مصباح الفقيه - ج9

- الشيخ آقا رضا الهمداني المزيد...
450 /
7

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.)

[كتاب الصلاة]

(كتاب الصلاة) و هي أوضح من أن يتوقّف فهم معناها- الذي يراد منها في إطلاقات الشارع و المتشرّعة- [على] (1) تعريف لفظيّ.

و هي من أفضل العبادات و أهمّها في نظر الشارع.

فعن الكليني- في الصحيح- عن معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم و أحبّ ذلك إلى اللّه عزّ و جلّ ما هو؟ فقال: «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أنّ‌

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «إلى». و الظاهر ما أثبتناه.

8

العبد الصالح عيسى بن مريم (عليه السلام) قال وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا (1)» (2).

و في الصحيح عن أبان بن تغلب، قال: صلّيت خلف أبي عبد اللّه (عليه السلام) المغرب بالمزدلفة، فلمّا انصرف أقام الصلاة فصلّى العشاء الآخرة و لم يركع بينهما، ثمّ صلّيت بعد ذلك بسنة فصلّى المغرب ثمّ قام فتنفّل بأربع ركعات ثمّ قام فصلّى العشاء، ثمّ التفت إليّ فقال: «يا أبان هذه الصلوات الخمس المفروضات من أقامهنّ و حافظ على مواقيتهنّ لقي اللّه تعالى يوم القيامة و له عنده عهد يدخله به الجنّة، و من لم يصلّهنّ لمواقيتهنّ و لم يحافظ عليهنّ فذلك إليه إن شاء غفر له و إن شاء عذّبه» (3).

و عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الأطناب و الأوتاد و الغشاء، و إذا انكسر العمود لم ينفع طنب و لا وتد و لا غشاء» (4).

و عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «صلاة فريضة خير من عشرين حجّة، و حجّة خير من بيت ذهب يتصدّق منه حتّى يفنى» (5).

و عقاب تركها عظيم.

____________

(1) مريم 19: 31.

(2) الكافي 3: 264/ 1، الوسائل، الباب 10 من أبواب أعداد الفرائض، ح 1، و أورده مع ما بعده من الروايات العاملي في مدارك الأحكام 3: 6- 8.

(3) الكافي 3: 267- 268/ 2، و عنه في الوسائل، الباب 1 من أبواب المواقيت، ذيل ح 1.

(4) الكافي 3: 266/ 9، الوسائل، الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض، ح 6.

(5) الكافي 3: 265- 266/ 7، الوسائل، الباب 10 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

9

فعن الشيخ- في الحسن- عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال: «بينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام فصلّى فلم يتم ركوعه و لا سجوده، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني» (1).

و في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «إنّ تارك الفريضة كافر» (2).

و عن الصدوق- في الصحيح- عن بريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما بين المسلم و بين أن يكفر إلّا أن يترك الصلاة الفريضة متعمّدا أو يتهاون بها فلا يصلّيها» (3).

و عن مسعدة بن صدقة أنّه قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما بال الزاني لا تسمّيه كافرا و تارك الصلاة تسمّيه كافرا؟ و ما الحجّة في ذلك؟ فقال: «لأنّ الزاني و ما أشبهه إنّما فعل ذلك لمكان الشهوة، لأنّها تغلبه، و تارك الصلاة لا يتركها إلّا استخفافا بها، و ذلك لأنّك لا تجد الزاني يأتي المرأة إلّا و هو مستلذّ لإتيانه إيّاها قاصدا لها، و كلّ من ترك الصلاة قاصدا لتركها فليس يكون قصده لتركها اللّذّة، فإذا نفيت اللّذّة وقع الاستخفاف، و إذا وقع الاستخفاف وقع الكفر» (4).

و الأخبار الواردة في ذلك أكثر من أن تحصى.

(و العلم بها) أي بالصلاة (يستدعي بيان أربعة أركان):)

____________

(1) التهذيب 2: 239/ 948، و عنه في الوسائل، الباب 8 من أبواب أعداد الفرائض، ذيل ح 2.

(2) التهذيب 2: 7- 8/ 13، الوسائل، الباب 11 من أبواب أعداد الفرائض، ح 1.

(3) ثواب الأعمال و عقاب الأعمال: 274- 275/ 1، و عنه في الوسائل، الباب 11 من أبواب أعداد الفرائض، ذيل ح 6.

(4) الفقيه 1: 132/ 616، الوسائل، الباب 11 من أبواب أعداد الفرائض، ح 2.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

[الركن الأوّل في المقدّمات]

(الركن الأوّل: في المقدّمات) أي الامور التي ينبغي التعرّض لها قبل بيان ماهيّة الصلاة و ما يتعلّق بها من الأحكام.

(و هي سبع).)

[المقدمة الأولى في أعداد الصلاة]

(الأولى: في أعداد الصلاة،)

[الصلوات الواجبة]

(و المفروض منها) و لو بسبب من المكلّف (تسعة: صلاة اليوم و الليلة) و ما يتبعها من صلاة الاحتياط (و الجمعة و العيدين و الكسوف) الشامل للخسوف (و الزلزلة و الآيات و الطواف) الواجب (و الأموات و ما يلتزمه الإنسان بنذر و شبهه) كالعهد و اليمين، أو بإجارة و نحوها.

و يمكن إدراج ما التزمه الإنسان على نفسه من القضاء عن الغير بإجارة و نحوها، كإدراج القضاء حتّى من الولي في اليوميّة، كما أنّه يمكن إدراج بعض المذكورات- الموجب لتقليل العدد عن التسعة، كالجمعة- في اليوميّة، و إدراج الكسوف في الآيات.

و ربما أسقط بعض صلاة الأموات رأسا بدعوى عدم كونها صلاة حقيقة.

12

و كيف كان فالأمر سهل بعد عدم الخلاف في أصل الحكم.

(و ما عدا ذلك مسنون) و هو كثير كما تعرفه فيما يأتي إن شاء اللّه. فهذا مجمل الكلام فيها.

(و) أمّا تفصيل ذلك: ف‍ (صلاة اليوم و الليلة خمس):) الصبح و الظهر و العصر و المغرب و العشاء (و هي سبع عشرة ركعة في الحضر: الصبح ركعتان، و المغرب ثلاث ركعات، و كلّ واحدة من البواقي أربع) ركعات (و يسقط من كلّ رباعيّة في السفر ركعتان) فهي إحدى عشرة ركعة في السفر.

[النوافل]

(و نوافلها) و المراد بها ما يعمّ نافلة الليل التي لها أيضا كسائر النوافل المسنونة في اليوم و الليلة نحو تعلّق بالفرائض على ما يظهر من بعض الأخبار الآتية المبيّنة لحكمة شرعيّتها (في الحضر أربع و ثلاثون ركعة على الأشهر) رواية و المشهور فتوى، بل في المدارك و محكيّ المختلف و الذكرى: لا نعلم فيه مخالفا (1)، و عن جمع من الأصحاب دعوى الإجماع عليه (2).

و تفصيلها: (أمام الظهر ثمان) ركعات (و قبل العصر مثلها، و بعد المغرب أربع) ركعات (و بعد العشاء ركعتان من جلوس تعدّان بركعة، و إحدى عشرة صلاة الليل مع ركعتي الشفع و الوتر، و ركعتان للفجر)

____________

(1) مدارك الأحكام 3: 10، مختلف الشيعة 2: 331، المسألة 221، الذكرى 2: 289، و حكاه عن الأخيرين العاملي في مفتاح الكرامة 2: 6.

(2) حكاه العاملي في مفتاح الكرامة 2: 6 عن الانتصار: 50، و الخلاف 1: 525- 526، المسألة 266، و المهذّب البارع 1: 282، و غاية المرام 1: 115، و مجمع الفائدة و البرهان 2: 4.

13

فيكون مجموع الفريضة و النافلة إحدى و خمسين ركعة.

كما تشهد له حسنة فضيل بن يسار- أو صحيحته- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «الفريضة و النافلة إحدى و خمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالسا تعدّان بركعة و هو قائم، الفريضة منها سبع عشرة ركعة، و النافلة أربع و ثلاثون ركعة» (1).

و خبر البزنطي، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّ أصحابنا يختلفون في صلاة التطوّع، بعضهم يصلّي أربعا و أربعين ركعة، و بعضهم يصلّي خمسين، فأخبرني بالذي تعمل به أنت كيف هو حتّى أعمل بمثله؟ فقال: «اصلّي واحدة و خمسين ركعة» ثمّ قال: «أمسك» و عقد بيده الزوال ثمانية و أربعا بعد الظهر، و أربعا قبل العصر، و ركعتين بعد المغرب، و ركعتين قبل عشاء الآخرة، و ركعتين بعد العشاء من قعود تعدّان ركعة من قيام، و ثمان صلاة الليل، و الوتر ثلاثا، و ركعتي الفجر، و الفرائض سبع عشرة، فذلك إحدى و خمسون ركعة (2).

و عن الكليني و الشيخ- في الصحيح- عن الحارث بن المغيرة النصري، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «صلاة النهار ست عشرة: ثمان إذا زالت، و ثمان بعد الظهر، و أربع ركعات بعد المغرب، يا حارث لا تدعها في سفر و لا حضر، و ركعتان بعد العشاء [الآخرة]، كان أبي يصلّيهما و هو قاعد و أنا اصلّيهما‌

____________

(1) الكافي 3: 443/ 2، التهذيب 2: 4/ 2، الاستبصار 1: 218/ 772، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 3.

(2) الكافي 3: 444/ 8، التهذيب 2: 8/ 14، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 7.

14

و أنا قائم، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي ثلاث عشرة ركعة من الليل» (1).

و مرفوعة الفضل بن أبي قرّة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سئل عن الخمسين و الواحدة ركعة، فقال: «إنّ ساعات النهار اثنتا عشرة ساعة، و ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة، و من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة، و من غروب الشمس إلى غروب الشفق غسق، فلكلّ ساعة ركعتان، و للغسق ركعة» (2).

و صحيحة الفضيل بن يسار و الفضل بن عبد الملك و بكير قالوا: سمعنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي من التطوّع مثلي الفريضة، و يصوم من التطوّع مثلي الفريضة» (3).

و رواية [إسماعيل] بن سعد الأحوص قال: قلت للرضا (عليه السلام): كم الصلاة من ركعة؟ قال: «إحدى و خمسون ركعة» (4).

و موثّقة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، و ست ركعات بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و أربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان بعد العشاء الآخرة، تقرأ فيهما مائة آية قائما أو قاعدا، و القيام أفضل، و لا تعدّهما من الخمسين، و ثمان ركعات من‌

____________

(1) الكافي 3: 446/ 15، التهذيب 2: 4- 5/ 5، و 9/ 16، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 9، و ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) الكافي 3: 487/ 5، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 10.

(3) الكافي 3: 443/ 3، التهذيب 2: 4/ 3، الاستبصار 1: 218/ 773، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

(4) الكافي 3: 446/ 16، التهذيب 2: 3/ 1، الاستبصار 1: 218/ 771، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 11، و ما بين المعقوفين من المصادر.

15

آخر الليل تقرأ في صلاة الليل بقل هو اللّه أحد و قل يا أيّها الكافرون في الركعتين الاوليين، و تقرأ في سائرها ما أحببت من القرآن، ثمّ الوتر ثلاث ركعات تقرأ فيها جميعا قل هو اللّه أحد، و تفصل بينهنّ بتسليم، ثمّ الركعتان اللّتان قبل الفجر تقرأ في الاولى منهما قل يا أيّها الكافرون، و في الثانية قل هو اللّه أحد» (1).

و خبر الفضل بن شاذان- المرويّ عن [العيون] (2)- عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون، قال: «و الصلاة الفريضة: الظهر أربع ركعات، و العصر أربع ركعات، و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء الآخرة أربع ركعات، و الغداة ركعتان، هذه سبع عشرة ركعة، و السنّة أربع و ثلاثون ركعة:، ثمان ركعات قبل فريضة الظهر، و ثمان ركعات قبل فريضة العصر، و أربع ركعات بعد المغرب، و ركعتان من جلوس بعد العتمة تعدّان بركعة، و ثمان ركعات في السحر، و الشفع و الوتر ثلاث ركعات، تسلّم بعد الركعتين، و ركعتا الفجر» (3).

و روايته الأخرى أيضا عن الرضا (عليه السلام)، المرويّة عن العيون و العلل، و فيها:

«و إنّما جعلت السنّة أربعا و ثلاثين ركعة لأنّ الفريضة سبع عشرة، فجعلت السنّة مثلي الفريضة كمالا» (4) الحديث.

و خبر الأعمش- المرويّ عن الخصال- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث‌

____________

(1) التهذيب 2: 5/ 8، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 16.

(2) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «العلل». و الصحيح ما أثبتناه حيث إنّ الخبر مرويّ في العيون.

(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 123 (الباب 35) ح 1، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 23.

(4) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 111 (الباب 34) ح 1، علل الشرايع: 246 (الباب 182) ح 9، الوسائل، الباب 13 من ابواب اعداد الفرائض، ح 22.

16

شرائع الدين، قال: «و صلاة الفريضة: الظهر أربع ركعات، و العصر أربع ركعات، و المغرب ثلاث ركعات، و العشاء الآخرة أربع ركعات، و الفجر ركعتان، فجملة الصلاة المفروضة سبع عشرة ركعة، و السنّة أربع و ثلاثون ركعة، منها: أربع ركعات بعد المغرب لا تقصير فيها في السفر و الحضر، و ركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدّان بركعة، و ثمان ركعات في السحر، و هي صلاة الليل، و الشفع ركعتان، و الوتر ركعة، و ركعتا الفجر بعد الوتر، و ثمان ركعات قبل الظهر، و ثمان ركعات بعد الظهر قبل العصر، و الصلاة تستحبّ في أوّل الأوقات» (1).

و خبر أبي عبد اللّه القزويني قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عليهما السلام): لأيّ علّة تصلّى الركعتان بعد العشاء الآخرة من قعود؟ فقال: «لأنّ اللّه فرض سبع عشرة ركعة، فأضاف إليها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مثليها، فصارت إحدى و خمسين ركعة، فتعدّان هاتان الركعتان من جلوس بركعة» (2).

و رواية أبي بصير- المرويّة عن كتاب صفات الشيعة- عن الصادق (عليه السلام) قال: «شيعتنا أهل الورع و الاجتهاد، و أهل الوفاء و الأمانة، و أهل الزهد و العبادة، أصحاب الإحدى و خمسين ركعة في اليوم و الليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكّون أموالهم، و يحجّون البيت، و يجتنبون كلّ محرّم» (3).

و مرسلة المصباح عن العسكري (عليه السلام)، قال: «علامات المؤمن خمس» و عدّ منها «صلاة الإحدى و الخمسين» (4).

____________

(1) الخصال: 603/ 9، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 25.

(2) علل الشرائع: 330 (الباب 26) ح 1، الوسائل، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، ح 6.

(3) صفات الشيعة: 189/ 1، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 26.

(4) مصباح المتهجّد: 787- 788، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 29.

17

و ربما يظهر من جملة من الأخبار أنّ المعروف في الصدر الأوّل لدى أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) فيما جرت به السنّة في عدد الركعات خمسون.

مثل: ما عن مجمع البيان عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) في قوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ (1) قال: «أولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا» (2).

و عن معاوية بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كان في وصيّة النبيّ لعليّ (عليهما السلام)- إلى أن قال-: يا علي أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عنّي، ثمّ قال: اللّهمّ أعنه- إلى أن قال-: و السادسة: الأخذ بسنّتي في صلاتي و صومي و صدقتي، أمّا الصلاة فالخمسون ركعة» (3).

و عن محمّد بن أبي حمزة (4)، قال: سألت [أبا عبد اللّه (عليه السلام)] (5) عن أفضل ما جرت به السنّة من الصلاة، قال: «تمام الخمسين» (6).

و في خبر [سليمان بن خالد] (7)، المتقدّم (8) أيضا شهادة على ذلك، فإنّه (عليه السلام) بعد أن عدّ ركعتين بعد العشاء الآخرة من النوافل، قال: «و لا تعدّهما من الخمسين» فإنّه يدلّ على معروفيّة عدد الركعات لديهم بخمسين، فأراد الإمام (عليه السلام)

____________

(1) المعارج 70: 34.

(2) مجمع البيان 9- 10: 357، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 28.

(3) الكافي 8: 79/ 33، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 1.

(4) كذا في الوسائل، و في الكافي و التهذيب: «محمّد بن أبي عمير- ابن أبي عمير».

(5) ما بين المعقوفين من المصدر.

(6) الكافي 3: 443/ 4، التهذيب 2: 5/ 6، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 5.

(7) يدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «ابن سالم». و الصحيح ما أثبتناه.

(8) في ص 14.

18

التنبيه على زيادة هاتين الركعتين- اللّتين تعدّان بركعة- على الخمسين.

و نحوه ما عن [الصدوق] (1) بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: «و إنّما صارت العتمة مقصورة و ليس تترك ركعتاها لأنّ الركعتين ليستا من الخمسين، و إنّما هي زيادة في الخمسين تطوّعا ليتمّ بهما بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من التطوّع» (2).

و في حسنة الحلبي أيضا إشارة إليه، قال: سألت الصادق (عليه السلام) هل قبل العشاء الآخرة و بعدها شي؟ قال: «لا، غير أنّي اصلّي بعدها ركعتين، و لست أحسبهما من صلاة الليل» (3).

و ربّما يستشعر من هذه الحسنة بل يستظهر منها عدم كونهما من النوافل الموظّفة.

و لكنّه لا ينبغي الالتفات إلى مثل هذا الاستشعار في مقابل ما عرفت و ستعرف.

و في خبر البزنطي- المتقدّم (4)- أيضا دلالة على كون الخمسين معروفة لدى بعض الأصحاب.

و لعلّ منشأ معروفيّتها بخمسين عدم مواظبة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على الركعتين اللّتين تعدّان بركعة، كما يدلّ عليه غير واحد من الأخبار.

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «الشيخ». و الصحيح ما أثبتناه حيث إنّ الرواية ليست في التهذيب و الاستبصار.

(2) الفقيه 1: 290/ 1320، علل الشرائع: 251- 267 (الباب 182) ح 9، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 99- 113 (الباب 34) ح 1، الوسائل، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، ح 3.

(3) الكافي 3: 443/ 6، التهذيب 2: 10/ 19، الوسائل، الباب 27 من أبواب أعداد الفرائض، ح 1.

(4) في ص 13.

19

مثل: ما رواه محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن حنان، قال: سأل عمرو بن حريث أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا جالس، فقال له: جعلت فداك أخبرني عن صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: «كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي ثمان ركعات الزوال، و أربعا الاولى، و ثماني بعدها، و أربعا العصر، و ثلاثا المغرب، و أربعا بعد المغرب، و العشاء الآخرة أربعا، و ثمان صلاة الليل، و ثلاثا الوتر، و ركعتي الفجر، و صلاة الغداة ركعتين» قلت: جعلت فداك و إن كنت أقوى على أكثر من هذا أيعذّبني اللّه على كثرة الصلاة؟ فقال: «لا، و لكن يعذّب على ترك السنّة» (1).

و ما عن الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن محمّد بن أبي عمير عن حمّاد بن عثمان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالنهار، فقال: «و من يطيق ذلك؟» ثمّ قال: «و لكن ألا اخبرك كيف أصنع أنا؟» فقلت: بلى، فقال: «ثماني ركعات قبل الظهر، و ثمان بعدها» قلت: فالمغرب؟ قال: «أربع بعدها» قلت: فالعتمة؟ قال (عليه السلام): «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي العتمة ثمّ ينام» و قال بيده هكذا، فحرّكها، قال ابن أبي عمير: ثمّ وصف كما ذكر أصحابنا (2).

و خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يبيتنّ إلّا بوتر» قال: قلت: يعني الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال: «نعم إنّهما بركعة، فمن صلّاهما ثمّ حدث به حدث مات على وتر، فإن لم يحدث به حدث الموت يصلّي الوتر في آخر الليل» فقلت: هل صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هاتين.

____________

(1) الكافي 3: 443/ 5، التهذيب 2: 4/ 4، الاستبصار 1: 218- 219/ 774، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 6.

(2) التهذيب 2: 5/ 7، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 15.

20

الركعتين؟ قال: «لا» قلت: و لم ذلك؟ قال: «لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يأتيه الوحي و كان يعلم أنّه هل يموت في هذه الليلة أم لا، و غيره لا يعلم، فمن أجل ذلك لم يصلّهما و أمر بهما» (1).

و يدلّ عليه أيضا بعض الأخبار الآتية.

و لكن قد يظهر من بعض الروايات أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا ربّما كان يأتي بالركعتين.

و يظهر من رواية ابن أبي الضحّاك- المرويّة عن العيون، المشتملة (2) على عمل الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان- أنّه (عليه السلام) أيضا لم يكن يواظب على هاتين الركعتين.

قال فيها: كان الرضا (عليه السلام) إذا زالت الشمس جدّد وضوءه- إلى أن قال-: ثمّ يقوم فيصلّي العشاء الآخرة أربع ركعات و يقنت في الثانية قبل الركوع و بعد القراءة، فإذا سلّم جلس في مصلّاه يذكر اللّه عزّ و جلّ و يسبّحه و يحمده و يكبّره و يهلّله ما شاء اللّه، و يسجد بعد التعقيب سجدة الشكر، ثمّ يأوي إلى فراشه (3).

الحديث.

و لا ينافي هذا استحبابهما بل و لا تأكّده، كما تشهد له المستفيضة الواردة فيهما، كالرواية المتقدّمة و غيرها، فإنّهم (عليهم السلام) ربّما كانوا يتركون بعض المستحبّات لأمر أهمّ، أو لكونهم (عليهم السلام) عارفين بجهته المقتضية لاستحبابه،

____________

(1) علل الشرائع: 330- 331 (الباب 27) ح 1، الوسائل، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، ح 8.

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «المرويّ .. المشتمل». و الظاهر ما أثبتناه.

(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 180- 181 (الباب 44) ح 5، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 24.

21

المنتفية في حقّهم، فلا معارضة بين هذه الروايات و بين الأخبار المتقدّمة و غيرها ممّا دلّ على استحباب هاتين الركعتين، كما أنّه لا تعارض تلك الأخبار الروايات التي يستشعر أو يستظهر منها انحصار عدد الركعات في أقلّ من ذلك.

مثل: مرسلة الصدوق، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يصلّي بالنهار شيئا حتّى تزول الشمس، و إذا زالت صلّي ثماني ركعات، و هي صلاة الأوّابين، تفتح في تلك الساعة أبواب السماء، و تستجاب الدعاء، و تهبّ الرياح، و ينظر اللّه إلى خلقه، فإذا فاء الفي ذراعا، صلّى الظهر أربعا، و صلّى بعد الظهر ركعتين، ثمّ صلّى ركعتين اخراوين، ثمّ صلّى العصر أربعا، إذا فاء الفي‌ء ذراعا، ثمّ لا يصلّي بعد العصر شيئا حتّى تؤوب الشمس، فإذا آبت- و هو أن تغيب- صلّى المغرب ثلاثا و بعد المغرب أربعا، ثمّ لا يصلّي شيئا حتّى يزول نصف الليل، فإذا زال نصف الليل، صلّى ثماني ركعات، و أوتر في الربع الأخير من الليل بثلاث ركعات، فقرأ فيهنّ بفاتحة الكتاب و قل هو اللّه أحد، و يفصل بين الثلاث بتسليمة و يتكلّم و يأمر بالحاجة و لا يخرج من مصلّاه حتّى يصلّي الثالثة التي يوتر فيها، و يقنت قبل الركوع، ثمّ يسلّم و يصلّي ركعتي الفجر قبل الفجر و عنده و بعيده، ثمّ يصلّي ركعتي الصبح، و هي الفجر إذا اعترض و أضاء حسنا، فهذه صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) التي قبضه اللّه عزّ و جلّ عليها» (1).

و لا يبعد أن يكون ما تضمّنته هذه الرواية- و هي تسع و عشرون بإسقاط‌

____________

(1) الفقيه 1: 146- 147/ 678، الوسائل، الباب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 6.

22

الوتيرة و أربع ركعات من نافلة العصر- هي التي لم يكن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يأتي بأقلّ منه لا لضرورة.

و يحتمل جري هذه الرواية مجرى التقيّة.

و يؤيّد التوجيه الأوّل- أي إرادة ما كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لا يقصر عنه و إن كان كثيرا مّا يأتي بأزيد منه- مضافا إلى ما في ذيلها من الإشعار به: رواية أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام): عن التطوّع بالليل و النهار، فقال: «الذي يستحبّ أن لا يقصر منه ثمان ركعات عند زوال الشمس، و بعد الظهر ركعتان، و قبل العصر ركعتان، و بعد المغرب ركعتان، و قبل العتمة ركعتان، و في السحر ثمان ركعات ثمّ يوتر، و الوتر ثلاث ركعات مفصولة، ثمّ ركعتان قبل صلاة الفجر، و أحبّ صلاة الليل إليهم آخر الليل» (1) فإنّ في قوله (عليه السلام): «الذي يستحبّ أن لا يقصر منه» إشعارا باستحباب الزيادة، و أنّ هذه التسعة و العشرين- التي هي مع الفرائض تنتهي إلى ستّة و أربعين ركعة- هي أفضل ما يؤتى بها من النوافل، و عليه تنطبق رواية يحيى ابن حبيب، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى اللّه من الصلاة، قال: «ستّة و أربعون ركعة فرائضه و نوافله» قلت: هذه رواية زرارة، قال:

«أو ترى أحدا كان أصدع بالحقّ منه؟» (2) فلا منافاة بينها و بين أن يكون الفضل في إكمالها إلى أن ينتهي إلى إحدى و خمسين ركعة.

____________

(1) التهذيب 2: 6/ 11، الاستبصار 1: 219- 220/ 777، الوسائل، الباب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 2.

(2) التهذيب 2: 6/ 10، الاستبصار 1: 219/ 776، الوسائل، الباب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 5.

23

و لا ينبغي الالتفات إلى ما فيها من الإشعار بانحصار عدد الفرائض و النوافل المرتّبة فيما ذكر بعد ورود التصريح بشرعيّة ما زاد عليه في سائر الروايات.

كما أنّه لا ينبغي الالتفات إلى ما يستشعر من صحيحة زرارة من انحصار عدد الفرائض و النوافل في الأربع و الأربعين بالاقتصار في نافلة العصر على الأربع، و في نافلة العشاءين على ركعتين بينهما، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّي رجل تاجر أختلف فكيف لي بالزوال و المحافظة على صلاة الزوال؟ و كم تصلّى؟ قال (عليه السلام): «تصلّي ثماني ركعات إذا زالت الشمس، و ركعتين بعد الظهر، و ركعتين قبل العصر، فهذه اثنتا عشرة ركعة، و تصلّي بعد المغرب ركعتين، و بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشرة ركعة منها: الوتر، و منها: ركعتا الفجر، فتلك سبع و عشرون ركعة سوى الفريضة، و إنّما هذا كلّه تطوّع، و ليس بمفروض، إنّ تارك الفريضة كافر، و إنّ تارك هذا ليس بكافر و لكنّها معصية، لأنّه يستحبّ إذا عمل الرجل عملا من الخير أن يدوم عليه» (1) فإنّ مقتضى الجمع بينها و بين ما تقدّمها:

حمل ما في هذه الرواية على بيان أقلّ المجزئ، كما يشعر بذلك صحيحة ابن سنان، الناهية عن الأقلّ من ذلك.

قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لا تصلّ أقلّ من أربع و أربعين ركعة» قال: و رأيته يصلّي بعد العتمة أربع ركعات (2).

____________

(1) التهذيب 2: 7- 8/ 13، الوسائل، الباب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 1.

(2) التهذيب 2: 6/ 9، الاستبصار 1: 219/ 775، الوسائل، الباب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4.

24

أقول: الأربع ركعات التي رآها منه بعد العتمة لم يعرف وجهها، فلعلّها صلاة جعفر و نحوها، فلا تنافي الأخبار السابقة.

و ربّما يظهر من صحيحة أخرى لزرارة: انحصار ما جرت به السنّة في الأربع و الأربعين، فتناقض الأخبار السابقة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما جرت به السنّة في الصلاة؟ فقال: «ثمان ركعات الزوال، و ركعتان بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر، و ركعتان بعد المغرب، و ثلاث عشرة ركعة من آخر الليل، منها: الوتر، و ركعتا الفجر» قلت: فهذا جميع ما جرت به السنّة؟ قال: «نعم» فقال أبو الخطّاب:

أفرأيت إن قوي فزاد؟ قال: فجلس و كان متّكئا، فقال: «إن قويت فصلّها كما كانت تصلّى، و كما ليست في ساعة من النهار فليست في ساعة من الليل، إنّ اللّه يقول:

وَ مِنْ آنٰاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ (1)» (2) فإنّ مفادها أنّ ما تضمّنته من عدد الركعات هي جميع ما جرت به السنّة.

و لكنّه لا بدّ من تأويلها أو طرحها؛ لعدم صلاحيّتها لمعارضة الأخبار المتقدّمة و غيرها من الأخبار الواردة في خصوص نافلة الظهرين و الأربع ركعات بعد المغرب و الركعتين بعد العشاء الآخرة، البالغة مرتبة (3) التواتر بل فوقها، الدالّة بالصراحة على شرعيّتها و كونها من السنّة، فلا يبعد أن يكون المراد بكون ما في هذه الصحيحة «جميع ما جرت به السنّة» هي جميع ما استمرّ سيرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على فعلها بحيث لم يكن يأتي بأقلّ منها، لا أنّها جميع ما سنّها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) طه 20: 130.

(2) التهذيب 2: 7/ 12، الوسائل، الباب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 3.

(3) في «ض 11، 14»: «حدّ» بدل «مرتبة».

25

و لا ينافي إرادة هذا المعنى ما في ذيل الرواية من ظهور أثر الغضب من فعل الإمام (عليه السلام) و قوله في جواب أبي الخطّاب السائل عن شرعيّة الازدياد؛ فإنّ غضبه على الظاهر نشأ من سوء تعبير السائل، كما يشهد لذلك خبر الصيقل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «إنّي لأمقت الرجل يأتيني فيسألني عن عمل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيقول: أزيد؟ كأنّه يرى أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قصّر في شئ» (1) الحديث، فلو كان يسأله عن شرعيّة الإتيان بالزائد لا بهذه العبارة- كما في بعض الأخبار المتقدّمة- لأجابه الإمام (عليه السلام) بالجواز؛ لأنّ «الصلاة خير موضوع من شاء استقلّ و من شاء استكثر» (2) غاية الأمر أنّه لا ينوي بالزائد استحبابه بالخصوص ما لم يثبت.

و الغرض من إطالة الكلام بيان أنّ أخبار الباب لدى المتأمّل ليست من الأخبار المتعارضة، بل الاختلافات الواقعة فيها منزّلة على اختلاف المراتب في الفضل، و إلّا فمن الواضح أنّه لا يصلح سائر الروايات لمعارضة الأخبار الدالّة على شرعيّة الإحدى و الخميس، المعتضدة بفتوى الأصحاب و عملهم.

و ممّا يشهد بعدم التنافي بين الأخبار و صحّة الجميع: ما رواه عبد اللّه بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل، قال: «و عليكم بالصلاة الستّة و الأربعين، و عليك بالحجّ أن تهلّ بالإفراد و تنوي الفسخ إذا قدمت مكّة» ثمّ قال: «و الذي أتاك به أبو بصير من صلاة إحدى و خمسين و الإهلال بالتمتّع بالعمرة إلى الحجّ و ما أمرناه به من أن يهلّ بالتمتّع، فلذلك عندنا معان و تصاريف لذلك (3)، ما‌

____________

(1) الفقيه 1: 303/ 1386، و عنه في الوافي 7: 77/ 5484- 5.

(2) الخصال: 523/ 11، المستدرك- للحاكم- 2: 597.

(3) في «اختيار معرفة الرجال»: «كذلك» بدل «لذلك».

26

يسعنا و يسعكم، و لا يخالف شي‌ء منه الحقّ و لا يضادّه» (1).

و يحتمل قويّا كون الستّة و الأربعين التي أمر بها في هذه الرواية جارية مجرى التقيّة؛ حيث إنّه (عليه السلام) بعد أن أمر بهذا العدد نبّه على صدور رواية اخرى متضمّنة للأمر بإحدى و خمسين غير مضادّة للحقّ لم يكن يسع الإمام (عليه السلام) توجيهها في ذلك المجلس إلّا على سبيل الإجمال و الاعتذار بأنّ لها معان و تصاريف غير مخالفة للواقع، ففيها إيماء إلى أنّ ما عدا الرواية التي فيها الأمر بإحدى و خمسين كلّها من هذا القبيل، و اللّه العالم.

تنبيهات:

الأوّل: قال صاحب المدارك (قدّس سرّه): المشهور بين الأصحاب أنّ نافلة الظهر ثمان ركعات قبلها، و نافلة العصر ثمان ركعات قبلها.

و قال ابن الجنيد: يصلّى قبل الظهر ثمان ركعات و ثمان ركعات بعدها، منها: ركعتان نافلة العصر. و مقتضاه أنّ الزائد ليس لها.

و ربّما كان مستنده رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، و ستّ ركعات بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر» (2) و هي لا تعطي كون الستّة للظهر، مع أنّ في رواية البزنطي أنّه «يصلّى أربع بعد الظهر، و أربع قبل العصر» (3).

____________

(1) اختيار معرفة الرجال: 140- 141/ 221، الوسائل، الباب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 7.

(2) تقدّم تخريجها في ص 15، الهامش (1).

(3) تقدّم تخريجها في ص 13، الهامش (2).

27

و بالجملة، فليس في الروايات دلالة على التعيين بوجه، و إنّما المستفاد منها استحباب صلاة ثمان ركعات قبل الظهر، و ثمان بعدها، و أربع بعد المغرب من غير إضافة إلى الفريضة، فينبغي الاقتصار في نيّتها على ملاحظة الامتثال بها خاصّة (1). انتهى.

أقول: لا ريب أنّ الأمر المتعلّق بالنوافل ليس أمرا غيريّا ناشئا من كون الفريضة مسبوقة أو ملحوقة بنافلة شرطا لكمالها بأن يكون حال النافلة حال الأذان و الإقامة في كونها بمنزلة الأجزاء المستحبّة للصلاة، بل هي عبادات مستقلّة قد تعلّق الأمر بإيجادها في أوقات معيّنة قبل فعل الفرائض أو بعدها؛ فلها نحو تعلّق بأوقاتها و بالفرائض التي اعتبر الشارع وقوعها قبلها أو بعدها، فتصحّ باعتبار تلك العلاقة إضافتها إلى وقتها أو إلى الفريضة المرتبطة بها؛ فإنّه يكفي في الإضافة أدنى مناسبة، فلا يهمّنا تحقيق أنّ إضافتها إلى الفرض من قبيل إضافة المسبّب إلى سببه و أنّ حكمة تعلّق الأمر بها المناسبة المتحقّقة بين الفرائض و بينها، المقتضية لتشريعها، أو أنّ إضافتها إلى الوقت كذلك، فإنّ الآتي بها سواء أضافها إلى الوقت أو إلى الفرض لا ينوي بفعلها إلّا النافلة المعهودة المسنونة التي تعلّق الأمر الشرعي بإيجادها في ذلك الوقت قبل الفرض أو بعده، فإضافتها إلى الوقت أو إلى الفرض إنّما هي لكونها معرّفة لتلك الماهيّة و مميّزة إيّاها عن غيرها، و بها يحصل التميّز، فتصحّ معها العبادة من غير حاجة إلى تحقيق السبب و لا إلى معرفة أنّ الشارع أطلق عليها نافلة الوقت أو سمّاها نافلة الفرض.

____________

(1) مدارك الأحكام 3: 13.

28

هذا، و لكنّ الذي يقوى في النظر- بالنظر إلى ظواهر كلمات الأصحاب، حيث أضافوها إلى الفرض، و بالتدبّر في الأخبار الواردة في حكمة تشريع النوافل من أنّها لتكميل الفرائض، و ما دلّ على أنّ لكلّ ركعة من الفريضة ركعتين من النافلة، و غيرها من الروايات- أنّ العلاقة المصحّحة لإضافتها إلى الفريضة ليست مجرّد القبليّة و البعديّة، لكن لا يترتّب على تحقيقها ثمرة عمليّة.

قال في المدارك- بعد عبارته المتقدّمة (1)- قيل: و تظهر فائدة الخلاف في اعتبار إيقاع الستّ قبل القدمين أو المثل إن جعلناها للظهر، و فيما إذا نذر نافلة العصر، فإنّ الواجب الثمان عند (2) المشهور، و ركعتان على قول ابن الجنيد.

و يمكن المناقشة في الموضعين.

أمّا الأوّل: فبأنّ مقتضى النصوص: اعتبار إيقاع الثمان- التي قبل الظهر- قبل القدمين أو المثل، و الثمان- التي بعدها- قبل الأربعة أو المثلين، سواء جعلنا الستّ منها للظهر أم للعصر.

و أمّا الثاني: فلأنّ النذر يتبع قصد الناذر، فإن قصد الثماني أو الركعتين، وجب. و إن قصد ما وظّفه الشارع للعصر، أمكن التوقّف في صحّة النذر؛ لعدم ثبوت الاختصاص، كما بيّنّاه (3). انتهى.

أقول: أمّا الثمرة الاولى: فيتوجّه عليها ما ذكره.

و أمّا الثمرة الثانية: فالأولى أن يخدش فيها: بأنّه لا يليق بالفقيه أن يذكرها‌

____________

(1) في ص 26- 27.

(2) في المصدر: «على» بدل «عند».

(3) مدارك الأحكام 3: 13- 14.

29

ثمرة لتحقيق المباحث الفقهيّة حتّى يقابل بالردّ، كما لا يخفى.

الثاني: يكره الكلام بين الأربع ركعات التي بعد المغرب؛

لرواية أبي الفوارس (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: نهاني أن أتكلّم بين الأربع ركعات التي بعد المغرب (2).

لكن قد ينافيها بعض الأخبار المتقدّمة الظاهرة في استحباب التفريق و إتيان ركعتين منها بعد المغرب و ركعتين قبل العشاء.

و لكنّه لا ينبغي الالتفات إلى هذا الظاهر بعد مخالفته للفتاوى و ظواهر سائر النصوص أو صريحها، فليتأمّل، و سيأتي لذلك مزيد تحقيق- يرتفع به التنافي بين الأخبار- في المواقيت إن شاء اللّه.

و استشهد في المدارك بالرواية المتقدّمة (3) لإثبات كراهة الكلام بين المغرب و نافلتها قائلا في تقريبه: إنّ كراهة الكلام بين الأربع تقتضي كراهة الكلام بينها و بين المغرب بطريق أولى (4).

و استشهد لها أيضا برواية أبي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من صلّى المغرب ثمّ عقّب و لم يتكلّم حتّى يصلّي ركعتين كتبتا له في علّيّين، فإن صلّى أربعا كتبت له حجّة مبرورة» (5) (6).

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «أبي فارس». و ما أثبتناه كما في المصدر.

(2) الكافي 3: 443- 444/ 7، التهذيب 2: 114/ 425، الوسائل، الباب 30 من أبواب التعقيب، ح 1.

(3) أي: رواية أبي الفوارس، المتقدّمة آنفا.

(4) مدارك الأحكام 3: 14.

(5) التهذيب 2: 113/ 422، الوسائل، الباب 30 من أبواب التعقيب، ح 2.

(6) مدارك الأحكام 3: 14.

30

و لا يخفى عليك ما في دعوى الأولويّة من النظر خصوصا على ما ذهب إليه من عدم ثبوت اختصاص النافلة بالفرض، و أنّ القدر المتيقّن الثابت بالأخبار أنّها صلوات مسنونة في أوقات معيّنة.

و أمّا الرواية: فلا تدلّ إلّا على استحباب ترك التكلّم، لا كراهة الكلام.

الثالث: لا يتعيّن الجلوس في الركعتين اللّتين تعدّان بركعة،

كما يوهمه ظاهر المتن و غيره، كظواهر كثير من النصوص الواردة فيهما، بل يجوز الإتيان بهما قائما، بل هو أفضل، كما هو صريح موثّقة سليمان بن خالد، المتقدّمة (1)، قال فيها: «و ركعتان بعد العشاء الآخرة تقرأ فيهما مائة آية قائما أو قاعدا، و القيام أفضل» الحديث.

و ظاهر رواية الحارث بن المغيرة- المتقدّمة (2) المصحّحة بطريق الشيخ- قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)، إلى أن قال: «و ركعتان بعد العشاء الآخرة، كان أبي يصلّيهما و هو قاعد، و أنا أصلّيهما و أنا قائم» فإنّ الظاهر أنّ مواظبته (عليه السلام) على القيام لم يكن إلّا لأفضليّته. و أمّا أبوه (عليه السلام) فكان يشقّ عليه الصلاة قائما، فلا ينافي فعله أفضليّة القيام، كما يشهد بذلك خبر حنان بن سدير عن أبيه، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أتصلّي النوافل و أنت قاعد؟ قال: «ما أصلّيها إلّا و أنا قاعد منذ حملت هذا اللحم و بلغت هذا السنّ» (3).

____________

(1) في ص 14.

(2) في ص 13- 14.

(3) الكافي 3: 410/ 1، التهذيب 2: 169- 170/ 674، الوسائل، الباب 4 من أبواب القيام، ح 1.

31

الرابع: لاريب في أنّ النوافل المرتّبة عبادات مستقلّة و نوافل متعدّدة،

و ليس مجموع الستّة (1) و الثلاثين ركعة عبادة واحدة بحيث لا يشرع الإتيان ببعضها إلّا مع العزم على الإتيان بما عداه، فله الإتيان بنافلة الظهر عازما على الاقتصار عليها، و هكذا سائر النوافل، كما يشهد بذلك- مضافا إلى وضوحه و دلالة كثير من الأخبار المتقدّمة بل أكثرها عليه، كما لا يخفى على المتأمّل- الأخبار الخاصّة الواردة فيها بالخصوص.

مثل: المستفيضة الواردة في خصوص الوتيرة، و في الأربع ركعات التي بعد المغرب، و في صلاة الليل، و في ركعتي الفجر اللّتين روي فيهما أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان أشدّ معاهدة بهما من سائر النوافل (2)، و أنّهما خير من الدنيا و ما فيها (3)، و أنّهما المشهودتان لملائكة الليل و النهار (4)، و من هنا قيل- بل حكي عليه الإجماع-: إنّهما أفضل من غيرهما من النوافل (5)، و غير ذلك من الأخبار التي ورد فيها الحثّ على آحادها.

مثل: ما في مرسلة الصدوق- المتقدّمة (6)- من توصيف نافلة الزوال بأنّها‌

____________

(1) كذا في النسخ الخطّيّة و الحجريّة، و الظاهر: «الأربع» بدل «الستّة».

(2) كما في درر اللآلئ، الورقة 11، و عنه في مستدرك الوسائل، الباب 28 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، ح 4.

(3) صحيح مسلم 1: 501/ 725، سنن الترمذي 2: 275/ 416، سنن النسائي 2: 252، سنن البيهقي 2: 470، المستدك- للحاكم- 1: 306- 307.

(4) التهذيب 2: 37/ 116، أمالي الطوسي: 695/ 1481- 24، الوسائل، الباب 28 من أبواب المواقيت، ح 1 و 3.

(5) حكاه العاملي في مدارك الأحكام 3: 24 عن الشيخ الطوسي في الخلاف 1: 523، المسألة 264.

(6) في ص 21.

32

صلاة الأوّابين.

و نحوها ما عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): صلاة الزوال صلاة الأوّابين» (1).

و قد بالغ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في أمرها بالخصوص في وصيّته لعليّ (عليه السلام) على ما رواه معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث قال له في الوصيّة: «عليك بصلاة الزوال، و عليك بصلاة الزوال، و عليك بصلاة الزوال» (2).

و في مرفوعة محمّد بن إسماعيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في وصيّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لعليّ (عليه السلام) «و عليك بصلاة الليل- يكرّرها أربعا- و عليك بصلاة الزوال» (3).

و عن الفقه الرضوي- بعد أن ذكر إجمالا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعل بإزاء كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من النافلة- قال: «منها ثمان ركعات قبل زوال الشمس، و هي صلاة الأوّابين، و ثمان بعد الظهر، و هي صلاة الخاشعين، و أربع ركعات بين المغرب و العشاء الآخرة، و هي صلاة الذاكرين، و ركعتان بعد صلاة [العشاء] الآخرة من جلوس تحسب بركعة من قيام، و هي صلاة الشاكرين، و ثمان ركعات صلاة الليل، و هي صلاة الخائفين، و ثلاث ركعات الوتر، و هي صلاة الراغبين، و ركعتان عند الفجر، و هي صلاة الحامدين» (4).

و الحاصل: أنّه لا مجال للارتياب في أنّ كلّ نافلة من النوافل المرتّبة عبادة مستقلّة يجوز الاقتصار عليها.

____________

(1) الكافي 3: 444/ 10، الوسائل، الباب 28 من أبواب أعداد الفرائض، ح 2.

(2) الكافي 8: 79/ 33، الوسائل، الباب 28 من أبواب أعداد الفرائض، ح 1.

(3) المحاسن: 17/ 48، الوسائل، الباب 28 من أبواب أعداد الفرائض، ح 3.

(4) الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): 99- 100، و عنه في الحدائق الناضرة 6: 33.

33

ثمّ إنّ مقتضى ظاهر الرضوي- كأغلب الفتاوى و النصوص-: أنّ ركعات الوتر عبادة مستقلّة لاربط لها بنافلة الليل، و أنّ نافلة الليل هي الثمان ركعات التي كان يأتي بها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إذا زال نصف الليل، دون ركعات الوتر التي كان يصلّيها في الربع الأخير كما في بعض (1) الأخبار المتقدّمة، فلا يلتفت إلى ما يستشعر من بعض (2) الروايات التي جعل فيها نافلة الليل ثلاث عشرة ركعة، و عدّ منها الركعات الثلاثة و ركعتي الفجر.

فالأظهر أنّها عبادات مستقلّة، كما يشهد لذلك- مضافا إلى ظهور أغلب النصوص فيه- بعض الأخبار الدالّة على جواز الإتيان بها مستقلّة.

مثل: ما رواه معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «أمّا يرضى أحدكم أن يقوم قبل الصبح و يوتر و يصلّي ركعتي الفجر، فيكتب له صلاة الليل» (3).

و الظاهر أنّ المراد بالوتر في الرواية هي الركعات الثلاث؛ لشيوع إطلاق اسم الوتر عليها في الأخبار.

و يحتمل إرادة خصوص الوتر.

و كيف كان فالظاهر أنّ خصوص الركعة المفردة- التي تسمّى بالوتر في مقابل الشفع- في حدّ ذاتها عبادة مستقلّة و إن كان مقتضى تسمية الركعات الثلاث في أغلب الأخبار و تراكون مجموعها نافلة واحدة.

و لا ينافيها كونها صلاتين مستقلّتين لكلّ منهما افتتاح و اختتام؛ إذ لا مانع‌

____________

(1) هي مرسلة الصدوق، المتقدّمة في ص 21.

(2) هي صحيحة زرارة، المتقدّمة في ص 23.

(3) التهذيب 2: 337/ 1391، الوسائل، الباب 46 من أبواب المواقيت، ح 3.

34

من تركيب (1) عبادة من عبادتين، كالاعتكاف المعتبر فيها صوم ثلاثة أيّام، فلا يجوز الإتيان بصوم كلّ يوم قاصدا لامتثال الأمر بالاعتكاف إلّا مع العزم على الإتيان بالباقي.

إلّا أنّه يظهر من خبر الأعمش- المتقدّم (2)- أنّ كلّا من الشفع و الوتر نافلة مستقلّة لها عنوان مخصوص في الشريعة، فإنّه قال عند تعداد الركعات المسنونة:

«و ثمان ركعات في السحر، و هي صلاة الليل، و الشفع ركعتان، و الوتر ركعة» و نحوه رواية الفضل بن شاذان، المتقدّمة (3)، فإنّ سوق الروايتين يشهد بأنّ الأعداد المفصّلة كلّها نوافل مستقلّة.

و يؤيّده بعض (4) الأخبار الواردة في الركعتين بعد العشاء، اللّتين تعدّان بركعة، الدالّة على أنّ حكمة تشريعهما من جلوس قيامهما مقام الوتر على تقدير حدوث الموت و عدم التمكّن من الإتيان بالوتر في آخر الليل، فالمراد بالوتر- الذي تقوم الركعتان مقامه- ليس إلّا الركعة الأخيرة، لا الثلاث ركعات؛ لأنّ الركعتين لا تقومان مقام ثلاث ركعات من قيام.

و كيف كان فالظاهر جواز الإتيان بهذه الركعة مستقلّة، و أمّا مع ركعتي الشفع فلا ينبغي الارتياب في شرعيّتها، كما أنّه لا ينبغي الاستشكال في جواز الاقتصار في نافلة المغرب على ركعتين، و في نافلة العصر على أربع ركعات؛

____________

(1) في «ض 11، 14»: «تركّب».

(2) في ص 15- 16.

(3) في ص 15.

(4) هو خبر أبي بصير، المتقدّم في ص 19.

35

لدلالة بعض (1) الأخبار- المتقدّمة- عليه، بل الظاهر جواز الإتيان بركعتين من نافلة العصر؛ لما في غير واحد من الأخبار الآمرة بأربع ركعات بين الظهرين من التفصيل بالأمر بركعتين بعد الظهر، و ركعتين قبل العصر، فإنّ ظاهرها بشهادة السياق أنّ كلّ واحد من العناوين المذكورة في تلك الروايات نافلة مستقلّة، فللمكلّف الإتيان بكلّ منها بقصد امتثال الأمر المتعلّق بذلك العنوان من غير التفات إلى ما عداها من التكاليف.

و بهذا ظهر أنّه يجوز الإتيان بستّ ركعات أيضا من نافلة العصر؛ لقوله (عليه السلام)- في موثّقة سليمان بن خالد-: «صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس [قبل الظهر]، و ستّ ركعات بعد الظهر، و ركعتان قبل العصر» (2) فإنّ ظاهرها كون الستّ ركعات في حدّ ذاتها نافلة مستقلّة.

و في خبر عيسى بن عبد اللّه القمّي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا كانت الشمس من هاهنا من العصر فصلّ ستّ ركعات» (3).

و يظهر من بعض الأخبار جواز الاقتصار في نافلة الزوال أيضا على أربع ركعات:

كخبر الحسين بن علوان- المرويّ عن قرب الإسناد- عن جعفر عن أبيه عن عليّ (عليهم السلام) أنّه كان يقول: «إذا زالت الشمس عن كبد السماء فمن صلّى تلك‌

____________

(1) هي صحيحة زرارة، المتقدّمة في ص 23.

(2) تقدّم تخريجه في ص 15، الهامش (1) و ما بين المعقوفين من المصدر و كما تقدّم.

(3) اختيار معرفة الرجال: 333- 334/ 610، الوسائل، الباب 14 من أبواب أعداد الفرائض، ح 8.

36

الساعة أربع ركعات فقد وافق صلاة الأوّابين، و ذلك [بعد] نصف النهار» (1).

و هل يجوز التخطّي عمّا يستفاد من النصوص بالإتيان بركعتين من نافلة الزوال، أو ستّ ركعات أو ركعتين من نافلة الليل أو أربعا أو ستّا عازما عليه من أوّل الأمر؟ و جهان نفى عن أوّلهما البعد في الجواهر، فإنّه- بعد أن ذكر أنّ ركعتي الفجر مستقلّة في الطلب لا يتوقّف استحباب فعلهما على فعل باقي صلاة الليل، و أنّ الظاهر كون صلاة الوتر أيضا كذلك بشهادة بعض النصوص مع الأصل- قال:

بل لا يبعد ذلك في الثمانية و أبعاضها و بعض الوتر، وفاقا للعلّامة الطباطبائي؛ للأصل، و لتحقّق الفصل المقتضي للتعدّد، و لعدم وجوب إكمال النافلة بالشروع، و لأنّها شرّعت لتكميل الفرائض، فيكون لكلّ بعض قسط منه، فيصحّ الإتيان به وحده، و لذا جاز الإتيان بنافلة النهار بدون الليل، و بالعكس، و بنافلة كلّ من الصلوات الخمس مع ترك الباقي و إن ذكر الجميع بعدد واحد في النصّ و الفتوى؛ إذ المنساق منه إلى الذهن عدم اشتراط الهيئة الاجتماعيّة في الصحّة، كما يومئ إليه الزيادة و النقصان في النصوص السابقة.

و من هنا تعرف البحث حينئذ في تبعيض صلاة الزوال و العصر و المغرب؛ إذ الجميع من واد واحد. و الإشكال بأنّ صلاة الليل- مثلا- عبادة واحدة فلا تتبعّض سار في الكلّ، و رفعه بمنع الاتّحاد الذي يمتنع معه التبعيض متّجه في الجميع، و الجمع بالعدد كالثمان و الأربع- مثلا- هنا لا يقتضيه، فتأمّل (2). انتهى‌

____________

(1) قرب الإسناد: 115/ 403، الوسائل، الباب 28 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4، و ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) جواهر الكلام 7: 28- 29.

37

كلامه رفع مقامه.

أقول: أمّا الأصل: فلا أصل له في مثل الفرض، سواء اريد به أصالة عدم الاشتراط، أو أصالة براءة الذمّة عن التكليف بالشرط.

أمّا الأوّل: فلأنّه ليس للمستصحب حالة سابقة معلومة، و استصحاب العدم الأزلي الصادق مع انتفاء الموضوع لا يجدي في إحراز كون ما تعلّق به الطلب لا بشرط.

و أمّا الثاني: فلأنّه- بعد تسليم جريان أصل البراءة في المستحبّات- لا معنى لأصالة البراءة بعد أن علم تعلّق الطلب بمجموع الثمان ركعات و شكّ في أنّ المجموع الذي تعلّق به الطلب هل هو مطلوب واحد فيكون المكلّف به ارتباطيّا، أو أنّه غير ارتباطيّ فيكون الطلب المتعلّق به قائما مقام طلبات متعدّدة؟ بل الأصل في مثل المقام عدم تعلّق طلب نفسيّ بالأبعاض كي يصحّ إتيان كلّ بعض منها مستقلّا بقصد امتثال أمره حتّى يقع عبادة.

و لا يقاس ما نحن فيه بمسألة الشكّ في الجزئيّة أو الشرطيّة التي نقول فيهما بالبراءة؛ فإنّ التكليف بالجزء المشكوك أو الشي‌ء الذي ينتزع منه الشرطيّة في تلك المسألة غير محرز، فينفيه أصل البراءة، و أصالة عدم وجوب الجزء أو الشرط المشكوك فيه، و أصالة عدم وجوب الأكثر، و لا يجري في جانب الأقلّ شي‌ء من هذه الاصول حتّى تتحقّق المعارضة؛ لأنّ وجوبه المردّد بين كونه نفسيّا أو غيريّا محرز، فلا يجري معه شي‌ء من هذه الاصول، و إنّما الأصل الجاري فيه أصالة عدم كونه واجبا نفسيّا، أي عدم كونه من حيث هو متعلّقا للطلب، و هو معارض‌

38

بأصالة عدم كون الأكثر أيضا كذلك، فيتساقطان، و يرجع إلى الاصول المتقدّمة النافية لوجوب الأكثر، السالمة عن المعارض.

و أمّا فيما نحن فيه: فلا يجري شي‌ء من الأصول المتقدّمة لا في طرف الأكثر و لا في طرف الأقلّ؛ لأنّ مطلوبيّة الجميع معلومة، إلّا أنّ كون الأقلّ مطلوبا نفسيّا غير معلوم، فينفيه الأصل.

و لا يعارضه في المقام أصالة عدم كون الأكثر كذلك؛ لأنّ الطلب المعلوم تعلّقه بالأكثر نفسيّ بلا شبهة، و إنّما الشكّ في أنّ متعلّقه عبادة واحدة أو عبادات متعدّدة حتّى تكون أبعاضه أيضا واجبات نفسيّة، فتدبّر.

و أمّا الفصل بين الأبعاض و انفصال كلّ بعض عن الآخر بالتسليم الموجب للخروج عن الصلاة فهو بنفسه لا يقتضي التعدّد، و عدم ارتباط بعضها ببعض بالنسبة إلى العنوان الصادق على الجميع الواقع في حيّز الطلب، كما في صلاة جعفر و صوم الاعتكاف.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ مغروسيّة كون الأبعاض في حدّ ذاتها بعنوان كونها صلاة عبادات مستقلّة في النفس، و كون كلّ منها في حدّ ذاتها مشتملة على مصلحة مقتضية للطلب، و كون الأعداد الواقعة في حيّز الطلب غالبا عناوين إجماليّة انتزاعيّة عن (1) موضوعاتها توجب صرف الذهن إلى إرادة التكليف الغير الارتباطي، كما لو أمر المولى عبده بأن يعطي زيدا عشرين درهما.

و لا يقاس المقام بالأمر بصوم ثلاثة أيّام للاعتكاف ممّا كان المطلوب‌

____________

(1) في «ض 11، 14»: «من» بدل «عن».

39

النفسيّ عنوانا آخر غير نفس العدد الذي هو بنفسه غالبا عنوان انتزاعيّ، بل ما نحن فيه نظير ما لو أمر بصوم ثلاثة أيّام في أوّل كلّ شهر، فهذا بنظر العرف ليس إلّا كالأمر بإعطاء ثلاثة دراهم لا يفهمون منه إلّا تكليفا غير ارتباطيّ، فليتأمّل.

و أمّا عدم وجوب إكمال النافلة بالشروع فيها فلا يدلّ على جواز الإتيان ببعضها عازما عليه من أوّل الأمر.

ألا ترى أنّا ربّما نلتزم بجواز قطع النافلة اختيارا مع أنّه لا يشرع الإتيان بجزئها من حيث هو، كما هو واضح.

و أمّا كون حكمة شرع النوافل تكميل الفرائض فهو لا يدلّ على شرعيّة التوزيع، و لذا لا يجوز الإتيان بركعة مستقلّة.

اللّهمّ إلّا أن يقال بأنّه يستفاد من ذلك أنّ المصلحة المقتضية لشرع النوافل متقوّمة بذواتها من حيث كونها صلاة، لا من حيث كونها بهذا العدد المخصوص، فالمأمور به في الحقيقة هو الصلوات المتعدّدة التي ينتهي عدد ركعاتها إلى الثمانية مثلا، فالأمر تعلّق بكلّ جزء جزء بعنوان كونه صلاة، لا كونه جزءا من الثمانية.

و كيف كان فعمدة المستند لإثبات جواز الإتيان بالبعض ما أشار إليه (قدّس سرّه) في ذيل العبارة من أنّ دلالة النصوص على جواز الاقتصار على البعض في نافلة العصر و غيرها- كما عرفته مفصّلا- بضميمة مغروسيّة محبوبيّة طبيعة الصلاة في النفس، و كون كلّ فرد منها في حدّ ذاتها عبادة مستقلّة، و كون الحكمة المقتضية لتشريعها مناسبة لتعلّق الطلب بذواتها من حيث كونها صلاة توجب انسباق الذهن عند الأمر بثمان ركعات في نافلة الزوال- مثلا- إلى إرادة تكليف غير ارتباطيّ،

40

كالأمر بإعطاء الدراهم أو الإنفاق على شخص في مدّة، و غير ذلك من الموارد المناسبة لكون المأمور به من قبيل تعدّد المطلوب بلا ارتباط.

فالأظهر عدم الفرق بين النوافل، و جواز الاقتصار على البعض في الجميع و إن كان الأحوط في غير الموارد التي استفدنا جوازها بالخصوص من النصوص المعتبرة: عدم قصد الخصوصيّة الموظّفة إلّا على سبيل الاحتياط، فالأولى عند إرادة الإتيان ببعض نافلة الليل مقتصرا عليه أن يأتي به بقصد امتثال الأمر المتعلّق بمطلق الصلاة- التي هي خير موضوع- برجاء حصول الخصوصيّة الموظّفة على تقدير شرعيّتها من غير أن يقصدها على سبيل الجزم، و في نافلة الزوال و نحوها أيضا الأولى هو الإتيان بهذا القصد إن قلنا بجواز التطوّع في وقت الفريضة، و إلّا فلا يقصد بفعله إلّا الاحتياط و الإتيان به برجاء المطلوبيّة، و اللّه العالم.

الخامس: حكي (1) عن جملة من الأصحاب التصريح بأنّ في الوتر- بمعناه الأعمّ من ركعتي الشفع و مفردة الوتر- قنوتات ثلاثة:

أحدها: في الركعة الثانية من الشفع.

و الثاني: في مفردة الوتر قبل الركوع.

و الثالث: فيها أيضا بعد الركوع.

و استدلّ للأوّل بعموم الأخبار الدالّة على أنّ القنوت في كلّ ركعتين من الفريضة و النافلة في الركعة الثانية، و في بعضها أيضا بزيادة قبل الركوع، و سيأتي إن شاء اللّه في باب القنوت.

____________

(1) الحاكي هو البحراني في الحدائق الناضرة 6: 38- 39.

41

و يدلّ عليه بالخصوص: خبر [ابن] (1) أبي الضحّاك- المرويّ عن العيون- المشتمل على عمل الرضا (عليه السلام) في طريق خراسان، قال: «فإذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح و التحميد و التهليل و التكبير و الاستغفار، فاستاك ثمّ توضّأ ثمّ قام إلى صلاة الليل، فيصلّي ثمان ركعات يسلّم في كلّ ركعتين يقرأ في الأوليين منها في كلّ ركعة الحمد مرّة، و قل هو اللّه أحد ثلاثين مرّة، ثمّ يسلّم و يصلّي صلاة جعفر بن أبي طالب أربع ركعات، و يسلّم في كلّ ركعتين، و يقنت في كلّ ركعتين في الثانية قبل الركوع و بعد التسبيح، و يحتسب بها من صلاة الليل، ثمّ يقوم فيصلّي الركعتين الباقيتين يقرأ في الأولى الحمد و سورة الملك، و في الثانية الحمد و هل أتى على الإنسان، ثمّ يقوم فيصلّي ركعتي الشفع يقرأ في كلّ ركعة منهما الحمد مرّة و قل هو اللّه أحد ثلاث مرّات، و يقنت في الثانية بعد القراءة و قبل الركوع، ثمّ يقوم فيصلّي ركعة الوتر و يقرأ فيها الحمد، مرّة، و قل هو اللّه أحد، ثلاث مرّات، و قل أعوذ بربّ الفلق، مرّة واحدة، و قل أعوذ بربّ الناس، مرّة واحدة، و يقنت فيها قبل الركوع و بعد القراءة، و يقول: أستغفر اللّه و أسأله التوبة، سبعين مرّة، فإذا سلّم جلس في التعقيب ما شاء اللّه» (2) الحديث.

و حكي عن شيخنا البهائي- عطّر اللّه مرقده- في [حاشية] (3) مفتاح الفلاح:

التصريح بعدم استحباب هذا القنوت و أنّ القنوت في الوتر- التي هي عبارة عن‌

____________

(1) ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 180- 182 (الباب 44) ح 5، الوسائل، الباب 13 من أبواب أعداد الفرائض، ح 24.

(3) ما بين المعقوفين من الحدائق الناضرة و مفتاح الكرامة و جواهر الكلام.

42

الثلاث- إنّما هو في الثالثة، و أنّ الأوليين المسمّاتين بركعتي الشفع لا قنوت فيهما.

و استدلّ على ذلك بصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«القنوت في المغرب في الركعة الثانية، و في العشاء و الغداة مثل ذلك، و في الوتر في الركعة الثالثة» (1).

ثمّ قال (قدّس سرّه): و هذه الفائدة لم يتنبّه عليها علماؤنا (2). انتهى.

و في الحدائق- بعد نقل هذه العبارة عن الكتاب المذكور- قال: و ظاهر كلامه شهرة القول باستحباب القنوت في ركعتي الشفع حتّى أنّه لم يحصل فيه مخالف قبله، و هو كذلك، إلّا أنّه قد سبقه إلى ما ذكره السيّد السند (قدّس سرّه) في المدارك.

و الظاهر أنّه لم يقف عليه؛ حيث قال في أوّل كتاب الصلاة في الفوائد التي قدّمها: الثامنة: يستحبّ القنوت في الوتر في الركعة الثالثة؛ لقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان في القنوت: «و في الوتر في الركعة الثالثة» (3) (4) انتهى.

إلى أن قال: و جرى على منواله الفاضل الخراساني في الذخيرة (5)، و هو الأظهر عندي، و عليه أعمل.

ثمّ نقل عن بعض (6) معاصريه كلاما طويلا في تأييد مذهب المشهور، و‌

____________

(1) التهذيب 2: 89/ 332، الوسائل، الباب 3 من أبواب القنوت، ح 2.

(2) حكاه عنه البحراني في الحدائق الناضرة 6: 39، و العاملي في مفتاح الكرامة 2: 493، و كما في جواهر الكلام 7: 67، و لم نعثر عليه في مفتاح الفلاح.

(3) تقدّم تخريجها في، الهامش (1).

(4) مدارك الأحكام 3: 19.

(5) ذخيرة المعاد: 293.

(6) هو الشيخ أحمد الجزائري.

43

أطنب في تزييفه، إلى أن أجاب عن دليل المشهور: بأنّ إطلاق الأخبار الدالّة على استحباب القنوت في الركعة الثانية من كلّ صلاة يقيّد بمفهوم الحصر المستفاد من الصحيحة، فإنّ ظاهرها انحصار قنوت الوتر في الركعة الثالثة، و أمّا رواية العيون فهي ضعيفة السند قاصرة عن معارضة الصحيحة (1).

أقول: أمّا الصحيحة: فلها ظهور قويّ في أنّ القنوت الموظّف شرعا في الصلوات محلّه في صلاة الوتر في الركعة الثالثة دون الثانية، كما في سائر الصلوات، و لكنّه يستشعر منها إرادته في الركعة الثالثة حال كونها موصولة بالاوليين، و كون مجموعها صلاة واحدة، و من هنا احتمل البعض المتقدّم إليه الإشارة جري هذه الرواية على ضرب من التقيّة (2).

و كيف كان فلا يرفع اليد بمثل هذه الاحتمالات عن ظاهر الصحيحة، و مقتضى الجمع بينها و بين الأخبار العامّة: تخصيص تلك الأخبار بهذه الصحيحة، كما ذكره في الحدائق (3)؛ فإنّ ظهور العمومات في إرادة هذا الفرد أضعف من ظهور الصحيحة في إرادة الحصر، إلّا أنّ إعراض المشهور عن هذا الظاهر و عملهم بالعمومات يوهن هذا الظاهر، و يرجّح العمومات، فلا يبعد أن يكون المراد بقوله (عليه السلام): «القنوت في الوتر في الركعة الثالثة» هو القنوت المتأكّد مطلوبيّته، الذي كان النبيّ و الأئمّة- (صلوات اللّه عليهم أجمعين)- يهتمّون في حفظه و رعاية آدابه، فلا ينافي كونه في الركعة الثانية أيضا مشروعا، كما تقتضيه‌

____________

(1) الحدائق الناضرة 6: 39- 42.

(2) كما في الحدائق الناضرة 6: 40.

(3) الحدائق الناضرة 6: 41.

44

الأخبار العامّة المؤيّدة بالرواية المتقدّمة التي هي نصّ في شرعيّته.

و ما في الرواية من ضعف السند فيمكن التفصّي عنه بأنّ من المستبعد كون مثل هذه الرواية المشتملة على تلك الخصوصيّات موضوعة.

هذا، مع أنّ المقام مقام المسامحة، فلا يلتفت إلى ضعف السند.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ قاعدة التسامح لا تقتضي الحكم بصدور الرواية حتى تصلح قرينة لصرف الصحيحة عن ظاهرها، فارتكاب التأويل فيها بواسطة التسامح مسامحة في القاعدة، فليتأمّل.

و أمّا القنوت الثاني- أي القنوت قبل الركوع في الركعة المفردة- فممّا لا شبهة فيه، و تدلّ عليه أخبار متظافرة سيأتي نقلها في باب القنوت إن شاء اللّه.

و أمّا ما ذكروه من القنوت الثالث الذي بعد الرفع من الركوع فلم يعلم مستنده.

نعم، يستحبّ الدعاء بعد الرفع بالمأثور.

فعن الكليني (رحمه اللّه) بسنده قال: كان أبو الحسن (عليه السلام) إذا رفع رأسه في آخر ركعة من الوتر قال: «هذا مقام من حسناته نعمة منك، و سيّئاته بعمله» (1) إلى آخر الدعاء.

فإن أرادوا بالقنوت هذا، فلا مشاحّة [في الاصطلاح] (2). و إن أرادوا القنوت بالكيفيّة المعهودة، فلا دليل عليه، بل الأدلّة تنفيه؛ لدلالة الأخبار (3) المتكاثرة على‌

____________

(1) الكافي 3: 325/ 16، و ليس فيه «و سيّئاته بعمله». و أورده كما في المتن البحراني في الحدائق الناضرة 6: 43.

(2) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

(3) راجع: الوسائل، الباب 3 من أبواب القنوت.

45

أنّ محلّ القنوت الموظّف قبل الركوع، و في بعضها: «ما أعرف قنوتا إلّا قبل الركوع» (1).

و تدلّ عليه بالخصوص صحيحة معاوية بن عمّار أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القنوت في الوتر، قال: «قبل الركوع» قال: فإن نسيت أقنت إذا رفعت رأسي؟

قال: «لا» (2).

السادس: ربّما يظهر من جملة من الأخبار: استحباب نوافل خاصّة بين المغرب و العشاء، كصلاة الغفيلة و الوصيّة و غيرهما،

فهل هي غير نافلة المغرب، فتكون حينئذ النوافل المسنونة في اليوم و الليلة زائدة على الإحدى و الخمسين، أو أنّها خصوصيّات مستحبّة فيها، فتكون رعايتها موجبة للأفضليّة، لا أنّه يؤتي بها زائدة على العدد الموظّف امتثالا لهذه الأوامر؟

و تنقيح المقام يتوقّف على نقل الأخبار الواردة، و تحقيق ما تقتضيه قواعد الجمع.

فنقول: أمّا الغفيلة:

فقد ورد فيها أخبار كثيرة:

منها: ما عن الشيخ في كتاب المصباح عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من صلّى بين العشاءين ركعتين يقرأ في الأولى الحمد و [قوله:] (3) وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً- إلى- وَ كَذٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (4)

____________

(1) الكافي 3: 340/ 13، الوسائل، الباب 3 من أبواب القنوت، ح 6.

(2) الفقيه 1: 312/ 1421، الوسائل، الباب 18 من أبواب القنوت، ح 5.

(3) ما بين المعقوفين من المصدر.

(4) الأنبياء 21: 87 و 88.

46

و في الثانية الحمد، و قوله تعالى وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ الْغَيْبِ (1) إلى آخر الآية، و إذا فرغ من القراءة رفع يديه و قال: اللّهمّ إنّي أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلّا أنت أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تفعل بي كذا و كذا، و يقول: اللّهمّ أنت وليّ نعمتي و القادر على طلبتي تعلم حاجتي أسألك بمحمّد و آله عليه و (عليهم السلام) لمّا قضيتها لي، و سأل اللّه حاجته إلّا أعطاه اللّه ما سأل» (2).

و عن السيّد الزاهد العابد رضي الدين ابن طاوس- رضي اللّه عنه- في كتاب فلاح السائل بإسناده عن هشام بن سالم نحوه، و زاد: فإنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال:

«لا تتركوا ركعتي الغفلة، و هما ما بين العشاءين» (3).

و عن الصدوق في الفقيه مرسلا، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و في كتاب العلل مسندا- في الموثّق- عن سماعة عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) قال:

«قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تنفّلوا ساعة الغفلة و لو بركعتين خفيفتين، فإنّهما تورثان دار الكرامة» (4).

قال: و في خبر آخر «دار السلام» و هي الجنّة. و ساعة الغفلة ما بين المغرب و العشاء الآخرة» (5).

و عن الشيخ في التهذيب بسنده عن وهب [أو] (6) السكوني عن جعفر عن‌

____________

(1) الأنعام 6: 59.

(2) مصباح المتهجّد: 106- 107، و عنه في الحدائق الناضرة 6: 68.

(3) فلاح السائل: 430- 431/ 295، و عنه في الحدائق الناضرة 6: 68.

(4) الفقيه 1: 357/ 1564، علل الشرائع: 343 (الباب 45) ح 1، و عنهما في الحدائق الناضرة 6: 68- 69.

(5) الفقيه 1: 357، ذيل ح 1564.

(6) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «و». و ما أثبتناه كما في المصدر.

47

أبيه (عليهما السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): تنفّلوا» الحديث، إلى قوله: «دار الكرامة» ثمّ زاد: «قيل: يا رسول اللّه و ما ساعة الغفلة؟ قال: ما بين المغرب و العشاء» (1).

و عن السيّد ابن طاوس في الكتاب المذكور أنّه روى هذه الرواية أيضا و زاد: «قيل: يا رسول اللّه و ما معنى خفيفتين؟ قال: تقرأ فيهما الحمد وحدها، قيل:

يا رسول اللّه متى أصلّيهما؟ قال: ما بين المغرب و العشاء» (2).

و عن الصدوق في الفقيه عن الباقر (عليه السلام): «أنّ إبليس يبثّ جنوده جنود الليل من حين تغيب الشمس إلى مغيب الشفق، و يبثّ جنود النهار من حين يطلع الفجر إلى طلوع الشمس» و ذكر أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقول: «أكثروا ذكر اللّه عزّ و جلّ في هاتين الساعتين، و تعوّذوا باللّه عزّ و جلّ من شرّ إبليس و جنوده، و عوّذوا صغاركم في هاتين الساعتين، فإنّهما ساعتا غفلة» (3).

و عن شيخنا البهائي في كتاب مفتاح الفلاح أنّه- بعد أن ذكر حديث السكوني أو وهب، المنقول برواية الشيخ في التهذيب- قال: و لا يخفى أنّ المراد ما بين وقت المغرب و وقت العشاء، أعني ما بين غروب الشمس و غيبوبة الشفق، كما يرشدك إليه الحديث السابق، لا ما بين الصلاتين، و قد ورد في الأحاديث أنّ أوّل وقت العشاء غيبوبة الشفق، و من هنا يستفاد أنّ وقت أداء ركعتي الغفيلة ما بين المغرب و ذهاب الشفق، فإن خرج، صارت قضاء (4). انتهى.

____________

(1) التهذيب 2: 243/ 963، و عنه في الحدائق الناضرة 6: 69.

(2) فلاح السائل: 434- 435/ 301، و عنه في الحدائق الناضرة 6: 69.

(3) الفقيه 1: 318/ 1444، و عنه في الحدائق الناضرة 6: 69.

(4) مفتاح الفلاح: 545- 546، و عنه في الحدائق الناضرة 6: 69- 70.

48

فكأنّه أشار بالحديث السابق إلى الرواية الأخيرة التي نقلناها أخيرا، و مراده- على الظاهر- بيان عدم جواز تأخيرها عن الوقت، و صيرورتها قضاء بذلك، لا جواز الإتيان بها من أوّل الوقت مقدّما على فريضة المغرب حتّى تنافيه الأخبار المتقدّمة المحدّدة لوقتها بما بين العشاءين، الذي لا يتبادر منه إلّا إرادة ما بين الصلاتين، فلا يرد عليه ما قيل (1) من أنّه لا منافاة بين كون هذه الساعة ساعة الغفلة، كما هو مفاد الرواية الأخيرة، و بين عدم شرعيّة صلاتها إلّا بعد الفراغ من فريضة المغرب، كما تدلّ عليه سائر الأخبار.

و كيف كان فربّما يظهر من محكيّ الذكرى أنّ ركعتي ساعة الغفلة اللّتين أمر بهما النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في خبر السكوني نافلة أخرى مغايرة لصلاة الغفيلة.

قال- على ما حكي عنه-: السادس عشر: يستحبّ ركعتان ساعة الغفلة، و قد رواهما الشيخ بسنده عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام). و ذكر خبر السكوني المتقدّم (2)، ثمّ قال: و يستحبّ أيضا بين المغرب و العشاء ركعتان يقرأ في الأولى [بعد] (3) الحمد وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً (4) إلى آخر ما سمعت (5). انتهى.

و اعترض بوجوه لا تخلو عن وجاهة، أوجهها: أنّ الزيادة التي سمعتها عن الفلاح- من استشهاد الإمام (عليه السلام) لصلاة الغفيلة بقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- كالصريحة في الاتّحاد، و أنّ ظاهر الوصليّة في خبر السكوني عدم اعتبار الخفّة شرطا، كي ينافي‌

____________

(1) راجع: مفتاح الكرامة 3: 269.

(2) في ص 46- 47.

(3) ما بين المعقوفين من المصدر.

(4) الأنبياء 21: 87.

(5) الذكرى 2: 313، و عنه في الحدائق الناضرة 6: 71.

49

اعتبار قراءة الآيتين، بل أقصاه الإذن في تركهما، بل ظاهره أنّه الفرد الأدنى.

هذا، و لكن يهوّن الخطب أنّ ظاهر خبر السكوني جواز الإتيان بركعتين فما زاد، فله الإتيان بركعتي الغفيلة أيضا بقصد التوظيف بعد فعل ركعتين لساعة الغفلة، و كذا عكسه، كما لو عزم من أوّل الأمر على أن يتنفّل لتلك الساعة أربع ركعات، فيجوز الجمع بين النافلتين و إن قلنا باتّحادهما، كما أنّه يجوز الاكتفاء بركعتي الغفيلة بقصد حصول كلتا الوظيفتين و إن قلنا بتعدّدهما ذاتا، نظير ما لو أكرم عالما هاشميّا بقصد امتثال الأمر المتعلّق بكلّ من العنوانين، كما عرفت تحقيقه في مبحث تداخل الأغسال، فلا يترتّب على النزاع ثمرة مهمّة، و إنّما الإشكال في مشروعيّة الجمع بين الركعتين أو الأربع ركعات، و بين نافلة المغرب بإتيانها بعد نافلة المغرب أو إتيان نافلة المغرب بعدها بقصد التوظيف.

و الذي يقتضيه التحقيق أنّه متى تعلّق أمران أو أزيد بماهيّة، كالصلاة أو إعطاء درهم لزيد مثلا، فمقتضى القاعدة- كما عرفته في مبحث التداخل- حمل ما عدا الأوّل على كونه تأكيدا للأوّل، و عدم تقييد متعلّق كلّ من الأمرين بكونه فردا مغايرا للفرد الذي يؤتي به امتثالا للأمر الأوّل، فلو قال: «أكرم إنسانا أكرم إنسانا» ليس إلّا بمنزلة ما لو قيل: «أكرم زيدا أكرم زيدا» في كون الثاني تأكيدا للأوّل، و لذا استقرّت سيرة العلماء على الاستدلال بالأوامر الصادرة عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام)، المتعلّقة بطبيعة لإثبات فرد من تلك الطبيعة، و لا يتفاوت الحال في ذلك بين ما لو اتّحدت العبادة الواقعة في حيّز الطلب أو اختلفت ما لم يكن اختلافها كاشفا عن مغايرة التكليفين، فلو علم- مثلا- أنّ زيدا‌

50

يدخل داره أوّل الظهر، فقال المولى لعبده: «أعط زيدا درهما عند دخوله في داره» و قال أيضا: «أعطه درهما أوّل الظهر» و قال أيضا: «أعطه درهما قبل أن يصلّي» إلى غير ذلك من العبائر، لا يستفاد من جميع ذلك أزيد من كونه مكلّفا بإعطاء درهم، فلو أعطاه درهما أوّل الظهر، سقطت هذه الأوامر مطلقا إن كانت توصّليّة، و كذا إن كانت تعبّديّة، و تحقّق الإعطاء بقصد التقرّب و إن لم يكن ملتفتا حين الإعطاء إلّا إلى بعض هذه الأوامر، بل و إن لم يكن ملتفتا إلى شي‌ء منها و لكن أتى بالفعل برجاء كونه محبوبا للمولى.

هذا إذا لم تكن الخصوصيّات الواقعة في التعبير قيدا في المطلوب، و إلّا فيتعدّد المأمور به، فلا بدّ حينئذ إن كان التكليف تعبّديّا عند إرادة الاكتفاء بهذا الفرد الجامع لجميع العناوين من قصد امتثال جميع الأوامر، و إلّا فلا يسقط إلّا ما نواه إذا عرفت ذلك، فنقول: لا يستفاد من قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «تنفّلوا في ساعة الغفلة و لو بركعتين خفيفتين» (1) بعد أن حدّد وقت صلاتهما بما بين العشاءين إرادة نافلة اخرى مغايرة لنافلة المغرب، و قد عرفت في محلّه أنّه لم يثبت اعتبار خصوصيّة اخرى في نافلة المغرب زائدة عن كونها نافلة مشروعة في هذا الوقت، فلا يستفاد من هذه الرواية إلّا استحباب مطلق النافلة في هذه الساعة، فيتحقّق مصداقه بفعل نافلة المغرب. و كذا يتحقّق مصداق نافلة المغرب بفعل أربع ركعات بقصد كونها نافلة مسنونة في هذا الوقت، فيسقط كلا الطلبين بتحقّق مصداقهما و إن لم يقصد بفعله إلّا امتثال الأمر الصادر من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، دون نافلة‌

____________

(1) راجع الهامش (4) من ص 46.

51

المغرب.

نعم، لو ثبت أنّ لنافلة المغرب خصوصيّة غير حاصلة بفعل الأربع ركعات المأتيّ بها بقصد نافلة ساعة الغفلة ما لم يقصد وقوعها بعنوانها الخاص، لم يسقط أمرها بلا قصد الخصوصيّة، لكنّه لم يثبت.

و مجرّد كون نافلة المغرب نافلة خاصّة معهودة و لها آثار خاصّة- ككونها مكمّلة للفريضة، و كونها من الإحدى و الخمسين ركعة، و غير ذلك من أوصافها الخاصّة- لا يدلّ على مغايرتهما للمأتيّ به حتّى يشرع إتيانها بعد فعل الأربع ركعات؛ فإنّ من الجائز اتّحاد الأربع ركعات ذاتا مع تلك النافلة، فمقتضى إطلاق الأمر بأربع ركعات في نافلة المغرب كون المأتيّ به مجزئا حيث يصدق عليه فعل أربع ركعات بعد صلاة المغرب، و الأمر يقتضي الإجزاء، و كونها عبادة لا يقتضي إلّا اعتبار حصولها بقصد التقرّب، و قد حصل كذلك.

و اشتراط كونها مقصودة بعنوان أخصّ من كونها نافلة مسنونة في هذه الساعة بعد المغرب موقوف على مساعدة الدليل عليه، و حيث لم يثبت فمقتضى الأصل عدمه، كما عرفت تحقيقه في نيّة الوضوء.

و الحاصل: أنّ مقتضى أصالة الإطلاق في كلّ من الطلبين سقوطهما بحصول متعلّقهما.

نعم، ظاهر النبويّ جواز الإتيان بركعتين فما زاد، فيدلّ بمقتضى إطلاقه على شرعيّة النافلة في هذا الوقت مطلقا، فيتحقّق التنافي بينه و بين ما دلّ على عدم جواز التطوّع في وقت الفريضة بناء على العمل بظاهر تلك الأدلّة، فلا بدّ إمّا‌

52

من تقييد هذه الرواية بما إذا لم يزد على الأربع ركعات التي ثبت جواز الإتيان بها في هذه الساعة نصّا و إجماعا، أو تخصيص وقت الفريضة بالنسبة إلى صلاة العشاء بما بعد ذهاب الحمرة، الذي هو وقت فضيلتها، فعلى هذا يكون الأمر بخصوص الأربع ركعات في نافلة المغرب في الأخبار المتقدّمة- التي كادت تكون متواترة- كالأمر بركعتين في بعضها؛ لكون مطلوبيّتها أشدّ.

و أمّا ما يقتضيه الجمع بين تلك الأخبار و بين ما دلّ على صلاة الغفيلة المشتملة على الآيتين، فمقتضى إطلاق الأمر بالصلاة بهذه الكيفيّة استحباب فعلها مطلقا و لو بعد نافلة المغرب، لكن لو قدّمها احتسبها من نافلة المغرب؛ إذ لم يعتبر في نافلة المغرب خلوّها عن الآيتين، كما لو قال المولى في المثال المتقدّم: «أعط زيدا درهما أيّ درهم يكون» و قال أيضا: «أعطه درهما خاصّا» فلو أعطاه أوّلا هذا الدرهم الخاصّ، سقط الأمران، و لو أعطاه درهما آخر، سقط الأمر الأوّل، و عليه إعطاء هذا الدرهم؛ خروجا عن عهدة الأمر الثاني.

و قد عرفت أنّ كون ما نحن فيه تعبّديّا لا يصلح فارقا بعد ما أشرنا اليه من أنّ الأوامر التعبّديّة أيضا كالتوصّليّة تسقط قهرا بحصول متعلّقاتها بداعي التقرّب، كما لو أتى بها طلبا لمرضات اللّه تعالى، أو بداعي الشكر من غير التفات بل و لا علم بتعلّق الأمر بها.

اللّهمّ إلّا أن تكون لنافلة المغرب خصوصيّة اخرى زائدة عن طبيعة كونها صلاة مسنونة في هذا الوقت من ارتباطها بالفريضة، و نحوه، فحينئذ لا يحسب منها هاتان الركعتان، كما تقدّمت الإشارة إليه، إلّا أن يقصد بفعلهما امتثال‌

53

كلا الأمرين، فيكون حينئذ نظير إكرام العالم الهاشمي بقصد امتثال الأمر المتعلّق بكلّ من العنوانين، فله حينئذ الإتيان بالركعتين بقصد التداخل، و الإتيان بكلّ من النافلتين مستقلّة بقصد امتثال أمرها بالخصوص.

لكن هذا إن لم نقل بالمنع عن التطوّع في وقت الفريضة و لو بالنسبة إلى صلاة العشاء قبل وقت فضيلتها، و إلّا فلا يخلو القول بجواز الإتيان بأزيد من أربع ركعات بين العشاءين عن إشكال؛ لاحتمال أن تكون صلاة الغفيلة بالذات هي نافلة المغرب مشتملة على خصوصيّة موجبة لزيادة فضلها، فإنّه لا يستفاد من مثل قوله (عليه السلام): «من صلّى بين العشاءين ركعتين أو أربع ركعات بكيفيّة خاصّة فله كذا و كذا من الأجر» إرادة نافلة اخرى غير نافلة المغرب و إن كان مقتضى إطلاقه جواز الإتيان بالصلاة بهذه الكيفيّة بعد نافلة المغرب أيضا، لكن تقييده بمن لم يصلّ نافلة المغرب- كما لعلّه المنساق إلى الذهن من مورده- ليس بأبعد من تخصيص «لا تطوّع في وقت الفريضة» بالنسبة إليها، بل مقتضى أصالة عدم التخصيص في «لا تطوّع في وقت الفريضة» حمل مثل هذه الرواية على إرادة الإتيان بنافلة المغرب بهذه الكيفيّة.

فالأحوط بل الأقوى- بناء على المنع عن التطوّع في وقت الفريضة- عدم الجمع بين النافلتين، و الأولى الإتيان بالركعتين بقصد امتثال كلا الأمرين.

ثمّ لا يخفى عليك أنّه لا ربط لما نحن فيه بمسألة حمل المطلق على المقيّد حتّى يقال بمنع جريانها في المستحبّات مع أنّ شرط الحمل إحراز وحدة التكليف، و هو غير محرز في المقام؛ ضرورة أنّ أدلّة نافلة المغرب و كذا قول‌

54

النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «تنفّلوا في ساعة الغفلة و لو بركعتين خفيفتين» (1) نصّ في الإطلاق، و إنّما الكلام في أنّ المقيّد هل هو من مصاديق هذين المطلقين و لكنّه تعلّق الأمر به بالخصوص؛ لخصوصيّة فيه موجبة لتأكّد طلبه، أو أنّه نافلة اخرى مستقلّة؟ و كذلك الكلام في نافلة المغرب في أنّها هل هي بعينها من مصاديق ما أمر به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فيحصل المقصود بهذا الأمر بفعل نافلة المغرب و إن لم يقصده بالخصوص، و كذا عكسه، أو أنّ كلّا منهما نافلة مستقلّة لا يتحقّق موضوعها ما لم يكن عنوانها مقصودا بالفعل؟ و أنّه على تقدير كون كلّ من هذه النوافل نافلة مستقلّة فهل هي بعناوينها الخاصّة مستثناة من «لا تطوّع في وقت الفريضة» أو أنّ الخارج من العموم ليس إلّا أربع ركعات؟ فإطلاق الأمر بكلّ منها مقيّد بما إذا لم تكن مسبوقة بنافلة توجب زيادتها على الأربع، فلا ربط للمقام بمسألة حمل المطلق على المقيّد.

و أمّا صلاة الوصيّة:

فهي ما عن الشيخ في المصباح عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «اوصيكم بركعتين بين العشاءين يقرأ في الاولى الحمد، و إذا زلزلت الأرض، ثلاث عشرة مرّة، و في الثانية الحمد، و قل هو اللّه أحد، خمس عشرة مرّة، فإن فعل ذلك كلّ شهر كان من المؤمنين (2)، فإن فعل في كلّ سنة كان من المحسنين، فإن فعل ذلك في كلّ جمعة كان من المخلصين، فإن فعل ذلك في كلّ ليلة زاحمني في الجنّة، و لم يحص ثوابه إلّا اللّه تعالى» (3).

____________

(1) راجع الهامش (4) من ص 46.

(2) كذا، و في الوسائل و الحدائق: «الموقنين» بدل «المؤمنين». و في المصباح: «المتّقين».

(3) مصباح المتهجّد: 107، و عنه في الوسائل، الباب 17 من أبواب الصلوات المندوبة، ح 1، و الحدائق الناضرة 6: 72.

55

و الكلام في كون هذه الصلاة من نافلة المغرب أو أنّها نافلة مستقلّة هو الكلام في صلاة الغفيلة.

و نحوهما (1) أيضا ركعتان أخريان رواهما في الوسائل عن الكليني (رحمه اللّه) عن عليّ بن محمّد بإسناده عن بعضهم في قوله تعالى إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا (2) قال: «هي ركعتان بعد المغرب تقرأ في أوّل ركعة بفاتحة الكتاب و عشر آيات من أوّل البقرة و آية السخرة (3)، و وَ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- إلى قوله- لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) و خمس عشرة مرّة قل هو اللّه أحد، و في الركعة الثانية فاتحة الكتاب و آية الكرسي و آخر سورة البقرة من قوله لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ (مٰا فِي) الْأَرْضِ (5) إلى أن تختم السورة، و خمس عشرة مرّة قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ، ثمّ ادع بعدها بما شئت» قال: «و من واظب عليه كتب له بكلّ صلاة ستمائة ألف حجّة» (6).

و عنه أيضا عن عليّ بن محمّد عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «من صلّى المغرب و بعدها أربع ركعات و لم يتكلّم حتّى يصلّي عشر ركعات يقرأ في كلّ ركعة بالحمد و قل هو اللّه أحد كانت عدل عشر رقاب» (7) و ظاهرها كون العشر ركعات ما عدا نافلة المغرب.

____________

(1) أي نحو صلاة الغفيلة و صلاة الوصيّة. و في «ض 11»: «نحوها».

(2) المزّمّل 73: 6.

(3) الأعراف 7: 54- 56.

(4) البقرة 2: 163 و 164.

(5) البقرة 2: 284.

(6) الكافي 3: 468- 469/ 6، الوسائل، الباب 16 من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة، ح 2.

(7) الكافي 3: 468/ 4، الوسائل، الباب 16 من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة، ح 1.

56

و كيف كان فهذه الرواية نصّ في استحباب التنفّل بأزيد من أربع ركعات، لكن بناء على المنع عن التطوّع في وقت الفريضة يشكل ارتكاب التخصيص في أدلّة المنع بمثل هذه الروايات. لكنّك ستعرف إن شاء اللّه ضعف المبنى، و اللّه العالم.

[سقوط نافلة الظهر و العصر في السفر]

(و تسقط في السفر نافلة الظهر و العصر) بلا خلاف فيه على الظاهر، بل عن جملة من الأصحاب دعوى الإجماع عليه؛ للنصوص المعتبرة المستفيضة:

منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلّا المغرب [ثلاث]» (1).

و صحيحة حذيفة بن منصور عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) أنّهما قالا:

«الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء» (2).

و عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلّا المغرب فإنّ بعدها أربع ركعات لا تدعهنّ في سفر و لا حضر، و ليس عليك قضاء صلاة النهار، و صلّ صلاة الليل واقضه» (3).

و عن أبي يحيى الحنّاط قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر، فقال: «يا بنيّ لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة» (4).

____________

(1) التهذيب 2: 13- 14/ 31، الاستبصار 1: 220/ 778، الوسائل، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 3، و ما بين المعقوفين من المصدر.

(2) التهذيب 2: 14/ 34، الوسائل، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 2.

(3) الكافي 3: 439- 440/ 3، التهذيب 2: 14- 15/ 36، الوسائل، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 7.

(4) التهذيب 2: 16/ 44، الاستبصار 1: 221/ 780، الوسائل، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، ح 4.