الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد - ج2

- الشيخ المفيد المزيد...
388 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[باب تاريخ الإمام الحسن و فضله‏]

[فصل في تاريخ ولادة الإمام الحسن المجتبى(ع)و شهادته و ما يخصه و بعض فضائله‏]

(باب ذكر الإمام بعد أمير المؤمنين(ع)و تاريخ مولده و دلائل إمامته و مدة خلافته و وقت وفاته و موضع قبره و عدد أولاده و طرف من أخباره)

و الإمام بعد أمير المؤمنين(ع)ابنه الحسن ابن سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد سيد المرسلين (صلى الله عليه و آله الطاهرين).

كنيته أبو محمد ولد بالمدينة ليلة النصف من‏شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة- وَ جَاءَتْ بِهِ فَاطِمَةُ إِلَى النَّبِيِّ(ع)يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ مَوْلِدِهِ فِي خِرْقَةٍ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ كَانَ جَبْرَئِيلُ(ع)نَزَلَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَسَمَّاهُ حَسَناً وَ عَقَّ عَنْهُ كَبْشاً

رَوَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ التَّمِيمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع‏

. وَ كَانَ الْحَسَنُ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ(ص)خُلُقاً وَ سُؤْدُداً وَ هَدْياً-

رَوَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مُعَمَّرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ‏

: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللَّهِ ص‏

6

مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ع‏

وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ‏

أَتَتْ فَاطِمَةُ بِابْنَيْهَا الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص‏

7

فِي شَكْوَاهُ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَانِ ابْنَاكَ وَرِّثْهُمَا شَيْئاً فَقَالَ أَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّ لَهُ هَدْيِي وَ سُؤْدُدِي وَ أَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّ لَهُ جُودِي وَ شَجَاعَتِي‏

وَ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَصِيَّ أَبِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ص)عَلَى أَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ وَ أَصْحَابِهِ وَ وَصَّاهُ بِالنَّظَرِ فِي وُقُوفِهِ وَ صَدَقَاتِهِ وَ كَتَبَ لَهُ عَهْداً مَشْهُوراً وَ وَصِيَّةً ظَاهِرَةً فِي مَعَالِمِ الدِّينِ وَ عُيُونِ الحِكْمَةِ وَ الْآدَابِ‏

. و قد نقل هذه الوصية جمهور العلماء و استبصر بها في دينه و دنياه كثير من الفقهاء.

[فصل في البيعة للإمام الحسن(ع)وحرب معاوية له و خذلان القوم له و غيرها من الأمور]

[البيعة للإمام الحسن(ع)بالخلافة] و ما جرى بينهما من الرسائل و المكاتبات‏

وَ لَمَّا قُبِضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)خَطَبَ النَّاسَ الْحَسَنُ(ع)وَ ذَكَرَ حَقَّهُ فَبَايَعَهُ أَصْحَابُ أَبِيهِ عَلَى حَرْبِ مَنْ حَارَبَ وَ سِلْمِ مَنْ سَالَمَ‏

وَ رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ لُوطُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ وَ غَيْرِهِ قَالُوا

: خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)صَبِيحَةَ اللَّيْلَةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع‏

8

فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(ص)ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ قُبِضَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ لَمْ يَسْبِقْهُ الْأَوَّلُونَ بِعَمَلٍ وَ لَا يُدْرِكُهُ الْآخِرُونَ بِعَمَلٍ لَقَدْ كَانَ يُجَاهِدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَيَقِيهِ بِنَفْسِهِ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)يُوَجِّهُهُ بِرَايَتِهِ فَيَكْنُفُهُ جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَ مِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ وَ لَقَدْ تُوُفِّيَ(ع)فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي عُرِجَ فِيهَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ(ع)وَ فِيهَا قُبِضَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَصِيُّ مُوسَى وَ مَا خَلَّفَ صَفْرَاءَ وَ لَا بَيْضَاءَ إِلَّا سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَضَلَتْ مِنْ عَطَائِهِ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا خَادِماً لِأَهْلِهِ ثُمَّ خَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ فَبَكَى وَ بَكَى النَّاسُ مَعَهُ. ثُمَّ قَالَ أَنَا ابْنُ الْبَشِيرِ أَنَا ابْنُ النَّذِيرِ أَنَا ابْنُ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ أَنَا ابْنُ السِّرَاجِ الْمُنِيرِ أَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً أَنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ افْتَرَضَ اللَّهُ حُبَّهُمْ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ‏

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً

فَالْحَسَنَةُ مَوَدَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ ثُمَّ جَلَسَ- فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ (رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا) بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مَعَاشِرَ النَّاسِ هَذَا ابْنُ نَبِيِّكُمْ وَ وَصِيُّ إِمَامِكُمْ فَبَايِعُوهُ فَاسْتَجَابَ لَهُ النَّاسُ فَقَالُوا مَا أَحَبَّهُ إِلَيْنَا وَ أَوْجَبَ حَقَّهُ عَلَيْنَا

9

وَ تَبَادَرُوا إِلَى الْبَيْعَةِ لَهُ بِالْخِلَافَةِ وَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْحَادِي وَ الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ فَرَتَّبَ الْعُمَّالَ وَ أَمَّرَ الْأُمَرَاءَ وَ أَنْفَذَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَ نَظَرَ فِي الْأُمُورِ.

وَ لَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَفَاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ بِيعَةُ النَّاسِ الْحَسَنَ(ع)دَسَّ رَجُلًا مِنْ حِمْيَرٍ إِلَى الْكُوفَةِ وَ رَجُلًا مِنْ بَلْقَيْنِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَكْتُبَا إِلَيْهِ بِالْأَخْبَارِ وَ يُفْسِدَا عَلَى الْحَسَنِ(ع)الْأُمُورَ فَعَرَفَ ذَلِكَ الْحَسَنُ(ع)فَأَمَرَ بِاسْتِخْرَاجِ الْحِمْيَرِيِّ مِنْ عِنْدِ حَجَّامٍ بِالْكُوفَةِ فَأُخْرِجَ فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ وَ كَتَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَاسْتُخْرِجَ الْقَيْنِيُّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ‏

[دسائس معاوية للإمام الحسن (ع)‏]

وَ كَتَبَ الْحَسَنُ(ع)إِلَى مُعَاوِيَةَ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّكَ دَسَسْتَ الرِّجَالَ لِلِاحْتِيَالِ وَ الِاغْتِيَالِ وَ أَرْصَدْتَ الْعُيُونَ كَأَنَّكَ تُحِبُّ اللِّقَاءَ وَ مَا أَوْشَكَ [أَشُكُّ فِي ذَلِكَ فَتَوَقَّعْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ بَلَغَنِي أَنَّكَ شَمِتَّ بِمَا لَا يَشْمَتُ بِهِ ذَوُو الْحِجَى وَ إِنَّمَا مَثَلُكَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ‏

10

فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلَافَ الَّذِي مَضَى‏* * * تَجَهَّزْ لِأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَدِ

فَإِنَّا وَ مَنْ قَدْ مَاتَ مِنَّا لَكَالَّذِي‏* * * يَرُوحُ فَيُمْسِي فِي الْمَبِيتِ لِيَغْتَدِي‏

فَأَجَابَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ كِتَابِهِ بِمَا لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِهِ.

و كان بين الحسن(ع)و بينه بعد ذلك مكاتبات و مراسلات و احتجاجات للحسن(ع)في استحقاقه الأمر و توثب من تقدم على أبيه(ع)و ابتزازه سلطان ابن عمه رسول الله(ص)و تحققهم به دونه و أشياء يطول ذكرها.

[مسير معاوية نحو العراق و مسير الإمام الحسن(ع)لحربه و خذلان القوم له‏]

وَ سَارَ مُعَاوِيَةُ نَحْوَ الْعِرَاقِ لِيَغْلِبَ عَلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ جِسْرَ مَنْبِجٍ تَحَرَّكَ الْحَسَنُ(ع)وَ بَعَثَ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ فَأَمَرَ الْعُمَّالَ بِالْمَسِيرِ وَ اسْتَنْفَرَ النَّاسَ لِلْجِهَادِ فَتَثَاقَلُوا عَنْهُ ثُمَّ خَفَّ مَعَهُ أَخْلَاطٌ مِنَ النَّاسِ بَعْضُهُمْ شِيعَةٌ لَهُ وَ لِأَبِيهِ(ع)وَ بَعْضُهُمْ مُحَكِّمَةٌ يُؤْثِرُونَ قِتَالَ مُعَاوِيَةَ بِكُلِّ حِيلَةٍ وَ بَعْضُهُمْ أَصْحَابُ فِتَنٍ وَ طَمَعٍ فِي الْغَنَائِمِ وَ بَعْضُهُمْ شُكَّاكٌ وَ بَعْضُهُمْ أَصْحَابُ عَصَبِيَّةٍ اتَّبَعُوا رُؤَسَاءَ قَبَائِلِهِمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى دِينٍ.

11

فَسَارَ حَتَّى أَتَى حَمَّامَ عُمَرَ ثُمَّ أَخَذَ عَلَى دَيْرِ كَعْبٍ فَنَزَلَ سَابَاطَ دُونَ الْقَنْطَرَةِ وَ بَاتَ هُنَاكَ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرَادَ(ع)أَنْ يَمْتَحِنَ أَصْحَابَهُ وَ يَسْتَبْرِئَ أَحْوَالَهُمْ فِي الطَّاعَةِ لَهُ لِيَتَمَيَّزَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُ مِنْ أَعْدَائِهِ وَ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي لِقَاءِ مُعَاوِيَةَ وَ أَهْلِ الشَّامِ فَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى فِي النَّاسِ بِ الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعُوا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ بِكُلِّ مَا حَمِدَهُ حَامِدٌ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كُلَّمَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ وَ ائْتَمَنَهُ عَلَى الْوَحْيِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ).

أَمَّا بَعْدُ فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ قَدْ أَصْبَحْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَ مَنِّهِ وَ أَنَا أَنْصَحُ خَلْقِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ وَ مَا أَصْبَحْتُ مُحْتَمِلًا عَلَى مُسْلِمٍ ضَغِينَةً وَ لَا مُرِيداً لَهُ بِسُوءٍ وَ لَا غَائِلَةٍ أَلَا وَ إِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ أَلَا وَ إِنِّي نَاظِرٌ لَكُمْ خَيْراً مِنْ نَظَرِكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَلَا تُخَالِفُوا أَمْرِي وَ لَا تَرُدُّوا عَلَيَّ رَأْيِي غَفَرَ اللَّهُ لِي وَ لَكُمْ وَ أَرْشَدَنِي وَ إِيَّاكُمْ لِمَا فِيهِ الْمَحَبَّةُ وَ الرِّضَا قَالَ فَنَظَرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ قَالُوا مَا تَرَوْنَهُ يُرِيدُ بِمَا قَالَ قَالُوا نَظُنُّهُ وَ اللَّهِ يُرِيدُ أَنْ يُصَالِحَ مُعَاوِيَةَ وَ يُسَلِّمَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ فَقَالُوا كَفَرَ وَ اللَّهِ الرَّجُلُ ثُمَّ شَدُّوا عَلَى فُسْطَاطِهِ فَانْتَهَبُوهُ حَتَّى أَخَذُوا مُصَلَّاهُ مِنْ تَحْتِهِ ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُعَالٍ الْأَزْدِيُّ فَنَزَعَ مِطْرَفَهُ عَنْ عَاتِقِهِ فَبَقِيَ جَالِساً مُتَقَلِّداً السَّيْفَ بِغَيْرِ

12

رِدَاءٍ.

ثُمَّ دَعَا بِفَرَسِهِ فَرَكِبَهُ وَ أَحْدَقَ بِهِ طَوَائِفُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَ شِيعَتِهِ وَ مَنَعُوا مِنْهُ مَنْ أَرَادَهُ فَقَالَ ادْعُوا إِلَيَّ رَبِيعَةَ وَ هَمْدَانَ فَدُعُوا لَهُ فَأَطَافُوا بِهِ وَ دَفَعُوا النَّاسَ عَنْهُ وَ سَارَ وَ مَعَهُ شَوْبٌ مِنَ النَّاسِ فَلَمَّا مَرَّ فِي مُظْلَمِ سَابَاطَ بَدَرَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ الْجَرَّاحُ بْنُ سِنَانٍ فَأَخَذَ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ وَ بِيَدِهِ مِغْوَلٌ وَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْرَكْتَ يَا حَسَنُ كَمَا أَشْرَكَ أَبُوكَ مِنْ قَبْلُ ثُمَّ طَعَنَهُ فِي فَخِذِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى بَلَغَ الْعَظْمَ فَاعْتَنَقَهُ الْحَسَنُ(ع)وَ خَرَّا جَمِيعاً إِلَى الْأَرْضِ فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ الْحَسَنِ(ع)يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ الطَّائِيُّ فَانْتَزَعَ الْمِغْوَلَ مِنْ يَدِهِ وَ خَضْخَضَ بِهِ جَوْفَهُ وَ أَكَبَّ عَلَيْهِ آخَرُ يُقَالُ لَهُ ظَبْيَانُ بْنُ عُمَارَةَ فَقَطَعَ أَنْفَهُ فَهَلَكَ مِنْ ذَلِكَ وَ أُخِذَ آخَرُ كَانَ مَعَهُ فَقُتِلَ.

وَ حُمِلَ الْحَسَنُ(ع)عَلَى سَرِيرٍ إِلَى الْمَدَائِنِ فَأُنْزِلَ بِهِ عَلَى سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ وَ كَانَ عَامِلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)بِهَا فَأَقَرَّهُ الْحَسَنُ(ع)عَلَى ذَلِكَ وَ اشْتَغَلَ بِنَفْسِهِ يُعَالِجُ جُرْحَهُ.

وَ كَتَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالطَّاعَةِ لَهُ فِي السِّرِّ وَ اسْتَحَثُّوهُ عَلَى السَّيْرِ نَحْوَهُمْ وَ ضَمِنُوا لَهُ تَسْلِيمَ الْحَسَنِ(ع)إِلَيْهِ عِنْدَ دُنُوِّهِمْ مِنْ عَسْكَرِهِ أَوِ الْفَتْكَ بِهِ وَ بَلَغَ الْحَسَنَ ذَلِكَ وَ وَرَدَ

13

عَلَيْهِ كِتَابُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ كَانَ قَدْ أَنْفَذَهُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ عِنْدَ مَسِيرِهِ مِنَ الْكُوفَةِ لِيَلْقَى مُعَاوِيَةَ وَ يَرُدَّهُ عَنِ الْعِرَاقِ وَ جَعَلَهُ أَمِيراً عَلَى الْجَمَاعَةِ وَ قَالَ إِنْ أُصِبْتَ فَالْأَمِيرُ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ فَوَصَلَ كِتَابُ ابْنِ سَعْدٍ يُخْبِرُهُ أَنَّهُمْ نَازَلُوا مُعَاوِيَةَ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا الْحَبُّونِيَّةُ بِإِزَاءِ مَسْكِنَ وَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ يُرَغِّبُهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِ وَ ضَمِنَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ يُعَجِّلُ لَهُ مِنْهَا النِّصْفَ وَ يُعْطِيهِ النِّصْفَ الْآخَرَ عِنْدَ دُخُولِهِ الْكُوفَةَ فَانْسَلَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ فِي اللَّيْلِ إِلَى مُعَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ فِي خَاصَّتِهِ وَ أَصْبَحَ النَّاسُ قَدْ فَقَدُوا أَمِيرَهُمْ فَصَلَّى بِهِمْ قَيْسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ نَظَرَ فِي أُمُورِهِمْ.

فَازْدَادَتْ بَصِيرَةُ الْحَسَنِ(ع)بِخِذْلَانِ الْقَوْمِ لَهُ وَ فَسَادِ نِيَّاتِ الْمُحَكِّمَةِ فِيهِ بِمَا أَظْهَرُوهُ لَهُ مِنْ السَّبِّ وَ التَّكْفِيرِ وَ اسْتِحْلَالِ دَمِهِ وَ نَهْبِ أَمْوَالِهِ وَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَنْ يَأْمَنُ غَوَائِلَهُ إِلَّا خَاصَّةٌ مِنْ شِيعَتِهِ وَ شِيعَةِ أَبِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ هُمْ جَمَاعَةٌ لَا تَقُومُ لِأَجْنَادِ الشَّامِ.

فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فِي الْهُدْنَةِ وَ الصُّلْحِ وَ أَنْفَذَ إِلَيْهِ بِكُتُبِ أَصْحَابِهِ الَّتِي ضَمِنُوا لَهُ فِيهَا الْفَتْكَ بِهِ وَ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ وَ اشْتَرَطَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى صُلْحِهِ شُرُوطاً كَثِيرَةً وَ عَقَدَ لَهُ عُقُوداً كَانَ فِي الْوَفَاءِ بِهَا مَصَالِحُ‏

14

شَامِلَةٌ فَلَمْ يَثِقْ بِهِ الْحَسَنُ(ع)وَ عَلِمَ احْتِيَالَهُ بِذَلِكَ وَ اغْتِيَالَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ بُدّاً مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا الْتَمَسَ مِنْ تَرْكِ الْحَرْبِ وَ إِنْفَاذِ الْهُدْنَةِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِمَّا وَصَفْنَاهُ مِنْ ضَعْفِ الْبَصَائِرِ فِي حَقِّهِ وَ الْفَسَادِ عَلَيْهِ وَ الْخَلَفِ مِنْهُمْ لَهُ وَ مَا انْطَوَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَيْهِ فِي اسْتِحْلَالِ دَمِهِ وَ تَسْلِيمِهِ إِلَى خَصْمِهِ وَ مَا كَانَ فِي خِذْلَانِ ابْنِ عَمِّهِ لَهُ وَ مَصِيرِهِ إِلَى عَدُوِّهِ وَ مِيلِ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ إِلَى الْعَاجِلَةِ وَ زُهْدِهِمْ فِي الْآجِلَةِ.

فَتَوَثَّقَ(ع)لِنَفْسِهِ مِنْ مُعَاوِيَةَ لِتَأْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَ الْإِعْذَارِ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عِنْدَ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ تَرْكَ سَبِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ الْعُدُولَ عَنِ الْقُنُوتِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ وَ أَنْ يُؤْمِنَ شِيعَتَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ لَا يَتَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِسُوءٍ وَ يُوصِلَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ مِنْهُمْ حَقَّهُ فَأَجَابَهُ مُعَاوِيَةُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ وَ حَلَفَ لَهُ بِالْوَفَاءِ بِهِ.

فَلَمَّا اسْتَتَمَّتِ الْهُدْنَةُ عَلَى ذَلِكَ سَارَ مُعَاوِيَةُ حَتَّى نَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ وَ كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ضُحَى النَّهَارِ فَخَطَبَهُمْ وَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ:

إِنِّي وَ اللَّهِ مَا قَاتَلْتُكُمْ لِتُصَلُّوا وَ لَا لِتَصُومُوا وَ لَا لِتَحُجُّوا وَ لَا لِتُزَكُّوا إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَ لَكِنِّي قَاتَلْتُكُمْ لِأَتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ وَ قَدْ أَعْطَانِيَ اللَّهُ ذَلِكَ وَ أَنْتُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَلَا وَ إِنِّي كُنْتُ مَنَّيْتُ الْحَسَنَ وَ أَعْطَيْتُهُ أَشْيَاءَ وَ جَمِيعُهَا تَحْتَ قَدَمَيَّ لَا أَفِي بِشَيْ‏ءٍ مِنْهَا لَهُ.

15

ثُمَّ سَارَ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّاماً فَلَمَّا اسْتَتَمَّتِ الْبَيْعَةُ لَهُ مِنْ أَهْلِهَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ وَ ذَكَرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ نَالَ مِنْهُ وَ نَالَ مِنَ الْحَسَنِ وَ كَانَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ص)حَاضِرَيْنِ فَقَامَ الْحُسَيْنُ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْحَسَنُ وَ أَجْلَسَهُ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا الذَّاكِرُ عَلِيّاً أَنَا الْحَسَنُ وَ أَبِي عَلِيٌّ وَ أَنْتَ مُعَاوِيَةُ وَ أَبُوكَ صَخْرٌ وَ أُمِّي فَاطِمَةُ وَ أُمُّكَ هِنْدٌ وَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ وَ جَدُّكَ حَرْبٌ وَ جَدَّتِي خَدِيجَةُ وَ جَدَّتُكَ قُتَيْلَةُ فَلَعَنَ اللَّهُ أَخْمَلَنَا ذِكْراً وَ أَلْأَمَنَا حَسَباً وَ شَرَّنَا قَدَماً وَ أَقْدَمَنَا كُفْراً وَ نِفَاقاً- فَقَالَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ آمِينَ آمِينَ.

وَ لَمَّا اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَ الْحَسَنِ(ص)وَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ- خَرَجَ الْحَسَنُ(ع)إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا كَاظِماً غَيْظَهُ لَازِماً مَنْزِلَهُ مُنْتَظِراً لِأَمْرِ رَبِّهِ جَلَّ اسْمُهُ إِلَى أَنْ تَمَّ لِمُعَاوِيَةَ عَشْرُ سِنِينَ مِنْ إِمَارَتِهِ وَ عَزَمَ عَلَى الْبَيْعَةِ لِابْنِهِ يَزِيدَ فَدَسَّ إِلَى جَعْدَةَ بِنْتِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَ كَانَتْ زَوْجَةَ الْحَسَنِ(ع)مَنْ حَمَلَهَا عَلَى سَمِّهِ وَ ضَمِنَ لَهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِابْنِهِ يَزِيدَ وَ أَرْسَلَ إِلَيْهَا مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَسَقَتْهُ جَعْدَةُ السَّمَّ فَبَقِيَ(ع)مَرِيضاً أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ مَضَى(ع)لِسَبِيلِهِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَ لَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانٌ وَ أَرْبَعُونَ سَنَةً فَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَ تَوَلَّى أَخُوهُ وَ وَصِيُّهُ الْحُسَيْنُ(ع)غُسْلَهُ وَ تَكْفِينَهُ وَ دَفَنَهُ عِنْدَ جَدَّتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا بِالْبَقِيعِ‏

16

[فصل شهادة الإمام الحسن (ع)‏]

(فصل) فمن الأخبار التي جاءت بسبب وفاة الحسن(ع)و ما ذكرناه من سم معاوية له و قصة دفنه و ما جرى من الخوض في ذلك و الخطاب.

مَا رَوَاهُ عِيسَى بْنُ مِهْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ‏

: أَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَى جَعْدَةَ بِنْتِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنِّي مُزَوِّجُكِ يَزِيدَ ابْنِي عَلَى أَنْ تَسُمِّي الْحَسَنَ وَ بَعَثَ إِلَيْهَا مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَفَعَلَتْ وَ سَمَّتِ الْحَسَنَ(ع)فَسَوَّغَهَا الْمَالَ وَ لَمْ يُزَوِّجْهَا مِنْ يَزِيدَ فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ آلِ طَلْحَةَ فَأَوْلَدَهَا فَكَانَ إِذَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ بُطُونِ قُرَيْشٍ كَلَامٌ عَيَّرُوهُمْ وَ قَالُوا يَا بَنِي مُسِمَّةِ الْأَزْوَاجِ‏

وَ رَوَى عِيسَى بْنُ مِهْرَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ‏

كُنْتُ مَعَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ(ع)فِي الدَّارِ فَدَخَلَ الْحَسَنُ(ع)الْمَخْرَجَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لَقَدْ سُقِيتُ السَّمَّ مِرَاراً مَا سُقِيتُهُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ لَقَدْ لَفَظْتُ قِطْعَةً مِنْ كَبِدِي فَجَعَلْتُ أَقْلِبُهَا بِعُودٍ مَعِي فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ ع‏

17

وَ مَنْ سَقَاكَهُ فَقَالَ وَ مَا تُرِيدُ مِنْهُ أَ تُرِيدُ قَتْلَهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ هُوَ فَاللَّهُ أَشَدُّ نَقِمَةً مِنْكَ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَمَا أُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِي بَرِي‏ءٌ

وَ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ زِيَادٍ الْمُخَارِقِيِّ قَالَ‏

لَمَّا حَضَرَتِ الْحَسَنَ(ع)الْوَفَاةُ اسْتَدْعَى الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)وَ قَالَ يَا أَخِي إِنِّي مُفَارِقُكَ وَ لَاحِقٌ بِرَبِّي جَلَّ وَ عَزَّ وَ قَدْ سُقِيتُ السَّمَّ وَ رَمَيْتُ بِكَبِدِي فِي الطَّسْتِ وَ إِنِّي لَعَارِفٌ بِمَنْ سَقَانِيَ السَّمَّ وَ مِنْ أَيْنَ دُهِيتُ وَ أَنَا أُخَاصِمُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَبِحَقِّي عَلَيْكَ إِنْ تَكَلَّمْتَ فِي ذَلِكَ بِشَيْ‏ءٍ وَ انْتَظِرْ مَا يُحْدِثُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ فِيَّ فَإِذَا قَضَيْتُ فَغَمِّضْنِي وَ غَسِّلْنِي وَ كَفِّنِّي وَ احْمِلْنِي عَلَى سَرِيرِي إِلَى قَبْرِ جَدِّي رَسُولِ اللَّهِ(ص)لِأُجَدِّدَ بِهِ عَهْداً ثُمَّ رُدَّنِي إِلَى قَبْرِ جَدَّتِي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا فَادْفِنِّي هُنَاكَ وَ سَتَعْلَمُ يَا ابْنَ أُمِّ أَنَّ الْقَوْمَ يَظُنُّونَ أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ دَفْنِي عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَيَجْلِبُونَ فِي مَنْعِكُمْ عَنْ ذَلِكَ وَ بِاللَّهِ أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ تُهَرِيقَ فِي أَمْرِي مِحْجَمَةَ دَمٍ ثُمَّ وَصَّى(ع)إِلَيْهِ بِأَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ وَ تَرِكَاتِهِ وَ مَا كَانَ وَصَّى بِهِ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع)حِينَ اسْتَخْلَفَهُ وَ أَهَّلَهُ لِمَقَامِهِ وَ دَلَّ شِيعَتَهُ عَلَى اسْتِخْلَافِهِ وَ نَصْبِهِ لَهُمْ عَلَماً مِنْ بَعْدِهِ.

18

فَلَمَّا مَضَى(ع)لِسَبِيلِهِ غَسَّلَهُ الْحُسَيْنُ(ع)وَ كَفَّنَهُ وَ حَمَلَهُ عَلَى سَرِيرِهِ وَ لَمْ يَشُكَّ مَرْوَانُ وَ مَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَنَّهُمْ سَيَدْفِنُونَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَتَجَمَّعُوا لَهُ وَ لَبِسُوا السِّلَاحَ فَلَمَّا تَوَجَّهَ بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)إِلَى قَبْرِ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لِيُجَدِّدَ بِهِ عَهْداً أَقْبَلُوا إِلَيْهِمْ فِي جَمْعِهِمْ وَ لَحِقَتْهُمْ عَائِشَةُ عَلَى بَغْلٍ وَ هِيَ تَقُولُ مَا لِي وَ لَكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُدْخِلُوا بَيْتِي مَنْ لَا أُحِبُّ وَ جَعَلَ مَرْوَانُ يَقُولُ:

يَا رُبَّ هَيْجَا هِيَ خَيْرٌ مِنْ دَعَهْ‏

.

أَ يُدْفَنُ عُثْمَانُ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَ يُدْفَنُ الْحَسَنُ مَعَ النَّبِيِّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَداً وَ أَنَا أَحْمِلُ السَّيْفَ. وَ كَادَتِ الْفِتْنَةُ تَقَعُ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَ بَنِي أُمَيَّةَ فَبَادَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى مَرْوَانَ فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ يَا مَرْوَانُ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَإِنَّا مَا نُرِيدُ أَنْ نَدْفِنَ صَاحِبَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)لَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُجَدِّدَ بِهِ عَهْداً بِزِيَارَتِهِ ثُمَّ نَرُدَّهُ إِلَى جَدَّتِهِ فَاطِمَةَ(ع)فَنَدْفِنَهُ عِنْدَهَا بِوَصِيَّتِهِ بِذَلِكَ وَ لَوْ كَانَ وَصَّى بِدَفْنِهِ مَعَ النَّبِيِّ(ص)لَعَلِمْتَ أَنَّكَ أَقْصَرُ بَاعاً مِنْ رَدِّنَا عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ(ع)كَانَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ بِحُرْمَةِ قَبْرِهِ مِنْ أَنْ يُطَرِّقَ عَلَيْهِ هَدْماً كَمَا طَرَّقَ ذَلِكَ غَيْرُهُ وَ دَخَلَ بَيْتَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.

ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَ لَهَا وَا سَوْأَتَاهْ يَوْماً عَلَى بَغْلٍ وَ يَوْماً عَلَى جَمَلٍ تُرِيدِينَ أَنْ تُطْفِئِي نُورَ اللَّهِ وَ تُقَاتِلِينَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ ارْجِعِي‏

19

فَقَدْ كُفِيتِ الَّذِي تَخَافِينَ وَ بَلَغْتِ مَا تُحِبِّينَ وَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْتَصِرٌ لِأَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ.

وَ قَالَ الْحُسَيْنُ(ع)وَ اللَّهِ لَوْ لَا عَهْدُ الْحَسَنِ(ع)إِلَيَّ بِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَ أَنْ لَا أُهَرِيقَ فِي أَمْرِهِ مِحْجَمَةَ دَمٍ لَعَلِمْتُمْ كَيْفَ تَأْخُذُ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْكُمْ مَأْخَذَهَا وَ قَدْ نَقَضْتُمُ الْعَهْدَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ وَ أَبْطَلْتُمْ مَا اشْتَرَطْنَا عَلَيْكُمْ لِأَنْفُسِنَا.

وَ مَضَوْا بِالْحَسَنِ(ع)فَدَفَنُوهُ بِالْبَقِيعِ عِنْدَ جَدَّتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَ أَسْكَنَهَا جَنَّاتِ النَّعِيمِ‏

20

[فصل في ذكر أولاد الإمام الحسن بن علي(ع)و أخبارهم‏]

[في ذكر جماعة من أولاده (ع)]

(باب ذكر ولد الحسن بن علي(ع)و عددهم و أسمائهم و طرف من أخبارهم)

أولاد الحسن بن علي(ع)خمسة عشر ولدا ذكرا و أنثى زيد بن الحسن و أختاه أم الحسن و أم الحسين أمهم أم بشير بنت أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية.

و الحسن بن الحسن أمه خولة بنت منظور الفزارية. و عمرو بن الحسن و أخواه القاسم و عبد الله ابنا الحسن أمهم أم ولد. و عبد الرحمن بن الحسن أمه أم ولد. و الحسين بن الحسن الملقب بالأثرم و أخوه طلحة بن الحسن و أختهما فاطمة بنت الحسن أمهم أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي.

و أم عبد الله و فاطمة و أم سلمة و رقية بنات الحسن(ع)لأمهات أولاد شتى‏

[في ذكر زيد بن الحسن(ع)و مناقبه‏]

(فصل) فأما زيد بن الحسن رضي الله عنه فكان على صدقات رسول الله ص‏

21

و أسن و كان جليل القدر كريم الطبع ظلف النفس كثير البر و مدحه الشعراء و قصده الناس من الآفاق لطلب فضله.

فَذَكَرَ أَصْحَابُ السِّيرَةِ

: أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحَسَنِ كَانَ يَلِي صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَلَمَّا وُلِّيَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ أَمَّا بَعْدُ فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَاعْزِلْ زَيْداً عَنْ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ ادْفَعْهَا إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ وَ أَعِنْهُ عَلَى مَا اسْتَعَانَكَ عَلَيْهِ وَ السَّلَامُ. فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذَا كِتَابٌ قَدْ جَاءَ مِنْهُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ الْحَسَنِ شَرِيفُ بَنِي هَاشِمٍ وَ ذُو سِنِّهِمْ فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَارْدُدْ إِلَيْهِ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ أَعِنْهُ عَلَى مَا اسْتَعَانَكَ عَلَيْهِ وَ السَّلَامُ وَ فِي زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ الْخَارِجِيُّ-

إِذَا نَزَلَ ابْنُ الْمُصْطَفَى بَطْنَ تَلْعَةٍ* * * نَفَى جَدْبَهَا وَ اخْضَرَّ بِالنَّبْتِ عُودُهَا

وَ زَيْدٌ رَبِيعُ النَّاسِ فِي كُلِّ شَتْوَةٍ* * * إِذَا أَخْلَفَتْ أَنْوَاؤُهَا وَ رُعُودُهَا

22

حَمُولٌ لِأَشْنَاقِ الدِّيَاتِ كَأَنَّهُ‏* * * سِرَاجُ الدُّجَى إِذْ قَارَنَتْهُ سُعُودُهَا

.

وَ مَاتَ زَيْدٌ وَ لَهُ تِسْعُونَ سَنَةً فَرَثَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ وَ ذَكَرُوا مَآثِرَهُ وَ بَكَوْا فَضْلَهُ- فَمِمَّنْ رَثَاهُ قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى الْجُمَحِيُّ فَقَالَ:

فَإِنْ يَكُ زَيْدٌ غَالَتِ الْأَرْضُ شَخْصَهُ‏* * * فَقَدْ بَانَ مَعْرُوفٌ هُنَاكَ وَ جُودُ

وَ إِنْ يَكُ أَمْسَى رَهْنَ رَمْسٍ فَقَدْ ثَوَى‏* * * بِهِ وَ هُوَ مَحْمُودُ الْفِعَالِ فَقِيدُ

سَمِيعٌ إِلَى الْمُعْتَرِّ يَعْلَمُ أَنَّهُ‏* * * سَيَطْلُبُه الْمَعْرُوفُ ثُمَّ يَعُودُ

وَ لَيْسَ بِقَوَّالٍ وَ قَدْ حَطَّ رَحْلَهُ‏* * * لِمُلْتَمِسِ الْمَعْرُوفِ أَيْنَ تُرِيدُ

إِذَا قَصَّرَ الْوَغْدُ الدَّنِيُّ نَمَا بِهِ‏* * * إِلَى الْمَجْدِ آبَاءٌ لَهُ وَ جُدُودُ

مَبَاذِيلُ لِلْمَوْلَى مَحَاشِيدُ لِلْقِرَى‏* * * وَ فِي الرَّوْعِ عِنْدَ النَّائِبَاتِ أُسُودُ

إِذَا انْتُحِلَ الْعِزُّ الطَّرِيفُ فَإِنَّهُمْ‏* * * لَهُمْ إِرْثُ مَجْدٍ مَا يُرَامُ تَلِيدُ

إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ سَيِّدٌ قَامَ سَيِّدٌ* * * كَرِيمٌ يُبَنِّي بَعْدَهُ وَ يَشِيدُ

.

فِي أَمْثَالِ هَذَا مِمَّا يَطُولُ بِهِ الْكِتَابُ.

وَ خَرَجَ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الدُّنْيَا وَ لَمْ يَدَّعِ الْإِمَامَةَ وَ لَا ادَّعَاهَا لَهُ مُدَّعٍ مِنَ الشِّيعَةِ وَ لَا غَيْرِهِمْ وَ ذَلِكَ أَنَّ الشِّيعَةَ رَجُلَانِ إِمَامِيُ‏

23

وَ زَيْدِيٌّ فَالْإِمَامِيُّ يَعْتَمِدُ فِي الْإِمَامَةِ النُّصُوصَ وَ هِيَ مَعْدُومَةٌ فِي وُلْدِ الْحَسَنِ(ع)بِاتِّفَاقٍ وَ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ فَيَقَعَ فِيهِ ارْتِيَابٌ. وَ الزَّيْدِيُّ يُرَاعِي فِي الْإِمَامَةِ بَعْدَ عَلِيٍّ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ(ع)الدَّعْوَةَ وَ الْجِهَادَ وَ زَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ (رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ) كَانَ مُسَالِماً لِبَنِي أُمَيَّةَ وَ مُتَقَلِّداً مِنْ قِبَلِهِمُ الْأَعْمَالَ وَ كَانَ رَأْيُهُ التَّقِيَّةَ لِأَعْدَائِهِ وَ التَّأَلُّفَ لَهُمْ وَ الْمُدَارَاةَ وَ هَذَا يُضَادُّ عِنْدَ الزَّيْدِيَّةِ عَلَامَاتِ الْإِمَامَةِ كَمَا حَكَيْنَاهُ.

فَأَمَّا الْحَشْوِيَّةُ فَإِنَّهَا تَدِينُ بِإِمَامَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَ لَا تَرَى لِوُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)إِمَامَةً عَلَى حَالٍ.

وَ الْمُعْتَزِلَةُ لَا تَرَى الْإِمَامَةَ إِلَّا فِيمَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهَا فِي الِاعْتِزَالِ وَ مَنْ تَوَلَّوْا هُمْ الْعَقْدَ لَهُ بِالشُّورَى وَ الِاخْتِيَارِ وَ زَيْدٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ.

وَ الْخَوَارِجُ لَا تَرَى إِمَامَةَ مَنْ تَوَلَّى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(ص)عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ(ع)وَ زَيْدٌ كَانَ مُتَوَلِّياً أَبَاهُ وَ جَدَّهُ بِلَا اخْتِلَافٍ‏

[في ذكر الحسن بن الحسن و مناقبه‏]

(فصل)

فأما الحسن بن الحسن فكان جليلا رئيسا فاضلا ورعا و كان يلي صدقات أمير المؤمنين(ع)في وقته- وَ لَهُ مَعَ الْحَجَّاجِ خَبَرٌ رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ* كَانَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ وَالِياً صَدَقَاتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)فِي عَصْرِهِ فَسَايَرَ يَوْماً الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ فِي مَوْكِبِهِ وَ هُوَ إِذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ أَدْخِلْ‏

24

عُمَرَ بْنَ عَلِيٍّ مَعَكَ فِي صَدَقَةِ أَبِيهِ فَإِنَّهُ عَمُّكَ وَ بَقِيَّةُ أَهْلِكَ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ لَا أُغَيِّرُ شَرْطَ عَلِيٍّ وَ لَا أُدْخِلُ فِيهَا مَنْ لَمْ يُدْخِلْ فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ إِذاً أُدْخِلَهُ أَنَا مَعَكَ. فَنَكَصَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْهُ حَتَّى غَفَلَ الْحَجَّاجُ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ وَ وَقَفَ بِبَابِهِ يَطْلُبُ الْإِذْنَ فَمَرَّ بِهِ يَحْيَى ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ فَلَمَّا رَآهُ يَحْيَى مَالَ إِلَيْهِ وَ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَ سَأَلَهُ عَنْ مَقْدَمِهِ وَ خَبَرِهِ ثُمَّ قَالَ إِنِّي سَأَنْفَعُكَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ فَلَمَّا دَخَلَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ رَحَّبَ بِهِ وَ أَحْسَنَ مُسَاءَلَتَهُ وَ كَانَ الْحَسَنُ قَدْ أَسْرَعَ إِلَيْهِ الشَّيْبُ وَ يَحْيَى ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ فِي الْمَجْلِسِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ لَقَدْ أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ يَا بَا مُحَمَّدٍ فَقَالَ يَحْيَى وَ مَا يَمْنَعُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَيَّبَهُ أَمَانِيُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَفِدُ عَلَيْهِ الرَّكْبُ يُمَنُّونَهُ الْخِلَافَةَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ فَقَالَ بِئْسَ وَ اللَّهِ الرِّفْدُ رَفَدْتَ لَسْتُ كَمَا قُلْتَ ووَ لَكِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ يُسْرِعُ إِلَيْنَا الشَّيْبُ وَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَسْمَعُ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقَالَ هَلُمَّ بِمَا قَدِمْتَ لَهُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الْحَجَّاجِ فَقَالَ لَيْسَ ذذَلِكَ لَهُ أَكْتُبُ إِلَيْهِ كِتَاباً لَا يَتَجَاوَزُهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَ وَصَلَ الْحَسَنَ بْنَ االْحَسَنِ فَأَحْسَنَ صِلَتَهُ.

فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ لَقِيَهُ يَحْيَى ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ فَعَاتَبَهُ الْحَسَنُ عَلَى‏

25

سُوءِ مَحْضَرِهِ وَ قَالَ لَهُ مَا هَذَا الَّذِي وَعَدْتَنِي بِهِ فَقَالَ لَهُ يَحْيَى إِيهاً ععَنْكَ فَوَ اللَّهِ لَا يَزَالُ يَهَابُكَ وَ لَوْ لَا هَيْبَتُكَ مَا قَضَى لَكَ حَاجَةً وَ مَا أَلَوْتُكَ رِفْداً.

وَ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ حَضَرَ مَعَ عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)الطَّفَّ فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ وَ أُسِرَ الْبَاقُونَ مِنْ أَهْلِهِ جَاءَهُ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ فَانْتَزَعَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَسْرَى وَ قَالَ وَ اللَّهِ لَا يُوصَلُ إِلَى ابْنِ خَوْلَةَ أَبَداً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ دَعُوا لِأَبِي حَسَّانَ ابْنَ أُخْتِهِ وَ يُقَالُ إِنَّهُ أُسِرَ وَ كَانَ بِهِ جِرَاحٌ قَدْ أَشْفَى مِنْهَا وَ رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ الْحَسَنِ خَطَبَ إِلَى عَمِّهِ الْحُسَيْنِ(ع)إِحْدَى ابْنَتَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ اخْتَرْ يَا بُنَيَّ أَحَبَّهُمَا إِلَيْكَ فَاسْتَحْيَا الْحَسَنُ وَ لَمْ يُحِرْ جَوَاباً فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع)فَإِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ لَكَ ابْنَتِي فَاطِمَةَ وَ هِيَ أَكْثَرُهُمَا شَبَهاً بِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ص.

و قبض الحسن بن الحسن (رضوان الله عليه) و له خمس و ثلاثون سنة و أخوه زيد بن الحسن حي و وصى إلى أخيه من أمه إبراهيم بن محمد بن طلحة.

26

و لما مات الحسن بن الحسن رحمة الله عليه ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين على قبره فسطاطا و كانت تقوم الليل و تصوم النهار و كانت تشبه بالحور العين لجمالها فلما كان رأس السنة قالت لمواليها إذا أظلم الليل فقوضوا هذا الفسطاط فلما أظلم الليل سمعت قائلا يقول‏

هل وجدوا ما فقدوا

فأجابه آخر

بل يئسوا فانقلبوا

.

و مضى الحسن بن الحسن و لم يدع الإمامة و لا ادعاها له مدع كما وصفناه من حال أخيه زيد رحمة الله عليهما.

[في ذكر عمرو و القاسم و عبد الله- أولاد الإمام الحسن(ع)و مناقبهم‏]

و أما عمرو و القاسم و عبد الله بنو الحسن بن علي (رضوان الله عليهم) فإنهم استشهدوا بين يدي عمهم الحسين(ع)بالطف‏

رضي الله عنهم و أرضاهم و أحسن عن الدين و الإسلام و أهله جزاءهم.

[في ذكر عبد الرحمن و الحسين الأثرم و طلحة أولاد الإمام الحسن و مناقبهم‏]

و عبد الرحمن بن الحسن رضي الله عنه خرج مع عمه الحسين(ع)إلى الحج فتوفي بالأبواء و هو محرم.

و الحسين بن الحسن المعروف بالأثرم كان له فضل و لم يكن له ذكر في ذلك.

و طلحة بن الحسن كان جوادا

27

[باب تاريخ الإمام الحسين و فضله‏]

[فصل في ولادة الإمام الحسين(ع)و شهادته و ما يخصه من الفضائل‏]

(باب ذكر الإمام بعد الحسن بن علي(ع)و تاريخ مولده و دلائل إمامته و مبلغ سنه و مدة خلافته و وقت وفاته و سببها و موضع قبره و عدد أولاده و مختصر من أخباره)

و الإمام بعد الحسن بن علي(ع)أخوه الحسين بن عليٍّ ابنُ فاطمة بنت رسول الله(ص)بنص أبيه و جده عليه و وصية أخيه الحسن إليه.

كنيته أبو عبد الله ولد بالمدينة لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة وَ جَاءَتْ بِهِ أُمُّهُ فَاطِمَةُ(ع)إِلَى جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)فَاسْتَبْشَرَ بِهِ وَ سَمَّاهُ حُسَيْناً وَ عَقَّ عَنْهُ كَبْشاً وَ هُوَ وَ أَخُوهُ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ(ص)سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ بِالاتِّفَاقِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ سِبْطَا نَبِيِّ الرَّحْمَةِ.

وَ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)يُشْبِهُ بِالنَّبِيِّ(ص)مِنْ صَدْرِهِ إِلَى رَأْسِهِ وَ الْحُسَيْنُ يُشْبِهُ بِهِ مِنْ صَدْرِهِ إِلَى رِجْلَيْهِ وَ كَانَا حَبِيبَيْ رَسُولِ اللَّهِ(ص)مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ أَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ‏

رَوَى زَاذَانُ عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ‏

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ(ص)يَقُولُ فِي الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ع:

28

اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَ أَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهُمَا

وَ قَالَ(ع)

مَنْ أَحَبَّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ(ع)أَحْبَبْتُهُ وَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَ مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ وَ مَنْ أَبْغَضَهُمَا أَبْغَضْتُهُ وَ مَنْ أَبْغَضْتُهُ أَبْغَضَهُ اللَّهُ وَ مَنْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ خَلَّدَهُ فِي النَّارِ

وَ قَالَ(ع)

إِنَّ ابْنَيَّ هَذَيْنِ رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا

وَ رَوَى زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ‏

كَانَ النَّبِيُّ(ص)يُصَلِّي فَجَاءَهُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ(ع)فَارْتَدَفَاهُ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ أَخَذَهُمَا أَخْذاً رَفِيقاً فَلَمَّا عَادَ عَادَا فَلَمَّا انْصَرَفَ أَجْلَسَ هَذَا عَلَى فَخِذِهِ وَ هَذَا عَلَى فَخِذِهِ وَ قَالَ مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ هَذَيْنِ.

29

وَ كَانَا(ع)حُجَّةَ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ(ع)فِي الْمُبَاهَلَةِ وَ حُجَّةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِمَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنيِنَ(ع)عَلَى الْأُمَّةِ فِي الدِّينِ وَ الْإِسْلَامِ وَ الْمِلَّةِ

وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ رِجَالِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(ع)قَالَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)لِأَصْحَابِهِ‏

: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَدِينَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا فِي الْمَشْرِقِ وَ الْأُخْرَى فِي الْمَغْرِبِ فِيهِمَا خَلْقٌ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَهُمُّوا بِمَعْصِيَةٍ لَهُ قَطُّ وَ اللَّهِ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا حُجَّةٌ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ غَيْرِي وَ غَيْرُ أَخِي الْحُسَيْنِ‏

وَ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنِ الْحُسَيْنِ(ع)

أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِ ابْنِ زِيَادٍ: مَا بَالُكُمْ تَنَاصَرُونَ عَلَيَّ أَمَ وَ اللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُونِي لَتَقْتُلُنَّ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لَا وَ اللَّهِ مَا بَيْنَ جَابَلْقَا وَ جَابَرْسَا ابْنُ نَبِيٍّ احْتَجَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ غَيْرِي‏

يعني بجابلقا و جابرسا المدينتين اللتين ذكرهما الحسن أخوه(ع)و كان من برهان كمالهما و حجة اختصاص الله لهما بعد الذي ذكرناه من مباهلة رسول الله(ص)بهما بيعة رسول الله لهما و لم يبايع صبيا في ظاهر الحال غيرهما و نزول القرآن بإيجاب‏

30

ثواب الجنة لهما على عملهما مع ظاهر الطفولية فيهما و لم ينزل بذلك في مثلهما قال الله عز اسمه في سورة هل أتى‏ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً فعمهما هذا القول مع أبيهما و أمهما(ع)و تضمن الخبر نطقهما في ذلك و ضميرهما الدالين على الآية الباهرة فيهما و الحجة العظمى على الخلق بهما كما تضمن الخبر عن نطق المسيح(ع)في المهد و كان حجة لنبوته و اختصاصه من الله بالكرامة الدالة على محله عنده في الفضل و مكانه.

وَ قَدْ صَرَّحَ رَسُولُ اللَّهِ(ص)بِالنَّصِّ عَلَى إِمَامَتِهِ وَ إِمَامَةِ أَخِيهِ مِنْ قَبْلِهِ بِقَوْلِهِ‏

: ابْنَايَ هَذَانِ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا

و دلت وصية الحسن(ع)إليه على إمامته كما دلت وصية أمير المؤمنين إلى الحسن على إمامته بحسب ما دلت وصية رسول الله(ص)إلى أمير المؤمنين على إمامته من بعده‏

[فصل في انتهاء الهدنة بموت معاوية و دعاء الإمام الحسين(ع)للجهاد]

(فصل)

فَكَانَتْ إِمَامَةُ الْحُسَيْنِ(ع)بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ ثَابِتَةً وَ طَاعَتُهُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ لَازِمَةً وَ إِنْ لَمْ يَدْعُ إِلَى نَفْسِهِ ع‏

31

لِلتَّقِيَّةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَ الْهُدْنَةِ الْحَاصِلَةِ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَالْتَزَمَ الْوَفَاءَ بِهَا وَ جَرَى فِي ذَلِكَ مَجْرَى أَبِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(ع)وَ ثُبُوتِ إِمَامَتِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ(ص)مَعَ الصُّمُوتِ وَ إِمَامَةِ أَخِيهِ الْحَسَنِ(ع)بَعْدَ الْهُدْنَةِ مَعَ الْكَفِّ وَ السُّكُوتِ فَكَانُوا فِي ذَلِكَ عَلَى سُنَنِ نَبِيِّ اللَّهِ(ص)وَ هُوَ فِي الشِّعْبِ مَحْصُورٌ وَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مُهَاجِراً مِنْ مَكَّةَ مُسْتَخْفِياً فِي الْغَارِ وَ هُوَ مِنْ أَعْدَائِهِ مَسْتُورٌ.

فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْهُدْنَةِ الَّتِي كَانَتْ تَمْنَعُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ(ع)مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى نَفْسِهِ أَظْهَرَ أَمْرَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَ أَبَانَ عَنْ حَقِّهِ لِلْجَاهِلِينَ بِهِ حَالًا بِحَالٍ إِلَى أَنِ اجْتَمَعَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ الْأَنْصَارُ فَدَعَا(ع)إِلَى الْجِهَادِ وَ شَمَّرَ لِلْقِتَالِ وَ تَوَجَّهَ بِوُلْدِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ حَرَمِ اللَّهِ وَ حَرَمِ رَسُولِهِ نَحْوَ الْعِرَاقِ لِلِاسْتِنْصَارِ بِمَنْ دَعَاهُ مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَ قَدَّمَ أَمَامَهُ ابْنَ عَمِّهِ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ أَرْضَاهُ لِلدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَ الْبَيْعَةِ لَهُ عَلَى الْجِهَادِ فَبَايَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَلَى ذَلِكَ وَ عَاهَدُوهُ وَ ضَمِنُوا لَهُ النُّصْرَةَ وَ النَّصِيحَةَ وَ وَثِقُوا لَهُ فِي ذَلِكَ وَ عَاقَدُوهُ ثُمَّ لَمْ تَطُلِ الْمُدَّةُ بِهِمْ حَتَّى نَكَثُوا بَيْعَتَهُ وَ خَذَلُوهُ وَ أَسْلَمُوهُ فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ وَ لَمْ يَمْنَعُوهُ وَ خَرَجُوا إِلَى الْحُسَيْنِ(ع)فَحَصَرُوهُ وَ مَنَعُوهُ الْمَسِيرَ فِي بِلَادِ اللَّهِ وَ اضْطَرُّوهُ إِلَى حَيْثُ لَا يَجِدُ نَاصِراً وَ لَا مَهْرَباً مِنْهُمْ وَ حَالُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَاءِ الْفُرَاتِ حَتَّى تَمَكَّنُوا مِنْهُ وَ قَتَلُوهُ فَمَضَى(ع)ظَمْآنَ مُجَاهِداً صَابِراً

32

مُحْتَسِباً مَظْلُوماً قَدْ نُكِثَتْ بَيْعَتُهُ وَ اسْتُحِلَّتْ حُرْمَتُهُ وَ لَمْ يُوفَ لَهُ بِعَهْدٍ وَ لَا رُعِيَتْ فِيهِ ذِمَّةُ عَقْدٍ شَهِيداً عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ أَبُوهُ وَ أَخُوهُ عَلَيْهِمَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَ الرَّحْمَةِ وَ التَّسْلِيمِ.

[فصل في بيان مختصر من الأخبار من دعوته(ع)و ما أخذه على الناس في الجهاد من بيعته و ذكر جملة من أمره و خروجه و مقتله‏]

(فصل) فمن مختصر الأخبار التي جاءت بسبب دعوته(ع)و ما أخذه على الناس في الجهاد من بيعته و ذكر جملة من أمره و خروجه و مقتله‏

[ما جرى بين الإمام الحسين(ع)و مروان‏]

مَا رَوَاهُ الْكَلْبِيُّ وَ الْمَدَائِنِيُّ وَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ السِّيرَةِ قَالُوا

: لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)تَحَرَّكَتِ الشِّيعَةُ بِالْعِرَاقِ وَ كَتَبُوا إِلَى الْحُسَيْنِ(ع)فِي خَلْعِ مُعَاوِيَةَ وَ الْبَيْعَةِ لَهُ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِمْ وَ ذَكَرَ أَنَّ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ عَهْداً وَ عَقْداً لَا يَجُوزُ لَهُ نَقْضُهُ حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ فَإِنْ مَاتَ مُعَاوِيَةُ نَظَرَ فِي ذَلِكَ.

فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَ ذَلِكَ لِلنِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ كَتَبَ يَزِيدُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَ كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَأْخُذَ الْحُسَيْنَ(ع)بِالْبَيْعَةِ لَهُ وَ لَا يُرَخِّصَ لَهُ فِي التَّأَخُّرِ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْفَذَ الْوَلِيدُ إِلَى الْحُسَيْنِ(ع)فِي اللَّيْلِ فَاسْتَدْعَاهُ فَعَرَفَ الْحُسَيْنُ الَّذِي أَرَادَ فَدَعَا جَمَاعَةً مِنْ مَوَالِيهِ وَ أَمَرَهُمْ بِحَمْلِ السِّلَاحِ وَ قَالَ لَهُمْ إِنَّ الْوَلِيدَ قَدِ

33

اسْتَدْعَانِي فِي هَذَا الْوَقْتِ وَ لَسْتُ آمَنُ أَنْ يُكَلِّفَنِي فِيهِ أَمْراً لَا أُجِيبُهُ إِلَيْهِ وَ هُوَ غَيْرُ مَأْمُونٍ فَكُونُوا مَعِي فَإِذَا دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَاجْلِسُوا عَلَى الْبَابِ فَإِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتِي قَدْ عَلَا فَادْخُلُوا عَلَيْهِ لِتَمْنَعُوهُ مِنِّي.

فَصَارَ الْحُسَيْنُ(ع)إِلَى الْوَلِيدِ فَوَجَدَ عِنْدَهُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَنَعَى الْوَلِيدُ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةَ فَاسْتَرْجَعَ الْحُسَيْنُ(ع)ثُمَّ قَرَأَ كِتَابَ يَزِيدَ وَ مَا أَمَرَهُ فِيهِ مِنْ أَخْذِ الْبَيْعَةِ مِنْهُ لَهُ‏فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ إِنِّي لَا أَرَاكَ تَقْنَعُ بِبَيْعَتِي لِيَزِيدَ سِرّاً حَتَّى أُبَايِعَهُ جَهْراً فَيَعْرِفَ النَّاسُ ذَلِكَ- فَقَالَ الْوَلِيدُ لَهُ أَجَلْ فَقَالَ الْحُسَيْنُ(ع)فَتُصْبِحُ وَ تَرَى رَأْيَكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ انْصَرِفْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ حَتَّى تَأْتِيَنَا مَعَ جَمَاعَةِ النَّاسِ.

فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ وَ اللَّهِ لَئِنْ فَارَقَكَ الْحُسَيْنُ السَّاعَةَ وَ لَمْ يُبَايِعْ لَا قَدَرْتَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهَا أَبَداً حَتَّى يَكْثُرَ الْقَتْلَى بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ احْبِسِ الرَّجُلَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ حَتَّى يُبَايِعَ أَوْ تَضْرِبَ عُنُقَهُ فَوَثَبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحُسَيْنُ(ع)وَ قَالَ أَنْتَ يَا ابْنَ الزَّرْقَاءِ تَقْتُلُنِي أَوْ هُوَ كَذَبْتَ وَ اللَّهِ وَ أَثِمْتَ وَ خَرَجَ يَمْشِي وَ مَعَهُ مَوَالِيهِ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ.

فَقَالَ مَرْوَانُ لِلْوَلِيدِ عَصَيْتَنِي لَا وَ اللَّهِ لَا يُمَكِّنُكَ مِثْلَهَا مِنْ نَفْسِهِ أَبَداً فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ الْوَيْحُ لِغَيْرِكَ يَا مَرْوَانُ إِنَّكَ اخْتَرْتَ لِيَ الَّتِي فِيهَا هَلَاكُ دِينِي وَ اللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَ غَرَبَتْ عَنْهُ مِنْ مَالِ الدُّنْيَا وَ مُلْكِهَا وَ أَنِّي قَتَلْتُ حُسَيْناً سُبْحَانَ اللَّهِ أَقْتُلُ حُسَيْناً أَنْ‏

34

قَالَ لَا أُبَايِعُ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ امْرَأً يُحَاسَبُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ خَفِيفُ الْمِيزَانِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ فَإِذَا كَانَ هَذَا رَأْيَكَ فَقَدْ أَصَبْتَ فِيمَا صَنَعْتَ يَقُولُ هَذَا وَ هُوَ غَيْرُ الْحَامِدِ لَهُ فِي رَأْيِهِ.

فَأَقَامَ الْحُسَيْنُ(ع)فِي مَنْزِلِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَ هِيَ لَيْلَةُ السَّبْتِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ وَ اشْتَغَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بِمُرَاسَلَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ وَ امْتِنَاعِهِ عَلَيْهِ وَ خَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ لَيْلَتِهِ عَنِ الْمَدِينَةِ مُتَوَجِّهاً إِلَى مَكَّةَ فَلَمَّا أَصْبَحَ الْوَلِيدُ سَرَّحَ فِي أَثَرِهِ الرِّجَالَ فَبَعَثَ رَاكِباً مِنْ مَوَالِي بَنِي أُمَيَّةَ فِي ثَمَانِينَ رَاكِباً فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ فَرَجَعُوا.

فَلَمَّا كَانَ آخِرُ نَهَارِ يَوْمِ السَّبْتِ بَعَثَ الرِّجَالَ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)لِيَحْضُرَ فَيُبَايِعَ الْوَلِيدَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُمُ الْحُسَيْنُ أَصْبِحُوا ثُمَّ تَرَوْنَ وَ نَرَى فَكَفُّوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَنْهُ وَ لَمْ يُلِحُّوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ(ع)مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِ وَ هِيَ لَيْلَةُ الْأَحَدِ لِيَوْمَيْنِ بَقِيَا مِنْ رَجَبٍ مُتَوَجِّهاً نَحْوَ مَكَّةَ وَ مَعَهُ بَنُوهُ وَ إِخْوَتُهُ وَ بَنُو أَخِيهِ وَ جُلُّ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْه) فَإِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ عَزْمَهُ عَلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَدْرِ أَيْنَ يَتَوَجَّهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَخِي أَنْتَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَ أَعَزُّهُمْ عَلَيَّ وَ لَسْتُ أَدَّخِرُ النَّصِيحَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ إِلَّا لَكَ وَ أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا تَنَحَّ بِبَيْعَتِكَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَ عَنِ الْأَمْصَارِ مَا اسْتَطَعْتَ ثُمَّ ابْعَثْ رُسُلَكَ إِلَى النَّاسِ فَادْعُهُمْ إِلَى نَفْسِكَ فَإِنْ تَابَعَكَ النَّاسُ وَ بَايَعُوا لَكَ حَمِدْتَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَ إِنْ‏

35

أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى غَيْرِكَ لَمْ يَنْقُصِ اللَّهُ بِذَلِكَ دِينَكَ وَ لَا عَقْلَكَ وَ لَا تَذْهَبُ بِهِ مُرُوءَتُكَ وَ لَا فَضْلُكَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَدْخُلَ مِصْراً مِنْ هَذِهِ الْأَمْصَارِ فَيَخْتَلِفَ النَّاسُ بَيْنَهُمْ فَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ مَعَكَ وَ أُخْرَى عَلَيْكَ فَيَقْتَتِلُونَ فَتَكُونُ أَنْتَ لِأَوَّلِ الْأَسِنَّةِ فَإِذَا خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا نَفْساً وَ أَباً وَ أُمّاً أَضْيَعُهَا دَماً وَ أَذَلُّهَا أَهْلًا فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ(ع)فَأَيْنَ أَذْهَبُ يَا أَخِي قَالَ انْزِلْ مَكَّةَ فَإِنِ اطْمَأَنَّتْ بِكَ الدَّارُ بِهَا فَسَبِيلُ ذَلِكَ وَ إِنْ نَبَتْ بِكَ لَحِقْتَ بِالرِّمَالِ وَ شَعَفِ الْجِبَالِ وَ خَرَجْتَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُ النَّاسِ إِلَيْهِ فَإِنَّكَ أَصْوَبُ مَا تَكُونُ رَأْياً حِينَ تَسْتَقْبِلُ الْأَمْرَ اسْتِقْبَالًا فَقَالَ يَا أَخِي قَدْ نَصَحْتَ وَ أَشْفَقْتَ وَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ رَأْيُكَ سَدِيداً مُوَفَّقاً.

[خروج الإمام الحسين(ع)من المدينة و مسيره إلى مكة]

فَسَارَ الْحُسَيْنُ(ع)إِلَى مَكَّةَ وَ هُوَ يَقْرَأُ

فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏

وَ لَزِمَ الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ فَقَالَ لَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ لَوْ تَنَكَّبْتَ الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِئَلَّا يَلْحَقَكَ الطَّلَبُ فَقَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا أُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ مَا هُوَ قَاضٍ. وَ لَمَّا دَخَلَ الْحُسَيْنُ مَكَّةَ كَانَ دُخُولُهُ إِلَيْهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ شَعْبَانَ دَخَلَهَا وَ هُوَ يَقْرَأُ

وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ‏

36

عَسى‏ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ‏

ثُمَّ نَزَلَهَا وَ أَقْبَلَ أَهْلُهَا يَخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ وَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ وَ أَهْلِ الْآفَاقِ وَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِهَا قَدْ لَزِمَ جَانِبَ الْكَعْبَةِ فَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَهَا وَ يَطُوفُ وَ يَأْتِي الْحُسَيْنَ(ع)فِيمَنْ يَأْتِيهِ فَيَأْتِيهِ الْيَوْمَيْنِ الْمُتَوَالِيَيْنِ وَ يَأْتِيهِ بَيْنَ كُلِّ يَوْمَيْنِ مَرَّةً وَ هُوَ أَثْقَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ قَدْ عَرَفَ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ لَا يُبَايِعُونَهُ مَا دَامَ الْحُسَيْنُ(ع)فِي الْبَلَدِ وَ أَنَّ الْحُسَيْنَ أَطْوَعُ فِي النَّاسِ مِنْهُ وَ أَجَلُّ.

[كتاب سليمان بن صرد الخزاعي و غيره إلى الإمام الحسين(ع)بالبيعة و القدوم إلى الكوفة]

وَ بَلَغَ أَهْلَ الْكُوفَةِ هَلَاكُ مُعَاوِيَةَ فَأَرْجَفُوا بِيَزِيدَ وَ عَرَفُوا خَبَرَ الْحُسَيْنِ(ع)وَ امْتِنَاعَهُ مِنْ بَيْعَتِهِ وَ مَا كَانَ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي ذَلِكَ وَ خُرُوجِهِمَا إِلَى مَكَّةَ فَاجْتَمَعَتِ الشِّيعَةُ بِالْكُوفَةِ فِي مَنْزِلِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ فَذَكَرُوا هَلَاكَ مُعَاوِيَةَ فَحَمِدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ هَلَكَ وَ إِنَّ حُسَيْناً قَدْ تَقَبَّضَ عَلَى الْقَوْمِ بِبَيْعَتِهِ وَ قَدْ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ وَ أَنْتُمْ شِيعَتُهُ وَ شِيعَةُ أَبِيهِ فَإِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ نَاصِرُوهُ وَ مُجَاهِدُو عَدُوِّهِ فَأَعْلِمُوهُ وَ إِنْ خِفْتُمُ الْفَشَلَ وَ الْوَهْنَ فَلَا تَغُرُّوا الرَّجُلَ فِي نَفْسِهِ قَالُوا لَا بَلْ نُقَاتِلُ عَدُوَّهُ وَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا دُونَهُ قَالَ فَكَتَبُوا (

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

) لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)مِنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ وَ الْمُسَيَّبِ‏

37

بْنِ نَجَبَةَ وَ رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ وَ حَبِيبِ بْنِ مُظَاهِرٍ وَ شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ سَلَامٌ عَلَيْكَ فَإِنَّا نَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.

أَمَّا بَعْدُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَصَمَ عَدُوَّكَ الْجَبَّارَ الْعَنِيدَ الَّذِي انْتَزَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فَابْتَزَّهَا أَمْرَهَا وَ غَصَبَهَا فَيْئَهَا وَ تَأَمَّرَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ رِضًى مِنْهَا ثُمَّ قَتَلَ خِيَارَهَا وَ اسْتَبْقَى شِرَارَهَا وَ جَعَلَ مَالَ اللَّهِ دُولَةً بَيْنَ جَبَابِرَتِهَا وَ أَغْنِيَائِهَا فَبُعْداً لَهُ‏

كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ

إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا إِمَامٌ فَأَقْبِلْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى الْحَقِّ وَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ لَسْنَا نُجَمِّعُ مَعَهُ فِي جُمُعَةٍ وَ لَا نَخْرُجُ مَعَهُ إِلَى عِيدٍ وَ لَوْ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ أَقْبَلْتَ إِلَيْنَا أَخْرَجْنَاهُ حَتَّى نُلْحِقَهُ بِالشَّامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

ثُمَّ سَرَّحُوا الْكِتَابَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِسْمَعٍ الْهَمْدَانِيِّ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَالٍ وَ أَمَرُوهُمَا بِالنَّجَاءِ فَخَرَجَا مُسْرِعَيْنِ حَتَّى قَدِمَا عَلَى الْحُسَيْنِ(ع)بِمَكَّةَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.

وَ لَبِثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَوْمَيْنِ بَعْدَ تَسْرِيحِهِمْ بِالْكِتَابِ وَ أَنْفَذُوا قَيْسَ بْنَ مُسْهِرٍ الصَّيْدَاوِيَّ وَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَرْحَبِيَّ وَ عُمَارَةَ

38

بْنَ عَبْدٍ السَّلُولِيَّ إِلَى الْحُسَيْنِ(ع)وَ مَعَهُمْ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ وَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً مِنَ الرَّجُلِ وَ الِاثْنَيْنِ وَ الْأَرْبَعَةِ.

ثُمَّ لَبِثُوا يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ وَ سَرَّحُوا إِلَيْهِ هَانِئَ بْنَ هَانِئٍ السَّبِيعِيَّ وَ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيَّ وَ كَتَبُوا إِلَيْهِ:

(

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

) لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ شِيعَتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَحَيَ‏هَلَا فَإِنَّ النَّاسَ يَنْتَظِرُونَكَ لَا رَأْيَ لَهُمْ غَيْرُكَ فَالْعَجَلَ الْعَجَلَ ثُمَّ الْعَجَلَ الْعَجَلَ وَ السَّلَامُ.

وَ كَتَبَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَ حَجَّارُ بْنُ أَبْجَرَ وَ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ وَ عُرْوَةُ بْنُ قَيْسٍ وَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيُّ وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو التَّيْمِيُّ أَمَّا بَعْدُ فَقَدِ اخْضَرَّ الْجَنَابُ وَ أَيْنَعَتِ الثِّمَارُ فَإِذَا شِئْتَ فَاقْدَمْ عَلَى جُنْدٍ لَكَ مُجَنَّدٍ وَ السَّلَامُ.

[كتاب الإمام الحسين(ع)إلى أهل الكوفة]

وَ تَلَاقَتِ الرُّسُلُ كُلُّهَا عِنْدَهُ فَقَرَأَ الْكُتُبَ وَ سَأَلَ الرُّسُلَ عَنِ النَّاسِ ثُمَّ كَتَبَ مَعَ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ وَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ كَانَا آخِرَ الرُّسُلِ‏

39

(

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

) مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى الْمَلَإِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُؤْمِنِينَ- أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ هَانِئاً وَ سَعِيداً قَدِمَا عَلَيَّ بِكُتُبِكُمْ وَ كَانَا آخِرَ مَنْ قَدِمَ عَلَيَّ مِنْ رُسُلِكُمْ وَ قَدْ فَهِمْتُ كُلَّ الَّذِي اقْتَصَصْتُمْ وَ ذَكَرْتُمْ وَ مَقَالَةُ جُلِّكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا إِمَامٌ فَأَقْبِلْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَنَا بِكَ عَلَى الْهُدَى وَ الْحَقِّ وَ إِنِّي بَاعِثٌ إِلَيْكُمْ أَخِي وَ ابْنَ عَمِّي وَ ثِقَتِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَإِنْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ وَ ذَوِي الْحِجَا وَ الْفَضْلِ مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ مَا قَدِمَتْ بِهِ رُسُلُكُمْ وَ قَرَأْتُ فِي كُتُبِكُمْ أَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَشِيكاً إِنْ شَاءَ اللَّهِ فَلَعَمْرِي مَا الْإِمَامُ إِلَّا الْحَاكِمُ بِالْكِتَابِ الْقَائِمُ بِالْقِسْطِ الدَّائِنُ بِدِينِ الْحَقِّ الْحَابِسُ نَفْسَهُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ وَ السَّلَامُ.

[مَسِيرُ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ بِأَمْرِ الْإِمَامِ الْحُسَيْنِ(ع)إِلَى الْكُوفَةِ]

وَ دَعَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ(ع)مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَرَّحَهُ مَعَ قَيْسِ بْنِ مُسْهِرٍ الصَّيْدَاوِيِّ وَ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدٍ السَّلُولِيِّ وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَرْحَبِيِّ وَ أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ كِتْمَانِ أَمْرِهِ وَ اللُّطْفِ فَإِنْ رَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ مُسْتَوْسِقِينَ عَجَّلَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ.

فَأَقْبَلَ مُسْلِمٌ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَصَلَّى فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص)وَ وَدَّعَ مَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ اسْتَأْجَرَ دَلِيلَيْنِ مِنْ قَيْسٍ‏

40

فَأَقْبَلَا بِهِ يَتَنَكَّبَانِ الطَّرِيقَ فَضَلَّا وَ أَصَابَهُمْ عَطَشٌ شَدِيدٌ فَعَجَزَا عَنِ السَّيْرِ فَأَوْمَئَا لَهُ إِلَى سَنَنِ الطَّرِيقِ بَعْدَ أَنْ لَاحَ لَهُمَا ذَلِكَ فَسَلَكَ مُسْلِمٌ ذَلِكَ السَّنَنَ وَ مَاتَ الدَّلِيلَانِ عَطَشاً.

فَكَتَبَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ) مِنَ الْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ بِالْمَضِيقِ مَعَ قَيْسِ بْنِ مُسْهِرٍ- أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّنِي أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ مَعَ دَلِيلَيْنِ لِي فَجَارَا عَنِ الطَّرِيقِ فَضَلَّا وَ اشْتَدَّ عَلَيْنَا الْعَطَشُ فَلَمْ يَلْبَثَا أَنْ مَاتَا وَ أَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَاءِ فَلَمْ نَنْجُ إِلَّا بِحُشَاشَةِ أَنْفُسِنَا وَ ذَلِكَ الْمَاءُ بِمَكَانٍ يُدْعَى الْمَضِيقَ مِنْ بَطْنِ الْخَبْتِ وَ قَدْ تَطَيَّرْتُ مِنْ وَجْهِي هَذَا فَإِنْ رَأَيْتَ أَعْفَيْتَنِي مِنْهُ وَ بَعَثْتَ غَيْرِي وَ السَّلَامُ.

فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ع.

أَمَّا بَعْدُ:

فَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَكُونَ حَمَلَكَ عَلَى الْكِتَابِ إِلَيَّ فِي الِاسْتِعْفَاءِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي وَجَّهْتُكَ لَهُ إِلَّا الْجُبْنُ فَامْضِ لِوَجْهِكَ الَّذِي وَجَّهْتُكَ لَهُ وَ السَّلَامُ.

فَلَمَّا قَرَأَ مُسْلِمٌ الْكِتَابَ قَالَ:

أَمَّا هَذَا فَلَسْتُ أَتَخَوَّفُهُ عَلَى نَفْسِي فَأَقْبَلَ حَتَّى مَرَّ بِمَاءٍ لِطَيْ‏ءٍ فَنَزَلَ بِهِ ثُمَّ ارْتَحَلَ مِنْهُ فَإِذَا رَجُلٌ يَرْمِي الصَّيْدَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ قَدْ رَمَى ظَبْياً حِينَ أَشْرَفَ لَهُ‏

41

فَصَرَعَهُ فَقَالَ مُسْلِمٌ: نَقْتُلُ عَدُوَّنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ فَنَزَلَ فِي دَارِ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَ هِيَ الَّتِي تُدْعَى الْيَوْمَ دَارَ سَلْمِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَ أَقْبَلَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَكُلَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ(ع)وَ هُمْ يَبْكُونَ وَ بَايَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَايَعَهُ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفاً- فَكَتَبَ مُسْلِمٌ (رَحِمَهُ اللَّهُ) إِلَى الْحُسَيْنِ(ع)يُخْبِرُهُ بِبَيْعَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفاً وَ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ وَ جَعَلَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى عُلِمَ مَكَانُهُ فَبَلَغَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ذَلِكَ وَ كَانَ وَالِياً عَلَى الْكُوفَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ فَأَقَرَّهُ يَزِيدُ عَلَيْهَا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:

أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ لَا تُسَارِعُوا إِلَى الْفِتْنَةِ وَ الْفُرْقَةِ فَإِنَّ فِيهَا يَهْلِكُ الرِّجَالُ وَ تُسْفَكُ الدِّمَاءُ وَ تُغْتَصَبُ الْأَمْوَالُ إِنِّي لَا أُقَاتِلُ مَنْ لَا يُقَاتِلُنِي وَ لَا آتِي عَلَى مَنْ لَمْ يَأْتِ عَلَيَّ وَ لَا أُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ وَ لَا أَتَحَرَّشُ بِكُمْ وَ لَا آخُذُ بِالْقَرْفِ وَ لَا الظِّنَّةِ وَ لَا التُّهَمَةِ وَ لَكِنَّكُمْ إِنْ أَبْدَيْتُمْ صَفْحَتَكُمْ لِي وَ نَكَثْتُمْ بَيْعَتَكُمْ وَ خَالَفْتُمْ إِمَامَكُمْ فَوَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَأَضْرِبَنَّكُمْ بِسَيْفِي مَا ثَبَتَ قَائِمُهُ فِي يَدِي وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِي مِنْكُمْ نَاصِرٌ أَمَا إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِمَّنْ يُردِيهِ الْبَاطِلُ.

فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ رَبِيعَةَ الْحَضْرَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ

42

فَقَالَ إِنَّهُ لَا يُصْلِحُ مَا تَرَى إِلَّا الْغَشْمُ إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ عَدُوِّكَ رَأْيُ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ [لَأَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْأَعَزِّينَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ نَزَلَ.

وَ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ فَكَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ قَدْ قَدِمَ الْكُوفَةَ فَبَايَعَتْهُ الشِّيعَةُ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَإِنْ يَكُنْ لَكَ فِي الْكُوفَةِ حَاجَةٌ فَابْعَثْ إِلَيْهَا رَجُلًا قَوِيّاً يُنَفِّذُ أَمْرَكَ وَ يَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِكَ فِي عَدُوِّكَ فَإِنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَجُلٌ ضَعِيفٌ أَوْ هُوَ يَتَضَعَّفُ ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ بِنَحْوٍ مِنْ كِتَابِهِ ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ سَعْدِبْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مِثْلَ ذَلِكَ.

[مسير عبيد الله بن زياد من البصرة إلى الكوفة]

فَلَمَّا وَصَلَتِ الْكُتُبُ إِلَى يَزِيدَ دَعَا سَرْجُونَ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ مَا رَأْيُكَ إِنَّ حُسَيْناً قَدْ وَجَّهَ إِلَى الْكُوفَةِ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ يُبَايِعُ لَهُ وَ قَدْ بَلَغَنِي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ضَعْفٌ وَ قَوْلٌ سَيِّئٌ فَمَنْ تَرَى أَنْ أَسْتَعْمِلَ عَلَى الْكُوفَةِ وَ كَانَ يَزِيدُ عَاتِباً عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ لَهُ سَرْجُونُ أَ رَأَيْتَ مُعَاوِيَةَ لَوْ نُشِرَ لَكَ حَيّاً أَ مَا كُنْتَ آخِذاً بِرَأْيِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَخْرَجَ سَرْجُونُ عَهْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى الْكُوفَةِ وَ قَالَ هَذَا رَأْيُ مُعَاوِيَةَ مَاتَ وَ قَدْ أَمَرَ بِهَذَا الْكِتَابِ فَضُمَّ الْمِصْرَيْنِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ أَفْعَلُ ابْعَثْ بِعَهْدِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَيْهِ ثُمَّ دَعَا مُسْلِمَ بْنَ عَمْرٍو الْبَاهِلِيَّ وَ كَتَبَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ مَعَهُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَيَّ شِيعَتِي مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُخْبِرُونِّي أَنَّ ابْنَ‏

43

عَقِيلٍ بِهَا يَجْمَعُ الْجُمُوعَ وَ يَشُقُّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ فَسِرْ حِينَ تَقْرَأُ كِتَابِي هَذَا حَتَّى تَأْتِيَ الْكُوفَةَ فَتَطْلُبَ ابْنَ عَقِيلٍ طَلَبَ الْخُرْزَةِ حَتَّى تَثْقَفَهُ فَتُوثِقَهُ أَوْ تَقْتُلَهُ أَوْ تَنْفِيَهُ وَ السَّلَامُ.

وَ سَلَّمَ إِلَيْهِ عَهْدَهُ عَلَى الْكُوفَةِ فَسَارَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بِالْبَصْرَةِ فَأَوْصَلَ إِلَيْهِ الْعَهْدَ وَ الْكِتَابَ فَأَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالْجِهَازِ مِنْ وَقْتِهِ وَ الْمَسِيرِ وَ التَّهَيُّؤِ إِلَى الْكُوفَةِ مِنَ الْغَدِ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَ اسْتَخْلَفَ أَخَاهُ عُثْمَانَ وَ أَقْبَلَ إِلَى الْكُوفَةِ وَ مَعَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ وَ شَرِيكُ بْنُ أَعْوَرَ الْحَارِثِيُّ وَ حَشَمُهُ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ وَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ وَ هُوَ مُتَلَثِّمٌ وَ النَّاسُ قَدْ بَلَغَهُمْ إِقْبَالُ الْحُسَيْنِ(ع)إِلَيْهِمْ فَهُمْ يَنْتَظِرُونَ قُدُومَهُ فَظَنُّوا حِينَ رَأَوْا عُبَيْدَ اللَّهِ أَنَّهُ الْحُسَيْنُ فَأَخَذَ لَا يَمُرُّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ وَ قَالُوا مَرْحَباً بِابْنِ رَسُولِ اللَّهِ قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ فَرَأَى مِنْ تَبَاشُرِهِمْ بِالْحُسَيْنِ مَا سَاءَهُ فَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو لَمَّا أَكْثَرُوا تَأَخَّرُوا هَذَا الْأَمِيرُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ.

وَ سَارَ حَتَّى وَافَى الْقَصْرَ فِي اللَّيْلِ وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ قَدِ الْتَفُّوا بِهِ لَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ الْحُسَيْنُ(ع)فَأَغْلَقَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَلَيْهِ وَ عَلَى حَامَّتِهِ فَنَادَاهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ لِيَفْتَحَ لَهُمُ الْبَابَ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِ النُّعْمَانُ وَ هُوَ يَظُنُّهُ الْحُسَيْنَ فَقَالَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا تَنَحَّيْتَ وَ اللَّهِ مَا أَنَا مُسَلِّمٌ إِلَيْكَ أَمَانَتِي وَ مَا لِي فِي قِتَالِكَ مِنْ أَرَبٍ فَجَعَلَ لَا يُكَلِّمُهُ ثُمَّ إِنَّهُ دَنَا وَ تَدَلَّى‏

44

النُّعْمَانُ مِنْ شَرَفٍ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ فَقَالَ افْتَحْ لَا فَتَحْتَ فَقَدْ طَالَ لَيْلُكَ وَ سَمِعَهَا إِنْسَانٌ خَلْفَهُ فَنَكَصَ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى أَنَّهُ الْحُسَيْنُ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ ابْنُ مَرْجَانَةَ وَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ فَفَتَحَ لَهُ النُّعْمَانُ وَ دَخَلَ وَ ضَرَبُوا الْبَابَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ فَانْفَضُّوا.

[أعمال ابن زياد في الكوفة]

وَ أَصْبَحَ فَنَادَى فِي النَّاسِ الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّانِي مِصْرَكُمْ وَ ثَغْرَكُمْ وَ فَيْئَكُمْ وَ أَمَرَنِي بِإِنْصَافِ مَظْلُومِكُمْ وَ إِعْطَاءِ مَحْرُومِكُمْ وَ الْإِحْسَانِ إِلَى سَامِعِكُمْ وَ مُطِيعِكُمْ كَالْوَالِدِ الْبَرِّ وَ سَوْطِي وَ سَيْفِي عَلَى مَنْ تَرَكَ أَمْرِي وَ خَالَفَ عَهْدِي فَلْيُبْقِ امْرُؤٌ عَلَى نَفْسِهِ الصِّدْقُ يُنْبِي عَنْكَ لَا الْوَعِيدُ.

ثُمَّ نَزَلَ وَ أَخَذَ الْعُرَفَاءَ وَ النَّاسَ أَخْذاً شَدِيداً فَقَالَ اكْتُبُوا إِلَى‏

45

الْعُرَفَاءِ وَ مَنْ فِيكُمْ مِنْ طَلَبَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ فِيكُمْ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ وَ أَهْلِ الرَّيْبِ الَّذِينَ رَأْيُهُمُ الْخِلَافُ وَ الشِّقَاقُ فَمَنْ يَجِي‏ءْ بِهِمْ لَنَا فَبَرِئَ وَ مَنْ لَمْ يَكْتُبْ لَنَا أَحَداً فَلْيَضْمَنْ لَنَا مَا فِي عِرَافَتِهِ أَنْ لَا يُخَالِفَنَا مِنْهُمْ مُخَالِفٌ وَ لَا يَبْغِ عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَاغٍ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ وَ حَلَالٌ لَنَا دَمُهُ وَ مَالُهُ وَ أَيُّمَا عَرِيفٍ وُجِدَ فِي عِرَافَتِهِ مِنْ بُغْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَحَدٌ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْنَا صُلِبَ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَ أُلْغِيَتْ تِلْكَ الْعِرَافَةُ مِنَ الْعَطَاءِ.

وَ لَمَّا سَمِعَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ) بِمَجِي‏ءِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْكُوفَةَ وَ مَقَالَتِهِ الَّتِي قَالَهَا وَ مَا أَخَذَ بِهِ الْعُرَفَاءَ وَ النَّاسَ خَرَجَ مِنْ دَارِ الْمُخْتَارِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَارِ هَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ فَدَخَلَهَا وَ أَخَذَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فِي دَارِ هَانِئٍ عَلَى تَسَتُّرٍ وَ اسْتِخْفَاءٍ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَ تَوَاصَوْا بِالْكِتْمَانِ.

فَدَعَا ابْنُ زِيَادٍ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ مَعْقِلٌ فَقَالَ خُذْ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اطْلُبْ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ وَ الْتَمِسْ أَصْحَابَهُ فَإِذَا ظَفِرْتَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ جَمَاعَةٍ فَأَعْطِهِمْ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَ قُلْ لَهُمُ اسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى حَرْبِ عَدُوِّكُمْ وَ أَعْلِمْهُمْ أَنَّكَ مِنْهُمْ فَإِنَّكَ لَوْ قَدْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُمْ لَقَدِ اطْمَأَنُّوا إِلَيْكَ وَ وَثِقُوا بِكَ وَ لَمْ يَكْتُمُوكَ شَيْئاً مِنْ أَخْبَارِهِمْ ثُمَّ اغْدُ عَلَيْهِمْ وَ رُحْ حَتَّى تَعْرِفَ مُسْتَقَرَّ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ وَ تَدْخُلَ عَلَيْهِ.

فَفَعَلَ ذَلِكَ وَ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَوْسَجَةَ الْأَسَدِيِّ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَ هُوَ يُصَلِّي فَسَمِعَ قَوْماً يَقُولُونَ هَذَا يُبَايَعُ لِلْحُسَيْنِ فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بِحُبِّ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ‏

46

وَ حُبِّ مَنْ أَحَبَّهُمْ وَ تَبَاكَى لَهُ وَ قَالَ مَعِي ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَرَدْتُ بِهَا لِقَاءَ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدِمَ الْكُوفَةَ يُبَايِعُ لِابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ فَكُنْتُ أُرِيدُ لِقَاءَهُ فَلَمْ أَجِدْ أَحَداً يَدُلُّنِي عَلَيْهِ وَ لَا أَعْرِفُ مَكَانَهُ فَإِنِّي لَجَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ الْآنَ إِذْ سَمِعْتُ نَفَراً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ هَذَا رَجُلٌ لَهُ عِلْمٌ بِأَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَ إِنِّي أَتَيْتُكَ لِتَقْبِضَ مِنِّي هَذَا الْمَالَ وَ تُدْخِلَنِي عَلَى صَاحِبِكَ فَإِنَّمَا أَنَا أَخٌ مِنْ إِخْوَانِكَ وَ ثِقَةٌ عَلَيْكَ وَ إِنْ شِئْتَ أَخَذْتَ بَيْعَتِي لَهُ قَبْلَ لِقَائِهِ.

فَقَالَ لَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ (رَحِمَهُ اللَّهُ) أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى لِقَائِكَ إِيَّايَ فَقَدْ سَرَّنِي ذَلِكَ لِتَنَالَ الَّذِي تُحِبُّ وَ لِيَنْصُرَ اللَّهُ بِكَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ(ع)وَ لَقَدْ سَاءَنِي مَعْرِفَةُ النَّاسِ إِيَّايَ بِهَذَا الْأَمْرِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ مَخَافَةَ هَذَا الطَّاغِيَةِ وَ سَطْوَتِهِ فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ لَا يَكُونُ إِلَّا خَيْراً خُذِ الْبَيْعَةَ عَلَيَّ فَأَخَذَ بَيْعَتَهُ وَ أَخَذَ عَلَيْهِ الْمَوَاثِيقَ الْمُغَلَّظَةَ لَيُنَاصِحَنَّ وَ لَيَكْتُمَنَّ فَأَعْطَاهُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَضِيَ بِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اخْتَلِفْ إِلَيَّ أَيَّاماً فِي مَنْزِلِي فَأَنَا طَالِبٌ لَكَ الْإِذْنَ عَلَى صَاحِبِكَ فَأَخَذَ يَخْتَلِفُ مَعَ النَّاسِ فَطَلَبَ لَهُ الْإِذْنَ فَأَذِنَ لَهُ فَأَخَذَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْعَتَهُ وَ أَمَرَ أَبَا ثُمَامَةَ الصَّائِدِيَّ فَقَبَضَ الْمَالَ مِنْهُ وَ هُوَ الَّذِي كَانَ يَقْبِضُ أَمْوَالَهُمْ وَ مَا يُعِينُ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَ يَشْتَرِي لَهُمُ السِّلَاحَ وَ كَانَ بَصِيراً وَ مِنْ فُرْسَانِ الْعَرَبِ وَ وُجُوهِ الشِّيعَةِ.

وَ أَقْبَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ وَ هُوَ أَوَّلُ دَاخِلٍ وَ آخِرُ خَارِجٍ حَتَّى فَهِمَ مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ ابْنُ زِيَادٍ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ كَانَ يُخْبِرُهُ بِهِ وَقْتاً فَوَقْتاً وَ خَافَ هَانِئُ بْنُ عُرْوَةَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَلَى نَفْسِهِ فَانْقَطَعَ مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِهِ وَ تَمَارَضَ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ لِجُلَسَائِهِ مَا لِي لَا أَرَى هَانِئاً فَقَالُوا هُوَ

47

شَاكٍ فَقَالَ لَوْ عَلِمْتُ بِمَرَضِهِ لَعُدْتُهُ وَ دَعَا مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ وَ أَسْمَاءَ بْنَ خَارِجَةَ وَ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيَّ وَ كَانَتْ رُوَيْحَةُ بِنْتُ عَمْرٍو تَحْتَ هَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ وَ هِيَ أُمُّ يَحْيَى بْنِ هَانِئٍ فَقَالَ لَهُمْ مَا يَمْنَعُ هَانِئَ بْنَ عُرْوَةَ مِنْ إِتْيَانِنَا فَقَالُوا مَا نَدْرِي وَ قَدْ قِيلَ إِنَّهُ يَشْتَكِي قَالَ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ بَرَأَ وَ هُوَ يَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَالْقَوْهُ وَ مُرُوهُ أَلَّا يَدَعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّنَا فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يَفْسُدَ عِنْدِي مِثْلُهُ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ.

فَأَتَوْهُ حَتَّى وَقَفُوا عَلَيْهِ عَشِيَّةً وَ هُوَ جَالِسٌ عَلَى بَابِهِ فَقَالُوا مَا يَمْنَعُكَ مِنْ لِقَاءِ الْأَمِيرِ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَكَ وَ قَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ شَاكٍ لَعُدْتُهُ فَقَالَ لَهُمُ الشَّكْوَى تَمْنَعُنِي فَقَالُوا لَهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّكَ تَجْلِسُ كُلَّ عَشِيَّةٍ عَلَى بَابِ دَارِكَ وَ قَدِ اسْتَبْطَأَكَ وَ الْإِبْطَاءُ وَ الْجَفَاءُ لَا يَحْتَمِلُهُ السُّلْطَانُ أَقْسَمْنَا عَلَيْكَ لَمَّا رَكِبْتَ مَعَنَا فَدَعَا بِثِيَابِهِ فَلَبِسَهَا ثُمَّ دَعَا بِبَغْلَتِهِ فَرَكِبَهَا حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْقَصْرِ كَأَنَّ نَفْسَهُ أَحَسَّتْ بِبَعْضِ الَّذِي كَانَ فَقَالَ لِحَسَّانَ بْنِ أَسْمَاءِ بْنِ خَارِجَةَ يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي وَ اللَّهِ لِهَذَا الرَّجُلِ لَخَائِفٌ فَمَا تَرَى قَالَ أَيْ عَمِّ وَ اللَّهِ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ شَيْئاً وَ لَمْ تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا وَ لَمْ يَكُنْ حَسَّانُ يَعْلَمُ فِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ بَعَثَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ.

[عبيد الله بن زياد و هانئ بن عروة]

فَجَاءَ هَانِئٌ حَتَّى دَخَلَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَ مَعَهُ الْقَوْمُ فَلَمَّا طَلَعَ قَالَ ابْنُ زِيَادٍ أَتَتْكَ بِحَائِنٍ رِجْلَاهُ فَلَمَّا دَنَا مِنِ ابْنِ زِيَادٍ وَ عِنْدَهُ شُرَيْحٌ الْقَاضِي الْتَفَتَ نَحْوَهُ فَقَالَ‏

48

أُرِيدُ حِبَاءَهُ وَ يُرِيدُ قَتْلِي‏* * * عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ

.

وَ قَدْ كَانَ أَوَّلُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مُكْرِماً لَهُ مُلْطِفاً فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ وَ مَا ذَلِكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ قَالَ إِيهٍ يَا هَانِئَ بْنَ عُرْوَةَ مَا هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي تَرَبَّصُ فِي دَارِكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ جِئْتَ بِمُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ فَأَدْخَلْتَهُ دَارَكَ وَ جَمَعْتَ لَهُ السِّلَاحَ وَ الرِّجَالَ فِي الدُّورِ حَوْلَكَ وَ ظَنَنْتَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَيَّ فَقَالَ مَا فَعَلْتُ وَ مَا مُسْلِمٌ عِنْدِي قَالَ بَلَى قَدْ فَعَلْتَ فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا وَ أَبَى هَانِئٌ إِلَّا مُجَاحَدَتَهُ وَ مُنَاكَرَتَهُ دَعَا ابْنُ زِيَادٍ مَعْقِلًا ذَلِكَ الْعَيْنَ فَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ أَ تَعْرِفُ هَذَا قَالَ نَعَمْ وَ عَلِمَ هَانِئٌ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَيْناً عَلَيْهِمْ وَ أَنَّهُ قَدْ أَتَاهُ بِأَخْبَارِهِمْ فَأُسْقِطَ فِي يَدِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَاجَعَتْهُ نَفْسُهُ فَقَالَ اسْمَعْ مِنِّي وَ صَدِّقْ مَقَالَتِي فَوَ اللَّهِ لَا كَذَبْتُ وَ اللَّهِ مَا دَعَوْتُهُ إِلَى مَنْزِلِي وَ لَا عَلِمْتُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ أَمْرِهِ حَتَّى جَاءَنِي يَسْأَلُنِي النُّزُولَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَدِّهِ وَ دَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ ذِمَامٌ فَضَيَّفْتُهُ وَ آوَيْتُهُ وَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ بَلَغَكَ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ أُعْطِيَكَ الْآنَ مَوْثِقاً مُغَلَّظاً أَلَّا أَبْغِيَكَ سُوءاً وَ لَا غَائِلَةً وَ لَآتِيَنَّكَ حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِكَ وَ إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتُكَ رَهِينَةً تَكُونُ فِي يَدِكَ حَتَّى آتِيَكَ وَ أَنْطَلِقَ إِلَيْهِ فَآمُرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ دَارِي إِلَى حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْأَرْضِ فَأَخْرُجَ مِنْ ذِمَامِهِ وَ جِوَارِهِ فَقَالَ لَهُ‏

49

ابْنُ زِيَادٍ وَ اللَّهِ لَا تُفَارِقُنِي أَبَداً حَتَّى تَأْتِيَنِي بِهِ قَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا آتِيكَ بِهِ أَبَداً أَجِيئُكَ بِضَيْفِي تَقْتُلُهُ قَالَ وَ اللَّهِ لَتَأْتِيَنَّ بِهِ قَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا آتِيكَ بِهِ.

فَلَمَّا كَثُرَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا قَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ وَ لَيْسَ بِالْكُوفَةِ شَامِيٌّ وَ لَا بَصْرِيٌّ غَيْرَهُ فَقَالَ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ خَلِّنِي وَ إِيَّاهُ حَتَّى أُكَلِّمَهُ فَقَامَ فَخَلَا بِهِ نَاحِيَةً مِنِ ابْنِ زِيَادٍ وَ هُمَا مِنْهُ بِحَيْثُ يَرَاهُمَا فَإِذَا رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا سَمِعَ مَا يَقُولَانِ فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ يَا هَانِئُ إِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ وَ أَنْ تُدْخِلَ الْبَلَاءَ عَلَى عَشِيرَتِكَ فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَنْفَسُ بِكَ عَنِ الْقَتْلِ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ ابْنُ عَمِّ الْقَوْمِ وَ لَيْسُوا قَاتِلِيهِ وَ لَا ضَائِرِيهِ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ مَخْزَاةٌ وَ لَا مَنْقَصَةٌ إِنَّمَا تَدْفَعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ فَقَالَ هَانِئٌ وَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ للخزي [الْخِزْيَ وَ الْعَارَ أَنَا أَدْفَعُ جَارِي وَ ضَيْفِي وَ أَنَا حَيٌّ صَحِيحٌ أَسْمَعُ وَ أَرَى شَدِيدُ السَّاعِدِ كَثِيرُ الْأَعْوَانِ وَ اللَّهِ لَوْ لَمْ أَكُنْ إِلَّا وَاحِداً لَيْسَ لِي نَاصِرٌ لَمْ أَدْفَعْهُ حَتَّى أَمُوتَ دُونَهُ فَأَخَذَ يُنَاشِدُهُ وَ هُوَ يَقُولُ وَ اللَّهِ لَا أَدْفَعُهُ أَبَداً.

فَسَمِعَ ابْنُ زِيَادٍ ذَلِكَ فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي فَأُدْنِيَ مِنْهُ فَقَالَ وَ اللَّهِ لَتَأْتِيَنِّي بِهِ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ فَقَالَ هَانِئٌ إِذاً وَ اللَّهِ تَكْثُرُ الْبَارِقَةُ حَوْلَ دَارِكَ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ وَا لَهْفَاهْ عَلَيْكَ أَ بِالْبَارِقَةِ تُخَوِّفُنِي وَ هُوَ يَظُنُّ أَنَّ عَشِيرَتَهُ سَيَمْنَعُونَهُ ثُمَّ قَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي فَأُدْنِيَ فَاعْتَرَضَ وَجْهَهُ بِالْقَضِيبِ فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ وَجْهَهُ وَ أَنْفَهُ وَ جَبِينَهُ وَ خَدَّهُ حَتَّى كَسَرَ

50

أَنْفَهُ وَ سَيَّلَ الدِّمَاءَ عَلَى ثِيَابِهِ وَ نَثَرَ لَحْمَ خَدِّهِ وَ جَبِينِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ حَتَّى كُسِرَ الْقَضِيبُ وَ ضَرَبَ هَانِئٌ يَدَهُ إِلَى قَائِمِ سَيْفِ شُرْطِيٍّ وَ جَاذَبَهُ الرَّجُلُ وَ مَنَعَهُ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَ حَرُورِيٌّ سَائِرَ الْيَوْمِ قَدْ حَلَّ لَنَا دَمُكَ جُرُّوهُ فَجَرُّوهُ فَأَلْقَوْهُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الدَّارِ وَ أَغْلَقُوا عَلَيْهِ بَابَهُ فَقَالَ اجْعَلُوا عَلَيْهِ حَرَساً فَفُعِلَ ذَلِكَ بِهِ فَقَامَ إِلَيْهِ حَسَّانُ بْنُ أَسْمَاءَ فَقَالَ أَ رُسُلُ غَدْرٍ سَائِرَ الْيَوْمِ أَمَرْتَنَا أَنْ نَجِيئَكَ بِالرَّجُلِ حَتَّى إِذَا جِئْنَاكَ بِهِ هَشَمْتَ وَجْهَهُ وَ سَيَّلْتَ دِمَاءَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَ زَعَمْتَ أَنَّكَ تَقْتُلُهُ فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَ إِنَّكَ لَهَاهُنَا فَأَمَرَ بِهِ فَلُهِزَ وَ تُعْتِعَ ثُمَّ أُجْلِسَ نَاحِيَةً فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَدْ رَضِينَا بِمَا رَآهُ الْأَمِيرُ لَنَا كَانَ أَوْ عَلَيْنَا إِنَّمَا الْأَمِيرُ مُؤَدِّبٌ.

وَ بَلَغَ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ أَنَّ هَانِئاً قَدْ قُتِلَ فَأَقْبَلَ فِي مَذْحِجَ حَتَّى أَحَاطَ بِالْقَصْرِ وَ مَعَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ ثُمَّ نَادَى أَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ وَ هَذِهِ فُرْسَانُ مَذْحِجَ وَ وُجُوهُهَا لَمْ تَخْلَعْ طَاعَةً وَ لَمْ تُفَارِقْ جَمَاعَةً وَ قَدْ بَلَغَهُمْ أَنْ صَاحِبَهُمْ قُتِلَ فَأَعْظَمُوا ذَلِكَ فَقِيلَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ هَذِهِ مَذْحِجُ بِالْبَابِ فَقَالَ لِشُرَيْحٍ الْقَاضِي ادْخُلْ عَلَى صَاحِبِهِمْ فَانْظُرْ إِلَيْهِ ثُمَّ اخْرُجْ وَ أَعْلِمْهُمْ أَنَّهُ حَيٌّ لَمْ يُقْتَلْ فَدَخَلَ فَنَظَرَ شُرَيْحٌ إِلَيْهِ فَقَالَ هَانِئٌ لَمَّا رَأَى شُرَيْحاً يَا لَلَّهِ يَا لَلْمُسْلِمِينَ أَ هَلَكَتْ عَشِيرَتِي أَيْنَ أَهْلُ الدِّينِ أَيْنَ أَهْلُ الْبَصَرِ وَ الدِّمَاءُ تَسِيلُ عَلَى‏

51

لِحْيَتِهِ إِذْ سَمِعَ الرَّجَّةَ عَلَى بَابِ الْقَصْرِ فَقَالَ إِنِّي لَأَظُنُّهَا أَصْوَاتَ مَذْحِجَ وَ شِيعَتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ عَشَرَةُ نَفَرٍ أَنْقَذُونِي فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُ شُرَيْحٌ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ الْأَمِيرَ لَمَّا بَلَغَهُ مَكَانُكُمْ وَ مَقَالَتُكُمْ فِي صَاحِبِكُمْ أَمَرَنِي بِالدُّخُولِ إِلَيْهِ فَأَتَيْتُهُ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَلْقَاكُمْ وَ أَنْ أُعْلِمَكُمْ أَنَّهُ حَيٌّ وَ أَنَّ الَّذِي بَلَغَكُمْ مِنْ قَتْلِهِ بَاطِلٌ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ وَ أَصْحَابُهُ أَمَّا إِذْ لَمْ يُقْتَلْ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ انْصَرَفُوا.

وَ خَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ مَعَهُ أَشْرَافُ النَّاسِ وَ شُرَطُهُ وَ حَشَمُهُ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَاعْتَصِمُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَ طَاعَةِ أَئِمَّتِكُمْ وَ لَا تَفَرَّقُوا فَتَهْلِكُوا وَ تَذِلُّوا وَ تُقْتَلُوا وَ تُجْفَوْا وَ تُحْرَبُوا إِنَّ أَخَاكَ مَنْ صَدَقَكَ وَ قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنْزِلَ فَمَا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ حَتَّى دَخَلَتِ النَّظَّارَةُ الْمَسْجِدَ مِنْ قِبَلِ بَابِ التَّمَّارِينَ يَشْتَدُّونَ وَ يَقُولُونَ قَدْ جَاءَ ابْنُ عَقِيلٍ قَدْ جَاءَ ابْنُ عَقِيلٍ فَدَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَصْرَ مُسْرِعاً وَ أَغْلَقَ أَبْوَابَهُ.

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَازِمٍ أَنَا وَ اللَّهِ رَسُولُ ابْنِ عَقِيلٍ إِلَى الْقَصْرِ لِأَنْظُرَ مَا فَعَلَ هَانِئٌ فَلَمَّا حُبِسَ وَ ضُرِبَ رَكِبْتُ فَرَسِي فَكُنْتُ أَوَّلَ أَهْلِ‏

52

الدَّارِ دَخَلَ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ بِالْخَبَرِ فَإِذَا نِسْوَةٌ لِمُرَادَ مُجْتَمِعَاتٌ يُنَادِينَ يَا عَبْرَتَاهْ يَا ثُكْلَاهْ فَدَخَلْتُ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ فَأَخْبَرْتُهُ فَأَمَرَنِي أَنْ أُنَادِيَ فِي أَصْحَابِهِ وَ قَدْ مَلَأَ بِهِمُ الدُّورَ حَوْلَهُ وَ كَانُوا فِيهَا أَرْبَعَةَ آلَافِ رَجُلٍ فَنَادَيْتُ يَا مَنْصُورُ أَمِتْ فَتَنَادَى أَهْلُ الْكُوفَةِ وَ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَعَقَدَ مُسْلِمٌ لِرُءُوسِ الْأَرْبَاعِ عَلَى الْقَبَائِلِ كِنْدَةَ وَ مَذْحِجَ وَ أَسَدَ وَ تَمِيمَ وَ هَمْدَانَ وَ تَدَاعَى النَّاسُ وَ اجْتَمَعُوا فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ مِنَ النَّاسِ وَ السُّوقُ وَ مَا زَالُوا يَتَوَثَّبُونَ حَتَّى الْمَسَاءِ فَضَاقَ بِعُبَيْدِ اللَّهِ أَمْرُهُ وَ كَانَ أَكْثَرُ عَمَلِهِ أَنْ يُمْسِكَ بَابَ الْقَصْرِ وَ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْقَصْرِ إِلَّا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنَ الشُّرَطِ وَ عِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ خَاصَّتِهِ وَ أَقْبَلَ مَنْ نَأَى عَنْهُ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ يَأْتُونَهُ مِنْ قِبَلِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي دَارَ الرُّومِيِّينَ وَ جَعَلَ مَنْ فِي الْقَصْرِ مَعَ ابْنِ زِيَادٍ يُشْرِفُونَ عَلَيْهِمْ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ وَ هُمْ يَرْمُونَهُمْ بِالْحِجَارَةِ وَ يَشْتِمُونَهُمْ وَ يَفْتُرُونَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ وَ عَلَى أَبِيهِ.

وَ دَعَا ابْنُ زِيَادٍ كَثِيرَ بْنَ شِهَابٍ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ مَذْحِجَ فَيَسِيرَ فِي الْكُوفَةِ وَ يُخَذِّلَ النَّاسَ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ وَ يُخَوِّفَهُمُ الْحَرْبَ وَ يُحَذِّرَهُمْ عُقُوبَةَ السُّلْطَانِ وَ أَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ أَنْ يَخْرُجَ فِيمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ كِنْدَةَ وَ حَضْرَمَوْتَ فَيَرْفَعَ رَايَةَ أَمَانٍ لِمَنْ جَاءَهُ مِنَ النَّاسِ وَ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْقَعْقَاعِ الذُّهْلِيِّ وَ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ التَّمِيمِيِّ وَ حَجَّارِ بْنِ أَبْجَرَ الْعِجْلِيِّ وَ شِمْرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ الْعَامِرِيِّ وَ حَبَسَ بَاقِيَ وُجُوهِ النَّاسِ عِنْدَهُ اسْتِيحَاشاً إِلَيْهِمْ لِقِلَّةِ عَدَدِ مَنْ مَعَهُ مِنَ النَّاسِ.