أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام و الرواة عنه‏ - ج1

- د. محمد هادي الأميني المزيد...
356 /
5

أصحاب الإمام أمير المؤمنين(ع)و الرواة عنه‏

إلهي ... أنت أكرم من أن تضيع من ربيته. أو تبعد من أدنيته. أو تشرّد من آويته.

أو تسلم إلى البلاء، من كفيته و رحمته.

إلهي ... ارزقني الشكر عند النعماء. و الصبر عند البلاء. و النصر على الأعداء.

إلهي ... أنت الذي تجيب عند الاضطرار دعوتي. و أنت الذي تنفس عند الغموم كربتي. و أنت الذي تأخذ لي من الأعداء بظلامتي.

إلهي ... أعطني خير السفر و الحضر، و القضاء و القدر، و خير من سبق في أم الكتاب، و خير الليل و النّهار.

إلهي ... اهدني في من هديت، و عافني في من عافيت، و اكفني في من كفيت، و قني شر ما قضيت، فإنّك تقضي و لا يقضى عليك‏

6

الإهداء

إلى ....

سيد الأمة ...

و أبي الأئمة ...

و خليفة النبيّ الأعظم بالحق ...

و حامل عب‏ء الولاية الكبرى ...

الإمام أمير المؤمنين ...

عليه صلوات اللّه و رحمته و بركاته و تسليماته.

سيدي أبا الحسن:

هذه بضاعتي المزجاة، و مجهودي الضئيل، و صحائف ولائي الخالص، أمنن عليّ بالقبول و الرضى، فرضاك منتهى الفوز، و غاية السؤال، و أقصى ما يطمح إليه في الدنيا و الآخرة:

عبدكم‏

محمد هادي الأميني‏

7

تقديم‏

تقدّم إليّ نفر من الإخوة، بطلب و اقتراح منبعث عن حسن ظنّهم و ثقتهم بي، و هو: وضع دراسة خاصة عن حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) ... أتناول فيها ناحية من نواحي شخصيّته، و أدرس فيها جانبا من جوانب العبقرية و العظمة المتركزة في وجود ذلك العملاق الذي لم تزل الحياة، و ما فيها من ملك، و دابّة خاضعة و خاشعة و مستسلمة أمام عظمته ... و ما زال البيان و القلم كليلا تجاه أداء حقّه، و إيفاء تبيانه بالشكل الواقعي ... فقابلت طلبهم بالشكر و التواضع المشفع بالاعتذار إليهم من قبول الاقتراح هذا، و النهوض بذلك العب‏ء العلمي، إذ يقعدني عنه قلة بضاعتي الثقافية، و يزهدني فيه قصر باعي في هذا المجال، لأنّ الموضوع يفتقر إلى بحث و استقصاء، و استيعاب طويل و طويل، و التأمل الدقيق في الفصول و الأبواب المختلفة المتكاملة، و الجوانب و الموضوعات المتعددة، و الوقوف و الإحاطة الكاملة بكافة جوانب العلوم، و المراجع بالإضافة إلى تطلبه العمر المديد، و العدة من الرجال.

أجل تكرّر الطلب و تجدّد الاقتراح، و أنا أقابله بالمعاذير على هذا النحو، و بشكل من الأشكال، لأنّني كلّما حاولت التفكير فيه و جنّدت الفكرة و العزيمة نحوه، و بذرت في ذاكرتي نواته، رجعت إلى الوراء، و تلاشت النواة قبل أن تنضج و يتكامل غرسها و سقيها، و قبل أن أضع على الورق عن البحث حرفا واحدا ... و ليس هذا بغريب لأنّ الكتابة عن شخصية الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ... لم تكن سهلة و سلسلة، كبقية الشخصيات و العباقرة فيتوفّر لكل أحد خوض جوانبه المتكاملة، لأنّه كما عبر عن نفسه بحق «ينحدر عنّي السّيل، و لا يرقى إليّ الطير».

8

فالجملة الأولى أوضحت رفعة منزلته (عليه السلام)، كأنّه في ذروة جبل، أو يفاع مشرف ينحدر السيل عنه إلى الوهاد، و الغيطان.

و الجملة الثانية تبيان لمنزلته (عليه السلام)، و هي أعظم و أعلى في الرّفعة و العلوّ من التي قبلها، لأنّ السيل ينحدر عن الرابية و الهضبة، و أما تعذر رقيّ الطير فربما يكون للقلال الشاهقة جدّا، بل ما هو أعلى من قلال الجبال، كأنّه يقول: إنّي لعلوّ منزلتي، و استطالة عبقريتي، كمن في السماء التي يستحيل أن يرقى الطير إليها، و تبلغ الفكرة البشرية كنهها، و تتوصّل إلى حقيقتها.

إنّ عدم استثمار النواة المغروسة في ذهني، و عجزها من التبلور في مراحل الغرس و التكامل، إن دلّ على شي‏ء فإنما يدلّ بوضوح على افتقاري إلى الحيوية البيانية، و ضعف المناعة الفكرية عندي، و التي هي الدوامة و المحور الأساسي الذي تجعل الفكرة تتبلور و تختمر، و تنضج و تتكامل، لذلك قابلت الاقتراح بالرد، و ضيق الوقت بيد أنّ الإخوة ألحت و تمادت في اقتراحها، و أبدلته إلى طلب آخر جديد، و هو وضع بحث عن مدرسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و عن أصحابه، و رواته، و السائرين في ركابه، بصورة عامة، من الشيعة و غيرهم، فيستوعب حياتهم بالشكل المتداول، فأحلت الموضوع إلى القرآن الكريم، و تفاءلت به فكانت الآية الشريفة: فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا* وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏ (1).

طويت المصحف الكريم، و رأيت الفكرة ترتسم في الذهن، و خطة الكتاب تأخذ محلها الكبير من الذاكرة، بحيث استوت ثم استوت، فبحول اللّه و قوته ...

حملت القلم، و غمسته في مداد بركة اللّه، و توفيقه، و وضعته على القرطاس فراح يسجل ركائز البحث، و يضع دعائم الموضوع، و يخط نقاط الفصول، فكان في جريه سلس القياد، سهل المأخذ، رغم المضائق و المفاوز التي انتابته بين حين و آخر، و لكن شاء اللّه سبحانه أن يبلغ الكتاب أجله، و يخرج للناس و يكون بين يدي القارئ النبيل.

____________

(1) سورة الشورى/ 36.

9

لقد أخرجت و جمعت حسب جهدي، و تتبعي، و تمحيصي، أصحاب و رواة أمير المؤمنين (عليه السلام)، من العامة و الخاصة، و ذكرتهم حسب الحروف مع توضيح نسبهم، و بيان عرض موجز عن جوانب حياتهم، و ولادتهم، و وفاتهم، و مقتلهم، و مآثرهم الفكرية و الاجتماعية و العقائدية ...

و لهذه الخصائص لم يكن الكتاب كبعض التآليف الصادرة في الآونة الأخيرة البعيدة عن ضوء التحقيق، و التتبع و الدراسة الرجالية إذ لا يوجد فيها بحث جامع و صورة كاملة عن حياة أصحاب و رواة إمام من الأئمة (عليهم السلام) ... و إنّما نجد الكاتب في تأليفه ذكر اسم الراوي فحسب و لم يتحقق في تأريخ ولادته و وفاته. ثم يردفه بقائمة طويلة و طويلة و مملة عن أسماء الكتب و الكراسات و الرسائل التافهة التي جاء اسم الراوي فيها ... فكان أشبه بسجلات النفوس و الإحصاء و بقوائم دور الطباعة و النشر في العالم. و حسب أنّ إيراد الكثير من أسماء المصادر و المراجع دليل على تتبع المؤلف و جهده العلمي و فضله ...؟.

و الواقع أنّ مدرسة التحقيق و التتبع، أصيبت بانتكاسة علمية في بعض البلاد العربية و في ايران بصورة خاصة ... فقد أصدرت دور الطباعة و النشر فيها مؤلفات محققة حسب مفهومها؟ و لم يجد القارئ عليها من متاعب التحقيق و جهود التتبع أي أثر غير كلمة (تحقيق) المودوعة أمام اسم طالب ..؟ أو رجل لا يمت للعلم و الأدب بصلة ..؟؟؟.

و أخير ذيلت كلّ ترجمة بالمآخذ، و المصادر التي ذكرت صاحب الترجمة، مع الإشارة إلى رقم الكتاب و مجلده، و صفحته، و كل ما ينفع الباحث و يفيد المحقق، و قد اعتمدت في جميع هذه المراحل، على أدق المصادر و أمهات المراجع العربية، و المعاجم في الحديث و الدراية و الرجال ... مع اليقين الصادق و الاعتراف بأنّ هناك عشرات الآلاف من أصحاب الإمام (عليه السلام)، و رواته الذين عفت الحوادث و الظروف السياسية، معالمهم و آثارهم و أسمائهم ... كما غطت سحب من النسيان و الإهمال عناوينهم، و ذهبت بهم و لم تبق لهم حتى صور حرفية استطرادية في التأريخ، تنطق بالدلالة على مزاياهم، و الإبانة و التوضيح عن ملامحهم و مآثرهم،

10

فكانت ظلامة بحقهم ... عليهم رحمة اللّه و صلواته و بركاته و تسليماته.

و حسبي من جهدي و عملي الشاق، أنّي تمكنت بحول اللّه تعالى ... قدر الطاقة و الاستطاعة جمع و تأليف أصحاب و رواة الإمام (عليه السلام)، في كتاب واحد، و كشف اللثام عن رجال، ما زالت أسماؤهم و عناوينهم مخبوتة، خدمة للحق، و الحقيقة، و التأريخ، و العلم.

و في النهاية أحمد اللّه سبحانه ... على أفضاله و توفيقاته و كرمه و هدايته ...

و أرجوه أن يجعل الكتاب هذا نافعا و مفيدا و باعثا لتأليف أفضل ... و يتقبله خالصا لوجهه ... و يوفقنا لما فيه السداد و الرشاد ... و يختم لي بخاتمة الخير و السعادة .... و هو من وراء القصد ...

محمد هادي الأميني‏

11

مدرسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ...

لم تكن مدرسة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ذات اتجاه و علم و ثقافة خاصة، كبقية المدارس و الجامعات العالمية العلمية، و إنّما كانت جامعة و حاوية لكافة العلوم و المعارف و الثقافات، في كافة المجالات و الاتجاهات، و الحقول المتجسدة في شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) ... ذلك العملاق الذي من أي باب قصدته و أتيته وجدته متفردا فيه، و نسيج وحده في كل مضمار، فقد نبغ في تاريخ البشرية على امتداد التأريخ، نوابغ يمتازون عن سائر أهل زمانهم، و كانوا يتفاوتون في نبوغهم و صفاتهم التي ميّزتهم عمن سواهم، سنة اللّه تعالى في خلقه و على كثرة النوابغ في الحياة لم تجتمع في واحد منهم جميع السمات، و القيم، و المثل الكاملة، كما لم تجتمع في واحد منهم محاسن الأضداد كما تجمعت في شخصية علي بن أبي طالب (عليه السلام) فكان نابغة الحياة و الخليقة و الإنسانية بحق، بعد أن تفرّد في صفاته الفاضلة، و مزاياه الرفيعة، و مثله العليا من غير إغراق و تعصب.

لذلك يعسر أو يمتنع على الإنسان مهما أوتي من قوة العلم، و الفكر، و حول البيان، و الفصاحة، و مهما أطال و مهما دقق أن يحيط بجميع ما فيها، و في ذاته الفذة من سمو و تميز على سائر النوابغ ... و مهما حاول الإنسان أن يحيط بجميع صفاته، قعد به العجز، و استولى عليه البهر، و تحكم فيه الضعف.

اشتهر بكل فضيلة من غير استثناء، و عرف بكل منقبة بحيث لم تبق منقبة لم يشتهر بها، و أخيرا كان كما قال النظام: «علي بن أبي طالب، محنة على‏

12

المتكلم: إن وفاه حقّه غلا، و إن بخسه حقّه أساء، و المنزلة الوسطى دقيقة الوزن، صعبة المرتقى، إلّا على الحاذق الدين».

و الواقع أننا لو درسنا الجانب العلمي و الفكري، من حياته (عليه السلام)، ألفيناه العالم، و المجتهد الربّاني المستجمع الذي يقول على ملإ من الناس و على أعواد المنابر: «سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض».

و من ذا الذي يجرأ من الناس أن يقول هذا الكلام في حشد من ألوف الخلق، و ما يؤمّنه أن يسأله سائل عن مسألة لا يكون عنده جوابها فيخجله فيها.

أجل لا يجرأ على هذا القول و الكلام، إلّا من كان واثقا من نفسه، بأنّ لديه جواب كلّ ما يسأل عنه ... ثم هل تنحصر المسألة في علم من العلوم، أو ناحية من النواحي، أو جانب من الجوانب، حتّى يجرأ أحد على هذا القول، إذا لم يكن مؤيّدا بالتأييد الإلهي، و واثقا من نفسه كلّ الوثوق بأنّه لا يغيب عنه جواب مسألة مهما أشكلت و دقت، فإنّ هذا لمقام يقصر العقل عن الإحاطة به، و يسأل و هو على المنبر عن مسافة ما بين المشرق و المغرب، فيجيب بأنّه مسيرة يوم للشمس ... و هو جواب إقناعيّ مركز علمي، أحسن ما يجاب به في مثل المقام.

و هذا إن دلّ على شي‏ء فإنّما يدلّ على أنّ عليّا (عليه السلام)، كان بحق الحبر الأعلم الربّاني، المؤيّد بالتأييد الإلهي فحسب، لا يجاريه و لا يشاركه فيه أحد، مهما أوتي من مناعة علمية جامعة، و حيوية ثقافية كاملة.

و لم يحدثنا التأريخ قبل أمير المؤمنين، و بعده من عرض نفسه لمعضلات المسائل، و كراديس الأسئلة و رفع عقيرته بجأش رابط بين الملإ العلمي بقوله سلوني ... إلّا صنوه الرّسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنّه كان كذلك يكثر من قوله: سلوني عما شئتم. و قوله سلوني ... سلوني ... و قوله سلوني، و لا تسألوني عن شي‏ء إلّا أنبأتكم به. فكما ورث أمير المؤمنين علمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ورث مكرمته هذه و غيرها، و هما صنوان في المكارم و المناقب، و القيم كلّها.

13

و الغريب أنّه ما تفوّه بهذا المقال أحد غير عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، إلّا و قد فضح، و وقع في ربيكة و ورطة و تلعثم، و أماط بيده القناع و الغطاء عن جهله المطبق.

و كيف لا يكون كذلك، و هو باب مدينة العلم ... علّمه النبيّ الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ألف باب من العلم، فاستنبط من كل باب ألف باب ... و في رواية أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علّمني ألف باب من العلم فتشعب لي من كل باب ألف باب.

و في رواية قال (عليه السلام)، و هو على منبر الكوفة و عليه مدرعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو متقلد بسيفه و متعمم بعمامته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فجلس على المنبر، و كشف عن بطنه فقال: سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّما بين الجوانح منّي علم جم، هذا سفط العلم هذا لعاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هذا ما زقّني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) زقا، زقا، فو اللّه لو ثنيت لي و سادة فجلست عليها، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم، و أهل الانجيل بإنجيلهم، حتّى ينطق اللّه التّوراة و الإنجيل، فيقولان: صدق عليّ قد أفتاكم بما أنزل فيّ، و أنتم تتلون الكتاب أ فلا تعقلون.

قال عبد اللّه بن مسعود: علماء الأرض ثلاثة، عالم بالشام، و عالم بالحجاز، و عالم بالعراق. فأما عالم الشام فهو أبو الدّرداء، و أما عالم أهل الحجاز فهو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و أما عالم العراق فأخ لكم (يعني به نفسه)، و عالم أهل العراق، و عالم أهل الشام، يحتاجان إلى عالم الحجاز، و عالم أهل الحجاز لا يحتاج إليهما (1).

و قد جاءت النصوص و الأخبار أنّه أعلم العلماء في كافة المجالات ... و أنّه (عليه السلام)، كان يربو بعلمه على جميع الصحابة، و كانوا يرجعون إليه في القضايا، و المهمات، و المشكلات بصورة عامة، و لا يرجع هو إلى أحد منهم في شي‏ء، و أنّ أول من اعترف و أقرّ به بالأعلمية نبيّ الإسلام (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بقوله: أعلم أمتي من بعدي عليّ بن أبي طالب.

____________

(1) الرياض النضرة 2/ 221.

14

و قال سعيد بن المسيب: لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني. إلّا عليّ ابن أبي طالب، و كان إذا سئل عن مسألة يكون فيها كالسكة المحماة، و يقول:

إذا المشكلات تصدّين لي* * * كشفت حقائقها بالنظر

فإن برقت في مخيل الصّو* * * اب عمياء لا يجتليها البصر

مقنعة بغيوب الأمور* * * وضعت عليها صحيح الفكر

لسانا كشقشقة الأرحبيّ* * * أو كالحسام اليماني الذكر

و قلبا إذا استنطقته الفنو* * * ن أبرّ عليها بواه درر

و لست بإمعة في الرّجا* * * ل يسائل هذا و ذا ما الخبر

و لكنّني مذرب الأصغرين* * * أبيّن مع ما مضى ما غبر (1)

قال ابن أبي الحديد: فأما فضائله (عليه السلام)، فإنّها قد بلغت من العظم و الجلالة و الانتشار و الاشتهار، مبلغا يسمح معه التعرّض لذكرها، و التصدي لتفصيلها، فصارت كما قال أبو العيناء، لعبيد اللّه بن يحيى بن خاقان- وزير المتوكل، و المعتمد- رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك، كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، و القمر الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر، فأيقنت أنّي حيث انتهى بي القول، منسوب إلى العجز، مقصّر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، و وكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.

و ما أقول في رجل، أقرّ له أعداؤه و خصومه، بالفضل و لم يمكنهم جحد مناقبه، و لا كتمان فضائله، إنّه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام، في شرق الأرض و غربها، و اجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره، و التحريض عليه، و وضع المعايب و المثالب له، و لعنوه على جميع المنابر، و توعدوا مادحيه، بل حبسوهم، و قتلوهم، و منعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، أو يرفع له ذكرا، حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلّا رفعة و سموّا، و كان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، و كلما كتم تضوّع نشره، و كالشمس لا تستر بالراح، و كضوء النهار، إن حجبت عنه عين واحدة، أدركته عيون كثيرة.

____________

(1) الغدير 6/ 194.

15

و ما أقول في رجل، تعزى إليه كل فضيلة، و تنتهي إليه كل فرقة، و تتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل و ينبوعها، و أبو عذرها و سابق مضمارها، و مجلّي حلبتها، كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ، و له اقتفى و على مثاله احتذى.

و قد عرفت أنّ أشرف العلوم، هو العلم الإلهي، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم، و معلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم، و من كلامه (عليه السلام) اقتبس و عنه نقل، و إليه انتهى، و منه ابتدأ.

و من العلوم: علم الفقه، و هو (عليه السلام) أصله و أساسه، و كلّ فقيه في الإسلام، فهو عيال عليه، و مستفيد من فقهه:

أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف، و محمد، و غيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة.

و أما الشافعي، فقرأ على محمد بن الحسن، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة.

و أما أحمد بن حنبل، فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه إلى أبي حنيفة.

و أبو حنيفة، قرأ على جعفر بن محمد (عليه السلام)، و قرأ جعفر على أبيه (عليه السلام)، و ينتهي الأمر إلى عليّ (عليه السلام).

و أما مالك بن أنس، فقرأ على ربيعة الرأي، و قرأ ربيعة على عكرمة، و قرأ عكرمة على عبد اللّه بن عباس، و قرأ عبد اللّه بن عباس على عليّ بن أبي طالب.

و إن شئت رددت إليه فقه الشافعي، بقراءته على مالك، كان لك ذلك فهؤلاء الفقهاء الأربعة.

و أما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر. و أيضا فإنّ فقهاء الصحابة كانوا، عمر بن الخطاب، و عبد اللّه بن عباس، و كلاهما أخذا عن علي (عليه السلام). أما ابن عباس فظاهر، و أما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه و على غيره من الصحابة. و قوله غير مرّة: لو لا عليّ لهلك عمر.

و قوله: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن. و قوله: لا يفتينّ أحد في المسجد

16

و عليّ حاضر. فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه.

و قد روت العامة و الخاصة، قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أقضاكم عليّ» و القضاء هو الفقه، فهو إذا أفقههم.

و روى الكل أيضا إنّه (عليه السلام) قال له- و قد بعثه إلى اليمن قاضيا-:

«اللهم اهد قلبه و ثبّت لسانه» قال: ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين‏ (1).

و هو (عليه السلام) الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر.

و هو الذي أفتى في الحامل الزانية (2).

و هو الذي قال في المنبرية (3): صار ثمنها تسعا. و هذه المسألة لو فكر الفرضي فيها فكرا طويلا، لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب، فما ظنك بمن قاله بديهة و اقتضبه ارتجالا.

و من العلوم: علم تفسير القرآن، و عنه أخذ و منه فرّع. و إذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك. لأنّ أكثره عنه، و عن عبد اللّه بن عباس، و قد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له، و انقطاعه إليه، و أنّه تلميذه و خريجه. و قيل له: أين علمك من علم ابن عمك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.

و من العلوم: علم النحو و العربية، و قد علم الناس كافة إنّه هو الذي ابتدعه، و أنشأه و أملى على أبي الأسود الدؤلي، جوامعه و أصوله، من جملتها: «الكلام كلّه ثلاثة أشياء: اسم، و فعل، و حرف». و من جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة، و نكرة، و تقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع، و النصب، و الجر، و الجزم، و هذا يكاد يلحق بالمعجزات، لأنّ القوة البشريّة لا تفي بهذا الحصر و لا تنهض بهذا الاستنباط.

____________

(1) الغدير 3/ 95.

(2) الغدير 6/ 94 و قد حدث مثل هذا لعمر بن الخطاب. و ص 110.

(3) سميت المنبريّة لأنّه سئل عنها و هو على المنبر. النهاية في غريب الحديث 3/ 139.

17

و إن رجعت إلى الخصائص الخلقية، و الفضائل النفسية، و الدينية، وجدته ابن جلاها و طلّاع ثناياها (1).

*** يطول بنا المقام في هذا الجانب وحده، لو تحرينا التحدث فيه بصورة وافية لافتقاره إلى صفحات و أوراق و مجلّدات، لوفور النصوص و الأدلة في هذا المجال، فهي كبقية جوانب شخصيته (عليه السلام)، خارجة عن قوّة التحدّث، و مناعة البيان الإنساني، و بعيدة التوصّل إلى نهايتها، و غورها و هذه ظاهرة متأصلة في ذات أمير المؤمنين (عليه السلام) و لا ترانا في حاجة إلى التدليل عليها، بعد أن وقف العالم خلال القرون المتطاولة منذ وفاة النبي الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تجاهه ذاهلا، و الها حائرا لم يتمكن أن يقول فيه كلمته الأخيرة، أو يصفه بالكلمة الخليقة بشأنه، لأنّ العقلية البشريّة قاصرة عن معرفة ذاته، و التوصل إلى كنهه، و الوقوف على طبيعته المختمرة بالقيم الخلقية، و الخصائص النفسية، و المثل الإنسانية المتكاملة التي لم يشاهدها العالم في غيره، بعد الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد استدل بهذا حين عبّر عن نفسه بقوله الصادق المصدّق: «ينحدر عنّي السّيل و لا يرقى إليّ الطّير».

و الواقع أنّ شخصية الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، خليقة بكلّ تقديس و تعظيم و تكريم، و جديرة بالخضوع و الخشوع و المحبة و الإخلاص، و الولاء و المودّة، لكونه أمة بمفرده، يمتاز بخلقه و أخلاقه، و علومه، و معارفه، و شجاعته، و حكمته، و بسالته، و صبره، و نضاله، و شهامته، و فتوّته، و إخلاصه، و سياسته، و عدله، و إحسانه، و عبادته، و زهده، و شفقته، و برّه، و حسن تربيته، و سخائه، و جوده، و سماحه، و تواضعه، و حلمه، و صفحه، و فصاحته، و بلاغته، و حكمه، و جهاده في سبيل اللّه، و دعواته، و مناجاته، و قراءته القرآن، و اشتغاله به، و بأجوائه و آفاقه، و بجوانبه الخلقية، فقد كان في كافة هذه الخصائص و السجايا، الإمام المتبع فعله، و الرئيس المقتفى أثره ... و لم يعهد العالم وجود سجية واحدة منها عند واحد من الصحابة و التابعين على كثرتهم، غير ذات أمير المؤمنين‏

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 1/ 16- 20.

18

(عليه السلام) ... المستجمع لكافة السمات و السجايا.

و لو فرضنا أنّ اللّه سبحانه، لم يكن يودع في وجوده أسرار الإمامة، و ودائع الخلافة الإلهية، و لم يعهد إليه مقاليد الحكومة الإسلامية، بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بصورة مباشرة ... لكان أيضا جديرا بالتقديس و التعظيم حيث منح للحياة بخطبه، و كتبه، و رسائله، و كلماته، علما جما، و حكمة بالغة، و تبيانا زاخرا ... بالإضافة إلى أن أطلع على الدنيا بأبناء كانوا، الأئمة الدعاة، و القادة الهداة، و السادة الولاة، و الذادة الحماة، و أهل الذكر، و أولي الأمر، و بقية اللّه، و خيرته، و حزبه، و عيبة علمه، و حجته، و صراطه، و نوره، و برهانه ... يملئون الحياة قسطا و عدلا، و يبثون و ينشرون في أرجائها المترامية، و أجوائها البسيطة المديدة، و آفاقها البعيدة النائية، مثل النور، و الشعاع، و الجمال، و الحق، و الخير، و الحنان، و الإحسان.

هؤلاء السؤدد الكرام من ذريّة محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أبناء عليّ (عليه السلام) المنتجبين المصطفين الأخيار الذين وجدهم اللّه سبحانه أجدر نفر يتحملون من اللّه رسالة الإمامة، و أمانة الخلافة الإلهية ... فيقوم كل واحد منهم برسالته فلما انقضت مدّته أودعها للّذي بعده، حسبما يريده اللّه تعالى، و كما يشاء الخالق ... بعد أن صفّاهم و اصطفاهم من خلقه، فساروا في معارج الأصلاب الشامخة، و تناقلوا في الأرحام الطاهرة المطهرة، لم تنجسهم الجاهلية بأنجاسها، و لم تلبسهم من مدلهمات ثيابها، حتى انتهوا إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

أولئك النفر البيض الخيرة الذين أبدعهم اللّه تعالى لدينه ليكونوا قادة خير، و أئمة هداة، يعملون به و يدعون إليه، و ينشرون مفاهيمه، و يبثون أضواءه، فلا تجد فضيلة من فضائل الحياة، و لا سجية من سجايا الطبيعة، و لا تكامل من القيم، و المثل في العقيدة، و المبدأ، و الحمية، و النجدة، و الفكر، و الإصلاح، و الصلاح، و الخير، إلّا و كانوا مفاتيحها، و أبوابها، و أعلامها و الأدلاء عليها ....

و ما زالوا الركيزة، و الدعامة الأساسية في التوجيه، و الفطنة، و سلامة الضمير، و طهارة الذات و الدوامة التي تعول عليها الدنيا، و قطب رحى الحق، و الخير الذي‏

19

يدفع الإنسان إلى مراقيه الجسام.

و الواقع الذي لا غضاضة فيه، أنّ كل واحد من الأئمة الهداة، جامعة بذاته، و مدرسة فكريّة متكاملة بشخصه، فتحوا للبشريّة أبواب العلم و مناهل المعرفة، و سبل الحكمة و المعرفة، و عبّدوا لها طرق الخير و السداد، و مهيع الصراط المستقيم، فاتجهت نحوهم الإنسانية، و قصدتهم البشريّة، و تحولت نحوهم الطوائف و الملل، و حضروا مجالسهم الفكرية، و ارتشفوا من مناهلهم العلمية المتواصلة السرمدية التي لن تنضب إلى الأبد، و ستبقى يانعة متدفقة قويّة جديدة ما دامت الإنسانية إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها.

لقد أخذ و تعلم من أمير المؤمنين، و من أولاده الأئمة الهداة عليهم الصلوات و السلام ... الآلاف من الصحابة و التابعين، و الجهابذة و الأئمة من السلف خلال القرون الثلاثة الإسلامية الأولى، و فتحوا أبوابهم على مصراعيها لطلاب العلم، و الحديث، و التشريع الإسلامي، رغم المضايقات السياسية الأموية، و العباسية، و تحكم أئمة الجور و الفساد و البغي، و استيلائهم على الحواضر الإسلامية، و إقامة عروشهم الواهية على أكتاف آل محمد، و أشلاء و جماجم المسلمين، فكانت أدوارهم و عهودهم، محكومة بالجور، و الإرهاب، و الإرهاص، و النفي، و التشريد، و القتل. و كان آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يواجهون تلك المصاعب، و يلاقون تلكم الشدائد، بقلوب مطمئنة و معتقدة بما وعد اللّه الصابرين. فبعين اللّه ما كابدت الأمة الإسلامية، و ما أصيب آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الذين هم بحق حملة العلم، و أمانة الإمامة، و مبلغو و دعاة رسالات الإسلام.

لقد شاهد أئمة الهداة، تلكم الظروف الراهنة، و الحكم الرّعون في حياتهم، أو أخذ عنها من أبيه صورة واقعية بعد حدوثها، و تحدّث إليه عن تلك العهود المظلمة الظالمة المحاطة بالرقابة، و المحن القائمة على الاتهامات، و التخرصات التي اختلقت ضدهم، من قبل خصوم آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و شيعتهم، و هم في الوقت نفسه يشاهدون بين آونة و أخرى مطاردة أبناء الشيعة، و نفي رجالات الأمة، و زجهم إلى السجون، و أخيرا مصارع و استشهاد عيون الطائفة من قبل ولاة أضاعوا الحق،

20

و الحقيقة، و النبأ العظيم، و ظلموا العترة الطاهرة، و الشيعة و الأمة، و اتبعوا الشهوات، و نفوسهم الأمارة بالسوء، و أعلنوا العداء و الخصم لآل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و من هنا يمكن القول بصراحة أنّ التحكم السياسي لعب دورا فعالا في سيطرته على نظام التأريخ الصحيح، و مسيره و مصيره، فانتزع حريّته في أداء أمانته، و هذا مما جعل التأريخ غير متمكن من أداء واجبه على الوجه الصحيح، لأنّه فقد حريته و استقلاله، و التوت به الأهواء و الطرق، فأصبح يسجل بمداد غيره، و يعمل بغير يده، و يفعل بعمل المسيطرين الحاكمين عليه لا بفعله هو.

و مهما يكن من أمر، فالحديث ذو شجون و شجون ... لأنّ العهود الزمنية التي عاشتها الأئمة الهداة عهود إعياء و محن و شدائد، و مصائب و نفي و تشريد، و لكن رغم كلّ هذه البسابس و الظلامات، و الإرهاصات، فقد خلف أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثروة علمية، و مناعة فكرية، و حيوية ثقافية، و خرّجت الآلاف من الصحابة و التابعين، و رجالات العلم، و الحديث، و أنجبت خيرة العلماء، و المفكرين، و صفوة الأدباء و الشعراء، و جهابذة الفقهاء، و الرواية، و الدراية، و الخطابة، و الفصاحة، و النحو.

إنّ مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ... كانت جامعة إسلامية و مصدرا خصبا للعلم، و ينبوعا مترعا، و منهلا فياضا يفيض على الأفكار و القلوب صنوف العلوم، و المعارف الإسلامية، و أغدقت على الحياة بحيويّتها الفكرية، و مناعتها العلمية، منذ عهد الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و في كافة العصور، فازدهر بها العلم، و أخصبت بها القيم و المثل و التعاليم الخالدة، و أينعت و أتت بخيراتها، فاتجهت الشعوب و الأمم على انتهالها، و قطافها، و التمتع، و التفكه بها، على ما هم عليه من تباين جنسياتهم، و اختلاف ألوانهم، و معتقداتهم، لأنّ العلم مشاع للجميع من دون استثناء و تمييز، و يحق لكل فرد الأخذ منه.

و الواقع أنّ جامعة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، الفكرية قد أنجبت خيرة الرجال، و صفوة العلماء، و جهابذة الفتوة، و السياسة، و الاجتماع، و الأخلاق، و الأدب، و النحو، و البلاغة ... فإذا كانت هناك حقيقة يجب أن تقال، فهي: إنّ‏

21

الحضارة العلمية الإسلامية، و الفكر العربي، مدينان لتلك المدرسة بالرقيّ و النموّ، و التطوّر، و الخلود ... و لعميدها و بانيها، و واضع لبنتها الأولى ... الذي كان و لم يزل باب مدينة علم الرسول الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأنّها كانت تحمل في منهجها، و برامجها الاستقلال الرّوحيّ النبويّ ... و المجد العلميّ العلويّ ... و التراث الفكريّ الحيدريّ ... و ما برحت عن ذلك المنهج الثمين الخالد على امتداد التأريخ.

إنّ أصحاب، و رواة علي بن أبي طالب (عليه السلام) على اختلاف آرائهم، و ألوانهم، و جنسياتهم، و قومياتهم، كما ستقف على حياتهم، و تراجمهم، أكثر مما جاء في الكتاب الذي بين يديك، أو ما جاء في بقية المواضيع و الكتب المؤلفة بهذا الصدد، إذ يعسر على المتتبع، و يصعب على الباحث جمعهم و إحصاءهم مع الظروف القاسية التي انتابتهم، و لكنّك ستجد حملة حديثه، و علمه، و أصحابه، و مقاتليه، و فرسانه، و جنوده، و خواص أصحابه من الذين كانت لهم اليد الطولى في خوض المجالات العلمية و الاجتماعية و المعارك الطاحنة، و الأبعاد السياسية، و محاربة القاسطين، و المارقين، و الناكثين، و في مناظرة أهل المعتقدات الكاسدة، و الآراء الشاذة، و الدعاة الظالمة.

و لا شك أنّ الآخذين من أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الرواة عنه هم أكثر مما جاء في الكتاب، بيد أنّ الأحوال السياسية التي اجتازت الحواضر الإسلامية، جعلت الناس تبتعد، عن عليّ بن أبي طالب حبّا للسلامة، أو استسلاما لعوامل أخرى، و سيأتي فيما بعد ما له صلة بالموضوع، و دليل و حجة لصحة ما ذهبنا إليه، و ليس هذا بغريب، فالسلطات غير الشرعية، وقفت من آل محمد، و شيعتهم، و مدرستهم، موقف المخرّب العدو، اللدود، و الخصم الأرعن، و قاومتهم، و شجعت العناصر الخبيثة المناوئة لهم، و كلها خابت بالفشل، و خانهم النجاح، لأنّ اللّه سبحانه شاء أن لا تتمكن قوة أو سلطة أو حكومة من إخماد ذكرهم، أو إخفاء آثارهم، فكانوا في كل فترة، و عصر، و مرحلة، و دور، أئمة الهدى، و مصابيح الدجى، و أعلام التقى، و ذوو النهى، و أولو الحجى، و كهف الورى، و ورثة

22

الأنبياء، و المثل الأعلى، و الدعوة الحسنى، و حجج اللّه على أهل الدنيا و الآخرة و الأولى.

عدة أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و الرواة عنه:

من العسير جدا على الباحث حصر رواة و أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، في إطار عدد خاص، أو جعلهم تحت رقم محدّد، حتّى و لو بشكل تخميني، و ليس هذا بالنسبة للحروب و القتال يومذاك فحسب، و حتّى الضحايا و الجرحى في وقتنا الحاضر، لا يمكن تحديدها برقم معين، لتضارب الأقوال و تباين الإحصائيات فيها، فكل جانب من المتخاصمين، أو المتقاتلين في بياناتهما العسكرية، يبالغ و يسرف في عدد قتلى و جرحى الطرف المخاصم له، و يقلل من ضحاياه و قتلاه في الوقت نفسه، ليثبت بذلك انتصاره المحتوم، و عدّته، و مناعته، و الإتيان بما فيه تضعيف كيان خصمه، و تزلزله، و مقوماته، و أخيرا فشله و انتكاسه ... و هذه بالذات سنّة مطّردة سارت عليها الدول المتخاصمة على امتداد التأريخ إلى يومنا هذا.

و تتجلّى هذه الظاهرة، و التفاعل الواضح بصورة واضحة، لدى الجانب المندحر المتقهقر المنخذل، فتراه يتشدّق بادعاءات باطلة، و يتبجح بإعلامات فاشلة واهية، و يؤمم و يسد انتكاسه و فجوته عن هذا الطريق .... و خشية الإطالة نعود إلى صلب الحديث لأنّ البحث هذا لم يكن من الموضوعات الهينة التي يمكن اجتيازها بالاختصار و التلويح، أو الاقتناع بالتلميح و الإشارة، و إنّما هو موضوع يستأثر بوعاته، و يدعو إلى التوسع و الإفاضة التي تخرجنا من جادة البحث، سيما إذا كان الحديث عن طائفة، و عصابة، و فرقة، أصابتها ظلامات تأريخية، طغت على آثارهم، و غطت على مآثرهم، سحب من الدخان و الضّباب لإطفاء أنوارهم.

و مهما يكن من أمر فالتاريخ بظلاماته و ظلماته، عفى على آثار فتية مؤمنه موحدة، تقدمت للشهادة على اسم اللّه و بركته، و بذلت في سبيله مهجتها لتتفيّأ جنان غفرانه و تتقيل ظلال رضوانه ... قاتلت برحابة صدر، و بقلب مجند بالإيمان و مترع بالتوكل على اللّه ... شرذمة النفاق و العدوان التي أخذت على نفسها أن تستمرئ‏

23

الحياة الدنيا الفانية في إقامة أريكة و سلطان، لا يبالي الواحد منهم إن كان ضاحيا فيه لنار غضب الرّب، و مؤججا شرارة نقمته و لعنته.

و شتان بين الهدفين و الغايتين ... هدف كان اللّه تعالى في حياته، و جهاده، و نضاله، و صموده الأمل و الغاية ... و بين من اتخذ اللّه ذريعة، و وسيلة في حياته، و سلّما للوصول إلى دفة الملك و السلطان، و السيطرة و التحكم على المجتمع ...

فالخصمان اختصما في اللّه تعالى، و لكن جعله واحد منهما غاية و نهاية، و الآخر اتخذه واسطة لغاية الملك، مع اليقين و الاعتقاد بأنّ الموازنة بين الغايتين أو الهدفين، ما هي إلّا من أحداث التأريخ الظالمة، و مكاره هذه الدنيا التي لا انتهاء في مكارهها.

و حسبك من ظلمات و ظلامات الدنيا الحادة، ما صنعتها في حق رجل أقرّ له أعداؤه و خصومه بالفضل، و لم يمكنهم جحد مناقبه، و لا كتمان فضائله، فقد علم التأريخ أنّه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام، في شرق الأرض و غربها، و اجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره، و التحريض عليه، و وضع المعايب و المثالب له، و لعنوه على جميع المنابر، و توعدوا مادحيه، بل حبسوهم و قتلوهم، و منعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكرا، حتّى حظروا أن يسمّى أحد باسمه فما زاده ذلك إلّا رفعة و سموّا، و كان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، و كلما كتم تضوّع نشره، و كالشمس لا تستر بالراح، و كضوء النّهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة.

رجل تعزى إليه كل فضيلة، و تنتهي إليه كل فرقة، و تتجاذبه كلّ طائفة، فهو رئيس الفضائل و ينبوعها، و أبو عذرها و سابق مضمارها، و مجلّي حلبتها كلّ من بزغ فيها بعده فمنه أخذ و له اقتفى و على مثاله احتذى‏ (1).

و هكذا كانت الحالة مع أنصاره و أعوانه، و رجالاته و أصحابه، هذا من جهة، و من جهة أخرى أقام التأريخ و مصطنعوه لشرذمة لا شأن لهم، و لا مبرة في الحياة

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 1/ 16.

24

صروحا و هياكل، و نفخت باسمهم المزامير، و طبّلت بذكرهم الطبول، و انتحلوا لهم المآثر و المفاخر و أضاف إليهم الثناء و المدح، في غير وزن ... كما قذف رواة و رجال أمير المؤمنين (عليه السلام)، بكل شناعة، و اتهمهم بكل وقيعة، و رماهم بكل نكير، كما سنحدثك عنهم في الفصل القادم، لذلك تضاربت الآراء و تباينت الأقوال، و اختلفت الأقاويل، من المؤرخين حول عدد أصحاب، و رواة عليّ (عليه السلام) ... و إليك ما جاء في المراجع التأريخية بهذا الشأن:

قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: كتب إليّ السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد، و طلحة، قالا: كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف، نصفهم من أصحاب عليّ، و نصفهم من أصحاب عائشة، من الأزد ألفان، و من سائر اليمن خمسمائة، و من مضر ألفان، و خمسمائة من قيس، و خمسمائة من تميم، و ألف من بني ضبة، و خمسمائة من بكر بن وائل. و قيل: قتل من أهل البصرة في المعركة الأولى، خمسة آلاف و قتل من أهل البصرة في المعركة الثانية، خمسة آلاف فذلك عشرة آلاف قتيل من أهل البصرة، و من أهل الكوفة خمسة آلاف. قالا: و قتل من بني عدي، يومئذ سبعون شيخا كلّهم قد قرأ القرآن، سوى الشباب، و من لم يقرأ القرآن‏ (1).

و قال عزّ الدّين عليّ بن محمد بن الأثير: و كان جميع القتلى عشرة آلاف، نصفهم من أصحاب عليّ، و نصفهم من أصحاب عائشة (2).

و ليس في كتابيهما، ما يشير إلى عدد قتلى صفين، و النهروان.

و قال أبو الفضل نصر بن مزاحم بن سيار المنقري المتوفى 212 ه:

و أصيب يوم الوقعة العظمى، أكثر من ذلك، و أصيب فيها من أصحاب عليّ، ما بين السبعمائة إلى الألف.

و أصيب بصفين من أهل الشام، خمسة و أربعون ألفا.

و أصيب بها من أهل العراق، خمسة و عشرون ألفا.

____________

(1) تاريخ الطبري 5/ 222.

(2) الكامل في التاريخ 3/ 255.

25

و أصيب يوم النهروان على قنطرة البردان من المحكمة، خمسة آلاف.

و أصيب منهم ألف بالنخيلة بعد مصاب عليّ.

و أصيب من أصحاب عليّ، يوم النهروان ألف و ثلاثمائة (1).

و جاء في مرجع آخر ما لفظه: و كانت القتلى في حرب الجمل، خمسة عشر ألفا قتل من أهل البصرة في المعركة الأولى خمسة آلاف، و في المعركة الثانية مثلها، و قتل من أهل الكوفة، خمسة آلاف. و قيل: كان جميع القتلى عشرة آلاف، نصفهم من أصحاب عليّ، و نصفهم من أصحاب عائشة (2).

و قال ابن شهر اشوب الحلبي البغدادي المتوفى 588 ه (في حرب الجمل):

فكان مع أمير المؤمنين (عليه السلام) عشرون ألف رجل. منهم البدريون ثمانون رجلا. و ممن بايع تحت الشجرة، مائتان و خمسون. و من الصحابة ألف و خمسمائة رجل. و كانت عائشة في ثلاثين ألفا أو يزيدون، منها المكيون ستمائة رجل. قال قتادة: قتل يوم الجمل عشرون ألفا. و قال الكلبي: قتل من أصحاب عليّ ألف راجل، و سبعون فارسا (3).

و قال في حرب صفين: و كان يحمل عليهم مرة بعد مرة، و يدخل في غمارهم و يقول: اللّه اللّه في الحرم و الذرية، فكانوا يقاتلون أصحابهم بالجهل، فلما أصبح كان قتلى عسكره أربعة آلاف رجل، و قتلى عسكر معاوية اثنين و ثلاثين ألف رجل.

فصاحوا: يا معاوية هلكت العرب، فاستغاث هو بعمرو فأمره برفع المصاحف.

قال قتادة: قتلى يوم صفين، ستون ألفا. و قال ابن سيرين: سبعون ألفا، و هو المذكور في أنساب الأشراف. و صنعوا على كل قتيل قصبة ثم عدّوا القصب‏ (4).

____________

(1) وقعة صفين/ 558.

(2) أعيان الشيعة 3/ 54 ط عام 1400.

(3) المناقب 3/ 162.

(4) المناقب 3/ 181.

26

و قال عليّ بن محمد بن أحمد ابن الصباغ المالكي المتوفى 855 ه: إنّ عدة من قتل من أهل الجمل ستة عشرة ألفا، و سبعمائة، و تسعون رجلا، و كانت جملتهم ثلاثين ألفا. و إنّ عدة من قتل من أصحاب عليّ (عليه السلام) ألف و سبعون رجلا، و كانت عدّتهم عشرين ألفا (1).

و قال في حرب صفين، في مكان آخر من كتابه: فقتل من أصحاب عليّ خمسة و عشرون ألفا، منهم عمار بن ياسر (رضي اللّه عنه) و خمسة و عشرون بدريا، و كان عدة عسكره تسعون ألفا. و قتل من أصحاب معاوية خمس و أربعون ألفا، و كان عدّتهم مائة ألف و عشرون ألفا. و ذكر أنّهما أقاما بصفين مائة يوم و عشرة أيام، و كان بينهم سبعون وقعة (2).

هذا و لم يحفظ التأريخ لنا من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ...

المحاربين و المقاتلين في مشاهده من الجمل، و صفين، و النهر ... غير هذا النذر اليسير، من الأسماء المبثوثة على صفحات هذا الكتاب الذي تجده بين يديك، و لعلها كانت مدونة و مثبتة، و راحت إثر الحوادث، و العواصف الزمنية العاتية التي اجتاحت الوطن الإسلامي، فذهبت بكل قيمة الثقافية، و تراثه الفكري.

و مهما يكن من أمر فمن الواضح المعلوم، أنّ عدة القتلى من أصحاب عليّ (عليه السلام)، على أقل تخمين في الجمل، كانت خمسة آلاف، و في صفين، خمسة و عشرين ألفا، و ليس في مراجع التأريخ القديمة و الحديثة غير أسماء عدد يسير جدّا، و لعل المستقبل إن شاء اللّه يكشف لنا القناع عن أسماء رجال أخرى ... إلّا أنّ هناك سؤال يتبادر إلى الذهن و هو: إنّ عساكر أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما كان عليه من السابقة و القدم، في كافّة القيم و المثل و الصحابة و التابعين كانوا على معرفة تامة بكل جوانب هذا العملاق ... فلما ذا كانت جيوشه و عساكره أقل بكثير من عساكر معاوية، مع عرفان الناس أيضا بنفسية معاوية الجشعة الخبيثة الأموية، و بمسمع منهم أحاديث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في معاوية، و المتداولة في‏

____________

(1) الفصول المهمة/ 86.

(2) الفصول المهمة/ 100.

27

كتب الصحاح و السنن، و أخيرا مع اليقين الكامل لديهم أنّ في عليّ (عليه السلام) في جميع مراحل الحياة تتمثل الظلامة ... و في معاوية تتمثل الضلالة ... و أنّ الانتصار كان حليف عليّ (عليه السلام) في كافة المشاهد، تهيمن عليها النصر و الغلبة و الفوز لا في عهده فحسب، و إنما في العهد النبويّ أيضا ...؟

و الجواب إنّ قائد المبادئ، و العقيدة، و جنود الحق و الحقيقة في ساحات الجهاد، و النضال، لا يعتمدون على ذخائر و عدة من كثرة العدد و الجنود، أو مضاء السلاح، كما هو المتعارف المتداول من ذخائر الحرب، و المقاومة، و إنّما يعتمدون ذخائر و ركائز من جهة كثرة الإيمان، و وفور العقيدة و رسوخها، و مضاء الحيوية و مناعتها، فالمبدأ الذي يزود عساكره بحظّ و نصيب وافر، من هذه الذخائر يستطيع الصمود و الوقوف بوجه خصمه بمقدار حظه، و تزويده من هذا الزاد المعبّر عنه بالإيمان. و أكثر المبادئ حظّا و أوفاها نصيبا من ذخيرة الإيمان أحراها بالغلبة و النصر و الفوز، و التقدّم، و النجاح، و أجدرها في التاريخ، بالخلود، و البقاء، و الدوام، و الحياة.

و إلى هذا المعنى، تشير الآية الكريمة: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ‏ (1) ففقدان الفقه في الكفار، و بالمقابلة ثبوته في المؤمنين، هو الذي أوجب أن يعدل الواحد من العشرين من المؤمنين، أكثر من العشرة من المائتين من الذين كفروا، حتّى يغلب العشرون من هؤلاء المائتين من أولئك على ما بنى الحكم في الآية. فإنّ المؤمنين إنّما يقدمون فيما يقدمون في ساحات الجهاد، عن إيمان باللّه و بسلاح العقيدة. و هو القوة، و المناعة المعنويّة التي لا تعادله و لا تقاومه، و لا تشبهه أية قوة أخرى، لابتنائه و تركيزه على التفقه و الإدراك الصحيح الذي يوصفهم بكل سجية نفسانية، و قيم روحية فاضلة، كالشهامة، و الشجاعة، و البطولة، و المثابرة، و الإقدام، و الاستقامة، و الطمأنينة،

____________

(1) سورة الأنفال/ 65.

28

و الثقة باللّه الواحد الأحد، و اليقين بأنّه على إحدى الحسنيين إن قتل (بالضم) ففي الجنة، و إن قتل (بالفتح) ففي الجنة، و إنّ الموت بالمعنى الذي يراه أصحاب المادة، و المنبعثة من صميم المادة الدنيوية هو الفناء لا مصداق له.

لأنّ جماعة البصرة، و الشام، و النهروان ... كان اتكاؤهم على هوى النفس الأمارة بالسوء، و اعتمادهم على ظاهر ما يسوّله لهم الشيطان و أذنابه، و النفوس التي تعتمد على أهوائها لا تتفق للغاية، و لن ينتهي بها المطاف إلى النصر و الخلود و البقاء، و إن اتفقت في بعض الأحايين فإنّما تدوم عليه ما لم يلح لائح الفناء و الموت الذي تراه فناء. و ما أندر ما تثبت النفس على هواها حتّى حال ما تهدد بالموت، و هي على استقامة من الفكر، بل تميل بأدنى ريح مخالف، و خاصة في المخاوف العامة، و المهاول الشاملة، كما أثبته التأريخ من انهزام المشركين، يوم بدر و هم ألف بقتل سبعين منهم، و نسبة السبعين إلى الألف قريبة، من نسبة الواحد إلى أربعة عشر، فكان انهزامهم في معنى انهزام الأربعة عشر مقاتلا، من مقاتل واحد، و ليس ذلك إلّا لفقه المؤمنين الذي يستصحب العلم، و الإيمان، و جهل الكفار و الشياطين الذي يلازمه الكفر و الهوى.

و الخلاصة إنّ جنود العقيدة، جنود لا يعتمدون على ذخائر حربية، من ناحية كثرة العدد أو مضاء السلاح. و إنما يعتمدون على ذخائر من حيث وفور الإيمان، و مضاء الحيويّة، و في مغازي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حجة ظاهرة في تأييد هذا البحث ...

فهذه غزوة بدر غلب فيها المسلمون، و كانوا ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا، على ما كانوا عليه من رداءة الحال، و قلة العدة و السلاح، و القوّة، بينما نجد كفار قريش و هم يعدلون ثلاثة أمثال المسلمين أو يزيدون، على ما كانوا عليه من العزة و الشوكة و الاستعداد. ثم ما جرى على المسلمين في غزوة أحد، و في غزوة الخندق، و في غزوة خيبر، و غزوة حنين، و هي أعجبها، و قد ذكرها اللّه تعالى في القرآن كي لا يبقى لباحث ريبا فيها فقال: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ عَذَّبَ الَّذِينَ‏

29

كَفَرُوا وَ ذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ‏ (1).

لهذه العوامل الرئيسية النفسانية الخلاقة، الباعثة بدوافع الإيمان، نجد أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، على قلتهم كتب لهم بإذن اللّه تعالى، النصر، و الغلبة، و الفوز، و المضاء، و الحيوية، و الخلود ... و لجماعة معاوية، و جند عائشة، و الخوارج، على كثرة ذخائرهم الحربية، من ناحية النفوس و السلاح ... الخذلان، و الفشل، و الاندحار، و التقهقر، بحول اللّه و قوته ...

و حين لاحت لهم لوائح الفناء و الدمار، صاح العسكر بأجمعه، يا معاوية: هلكت العرب ... فالتجئوا إلى اصطناع مكيدة و خديعة تنجيهم من الهلكة و الورطة، فرفعوا المصاحف على الرماح، و نادوا ندعوكم لما فيها، و هذا حكم بيننا و بينكم.

و هنا يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، في خطبته الشريفة: «أ لم تقولوا عند رفعهم المصاحف حيلة و غيلة و مكرا و خديعة إخواننا، و أهل دعوتنا استقالونا، و استراحوا إلى كتاب اللّه سبحانه، فالرأي القبول منهم و التنفيس عنهم.

فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان، و باطنه عدوان، و أوّله رحمة، و آخره ندامة.

فأقيموا على شأنكم، و الزموا طريقتكم، و عضوا على الجهاد بنواجذكم. و لا تلتفتوا إلى ناعق نعق، إن أجيب أضل، و إن ترك ذلّ، و قد كانت هذه الفعلة، و قد رأيتكم أعطيتموها، و اللّه لئن أبيتها ما وجبت علي فريضتها، و لا حملني اللّه ذنبها. و و اللّه إن جئتها إنّي للمحق الذي يتبع، و إنّ الكتاب لمعي. و ما فارقته مذ صحبته. فلقد كنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و إنّ القتل ليدور على الآباء، و الإخوان، و القرابات، فما نزداد على كلّ مصيبة و شدة إلّا إيمانا و مضيّا على الحق، و تسليما للأمر، و صبرا على مضض الجراح. و لكنّا إنّما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ و الاعوجاج و الشبهة و التأويل ...)».

آراء رجال الحديث في رواة أمير المؤمنين (عليه السلام):

ذكر جميع العاملين في حقلي الرجال، و الدراية، منذ قدم هذا العلم ليومنا

____________

(1) سورة التوبة/ 25- 26.

30

هذا في مؤلفاتهم، الكثير من رواة الشيعة الذين حدثوا عن أئمتهم (عليهم السلام)، سواء في ذلك الشيعة و السنّة، بصورة عامة ... أما كتب رجال الشيعة فإنّ الرواة من الجانبين: العامة، و الخاصة، دونت فيها من غير قدح و جرح لأنّ نظرتهم بالنسبة للراوي كانت بمنظار الواقع و الحقيقة، بعيدا عن رواسب التعصب الأعمى، و الانحياز الطائفي، فإذا ما ذكروا محدّثا من السنة، و كانت شروط الصحة و التوثيق متوفرة فيه، تلقوه بالقبول و الثناء ... كما أنّهم إذا ذكروا راويا شيعيا، و لم تتوفّر لديه الشروط، عبّروا عنه بمجهول الحال، أو الضعيف و غيره، فهم يأخذون الرواة مهما كان اتجاههم و ميلهم و عقيدتهم بمقياس العقل و الواقع و بمنطق الحقيقة و الإدراك و التفهم.

أما رجال الحديث و الدراية من السنة، فكانت سيرتهم عكس ما سارت عليه رجال الحديث من الشيعة، فلم يكن نصيب رواة الشيعة منهم أقل من نصيب الأئمة الطاهرة (عليهم السلام)، أنفسهم من القدح، و الجرح، و التنكيل، و التشنيع، و النقد، و رميهم بالمناكير، و الغلو، و التشيع، و أخيرا ضربهم عرض الجدار بصورة باتة ... فلو سبرت كتب الرجال، و دققت البحث في محتوياتها يتضح ذلك بوضوح، سيّما مؤلفات نفر من المتطفلين على علم الرجال و الدراية، و الذين يعتبرون في الرعيل الأول من أئمة الرجال، فيتناولون أئمة الشيعة الاثنى عشرية، بالقدح و الذمّ، فكيف الحال بالنسبة إلى الرواة منهم، من غير ذكر أي دليل علمي على ذلك، كما هو شأن دعاة السوء، فذهب عليهم أو تجاهلوا أنّ التعصب البغيض و تباين العقيدة لا مكان له من العلم، و لا يفسد الواقع و الحقيقة، و لا يمكن له التسرب إلى أعماق العلم، لأنّ الأئمة الاثنى عشر (عليهم السلام)، أو الرواة من الصحابة و التابعين، بمثابة أسرة واحدة، يتناصرون في خدمة شرع اللّه سبحانه، يستفيد هذا مما عند ذاك، و ذاك مما عند هذا، حتّى تطور و نضج الفقه الإسلامي، و الشريعة الإلهية على أيديهم تمام النضج، بانصرافهم كل الانصراف إلى استقصاء ما ورد في السنة، قبل أن يدخلها الدخيل بعد القرون الفاضلة. و بإقبالهم أشد إقبال على تفهم ما في كتاب اللّه، و سنة رسوله، من المعاني السامية، و القيم النبيلة، و الغايات البعيدة، قبل أن تحدث في اللغة أطوار تبعدها عن المعاني التي كانت تفهم‏

31

منها عند التخاطب بها في عهد نزول الوحي.

و كان فضل اللّه عليهم عظيما حيث أعدهم لهذا العمل القويم، بقدر ما آتاهم اللّه من بالغ الذكاء، و قوة الحفظ، و حسن الخوض على المعاني، و بعد النظر في اجتلاء الحقائق من المكامن، و تمام الشغف بالفقه و التفقيه، و سرعة الخاطر، و جودة الإلقاء، و عذوبة البيان، و سعة ذات اليد، و الصحة الكاملة، و العافية الشاملة، و عظيم الإخلاص، مع قرب عهدهم من عهد النبيّ الأقدس ... و الرواة الذين كانوا بين كل واحد منهم، و بين الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بين الصحابة، لا يزيد عددهم في الغالب على راويين اثنين فقط. أو الرواية عن الإمام بصورة مباشرة.

غير أنّه من المؤسف جدّا، تسرب الحسد، و البغض، و الغضب، و الهفوات، و الشهوات، و الجهل، في البعض دون أن يعني بفضائلهم، و طهارتهم، و قدسيتهم، حرم التوفيق، و دخل في الغيبة، و النميمة، و حاد عن مهيع الحق، و الصراط المستقيم، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «دبّ إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد، و البغضاء».

هنا لا بد لنا من عرض نموذجين على سبيل المثال، عن بغض و حسد أصحاب الدراية و الرجال من السنة، و أقاويلهم المزيجة بالشحناء، بالنسبة إلى الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) ... و من ثم كلماتهم البذيئة، و تخرصاتهم اللاحقيقية، بالنسبة لا لرواة الشيعة بصورة عامة، و لكن بالنسبة للذين حدّثوا و رووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

1- قال محمد بن حبان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي المتوفى 354 ه، في كتاب المجروحين ما لفظه: (عليّ بن موسى الرّضا ... يروي عن أبيه العجائب، روى عنه أبو الصلت و غيره. كأنّه كان يهم و يخطئ، روى عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:

السبت لنا، و الأحد لشيعتنا، و الاثنين لبني أمية، و الثلاثاء لشيعتهم، و الأربعاء لبني‏

32

العباس، و الخميس لشيعتهم، و الجمعة للناس جميعا و ليس فيه سفر.

إلى أن قال: و مات عليّ بن موسى الرّضا، بطوس يوم السبت آخر يوم من سنة ثلاث و مائتين، و قد سمّ من ماء الرمان و أسقى قلبه المأمون.

ثم يتصدّى محقق الكتاب، الهزر، محمود إبراهيم زائد ... فيعلق في الهامش على قول ابن أبي حاتم فيقول:- علي بن موسى بن جعفر بن محمد الهاشمي العلوي الرضا، أحد الأئمة الاثنى عشر الذين تعتقد الرافضة عصمتهم، و وجوب طاعتهم. و لاه المأمون عهده، و عقد له الخلافة بعده، و لما مات شق قبر الرشيد بطوس و دفنه هناك تبركا به. قال ابن طاهر يأتي عن أبيه بعجائب، و يرى الذهبي أنّ الرجل قد كذب عليه فيما نسب إليه، فقال إنّما الشأن في ثبوت السند إليه و إلّا فالرجل قد كذب عليه، و وضع عليه نسخة سائرة. فما كذب على جده جعفر الصادق. فروى عنه أبو الصلت الهروي أحد المتهمين. و لعليّ بن مهدي القاضي عنه نسخة. و لأبي أحمد بن سليمان الطائي عنه نسخة كبيرة. و لداود بن سليمان القزويني عنه نسخة.

و أردف قوله في التعليق على كلام ابن حبان: «من أنّ المأمون سمّه من ماء الرمان»: أورد ابن حبان الخبر مقطوعا به و في اصطلاح علماء الحديث لا يقطع بخبر هذا القتل إلّا برؤية أو شهادة، و هو لا يملك من هذا سوى الظن، و إلّا فكيف ثبت لديه أنّ المأمون فعل ذلك أو أمر به- (1).

أ فرأيت من اتخذ إلهه هواه و أضلّه اللّه على علم و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد اللّه أ فلا تذكرون‏ (2).

أجل هكذا تهيمن الضبابة الأموية المقبورة، على ذات الأحمق، و تتحكم في وجود الجاهل الغبي، و تدفعه إلى أعماق الهاوية فيندفع إلى إنكار الواضحات، و الحقائق، و المسلمات، و طمس الواقع بجهله، و يتشدّق باصطلاح علماء

____________

(1) كتاب المجروحين 2/ 106.

(2) سورة الجاثية/ 23.

33

الحديث ... و هو المتطفل المخراص الذي لا يتعقل، من مفاهيم علماء الحديث أي شي‏ء.

أنا لا أتوخى الإجابة على تخرصات ابن أبي حاتم الأفغاني المخرّف ... فقد ألفناها منذ وفاة النبيّ الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سمعناها من أبواق الأمويين ... و وسائل إعلام العباسيين ... و مزامير الوهابية المحطمة ... و من حذى حذوهم من المتطفلين على موائدهم، و سار على نهجهم السقيم المنحرف المؤدّي إلى أسوإ المصير، و سوء العاقبة في الدنيا و الآخرة ... لأنّ مادة التقوّل، و الافتراء، و التهم، و الكذب، و الغضب، و الحسد، و البغض، و الشنار، و النميمة، و النفاق، و التشنيع، سائرة في جميع عروق و شرايين ابن أبي حاتم ... و من لف لفه من أعداء اللّه سبحانه، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و القرآن، و العترة الطاهرة (عليهم السلام). و خالطت كافة أجزاء وجودهم المادي العفن، بحيث تراهم لا يتفرغون إلى تأليف بحث أو دراسة موضوع، و كتاب إلّا لغرض الوقيعة بالشيعة و أئمتهم. لذلك لا يخلو كتاب لهم من التهريج على الشيعة، الأمة الإسلامية الحقة ... و سبهم و شتمهم و قذف أئمتهم الذين يعتبرون بحق الدعاة إلى اللّه، و الأدلاء على مرضاة اللّه، و المستقرّين في أمر اللّه، و التامّين في محبّة اللّه، و المخلصين في توحيد اللّه، و المظهرين لأمر اللّه، و نهيه، و عباده المكرمين الذين لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون.

إنّ الشيعة في كافة أدوار التأريخ السالفة و المستقبلة، لن تفكر و لم يدر بخلدها، أن تتقرّب إليهم العامة في يوم من أيام حياتهم، و أن يحبوا عليّا (عليه السلام) و الأئمة من ولده، و شيعتهم، و أصحابهم، لأنّ العمل هذا معناه اجتماع الضدين و النقيضين في مكان واحد، و هو محال و ممنوع، مهما دعا علماء السوء، و من ورائهم تلاميذ مدارس الأموية، و العباسية، و الوهابية إلى التقريب و الاتحاد، و الوحدة، بعد أن أنبأنا أمير المؤمنين (عليه السلام)، عنه قبل أربعة عشر قرنا فقال:

و الّذي فلق الحبة، و برأ النسمة، إنّه لعهد النبيّ الأميّ إليّ لا يحبني إلّا مؤمن، و لا يبغضني إلّا منافق. و قال (عليه السلام):

34

لو ضربت خيشوم المؤمن، بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، و لو صببت الدنيا بجماتها على المنافق على أن يحبني ما أحبني، و ذلك أنّه قضى فانقضى على لسان النبيّ الأمي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أنّه قال: «يا عليّ لا يبغضك مؤمن، و لا يحبك منافق».

قال ابن أبي الحديد، في شرحه: «و مراده (عليه السلام) من هذا الفصل، إذكار الناس ما قاله فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو: «لا يبغضك مؤمن و لا يحبك منافق» و هي كلمة حق، و ذلك لأنّ الإيمان و بغضه لا يجتمعان، لأنّ بغضه كبيرة، و صاحب الكبيرة عندنا لا يسمّى مؤمنا، و أما المنافق فهو الّذي يظهر الإسلام، و يبطن الكفر، و الكافر بعقيدته لا يحب عليّا (عليه السلام). لأنّ المراد من الخبر المحبة الدينية، و من لا يعتقد الإسلام لا يحب أحدا من أهل الإسلام لإسلامه، و جهاده في الدين، فقد بان أنّ الكلمة حق. و هذا الخبر مرويّ في الصحاح» (1).

أما تعليق المحقق المضحك ... الدال على جهله بالتأريخ، و كتب قومه، و قوله عن قتل الإمام الرّضا (عليه السلام)، على يد المأمون العباسي: (أورد ابن حبان مقطوعا به و في اصطلاح علماء الحديث لا يقطع بخبر هذا القتل إلّا برؤية أو شهادة، و هو لا يملك من هذا سوى الظن، و إلّا فكيف ثبت لديه أنّ المأمون فعل ذلك أو أمر به» ففي غاية السخافة و في منتهى الجهالة، لأنّ استشهاد الإمام الرّضا (عليه السلام) بسم المأمون، لم يكن بالظنّ الحاصل عند ابن أبي حاتم ... و إنّما هو اليقين الحاصل، و الصدق، و الواقع الذي تناقلته أئمة التأريخ، من المذاهب الأربعة، و أجمعت أقوالهم على قتله و ذلك سنة 203 ه، من دون استثناء.

فقال أبو الفرج عليّ بن الحسين الأموي الأصبهاني المتوفى 356: ذكر أنّ منصور بن بشير، قال: إنّ المأمون أمره أن يطوّل أظفاره ففعل، ثم أخرج إليه شيئا يشبه التمر الهندي، و قال له افركه، و اعجنه بيديك جميعا، ففعل.

ثم دخل على الرّضا، فقال له: ما خبرك؟ قال: أرجو أن أكون صالحا.

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 18/ 173.

35

فقال له: هل جاءك أحد من المترفقين اليوم؟ قال: لا، فغضب و صاح على غلمانه، و قال له: فخذ ماء الرمان اليوم، فإنّه مما لا يستغنى عنه. ثم دعا برمان، فأعطاه ابن بشير، و قال له: اعصر ماءه بيدك، ففعل، و سقاه المأمون الرّضا بيده فشربه، فكان ذلك سبب وفاته، و لم يلبث إلّا يومين حتّى مات‏ (1).

و جاء مثله في كتاب (مرآة الجنان) للإمام عبد اللّه بن أسعد اليافعي اليمني المكي المتوفى 768 ه، المجلد الثاني ص 12. و كتاب (الفصول المهمة) للإمام علي بن محمد بن أحمد بن الصباغ المالكي المكي المتوفى 855، ص 262.

و قال المؤرخ علي بن الحسين المسعودي المتوفى 346 ه، في كتاب (مروج الذهب) 4 ص 5: و في خلافته (المأمون) قبض عليّ بن موسى الرضا مسموما بطوس، و دفن هنالك و هو يومئذ ابن تسع و أربعين سنة و ستة أشهر-. و قال سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 ه، في كتابه (تذكرة الخواص) ص 355: فقدم إليه طبق فيه عنب مسموم، قد ادخلت فيه الأبر المسمومة، من غير أن يظهر أثرها فأكله فمات. و ذكره أيضا السيد الشبلنجي الشافعي في كتاب (نور الأبصار) ص 160، إلى غيره من المراجع التأريخية الهامة.

و هل بعد هذا مجال للظن، و قد رأينا التواتر في اصطلاح علماء الحديث-:

فأما الخبر المتواتر فهو ما يخبر به القوم الذين يبلغ عددهم حدا، يعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أنّ اتفاق الكذب منهم محال، و أنّ التواطؤ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذر، و أنّ ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس و الشبهة في مثله، و أنّ أسباب القهر و الغلبة و الأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم قطع على صدقه، و أوجب وقوع العلم و ضرورة.-

و الّذي ينبغي القول به هنا بالصراحة أنّ حملات و تخرّصات رجال الدراية و الحديث، من العامة على أمير المؤمنين (عليه السلام)، و على رواته، و أصحابه، و شيعته، وليدة الحسد فحسب لأنّ اللّه سبحانه آتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين،

____________

(1) مقاتل الطالبيين/ 377.

36

طأطأ كل شريف لشرفهم، و بخع كلّ متكبر لطاعتهم، و خضع كلّ جبار لفضلهم، و ذلّ كلّ شي‏ء لهم، و أشرقت الأرض بنورهم، و فاز الفائزون بولايتهم، بهم يسلك إلى الرضوان، و على من جحد و لا يتهم غضب الرحمن، كلامهم نور، و أمرهم رشد، و وصيتهم التقوى، و فعلهم الخير، و عادتهم الإحسان، و سجيّتهم الكرم، و شأنهم الحق، و الصدق، و الرفق، و قولهم حكم، و حتم، و رأيهم علم، و حلم، و حزم، إن ذكر الخير، كانوا أوله، و أصله، و فرعه، و معدنه، و مأواه، و منتهاه ... خلاف ما عليه أئمة العامة، و رواتهم لذلك راح الحسد يأكل في وجودهم، و تلتهب شرارته في نفوسهم، و ظهرت آثاره على فلتات ألسنتهم، و هو الشتم، و القدح، و البذاءة في القول‏ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ‏ (1) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ‏ (2) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها (3).

فالحسود لا يخلو لحظة عن الغم و الحزن، لأنّه يتألم و يحزن لكل نعمة يراها في غيره، و نعم اللّه تعالى غير متناهية لا تنقطع عن عباده الصالحين، فيدوم أسفه و كآبته، و حينئذ يعود عليه وبال حسده، و لا يضر المحسود شيئا، و إنّما يوجب ازدياد حسناته، و رفع درجاته من حيث إنّه يعيبه و يرميه، و يقذفه بما لا يجوز في مفهوم الشريعة، فيكون ظالما له و يحمل عليه من أوزاره و عصيانه، و تنتقل صالحات أعماله إلى صحيفته، فحسده لا يؤثر فيه إلّا الخير و النفع.

و من ناحية أخرى يكون في مقام محاربة اللّه سبحانه، و التعاند، و التخاصم مع خالق العباد، إذ هو الذي أفاض النّعم، و الخيرات، و الفضائل على البرايا، كما شاء و أراد، بمقتضى حكمته و مشيته، فحكمته البالغة الحقة أوجبت بقاء، و دوام النعمة على هذا العبد المحسود الّذي يعمل و يتشبث الحاسد المسكين لزوالها و إبادتها عنه، و هل هو إلّا سخط لقضاء اللّه في تفضيل بعض عباده على بعض،

____________

(1) سورة النساء/ 54.

(2) سورة البقرة/ 109.

(3) سورة آل عمران/ 120.

37

و توخي انقطاع فيوضات اللّه التي صدرت عنه بحسب حكمته و إرادته، عكس ما أراد اللّه على مقتضى مصلحته؟ و قد جاء عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّ اللّه قال لموسى بن عمران: يا ابن عمران، لا تحسدنّ الناس على ما آتيتهم من فضلي، و لا تمدّن عينيك إلى ذلك، و لا تتبعه نفسك فإنّ الحاسد ساخط لنعمي، صاد لقسمي الّذي قسمت بين عبادي، و من يك كذلك فلست منه و ليس منّي-.

و قد قيل من قبل: الحسود يأخذ نصيبه من غموم الناس، فينضاف إلى ذلك غمه بسرور الناس، فهو أبدا مغموم.

و الحساد يحسدون أكثر مما في الحسود، لأنّ بعضهم يظن عند المحسود ما لا يملك فيحسده عليه.

و مهما يكن من أمر فالتخرصات، و التهم، و السباب، و الجرح، و القدح، و أمثاله وليد الحسد، و ما هذا النزاع و التطاحن الدمويّ القائم بين العترة الطاهرة (عليهم السلام)، و بني هاشم ... و بين الأمويين، و العباسيين، و العامة على امتداد التأريخ، منذ وفاة الرسول المنقد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سيبقى إلى ما دامت الحياة ...

حاصل و تأتى من الحسد، و هذا قول يدعمه القرآن، و السنّة، و العقل، و ليست فيه أية مغضبة و لجاجة.

*** 2- أما بالنسبة لرواة الشيعة، و الذين حدّثوا بفضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنّ نصيبهم من القدح، و الجرح، و التشنيع، لم يكن بأقلّ من شأن أئمتهم أهل البيت (عليهم السلام)، فمعاجم الرجال، و كتب الحديث طافحة و مشحونة بأسماء رواة الشيعة الاثنى عشرية، يتلاحقهم القدح، و الافتراء، و التنكيل، و التنديد، بصورة عامة، و البلية الكبرى إذا ما كان الراوي حدّث بفضيلة أو منقبة أو مأثرة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في شأن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيرمى بالكذب، و الغلو، و الفسق، و النكران، إلى غيره من الكلمات الشنيعة التي يمجها العقل، و يأباها المنطق، و الوجدان و العرف السليم.

إنّ شنشنة القدح، و الافتراء، لم تكن محصورة في كتاب، و كتابين،

38

و ثلاث، و إنّما تجدها و تقرأها في كافة معاجم الرجال، و الحديث، و أدنى كلمة تطلق على الراوي (التشيع) فتسقطه من الاعتبار عندهم، و تقذفه في سلة المجروحين، و المتروكين، و الضعفاء، و المجهولين. فالتشيع في اصطلاحهم الطفل، و مفهومهم العفك، من الأمور التي تسقط الراوي من الاعتبار، و تطرح أحاديثه جانبا، و يوصف بالمناكير ... عكس ما إذا كان الراوي خمارا، أو فاسقا، أو منافقا، أو لواطا، أو مرابيا، أو قاتلا، أو فاسدا، أو مفسدا، أو كذابا، أو وضاعا، أو من المتربعين على موائد الظلمة، و حكام الجور، و أئمة الضلال ...

فهذه السمات لا تفسده و لا تأثر في صدقه، و لا تزلزل وثاقته في الضبط و العدالة، مع العلم أنّ الكثيرين منهم صححوا روايات الرجال مجهولين، متروكين، رموا بالوضع و سوء العقيدة، و الكذب متهمين بالوضع و فيهم من أقر على نفسه بذلك، و انتحاله أحاديث غيره، و هذا كله لا يضر بحال الراوي مثلما يفسده إذا حدّث بفضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فإنّه يجرح، و يبدع و يتهم و يكذب، و إن تيقن صحة حديثه و مطابقته للواقع و صدق ما أخبر به.

لهذا و لغيره من العوامل ذهب الكثير الكثير، من الأحاديث مع موت الرواة و المحدّثين، لأنّهم كانوا يخشون الرواية في المناقب و الفضائل، و هذا ما كان متعارفا وسائدا لدى الرواة، و منهم عبد الرزاق بن همام بن نافع الإمام الحميري، و أحد الذين أجمعت كلمة أئمة الحديث و الدراية، على أنّه في الرعيل الأول، من أعلام الثقات و كان خزانة علم ... فقال عنه الحافظ شمس الدين الذهبي في كتابه، إنّه كان يعلم أنّ من حدث بفضائل عليّ بن أبي طالب يجرح و يبدع، بل يتهم و يكذب.

فكان لا يحدث بها إلّا أهلها، و قد قال في حقه الذهبي: إنّه كان يعرف الأمور فلا يتجاسر أن يحدّث بها، فكان يسمي التحديث بفضائل عليّ (عليه السلام)، جسارة.

و قد وقع مثل هذا للحافظ أبي الأزهر النيسابوري المتوفى 263 ه، فإنّه لما حدّث عن عبد الرزاق بحديث في فضل عليّ (عليه السلام) أخبر يحيى بن معين بذلك، فبينما هو عنده في جماعة أهل الحديث، إذ قال يحيى بن معين: من هذا

39

الكذاب النيسابوري الّذي حدّث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر، فقال: هو ذا أنا، فتبسم يحيى بن معين، و قال: أما إنّك لست بكذاب، و لكن الذنب لغيرك في هذا الحديث. ثم سأله يحيى بن معين كيف خصّك عبد الرزاق، بهذا الحديث؟ فقال: إنّي خرجت مع عبد الرزاق إلى قريته فكنت معه في الطريق، فقال لي: يا أبا الأزهر أفيدك حديثا ما حدّثت به غيرك؟ قال: فحدثني بهذا الحديث، و الحديث عن ابن عباس قال: «نظر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى عليّ، فقال: يا عليّ أنت سيد في الدنيا، و سيد في الآخرة، حبيبك حبيبي، و حبيبي حبيب اللّه، و عدوّك عدوّي، و عدوّي عدوّ اللّه، و الويل لمن أبغضك بعدي» (1).

و بهذا الصدد يقول الإمام الحافظ أحمد بن محمد بن الصدّيق الحسني المغربي: إنّ الجرح بالتشيع، و ردّ الحديث به باطل، عقلا و نقلا:

أما الأول، فإنّ مدار صحة الحديث على أمرين لا ثالث لهما، و هما بالضبط و العدالة، فمن اتصف بهما وجب أن يكون خبره مقبولا، و حديثه صحيحا، لأنّ بالضبط يؤمن الخطأ و الخلل، و بالعدالة يؤمن الكذب و الاختلاق:

و الضبط: هو أن يكون الرّاوي حافظا متيقظا غير مغفل، و لا متهوّر، حتّى لا يحدث من حفظه المختل فيهم و لا من كتابه الّذي تطرّق إليه الخلل و هو لا يشعر.

و أما العدالة، فالمراد بها في الحقيقة هو صدق الراوي، و تجنبه للكذب في حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خاصة، لا لمطلق الكذب و لا لغيره من المعاصي، لأنّ العدالة تتجزأ فيكون الرجل عدلا في شي‏ء، و غير عدل في غيره، و المطلوب لصحة الحديث إنّما هو عدالته فيه، و أمانته في نقله إلّا أنّه لما كان هذا القدر لا يتحقق في العموم، و لا يمكن انضباطه و معرفته إلّا بملازمة التقوى، و اجتناب سائر المعاصي، اضطروا إلى اشتراط العدالة الكاملة التي عرّفوها بأنّها «ملكة تحمل على ملازمة التقوى، و اجتناب الأعمال السيئة، و خوارم المروءة» على خلاف في اشتراط الأخير، ثم انجرّ بهم هذا التوسّع إلى توسّع آخر، فصاروا يدخلون تحت كل من‏

____________

(1) ميزان الاعتدال 2/ 609.

40

هذه القيود، ما ليس منها كالتفرد و الركض على البرذون و كثرة الكلام، و البول قائما، و بيع الزيبق، و تولية أموال الأيتام، و القراءة بالألحان، و سماع آلة الطرب المختلف فيها، و التزيّي بزي الجند، و خدمة الملوك، و أخذ الأجرة على السماع، و الاشتغال بالرأي، و علم الكلام، و التصوف، و مصاحبة الزاقفة، و رواية الأحاديث المخالفة لهوى المجرح، أو موافقة المخالف له في بعض الفروع، و التطفل و إبدال صيغ الإجازة بصيغ الأخبار، و البدعة، و الخلاف في المعتقد، كالإرجاء، و القدر، و النصب، و التشيع، و غيرها من النحل، و هذا التوسع كاد ينسد معه باب العدالة، و ينعدم به مقبول الرواية خصوصا بالنسبة للشرط الأخير (التشيع) فإنّ غالب ما جاء بعد الصحابة من رواة السنة، و حملة الشريعة، في الصدر الأول، و الثاني، و الثالث كانوا من هذا القبيل، فلم يسلم من التعلق بأذيال نحلة من هذه النحل منهم إلّا القليل، غير أنّهم كانوا متفاوتين فيها بالوسط، و التغالي، و الإفراط، و الاعتدال، فمن كان غالبا في نحلته داعيا إليها عرف بها و اشتهر، و من كان متوسطا غير داعية لم يشتهر، فإذا جرح كل هؤلاء، و ردّت رواياتهم ذهبت جملة الآثار النبويّة، و كاد ينعدم معها المقبول بالكلية، كما قال ابن جرير، في جزء جمعه للذب عن عكرمة، مولى ابن عباس، لو كان كل من ادعى عليه مذهب من المذاهب الردية ثبت عليه ما ادعى فيه، و سقطت عدالته، و بطلت شهادته، بذلك للزم ترك أكثر محدّثي الأمصار لأنّه ما منهم إلّا و قد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه‏ (1).

و قال الذهبي، في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي، من الميزان‏ (2): هو شيعي جلد، لكنّه صدوق، قبلنا صدقه و عليه بدعته، و قد وثقه أحمد بن حنبل، و ابن معين، و أبو حاتم، و أورده ابن عدي، و قال: كان غاليا في التشيع. و قال السعدي: زائغ مجاهر. فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع و حد الثقة العدالة و الإتقان، فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة؟

و جوابه: إنّ البدعة على ضربين، فبدعة صغرى، كغلوّ التشيع، أو كالتشيع‏

____________

(1) فتح الملك العليّ/ 83.

(2) ميزان الاعتدال 1/ 5.

41

بلا غلو، و لا تحرق، فهذا كثير في التابعين مع الدين، و الورع، و الصدق، فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة الآثار النبويّة، و هذه مفسدة بينة، انتهى كلام الذهبي.

و إيضاح المقام: إنّ رد الحر إنّما هو لكونه كذبا في حدّ ذاته لا لشي‏ء آخر مضاف إلى الكذب، كما أنّ قبوله إنّما هو لصدقه في حدّ ذاته لا لشي‏ء آخر مضاف إلى الصّدق، فلو حدّث الثقة السنيّ بالكذب فهو مردود عليه، و اتصافه بالعدالة، و السنية لا يصيّر كذبه صدقا، كما أنّ الكذاب المبتدع إذا حدّث بالصدق فخبره مقبول، و اتصافه بالكذاب، و البدعة لا يصيّر صدقه كذبا، بل ذلك محال عقلا إلّا أنّه لما كان الوقوف على الحقيقة فيهما متعذرا في الغالب، وجب الاكتفاء فيهما بالظن، و هو يحصل باتصاف الراوي بالصدق، أو اتصافه بالكذب، فمن اتصف بالصدق حتّى عرف به حصل الظن بصدق خبره و من اتصف بالكذب، و تكرّر منه حصل الظن بكذب خبره، و لما كان الباعث على اجتناب الكذب، هو خوف اللّه تعالى، بامتثال أوامره، و اجتناب نواهيه كان ذلك الظن لا يحصل غالبا إلّا بمن هذه صفته، لأنّ من ليس له خوف يحجزه عن المحارم، قد يجترئ على الكذب في الحديث كما اجترأ على غيره فلا يحصل ظن الصدق بخبره، و إن كان هو في نفسه قد لا يجترئ على خصوص الكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلذلك اشترطت العدالة التي هي ملازمة التقوى، الحاجزة بين المرء و سائر المخالفات، و لما كان الكذب قد يحصل عن وهم و خطأ كما يحصل عن قصد و تعمد، أضيف إلى العدالة الضبط ليحصل به ظن انتفاء الكذب عن وهم و خطأ، كما حصل بها ظن انتفائه عن قصد و تعمد، أما اعتقاد الراوي أنّ الأعمال غير داخلة في مسمّى الإيمان، أو أنّ الأمور لا تجري بقدر من اللّه تعالى، أو أنّ عليا أفضل من أبي بكر، و عمر، و أحق بالخلافة منهما، أو أنّه إمام جور و ظلم أو غير ذلك من المعتقدات فلا يحصل بشي‏ء منها ظن صدق الخبر، و لا عدمه فاشتراط نفيها في قبول الخبر ظاهر البطلان.

و أما اشتراط كونه روى ما لا يؤيد بدعته، فهو من دسائس النواصب التي دسوها بين أهل الحديث، ليتوصلوا بها إلى إبطال كل ما ورد في فضل عليّ (عليه السلام)، و ذلك أنّهم جعلوا آية تشيع الراوي و علامة بدعته، هو روايته فضائل عليّ‏

42

(عليه السلام)، ثم قرروا أنّ كل ما يرويه المبتدع مما فيه تأييد لبدعته، فهو مردود، و لو كان من الثقات، و الذي فيه تأييد التشيع في نظرهم، هو فضل عليّ و تفضيله فينتج من هذا أن لا يصح في فضله حديث، كما صرّح به بعض من رفع جلباب الحياء عن وجهه، من غلاة النواصب كابن تيمية، و أضرابه، و لذلك تراهم عند ما يضيق بهم هذا المخرج، و لا يجدون توصلا منه إلى الطعن في حديث لتواتره أو وجوده في الصحيحين، يميلون به إلى مسلك آخر، و هو التأويل و صرف اللفظ عن ظاهره، كما فعل حريز بن عثمان في حديث «أنت مني بمنزلة هارون من موسى».

و كما فعل ابن تيمية في أكثر ما صح من فضائله بالنسبة إلى اعترافه.

ثم قال بعد صفحات:- كون الحديث في فضل عليّ، و راويه متهم بالتشيع بل مجرد كون الحديث في الفضائل، من أكبر أسباب الطعن عندهم في الرواة، و لو لم يتهموا بتشيع فإنّ من روى ذلك لا يتوقفون في طعنه، و لا يتورعون عن جرحه، و لو كان أوثق الثقات و أعدل العدول، و قد تقدم عن أبي زرعة، أنّه قال: كم من خلق افتضحوا بهذا الحديث، يعني أنّ كل من حدّث به يحكمون عليه بالضعف، و لو كان معروفا عندهم أنّه ثقة، فدليل الضعف هو التحديث بفضل عليّ (عليه السلام)، حتّى أنّهم ضعفوا به جماعة من الحفاظ المشاهير، و رموهم بالرفض و التشيع، كمحمد بن جرير الطبري، تكلّموا فيه لتصحيحه حديث الموالاة، و الحاكم صاحب المستدرك لتصحيحه فيه حديث الطير، و حديث الموالاة، و الحافظ ابن السقاء، لإملائه حديث الطير، و وثبوا إليه ساعة الإملاء، و أقاموه و غسلوا موضعه، و الحافظ الحسكاني، لتصحيحه حديث ردّ الشمس، و الحافظ ابن المظفر لتأليفه في فضائل العباس، و إبراهيم بن عبد العزيز بن الضحاك، لكونه أملى مجالس في فضائل أبي بكر، و عمر رضي اللّه عنهما، فلما فرغ قال نبدأ بعليّ، أو بعثمان؟ فتفرّقوا عنه، و ضعفوه، مع أنّ المسألة خلافية لا تستوجب ذلك، كما قال الذهبي، بل نسبوا الدار قطني إلى التشيع، و ما أبعده منه لحفظه ديوان السيد الحميري، بل تكلموا في الشافعي، و نسبوه إلى التشيع لموافقته الشيعة في مسائل فرعية أصابوا فيها، و لم يبدعوا، كالجهر بالبسملة، و القنوت في الصبح، و التختم في اليمين، و موالاته لأهل البيت، و قد أشار هو رضي اللّه عنه إلى ذلك في أبياته المشهورة.

43

و ضعفوا المسعودي، و حكموا بتشيعه لقوله في مروج الذهب: و الأشياء التي استحق بها أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الفضل هي السبق إلى الإيمان، و الهجرة، و النصرة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و القربى منه، و القناعة و بذل النفس له، و العلم بالكتاب و التنزيل، و الجهاد في سبيل اللّه، و الورع، و الزهد، و القضاء، و الحكم، و العلم، و كل ذلك لعليّ (عليه السلام) منه النصيب الأوفر، و الحظ الأكبر، إلى ما ينفرد به من المؤاخاة، و الموالاة، و المنزلة (1) إلخ. مع أنّ كل ما قاله حق لا شك فيه.

و ضعفوا برواية حديث الطير، خلائق منهم: إبراهيم بن باب البصري.

و أحمد بن سعيد بن فرقد الجدي. و حماد بن يحيى بن المختار. و إبراهيم بن ثابت القصار. و إسماعيل بن سليمان الرازي. و الحسن بن عبد اللّه الثقفي. و حمزة بن خراش. و دينار أبو مكيس. و سليمان بن حجاج. و عبد اللّه بن زياد أبو العلاء.

و عمران بن وهب الطائي. و محمد بن أحمد بن عياض. و محمد بن سليم. و محمد بن شعيب. و ميمون بن جابر أو خلف، و غيرهم. و قد أورد هؤلاء الذهبي، و ضعفهم تبعا و استقلالا بحديث الطير، مع اعترافه بثبوته في التذكرة، و ضعفوا بحديث الباب جماعة أيضا: منهم أحمد بن عمران بن سلمة. و أحمد بن سلمة الكوفي.

و أحمد بن عبد اللّه بن يزيد. و إسماعيل بن محمد بن يوسف. و سعيد بن عقبة.

و جعفر بن محمد الفقيه. و عثمان بن عبد اللّه الأموي. و عمر بن إسماعيل بن مجالد. و محفوظ بن بحر الأنطاكي. و يحيى بن بشار الكندي. و آخرين.

و ضعفوا بحديث الشمس، و غيره أمما لا تحصى، كالحسن بن محمد بن يحيى. و إسماعيل بن إياس بن عفيف. و صالح بن أبي الأسود الكوفي. و مالك بن مالك. و محمد بن سليم الوراق. و محمد بن الحسن الأزدي. و محمد بن الخطيب الأنطاكي. و جعفر بن محمد العوسجي. و محمد بن المظفر. و مسعر بن يحيى.

و يحيى بن إبراهيم السلماسي. و محمد بن عليّ بن النعمان. و هو الذي وقعت له مناظرة مع أبي حنيفة، إذ قال له كالمنكر عليه: عمن رويت حديث ردّ الشمس‏

____________

(1) مروج الذهب 2/ 39 ط بولاق.

44

لعليّ؟ فقال عمن رويت أنت عنه يا سارية الجبل، فأفحمه. و إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ضعفه الذهبي، لروايته حديث الشمس و لم يتنبه الحافظ لذلك، فقال في تعجيل المنفعة: ذكره الذهبي في المغني، و لم يذكر لذكره فيه مستند (1) و تكلم يحيى بن معين، في الحافظ أبي الأزهر النيسابوري الثقة لروايته حديثا في الفضائل عن عبد الرزاق، كما سبق إلى غير هؤلاء ممن ضعفوهم، و ليس لهم على أكثرهم دليل سوى رواية الفضائل. و السبب في ذلك أن الرفض كان شائعا في عصورهم، فكانوا يتوهمون أن قبول مثل هذه الأحاديث فيه ترويج لبدعة الرفض، فيبالغون في الإنكار على من أتى بشي‏ء من ذلك، سدّا لهذا الباب مع أنّ الكثير منهم كان فيه أيضا بدعة النصب، فكان ينتقم لنحلته و هواه من حيث لا يشعر غيره ممن يظن به أنّه من أهل السنة فيقلده في ذلك‏ (2).

و قال الحافظ المغربي في موضع آخر من كتابه: «إنّ أئمة الحديث حكموا بابطال كل ما ورد في فضل عليّ (عليه السلام)، أو أكثره، و الحكم على من روى شيئا منه بالتشيّع، و الضعف، و النكارة، و لو بلغ الحديث مبلغ التواتر، بحيث من تتبع صنيعهم في ذلك رأى العجب العجاب، و السبب فيه ما ذكره ابن قتيبة في كتابه في،- الردّ على الجهمية- فقال: و قد رأيت هؤلاء أيضا حين رأوا غلوّ الرافضة في حق عليّ، و تقديمه، و ادّعائهم له شركة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في نبوّته، و علم الغيب للأئمة من ولده، و تلك الأقاويل، و الأمور السرية التي جمعت إلى الكذب و الكفر، و إفراط الجهل و الغباوة، و رأوا شتمهم خيار السلف و بغضهم و تبرأهم منهم قابلوا ذلك أيضا بالغلوّ في أخير عليّ (كرم اللّه وجهه)، و بخسه حقه، و لحنوا في القول، و إن لم يصرّحوا إلى ظلمه و اعتدوا عليه بسفك الدماء بغير حق، و نسبوه إلى الممالاة على قتل عثمان، و أخرجوه بجهلهم من أئمة الهدى إلى جملة أئمة الفتن، و لم يوجبوا له اسم الخلافة لاختلاف الناس عليه، و أوجبوها ليزيد بن معاوية لإجماع الناس عليه. و اتهموا من ذكره بغير خير، و تحامى كثير من المحدثين أن يحدّثوا

____________

(1) تعجيل المنفعة/ 14.

(2) فتح الملك العليّ بصحة حديث باب مدينة العلم عليّ/ 141- 144.

45

بفضائله (كرم اللّه وجهه)، أو يظهروا ما يجب له و كل تلك الأحاديث لها مخارج صحاح، و جعلوا ابنه الحسين (عليه السلام)، خارجيا شاقا لعصا المسلمين، حلال الدم، و سووا بينه و بين أهل الشورى، لأنّ عمر لو تبيّن له فضله لقدمه عليهم، و لم يجعل الأمر شورى بينهم.

و أهملوا من ذكره أو روى حديثا في فضله، حتّى تحامى كثير من المحدّثين أن يتحدّثوا بها، و عنوا بجمع فضائل عمرو بن العاص، و معاوية، يعني الموضوعة، كأنّهم لا يريدونهما بذلك و إنّما يريدونه، فإن قال قائل: أخو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّ، و أبو سبطيه الحسن، و الحسين، و أصحاب الكساء عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، تمعّرت الوجوه، و تنكّرت العيون و ظهرت حسائك الصدور.

و إن ذكر ذاكر قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من كنت مولاه فعليّ مولاه، و أنت مني بمنزلة هارون من موسى» و أشباه هذا التمسوا لتلك الأحاديث المخارج لينتقصوه، و يبخسوه حقّه بغضا منهم للرافضة، و إلزاما لعليّ (عليه السلام)، بسببهم ما لا يلزمه، و هذا هو الجهل بعينه.

فهذا أهم الأسباب الحاملة للمتقدمين الذين كانوا في عصر ابن قتيبة و قبله على الطعن في فضائل عليّ (عليه السلام)، و قد أشار الإمام أحمد، إلى نحو هذا إذ سأله ابنه عبد اللّه عن عليّ، و معاوية، فقال: اعلم أنّ عليّا كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه شيئا فلم يجدوه، فجاءوا إلى رجل قد حاربه و قاتله فأطروه كيدا منهم له. رواه السلفي في (الطيوريات) فمن كان بهذه الصفة كيف يقبل فضائل عليّ، أو يصححها، و قد انطوت بواطن كثير من الحفاظ خصوصا البصريين، و الشاميين، على البغض لعليّ و ذويه.

و أشار ابن القيم في (أعلام الموقعين) إلى قريب من هذا أيضا لما تكلم على المفتين من الصحابة، فقال: و أما عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فانتشرت أحكامه و فتاويه، و لكن قاتل اللّه الشيعة فإنّهم أفسدوا كثيرا ما علمه بالكذب عليه، و لهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح، لا يعتمدون من حديثه و فتواه إلّا ما كان من طريق أهل بيته، و أصحاب عبد اللّه بن مسعود، و كان رضي اللّه عنه، و كرّم وجهه، يشكو عدم وجود حملة العلم الّذي أودعه، كما قال: إنّ هاهنا علما لو

46

أصبت له حملة» (1) انتهى.

فهذا يشير إلى أنّهم تركوا من علمه كما تركوا من فضله معارضة للشيعة و إخمادا لهم و اللّه المستعان.

إنّ شمس الدين الذهبي، و من لف لفه من القابعين على مائدة الحديث، و الرجال، و المتطفلين عليهما، من فلول بني أميّة، و العباسيين، و الوهابيين، لم ترقهم بحال من الأحوال رواية واحدة، من فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، مهما كانت صفتها، و موضوعها، و إنّه كان إذا وقع نظره على حديث في فضائله اعترته حدة أتلفت شعوره، و انتابه غضب أذهب وجدانه، و عقله حتّى لا يدري ما يقول، و ربما سبّ و لعن من روى فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، كما وقع منه في غير موضع من الميزان، و طبقات الحفاظ، تحت ستارة أنّ الحديث موضوع، و لكنّه لا يفعل ذلك فيمن يروي الأحاديث الموضوعة في مناقب أعدائه، و لو بسطنا القول في هذا لاعتراك العجب و الغرابة، لأن كتبه طافحة بتخرصاته و انتقاداته اللاذعة، و الأقوال المتضاربة المتناقضة، و منها على سبيل المثال ما قاله في ترجمة أبي الصّلت عبد السلام بن صالح الهروي ما لفظه: الرجل الصالح إلّا أنّه شيعيّ جلد (2). ثم عند ذكر الحديث في المستدرك 3/ 126 قال: أقسم باللّه أنّ عبد السلام بن صالح، ما هو ثقة و لا هو مأمون ... فكيف الجمع بين هذين القولين المتضاربين.

و هكذا نجد ابن حجر شيخ الإسلام العسقلاني، فإنّه قال في ترجمة جعفر بن محمد الفقيه: إنّ حديث الباب موضوع و حكم فيه بالوضع الذهبي‏ (3) ثم ردّ عليه ابن حجر، بقوله: و هذا الحديث له طرق كثيرة في مستدرك الحاكم أقل أحوالها أن يكون للحديث أصل، فلا ينبغي أن يطلق عليه القول بالوضع‏ (4).

و الغريب أنّ الذين فندوا فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ... على زعمهم‏

____________

(1) فتح الملك العليّ بصحة حديث باب مدينة العلم عليّ/ 153.

(2) ميزان الاعتدال 2/ 129.

(3) ميزان الاعتدال 1/ 415.

(4) لسان الميزان 2/ 122.

47

الكاذب، بعيدون كل البعد عن معرفة الحديث و صناعته، و الدراية و فنونها المتشعبة الملتوية، و لم يكونوا غير متطفلين عليها، لذلك جاءت أقاويلهم بالهذيان أشبه منه بالكلام. إلى غير هذا من السطور الفارغة و الألفاظ الجوفاء، التي تملأ كتبه مع أنّه مجرد ناقل لكنّه يتصرف و يختلق، و يخطئ، بل و يخطئ حتّى في النقل، و يتصرف و يزيد، و ينقص في النقل، لذلك يمكن القول بصراحة أنّ أمثال هذه المؤلفات من غير تحيّز و تعصب، ساقطة عن درجة الاعتبار و التوثيق، و لا يمكن الاعتماد عليها لأنّها وضعت للتلاعب بالأحاديث و تمزيقها، و تفكيكها، سيّما الروايات و الأخبار الخاصة في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب، و أولاده الأئمة المعصومين (عليهم صلوات اللّه و رحمته و بركاته).

و مهما يكن من أمر فبعد هذه الصفحات، أظنّك وقفت على آراء و نظريات رجال الدراية و الرجال، في رواة أمير المؤمنين (عليه السلام) ... و كيف أنّ شرذمة من فلول الأموية، استحوذ عليهم الشيطان، فجنّدهم إلى الوقيعة بالعترة الطاهرة، و شيعتهم و رواتهم، و رجالهم، و أصحابهم ... و من ثم التشدق بأعمال البعض من الصحابة و الثناء عليهم، و اختلاق المحاسن و المناقب لهم، و ذلك في زمن معاوية بن أبي سفيان، و قد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه، و هو من أكابر المحدّثين و أعلامهم، في تاريخه: من أنّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة، افتعلت في أيام بني أمية، تقرّبا إليهم بما يظنون أنّهم يرغمون به أنوف بني هاشم ...

و هنا أنهى البحث هذا، بما حدّث به الإمام أبو جعفر محمد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، بعض أصحابه، فقال: «يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا، و تظاهرهم علينا، و ما لقي شيعتنا، و محبونا من الناس، إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قبض و قد أخبر: أنّا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش، حتّى أخرجت الأمر عن معدنه، و احتجت على الأنصار بحقنا و حجتنا. ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد، حتّى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا، و نصبت الحرب لنا، و لم يزل صاحب الأمر في صعود كئود، حتّى قتل فبويع الحسن ابنه، و عوهد ثم غدر به و أسلم، و وثب عليه أهل العراق حتّى طعن بخنجر في جنبه، و نهبت عسكره، و عولجت خلاخيل‏

48

أمهات أولاده، فوادع معاوية، و حقن دمه، و دماء أهل بيته، و هم قليل حق قليل.

ثم بايع الحسين (عليه السلام)، من أهل العراق عشرون ألفا، ثم غدروا به، و خرجوا عليه و بيعته في أعناقهم و قتلوه.

ثم لم نزل أهل البيت، نستذلّ و نستضام، و نقصى، و نمتهن، و نحرم، و نقتل، و نخاف، و لا نأمن على دمائنا، و دماء أوليائنا، و وجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم، و جحودهم موضعا يتقرّبون به إلى أوليائهم، و قضاة السوء، و عمال السوء في كل بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، و رووا عنا ما لم نقله و ما لم نفعله ليبغّضونا إلى الناس، و كان عظم ذلك و كبره زمن معاوية، بعد موت الحسن (عليه السلام). فقتلت شيعتنا بكل بلدة، و قطعت الأيدي و الأرجل، على الظنة، و كان من يذكر بحبنا و الانقطاع إلينا سجن، أو نهب ماله، أو هدمت داره.

ثم لم يزل البلاء يشتدّ و يزداد، إلى زمان عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسين (عليه السلام)، ثم جاء الحجاج، فقتلهم كلّ قتلة، و أخذهم بكلّ ظنّة و تهمة حتّى إن الرجل ليقال له زنديق، أو كافر، أحب إليه من أن يقال شيعة عليّ، و حتّى صار الرجل الذي يذكر بالخير و لعله يكون ورعا صدوقا، يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة، و لم يخلق اللّه تعالى شيئا منها، و لا كانت و لا وقعت، و هو يحسب أنّها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب و لا بقلة ورع.

و روى أبو الحسن عليّ بن محمد بن أبي يوسف المدائني في كتاب (الأحداث) قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عمّا له بعد عام الجماعة، «أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب، و أهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة، و على كلّ منبر يلعنون عليّا، و يبرؤون منه، و يقعون فيه، و في أهل بيته، و كان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة عليّ (عليه السلام)، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، و ضمّ إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة، و هو بهم عارف لأنّه كان منهم أيام عليّ (عليه السلام)، فقتلهم تحت كلّ حجر، و مدر، و أخافهم، و قطع الأيدي و الأرجل، و سمل العيون، و صلبهم على جذوع النخل، و طردهم و شرّدهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم.

49

و كتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق، أن لا يجيزوا لأحد من شيعة عليّ، و أهل بيته شهادة. و كتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان، و محبيه، و أهل ولايته، و الذين يروون فضائله و مناقبه فأدنوا مجالسهم، و قربوهم و أكرموهم، و اكتبوا لي بكل ما يروي كلّ رجل منهم، و اسمه و اسم أبيه و عشيرته.

ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان و مناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصّلات، و الكساء، و الحباء، و القطائع، و يفيضه في العرب منهم و الموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، و تنافسوا في المنازل، و الدنيا، فليس يجي‏ء أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة، إلّا كتب اسمه و قرّبه و شفّعه، فلبثوا بذلك حينا.

ثم كتب إلى عمّاله، إنّ الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كلّ مصر، و في كلّ وجه و ناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة، و الخلفاء الأولين، و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّا و تأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إليّ، و أقرّ لعيني، و أدحض لحجة أبي تراب و شيعته و أشد إليهم من مناقب عثمان و فضله.

فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة، مفتعلة لا حقيقة لها، و جدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، و ألقي إلى معلمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتّى رووه و تعلّموه، كما يتعلّمون القرآن، و حتّى علّموه بناتهم، و نساءهم، و خدمهم، و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.

ثم كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان، انظروا من قامت عليه البينة أنّه يحب عليّا و أهل بيته، فامحوه من الديوان، و أسقطوا عطاءه و رزقه، و شفع ذلك بنسخة أخرى، من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا به و اهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد و لا أكثر منه بالعراق، و لا سيّما بالكوفة حتّى إنّ الرجل من شيعة عليّ (عليه السلام)، ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، فيلقي إليه سرّه و يخاف من خادمه و مملوكه، و لا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنّ عليه، فظهر حديث كثير موضوع، و بهتان منتشر، و مضى على ذلك الفقهاء، و القضاة، و الولاة، و كان‏

50

أعظم الناس في ذلك بلية، القراء المراءون، و المستضعفون الذين يظهرون الخشوع و النسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، و يقرّبوا مجالستهم، و يصيبوا به الأموال و الضياع و المنازل، حتّى انتقلت تلك الأخبار و الأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب، و البهتان، فقلبوها، و رووها، و هم يظنون أنّها حقّ، و لو علموا أنّها باطلة لما رووها و لا تدينوا بها.

فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن عليّ (عليه السلام)، فازداد البلاء و الفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلّا و هو خائف على دمه أو طريد في الأرض.

ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين (عليه السلام)، و ولي عبد الملك بن مروان، فاشتد على الشيعة، و ولّى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرّب إليه أهل النسك و الصّلاح و الدّين، ببغض عليّ، و موالاة أعدائه، و موالاة من يدّعي من الناس أنّهم أيضا أعداؤه فأكثروا في الرواية في فضلهم، و سوابقهم، و مناقبهم، و أكثروا من البغض من عليّ (عليه السلام)، و عيبه و الطعن فيه، و الشنآن له حتّى إنّ إنسانا، وقف للحجاج، و يقال إنّه جدّ الأصمعي عبد الملك بن قريب- فصاح به أيّها الأمير إنّ أهلي عقوني، فسمّوني عليّا، و إنّي فقير بائس، و أنا إلى صلة الأمير محتاج.

فتضاحك له الحجاج، و قال: للطف ما توسّلت به قد وليتك موضع كذا (1).

هذه واحدة من الصّور المؤلمة الدامية، و الظروف القاسية الحالكة التي اجتازت حياة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و حياة ذويه العترة الطاهرة ... و شيعته و أصحابه و أنصاره و رواته ... و لو أردنا استقصاء كافة صورها البشعة، و ألوانها التعسة لافتقرنا إلى مجلّدات، و مجلّدات، و لكنّنا لضيق المجال نضرب عنها صفحا، و نحيل القارئ الكريم إلى كتب التأريخ و السير.

وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (2).

____________

(1) شرح ابن أبي الحديد 11/ 439- 46.

(2) سورة ابراهيم/ 42- 43.

51

حرف الألف‏

1- إبراهيم (أبو رافع) ... مولى العباس بن عبد المطلب المتوفى 80 ه.

محدّث شهد مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مشاهده. و لم يشهد بدرا لأنّه كان مقيما بمكة. و لزم أمير المؤمنين (عليه السلام) بعده، و شهد حروبه، و أصبح صاحب بيت ماله في الكوفة. و كان ابناه عبيد اللّه، و علي كاتبي علي بن أبي طالب (عليه السلام). و هو أول من جمع الحديث، و رتبه حسب الأبواب. له كتاب السنن و الأحكام و القضايا.

إتقان المقال/ 5. الاستيعاب 4/ 68. أسد الغابة 1/ 41، 77. الإصابة 1/ 15.

أعيان الشيعة 2/ 104. الأمالي/ 89. بهجة الآمال 1/ 507. تاريخ الطبري 13/ 25.

تاريخ الخلفاء/ 187. تاريخ الخميس 2/ 178. تحفة الأحباب/ 3. تقريب التهذيب 2/ 421. تنقيح المقال 1/ 9. تهذيب التهذيب 12/ 92. تهذيب المقال 1/ 161. جامع الرواة 1/ 15. الجرح و التعديل 2/ 149. خلاصة الأقوال/ 3. الدرجات الرفيعة/ 373.

رجال ابن داود/ 31. رجال النجاشي/ 2. سفينة البحار 1/ 530. شرح ابن أبي الحديد 14/ 69 و 19/ 133. الطبقات الكبرى 4/ 73. الغدير 1/ 16، 151، 312.

الفهارس/ 45. الفوائد الرجالية 1/ 203 و 2/ 57. قاموس الرجال 1/ 94. الكامل في التاريخ 2/ 154 و 3/ 200 و 5/ 256. الكنى و الألقاب 1/ 77. مجمع الرجال 7/ 40.

معجم الثقات/ 2. معجم رجال الحديث 1/ 175. منتهى المقال/ 17. النجوم الزاهرة 1/ 21. نقد الرجال/ 6.

2- إبراهيم (أبو إدريس) بن أبي حديد الأودي ...

محدّث. و النسبة إلى أود بن صعب بن سعد العشيرة من مذحج. و جاء في بعض المراجع: أبو إدريس إبراهيم بن أبي جرير الأودي. روى عنه ابناه إدريس، و داود، و الحسن بن عبيد اللّه، و إسماعيل بن سالم.

الأنساب/ 102. الجرح و التعديل 2/ 96. اللباب 1/ 92.

52

3- إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة ...

محدث ثقة، كثير الحديث. و أمه زبراء بنت الحارث بن يعمر بن شراحيل ابن عبد عوف بن مالك بن خباب بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

تهذيب التهذيب 1/ 123. الطبقات الكبرى 5/ 169. العقد الفريد 7/ 9. قاموس الرجال 1/ 134. مجمع الرجال 1/ 44. منتهى المقال/ 19.

4- إبراهيم (أبو إسحاق) بن عبد الرحمن بن عوف بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري المدني المتوفى 95/ 96 ه.

محدّث، أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، من المهاجرات المبايعات.

مات 95 و قيل 96 ه. و خلف: سعد. صالح. و كان من الثقات التابعين.

أسد الغابة 1/ 42. الإصابة 1/ 15، 95. تقريب التهذيب 1/ 38. تهذيب التهذيب 1/ 139. الجرح و التعديل 2/ 111. جمهرة أنساب العرب/ 132. الطبقات الكبرى 8/ 475 و 5/ 55 و فيه: توفي سنة ست و سبعين (76). الغدير 5/ 356. الكامل في التاريخ 5/ 21. مرأة الجنان 1/ 198. منتهى المقال/ 19. نقد الرجال/ 8.

5- إبراهيم بن عبد اللّه بن مليح بن الهون بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر ... من القارة المتوفى ...

ولد في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فسماه و حنكه بتمرة و دعا له بالبركة. انتقل إلى الكوفة و لم تكن له رواية عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فهو تابعي ثقة، ذكره بعضهم في الصحابة على عادتهم فيمن له إدراك، و جاء عن والده أبي موسى عبد اللّه، قال: ولد لي غلام في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأتيت به إليه فسماه إبراهيم و حنكه بتمرة و دعا له بالبركة.

اتقان المقال/ 8. أعيان الشيعة 2/ 181. جامع الرواة 1/ 25. الجرح و التعديل 2/ 108. خلاصة الأقوال/ 192 و فيه: عبيد اللّه القاري. رجال ابن داود/ 32. رجال الشيخ الطوسي/ 35. رجال البرقي/ 5. قاموس الرجال 1/ 162. مجمع الرجال 1/ 52.

معجم رجال الحديث 1/ 250. منتهى المقال/ 22. نقد الرجال/ 10. المراسيل/ 15.

53

6- إبراهيم بن مالك بن الحارث الأشتر النخعي المقتول 71 ه.

كان فارسا شجاعا شهما، مقداما رئيسا عاليا، بعيد الهمة عالي النفس، وفيا شاعرا فصيحا. كان مع أبيه مالك الأشتر في صفين، و أبلى فيها بلاء حسنا. و به استعان المختار حين ظهر بالكوفة، و به قامت إمارة المختار و ثبتت أركانها. قتل في حرب وقعت بين مصعب بن الزبير، و عبد الملك سنة 71 و أعقب: النعمان. مالك.

و جاء أنّ محمد بن مروان بن الحكم، قتله بدير الجاثليق بين الشام و الكوفة، و كان على الجزيرة.

أعيان الشيعة 2/ 200. الأنساب/ 1112. البداية و النهاية 8/ 278، 323. تاريخ الطبري 7/ 139. تاريخ الخلفاء/ 225. سفينة البحار 1/ 688. شرح ابن أبي الحديد 1/ 157 و 2/ 217 و 4/ 163 و 8/ 81 و 15/ 99. الطبقات الكبرى 5/ 99، 228. العقد الفريد 2/ 222 و 5/ 143، 148، 198. الغدير 2/ 345، 346، 348. الغارات 2/ 812، 829. الفوائد الرجالية 1/ 325 و 3/ 72. الكامل في التاريخ 4/ 215- 223، 261- 341 و 5/ 428. مرأة الجنان 1/ 142. مروج الذهب 3/ 181. المشتبه 1/ 27.

المعارف/ 155، 204. معجم رجال الحديث 1/ 362. وقعة صفين/ 441، 490.

7- إبراهيم (أبو عمران) بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيع بن ذهل بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع بن عامر بن علة بن جلد بن مالك بن أدد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ... قتل في صفين سنة 37 ه.

الاشتقاق/ 404. أعيان الشيعة 2/ 248. الأماني/ 83، 139. الأنساب/ 1112.

تاريخ الخميس 2/ 313. تقريب التهذيب 1/ 46. تنقيح المقال 1/ 43. تهذيب التهذيب 1/ 177 و فيه: إبراهيم بن يزيد بن قيس ابن الأسود بن عمرو بن ربيعة. تذكرة الحفاظ 1/ 73. الجرح و التعديل 2/ 144. جمهرة أنساب العرب/ 415. حلية الأولياء 4/ 217.

رجال ابن داود/ 227. رجال الشيخ الطوسي/ 35. شذرات الذهب 1/ 100، 111. شرح ابن أبي الحديد 13/ 221. الطبقات الكبرى 6/ 270. طبقات الحفاظ/ 29. طبقات القراء 1/ 29. العقد الفريد 3/ 311. العبر 1/ 113. الغدير 3/ 92. قاموس الرجال 1/ 230.

الكامل في التاريخ 2/ 59 و 5/ 21. الكنى و الألقاب 3/ 244.

8- أبرد بن طهرة الطهوي ... قتل 37 ه.

فارس، شجاع قتل في صفين 37 ه. و أعقب: القعقاع. و الطهوي نسبة

54

إلى طهية قبيلة من تميم.

أعيان الشيعة 2/ 255. وقعة صفين/ 558.

9- أبرهة بن زهير المذحجي ...

10- الأشعث بن جابر ...

11- أسلم بن يزيد الحارثي ...

12- أكيل بن جمعة الكناني ...

من أصحاب عليّ (عليه السلام)، اشتركوا في محاربة أهل الشام بصفين، فقتلوا فيها.

وقعة صفين/ 556- 558.

13- أبي بن قيس بن عبد اللّه بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب ... قتل في صفين سنة 37 ه.

فارس كأخيه علقمة، هاجرا في زمن عمر، و هما من الثقات التابعين. و كان أخوه كما سنذكره فقيها. قال علقمة بعد قتل و استشهاد أبي: كنت أحب أن أبصر في نومي أخي، و بعض اخواني، فرأيت أخي في النوم، فقلت له: يا أخي، ما ذا قدمتم عليه؟ فقال: اجتمعنا نحن و القوم فاحتجبنا عند اللّه عز و جل فحججناهم، فما سررت بشي‏ء منذ عقلت كسروري بتلك الرؤيا.

إتقان المقال/ 158. الإصابة 1/ 99. أعيان الشيعة 2/ 455. تاريخ الطبري 6/ 18.

تنقيح المقال 1/ 44. جامع الرواة 1/ 39. خلاصة الأقوال/ 22. رجال ابن داود/ 35.

رجال الشيخ الطوسي/ 35. رجال الكشي/ 100. شرح ابن أبي الحديد 5/ 225. الطبقات الكبرى 6/ 78، 88. العقد الفريد 3/ 311. قاموس الرجال 1/ 234. الكامل في التاريخ 3/ 307. الكنى و الألقاب 3/ 245. مجمع الرجال 1/ 82. معجم الثقات/ 231. معجم رجال الحديث 1/ 364. منتهى المقال/ 27. نقد الرجال/ 16. وقعة صفين/ 287.

14- أثال بن حجل بن أثال العبسي ...

فارس. اشترك في صفين، و خرج إلى البراز، و طلب والده حجل فبرز إليه‏