم منه إلّا كراهة استعمالها حال كونها قذرة في الأكل و الشرب.

لا صيرورة ما يلاقيها برطوبة مكروها على الإطلاق.

و أمّا ما ورد في كيفيّة تطهير الفرش و نحوها فلم يظهر منها إرادة أزيد من‌

____________

(1) راجع: السرائر 1: 179.

18

إزالة العين، مع أنّه لا يستفاد منها وجوب التطهير.

و يكفي في حسن تشريعه كون الحكمة فيه المبالغة في إزالة العين التي لا كلام في سراية النجاسة منها إلى ما يلاقيها، أو استحباب التنزّه عن استعمال النجس في سائر الأفعال التي يبتلى بها المكلّف، و إن لم يكن جوازها مشروطا بالطهارة.

و الحاصل: أنّ دعوى استفادة مثل هذا الحكم من مثل هذه الروايات مجازفة محضة، و إنّما يتوهّم دلالتها عليه لأجل مغروسيّة الحكم في الذهن، فيظنّ بواسطتها كونه هو الوجه في صدور الأمر بغسل الأواني و نحوها في هذه الروايات. و إلّا فليس في شي‌ء منها إشعار بذلك.

فالذي يمكن أن يستدلّ به عليه ليس إلّا الإجماع، بل لو سلّمت دلالة الأخبار على المدّعى، فهي غير مغنية عن الإجماع، كما توهّمه بعض من لا يعتمد على الإجماع في إثبات الأحكام الشرعيّة، فإنّ غايتها الدلالة على السراية بواسطة أو واسطتين، و أمّا بالوسائط فلا.

و دعوى القطع بالمناط مجازفة، لإمكان أن يكون لقلّة الوسائط دخل في التأثير، كما في القذارات الحسّيّة، فالتخطّي عن كلّ مرتبة بل عن كلّ نجاسة إلى غيرها يحتاج إلى دليل، و هو منحصر في الإجماع.

و أمّا معروفيّته لدى المتشرّعة: فهي أيضا بنفسها لا تصلح أن تكون دليلا له، لقضاء العادة بصيرورة الحكم- إذا كان ممّا يعمّ به الابتلاء- معروفا لدى العوام على وجه لا يحتملون خلافه إذا اتّفقت عليه كلمات العلماء و لو في الأعصار‌

19

المتأخّرة، فلا ملازمة بينه و بين وصول الحكم إليهم يدا بيد عن المعصوم، و حيث إنّ عمدة المستند هو الإجماع، فلا بدّ من تحقيق حاله.

فنقول: المدار في حجّيّة الإجماع لدينا على القطع بموافقة المعصوم- أو وجود دليل معتبر فيما بين المجمعين بحيث لو وصل إلينا تفصيلا، لوجدناه واجب الاتّباع من حيث الدلالة و السند، فلو فرض عدم حصول القطع بأحد الأمرين لأحد من اتّفاق كلمة علمائنا الإماميّة- (رضوان اللّه عليهم)- لم يجب عليه بل لا يجوز له متابعتهم إن كان من أهل النظر و الاستدلال، إذ لا دليل على اعتباره من حيث هو من شرع أو عقل، بل لم ينقل القول باعتباره تعبّدا من أحد من أصحابنا، و إن كان ربما يستشعر ذلك من استدلالاتهم به في الفروع و إرسالهم دليليّته إرسال المسلّمات، لكن ينافيه تصريحاتهم في الأصول بما هو مناط اعتباره.

نعم، زعم بعض كون الشهرة- التي هي أعمّ من اتّفاق الكلّ- من الظنون المعتبرة.

لكنّه مع كونه خلاف المشهور في غاية الضعف.

فالحقّ أنّ اتّفاق العلماء إنّما يكون حجّة من حيث إفادته للقطع بثبوت متعلّقه لأجل كونه سببا عاديّا لاستكشاف أحد الأمرين المتقدّمين، لا من باب التعبّد.

و أمّا الإجماع الذي هو حجّة من باب التعبّد فهو الإجماع الحقيقي المشتمل على مقالة المعصوم، و اعتباره على هذا التقدير أيضا ليس عندنا من‌

20

حيث نفس الإجماع، بل بواسطة وجوب التعبّد بمقالة المعصوم الذي هو أحد المجمعين.

و زعم كثير من أصحابنا- على ما يظهر من مراجعة كتبهم- أنّ اتّفاق جميع العلماء و لو في عصر واحد طريق عقليّ لاستكشاف رأي الإمام (عليه السلام) بقاعدة اللّطف.

و هو خلاف التحقيق، لعدم تماميّة القاعدة، و لذا لم يعوّل عليها جلّ علمائنا المتأخّرين، و بنوا على أنّ طريق استكشاف رأي الإمام (عليه السلام) من الإجماعات المتحقّقة في هذه الأعصار منحصر في الحدس الناشئ من الملازمة العادية بين اتفاق العلماء في جميع الأعصار و بين موافقة الإمام (عليه السلام)، و لذا اعتبروا في حجّيّة الإجماع اتّفاق كلّ العلماء في جميع الأعصار أو جلّهم على وجه يستلزم عادة موافقة المعصوم.

و لا يخفى أنّ الأسباب العادية غالبا من قبيل المقتضيات ربما يمنعها من التأثير بعض الموانع المكتنفة بها، و حيث إنّا نفينا الملازمة العقليّة، و اعتمدنا على الملازمة العاديّة لم يجز لنا اتّباعهم في الموارد التي لم يحصل لنا القطع بالموافقة بواسطة بعض الأمور المنافية للحدس القطعيّ، كمعلوميّة مستند المجمعين، أو العثور على ما يحتمل استنادهم إليه، أو غير ذلك من الأمور المانعة من القطع.

و كونه نوعا سببا عاديّا للقطع و لو في خصوص المورد بالنسبة إلى نوع المكلّفين غير مجد بالنسبة إلى الشخص الذي لم يحصل له القطع، لما أشرنا إليه من أنّه لا دليل على اعتباره من باب التعبّد، و إنّما يدور حجّيته مدار صفة القطع،

21

فليس لأحد إلزام المحدّث الكاشاني و غيره- ممّن أنكر السراية- بمخالفته للإجماع، ضرورة أنّه لم يحصل له القطع بالحكم من اتّفاق العلماء، و إلّا لتبعهم، فإنّ القاطع مجبول على اتّباع قطعه، كما هو واضح.

نعم، قد يتوجّه على من يخالف الإجماع و يتفرّد بالقول: الطعن باعوجاج السليقة و انحراف الطريقة.

لكنّه غير مجد في جواز اتباعهم ما لم يعتقد المخالف انحرافه عن الطريقة في خصوص المورد.

هذا، مع أنّ الطعن في غير محلّه إذا كان تردّده في الحكم ناشئا عن التفاته إلى أسباب عقلائيّة موجبة للتشكيك، كما فيما نحن فيه، فإنّ في المقام شبهات لا بدّ إمّا من حلّها أو الالتزام بعدم السراية.

الأولى (1): أنّه لو كان المتنجّس منجّسا مطلقا- كما هو معقد إجماعاتهم المحكيّة- للزم نجاسة جميع ما في أيدي المسلمين و أسواقهم، و لتعذّر الخروج من عهدة التكليف بالتجنّب عن النجس، و التالي باطل بشهادة العقل و النقل، فكذا المقدّم.

بيان الملازمة: أنّا نعلم أنّ أغلب الناس لا يتحرّزون عن النجاسات، و يخالطون غيرهم، فيستوي حال الجميع، لقضاء العادة بأنّه لو لم يتحرز شخص و لو في أقصى بلاد الهند من نجاسة في قضيّة واحدة و خالط الناس، لسرت النجاسة إلى جميع البلاد بمرور الدهور إلى أن استوعبت و وصلت إلى بيوتنا‌

____________

(1) أي الأولى من الشبهات المشار إليها آنفا.

22

فضلا عن أنّ جميع من في العالم- عدا من شذ منهم- لا يتحرّزون عن النجاسات، فمقتضاه أن يكون لكلّ شي‌ء ممّا في أسواق المسلمين من مثل الدهن و السمن ممّا نبتلي به بل لكلّ شي‌ء ممّا بأيدينا من أثاث بيوتنا أسباب لا تتناهى لنجاسته.

و ربما اعترف جملة من الناس بعلمه بنجاسة جميع ما يصنع من المطعوم و المشروب و نحوهما في أسواق مثل بغداد من البلاد التي يختلط فيها الخاصّة و العامّة و اليهود و النصارى و غيرهم، و لا يتحرّز بعضهم عن مساورة بعض، و غفل عن أنّه إذا أمعن النظر لرأي عدم الفرق بينه و بين أثاث بيته، و لذا ترى جلّ الأشخاص الملتفتين إلى بعض هذه المقدّمات لا زال يصرّحون بأنّه لو لا البناء على الإغماض و المسامحة في أمر النجاسة، لتعذّر الخروج من عهدة التكليف بالاجتناب عنها، و من ابتلى بتربية طفل غير مميّز أو ابتلى في واقعة بنجاسة غفل عن تطهيرها و لم يفطّن إلّا بعد أن خالط الناس، لأذعن بذلك من غير أن يحتاج إلى تمهيد مقدّمات بعيدة.

و من زعم أنّ هذه الأسباب لا تؤثّر في حصول القطع لكلّ أحد بابتلائه في طول عمره بنجاسة موجبة لتنجيس ما في بيته من الأثاث مع إذعانه بأنّ إجماع العلماء على حكم يوجب القطع بمقالة المعصوم، لكونه سببا عاديّا لذلك، فلا أراه إلّا مقلّدا محضا لا يقوى على استنتاج المطالب من المبادئ المحسوسة فضلا عن أن يكون من أهل الاستدلال.

فلا ينبغي الارتياب في أنّه لو سرت النجاسة بالوسائط لعمّت على وجه يتعذّر التجنّب عنها فضلا عن أن يكون منافيا لعمومات نفي الحرج، و التوسعة في‌

23

الدين.

و دعوى أنّ أدلة نفي الحرج و نحوها لا تنفي السراية في الفرض، و إنّما تنفي التكليف بالاجتناب عن النجس في مواقع الحرج، فلا مانع من الالتزام بكون ما بأيدينا نجسا معفوّا عنه، فاسدة جدّا لا يهمّنا الإطالة في إبطالها، فالحقّ أنّ هذه المرتبة من السراية ممّا لا يمكن الالتزام به.

و يشهد لبطلانه- مضافا إلى ما عرفت- رواية أبي الجارود، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن، فقلت: أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة، فقال: «أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرّم جميع ما في الأرض؟ فما علمت فيه ميتة فلا تأكله» (1) الحديث، فإنّه لو كانت النجاسة مسرية بالوسائط، لكان جعل الميتة في الجبن في مكان واحد سببا عاديّا لتحريم جميع ما في الأرض، فلم يكن وقع لاستيحاش الإمام (عليه السلام) من ذلك.

الثانية (2): استقرار سيرة المتشرّعة خلفا عن سلف على المسامحة في الاجتناب عن ملاقيات المتنجّس في مقام العمل بحيث لو تعدّى أحد عن الطريقة المألوفة عندهم في اجتناب النجاسات- بأن اجتنب مثلا عن أبنية البلاد، معلّلا بأنّ من عمّرها استعمل في تعميرها الآلات و الأدوات التي لا زال يستعملها في تعمير الكنيف من غير أن يطهّرها، أو اجتنب عن مساورة شخص، معتذرا بأنّ هذا الشخص يساور أشخاصا لا يزالون يساورون الكفّار و يباشرون الأنجاس- يطعنه جميع المتشرّعة بالوسواس، و يرونه منحرفا عن الطريقة المعروفة عندهم في‌

____________

(1) المحاسن: 495/ 597، الوسائل، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، ح 5.

(2) أي الشبهة الثانية.

24

اجتناب النجاسات.

مع أنّه ربما يتشبّث في إثبات مطلبه بمقدّمات محسوسة لا ينكرها عليه أحد، و لو أرادوا إنكار شي‌ء من مقدّمات يتشبّثون باحتمالات سوفسطائيّة ممّا لا يعتني به عاقل في شي‌ء من حركاته و سكناته.

و ربما ينقضون عليه بما هو أبده نجاسة من ذلك، و يقولون: إذا تجتنب عن ذلك لم لا تجتنب عن الأجناس المنقولة من بلاد الكفر من المائعات و الجوامد المصنوعة فيها، أو لا تجتنب عن الدهن المشتري من أهل السواد الذين لا يتحرّزون عن النجاسات، أو نحو ذلك؟ فهذه السيرة العملية تكشف عن عدم معهوديّة الاجتناب عن مثل هذه الأمور في الشريعة من صدر الإسلام، بل المتأمّل في الأخبار و غيرها من الأمارات لا يكاد يرتاب في ذلك و لو مع قطع النظر عن السيرة، بل لا مجال للتشكيك في أنّ أمر النجاسة لو لم يكن في عصر الأئمة (عليهم السلام) أوسع ممّا بأيدينا لم يكن أضيق من ذلك.

إذا عرفت ذلك، فنقول: هذا النحو من المسامحة و عدم الاعتناء بالمقدّمات البديهيّة الإنتاج ينافي إطلاق السراية و عموم وجوب الاجتناب عن كلّ نجس، إذ لا يعقل أن يجعل الشارع ملاقاة المتنجّس سببا للتنجيس مطلقا، و أوجب الاجتناب عن كلّ نجس، ثمّ رخّص في ارتكاب مثل هذه الأمور التي لا زال يتوارد عليها أسباب النجاسة على وجه لا يشتبه على أحد لو لم يكن بناؤه على الإغماض و المسامحة.

اللّهمّ إلّا أن تكون المسامحة في تشخيص الموضوع مأخوذة في‌

25

موضوعيّته للحكم، بأن أوجب الشارع- مثلا- الاجتناب عن النجس المعلوم بالمشاهدة أو بمقدّمات قريبة، لا مطلق النجس، أو جعل النجاسة اسما للأشياء المعهودة مقيّدة بكونها معلومة بالمشاهدة و نحوها، أو غير ذلك من التوجيهات التي ليس الالتزام بشي‌ء منها أهون من إنكار السراية، مع اشتراك الكلّ في مخالفته للإجماع.

و قد زعم صاحب الحدائق أنّ العلم بالنجاسة من مقوّمات موضوعها، بمعنى أنّ النجس الشرعي اسم للنجس المعلوم، و تخيّل أنّ هذا يجديه في حلّ بعض الإشكالات الواردة على السراية من نظائر ما عرفت.

و استشهد لذلك ببعض الأخبار المسوقة لبيان الحكم الظاهري.

مثل قوله (عليه السلام): «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (1) و نحو ذلك من الأخبار الدالّة عليه.

و أطال الكلام في إثبات مرامه، إلى أن قال في آخر كلامه: و لم أقف على من تنبه لما ذكرناه من التحقيق في المقام من علمائنا الأعلام إلّا السيّد الفاضل المحقق السيّد نعمة اللّه الجزائري في رسالة التحفة حيث قال- بعد أن نقل عن بعض معاصريه من علماء العراق وجوب عزل السؤر عن الناس-: و نقل عنهم أنّ من أعظم أدلّتهم قولهم: إنّا قاطعون أنّ في الدنيا نجاسات، و قاطعون أيضا بأنّ في الناس من لا يتجنّبها، و البعض الآخر لا يتجنّب ذلك البعض، فإذا باشرنا أحدا من الناس فقد باشرنا المظنون النجاسة أو مقطوعها، إلى أن قال: فقلنا لهم: يا معشر‌

____________

(1) الكافي 3: 1/ 2 و 3، التهذيب 1: 215/ 619، الوسائل، الباب 1 من أبواب الماء المطلق، ح 5.

26

الإخوان إنّ الذي يظهر من أخبار الأئمّة الهادين التسامح في أمر الطهارات، و إنّ الطاهر و النجس هو ما حكم الشارع بنجاسته و طهارته، لا ما باشرته النجاسة و الطهارة، فالظاهر ليس هو الواقع في نفس الأمر، بل ما حكم الشارع بطهارته، و كذا النجس، و ليس له واقع سوى حكم الشارع بنجاسته، و قد حكم الشارع بطهارة المسلمين، فصاروا طاهرين، إلى أن قال: و بهذا التحقيق .. إلى آخر ما سيأتي نقله في المقام إن شاء اللّه (1). انتهى كلام صاحب الحدائق.

ثمّ ذكر تتمّة كلام المحدّث المتقدّم، التي أشار إليها بعيد ذلك، و هي هذه:

و بهذا التحقيق يظهر لك بطلان ما ذهب إليه جماعة من الأصحاب من أنّ من تطهّر بماء نجس، فاستمرّ الجهل به حتّى مات فصلاته باطلة، غايته عدم المؤاخذة عليها، لامتناع تكليف الغافل، و لو صحّ هذا الكلام، لوجب فساد جميع العبادات المشروطة بالطهارة، لكثرة النجاسة في نفس الأمر (2). انتهى.

أقول: أمّا ما حقّقه المحدّث الجزائري فممّا لا أرى له محصّلا، فإنّ أحدا لا ينكر توقّف النجاسة الشرعيّة على التوقيف الشرعي، لكنّ الخصم يدّعي أنّه ثبت بالإجماع و غيره من الأدلّة أنّ الشارع حكم بنجاسة كلّ ما باشرته النجاسة، فمتى أحرز موضوعه- كما في الفرض- يجب ترتيب حكمه عليه.

و هذا المحدّث بحسب الظاهر ليس منكرا للسراية رأسا حتّى يطالب خصمه بدليلها، و لذا جعله صاحب الحدائق موافقا لنفسه، فاعتراضه على الخصم لا يبعد أن يكون مبنيّا على توهّم كون العلم بالنجاسة من مقوّمات ماهيّتها، كما‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 5: 245- 251.

(2) الحدائق الناضرة 5: 263.

27

توهّمه صاحب الحدائق، لكن لم يقتصر هذا المحدّث على مجرّد ذلك حيث لم ينكر على خصمه ما ادّعاه من العلم بالسبب، بل قرّره على ذلك، و اعترف في آخر كلامه باقتضاء إطلاق سببيّة الملاقاة للتنجيس بطلان جميع العبادات، فكأنّه زعم أنّ العلم المأخوذ في الموضوع هو العلم الحاصل من الطرق المعتبرة شرعا لا مطلقا، فهذا النحو من التقييد- أي تقييد العلم بحصوله من أسباب مخصوصة- و إن كان نافعا في التفصّي عن الإشكال، دون ما زعمه صاحب الحدائق من تقييد الموضوع بمطلق العلم، لحصول مطلقه في الفرض بمقدّمات غير قابلة للإنكار، لكنّه أوضح بطلانا و أكثر مئونة من قول صاحب الحدائق، الذي يتوجّه عليه- بعد الغضّ عن بعض ما فيه، الذي من جملته مخالفته للإجماع، كما اعترف هو بنفسه في آخر كلامه المتقدّم (1) حيث قال: و لم أقف على من تنبّه لما ذكرناه من التحقيق، إلى آخره-:

أوّلا: أنّ تقييد موضوع النجاسة بالعلم بها- كما يظهر من عبارته و يقتضيه استدلاله بالأخبار التي تقدّمت الإشارة إليها- غير معقول، فإنّه دور صريح، و إنّما المعقول أخذ العلم بالموضوع الخارجي- كالملاقاة مثلا- إمّا مطلقا أو إذا كان حاصلا من سبب خاصّ- كالمشاهدة و نحوها- شرطا في تأثيره، و دخيلا في موضوعيّته للحكم الشرعي، بأن يقول الشارع مثلا: الملاقاة المعلومة بالمشاهدة أو مطلقا توجب نجاسة الملاقي، كما أنّ من المعقول أن يجعل العلم بالنجاسة إمّا مطلقا أو إذا كان حاصلا من سبب خاصّ شرطا شرعيّا واقعيّا لترتّب الأحكام‌

____________

(1) في ص 25.

28

الشرعيّة المجعولة لها من حرمة الأكل و الشرب و تنجيس الملاقي و بطلان الصلاة الواقعة معها و وجوب إعادتها، إلى غير ذلك من الآثار الشرعيّة، فتنتفي الآثار واقعا عند انتفاء العلم.

و هذا بخلاف ما لو أطلق الشارع حكمه بسببيّة الملاقاة للتنجيس و وجوب الاجتناب عن كلّ نجس، فإنّه و إن لم يجب على المكلّف على هذا التقدير أيضا الخروج من عهدة هذا الواجب ما لم يحرز موضوعه، لكون العلم بالتكليف شرطا عقليّا في وجوب الامتثال، لكنّ الجهل بالتكليف على هذا التقدير لا ينفي واقعة، بل يجعل المكلّف معذورا في مقام الامتثال، و لا يعقل أن يتصرّف الشارع في موضع هذا الحكم العقلي بأن يجعل العلم الحاصل من سبب خاصّ شرطا في وجوب الامتثال بعد فرض إطلاق حكمه الشرعي، لرجوعه إلى التناقض، كما تقرّر جميع ذلك في محلّه.

فملخّص الكلام: أنّ كون العلم بالنجاسة من مقوّمات موضوعها- كما التزم به صاحب الحدائق- أمر غير معقول، إلّا أن يتكلف في تأويل كلامه بما يؤول إلى أحد التوجيهين المتقدّمين.

و ثانيا: أنّ أخذ العلم قيدا في موضوع النجاسة مخالف لظاهر (1) جميع الأدلّة الدالّة عليها حتّى الأخبار التي تمسّك بها لمدّعاه من مثل قوله (عليه السلام): «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (2) فإنّ ظاهرها كونها مسوقة لبيان الحكم الظاهري، و كون العلم بالموضوع طريقا لإحرازه، لا شرطا في موضوعيّته.

____________

(1) في «ض 10»: «لظواهر».

(2) تقدّم تخريجه في ص 25، الهامش (1).

29

و ثالثا: أنّ هذا التكلّف ممّا لا يجديه في حلّ الإشكال المقتضي لوجوب التحرّز عن مساورة الناس و لزوم بطلان جلّ العبادات المشروطة بالطهور أو كلّها، لأنّ الإشكال إنّما نشأ من فرض العلم بتحقّق النجاسة، كما يدّعيه الخصم، لا من شيوع الابتلاء بها في الواقع مع الجهل، كغيره من المحرّمات التي نعلم إجمالا بابتلاء غالب المكلّفين بها، و نحتمل كون ما نبتلي به من جملتها، فإنّه لا يجب التجنّب عمّا نبتلي به ما لم يكن في خصوصه علم تفصيليّ أو إجماليّ بلا شبهة، كما هو واضح.

فظهر بما ذكرنا أنّه لا يمكن التخلّص عن الإشكال بمثل هذه التوجيهات، كما أنّه لا يمكن التفصّي عنه بإنكار حصول العلم لآحاد المكلّفين في موارد ابتلائهم، لكونه مجازفة محضة لو لا ابتناؤه على الإغماض و المسامحة.

و قد أشرنا آنفا إلى عدم إمكان الالتزام بثبوت النجاسة واقعا في مثل هذه الموارد التي جرت السيرة على عدم التجنّب عنها، و ارتفاع التكليف عنها لمكان الحرج، لاستلزامه مفاسد كثيرة لا يمكن الالتزام بشي‌ء منها، كتجويز الوضوء و الغسل بالماء النجس أو مع نجاسة البدن مع التمكّن من التيمّم أو تطهير البدن و غير ذلك ممّا لا يخفى على المتأمّل.

و غاية ما يمكن أن يقال في التفصّي عن هذه الشبهة و سابقتها هو أنّ الموارد التي استقرّت فيها سيرة المتشرّعة على عدم التجنّب عن ملاقيات المتنجّس بالوسائط و المسامحة في أمرها ليست إلّا الموارد التي يكون الاجتناب عنها نوعا موجبا للحرج، بل مؤدّيا إلى اختلال النظام، و لا مانع من الالتزام بنفي‌

30

الأثر للملاقاة في مثل هذه الموارد و ثبوت العفو عنه وضعا و تكليفا، لمكان الحرج، و شهادة السيرة بذلك.

و لا يبعد أن يكون إطلاق كلمات الأصحاب- القائلين بكون المتنجّس منجّسا- منزّلا على غير هذه الموارد، فليتأمّل.

الشبهة الثالثة: دلالة الأخبار المعتبرة- التي أشار إليها المحدّث الكاشاني في عبارته المتقدّمة (1)- على عدم السراية.

منها: موثّقة حنّان بن سدير، قال: سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله (عليه السلام)، فقال: إنّي ربما بلت فلا أقدر على الماء و يشتدّ ذلك عليّ، فقال: «إذا بلت و تمسّحت فامسح ذكرك بريقك، فإن وجدت شيئا فقل: هذا من ذاك» (2).

و رواية حكم بن حكيم، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أبول فلا أصيب الماء و قد أصاب يدي شي‌ء من البول فأمسحه بالحائط أو التراب ثمّ تعرق يدي فأمسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي، قال: «لا بأس» (3).

و رواية سماعة، قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إنّي أبول ثمّ أتمسّح بالأحجار فيجي‌ء منّي البلل ما يفسد سراويلي، قال: «لا بأس» (4).

____________

(1) في ص 11.

(2) الكافي 3: 20/ 4، التهذيب 1: 348/ 1022، و 353/ 1050، الوسائل، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 7.

(3) الكافي 3: 55- 56/ 4، الفقيه 1: 40- 41/ 158، التهذيب 1: 250/ 720، الوسائل، الباب 6 من أبواب النجاسات، ح 1.

(4) التهذيب 1: 51/ 150، الإستبصار 1: 56/ 165، الوسائل، الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، ح 4.

31

و يحتمل قويّا جري هذه الرواية الأخيرة مجرى التقيّة.

و صحيحة العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء، فمسح ذكره بحجر و قد عرق ذكره و فخذاه، قال: «يغسل ذكره و فخذيه» و سألته عمّن مسح ذكره بيده ثمّ عرقت يده فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟ قال: «لا» (1).

و ربما يستدلّ بصدر هذه الصحيحة على القول المشهور.

و فيه ما لا يخفى بعد التصريح بعدم غسل الثوب في ذيلها، و احتمال كون الواو في صدرها حاليّة، أو كون الأمر بغسل الفخذين لرعاية الاحتياط بملاحظة غلبة بقاء جزء من البول على رأس الحشفة، أو خروجه بعد المسح، و غير ذلك من الاحتمالات المانعة من صلاحيّة معارضة الصدر لظهور الذيل في نفي الوجوب.

و يمكن الاستدلال له أيضا بجملة من الأخبار التي لا يهمّنا الإطالة في إيرادها.

و ما يظهر من بعض من إنكار ظهور هذه الأخبار في المدّعى بإبداء احتمالات بعيدة مجازفة محضة.

نعم، يتوجّه على الاستدلال بمثل هذه الروايات أنّها أخبار آحاد قابلة للطرح و التأويل، و قد أعرض الأصحاب عن ظاهرها، فيجب ردّ علمها إلى أهله، و لا يجوز رفع اليد بواسطتها عن الحكم الذي انعقد الإجماع عليه، كما هو واضح.

____________

(1) التهذيب 1: 421/ 1333، الوسائل، الباب 26 من أبواب النجاسات، ح 1، و الباب 6 من تلك الأبواب، ح 2.

32

و ممّا يقرّر الشبهات و يؤكّدها: خلوّ الأخبار عن التعرض لهذا الحكم، مع قضاء العادة بأنّه لو كان المتنجّس منجّسا على الإطلاق، لشاع التصريح به و بلوازمه في الأخبار، و لكان من أهم المسائل التي يسأل عنها الرواة ما يتفرع على هذه المسألة، مع أنّا لم نجد في الأخبار ما وقع فيها السؤال عن حكم ملاقيات المتنجّس، عدا الأخبار- التي تقدّم بعضها- الدالّة على نفي البأس عنها.

و دعوى أنّ مغروسيّة الحكم في أذهانهم أغنتهم عن المسألة عن فروعها، مدفوعة: بما نشاهد من حال العوام من أنّهم مع مغروسيّة السراية في أذهانهم لا زالوا يسألون عن فروعها التي يبتلون بها، و كيف لا! مع أنّ كثيرا من فروعها العامّة الابتلاء ممّا يتحيّر فيها العقول، فخلو الأخبار عن التصريح بهذا الحكم و عدم تعرّض السائلين للسؤال عن فروعها التي يعمّ الابتلاء بها ربما يورث القطع بعدم تحقّقه و عدم كون أمر النجاسة لديهم بهذه المرتبة من الضيق، المعروفة عندنا.

و الإنصاف أنّ ما قرّرناه من الشبهات و إن أمكن التفصّي عنها في الجملة ببعض التقريبات التي تقدّمت الإشارة إليها لكنّها مانعة من حصول القطع بمقالة المعصوم و استكشاف رأيه من اتّفاق العلماء بطريق الحدس خصوصا مع و هن الإجماع بمخالفة السيّد و الحلّي، فإنّه قد تمنع مخالفتهما من حصول الوثوق بمعروفيّة الحكم في عصرهم كمعروفيّته في هذه الأعصار، فيغلب على الظنّ استقرار المذهب عليه في الأعصار المتأخّرة عن عصر الشيخ، فلا يلزمه عادة وصول الحكم إليهم يدا بيد عن المعصوم، أو عثورهم على دليل معتبر غير ما‌

33

بأيدينا من الأدلّة، لإمكان اتّكال جلّهم على قاعدة اللّطف، التي لا نقول بها.

و كيف كان فقد أشرنا في صدر العنوان إلى أنّا لا نقول بحجّيّة اتّفاق العلماء من باب السببيّة أو الطريقيّة التعبّديّة، و إنّما نقول بحجّيّته، لكونه موجبا للقطع بمقالة المعصوم، فمن حصل له القطع بذلك فلا اعتراض عليه، و من لم يحصل له القطع به فليس له اتّباع المجمعين.

و كون إجماعهم سببا عاديّا للقطع غير مجد بعد فرض التخلّف في خصوص المورد.

نعم، لو اعتمدنا على قاعدة اللّطف أو قلنا بحجّيّة نقل الإجماع تعبّدا، لم يكن مناص عن الالتزام بكون المتنجّس منجّسا فيما لم يكن منافيا لما استقرّت عليه السيرة العمليّة، و مؤدّيا إلى الحرج الموجب لاختلال النظام، لكنّا لا نقول بشي‌ء منهما، و لم نجد من أنفسنا الجزم بمقالة المعصوم، و لذا أشكل علينا تأويل الأخبار المتقدّمة أو طرحها من غير معارض مكافئ.

و مع ذلك لا نقوى على مخالفة الأصحاب و الاستبداد بما نراه في مثل هذا الحكم الذي ربما يدّعى كونه ضروريّ المذهب، فالحكم عندي موقع تحيّر و تردّد، و لا جرأة لي في التخطّي عن الطريقة المعهودة لدى المتشرّعة المعتدلي الطريقة الذين لا يعدّون من أهل الوسواس و إن صعب عليّ تصوّر مناطه و الإذعان به، و لم يترجّح بنظري بالنظر إلى ما تقتضيه القواعد الاجتهاديّة إلّا ما تقدّمت (1) حكايته عن الحلّي.

____________

(1) في ص 7 و ما بعدها.

34

و لو سبقنا بعض مشايخنا المتأخّرين (1) إلى إنكار إطلاق كون المتنجّس منجّسا، لجزمت بذلك، إذ ليست مخالفة الأصحاب في هذه المسألة بأشكل من مخالفتهم في مسألة نجاسة البئر، بل كانت مخالفتهم في تلك المسألة أشكل بمراتب، لوضوح معروفيّة نجاسة البئر لدى المخالف و المؤالف من عصر الأئمّة (عليهم السلام)، و مغروسيتها في أذهان الرواة و غيرهم من العلماء و مقلّديهم، دائرة على ألسنتهم و في جميع كتبهم الفقهيّة حتّى ارتكزت في نفوس العوام على وجه لم يذهب أثرها إلى الآن، و لذا كثيرا ما يسألون في موارد ابتلائهم عن حكم بئر ماتت فيها فأرة أو دجاجة أو غيرهما، زاعمين نجاستها بذلك، مع أنّ القول بها- على ما يظهر من بعض- قد نسخ منذ سنين متطاولة ربما تزيد عن ثلاثمائة سنة.

و أمّا هذه المسألة فلم نعثر على ما يشهد بمعروفيّتها على الإطلاق لدى‌

____________

(1) قوله: «و لو سبقنا بعض مشايخنا المتأخّرين» إلى آخره.

أقول و أنا المصنّف لهذا الكتاب: و لقد عثرت بعد حين على كلام طويل للسيّد صدر الدين طاب ثراه- في حاشيته على المختلف- صريح في إنكار السراية من المتنجّسات مطلقا، و نسبه كذلك إلى الحلّي و غيره، و نقل عن المحقّق الخوانساري في شرح الدروس [مشارق الشموس: 255] في مسألة الغسالة التأمّل في إثبات أن كلّ نجس منجّس بحيث يعمّ المتنجّسات، و أطال الكلام في النقض و الإبرام في إثبات مرامه، من أراده فليراجع.

و لو تأمّلت فيما حرّرناه في تحقيق المقام، لظهر لك أنّ ما ذهب إليه من إنكار السراية مطلقا حتى من المائعات الملاقية لأعيان النجاسات غير سديد، و أنّ نسبته كذلك إلى الحلّي محلّ نظر.

و لكنّه (قدّس سرّه) بعد أن ذكر حجج القائلين بالسراية قال ما لفظه: أقول: ما ذكرناه من حجج هذا القول من الأخبار إن سلّم دلالتها على تنجيس الملاقي للنجاسة لشي‌ء آخر، فلا يمكن دعوى دلالتها على المراتب الأخر و إن ذهب لا إلى نهاية، و إنّما التعويل فيها على الإجماع، فتأمّل و لا تقلّد، فإن اطمأنّت نفسك به فاحكم و اعمل بمقتضاه، و أمّا الاحتياط فحديث آخر. انتهى.

(منه رحمه الله).

35

المتشرّعة في عصر الأئمّة (عليهم السلام)، بل و لا بين العلماء في الطبقة الأولى، بل قد أشرنا فيما تقدّم (1) إلى أنّه ربما يشهد خلوّ الأخبار- سؤالا و جوابا- عن التعرّض لهذا الحكم و لفروعه بعدم معروفيّته لدى الرواة، كما يشعر تعرّض الحلّي لتفصيل مواقع السراية و إنكار السيّد لها رأسا- على ما يقتضيه ظاهر عبارته المتقدّمة (2)- بعدم كونها في عصرهم- كما نراها في هذه الأعصار- من المسلّمات، و ربما يستشمّ ذلك أيضا من عبارة الإسكافي، الآتية (3) في الفرع الآتي، فمخالفتهم في هذه المسألة أهون، و لكن منعتنا من ذلك وحشة الانفراد و كثرة عثرات المستبدّين بآرائهم، و لنعم ما قيل: إنّ مخالفة المشهور مشكل، و موافقتهم من غير دليل أشكل، و اللّه العالم بحقائق أحكامه.

[وجوب إزالة النجاسة عن الثياب و البدن للصلاة]

و (تجب) بالوجوب الشرطي الذي يتبعه الوجوب الشرعي المقدّمي عند وجوب ذيها أصلا أو عارضا، لا الوجوب النفسي، كما لا يخفى على المتأمّل في أدلّته من النصوص و الفتاوى (إزالة النجاسات) (4) العينيّة و الحكميّة مع الإمكان (عن الثياب) عدا ما ستعرف استثناءه من القلنسوة و نحوها (و) عن ظاهر (البدن للصلاة) الواجبة و المندوبة بلا خلاف فيه في الجملة.

و الأخبار الدالّة عليه في غاية الكثرة، فإنّ من أظهر أحكام النجاسات الشائعة في النصوص و الفتاوى هو هذا الحكم.

____________

(1) في ص 32.

(2) في ص 8.

(3) في ص 36.

(4) في الشرائع: «النجاسة».

36

و لو كانت النجاسة ملاصقة لها مع عدم تأثّرها، لم تجب الإزالة، إلّا إذا منعنا من حمل النجاسة، كما سيأتي (1).

و قليل النجاسة ككثيرها- عدا الدم الذي ستعرف العفو عمّا دون الدرهم منه- بلا خلاف فيه على الظاهر، عدا ما حكي عن الإسكافي من أنّه قال: كلّ نجاسة وقعت على ثوب و كانت عينها مجتمعة أو متفرّقة دون سعة الدرهم الذي تكون سعته كعقد الإبهام الأعلى لم ينجس الثوب بذلك، إلّا أن تكون النجاسة دم حيض أو منيّا، فإنّ قليلهما و كثيرهما واحد (2). انتهى.

و ظاهره عدم حصول النجاسة بالمقدار المذكور لا العفو.

و على أيّ تقدير فلا يبعد أن يكون مستنده دعوى استفادته ممّا ورد في الدم، نظرا إلى ما جرت سيرة الأصحاب- بواسطة معروفيّة المناط لديهم- على استفادة أحكام مطلق النجاسات من الأخبار الخاصّة الواردة في بعضها، و إلّا فلم يعرف له مستند، كما اعترف به غير واحد.

و كيف كان فهو ضعيف جدّا محجوج بإطلاق النصوص و الفتاوى بل صريحهما.

ففي خبر الحسن بن زياد، قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يبول فيصيب بعض جسده قدر نكتة من بوله، فيصلّي ثمّ يذكر بعد أنّه لم يغسله، قال:

«يغسله و يعيد صلاته» (3).

____________

(1) في ص 39 و ما بعدها.

(2) حكاه عنه العلّامة الحلي في مختلف الشيعة 1: 317، المسألة 233.

(3) الكافي 3: 17- 18/ 10، التهذيب 1: 268- 269/ 789، الإستبصار 1: 181/ 632، الوسائل، الباب 19 من أبواب النجاسات، ح 2 بتفاوت يسير.

37

و خبر ابن مسكان، قال: بعثت بمسألة إلى أبي عبد الله (عليه السلام) مع إبراهيم بن ميمون، قلت: سله عن الرجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلي و يذكر بعد ذلك أنّه لم يغسلها، قال: «يغسلها و يعيد صلاته» (1).

و يدلّ عليه أيضا في بول الإنسان و في بول غيره و في غير البول أيضا- كالملاقي للكلب و الميتة و الخمر و الفقّاع و غيرها- جملة من الأخبار المطلقة.

و أمّا المني: فيدلّ على عدم الفرق بين قليله و كثيرة- مضافا إلى إطلاقات الأدلّة، و عدم الخلاف فيه حتّى من الإسكافي- خصوص خبر سماعة، قال: سألته عن المني يصيب الثوب، قال: «اغسل الثوب كلّه إذا خفي عليك مكانه قليلا كان أو كثيرا» (2).

و يدلّ عليه بالخصوص في دم الحيض: رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أو أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض، فإنّ قليله و كثيره في الثوب إن رآه أو لم يره سواء» (3).

و نظير قول الإسكافي في الضعف: ما حكي عن السيّد من العفو عن البول إذا ترشّش عند الاستنجاء مثل رؤوس الإبر (4)، فإنّه أيضا مع مخالفته للإطلاقات يردّه خصوص صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن‌

____________

(1) الكافي 3: 406/ 10، الوسائل، الباب 19 من أبواب النجاسات، ح 3.

(2) الكافي 3: 54/ 3، التهذيب 1: 252/ 727، الوسائل، الباب 19 من أبواب النجاسات، ح 1.

(3) الكافي 3: 405/ 3، التهذيب 1: 257/ 745، الوسائل، الباب 21 من أبواب النجاسات، ح 1.

(4) حكاه عنه العلامة الحلّي في مختلف الشيعة 1: 332، ذيل المسألة 247، و انظر: رسائل الشريف المرتضى 1: 288.

38

رجل يبول بالليل فيحسب أنّ البول أصابه و لا يستيقن فهل يجزئه أن يصبّ على ذكره إذا بال و لا يتنشّف؟ قال: «يغسل ما استبان أنّه قد أصابه، و ينضح ما يشكّ فيه من جسده و ثيابه، و يتنشّف قبل أن يتوضّأ» (1).

و خبري الحسن و ابن مسكان، المتقدّمين (2)، إلّا أن يدّعى انصراف الخبرين عن مثل الفرض، فليتأمّل.

و المراد بالثياب التي تجب إزالة النجاسات عنها: مطلق ما يلبسه المصلّي، و عدا ما ستعرف استثناءه و إن لم يندرج في مسمّاها، بل و لا في مسمّى الملبوس عرفا، فتشمل مثل قطعة كرباس أو جلد حصير و نحوها إذا تلبّس بها المصلّي و تستّر بها.

و كيف كان فالمعتبر في الصلاة إنّما هو طهارة ما يصلّى فيه ممّا يلبسه المصلّي، سواء صدق عليه عرفا اسم اللباس و الثوب أم لا.

و وقوع التعبير بالثوب في معظم النصوص و الفتاوى المانعة من الصلاة في النجس بحسب الظاهر إمّا من باب التمثيل، أو للجري مجرى العادة في مقام التعبير، فإنّ من تدبّر في النصوص و الفتاوى لا يكاد يرتاب في عدم مدخليّة خصوصيّة الثوب في الحكم، و كون المناط كون ما تلبّس به في صلاته طاهرا و إن كان قطنا أو صوفا غير منسوج ملفوفا على جسده.

كما يشهد لذلك المستفيضة الآتية النافية للبأس عن الصلاة فيما لا تتمّ الصلاة فيه، كالخفّ و الجورب و التكّة و القلنسوة و الكمرة و النعل و ما أشبه‌

____________

(1) التهذيب 1: 421/ 1334، الوسائل، الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة، ح 1.

(2) في ص 36 و 37.

39

ذلك، و قد عدّ الأصحاب منها الخاتم و الدملج و الخلخال و السيف و السكّين، فإنّه يستفاد من تلك الأخبار كون ذلك من قبيل الاستثناء من كلّيّة المنع من الصلاة في النجس، حيث يظهر منها أنّ وجه نفي البأس عن مثل هذه الأمور كونها ممّا لا تتمّ الصلاة فيها وحدها، و إلّا لكان مقتضى المنع فيها موجودا مع عدم كون مثل هذه الأشياء خصوصا ما عدّه الأصحاب منها مندرجا في مسمّى الثوب عرفا.

و يؤيّده بل يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في رواية [موسى بن أكيل النميري] (1)، المتقدّمة (2) الواردة في الحديد: «لا تصلّ في شي‌ء من الحديد فإنّه نجس ممسوخ» فإنّها تدلّ على عدم جواز الصلاة في النجس، و أنّ مناط المنع هو صدق الصلاة في النجس.

و لا ينافيه ما عرفته في ما تقدّم من كون النهي في الرواية محمولا على التنزيه، و كون المراد بالنجاسة مرتبة من الخباثة التي لا تبلغ حدّا يجب التنزّه عنه، فإنّ ظاهرها سببيّة نجاسة الشي‌ء للنهي عن الصلاة فيه مطلقا، لكن لمّا ثبت بدليل خارجي عدم بلوغ نجاسة الحديد حدّا يجب التجنّب عنه فهم من ذلك جواز مخالفة النهي في خصوص المورد، فليتأمّل.

و الحاصل: أنّ مناط المنع بحسب الظاهر صدق الصلاة في النجس بإرادة التلبّس به، لا الظرفيّة الحقيقيّة.

و من هنا قد يتخيّل مانعيّة الثوب الملفوف الكائن مع المصلّي، و عدم جواز حمل النجس في الصلاة، لصحة إطلاق الصلاة في النجس في الفرض، كما‌

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجرية: «أبي بصير». و الصواب ما أثبتناه.

(2) في ج 7، ص 320.

40

يشهد بذلك التتبع في موارد استعمال هذه الكلمة في الأخبار.

مثل: قوله (عليه السلام) في موثّقة ابن بكير- الواردة في باب لباس المصلّي-:

«فالصلاة في بوله و روثه و ألبانه» (1) إلى آخره.

و قوله (عليه السلام) في خبر آخر: «لا تصلّ في منديل غيرك، و صلّ في منديلك» (2) و غير ذلك.

و يدفعه: أنّ الاستعمال مبنيّ على التوسعة و التجوز، و المتبادر من الصلاة في الشي‌ء إمّا إرادة كون الشي‌ء مكانا للمصلّي، أو إرادة ما يتلبّس به، لا مطلق ما يصاحبه، فلا يمكن استفادة حكم المحمول ممّا دلّ على المنع من الصلاة في النجس.

مع أنه ليس لنا إطلاق لفظيّ سالم من المناقشة فيه يدلّ على هذا المضمون، فإنّ أظهر ما يدلّ عليه على الإطلاق إنّما هو رواية [موسى بن أكيل] (3) المتقدّمة (4) التي لا يخلو الاستدلال بها للمدّعى عن تأمّل.

و ربما يستدلّ للمنع من حمل النجس: برواية قرب الإسناد عن عليّ بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يمرّ بالمكان فيه العذرة فتهبّ الريح فتسفي (5) [عليه من العذرة] فتصيب ثوبه و رأسه أ يصلّي فيه قبل أن يغسله؟ قال:

____________

(1) الكافي 3: 397/ 1، التهذيب 2: 209/ 818، الوسائل، الباب 2 من أبواب لباس المصلّي، ح 1.

(2) الكافي 3: 402/ 23، الوسائل، الباب 49 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

(3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «أبي بصير». و الصواب ما أثبتناه.

(4) في ج 7، ص 320.

(5) سفت الريح التراب: إذا أذرته. الصحاح 6: 2377 «سفي».

41

«نعم ينفضه و يصلّي فلا بأس» (1) فإنّها ظاهرة في وجوب النفض.

و فيه: أنّها مسوقة لنفي وجوب الغسل، و الأمر بالنفض جار مجرى العادة، فلا يستفاد منه الوجوب.

و على تقدير تسليم الدلالة فلا يستفاد منه المنع من حمل المتنجّس إلّا بضميمة عدم القول بالفصل، و لم يتحقّق.

و استدلّ له أيضا: بمفهوم صحيحة عبد اللّه بن جعفر، قال: كتبت إليه- يعني أبا محمد (عليه السلام)- هل (2) يجوز للرجل أن يصلّي و معه فأرة مسك؟ قال (3): «لا بأس بذلك إذا كان ذكيّا» (4).

و صحيحة عليّ بن جعفر: سأل أخاه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و معه دبّة (5) من جلد حمار أو بغل، قال: «لا يصلح أن يصلّي و هي معه إلّا أن يتخوّف عليها ذهابها فلا بأس» (6).

و في الاستدلال بالصحيحة الأخيرة ما لا يخفى، فإنّها مع ظهورها في الكراهة ليس فيها إشعار بإرادة جلد الميتة، بل المتبادر من السؤال فيها ليس إلّا إرادة حكمها بلحاظ كونها من جلد الحمار أو البغل اللّذين لم يزل الرواة كانوا‌

____________

(1) مسائل عليّ بن جعفر: 155/ 214، و لم نجده في قرب الإسناد، و عنه في الوسائل، الباب 26 من أبواب النجاسات، ح 12، و ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) كلمة «هل» لم ترد في المصدر.

(3) في المصدر بدل «قال»: «فكتب».

(4) التهذيب 2: 362/ 1500، الوسائل، الباب 41 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

(5) الدبّة: وعاء يوضع فيه الدهن و نحوه. مجمع البحرين 2: 55 «دبب».

(6) الفقيه 1: 164/ 775، الوسائل، الباب 60 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

42

يسألون عن بولهما و روثهما، و قد ورد النهي عن الصلاة فيهما في جملة من الأخبار كما عرفته في محلّه (1)، فتدلّ هذه الصحيحة على أنّ جلدهما أيضا كبولهما ممّا لا تصلح الصلاة فيه، هذا.

و لكن في طهارة شيخنا المرتضى (رحمه اللّه) أرسل الرواية- من غير ذكر المرويّ عنه- هكذا: عن الرجل يصلّي و معه دبّة من جلد حمار ميّت، قال: «لا يصلح أن يصلّي و هي معه» (2).

و قد رواها بعض المعاصرين أيضا في طهارته عن عليّ بن جعفر (عليه السلام) بهذا المتن، فلعلّه رواية أخرى لم أظفر بها.

و كيف كان فليس لها ظهور في الحرمة مع غلبة الظنّ بكونها هي الصحيحة المتقدّمة الخالية عن التقييد.

و أمّا الاستدلال بمفهوم الصحيحة الأولى (3) فهو أيضا لا يخلو عن إشكال.

و على تقدير التسليم فإثبات عموم المدّعى بها مبنيّ على عدم القول بالفصل بين الميتة و غيرها، و ستعرف في مبحث ما لا تتمّ الصلاة فيه منفردا إمكان الالتزام بمانعيّة الميتة مطلقا و لو في مثل الخفّ و قلادة السيف و نحوهما ممّا لا تتمّ الصلاة فيه وحده.

و استدلّ له أيضا: بمفهوم ما دلّ على جواز الصلاة في خرقة الحنّاء إذا‌

____________

(1) راجع ج 7، ص 324 و ما بعدها.

(2) كتاب الطهارة: 369.

(3) أي: صحيحة عبد اللّه بن جعفر، المتقدّمة في ص 41.

43

كانت طاهرة (1).

و فيه: أنّ خرقة الحنّاء و نحوها على الظاهر مندرجة في الثياب بمعناها الأعمّ التي استفدنا من الأدلّة اشتراط طهارتها في الصلاة إذا كانت ممّا تتمّ فيها الصلاة و إن لم تكن كذلك، فتدلّ على نفي البأس عنها الأخبار الآتية الظاهرة في شمولها لمثلها، و لا يصلح مفهوم هذه الرواية لمعارضتها.

و يحتمل قويّا أن يكون ثبوت البأس على تقدير النجاسة بلحاظ سرايتها غالبا إلى البدن.

و قد ظهر لك بما ذكرنا ضعف الاستدلال للمدّعى: بمفهوم رواية وهب بن وهب «السيف بمنزلة الرداء تصلّي فيه ما لم تر فيه دما» (2) لعدم صلاحيتها لمعارضة الأخبار الآتية الدالّة على نفي البأس عن مثله.

مضافا إلى ما في الرواية من ضعف السند.

فالقول بنفي البأس عن حمل النجس مطلقا- كما لعلّه المشهور- لا يخلو عن قوّة، و إن كان الأحوط الاجتناب عنه مطلقا خصوصا إذا كان المحمول من أعيان النجاسات، أو كان ممّا تتمّ الصلاة فيه وحده.

و يدلّ على نفي البأس عن حمل المتنجّس الذي لا تتمّ فيه الصلاة وحده- مضافا إلى الأصل السالم من دليل وارد عليه- الأخبار الآتية في محلّها بالفحوى،

____________

(1) الفقيه 1: 173/ 819، التهذيب 2: 356/ 1470، الإستبصار 1: 391/ 1487، الوسائل، الباب 39 من أبواب لباس المصلّي، ح 2.

(2) التهذيب 2: 371- 372/ 1546، الوسائل، الباب 83 من أبواب النجاسات، ح 3.

44

بل بعضها- كمرسلة ابن سنان، الآتية (1)- كاد يكون صريحا في شموله للمحمول، كما ستعرف، بل ربما يستشهد بتلك الأخبار لنفي البأس عن المحمول مطلقا و إن كان ممّا تتمّ به الصلاة وحده، كالثوب الملفوف الكائن مع المصلّي، بدعوى الأولويّة القطعيّة، و عهدتها على مدّعيها.

هذا كلّه في غير الميتة، و أمّا الميتة: فلا يبعد الالتزام بعدم جواز مصاحبتها في الصلاة.

و ربما يستشهد لجواز حملها في الصلاة: بصحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح (2) هل يصلح أن يقطع [الثالول] و هو في صلاته، أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال: «إن لم يتخوّف أن يسيل الدم فلا بأس، و إن تخوّف (3) أن يسيل الدم فلا يفعله» (4).

و فيه: ما عرفته في محلّه من منع كون مثل هذه الأجزاء الصغار عند انفصالها من الحيّ بحكم الميتة، فراجع.

[وجوب إزالة النجاسة للطواف]

(و) تجب إزالة النجاسات أيضا (للطواف) واجبا كان أو مندوبا على المشهور، بل عن جمع من الأصحاب دعوى الإجماع عليه.

____________

(1) في ص 107.

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «و الجراح». و ما أثبتناه من المصدر.

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «إن لم يخف .. و إن يخف». و ما أثبتناه كما في المصدر.

(4) الفقيه 1: 164/ 775، التهذيب 2: 378/ 1576، الإستبصار 1: 404/ 1542، الوسائل، الباب 63 من أبواب النجاسات، ح 1، و ما بين المعقوفين من المصدر.

45

و استدلّ له: بالنبوي المشهور: «الطواف بالبيت صلاة» (1) لظهوره في مساواته لها في سائر الأحكام سيّما المعروفة منها، كالطهارة من الحدث و الخبث.

لكن يشكل الاعتماد على هذا الظاهر، بناء على ما هو الأظهر من عدم اشتراط الطواف المسنون بالطهارة الحدثيّة التي اعتبارها في الصلاة أوضح، فإنّه و إن كان مستند عدم الاشتراط أخبارا خاصّة، لكن بواسطتها يوهن ظهور التشبيه في إرادة الإطلاق في المشبّه أو العموم في وجه الشبه على وجه عمّ مثل هذه الشرائط، فليتأمّل.

و يدلّ عليه أيضا خبر يونس بن يعقوب [قال] (2): سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يرى في ثوبه الدم و هو في الطواف، قال: «ينظر الموضع الذي رأى فيه الدم فيعرفه ثمّ يخرج فيغسله ثمّ يعود (3) فيتمّ طوافه» (4).

[تطهير المساجد عن النجاسة]

[وجوب إزالة النجاسة لدخول المساجد]

(و) تجب إزالتها أيضا (لدخول المساجد) سواء كانت موجبة لتلويث المسجد أم لا، بناء على وجوب أن تجنّب المساجد عن النجاسات مطلقا، كما حكي (5) القول به عن أكثر أهل العلم، بل عن الخلاف و السرائر و غيرهما نفي الخلاف عنه (6).

____________

(1) سنن النسائي 5: 222، سنن الدارمي 2: 44، سنن البيهقي 5: 87، المستدرك- للحاكم- 1: 459، و 2: 267.

(2) ما بين المعقوفين من المصدر.

(3) في النسخ الخطّية و الحجريّة: «يعيد» بدل «يعود». و ما أثبتناه من المصدر.

(4) التهذيب 5: 126/ 415، الوسائل، الباب 52 من أبواب الطواف، ح 2.

(5) الحاكي هو العلّامة الحلّي في منتهى المطلب 3: 242.

(6) الحاكي عنها هو صاحب الجواهر فيها 6: 93، و انظر: السرائر 1: 163، و الخلاف 1: 518، ذيل المسألة 260، و مفاتيح الشرائع 1: 74، و نهج الحقّ و كشف الصدق: 436/ 33.

46

و عن الشهيد دعوى الإجماع عليه (1).

و استدلّ له بقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ (2) حيث فرّع حرمة دخولهم المسجد على نجاستهم. و اختصاصه بالمسجد الحرام غير ضائر، لعدم القول بالفصل.

و نوقش فيه: بعدم ثبوت إرادة المعنى الشرعي من «النجس» و حيث لا قائل بحرمة إدخال كلّ قذارة في المسجد وجب إمّا حمل النهي على مطلق المرجوحيّة، أو جعل خصوصيّة المورد أيضا دخيلا في الحكم.

و أجيب عنه: بما تقدّم (3) تفصيله- مع ما فيه من الضعف- عند التكلّم في نجاسة الكافر.

و قد عرفت فيما تقدّم أنّ دعوى أنّ القذر بنظر الشارع ليس إلّا النجاسات التي أوجب التجنّب عنها في الصلاة و نحوها، لا ما يراه العرف قذرا، غير مسموعة، فإنّ غاية ما يمكن ادّعاؤه إنّما هو كون ما أوجب الشارع التجنّب عنه قذرا عنده، لا أنّ القذر لديه منحصر فيه، فإنّ من الجائز كون ما شهد العرف بقذارته قذرا لدى الشارع أيضا، لكن لم يوجب التجنّب عنه إمّا لقصوره (4) في المقتضي، أو لوجود المانع، فلا مقتضى لتخطئة العرف ما لم يدلّ عليه دليل تعبديّ، كما هو واضح.

____________

(1) حكاه عنه السبزواري في ذخيرة المعاد: 156، و انظر: الذكرى 3: 129.

(2) التوبة 9: 28.

(3) راجع ج 7، ص 236 و ما بعدها.

(4) في «ض 10 و 11»: «لقصور».

47

و قد أذعن بعض (1) بأنّ المراد بالنجس في الآية هو النجس بالمعنى الشرعيّ، و مع ذلك ناقش في الاستدلال بها على المطلوب: بقصورها عن إثبات عموم المدّعى، لقوّة احتمال ورودها مورد الغالب من أنّ تجويز الدخول لهم كما كانوا عليه قبل نزول الآية يستلزم سراية النجاسة إلى المجسد، فلا يبعد أن يكون النهي عن دخولهم بهذه الملاحظة، فلا يستفاد منها إلّا حرمة إدخال النجاسة المتعدّية.

و فيه: أنّ المتبادر من الآية كون سبب المنع نجاستهم ذاتا، لا تنجيسهم للمسجد، و لذا لا يظنّ بأحد أن يلتزم في مورد الآية بالتخصيص، بل الظاهر- كما صرّح به بعض- عدم الخلاف في حرمة تمكين الكفّار من دخول المسجد مطلقا.

نعم، دلالتها على المنع من إدخال المتنجّس لا يخلو عن نظر.

و استدلّ له أيضا بقوله تعالى وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ (2) بتقريب أنّ الأمر للوجوب، و التطهير حقيقة في إزالة النجاسة، و الفرق بين البيت و سائر المساجد منفيّ بعدم القول بالفصل.

و فيه- بعد تسليم جميع المقدّمات-: أنّ تطهير الشي‌ء عن النجاسة إنّما يعقل على تقدير كون ذلك الشي‌ء متنجّسا بأن كانت النجاسة متعدّية إليه، و ستعرف أنّ وجوب الإزالة في الفرض مسلّم، فلا تدلّ الآية على حرمة إدخال النجاسة على الإطلاق، كما هو المدّعى.

هذا، مع ما في الآية من الإشعار بعدم وجوب التطهير من حيث هو كما هو‌

____________

(1) راجع كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري-: 369- 370.

(2) الحج 22: 26.

48

المطلوب، فليتأمّل.

و استدلّ له أيضا بالنبوي: «جنّبوا مساجدكم النجاسة» (1).

و نوقش فيه بعد الغضّ عن سنده: باحتمال إرادة مسجد الجبهة، أو مكان المصلّي، نظير قوله (عليه السلام): «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» (2) كما يؤيّده إضافته إلى المخاطبين، فليتأمّل.

[جواز إدخال النجاسة غير المتعدية إلى المساجد]

و قد يناقش فيه أيضا: بأن المتبادر من الأمر بتجنيب المساجد- بواسطة المناسبات المغروسة في الأذهان- إنّما هو إرادة حفظها عن أن يتلوّث بالنجاسة، فلا يدلّ على حرمة إدخال النجاسة الغير المتعدّية.

هذا، مع أنّ المراد بالنجاسة أمّا المصدر، يعني جنّبوا مساجد عن أن ينجّس، و إمّا الاسم، و عليه فهو ظاهر في النجاسات العينيّة، و على أيّ تقدير فلا يدلّ على تحريم إدخال المتنجّس مطلقا، إلّا بالإجماع المركّب إن تحقّق.

و كيف كان فالأظهر ما ذهب إليه كثير من المتأخّرين، بل لعلّه هو المشهور بينهم من جواز إدخال النجاسة الغير المتعدّية إلى المسجد.

و ربما قيّده بعضهم بما إذا لم يكن موجبا لهتك حرمة المسجد، كجمع العذرة اليابسة فيه (3).

____________

(1) أورده العلّامة الحلّي في تذكرة الفقهاء 2: 433، ضمن المسألة 99.

(2) صحيح البخاري 1: 91 و 119، سنن ابن ماجة 1: 188/ 567، سنن الترمذي 2: 131، ذيل ح 317، سن النسائي 2: 56، سنن البيهقي 2: 433 و 434، مسد أبي عوانة 1: 330/ 1173، المصنّف- لابن أبي شيبة- 2: 402، المعجم الكبير- للطبراني- 11: 51/ 11047، و 61/ 11085، مسند أحمد 2: 240 و 250 و 412.

(3) راجع: جواهر الكلام 6: 96.

49

و فيه: أنّ هذا التقييد أجنبيّ عن المقام، فإنّه إن كان هتك حرمة المسجد حراما، فلا يتفاوت الحال بين أن يتحقّق هذا العنوان بجمع العذرة فيه أو غيرها من القذارات الصوريّة الموجبة لهتك حرمة المسجد في أنظار العرف.

و يدلّ على الجواز- مضافا إلى الأصل- الأخبار (1) الدالّة على جواز مرور الحائض و الجنب مجتازين في المساجد.

و دعوى ورودها لبيان الجواز في مقام توهّم المنع من حيث حدثي الحيض و الجنابة بعد غلبة مصاحبتهما- خصوصا الحائض- للنجاسة غير مسموعة.

و ما دلّ على جواز دخول المستحاضة في المسجد.

منها: موثّقة عبد الرحمن، التي وقع فيها السؤال عن المستحاضة أ يطؤها زوجها؟ و هل تطوف بالبيت؟ إلى أن قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «فإن ظهر- أي الدم- على الكرسف فلتغتسل ثمّ تضع كرسفا آخر ثمّ تصلّي، فإذا كان دما سائلا فلتؤخّر الصلاة إلى الصلاة ثمّ تصلّي صلاتين بغسل واحد، و كلّ شي‌ء استحلّت به الصلاة فليأتها زوجها، و لتطف بالبيت (2).

و ظاهرها- بقرينة السؤال- إرادة مطلق الطواف و لو مندوبا، فلا يتوهم اختصاص الجواز بالطواف الواجب لأجل الضرورة، فهي تدلّ على أنّ المستحاضة و إن كانت استحاضتها كبرى و كان دمها سائلا لا يرقأ لها أن تدخل المسجد و تطوف بالبيت و إن كان الطواف مستحبّا.

____________

(1) راجع الوسائل، الباب 15 من أبواب الجنابة.

(2) التهذيب 5: 400/ 1390، الوسائل، الباب 1 من أبواب الاستحاضة، ح 8.

50

هذا كله، مضافا إلى استقرار السيرة- خلفا عن سلف- على عدم امتناع أصحاب القروح و الجروح و من به الدم القليل من حضور الجمعة و الجماعات و المرور في المساجد لأجل أغراض أخر، كالمرافعة و مذاكرة العلم و غيرهما، و عدم منع الصبيان من دخول المساجد مع العلم بنجاستهم غالبا حيث إنّهم لا يستنجون و لا يتطهّرون.

و لأجل ما ذكر التزم بعض القائلين بالمنع من متأخّري المتأخّرين باستثناء المستحاضة و أصحاب القروح و الجروح و نحوها من ذلك.

و الأوجه ما عرفت من الجواز مطلقا، للأصل، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط فيه خصوصا بالنسبة إلى أعيان النجاسات التي لا يبعد بالنسبة إليها دعوى أنّ إدخالها في المسجد لا لضرورة عرفيّة أو إبقاءها فيه هتك لحرمته مع استقرار السيرة على إزالتها عن المسجد، و دلالة الآية و النبويّ- المتقدّمتين (1)- عليه، بناء على إرادة النجس الشرعي منهما.

نعم، لا ينبغي الارتياب في جواز إدخال ما يستصحبه المصلّي ممّا عفي عنه في الصلاة من دم القروح و الجروح و نحوه، لانصراف إطلاق النبوي، و قصور مفهوم الآية- بعد تسليم دلالتهما على المدّعى- عن مثل الفرض، و عدم كونه هتكا في العرف، و عدم استقرار السيرة على التجنّب عنه، بل استقرارها على عدمه، بل لم يعلم إرادته من إطلاق كلمات القائلين بالمنع، و لعلّها منصرفة عنه.

و كيف كان ففي مثل الفرض ممّا لا ينبغي الاستشكال فيه.

____________

(1) في ص 46 و 48.

51

هذا كلّه فيما إذا لم تكن النجاسة مسرية إلى المسجد، و إلّا فلا يجوز بلا شبهة، فإنّه هو القدر المتيقّن من معاقد إجماعاتهم المحكيّة و قد ادّعى غير واحد الإجماع عليه، و لم ينقل الخلاف فيه من أحد، عدا أنّه يستشعر من صاحب المدارك (1) الميل إليه، و يظهر من صاحب الحدائق اختياره، مستشهدا له- مضافا إلى أصالة الجواز- بإطلاق ما روى عمّار- في الموثّق- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

سألته عن الدماميل تكون بالرجل فتنفتح و هو في الصلاة، قال: «يمسحه و يمسح يده بالحائط و الأرض و لا يقطع الصلاة» (2) (3).

و فيه: أنّ الأصل مقطوع بما عرفت و ستعرف.

و أمّا الرواية فهي مسوقة لبيان حكم آخر، فلا يجوز التمسّك بإطلاقها لجواز تنجيس المسجد، كما أنّه لا يجوز الاستشهاد بها لجواز تنجيس حائط الغير، كما هو واضح.

و ربما أجيب عنه: بأنّ انفجار الدماميل لا يستلزم وجود الدم، بل الغالب العدم.

و فيه ما لا يخفى، فالوجه ما عرفت.

و ممّا يؤيّد المنع بل يدلّ عليه: خبر عليّ بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر (عليهما السلام)، قال: سألته عن الدابّة تبول فيصيب بولها المسجد أو حائطه‌

____________

(1) مدارك الأحكام 2: 306.

(2) التهذيب 1: 349/ 1028، الوسائل، الباب 22 من أبواب النجاسات، ح 8، بتفاوت في بعض الألفاظ، و يأتي نصّه- كما في المصدر- في ص 64.

(3) الحدائق الناضرة 5: 294.

52

أ يصلّى فيه قبل أن يغسل؟ قال: «إذا جفّ فلا بأس» (1).

و البأس المفهوم من الجواب و إن كان مطلق المرجوحيّة بشهادة الأدلّة الخارجيّة المتقدّمة في محلّها، الدالّة على عدم نجاسة بول الدوابّ على وجه تجب إزالتها عمّا يشترط فيه الطهارة، لكن يستفاد من السؤال و الجواب كون وجوب إزالة النجاسة عن المسجد لديهم مفروغا منه بحيث تحيّر عليّ بن جعفر حيث زعم نجاسة بول الدوابّ في مزاحمته للصلاة فسأل عن جواز الصلاة في المسجد قبل الإزالة.

بل ربما يستشعر من تعليق نفي البأس على الجفاف بطلان الصلاة على تقدير الإخلال بالإزالة المأمور بها.

لكنّه استشعار ضعيف، لجواز أن يكون البأس المقصود بالتعليق بلحاظ تأخير الإزالة عن الصلاة، لا تقديم الصلاة عليها.

و كيف كان فما ذكرناه في تقريب الاستدلال بالرواية و إن أمكن الخدشة فيه- بعد عدم الالتزام بوجوب الإزالة في خصوص موردها- بأن يقال: و لعلّ المعروف عندهم رجحان الإزالة، المجامع للاستحباب، و كراهة تركها أو تأخيرها، لا الحرمة، كما هو الشأن في المورد، فلا تدلّ على المطلوب، لكن معروفيّة الحكم لدى الأصحاب و انعقاد إجماعهم عليه رافعة لمثل هذه الخدشات، كما أنّ دلالة الرواية على معروفيّة الحكم في عصر الأئمّة (عليهم السلام)، و كون نجاسة المساجد- و لو لم تكن بفعل المكلّف- لديهم من المحظورات التي اهتمّ‌

____________

(1) قرب الإسناد: 205/ 794، الوسائل، الباب 9 من أبواب النجاسات، ح 18.

53

الشارع بإزالتها توجب شدّة الوثوق بكون ما انعقد عليه إجماع الأصحاب هو الحكم الواقعي الذي وصل إليهم من صدر الشريعة.

و يؤيّده أيضا، بل ربما يستشهد له: بموثّقة الحلبي، قال: نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال: «أين نزلتم؟» فقلت: في دار فلان، فقال: «إنّ بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا» أو قلنا له: إنّ بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا، فقال: «لا بأس إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضا» (1).

و عنه أيضا بطريق آخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قلت له: إنّ طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه، فربما مررت فيه و ليس عليّ حذاء فيلصق برجلي من نداوته، فقال: «أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟» قلت: بلى، قال: «فلا بأس، إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضا» قلت: فأطأ على الروث الرطب؟ فقال: «لا بأس أنا و اللّه ربما وطأت عليه ثمّ أصلّي و لا أغسله» (2).

لكن يتوجّه على الاستشهاد بالرواية: أنّه يحتمل أن يكون محطّ النظر فيها كون النداوة الواصلة إلى رجله مانعة من الصلاة التي أراد فعلها في المسجد، لا حرمة تنجيس المسجد أو إدخال النجاسة فيه.

و يمكن الاستشهاد له أيضا: بالأخبار المستفيضة الدالّة على جواز اتّخاذ الكنيف مسجدا بعد تنظيفه أو طمّه.

مثل: خبر الحلبي في حديث إنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): فيصلح المكان‌

____________

(1) الكافي 3: 38/ 3، الوسائل، الباب 32 من أبواب النجاسات، ح 4.

(2) السرائر 3: 555، الوسائل، الباب 32 من أبواب النجاسات، ح 9.

54

الذي كان حشّا (1) زمانا أن ينظّف و يتّخذ مسجدا؟ فقال: «نعم إذا ألقي عليه من التراب ما يواريه فإنّ ذلك ينظّفه و يطهّره» (2).

و خبر أبي الجارود في حديث، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المكان يكون خبيثا (3) ثم ينظّف و يجعل مسجدا، قال: «يطرح عليه من التراب حتّى يواريه فهو أطهر» (4).

و صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المكان يكون حشا زمانا فينظّف و يتّخذ مسجدا، فقال: «ألق عليه من التراب حتّى يتوارى فإنّ ذلك يطهّره إن شاء الله» (5).

و رواية مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنّه سئل أ يصلح مكان حشّ أن يتّخذ مسجدا؟ فقال: «إذا ألقي عليه من التراب ما يواري ذلك و يقطع ريحه فلا بأس، و ذلك لأنّ التراب يطهّره، و به مضت السنّة» (6).

و خبر عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: سألته عن بيت كان حشّا‌

____________

(1) الحشّ: البستان، و المخرج، لأنّهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. الصحاح 3: 1001 «حشش».

(2) الفقيه 1: 153/ 713، الوسائل، الباب 11 من أبواب أحكام المساجد، ح 1.

(3) في التهذيبين: «حشّا».

(4) الكافي 3: 368/ 2، التهذيب 3: 259/ 727، الإستبصار 1: 441/ 1701، الوسائل، الباب 11 من أبواب أحكام المساجد، ح 3.

(5) التهذيب 3: 260/ 730، الإستبصار 1: 442/ 1703، الوسائل، الباب 11 من أبواب أحكام المساجد، ح 4.

(6) الاستبصار 1: 441- 442/ 1702، التهذيب 3: 260/ 729، و فيه: «طهور» بدل «يطهّره».

الوسائل، الباب 11 من أبواب أحكام المساجد، ح 5.

55

زمانا هل يصلح أن يجعل مسجدا؟ قال: «إذا نظّف و أصلح فلا بأس» (1).

لكن مقتضى هذه الروايات اختصاص الحكم بظاهر المسجد دون باطنه، فلا تجب إزالة النجاسة عن باطنه، و إلّا لم يكن طمّ الكنيف و طرح التراب الموجب لقطع ريحه كافيا في تجويز اتّخاذه مسجدا.

و قد حكي (2) عن المحقّق الأردبيلي التصريح بدلالة هذه الأخبار على عدم الاشتراط و الميل إليه.

و اختاره في الجواهر لكن في خصوص مورد الأخبار و ما يشبهه ممّا يتعذّر إزالة النجاسة عنه أو يتعسّر، فأجاز جعله مسجدا بعد طمّه، بخلاف ما تيسّر تطهيره (3).

و الأوجه: عدم الاشتراط مطلقا، لظهور الأخبار في كون طرح التراب و طمّ المكان الخبيث محقّقا للطهارة المعتبرة في المسجديّة، بل كونه أطهر من تنظيف المكان، و عدم كونه حكما تعبديّا مخصوصا بمورده.

هذا، مع أنّه لا دليل على وجوب إزالة النجاسة عن باطن المسجد، فإنّ عمدة مستند الحكم الإجماع، و لم يعلم اندراج الفرض في موضوع كلمات المجمعين، بل ربما يستشعر عدمه من إطلاق حكمهم بجواز اتّخاذ الكنيف مسجدا بعد طمّه، بل عن بعضهم التصريح بكفاية طرح التراب عليه على وجه‌

____________

(1) قرب الإسناد: 289/ 1142، الوسائل، الباب 11 من أبواب أحكام المساجد، ح 7.

(2) الحاكي عنه هو العاملي في مفتاح الكرامة 2: 245، و صاحب الجواهر فيها 14: 100، و انظر:

مجمع الفائدة و البرهان 2: 160.

(3) جواهر الكلام 14: 100.

56

يقطع ريحه (1)، من غير إشعار في كلامهم بكونه حكما خاصّا تعبّديّا مستثنى ممّا بنوا عليه من وجوب تجنيب المساجد النجاسات، كما هو واضح.

نعم، لا فرق بحسب الظاهر بين أرض المسجد و حائطه من داخل المسجد و ما يتعلّق به من الفرش و البواري و نحوها من توابع المسجد و أجزائه، فإنّ المتبادر من وجوب تجنيب المساجد النجاسة- كما في النبويّ (2)، و في فتاوى الأصحاب و معاقد إجماعاتهم- ما يعمّها.

و في وجوب تطهير الحائط من الخارج تردّد، لإمكان دعوى انصراف الأدلّة عنه، و اللّه العالم.

[وجوب إزالة النجاسة عن المسجد على الفور]

ثمّ إنّ وجوب إزالة النجاسة عن المسجد على الفور بلا خلاف فيه على الظاهر، بل عن المدارك و الذخيرة (3) نسبته إلى الأصحاب، فإنّ المستفاد من الفتاوى و معاقد الإجماعات المحكيّة على وجوب تجنيب المساجد النجاسة إنّما هو وجوب حفظ المسجد عن النجاسة، و حرمة إحداث النجاسة أو إبقائها فيه، كما أنّ المنساق إلى الذهن من الأمر بالتجنيب في النبويّ (4) ليس إلّا هذا المعنى، لا مجرّد تبعيدها عن المسجد في زمان من الأزمنة المستقبلة، و قد عرفت آنفا أنّ خبر عليّ بن جعفر أيضا يدلّ على مطلوبيّتها على الفور، فلا إشكال فيه، كما أنّه‌

____________

(1) حكاه العاملي في مفتاح الكرامة 2: 244، عن الشيخ الطوسي في النهاية: 111، و المبسوط 1: 162، و العلّامة الحلّي في تحرير الأحكام 1: 54، و قواعد الأحكام 1: 29، و الشهيد في الذكرى 3: 131، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 2: 157- 158.

(2) تقدّم النبوي مع الإشارة إلى مصدره في ص 48، الهامش (1).

(3) الحاكي عنهما هو العاملي في مفتاح الكرامة 1: 157، و انظر: مدارك الأحكام 2: 306، و ذخيرة المعاد: 157.

(4) تقدّم النبوي مع الإشارة إلى مصدره في ص 48، الهامش (1).