مصباح الفقيه - ج14

- الشيخ آقا رضا الهمداني المزيد...
690 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[كتاب الخمس]

(كتاب الخمس) و هو حقّ ماليّ فرضه اللّه تعالى على عباده، فقال تبارك و تعالى في محكم كتابه وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ (1).

و قال الصادق- (عليه السلام)- في ما رواه في الوسائل عن الصدوق في الفقيه مرسلا، و في الخصال مسندا: إنّ اللّه لا إله إلّا هو لمّا حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، و الخمس لنا فريضة،

____________

(1) سورة الأنفال 8: 41.

6

و الكرامة لنا حلال (1).

فهو على إجماله ممّا لا ريب فيه، بل هو من الضروريّات الّتي يخرج منكرها عن زمرة المسلمين.

(و) تفصيله يتوقّف على شرح ما به يتعلّق هذا الحقّ و مستحقّيه:

ف‍ (فيه فصلان.)

و ينبغي قبل الخوض في المقصد، التنبيه على أمر، و هو: أنّه يظهر من جملة من الأخبار: أنّ الدّنيا بأسرها ملك لرسول اللّه و أوصيائه- عليه و (عليهم السلام)- و لهم التصرّف فيها بما يريدون من الأخذ و العطاء.

منها: رواية أبي بصير عن الصادق- (عليه السلام)-، قال، قلت له: أما على الإمام زكاة؟ فقال: أحلت يا أبا محمّد؟ أما علمت أنّ الدنيا و الآخرة للإمام يضعها حيث يشاء، و يدفعها الى من يشاء، جائز له ذلك من اللّه، إنّ الإمام لا يبيت ليلة أبدا و للّه في عنقه حقّ يسأله عنه (2).

و خبر ابن ريّان، قال: كتبت الى العسكري- (عليه السلام)-: روي لنا أن ليس لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من الدنيا إلّا الخمس، فجاء الجواب «أنّ الدنيا و ما عليها لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)(3).

و في مرسل محمد بن عبد اللّه، المضمر الدنيا و ما فيها للّه و لرسوله و لنا، فمن غلب على شي‌ء منها فليتّق اللّه، و ليؤدّ حقّ اللّه، و ليبرّ‌

____________

(1) الفقيه 2: 21/ 77، الخصال: 290/ 52، الوسائل: الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

(2) الكافي 1: 408/ 4.

(3) الكافي 1: 409/ 6.

7

إخوانه، فإن لم يفعل ذلك فاللّه و رسوله و نحن برآء منه» (1).

و في خبر آخر عن الباقر- (عليه السلام)-: «قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: خلق اللّه تعالى آدم، و أقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لآدم فلرسول اللّه، و ما كان لرسول اللّه فهو للأئمة من آل محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)(2).

و في خبر أبي سيّار قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: «أو ما لنا من الأرض و ما أخرج اللّه منها إلّا الخمس؟ يا أبا سيّار الأرض كلّها لنا، فما أخرج اللّه منها من شي‌ء فهو لنا» (3) الحديث.

و في خبر أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، قال: «وجدنا في كتاب علي- (عليه السلام)- «إِنَّ الْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (4) أنا و أهل بيتي أورثنا الأرض، و نحن المتّقون، و الأرض كلّها لنا، فمن أحيى أرضا من المسلمين فليعمرها و ليؤدّ خراجها الى الإمام من أهل بيتي، و له ما أكل منها» (5) الحديث، الى غير ذلك من الأخبار.

و ربّما يؤيّده: قوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- في خطبة الغدير: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ و اعتراف المخاطبين به، ثم إثباته لعلي- (عليه السلام)(6)، فإنّ كونه أولى بهم من أنفسهم يستلزم كونه أحقّ منهم‌

____________

(1) الكافي 1: 408/ 2، و فيه: أحمد بن محمد بن عبد اللّه.

(2) الكافي 1: 409/ 7.

(3) الكافي 1: 408/ 3، الوسائل، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12.

(4) سورة الأعراف 7: 128.

(5) الكافي 1: 407/ 1.

(6) تفسير البرهان 1: 489.

8

بالتصرّف في أموالهم، و لا نعني بالملكية إلّا هذا.

و لكن قد يقال: بعدم إمكان الالتزام بهذا الظاهر؛ فإنّه كاد أن يكون مخالفا للضرورة، و لم ينقل عن أحد من الأصحاب التعبّد بهذا الظاهر عدا ابن أبي عمير في ما حكاه عنه السندي بن الربيع حيث قال- على ما نقل عنه-: إنّه- أي ابن أبي عمير- لم يكن يعدل بهشام بن الحكم شيئا، و كان لا يغبّ إتيانه، ثم انقطع عنه و خالفه، و كان سبب ذلك أنّ أبا مالك الحضرمي كان أحد رجال هشام وقع بينه و بين ابن أبي عمير ملاحاة (1) في شي‌ء من الإمامة، قال ابن أبي عمير: إنّ الدنيا كلّها للإمام على جهة الملك، و أنّه أولى بها من الذين في أيديهم، و قال أبو مالك: أملاك الناس لهم إلّا ما حكم اللّه به للإمام من الفي‌ء و الخمس و المغنم، فذلك له، و ذلك أيضا قد بيّن اللّه للإمام- (عليه السلام)- أين يضعه و كيف يصنع به، فتراضيا بهشام بن الحكم و صارا اليه، فحكم هشام لأبي مالك على ابن أبي عمير، فغضب ابن أبي عمير، و هجر هشاما بعد ذلك (2).

و لكنك خبير بأنّ الملكيّة الّتي قصدت بهذه الرّوايات ليست ملكيّة منافيّة لمالكيّة سائر الناس لما جعلهم اللّه لهم كسهمهم من الخمس، بل ملكيّة من سنخ ملكية اللّه تبارك و تعالى لما في أيديهم، فقضيّة التعبّد بظاهر هذه الروايات هو الالتزام بأنّ حال سائر الناس بالنسبة الى ما بأيديهم من أموالهم بالمقايسة إلى النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أوصيائه- (عليهم السلام)- حال العبد الّذي وهبه مولاه شيئا من أمواله، و رخّصه في‌

____________

(1) الملاحاة: المنازعة. الصحاح 6: 2481.

(2) الكافي 1: 409- 410 ذيل الحديث 8 و فيه: السري بن الربيع، و ما في المتن كما في الجواهر 16: 4.

9

أن يتصرّف فيه كيف يشاء، فذلك الشي‌ء يصير ملكا للعبد حقيقة، بناء على أنّ العبد يملك، و لكن لا على وجه ينقطع علاقته عن السيّد، فإنّ مال العبد لا يزيد عن رقبته، فهو مع ما له من المال ملك لسيّده، و متى شاء سيده أن ينتزع منه ماله جاز له ذلك، فيصحّ إضافة المال إلى سيّده أيضا، بل سيّده أحقّ به من نفسه و أولى بإضافة المال إليه، فمن الجائز أن يكون ما في أيدي الناس بالإضافة إلى ساداتهم كذلك، فإنّ الدنيا و ما فيها أهون على اللّه من أن يجعلها ملكا لأوليائه، و لا يمكن استكشاف عدمه من إجماع أو ضرورة، فإنّ غاية ما يمكن معرفته بمثل هذه الأدلّة هي: أنّ الأئمة- (عليهم السلام)- كانوا ملتزمين في مقام العمل بالتجنّب عمّا في أيدي النّاس، و عدم استباحة شي‌ء منها إلّا بشي‌ء من الأسباب الظّاهرية المقرّرة في الشريعة، و هذا لا يدلّ على أنّه لم يكن لهم في الواقع إلّا هذا، فلا مانع عن التعبّد بظواهر النصوص المزبورة المعتضدة بغيرها من المؤيّدات العقليّة و النقليّة.

نعم لو كان مفادها الملكيّة غير المجامعة للملكيّة سائر الناس كحصّتهم من الخمس، لكانت مصادمة للضرورة، و لكنّك عرفت أنّه ليس كذلك.

و يظهر من مخاصمة أبي مالك مع ابن أبي عمير في القضية المزبورة أنّه زعم أنّ ابن أبي عمير أراد هذا المعنى من الملكية فأنكره عليه، و صدّقه هشام في ذلك، و هو في محلّه على تقدير كونه كما زعم، و لكن لا يظنّ بابن أبي عمير إرادته، و اللّه العالم.

10

[الفصل الأوّل في ما يجب فيه]

(الفصل الأوّل في ما يجب فيه و هو سبعة) على الأصحّ.

[الأوّل غنائم دار الحرب]

(الأوّل: غنائم دار الحرب) و هذا القسم على إجماله هو القدر المتيقّن ممّا يفهم حكمه بنصّ الكتاب (1)، و يدلّ عليه كثير من الأخبار.

و قضيّة عموم الكتاب و بعض الأخبار الدالّة عليه، كخبر أبي بصير عن الباقر- (عليه السلام)- أنّه قال: «كلّ شي‌ء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمدا رسول اللّه، فإنّ لنا خمسه، و لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتّى يصل إلينا حقّنا» (2) بل و كذا إطلاق كثير من معاقد إجماعاتهم المحكيّة كصريح المتن و غيره: أنّ الغنائم التي يجب فيها الخمس أعمّ (ممّا حواه العسكر و ما لم يحوه من أرض و غيرها ما لم يكن مغصوبا من مسلم أو معاهد) و نحوهما من محترمي المال، فلا ينبغي الاستشكال فيه، كما أنّه لا ينبغي التأمّل في وجوب ردّ المغصوب على مالكه، و كونه مضمونا على من أخذه و لو بوسائط،

____________

(1) سورة الأنفال 8: 41.

(2) الكافي 1: 545/ 14، الوسائل، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

11

و استيلاء الكافر عليه عدوانا لا ينفي حرمته، كما هو واضح.

و حكي عن صاحب الحدائق أنّه أنكر التعميم على الأصحاب، و قصّر الخمس على ما يحوّل و ينقل من الغنائم دون غيره من الأراضي و المساكن، مستظهرا ذلك من الأخبار المشتملة على قسمة الغنائم أخماسا و أسداسا عليهم، و على الغانمين، حيث إنّ موردها ما عدا الأراضي، فإنّها لا تقسّم على الغانمين، بل هي ملك لجميع المسلمين الى يوم القيامة، كما نطق به الأخبار، و كذا الأخبار الواردة في أحكام الأراضي الخراجيّة؛ فإنّه لا تعرّض في شي‌ء منها لحال الخمس (1).

و فيه: أنّ تقسيم المنقول على الأقسام الخمسة أو الستة لا يشعر بأنّ مورد الخمس مقصور على ما فيه هذه الأقسام.

و أمّا ما دلّ على أنّ الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين، فهي غير آبية عن التقيّد بالآية الشريفة و غيرها ممّا عرفت.

و أمّا ما ورد في بيان أحكامها: فالإنصاف أنّه يظهر منها أنّه ليس على من تقبّل منها شي‌ء عدا الخراج الذي يأخذه السلطان، و لكن هذا لا ينفي استحقاق بني هاشم منها الخمس، بل ربّما يستشعر من الأخبار الواردة في تحليل حقّهم لشيعتهم: ثبوت الخمس فيها، و لكنّه- (عليه السلام)- جعل شيعته في حلّ من ذلك لتطيب ولادتهم (2).

مع إمكان أن يكون هذا من باب إمضاء عمل الجائر إرفاقا بالشيعة، كما هو الشأن بالنسبة إلى حقوق سائر المسلمين، فيكون الاجتزاء بما يأخذه الجائر باسم الخراج بدلا عن أجرة الأرض من قبيل الاجتزاء بما‌

____________

(1) حكاه عنه صاحب الجواهر فيها 16: 8، و راجع: الحدائق الناضرة 12: 324.

(2) الكافي 1: 546/ 16، الفقيه 2: 22/ 82، التهذيب 4: 136/ 382، الإستبصار 2: 57/ 187، الوسائل، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 5.

12

يأخذه باسم الزكاة و الخمس، فالأظهر: ثبوت الخمس فيها، و لكن لا يجب على من تقبّلها سوى خراجها.

و يتفرّع على هذا جواز الحكم بملكيّة رقبة الأرض المفتوحة عنوة في ما لو وجد شي‌ء منها تحت يد مسلم و إن علم بكونه عامرا حال الفتح إذا احتمل انتقاله اليه من سهم الخمس بوجه سائغ بأن كان بإمضاء الإمام- (عليه السلام)- أو نوّابه.

و لا فرق في وجوب الخمس في ما يغتنم من دار الحرب بين كونه (قليلا أو كثيرا) لإطلاق أدلّته، السالم عمّا يصلح لتقييده.

فما عن ظاهر غزية المفيد- (رحمه اللّه)- من اشتراط بلوغ عشرين دينارا (1)؛ مع شذوذه و عدم معروفيّة موافق له، محجوج بما عرفت.

و ينبغي أن يستثنى من الغنائم التي يتعلّق بها الخمس ما ورد فيه دليل بالخصوص على أنّه ملك لأشخاص خاصّة، كصفوة المال التي منها قطائع الملوك التي ورد في الأخبار أنّها للإمام خاصّة (2)، و سلب المقتول الوارد فيه أنّه لقاتله (3)، و نحو ذلك، فإنّ ظهور الأخبار الخاصّة في إرادة ملكية المجموع أقوى من إرادته من الآية و الروايات الواردة في الخمس، كما لا يخفى.

و كذا ينبغي استثناء المئونة المصروفة في ضبط الغنيمة، و نقلها ممّا كان وضعه على الغانم من ماله إضرارا به، و منافيا للعدل و الإنصاف، خصوصا فيما لو كان سهمه أقلّ من مصرفه، و اللّه العالم.

بقي الكلام في تفسير الغنيمة الواردة في الكتاب.

____________

(1) كما في الجواهر 16: 13، و حكاه العاملي في مدارك الأحكام 5: 361.

(2) التهذيب 4: 134/ 377، الوسائل، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

(3) عوالي اللآلي 1: 403/ 6.

13

فأقول: ربّما يظهر من كلمات غير واحد: أنّ الغنيمة في اللغة اسم لكلّ ما استفيد و اكتسب، كما يلوح بذلك ما في مجمع البحرين؛ فإنّه قال: الغنيمة في الأصل هي الفائدة المكتسبة، و لكن اصطلح جماعة على أنّ ما أخذ من الكفّار إن كان من غير قتال فهو في‌ء، و إن كان مع القتال فهو غنيمة، و اليه ذهب الإماميّة، و هو مرويّ (1). انتهى.

أقول: فكأنّ ما اصطلحوا عليه عرف خاص ربّما ينزّل عليه إطلاق الآية بشهادة السياق، كما حكي ذلك عن كثير من المفسّرين، و إلّا فكثير من الأصحاب يستدلّون بإطلاق الآية لإثبات الخمس في سائر الأنواع الآتية، بل ربّما نسب (2) الاستدلال به الى الأصحاب عدا شاذّ منهم، بل عن الرياض دعوى الإجماع على عموم الآية (3).

و عن المفيد- (رحمه اللّه)- في المقنعة أنّه قال: الغنائم كلّ ما استفيد بالحرب من الأموال، و ما استفيد من المعادن و الغوص و الكنوز و العنبر، و كلّ ما فضل من أرباح التجارات و الزراعات و الصناعات من المئونة و الكفاية طول السنة على الاقتصاد (4).

و نحوه فسّرها الشهيد في الدروس (5) و محكي البيان (6).

و عن الطبرسي في مجمع البيان أيضا نحوه (7)، بل ادّعى أنّ اسم الغنيمة في عرف اللّغة يطلق على جميع ذلك.

____________

(1) مجمع البحرين 6: 129.

(2) كما في كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 557.

(3) حكاه الشيخ الأنصاري في كتاب الخمس: 557، و راجع: رياض المسائل 1: 293.

(4) التهذيب 4: 121، و المقنعة: 276.

(5) الدروس 1: 258.

(6) البيان: 213.

(7) كما في كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 531 و راجع: مجمع البيان 3: 835.

14

أقول: الظاهر أنّ هؤلاء الأعلام أيضا أرادوا بما ذكروه معنى الغنيمة التي يتعلّق بها الخمس، و ينزّل عليها إطلاق الآية، و إلّا فهي بحسب الظاهر اسم لكلّ ما استفيد، فينبغي أن يحمل عليه إطلاق الآية، إلّا أن يدلّ دليل من نصّ أو إجماع على خلافه، كما يشهد لذلك- مضافا الى ذلك- خبر حكيم عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، قال: قلت له:

وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ الآية (1) «هي و اللّه الإفادة يوما بيوم، إلّا أنّ أبي جعل شيعته في حلّ ليزكوا» (2) و يؤيّده أيضا: موثّقة سماعة، قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عن الخمس، فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير» (3).

و صحيحة ابن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول:

«ليس الخمس إلّا في الغنائم خاصّة» (4) فإنّ مقتضى إبقاء الحصر على حقيقته: حمل الغنائم على مطلق الاستفادة و التكسّب، الى غير ذلك من الأخبار المشعرة به أو الدالّة عليه.

و لكن ربّما يستشكل في ذلك: باستلزامه تخصيص الأكثر.

و فيه: أوّلا: المنع؛ إذ لا يسمّى كلّ ما يدخل في الملك و لو بسبب قهري من إرث و نحوه الاستفادة و الاكتساب.

و على تقدير تسليم الصدق و عدم انصراف إطلاق اللفظ عنه، فنقول:

____________

(1) سورة الأنفال 8: 41.

(2) التهذيب 4: 121/ 344، الإستبصار 2: 54/ 179، الوسائل، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8.

(3) الكافي 1: 545/ 11، الوسائل، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

(4) الفقيه 2: 21/ 74، التهذيب 4: 124/ 359، الإستبصار 2: 56/ 184، الوسائل، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

15

إنّ مقتضى عموم الكتاب و السنّة: ثبوت الخمس في الجميع، و لكن يستكشف بواسطة الإجماع و السيرة و غيرهما من الأدلّة الآتية أنّ أولياء الخمس قد زهدوا عنه، و رفعوا اليد عن حقّهم في كثير من الموارد التي لم يدلّ عليه دليل خاصّ، منّة على رعاياهم، و إرفاقا بشيعتهم، كما يؤيّده قوله- (عليه السلام)- في بعض الأخبار الآتية في تحليل الخمس: «الناس كلّهم يعيشون في فضل مظلمتنا إلّا أنّا أحللنا شيعتنا من ذلك» (1).

و يؤيّده أيضا جملة من الأخبار المعتبرة الدالّة على ثبوت الخمس في بعض الأشياء، كالميراث و الهبة و نحوها ممّا يشكل الالتزام به في مقام العمل، كما سنوضّحه؛ فإنّ توجيه تلك الأخبار بما ذكر من أحسن محاملها بعد عدم إمكان العمل بظاهرها، و اللّه العالم.

[الثاني المعادن]

(الثاني) ممّا يجب فيه الخمس: (المعادن) بلا خلاف فيه، بل إجماعا، كما عن غير واحد نقله.

و يدلّ عليه- مضافا الى الإجماع، و عموم الكتاب، و بعض الأخبار المتقدّمة- خصوص جملة من الأخبار:

منها: ما رواه في الوسائل عن الصدوق بإسناده عن ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)-، قال: «الخمس على خمسة أشياء:

على الكنوز و المعادن و الغوص و الغنيمة» و نسي ابن أبي عمير الخامس (2).

و في الخصال بإسناده عن عمّار بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: «فيما يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه، و الكنوز الخمس (3).

____________

(1) التهذيب 4: 138/ 388، الوسائل: الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 7.

(2) الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7، و راجع: الخصال: 291/ 53.

(3) الخصال: 290/ 51، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

16

و عن الشيخ و الكليني- في الصحيح- عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن معادن الذهب و الفضة و الصفر و الحديد و الرصاص، فقال: «عليها الخمس جميعا» (1).

و عن الحلبي- في الصحيح- في حديث، قال: سألت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- عن الكنز كم فيه؟ قال: «الخمس» و عن المعادن كم فيها؟

قال: «الخمس» و عن الرصاص و الصفر و الحديد و ما كان في المعادن كم فيها؟ قال: «يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب و الفضّة» (2).

و عن الصدوق أيضا نحوه (3).

و صحيحة زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان ركازا ففيه الخمس» و قال: «ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفّى الخمس» (4) و في صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- عن الملاحة، فقال: «و ما الملاحة؟» فقال: أرض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحا، فقال: «هذا المعدن فيه الخمس» فقلت: و الكبريت و النفط يخرج من الأرض؟ فقال: «هذا و أشباهه فيه الخمس» (5) و عن الصدوق في الفقيه نحوه، إلّا أنّ فيه: فقال: «مثل المعدن فيه‌

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1، التهذيب 4: 121/ 345، الكافي 1: 544/ 8.

(2) الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2، التهذيب 4: 121/ 346، الكافي 1: 546/ 19.

(3) الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ذيل الحديث 2، الفقيه 2: 21/ 73، و فيهما مثله.

(4) التهذيب 4: 122/ 347، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(5) التهذيب 4: 122/ 349، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

17

الخمس» (1) الى غير ذلك من الأخبار التي سيأتي ذكرها إن شاء اللّه، فلا إشكال في أصل الحكم.

و إنّما الإشكال في تحديد موضوعه؛ فإنّه قد اختلف في ذلك كلمات الأصحاب و اللّغويّين.

أما اللّغويّون: فظاهرهم الاتّفاق على أنّ المعدن اسم مكان، كما هو مقتضى وضعه بحسب الهيئة، و يساعد عليه العرف في موارد استعمالاته:

ففي القاموس: المعدن ك‍ (مجلس) منبت الجواهر من ذهب و نحوه لإقامة أهله فيه دائما، أو لإنبات اللّه تعالى إيّاه فيه، و مكان كلّ شي‌ء فيه أصله (2).

و في الصحاح: عدنت البلد: توطنته، و عدنت الإبل بمكان كذا:

لزمته فلم تبرح منه، جنات عدن، أي: جنّات إقامة. و منه سمّي المعدن بكسر الدال؛ لأنّ الناس يقيمون فيه صيفا و شتاء، و مركز كلّ شي‌ء: معدنه (3).

و في النهاية الأثيريّة في حديث بلال بن الحارث أنّه أقطعه معادن القبيلة، المعادن التي يستخرج منها جواهر الأرض كالذهب و الفضّة و النحاس و غير ذلك، واحدها: المعدن، و العدن: الإقامة، و المعدن:

مركز كلّ شي‌ء، و منه الحديث (4).

و في مجمع البحرين: جنّات عدن، أي: جنّات إقامة- الى أن قال- و منه سمّي المعدن ك‍ (مجلس)، لأنّ الناس يقيمون فيه الصيف‌

____________

(1) الفقيه 2: 21/ 76، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ذيل الحديث 4.

(2) القاموس المحيط 4: 247.

(3) الصحاح 6: 2162.

(4) النهاية- لابن الأثير- 3: 192.

18

و الشتاء، و مركز كلّ شي‌ء معدنه، و المعدن مستقرّ الجوهر (1).

و هذه الكلمات- كما تراها- لا اختلاف فيها من حيث المفاد، و هي بأسرها متّفقة الدلالة على أنّ المعدن اسم للمحلّ لا للحالّ، كما أنّها متّفقة الدلالة على أنّ المعدن له معنيان: عامّ و خاصّ، و ظاهر الجميع:

أنّه متى أطلق اسم المعدن من غير إضافته إلى شي‌ء يراد به معناه الخاصّ، و هو المكان الذي يستخرج منه جواهر الأرض، كما في عبارة النهاية، أو منبت الجواهر كما في عبارة القاموس، أو مستقرّها كما في المجمع.

و أمّا الصحاح فلم يصرّح بمعنى مطلقه، بل أو كله الى وضوحه.

و أمّا مع الإضافة: فيصحّ إطلاقه على مركز كلّ شي‌ء، أي: مكانه الذي خلق فيه بالطبع، لا مطلق ما ركز فيه و لو بالعرض، فيطلق على الأرض المشتملة على نوع خاصّ من التراب أو الحجر أو الرمل و نحوه: أنّه معدن هذا الشي‌ء، و لكنّه لا ينسبق الى الذهن من إطلاق اسم المعدن مثل هذه الأشياء، بل ينصرف الى المعنى الأوّل.

و هل هو لشيوع إرادته من مطلقة أو لكونه أكمل أفراد المطلق أو لصيرورته حقيقة فيه، كما ربّما يستشعر من كلمات اللّغويّين؟

احتمالات لا يخلو أوّلها عن قوّة.

و أمّا الأصحاب: فظاهرهم الاتّفاق على أنّه اسم للحالّ لا للمحلّ، فإنّهم عرّفوه: بما استخرج من الأرض، و قد اختلفوا من حيث التعميم و التخصيص.

ففي المسالك قال: المعادن جمع معدن بكسر الدال، و هو هنا: كلّ ما‌

____________

(1) مجمع البحرين 6: 281.

19

استخرج من الأرض ممّا كان منها بحيث يشتمل على خصوصيّة يعظم الانتفاع بها، و منها: الملح و الجصّ و طين الغسل و حجارة الرحى و المغرة (1)، و اشتقاقها من: عدن بالمكان: إذا أقام به؛ لإقامتها في الأرض (2). انتهى.

و في الروضة: المعدن بكسر الدال، و هو: ما استخرج من الأرض ممّا كانت أصله، ثمّ اشتمل على خصوصيّة يعظم الانتفاع بها كالملح و الجصّ و طين الغسل و حجارة الرحى و الجواهر من الزبرجد و العقيق و الفيروزج و غيرها (3).

و في الدروس لم يفسّر المعدن، و لكن صرّح بأنّ منها: المغرة و الجصّ و النورة و طين الغسل و العلاج و حجارة الرحى (4).

و توقّف غير واحد في صدق اسم المعدن عرفا على مثل هذه الأشياء التي ليست بخارجة من مسمّى الأرض عرفا، بل ربّما منعه بعضهم، مستشهدا لذلك: بكلام العلّامة و ابن الأثير الآتيين في عبارة المدارك.

و في المدارك بعد أن نقل في تفسير المعدن عبارة القاموس كما قدّمنا نقلها، قال: و قال ابن الأثير في النهاية: المعدن كلّ ما خرج من الأرض ممّا يخلق فيها من غيرها ممّا له قيمة.

و قال العلّامة في التذكرة: المعادن كلّ ما خرج من الأرض ممّا يخلق فيها من غيرها ممّا له قيمة، سواء كان منطبعا بانفراده كالرصاص و الصفر و النحاس و الحديد، أو مع غيره كالزئبق، أو لم يكن منطبعا‌

____________

(1) المغرة: الطين الأحمر الذي يصبغ به. مجمع البحرين 4: 484.

(2) مسالك الأفهام 1: 458.

(3) الروضة البهية 2: 66.

(4) الدروس 1: 260.

20

كالياقوت و الفيروزج و البلخش (1) و العقيق و البلور و السبج (2) و الكحل و الزرنيق و المغرة و الملح، أو كان مائعا كالقير و النفط و الكبريت عند علمائنا أجمع. و نحوه قال في المنتهى.

و قد يحصل التوقّف في مثل المغرة و نحوها للشك في إطلاق اسم المعدن عليها على سبيل الحقيقة، و انتفاء ما يدلّ على وجوب الخمس فيها على الخصوص.

و جزم الشهيدان بأنّه يندرج في المعادن: المغرة و الجصّ و النورة و طين الغسل و حجارة الرحى. و في الكلّ توقّف (3). انتهى كلام صاحب المدارك.

و في الرياض بعد أن نقل عن الشهيدين الجزم بدخول الأمثلة المزبورة في المعادن، قال: و توقّف فيه جماعة من متأخّري المتأخّرين، قالوا:

للشك في إطلاق اسم المعدن عليها على سبيل الحقيقة، و انتفاء ما يدلّ على وجوب الخمس فيها على الخصوص، و هو في محلّه (4). انتهى.

و العجب من صاحب المدارك و جميع من تأخّر عنه ممّن عثرنا على كلماتهم أنّهم نقلوا عن ابن الأثير في تفسير المعدن العبارة التي نقلها في المدارك، و جعلوا كلامه معارضا لكلام صاحب القاموس.

و رجّحه بعضهم على كلام صاحب القاموس بأنّ المثبت مقدّم على‌

____________

(1) البلخش: لعل، ضرب من الياقوت. ملحقات لسان العرب: 68.

(2) السبج: الخرز الأسود. الصحاح 1: 321.

(3) مدارك الأحكام 5: 363- 364، و راجع: النهاية لابن الأثير 3: 192، و تذكرة الفقهاء 1: 251، و منتهى المطلب 1: 544، و الدروس 1: 260، و مسالك الأفهام 1: 458، و الروضة البهية 2: 66.

(4) رياض المسائل 1: 293.

21

النافي، مع أنّ عبارة النهاية ليست إلّا كما قدّمنا نقلها، و هي ليست مخالفة لما في القاموس إلّا في مجرّد التعبير، فلعلّ لابن الأثير نهاية أخرى غير ما رأيناها، أو أنّ النهاية التي نقل عنها في المدارك كانت مشتملة على هذه الزيادة، أو أنّه ذكر ابن الأثير هذه العبارة التي نسبوها إليه في مقام آخر لم نطّلع عليه.

و كيف كان فقد عرفت أنّه لا اختلاف بين اللغويّين في تفسير المعدن، و أنّه اسم للمحلّ.

و أمّا الفقهاء فقد جعلوه بأسرهم اسما للحالّ، فكأنّ منشأة أنّ غرضهم لم يتعلّق إلّا ببيان ما تعلّق به الحكم الشرعي، و هو ما استخرج من المعدن لا نفسه، فسمّوه معدنا تسمية للحالّ باسم المحلّ.

و اختلافهم في مثل حجر الرحى و طين الغسل و نحوه نشأ من الخلاف في صدق اسم المعدن عرفا على مركز مثل هذه الأشياء، كما يقتضيه إطلاق كلمات اللغويّين عند تفسيرهم لمعناه الأعمّ، أم يشترط في صدق اسمه عرفا كون ما يستخرج منه من غير جنس الأرض عرفا، كما ربّما يستشعر من تفسير صاحب القاموس، حيث قال: مكان كلّ شي‌ء فيه أصله (1)؛ فإنّه مشعر باشتراط المغايرة و اعتبار الفرعية، بل لا يبعد أن يدّعى أنّ هذا هو منصرف كلام من عداه أيضا ممّن قال: بأنّ مركز كلّ شي‌ء معدنه، حيث إنّ المتبادر منه إرادة الأشياء الخارجة عن مسمّى الأرض.

و كيف كان فاستفادة ثبوت الخمس في مطلق المعادن بهذا المعنى من الأخبار مشكلة؛ فإنّ المتبادر منها ممّا عدا صحيحة محمد بن مسلم،

____________

(1) القاموس المحيط 4: 247.

22

خصوصا من قوله- (عليه السلام)- في صحيحة زرارة التي وقع فيها السؤال عمّا في المعادن: «كلّ ما كان ركازا ففيه الخمس، و ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفى، الخمس» (1) انّما هو إرادتها بالمعنى الأخصّ الذي ادّعينا انصراف اسم المعدن اليه، و لا أقلّ من إجمالها و عدم ظهورها في إرادة الأعمّ.

و أمّا صحيحة محمّد بن مسلم، التي وقع فيها السؤال عن الملاحة و إن كانت صريحة في إرادة الأعمّ، بناء على ما رواه الشيخ من قوله- (عليه السلام)- في الجواب: «هذا المعدن فيه الخمس» (2).

و لكنّك عرفت أنّه- (عليه السلام)- على ما رواه الصدوق- قال: «هذا مثل المعدن» (3) فلا تدلّ حينئذ على المدّعى، بل على خلافه أدلّ، و لذا استدلّ في الرياض (4) بهذه الرواية لإثبات أنّ المتبادر منها المعنى الأخصّ.

نعم يفهم منها على هذا التقدير أيضا كون الملح و النفط و الكبريت و نحوها من الأمور المتكوّنة في الأرض من غير جنسها ممّا يعدّ في العرف من أشباه المذكورات ملحقة بالمعادن في وجوب الخمس فيها دون مثل حجارة الرحى و طين الغسل و الجصّ ممّا لم يعلم اندراجه في عمومه و أشباهه، الوارد في الصحيحة و إن قلنا بصدق اسم المعدن عليه عرفا بمعناه الأعمّ.

اللّهمّ إلّا أن يقال: بأنّ ثبوت الخمس في هذه الأشياء و إلحاقها‌

____________

(1) التهذيب 4: 122/ 347، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(2) التهذيب 4: 122/ 349، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

(3) الفقيه 2: 21/ 76.

(4) رياض المسائل 1: 293.

23

بالمعادن في هذه الصحيحة كاشف عن أنّ المراد بالمعادن في الأخبار الحاصرة للخمس في خمسة معناها الأعمّ، و إلّا لم يكن الحصر حاصرا، بل يكشف عن أنّ المراد في نفس هذه الرواية التي فرّع الخمس عليه مطلقة، فإنّ الأرض السبخة التي يجتمع فيها الماء فيصير ملحا لدى العرف أيضا لا تسمّى معدن الملح، بل مثله، فالمشبّه به على ما ينسبق الى الذهن معدنه لا معدن الذهب.

هذا، مع اعتضاده بفهم الأصحاب و ظهور كلماتهم، بل صراحة جملة منها في دوران الحكم مدار صدق اسم المعدن في العرف، و اختلافهم في بعض الموارد إنّما هو في تشخيص المصداق، لا في عموم الحكم، فالأظهر ثبوت الخمس في جميع ما يستخرج من الأرض ممّا يسمّى في العرف معدنا بمعناه الأعمّ، و لكن قد يختفى الصدق العرفي على بعض الأشياء، كأرض الجصّ و النورة و ما يتّخذ منه حجارة الرحى و نحوه، فإنّه ليس بنظر العرف غالبا إلّا كسائر قطع الأرض المشتملة على خصوصيّة يعظم الانتفاع بها للبناء أو اتّخاذ الأواني الخزفيّة و نحوها، بل قد لا يشكّ في عدم الصدق و صحّة سلب الاسم عنه، كما لو كان ما يتّخذ منه حجر الرحى مثلا جبلا عظيما، أو مكانا واسعا من الأرض قابلا حجارته لمثل هذه الأشياء، كما أنّه قد يعكس الأمر، كما لو كان نوع خاصّ من الحجر ممتاز عن سائر أنواعه بأوصاف خاصّة مخلوقا في موضع معيّن من الأرض ككنز مدفون فيها، فإنّه لو سئل في العرف عن مأخذ هذه الحجارة، يقال: إنّ لها معدنا خاصّا.

و كيف كان، فالمدار على التسمية في العرف، لا على نحو المسامحة و التجوّز، ففي الموارد التي يصحّ إطلاق اسم المعدن عليها حقيقة، و لا يصحّ سلبه عنها عرفا، يجب الخمس فيما يستخرج منها (سواء كانت

24

منطبعة، كالذهب و الفضّة و الرصاص، أو غير منطبعة كالياقوت و الزبرجد و الكحل، أو مائعة كالقير و النفط و الكبريت.)

و أمّا الموارد التي يشكّ في صحّة إطلاق الاسم عليه على سبيل الحقيقة فينفي وجوبه من هذه الجهة بالأصل، و لكن ربّما يتعلّق به الوجوب من حيث اندراجه في أرباح المكاسب، فيراعى فيه شرائطه من زيادته على مئونة السنة، و قصد التكسب إن اعتبرناه، و غير ذلك ممّا ستعرف.

(و) هل يعتبر النصاب فيما يجب الخمس فيه من المعادن؟ فيه و في قدره خلاف.

ففي صريح السرائر (1) و محكي الخلاف (2) و ظاهر غيرهما ممّن أطلق القول بالوجوب، و لم يصرّح بالاشتراط: أنّه (يجب فيه الخمس) مطلقا، قليلا كان أو كثيرا (بعد) وضع مقدار (المئونة) أي: مئونة الإخراج و التصفية، بل في الدروس نسبته إلى الأكثر (3).

و في السرائر قال في ردّ الشيخ القائل باعتبار النصاب: إجماع الأصحاب منعقد على وجوب إخراج الخمس من المعادن جميعها على اختلاف أجناسها، قليلا كان المعدن أو كثيرا، ذهبا كان أو فضّة من غير اعتبار مقدار (4). انتهى.

و أمّا مقدار المئونة فيظهر من كلماتهم تصريحا و تلويحا: أنّه لا خلاف بينهم في عدم وجوب خمسه، كما سيأتي تحقيقه عند تعرّض المصنّف‌

____________

(1) السرائر 1: 488.

(2) حكاه عنه، صاحب الجواهر فيها 16: 18، و راجع: الخلاف 2: 119، المسألة 142.

(3) الدروس 1: 260.

(4) السرائر 1: 488- 489.

25

- (رحمه اللّه)- له إن شاء اللّه.

و حكي عن أبي الصلاح الحلبي أنّه اعتبر بلوغ قيمته دينارا واحدا (1).

(و قيل: لا يجب حتّى يبلغ عشرين دينارا) كما عن الشيخ في النهاية و المبسوط (2)، و ابن حمزة في وسيلته (3)، و وافقهما غير واحد من المتأخّرين، بل في المدارك نسبته الى عامّتهم (4).

(و) هذا (هو المرويّ) صحيحا- في التهذيب عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألت أبا الحسن- (عليه السلام)- عمّا اخرج من المعدن من قليل أو كثير هل فيه شي‌ء؟ قال: «لا شي‌ء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا» (5).

(و) لكن مع ذلك القول (الأوّل أكثر) قائلا من القدماء، كما سمعت عن الدروس نسبته إلى الأكثر، بل عن الشيخ في الخلاف دعوى الإجماع عليه (6)، كما أنّه هو ظاهر عبارة السرائر المتقدّمة آنفا، إلّا أنّ غرض الحلّي- على ما يعطيه سوق عبارته- دعوى الإجماع على أصل وجوب الخمس في المعادن من غير اشتراطه بشي‌ء، كما في الغوص، لا على نفي الاشتراط، كما لا يخفى على من لا حظ مجموع كلامه.

و كيف كان، فمستندهم بحسب الظاهر ليس إلّا إطلاقات الأدلّة.

و لا يخفى عليك أنّ اشتهار هذا القول بين القدماء أخذا بإطلاق‌

____________

(1) حكاه صاحب المدارك فيها 5: 365، و راجع: الكافي في الفقه: 170.

(2) حكاه صاحب المدارك فيها 5: 365، و راجع: النهاية: 197، و المبسوط 1: 237.

(3) كما في جواهر الكلام 16: 18، و راجع: الوسيلة: 138.

(4) مدارك الأحكام 5: 365.

(5) التهذيب 4: 138/ 391، الوسائل: الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(6) حكاه صاحب الجواهر فيها 16: 18، و راجع: الخلاف 2: 120، المسألة 142.

26

النصوص المتضمّنة لوجوب الخمس في المعادن من غير تفصيل، و إعراضهم عن النص المزبور مع صحّته، و صراحته في نفي وجوب شي‌ء عليه ما لم يبلغ النصاب، و وضوح عدم صلاحيّة مثل هذه المطلقات- التي يمكن الخدشة في إطلاق كثير منها من حيث هو بورودها في مقام بيان أصل التشريع- لمعارضة النصّ الخاصّ ممّا يوهن التعويل عليه، و لذا لم يرجّحه المصنّف.

و ممّا يزيدها وهنا: ما حكي عن الشافعي في أحد قوليه و عن غيره أيضا من العامّة القول بوجوب الزكاة في معدن الذهب و الفضّة (1)، و إشعار الرواية بإرادتها، فيحتمل أن يكون غرض السائل بقوله: هل فيه شي‌ء؟ الزكاة، فأجابه- (عليه السلام)-، بأنّه «ليس فيه شي‌ء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة» يعني ليس فيه زكاة حتى يبلغ نصابها، فتكون الرواية على هذا التقدير جارية مجرى التقية.

كما يؤيّد هذا الاحتمال: أنّه لو كان المقصود أنّه بعد بلوغ النصاب يكون فيه الخمس، لكان محتاجا الى بيان زائد، بخلاف ما لو كان المراد به الزكاة، فإنّه يفهم من سوق التعبير.

و يؤكّد وهنها أيضا بعد ارتكاب التقييد ببلوغ العشرين في صحيحة محمّد بن مسلم، المصرّحة بوجوب الخمس في الملح المتّخذ من الأرض السبخة المالحة التي يجتمع فيها الماء فيصير ملحا (2)، فإنّ هذه الصحيحة و إن لم تكن مسوقة لبيان الإطلاق من هذه الجهة، إلّا أنّ تنزيلها على إرادة ما لو كان الملح المتّخذ من مثل هذه الأرض بعد وضع المئونة بالغا‌

____________

(1) حكاه في الخلاف 2: 116 المسألة 138.

(2) التهذيب 4: 122/ 349، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

27

هذا الحدّ لا يخلو عن بعد؛ إذ قلّما يتّفق حصول مثل الفرض.

هذا، و لكن ربّما يغلب على الظنّ أنّ أحمد بن محمّد بن أبي نصر كان عارفا بأنّه ليس في المعدن زكاة، و أنّه لو كان فيه شي‌ء، لكان هو الخمس إمّا بواسطة سماعة خبر الدينار الآتي (1)، الذي رواه محمّد بن عليّ بن أبي عبد اللّه، أو غير ذلك من الروايات الواصلة اليه، و لا أقلّ من أنّه كان يحتمل ذلك؛ لأنّه على ما في التذكرة (2) مذهب أبي حنيفة، الذي هو بحسب الظاهر أشهر المذاهب في زمانه، فمن المستبعد أن لا يحتمله أصلا، و يقصد من إطلاق الشي‌ء خصوص الزكاة، فالظاهر أنّ مراده بقوله: هل فيه شي‌ء؟ إمّا خصوص الخمس أو الأعمّ، كما هو مقتضى إطلاق السؤال.

و ممّا يؤيّد احتمال إرادة خصوص الخمس: قوّة احتمال وقوع هذه الصحيحة بعد صحيحته الأخرى الواردة في الكنز عن أبي الحسن الرضا- (عليه السلام)- قال: سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز، قال: «ما يجب في مثله الزكاة ففيه الخمس» (3) فالمراد بأبي الحسن في هذه الصحيحة أيضا على هذا، الرضا- (عليه السلام)- فأريد بها بيان اتّحاد حكم المعدن مع الكنز، و أنّه ليس في المعدن أيضا شي‌ء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة كما في الكنز.

و كيف كان فالصحيحة كادت تكون صريحة في أنّه لا شي‌ء فيه ما لم يبلغ النصاب، و احتمال إرادة خصوص الزكاة و جريها مجرى التقيّة مع‌

____________

(1) يأتي في ص 28.

(2) تذكرة الفقهاء 5: 410، المسألة 309.

(3) الفقيه 2: 21/ 75، الوسائل: الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

28

مخالفته للأصل و الظاهر ممّا لا ينبغي الاعتناء به.

و ما أشرنا إليه من بعد التقييد في مثل معدن الملح فهو استبعاد لغير البعيد، بل الغالب فيمن اتّخذ الملاحة مكسبا له بلوغ ما يتّخذه من معدنه حد النصاب في زمان قليل، خصوصا في الأماكن التي يعزّ وجود الملح فيها، و يختصّ معادنه بأشخاص خاصّة، فعمدة ما يوهن الاعتماد على الرواية هو ما عرفت من إعراض أكثر القدماء عنها، و لكن طرح الخبر الصحيح الذي اعتمد عليه بعض القدماء كالشيخ و ابن حمزة و كثير من المتأخّرين، بل عامّتهم كما ادّعاه في المدارك (1) من غير معارض مكافئ مشكل، فالالتزام بمضمونه أشبه بالقواعد و إن كان القول الأوّل أحوط.

حجّة القول باعتبار الدينار المحكي عن أبي الصلاح الحلبي (2): ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن محمد بن علي بن أبي عبد اللّه عن أبي الحسن- (عليه السلام)-، قال: سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد، و عن معادن الذهب و الفضّة هل فيه زكاة؟ فقال: «إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس» (3).

و عن الصدوق مرسلا عن الكاظم- (عليه السلام)- نحوه (4).

و هذه الرواية قاصرة عن مكافأة الصحيحة المزبورة سندا و دلالة و عملا.

____________

(1) مدارك الأحكام 5: 365.

(2) حكاه صاحب المدارك فيها 5: 366، و راجع: الكافي في الفقه: 170.

(3) التهذيب 4: 124/ 356 و 139/ 392، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

(4) الفقيه 2: 21/ 72، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ذيل الحديث 5.

29

أمّا من حيث السند: فهو مطعون بجهالة الراوي كما في المدارك و غيره.

و [أمّا] من حيث العمل: فلم ينقل القول بمضمونه في المقام إلّا عن أبي الصلاح، و هو لا يخرجها عن الشذوذ، فالصحيحة بالإضافة إليها من قبيل الرواية المشهورة التي ورد في بعض الأخبار العلاجيّة الأمر بالأخذ بها في مقام المعارضة.

و أمّا من حيث الدلالة فمن وجوه:

أمّا أوّلا: فلأنّ الجواب ليس نصّا في إرادة حكم الذهب و الفضّة؛ فإنّه و إن وقع التصريح بهما في طيّ السؤال، إلّا أنّ تعدّد الأمثلة التي وقع السؤال عن حكمها- خصوصا بعد فرض السائل مجموعها من واد واحد فيما هو مناط الحكم- يجعل الجواب بمنزلة العمومات القابلة للتخصيص، فيحتمل أن يكون المقصود بالجواب ثبوت الحكم فيما وقع عنه السؤال على سبيل الإجمال، و لذا أجاب عنه الشيخ- (رحمه اللّه)- في التهذيب- على ما حكي عنه (1)- بأنّه إنّما يتناول حكم ما يخرج من البحر لا المعادن.

و في المدارك بعد أن نقل هذا الجواب عن الشيخ، قال: و هو بعيد (2).

و فيه: أنّ كونه بعيدا لا ينفي احتماله حتّى يصلح معارضا للنصّ الخاصّ الوارد في المعدن.

و كون الصحيحة أيضا لها جهة عموم حيث إنّها تتناول سائر المعادن غير قادح؛ فإنّه لا يمكن تخصيصها بما عدا معدن الذهب و الفضّة إمّا‌

____________

(1) حكاه العاملي في مدارك الأحكام 5: 366، و راجع: التهذيب 4: 139.

(2) مدارك الأحكام 5: 366.

30

لكون معدنهما بمنزلة القدر المتيقّن الذي ينسبق الى الذهن من إطلاق السؤال، فترك التفصيل في الجواب يجعله كالنص في إرادته، و إمّا لعدم القول بالفصل.

و ثانيا: فلأنّه ليس نصّا في الجواب؛ لأنّ ثبوت الخمس فيه عند بلوغ قيمته دينارا أعمّ من أن يكون على جهة الندب، كثبوت الزكاة في مال التجارة عند تحقّق شرائطها، غاية الأمر أنّ ظاهره ذلك، فيرفع اليد عنه في بعض موارده- أي معادن الذهب و الفضّة- بالنص، و لا محذور فيه، بل هو من أهون التصرّفات و أقرب المحتملات في مقام التوجيه.

و ثالثا: فلما أشرنا إليه في صدر المبحث من أنّ الأخبار المثبتة للخمس في مورد من موارده لا تصلح معارضة للأخبار النافية له عن ذلك المورد؛ لجواز أن يكون نفيه عنه من قبل وليّ الخمس إرفاقا برعاياه، فلا ينافي ذلك ثبوته في أصل الشرع، كما ستعرف له شواهد في هذا الباب، فيمكن أن يكون الدينار في الواقع سببا لثبوت الخمس، و لكنّ الإمام- (عليه السلام)- وسّع على الناس، و جعلهم في حلّ من ذلك، و لم يكلّفهم بشي‌ء ما لم يبلغ عشرين دينارا، فليتأمّل.

و قد تلخص ممّا ذكر: أنّ القول باعتبار بلوغ قيمته عشرين دينارا؛ تعويلا على الصحيحة (1) المزبورة، لا يخلو عن قوّة، و لكنّ العمل بإطلاق أدلّة الخمس أحوط.

ثمّ إنّ المدار على ما يتبادر من النصّ إنّما هو بقيمة النصاب أي العشرين دينارا وقت الإخراج، كما صرّح به غير واحد.

____________

(1) أي صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر، التي تقدّمت في ص 25.

31

و عن الشهيد: الاجتزاء بقيمته القديمة (1). فكأنّ مراده القيمة القديمة التي كانت لعشرين دينارا في صدر الإسلام، و هي، مائتا درهم، كما يظهر من تتّبع الآثار.

و أمّا الشي‌ء المستخرج من المعادن فلا طريق إلى معرفة قيمته القديمة، مع أنّه لا وجه يعتدّ به للاجتزاء به.

و أمّا [القيمة] القديمة للعشرين دينارا فيمكن أن يوجّه اعتبارها بظهور الخبر في كون المعيار بلوغ نصاب الزكاة، فلا يبعد أن يكون ذكر العشرين دينارا من باب اتّحاده مع مائتي درهم في ذلك الزمان؛ لأنّه هو الأصل في زكاة النقدين، على ما ذكره شيخنا المرتضى (2)- (رحمه اللّه)- مستظهرا من أخبارها، فالعبرة على هذا التقدير إنّما هو ببلوغ مائتي درهم التي هي قيمة العشرين دينارا في ذلك الزمان من حيث هي.

و فيه: أنّ حمل العشرين دينارا على إرادة مقدار ماليته الخاصّة الثابتة له في ذلك الزمان باعتبار مساواته لمائتي درهم خلاف الظاهر، بل الظاهر كونه بنفسه ملحوظا في الحكم، و إلّا لعبّر بمائتي درهم، مع أنّ ما قيل: من أنّ الأصل في نصاب النقدين مائتا درهم- إن سلّم- فهو من قبيل الحكم و المناسبات المقتضية لتعلّق الحكم به في أصل الشرع، و إلّا فالعشرون دينارا أيضا كمائتي درهم في حدّ ذاته أصل مستقلّ في زكاة النقدين.

هذا، مع أنّه لم يعلم مساواتهما في القيمة حين صدور الرواية، و كيف كان فالقول بكفاية القيمة القديمة ضعيف.

____________

(1) حكاه صاحب الجواهر فيها 16: 18، و راجع: البيان: 214.

(2) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 524.

32

ثمّ إنّ المتبادر من سؤال السائل في الصحيحة المزبورة، و كذا من جواب الإمام- (عليه السلام)- اعتبار النصاب فيما أخرج من المعدن دفعة أو دفعات في حكم الواحد، بأن لا يتحقّق بينها (1) الإعراض، كما صرّح به شيخنا المرتضى- (رحمه اللّه)- وفاقا لما حكاه عن العلّامة في المنتهى و التحرير و حاشية الشرائع و شرح المفاتيح و الرياض- خلافا للمحكي عن الشهيدين في الدروس و المسالك و الأردبيلي و صاحبي المدارك و الذخيرة (2)- تمسّكا بالعمومات المتضمّنة لوجوب الخمس في هذا النوع.

و فيه: أنّ العبرة بظاهر النصّ الخاصّ الدالّ على اعتبار النصاب.

اللّهمّ إلّا أن يمنع ظهور النصّ الخاصّ في ذلك، أو يقال: بأنّ ظهوره في ذلك ليس على وجه يعتدّ به في رفع اليد عن إطلاق الأدلّة.

و الأوجه: أن يقال: إنّ الإعراض المتخلّل في البين إن كان على وجه عدّ العود إليه في العرف عملا ابتدائيّا مستأنفا بحيث يكون فعله بعد الإعراض و قبله بمنزلة دفعات واقعة في أزمنة متباعدة من باب الاتّفاق من غير ارتباط بعضها ببعض، لوحظ كلّ فعل من أفعاله بحياله موضوعا مستقلّا.

و أمّا إن لم يكن كذلك، بل كان عوده اليه بمنزلة إعراضه عن إعراضه السابق، و الرجوع الى عمله، فهو بحكم ما لو لم يتحقّق بينهما إعراض في استفادة وجوب الخمس فيه عند بلوغ مجموعه النصاب من الخبر الخاصّ، فضلا عن العمومات الدالّة عليه.

____________

(1) ورد في النسخة الخطية و الطبعة الحجرية: بينهما، و الصحيح ما أثبتناه.

(2) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 524، و راجع: منتهى المطلب 1: 549، و تحرير الأحكام 1: 73، و رياض المسائل 1: 295- 296، و الدروس 1: 260، و مسالك الأفهام 1: 459، و مجمع الفائدة و البرهان 4: 296، و مدارك الأحكام 5: 367، و ذخيرة المعاد: 478.

33

هذا، مع إمكان أن يقال: إنّ انصرافه عن الدفعات المتباينة المستقلّة أيضا بدوي منشأه أنس الذهن، و انسباقه إلى الشي‌ء المستخرج من المعدن المجتمع عنده حتّى بلغ النصاب، فانصرافه عن الدفعات إنّما هو من حيث عدم اجتماع محصّلها لديه، و إلّا فلو فرض اجتماعه لديه و انضمام بعضه الى بعض، يشكل دعوى انصراف النصّ عنه، كما أنّه يشكل دعوى انصرافه الى ما استخرجه بالدفعات المتوالية غير المتخلّلة بالإعراض عند عدم اجتماع ما حصّله بها لديه، كما لو اتّخذ الملاحة مكسبا، فاستخرج من معدن الملح يوما فيوما على التدريج بمقدار ما يكفيه في مئونته و صرفه كذلك، فإنّ قوله- (عليه السلام)-: «ليس فيه شي‌ء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا» (1) منصرف عن مثل ذلك في بادئ الرأي، و لكن انصرافه عنه بحسب الظاهر بدويّ، و لذلك لم يلتفت إليه أحد من الأصحاب، و لم يعتبر الاجتماع شرطا في وجوب الخمس، فالقول بكفاية بلوغ المجموع النصاب مطلقا إن لم يكن أقوى فهو أحوط.

و هل يعتبر اتّحاد المعدن؟ قولان، أظهرهما: الأوّل، كما صرّح به شيخنا المرتضى (2)- (رحمه اللّه)- و قوّاه في الجواهر (3)؛ لظهور الصحيحة المتقدّمة (4) في المعدن الواحد.

و عن ظاهر غير واحد التوقّف في المسألة (5).

____________

(1) التهذيب 4: 138/ 391، الوسائل: الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الزكاة، الحديث 1.

(2) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 524.

(3) جواهر الكلام 16: 20.

(4) أي: صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر، التي تقدمت في ص 25.

(5) كما في كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 524.

34

و عن صريح كاشف الغطاء و ظاهر الدروس: عدم اعتبار هذا الشرط، و انضمام ما أخرجه من معدن الى الآخر في اعتبار النصاب (1).

نعم لا يعتبر اتّحاد ما أخرجه من معدن واحد بالنوع، فلو كان ما استخرج منه مشتملا على الذهب و الفضّة و النحاس و الرصاص مثلا، لوحظ قيمة المجموع بلا خلاف فيه على الظاهر عند القائلين باعتبار النصاب، بل في الجواهر احتمل رجوع قول من لم يعتبر اتّحاد المعدن الى هذا عدا كاشف الغطاء المصرّح بخلافه (2)، كما يحتمل أن يكون مرادهم فيما إذا كانت المعادن متقاربة في أرض واحدة على وجه عدّ المجموع بمنزلة الواحد، و اللّه العالم.

و لو اشترك جماعة في الاستخراج بحيث صار المحصّل مشتركا بينهم إذا بلغ نصيب كلّ منهم النصاب، فلا شبهة في وجوب الخمس عليهم.

و أمّا إذا لم يبلغ، ففي الجواهر حكى عن غير واحد التصريح بعدم الوجوب، و قال: بل لا أعرف من صرّح بخلافه، لكن قد يقال بظهور صحيح ابن أبي نصر السابق، بل و غيره من الأخبار بخلافه، كما اعترف به الشهيد في بيانه؛ و هو أحوط إن لم يكن أولى، بل قد يدّعى ظهور الصحيح المذكور في عدم اعتبار ذلك في المتعدّدين غير الشركاء أيضا و إن كان بعيدا جدّا إن لم يكن ممتنعا (3). انتهى.

و قال شيخنا المرتضى- (رحمه اللّه)-: و لو اشترك جماعة في الاستخراج بحيث صار المخرج مشتركا بينهم، فصرّح بعض باعتبار بلوغ نصيب كلّ‌

____________

(1) حكاه صاحب الجواهر فيها 16: 20 و راجع: كشف الغطاء: 360 و الدروس 1: 260.

(2) جواهر الكلام 16: 20.

(3) جواهر الكلام 16: 20 و راجع: البيان: 214.

35

منهم النصاب، و ظاهر الصحيحة: عدم اعتبار ذلك (1). انتهى.

أقول: دعوى ظهور الصحيحة في عدم اعتبار ذلك متّجهة لو لم نعتبر خصوصية الفاعل، و قلنا: بأنّ الاعتبار ببلوغ ما اخرج من المعدن من حيث هو عشرين دينارا من أيّ شخص حصل، و بأيّ كيفية تحقّق، فلا يتفاوت الحال حينئذ بين أن يكون المتعدّدون شركاء أم غير شركاء، بل و لا بين كون فعلهم في زمان واحد أو في أزمنة مختلفة، فإنّه يصدق على كلّ تقدير على ما أخرج من المعدن أنّه بلغ حدّ النصاب، و قد سمعت عن الجواهر أنّ إرادة هذا المعنى من الصحيحة بعيدة جدّا، بل ممتنعة، أي مقطوع العدم.

و كون العمل المجموع في صورة الشركة يعدّ عملا واحدا في العرف، بخلاف صورة استقلال كلّ منهم بعمله لا يصلح فارقا بين المقامين، فإنّ وحدة العمل لو سلّمنا انسباقها الى الذهن من النصّ فمنشأه انصراف الذهن إلى قيامه بفاعل واحد، و إلّا فلا انصراف جزما عند إرادة الأعمّ، كما لو وقع السؤال عمّا أخرجه آل فلان من المعدن، فأجيب:

بأنّه إذا كان ما أخرجوه بالغا حدّ النصاب، فالأظهر اعتبار بلوغ نصيب كلّ منهم النصاب، فإنّ المتبادر من الصحيحة- سؤالا و جوابا- بواسطة المناسبات المغروسة في الذهن ليس إلّا إرادة حكم ما يستفيده الشخص من المعدن مباشرة أو تسبيبا، فهي بمنزلة ما لو قال: سألته عمّا يستفيده الشخص من المعدن، و لو لا انسباق هذا المعنى الى الذهن من النصّ لا يكاد يسلم شي‌ء من الفروع المذكورة في المقام من النقوض الواردة عليه طردا أو عكسا ممّا لا يلتزم به أحد، كما لا يخفى على المتأمّل،

____________

(1) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 524.

36

فليتأمّل.

و هل الاستخراج من المعدن شرط في تعلّق الخمس بما اخرج منه، فلو أخرجه حيوان، و طرحه في مكان آخر، أو كان ذلك بجري السيل و نحوه، فاغتنمه أحد من ذلك المكان، فلا خمس عليه، أم لا يعتبر ذلك، بل العبرة بخروجه من المعدن و لو بفعل الحيوان و نحوه؟ وجهان، ربّما يؤيّد الأخير: تصريحهم بأنّه لو وجد شخص، المعدن في ملك غيره فأخرجه فهو للمالك، و عليه الخمس؛ فإنّ مقتضاه أن لا يكون لخصوصيّة المخرج مدخليّة في ذلك، و أنّ الاعتبار بكون الشي‌ء مأخوذا من المعدن و لو بسبب غير اختياري حاصل من غير المغتنم المكلّف بإعطاء الخمس.

و يؤيّده أيضا: ما عن الأكثر من أنّ العنبر المأخوذ من وجه الماء أو من الساحل معدن (1)، مع أنّ وجه الماء أو السّاحل بحسب الظاهر ليس معدنا للعنبر.

و لكن عن المحقّق الأردبيلي: المناقشة في هذا الحكم: بأنّ المتبادر من الأدلّة ما استخرج من معدنه لا مثل ذلك، إلّا أن يكون معدن العنبر وجه الماء (2).

و عن كاشف الغطاء التصريح بأنّه لو وجد شيئا من المعدن مطروحا في الصحراء فأخذه فلا خمس (3)، و هذا أوفق بما يقتضيه الجمود على ما ينسبق الى الذهن من ظواهر أدلّته.

و يمكن التفصيل بين ما لو كان بفعل غير المالك أو بهبوب الرياح‌

____________

(1) حكاه العاملي في مدارك الأحكام 5: 377، و البحراني في الحدائق الناضرة 12: 346، و كما في كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 524.

(2) حكاه الشيخ الأنصاري في كتاب الخمس: 524، و راجع: مجمع الفائدة و البرهان 4: 308.

(3) حكاه صاحب الجواهر فيها 16: 22، و راجع: كشف الغطاء: 360.

37

و جري السيل و نحوه بدعوى أنّ المتبادر من أدلّته إنّما هو وجوب الخمس فيما يستخرج من المعادن سواء ملكه المخرج أم لا، بأن كان أجيرا أو وكيلا أو فضوليّا أو غاصبا، غاية الأمر أنّ قراره على من دخل في ملكه بمقتضى المناسبة، فخصوصيّة الفاعل ملغاة لدى العرف فيما يفهمون من أدلّته، و لكن لا على وجه يتعدّى الى مثل السيل و هبوب الريح و نحوه.

ألا ترى أنّك لو راجعت وجدانك تجد الفرق بين ما استخرجه غير المالك إمّا فضوليّا أو غصبا أو بزعم أنّه ملكه، فانكشف خلافه، فدفع الحاصل الى المالك في استفادة حكمه من الأدلّة بشهادة العرف، و قضائهم بعدم مدخليّة خصوصيّة المالك في ذلك، و كون وجوب الخمس في مثل الفرض أولى، و بين ما لو أخذ السيل من المعدن شيئا فطرحه في مكان آخر، فإنّه موضوع آخر لدى العرف، أجنبيّ عمّا ينسبق الى الذهن من أدلّته.

و دعوى: أنّه لا فرق بين الصورتين لدى التأمّل؛ يمكن دفعها: بأنّ العبرة في مثل هذه الموارد بما يتفاهم عرفا من أدلّته، لا على التحقيق الناشئ من التأمّل في إلغاء الخصوصيّات التي يحتمل مدخليّتها في الحكم، و نحن نرى بالوجدان الفرق بين الصورتين في كون استفادة حكم إحداهما من الأدلّة أقرب من الأخرى، فالتفصيل بين الصورتين غير بعيد، بل يمكن الفرق بين مثل العنبر الذي جرت العادة باتّخاذه من وجه الماء أو من الساحل، و بين غيره ممّا يوجد على وجه الأرض من باب الاتّفاق بواسطة سيل و نحوه بدعوى: أنّ الأوّل بحكم المعدن في كون الأخذ منه لدى العرف مصداقا للأخذ من معدنه، بخلاف الثاني.

و لكنّك ستسمع الكلام في أنّ العنبر في حدّ ذاته هل هو من المعادن أم لا؟

38

ثمّ إنّه صرّح في المدارك و غيره أنّه لو أخرج خمس تراب المعدن لم يجزئه، لجواز اختلافه في الجوهر، و لو علم التساوي جاز (1). انتهى.

و أشكله في الجواهر: بظهور ذيل صحيحة زرارة السابقة في أوّل البحث في تعلّق الخمس بعد التصفية و ظهور الجوهر (2). انتهى.

و في الكتاب المنسوب الى شيخنا المرتضى- (رحمه اللّه)-: و الظاهر أنّ أوّل وقته بعد التصفية فيما يحتاج إليها؛ لظاهر صحيحة زرارة «ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفّى، الخمس» (3).

أقول: فعلى هذا لو نقله الى آخر ببيع أو صلح و نحوه قبل التصفية لا يجب الخمس على أحدهما.

أمّا على الأوّل: فلإخراجه عن ملكه قبل تعلّق الخمس به.

و أمّا على الثاني: فلانتقاله إليه بسائر الأسباب غير الموجبة للخمس، كما ربّما يشهد لعدم وجوبه على الثاني- مضافا الى ظهور الأدلّة في تعلّق الوجوب بالمستفيد من المعدن دون غيره- خصوص ما رواه في الوسائل عن الكليني عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن أبي عبد اللّه عن أبيه عمّن حدّثه عن عمرو بن أبي المقدام عن الحارث بن حصيرة الأزدي، قال:

وجد رجل ركازا على عهد أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، فابتاعه أبي منه بثلاثمائة درهم و مائة شاة متبع فلامته أمّي و قالت: أخذت هذه بثلاثمائة شاة أولادها مائة، و أنفسها مائة و ما في بطونها مائة، قال: فندم أبي فانطلق ليستقيله، فأبى عليه الرجل، فقال: خذ منّي عشر شياه، خذ‌

____________

(1) مدارك الأحكام 5: 368، و جواهر الكلام 16: 21.

(2) جواهر الكلام 16: 21.

(3) كتاب الخمس للشيخ الأنصاري: 559.

39

منّي عشرين شاة، فأعياه، فأخذ أبي الركاز، و أخرج منه قيمة ألف شاة، فأتاه الآخر فقال: خذ غنمك و ائتني ما شئت، فأبى، فعالجه فأعياه، فقال: لأضرّنّ بك؛ فاستعدى أمير المؤمنين- (عليه السلام)- على أبي، فلمّا قصّ أبي على أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أمره، قال لصاحب الركاز: «أدّ خمس ما أخذت، فإنّ الخمس عليك، فإنّك أنت الذي وجدت الركاز، و ليس على الآخر شي‌ء لأنّه إنّما أخذ ثمن غنمه» (1).

و عن الشيخ أنّه رواه بإسناده عن أحمد بن أبي عبد اللّه (2).

و المراد بالركاز الذي باعه الرجل- بحسب الظاهر- هو تراب المعدن قبل التصفية، و إلّا لم يكن يشتبه أمره، كما يشهد لذلك- مضافا الى ذلك- ما عن العلّامة في التذكرة و المنتهى (3) من نقل هذه القصّة عن الجمهور أنّهم رووا عن أبي الحارث المزني أنّه اشترى تراب معدن بمائة شاة متبع، فاستخرج منه ثمن ألف شاة، فقال له البائع: ردّ عليّ البيع، فقال: لا أفعل، فقال: لآتينّ عليّا- (عليه السلام)- فلأسعينّ بك، فأتى عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-، فقال: إنّ أبا الحارث أصاب معدنا؛ فأتاه عليّ- (عليه السلام)- فقال: «أين الركاز الذي أصبت» قال:

ما أصبت ركازا، إنّما أصابه هذا، فاشتريت منه بمائة شاة متبع، فقال له علي- (عليه السلام)-: «ما أرى الخمس إلّا عليك».

أقول: الضمير راجع الى البائع بشهادة ما عرفت.

____________

(1) الوسائل: الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1، و راجع: الكافي 5: 315/ 48.

(2) الوسائل: الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ذيل الحديث 1.

(3) حكاه صاحب الجواهر فيها 16: 21، قال فيها: مستشهدا له في الأخير- يعني منتهى المطلب- بما رواه الجمهور؛ الى آخره، و راجع: منتهى المطلب 1: 546.

40

و كيف كان، فالخبر المزبور كما يدلّ على عدم وجوب الخمس على المشتري، كذلك يدلّ على وجوبه على البائع و إن أخرجه عن ملكه قبل التصفية، كما يدلّ على ذلك أيضا جميع ما دلّ على تعلّق الخمس بالمعادن؛ فإنّ مفادها ثبوت الخمس في كلّ ما يغتنمه من المعادن سواء صفّاه المغتنم أم أخرجه عن ملكه قبل أن يصفّيه.

و أمّا قوله- (عليه السلام)- في صحيحة زرارة: «ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفّى الخمس» (1) فهو مسوق لبيان أنّ فيه خمس ما يخرج من حجارته مصفّى، لا أنّ أوّل وقته بعد التصفية، فكأنّه أريد ب‍ (المصفّى) ما يصفو له بعد وضع مقدار ما صرفه فيه من ماله.

و كيف كان، فلا ظهور له في إرادة أوّل وقت تعلّق الخمس؛ كي يكون مفاده اشتراط وجوب الخمس بالتصفية، و على تقدير تسليم ظهوره في ذلك فليس على وجه يصلح لتقييد سائر الأخبار؛ كما لا يخفى.

فظهر بما ذكرناه أنّ ما ذكره في المدارك و غيره من أنّه لو علم بتساويه في الجوهر، جاز له إخراج خمس التراب؛ ممّا لا ينبغي الاستشكال فيه.

و قال أيضا في المدارك: قال الشيخ- (رحمه اللّه)-: يمنع الذمّي من العمل في المعدن لنفسه، فإن خالف و أخرج شيئا، ملكه و أخرج خمسه؛ و لم يدلّ دليل على منع الذمّي من ذلك (2). انتهى.

و في الجواهر بعد نقل كلام صاحب المدارك قال: و هو كذلك‌

____________

(1) التهذيب 4: 122/ 347، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(2) مدارك الأحكام 5: 368، و راجع: الخلاف 2: 120، المسألة 144.

41

بالنّسبة الى غير ما كان في ملك الإمام من الأراضي الميتة و نحوها، أو المسلمين كالأراضي المفتوحة عنوة، و أمّا فيهما فقد يقال: بعدم ملكه أصلا، فضلا عن منعه فقط؛ لعدم العلم بتحقّق الإذن من الإمام لهم في الأوّل، و عدم كونه من المسلمين في الثاني، كما أنّه قد يقال ببقاء المعادن على الإباحة الأصليّة لسائر بني آدم نحو الحطب و الماء و إن كانت في الأراضي المذكورة، أو يقال بالفرق بين ما كان للإمام أو المسلمين، فيلتزم بعدم الملك في الثاني دون الأوّل؛ لعموم إذنه الحاصل من قوله [ (صلّى اللّه عليه و آله)]: (من أحيا أرضا ميتة فهي له) (1) أو يفرّق بين الذمّي و غيره: بإمكان التزام معاملة الذمّي لذمّته معاملة المسلمين في نحو ذلك دون غيره، لكن يتّجه على الأوّل- يعني القول بالإباحة الأصليّة الذي هو أوّل الأقوال المذكورة في مقام توجيه ملكيتهم- بل و على الأخير أيضا استثناء ذلك من إطلاق الحكم بملكيّة المعدن لمالك الأرض، بل لعلّه من اللازم في الجملة؛ للقطع بملك المحيز له من المسلمين إذا كان في الأرض المفتوحة عنوة، مع أنّها ملك لسائر المسلمين، و لعلّه لأنّه بنفسه في حكم الموات و إن كان في أرض معمورة منها بغرس أو زرع، و لتمام الكلام محلّ آخر (2). انتهى.

أقول: عدم العلم بإذن الإمام- (عليه السلام)- للذمّي إن كان موجبا للحكم بعدم صيرورة ما يستفيده من المعادن الواقعة في الأراضي الميتة و نحوها [ملكا له] (3) لكان حال المخالف أيضا حاله، بل أسوأ؛ فإنّه و إن‌

____________

(1) سنن أبي داود 3: 178/ 3073 و 3074، سنن الترمذي 3: 662/ 1378 و 664/ 1379، مسند أحمد 3: 338 و 381، و سنن البيهقي 6: 99 و 143.

(2) جواهر الكلام 16: 23- 24.

(3) زيادة يقتضيها السياق.

42

شمله بعض الأخبار النبويّة، كقوله- (صلّى اللّه عليه و آله)- فيما أرسل عنه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: (موتان الأرض للّه و رسوله ثم هي لكم منّي أيّها المسلمون) (1).

و لكنّ الأخبار المستفيضة الصادرة عن الأئمة- (عليهم السلام)-، الواردة في مقام التعريض على المخالفين إ في قصر الرخصة، و إباحة ما يتعلّق بهم من الأراضي و غيرها على شيعتهم.

و عموم قوله- (عليه السلام)-: (من أحيا أرضا ميتة فهي له) إنّما يجدي فيما لو أحيا أرضا مشتملة على معدن يتبعها في الملكيّة لا مطلقا، كما أنّه لو كان ملكيّة الأراضي المفتوحة عنوة للمسلمين مانعة عن ذلك، لاقتضى ذلك عدم دخوله في ملك المحيز مطلقا و إن كان هو أحدهم كما نبّه عليه في الجواهر (2).

فالحقّ الذي لا مجال للارتياب فيه: أنّ المعادن الواقعة في الأرض الموات، و كذا في الأراضي المفتوحة عنوة ممّا ليس مخصوصا بأشخاص خاصّة- سواء قلنا بأنّها من الأنفال أم لا- في حال غيبة الإمام (عجّل اللّه فرجه)، و عدم استيلائه على أمواله، حالها حال الماء و الكلاء الواقعين فيها في جواز الانتفاع بها و الأخذ منها على حسب ما جرت سيرة كافة الناس عليه في سائر الأعصار و الأمصار من غير أن يحوم حولها شائبة إنكار، كما أشار إليه في الجواهر في مبحث المعادن من كتاب إحياء الموات حيث قال:

المشهور نقلا و تحصيلا عن أنّ الناس فيها شرع سواء، بل قيل: قد‌

____________

(1) سنن البيهقي 6: 143 بتفاوت.

(2) جواهر الكلام 16: 23- 24.

43

يلوح من محكي المبسوط و السرائر نفي الخلاف فيه، مضافا الى السيرة المستمرّة في سائر الأعصار و الأمصار في زمان تسلّطهم و غيره على الأخذ منها بلا إذن حتّى ما كان منها في الموات الذي قد عرفت أنّه لهم، أو في المفتوحة عنوة التي هي للمسلمين؛ فإنّه و إن كان ينبغي أن يتبعهما فيكون ملكا للإمام في الأوّل، و للمسلمين في الثاني؛ لكونه من أجزاء الأرض المفروض كونه ملكا لهما، بل لو تجدّد فيها فكذلك أيضا، إلّا أنّ السيرة المزبورة المعاضدة للشهرة المذكورة، و لقوله تعالى «خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ» (1) و لشدّة حاجة الناس الى بعضها على وجه يتوقّف عليه معاشهم نحو الماء و النار و الكلاء.

و في خبر أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي- (عليه السلام)-:

لا يحلّ منع الملح و النار (2) و غير ذلك ممّا لا يخفى على السارد لأخبارهم يوجب الخروج عن ذلك (3). انتهى.

أقول: و ربّما يؤيّده أيضا الخبر العامي الذي يستدلّ به الأصحاب كثيرا ما في باب إحياء الموات: من سبق الى ما لم يسبق اليه مسلم فهو له (4).

و عن بعض كتب الأصحاب روايته: «فهو أحق به» (5) إذ المراد به- بحسب الظاهر- ما يعمّ المقام، و اللّه العالم.

____________

(1) سورة البقرة 2: 29.

(2) قرب الإسناد: 137/ 483، الوسائل: الباب 5 من كتاب إحياء الموات، الحديث 2.

(3) جواهر الكلام 38: 108، و راجع: المبسوط 3: 274، و السرائر 2: 383.

(4) سنن البيهقي 6: 142 و 10: 139.

(5) مستدرك الوسائل: الباب 1 من أبواب كتاب إحياء الموات، الحديث 4 و عوالي اللآلي 3: 480/ 4.

44

[الثالث الكنوز]

(الثالث) ممّا يجب فيه الخمس: (الكنوز) بلا خلاف فيه و لا إشكال، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه.

و يدلّ عليه- مضافا الى الإجماع، و عموم الآية (1) الشريفة، و بعض الروايات الواردة في تفسيرها، المتقدّمة في صدر المبحث، و لا سيّما في خصوص المقام الذي ورد في بعض الأخبار أنّه مورد لنزول الآية، مثل ما عن الصدوق بإسناده عن حماد بن عمرو، و أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن الصادق عن آبائه [ (عليهم السلام)] في وصيّة النبيّ لعلي- (عليهما السلام)- قال: يا علي إنّ عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الإسلام- الى أن قال- و وجد كنزا فأخرج منه الخمس و تصدّق به، فأنزل اللّه وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ (2) (3)- خصوص أخبار مستفيضة تقدّمت جملة منها في المعادن، و سيأتي بعضها في طيّ المبحث إن شاء اللّه.

ثمّ إنّه ربّما يطلق على الكنز اسم الركاز، كما في عبارات كثير من الأصحاب كالدروس (4) و محكي التذكرة و المنتهى (5).

و لكن صدق اسم الركاز على بعض المصاديق التي قد يشكّ في صدق اسم الكنز عليه ممّا سيأتي الكلام فيه أوضح، بل هو بإطلاقه قد يتناول‌

____________

(1) سورة الأنفال 8: 41.

(2) سورة الأنفال 8: 41.

(3) الفقيه 4: 264/ 823، الخصال: 312/ 90، الوسائل: الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(4) الدروس 1: 260.

(5) حكاه صاحب الجواهر فيها 16: 24، و راجع: تذكرة الفقهاء 5: 413، و منتهى المطلب 1: 546.

45

المعدن و نحوه ممّا لا يشكّ (1) في خروجه عن مسمّى الكنز، كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، قال: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان ركازا ففيه الخمس» (2) الحديث.

(و هو) أي الكنز على ما عرّفه جماعة كالمصنّف و غيره: (كلّ مال مذخور تحت الأرض.)

و المتبادر منه إرادة كونه عن قصد، فلا يتناول المال المستتر بالأرض لا عن قصد أو بقصد غير الادّخار، كحفظه في مدّة قليلة مثلا، كما صرّح بذلك الشهيد الثاني في المسالك و الروضة.

ففي الأوّل قال: يعتبر في الادّخار كونه مقصودا لتحقّق الكنز، فلا عبرة باستتار المال بالأرض بسبب الضياع، بل يلحق باللّقطة، و يعلم ذلك بالقرائن الحاليّة، كالوعاء (3).

و قال في الروضة في تعريف الكنز: هو المال المذخور تحت الأرض قصدا (4). انتهى.

و لكن حكي عن كاشف الغطاء أنّه لم يعتبر القصد فيه، بل فسّر الكنز الذي يجب فيه الخمس: بما كان من النقدين مذخورا بنفسه أو بفعل فاعل (5).

و لكنّك خبير بأنّ إطلاق المذخور على العاري عن القصد مبنيّ على ضرب من التوسّع، فلا يبعد أن يكون إطلاق اسم الكنز عليه أيضا من‌

____________

(1) في النسخة الخطية: لا شكّ.

(2) التهذيب 4: 122/ 347، الوسائل: الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(3) مسالك الأفهام 1: 460.

(4) الروضة البهية 2: 68.

(5) حكاه الشيخ الأنصاري في كتاب الخمس: 559 و راجع كشف الغطاء: 360.

46

هذا الباب.

فالإنصاف أنّ صدق اسم الكنز حقيقة على المال المستتر بالأرض بنفسه لا بفعل فاعل لا يخلو عن تأمّل و إن كان ربّما يساعد عليه العرف في بعض موارد استعمالاتهم، كقولهم: عثر فلان على كنز؛ فإنّهم لا يلتفتون في مثل هذا الإطلاق إلى كون ذلك الشي‌ء الذي عثر عليه ممّا كنزه إنسان لفاقته كما فسّر الكنز به في مجمع البحرين (1)، أو كونه مستترا في الأرض بنفسه، و لكن لا يبعد أن يكون هذا الإطلاق مبنيّا على التوسّع و عدم الالتفات إلى جهة قيامه بالفاعل.

و كيف كان، فإن سلّمنا صدق اسم الكنز على مثل الفرض حقيقة فهو و إلّا فهو بحكمه في تعلّق الخمس به، كما يدلّ عليه الصحيحة المتقدّمة (2) المصرّحة بأنّ كلّ ما كان ركازا الى آخره؛ إذ لا يتوقّف صدق اسم الركاز على القصد، و إلّا لما صدق على المعادن.

ثمّ إنّ المراد ب‍ «تحت الأرض» بحسب الظاهر ما يعمّ جوف الأبنية و السقوف؛ إذ لا خفاء في صدق اسم الكنز عليه بمقتضى وضعه و استعماله في المحاورات العرفيّة، و لذا لا ينسبق الى الذهن من مثل قول القائل: إنّ فلانا وجد كنزا؛ إلّا أنّه وجد مالا مذخورا في الأرض أعمّ من أن يكون تحت الأرض أو في بناء و نحوه.

فما عن كاشف الغطاء من منع جريان الحكم في مثله (3): لا يخلو عن نظر.

____________

(1) مجمع البحرين 4: 32 و فيه: لعاقبته؛ بدل لفاقته.

(2) تقدمت في ص 45.

(3) حكاه صاحب الجواهر فيها 16: 25، و راجع: كشف الغطاء: 360.

47

نعم هو متّجه في مثل المذخور تحت حطب أو بطن شجر أو خشبة و نحوها؛ فإنّه لا يطلق اسم الكنز على مثله عرفا، و لا أقلّ من انصراف إطلاقه عنه.

فما عن غير واحد من إيجاب الخمس في مثل هذه الفروض، بل فيما يوجد في جوف الدابة و بطن السمكة؛ محلّ نظر، بل منع؛ إذ لا وجه يعتدّ به له عدا ادّعاء تنقيح المناط الذي عهدته على مدّعيه، و اللّه العالم.

ثمّ إنّ ظاهر المتن و غيره- إن لم يكن صريحه كصريح غير واحد من العلماء و اللغويين ممّن تعرّض لتفسير الكنز- صدقه على كلّ مال مذخور في الأرض، فيثبت الحكم في الجميع؛ لعموم أدلّته.

و دعوى انصراف إطلاق الكنز الوارد في النصوص الى خصوص النقدين محلّ نظر، بل منع، خصوصا لو أريد بهما المسكوك.

فما عن كاشف الغطاء من تخصيصه موضوعا أو حكما بالنقدين، و أنّ ما عداهما يتبع حكم اللقطة (1)- وفاقا للمحكي عن ظاهر جماعة من القدماء حيث لم يذكروا غيرهما- ضعيف.

اللّهمّ إلّا أن يتمسّك لذلك بدليل خاصّ، كما في المستند، حيث استدلّ للاختصاص: بمفهوم صحيحة البزنطي عن أبي الحسن الرضا- (عليه السلام)- قال: سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: «ما يجب في مثله الزكاة ففيه الخمس ففيه الخمس» (2) فقال ما لفظه:

ظاهر إطلاق جماعة و صريح المحكي عن الاقتصاد و الوسيلة و التحرير و المنتهى و التذكرة و البيان و الدروس: عدم الفرق في وجوب الخمس بين‌

____________

(1) حكاه صاحب الجواهر فيها 16: 25، و راجع: كشف الغطاء: 360.

(2) الفقيه 2: 21/ 75، الوسائل: الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

48

أنواع الكنز من ذهب و فضة و نحاس و غيرها؛ لعموم الأدلّة.

و ظاهر الشيخ في النهاية و المبسوط و الجمل، و الحلّي في السرائر، و ابن سعيد في الجامع: الاختصاص بكنوز الذهب و الفضة.

و نسبه بعض من تأخّر إلى ظاهر الأكثر، و هو الأظهر؛ لمفهوم صحيحة البزنطي المتقدّمة.

و حمل مثله فيها على الأعمّ من العين و القيمة تجوّز لا دليل عليه. و به يخصّص عموم الأخبار، مع أنّه قد يتأمّل في إطلاق الكنز على غير الذهب و الفضّة أيضا (1). انتهى.

و أجيب عنه: بأنّ ظاهرها إرادة المقدار، كما اعترف به في الرياض (2)، بل ادّعى الاتّفاق على إرادة المقدار منه لا النوع (3).

و يؤيّد ذلك: ورود مرسلة بمضمونها صريحة في المقدار، و هي: ما عن المفيد في المقنعة، قال: سئل الرضا- (عليه السلام)- عن مقدار الكنز الذي يجب فيه الخمس، فقال: «ما يجب فيه الزكاة من ذلك ففيه الخمس، و ما لم يبلغ حدّ ما يجب فيه الزكاة فلا خمس فيه» (4).

أقول: المتبادر من إطلاق المثل إرادة المماثلة على الإطلاق أي في سائر الجهات التي لها دخل في موضوعيّة المثل لحكمه، لا مقدار ماليته الذي هو أمر اعتباري لا دخل له في حقيقة المثل و لا في حكمه، كما هو‌

____________

(1) مستند الشيعة 2: 74، و راجع: الاقتصاد: 283، و الوسيلة: 136، و تحرير الأحكام 1: 73، و منتهى المطلب 1: 547، و تذكرة الفقهاء 5: 417، المسألة 313، و البيان: 215، و الدروس 1: 260، و النهاية: 197، و المبسوط 1: 236، و الجمل و العقود (الرسائل العشر): 207، و السرائر 1: 488، و الجامع للشرائع: 148.

(2) رياض المسائل 1: 295.

(3) رياض المسائل 1: 295.

(4) المقنعة: 283، الوسائل: الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

49

مراد المجيب.

نعم ظاهره كون المماثلة في المقدار أيضا مقصودا بالتشبيه، و لكن مقدار نفس المثل الذي هو من مقوّمات موضوعيته لوجوب الزكاة، أعني كونه عشرين مثقالا إن كان ذهبا، و مائتي درهم إن كان فضّة، فإنّه من أظهر الجهات التي ينسبق الى الذهن من إطلاق المثل لا مقدار قيمته؛ فإنّه خارج عن منصرف التشبيه كغيره من الجهات الاعتباريّة التي لها دخل في تعلّق حكمه كحلول الحول، و كون مالكه متمكّنا من التصرّف فيه و نحوه.

اللّهم إلّا أن يدّعى ظهور السؤال في تعلّقه به من هذه الجهة، فيكون إطلاق المثل في الجواب حينئذ منزّلا عليه.

و لكنّه لا يخلو عن تأمّل، بل منع؛ إذ المتبادر من السؤال ليس إلّا تعلّقه بنفس ما يجب فيه الخمس من حيث هي لا من حيث القيمة، فيكون الجواب بمنزلة أن يقال: الخمس إنّما يجب في الكنز المماثل للموضوع الذي يتعلّق به وجوب الزكاة، و هذا ظاهر في إرادة المماثلة من سائر الجهات، لا المساواة في القيمة.

و أمّا ما في الرياض من دعوى اتّفاق الأصحاب على فهم المقدار منه لا النوع؛ فهو إنّما يجدي فيما لو كان فهمهم لذلك كاشفا عن قرينة داخليّة أو خارجيّة أرشدتهم اليه، و ما لم يحصل الجزم بذلك لا يكون فهمهم حجة على من لم يفهم منه ذلك.

هذا، مع أنّ منشأ هذه النسبة- بحسب الظاهر- ليس إلّا أنّ الأصحاب فهموا منه اعتبار النصاب، فزعم التنافي بينه و بين فهم المماثلة من حيث النوع.

و قد أشرنا الى عدم التنافي، و أنّ ظاهره المماثلة في المقدار، و لكنّ‌

50

المقدار المتقوّم بعين المثل لا بقيمته.

و أمّا المرسلة: فمع أنّ الغالب على الظنّ كونها نقلا لمضمون هذه الصحيحة على حسب ما فهمه المفيد، فلا تصلح صارفة لها عن ظاهرها، أنّه لا منافاة بينها و بين اعتبار المماثلة من حيث النوع؛ إذ لا دلالة فيها على ثبوت الخمس في كلّ كنز بلغ هذا الحدّ من أيّ نوع يكون كي يكون عمومه شاهدا على إرادته من حيث الماليّة لا من حيث الوزن الذي يبعد إرادته في سائر أنواع الكنوز.

فالإنصاف أنّ القول بالاختصاص أوفق بظاهر الصحيحة.

و لكن قد يشكل ذلك: بأنّ قضية إطلاق المثل اعتبار المماثلة مطلقا حتّى في اعتبار كونه مسكوكا، فإنّ كونه كذلك كبلوغه حدّ النصاب من الجهات الداخليّة المعتبرة في الموضوع الذي تجب فيه الزكاة، مع أنّ الالتزام به في ما يجب الخمس فيه لا يخلو عن إشكال؛ حيث إنّ القائلين بالاختصاص ظاهرهم، بل صريح بعضهم كالحليّ في السرائر (1): عدم الفرق بين المسكوك و غيره، فيشكل الالتزام باعتباره بعد عدم معروفيّة قائل به أو ندرته.

و هذا و إن لم يكن مانعا عن ظهوره في إرادة المماثلة من حيث النوع و القدر، فإنّهما في حدّ ذاتهما من أظهر الجهات التي يمكن إرادتهما من إطلاق المثل، بخلاف مقدار الماليّة التي هي صفة اعتباريّة، و لكنّه يوهن الاعتماد عليه في رفع اليد عمّا تقتضيه إطلاقات الأدلّة الواردة في الكنز، المعتضدة بالشهرة، و بعموم الغنيمة (2) و الفائدة (3) الواردتين في الكتاب‌

____________

(1) السرائر 1: 486.

(2) سورة الأنفال 8: 41.

(3) التهذيب 4: 141/ 398، الإستبصار 2: 60/ 198، الوسائل: الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

51

و السنّة، خصوصا بعد الالتفات إلى إرادة مقدار الماليّة من مثل هذا التعبير الواقع في هذه الصحيحة في صحيحته الأخرى الواردة في المعدن التي قد أشرنا- في ما سبق- إلى أنّ الغالب على الظنّ ورودها مع هذه الصحيحة في مجلس واحد، فيظنّ بذلك أنّ الملحوظ لديهم في هذا التشبيه لم يكن إلّا جهة الماليّة.

هذا كلّه، مع إمكان أن يدّعى أنّ المراد بالوجوب في قوله- (عليه السلام)-: «ما يجب في مثله الزكاة ففيه الخمس» (1) ليس الوجوب بمعناه المصطلح؛ كي يختصّ مورده بالنقدين، بل مطلق الثبوت و لو على سبيل الاستحباب، فيعمّ سائر أنواع الكنوز إذا بلغت حدّ النصاب حيث يتعلّق بمثله الزكاة في الجملة في ما لو كان متّخذا للتكسّب.

و ليس حمل الوجوب على إرادة هذا المعنى بأبعد من صرف المثل عن ظاهره بحمله على مجرّد المماثلة في الماليّة أو بحمله على المماثلة من حيث النوع و القدر المستلزم لارتكاب التخصيص في عمومات أدلّة الكنوز.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى انصراف ما يجب في مثله الزكاة عن مثل مال التجارة و لو على القول بوجوب الزكاة فيها حيث إنّها لا تتعلّق به من حيث هو، بل بشرط اتّخاذه للتكسّب، فينصرف عنه إطلاق اللفظ.

و لكنّه لا يخلو عن تأمّل.

و كيف كان، فالقول بوجوب الخمس في سائر أنواع الكنوز- كما هو المشهور- إن لم يكن أقوى فهو أحوط، و اللّه العالم.

و يعتبر فيه النصاب بلا خلاف فيه على الظاهر، بل عن غير واحد‌

____________

(1) الفقيه 2: 21/ 75، الوسائل: الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

52

دعوى الإجماع عليه، كما أنّه لا خلاف- على الظاهر- في أنّ نصابه بلوغه حدّا يجب في مثله الزكاة.

و ما حكاه في الجواهر عن الغنية من القول بأنّ نصابه بلوغ قيمته دينارا، مدّعيا عليه الإجماع بحسب الظاهر (1)؛ اشتباه نشأ من غلط النسخة المحكي عنها هذا القول، و إلّا فعبارة الغنية صريحة في خلافه، فإنّ صورتها هكذا:

و يعتبر في الكنوز بلوغ النصاب الذي تجب فيه الزكاة، و في المأخوذ بالخوض بلوغ قيمته دينارا فصاعدا بدليل الإجماع المتكرّر (2). انتهى.

فكأنّ النسخة التي عثر عليها صاحب الجواهر- (قدّس سرّه)- كانت مشتملة على السقط، و كيف كان فالأصل في هذا الحكم هو الصحيحة المزبورة.

و يشهد له أيضا: مرسلة المفيد المتقدّمة (3) التي هي نصّ في ذلك.

و لكن قد أشرنا إلى غلبة الظنّ بكونها نقلا لمضمون الصحيحة، لا رواية أخرى مستقلّة، فالعمدة هي تلك الصحيحة، و هي غير قاصرة عن إفادة المدّعى، أي: اشتراط بلوغ النصاب، كما تقدّمت الإشارة إليه.

و يؤيّده أيضا: فهم الأصحاب، و فتواهم، و نقل إجماعهم عليه، فهذا إجمالا ممّا لا شبهة فيه.

و لكن الشأن في تشخيص ما أريد بالمثل في الرواية، فإنّه ممّا يختلف‌

____________

(1) جواهر الكلام 16: 26.

(2) الغنية (الجوامع الفقهية): 507.

(3) تقدّمت في ص 48.

53

به الحدّ المزبور، لأنّه إن أريد بمثله ما يماثله على الإطلاق، فإن قيل باختصاصه بالنقدين إبقاء للفظ «المثل» و الوجوب على ظاهرهما، فنصاب كلّ منهما ما هو نصابه في باب الزكاة، كما هو واضح.

و إن قيل بالتعميم و صرف الوجوب عن ظاهره، و حمله على مطلق الثبوت مع إبقاء لفظ «المثل» على ظاهره من المماثلة الحقيقيّة من جميع الجهات، كما نفينا البعد عنه، فيتّجه ما حكي عن غير واحد (1)، بل لعلّه أشهر الأقوال- من التفصيل بين ما إذا كان من أحد النقدين، فيعتبر فيه بلوغ عينه نصابهما، و إن كان من غيرهما فبلوغ قيمته إمّا عشرين دينارا أو مائتي درهم كما هو الشأن في مثله على تقدير تعلّق الزكاة به كما تقرّر في زكاة مال التجارة.

و إن أريد بمثله قيمته، أي النقد الذي يقدّر به مقدار ماليّته، و يقع عوضا عنه غالبا في المعاملات، و يعدّ مثلا له في باب الغرامات من الدراهم و الدنانير المساوية له في مقدار الماليّة، فإطلاق المثل عليه إمّا لمماثلتهما في الماليّة أو لوقوعه تداركا له و بدلا عنه، فهو مثل حكميّ له، كما أنّ ما يشاركه ذاتا مثل حقيقيّ له.

و كيف كان، فمقتضى إطلاق النصّ على هذا التقدير بلوغ قيمته نصاب أحد النقدين من غير فرق بين كونه بنفسه من أحدهما أم لا، فلو كان سبعة دنانير أو ثمانية أو تسعة قيمتها مائتا درهم كما في هذه الأعصار، أو كان مائة درهم في زمان أو مكان قيمتها عشرون دينارا وجب فيه الخمس، فإنّه يصدق أنّه يجب في مثله الزكاة بالمعنى المزبور.

و دعوى أنّ الظاهر من المماثلة هو أن يبلغ ما كان من أحد النقدين‌

____________

(1) كما حكاه في الذخيرة ص 479 س 4 عن المنتهى و ارتضاه، و راجع المنتهى: 1/ 549.

54

نصابه و إن كان من غيرهما فتكفي قيمة أحدهما، فيصدق على عشرة دنانير أنّه لا يجب في مثله الزكاة، بخلاف مقدار من الحديد يسوي عشرة دنانير و مائتي درهم، مدفوعة: بأنّه إن أريد بالمثل مثله الذي هو عبارة عن النقد المساوي له في الماليّة، فلكلّ شي‌ء مثلان بهذا المعنى: أحدهما من جنس الدراهم، و الآخر من جنس الدنانير، ففي العشرة دنانير لا يجب في أحد مثليه الزكاة، و تجب في الآخر.

و كذا الحديد المفروض أنّه يسوي عشرة دنانير، كما أنّه لو فرض العشرة الدنانير مسكوكة بسكّة قديمة مرغوبة عند الناس بحيث بلغت قيمتها أمّا لجودة جوهرها أو لمرغوبيّة سكّتها عشرين دينارا يصدق أنّه يجب في مثلها الزكاة مطلقا، سواء قدّر مثلها بالدراهم أو الدنانير، كما أنّه ينعكس الأمر لو فرض عكسه، بأن وجد كنزا مشتملا على عشرين دينارا، و لكن لرداءة جوهره لا يسوى في هذا الزمان بهذه القيمة، و لا بمائتي درهم مثلا يصدق عليه أنّه ليس في مثله الزكاة.

و إن أريد مثله الحقيقي، ففي الحديد أيضا لا يصدق.

و بعبارة اخرى: أنّ لفظ «المثل» من الألفاظ المبهمة المحتاجة إلى التمييز، فقوله: ما يجب في مثله الزكاة إمّا أن يراد منه مثله عينا أو في الجملة أي مماثله إمّا من إحدى الجهتين أو مطلقا، أي من كلتا الجهتين، و أمّا إرادته عينا في بعض مصاديق الكنز، و قيمة في بعضها الآخر، كما هو مآل الاستظهار المزبور، فهو استعمال للفظ «المثل» في معنيين.

اللّهمّ إلّا أن يكون الكلام في مقام الإبهام و الإجمال، بأن يكون المقصود بيان أنّه يجب الخمس في الكنز الذي تجب الزكاة في شي‌ء من أمثاله الأعمّ من الحقيقيّة و الحكميّة على سبيل الإجمال، فلا ينافيه حينئذ‌