الإصابة في تمييز الصحابة - ج1

- ابن حجر العسقلاني‏ المزيد...
708 /
7

من هو الصّحابيّ؟

الصّحابيّ لغة:

مشتقّ من الصّحبة، و ليس مشتقّا من قدر خاصّ منها، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلا أو كثيرا.

كما أنّ قولك: مكلّم، و مخاطب، و ضارب، مشتق من المكالمة، و المخاطبة، و الضّرب.

و جار على كلّ من وقع منه ذلك، قليلا أو كثيرا. يقال: صحبت فلانا حولا و شهرا و يوما و ساعة و هذا يوجب في حكم اللّغة اجراءها على من صحب النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) ساعة من نهار.

قال السّخاويّ: «الصّحابيّ لغة: يقع على من صحب أقلّ ما يطلق عليه اسم صحبة، فضلا عمّن طالت صحبته و كثرت مجالسته» [ (1)].

الصّحابيّ عند علماء الأصول‏

قال أبو الحسين في «المعتمد»: هو من طالت مجالسته له على طريق التّبع له و الأخذ عنه، أما من طالت بدون قصد الاتباع أو لم تطل كالوافدين فلا.

و قال الكيا الطّبريّ: هو من ظهرت صحبته لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) صحبة القرين قرينه حتى يعد من أحزابه و خدمه المتصلين به.

قال صاحب «الواضح»: و هذا قول شيوخ المعتزلة. و قال ابن فورك: هو من أكثر مجالسته و اختص به.

الصّحابيّ عند علماء الحديث‏

قال ابن الصّلاح حكاية عن أبي المظفّر السّمعانيّ أنه قال: أصحاب الحديث يطلقون اسم الصّحابة على كل من روى عنه حديثا أو كلمة، و يتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من‏

____________

[ (1)] فتح المغيث للسّخاوي 3/ 86.

8

الصّحابة، و هذا لشرف منزلة النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) أعطوا كل من رآه حكم الصّحابة [ (1)].

و قال سيّد التّابعين سعيد بن المسيّب: الصّحابي من أقام مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) سنة أو سنتين، و غزا معه غزوة أو غزوتين [ (2)].

و وجهه أن لصحبته (صلى اللَّه عليه و سلّم) شرفا عظيما فلا تنال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السّفر الّذي هو قطعة من العذاب، و السّنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف فيها المزاج.

و قال بدر الدّين بن جماعة [ (3)]: و هذا ضعيف، لأنه يقتضي أنه لا يعد جرير بن عبد اللَّه البجليّ، و وائل بن حجر و أضرابهما من الصحابة، و لا خلاف أنهم صحابة.

و قال العراقيّ: و لا يصح هذا عن ابن المسيّب، ففي الإسناد إليه محمّد بن عمر الواقديّ شيخ ابن سعد ضعيف في الحديث [ (4)].

و قال الواقديّ: و رأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و قد أدرك الحلم فأسلم و عقل أمر الدّين و رضيه فهو عندنا ممّن صحب النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) و لو ساعة من نهار [ (5)].

و هذا التعريف غير جامع، لأنه يخرج بعض الصحابة ممّن هم دون الحلم و رووا عنه كعبد اللَّه بن عبّاس، و سيّدي شباب أهل الجنّة الحسن و الحسين، و ابن الزبير.

قال العراقيّ: و التّقييد بالبلوغ شاذّ [ (6)].

و قال السّيوطيّ في «تدريب الرّاوي»: و لا يشترط البلوغ على الصّحيح، و إلا لخرج من أجمع على عدّه في الصّحابة.

و الأصح ما قيل في تعريف الصّحابيّ أنه «من لقي النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) في حياته مسلما و مات على إسلامه.

____________

[ (1)] المقدمة ص 118، و فتح المغيث للعراقي 4/ 3، 31.

[ (2)] الكفاية 69، و علوم الحديث 293، المنهل الرّويّ 117، تدريب الرّاوي 2/ 211.

[ (3)] المنهل 117 بتصرف، و تدريب الرّاوي 2/ 211.

[ (4)] تدريب الرّاوي 2/ 212.

[ (5)] فتح المغيث 4/ 32 و الكفاية 5.

[ (6)] فتح المغيث 4/ 32.

9

شرح التّعريف:

(من لقي النّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم)): جنس في التّعريف يشمل كل من لقيه في حياته، و أمّا من رآه بعد موته قبل دفنه (صلى اللَّه عليه و سلّم) فلا يكون صحابيّا كأبي ذؤيب الهذليّ الشّاعر فإنه رآه قبل دفنه.

(مسلما): خرج به من لقيه كافرا و أسلم بعد وفاته كرسول قيصر فلا صحبة له.

(و مات على إسلامه): خرج به من كفر بعد إسلامه و مات كافرا.

أما من ارتدّ بعده ثم أسلم و مات مسلما فقال العراقيّ: فيهم نظر، لأن الشّافعيّ و أبا حنيفة نصّا على أن الردّة محبطة للصّحبة السابقة كقرّة بن ميسرة و الأشعث بن قيس.

و جزم الحافظ ابن حجر شيخ الإسلام ببقاء اسم الصّحبة له كمن رجع إلى الإسلام في حياته كعبد اللَّه بن أبي سرح.

و هل يشترط لقيه في حال النّبوة أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبلها و مات على الحنيفية كزيد بن عمرو بن نفيل، و كذا من رآه قبلها و أسلم بعد البعثة و لم يره؟.

قال العراقيّ: و لم أر من تعرّض لذلك، و قد عد ابن مندة زيد بن عمرو في الصّحابة.

هل من الملائكة صحابة؟

الملائكة أجسام نورانيّة قادرة على التّشكيل و الظهور بأشكال مختلفة، و هي تتشكل بأشكال حسنة، شأنها الطاعة و أحوال جبريل مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) حين تبليغه الوحي و ظهوره في صورة دحية الكلبي تؤيد رجحان هذا التعريف للملائكة على غيره.

و الملائكة لا يوصفون بذكورة و لا أنوثة و لا يتوالدون، فمن وصفهم بذكورة فسق و من وصفهم بأنوثة أو خنوثة كفر، لقوله تعالى: وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ‏ [ (1)] الآية، و مسكنهم السموات و منهم من يسكن الأرض.

و قد دل على وجودهم الكتاب و السنّة و الإجماع فالمنكر كافر، و إذا فيجب الإيمان إجمالا فيمن علم منهم إجمالا، و تفصيلا فيمن علم بالشخص كجبريل و ميكائيل أو بالنوع كحملة العرش و الحافين من حوله و الكتبة و الحفظة و قد خلق اللَّه الملائكة جندا له منفذين لأوامره في خلقه فمنهم ساكن السّماوات و أفضلهم حملة العرش و الحافّين من حوله و هم الكروبيون، و منهم الموكلون بالنار و هم الزبانية مع مالك و منهم الموكلون بالجنة لإعداد النعيم مع رضوان، و منهم سفير اللَّه إلى أنبيائه و هو جبريل، و الموكل بالمطر و السحاب‏

____________

[ (1)] الزخرف: 19.

10

و الرزق و هو ميكائيل، و صاحب النفخ و هو إسرافيل، و الموكلون بحفظ بني آدم و الكاتبون لأعمالهم، و منهم منكر و نكير فتانا القبر، و منهم ملك الموت و أعوانه و هو عزرائيل‏ وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.

عصمة الملائكة

و القول الحق أنهم معصومون يستحيل صدور الذنوب منهم كبيرة كانت أو صغيرة بدليل قوله تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ [ (1)].

و قوله: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ‏ [ (2)]. و قوله: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ [ (3)]. و قوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ لَهُ يَسْجُدُونَ‏ [ (4)]. أي أن شأنهم و حياتهم التي فطروا عليهما هي الخضوع و العبادة و اللَّه أعلم و هل هم صحابة أم لا؟. أجاب الحافظ ابن حجر (رحمه اللَّه) فقال: و هل تدخل الملائكة محل نظر؟، و قد قال بعضهم إن ذلك ينبئ على أنه هل كان مبعوثا إليهم أو لا. و قد نقل الإمام فخر الدّين في «أسرار التّنزيل» الإجماع على أنه (صلى اللَّه عليه و سلّم) لم يكن مرسلا إلى الملائكة و نوزع في هذا النقل بل رجح الشيخ تقيّ الدّين السّبكيّ أنه كان مرسلا إليهم.

هل من الجن صحابة؟!

اختلف علماء التّوحيد في بيان حقيقة الجن، فقال بعضهم بتغاير حقيقته، فعرّفوا الجن بأنها أجسام هوائية لطيفة تتشكل بأشكال مختلفة و تظهر منها أفعال عجيبة، منهم المؤمن و منهم الكافر.

أما الشّياطين: فهي أجسام نارية شأنها إقامة النفس في الغواية و الفساد.

و قال آخرون إن حقيقتها واحدة و هي أجسام نارية عاقلة قابلة للتشكل بأشكال حسنة أو قبيحة، و هم كبني آدم يأكلون و يشربون و يتناسلون و يكلفون، منهم المؤمن و منهم العاصي، أما الشّيطان فاسم للعاصي، و يدل على ذلك قوله تعالى: وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ‏ [ (5)]. كما يدل على تكليفهم و وجودهم قوله تعالى: وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى‏ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ‏.

الآيات، و قوله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [ (6)]. و حيث ثبت وجودهم بكلام اللَّه و كلام أنبيائه‏

____________

[ (1)] التحريم: 6.

[ (2)] الأنبياء: 20.

[ (3)] النحل: 50.

[ (4)] الأعراف: 206.

[ (5)] الحجر: 27.

[ (6)] الأحقاف: 29.

11

و انعقد عليه الإجماع كان الإيمان بما ثبت واجبا و منكره كافر .. و السؤال بعد ذلك هل هم داخلون في الصحابة الحق؟.

نعم. يدخل في الصّحابة (رضوان اللَّه تعالى عليهم) من رآه (صلى اللَّه عليه و سلّم) أو لقيه مؤمنا به من الجنّ، لأنه (صلى اللَّه عليه و سلّم) بعث إليهم قطعا و هم مكلّفون، و فيهم العصاة و الطّائعون.

قال الحافظ ابن حجر، الرّاجح دخولهم، لأن النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) بعث إليهم قطعا.

قال السّبكيّ في فتاويه: كونه (صلى اللَّه عليه و سلّم) مبعوثا إلى الإنس و الجن كافّة و أن رسالته شاملة للثقلين فلا أعلم فيه خلافا، و نقل جماعة الإجماع عليه.

قال السّبكيّ: و الدّليل عليه قبل الإجماع الكتاب و السّنة، أما الكتاب فآيات منها قوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً. [ (1)]

و قد أجمع المفسّرون على دخول الجنّ في ذلك في هذه الآية. و مع ذلك هو مدلول لفظها، فلا يخرج عنه إلّا بدليل.

و منها قوله تعالى في سورة الأحقاف: فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى‏ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ‏ [ (2)].

و المنذرون هم المخوفون مما يلحق بمخالفته لوم، فلو لم يكن مبعوثا إليهم لما كان القرآن الّذي أتى به لازما لهم و لا خوفوا به.

و منها قولهم فيها، أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ‏ فأمر بعضهم بعضا بإجابته دليل على أنه داع لهم، و هو معنى بعثه إليهم.

و منها قولهم: وَ آمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ ... الآية، و ذلك يقتضي ترتيب المغفرة على الإيمان به، و أن الإيمان به شرط فيها، و إنّما يكون كذلك إذا تعلّق حكم رسالته بهم، و هو معنى كونه مبعوثا إليهم.

و منها قولهم: وَ مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ‏ الآية، فعدم إعجازهم و أوليائهم، و كونهم في ضلال مرتّب على عدم إجابته، و ذلك أدلّ دليل على بعثته إليهم.

و منها قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ‏ [ (3)]. فهذا تهديد و وعيد شامل لهم وارد على لسان رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) عن اللَّه، و هو يقتضي كونه مرسلا إليهم، و أيّ معنى للرسالة غير ذلك و كذلك مخاطبتهم في بقيّة السورة بقوله: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ‏، [ (4)] و غير ذلك من الآيات التي تضمّنتها هذه السورة.

____________

[ (1)] الفرقان: 1.

[ (2)] الأحقاف: 29.

[ (3)] الرحمن: 31.

[ (4)] الرحمن: 46.

12

و منها قوله تعالى في سورة الجنّ: فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [ (1)]، فإن قوة هذا الكلام تقتضي أنهم انقادوا له و آمنوا بعد شركهم، و ذلك يقتضي أنّهم فهموا أنّهم مكلّفون به، و كذلك كثير من الآيات التي في هذه السّورة التي خاطبوا بها قومهم.

و منها قولهم فيها: وَ أَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى‏ آمَنَّا بِهِ‏ [ (2)]، و كذا قولهم: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً [ (3)] الآيات.

و منها قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ‏ [ (4)].

فهذه الآية تقتضي أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) منذر بالقرآن كله من بلغه القرآن جنيّا كان أو إنسيّا، و هي في الدّلالة كآية الفرقان أو أصرح، فإن احتمال عود الضّمير على الفرقان غير وارد هنا، فهذه مواضع في الفرقان تدل على ذلك دلالة قوية، أقواها آية الأنعام هذه، و تليها آية الفرقان، و تليها آيات الأحقاف، و تليها آيات الرحمن، و خطابها في عدّة آيات: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‏، و تليها سورة الجنّ، فقد جاء ترتيبها في الدلالة و القوة كترتيبها في المصحف، و في القرآن أيضا ما يدلّ لذلك، و لكن دلالة الإطلاق اعتمدها كثير من العلماء في مباحث، و هو اعتماد جيد و هو هنا أجود، لأن الأمر بالإنذار، و المطلق إذا لم يتقيّد بقيد يدل على تمكن المأمور في الإتيان به في أي فرد شاء من أفراده و في كلها، و هو (صلى اللَّه عليه و سلّم) كامل الشفقة على خلق اللَّه، و النصيحة لهم و الدعاء إلى اللَّه تعالى، فمع تمكنه من ذلك لا يتركه في شخص من الأشخاص، و لا في زمن من الأزمان، و لا في مكان من الأمكنة، و هكذا كانت حالته- (صلى اللَّه عليه و سلّم)، و يعلم أيضا من الشريعة أن اللَّه تعالى لم يرده قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ [ (5)] مطلق الإنذار حتى يكتفي بإنذار واحد لشخص واحد، بل أراد التّشمير و الاجتهاد في ذلك، فهذه القرائن تفيد الأمر بالإنذار لكل من يفيد فيه الإنذار، و الجن بهذه الصّفة، لأنه كان فيهم سفهاء و قاسطون و هم مكلفون فإذا أنذروا رجعوا عن ضلالهم فلا يترك النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) دعاءهم، و الآية بالقرائن المذكورة مفيدة للأمر بذلك فثبتت البعثة إليهم بذلك، و منها كل آية فيها لفظ المؤمنين و لفظ الكافرين مما فيه أمر أو نهي و نحو ذلك فإنّ المؤمنين و الكافرين صفتان لمحذوف، و الموصوف المحذوف يتعيّن أن يكون النّاس بل المكلّفون أعمّ من أن يكونوا إنسا أو جنّا، و إذا ثبت ذلك أمكن الاستدلال بما لا يعدّ و لا يحصى من الآيات كقوله تعالى:

____________

[ (1)] الجن: 2.

[ (2)] الجن: 13.

[ (3)] الجن: 14.

[ (4)] الأنعام: 19.

[ (5)] المدثر: 2.

13

فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ [ (1)] فالجن الذين لم يتبعوه ليسوا مفلحين، و إنما يكون كذلك، و إذا ثبتت رسالته في حقهم.

و كقوله تعالى: لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ بُشْرى‏ لِلْمُحْسِنِينَ‏ [ (2)]، و كقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‏ [ (3)]، و نحو ذلك من الآيات أيضا قوله تعالى: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ (4)]، و من الجن كذلك، و لو تتبّعنا الآيات التي من هذا الجنس لوجدناها جاءت كثيرة.

و اعلم أن المقصود بتكثير الأدلة أن الآية الواحدة و الآيتين قد يمكن تأويلها، و يتطرّق إليها الاحتمال فإذا كثرت قد تترقى إلى حدّ يقطع بإرادة ظاهرها، و بقي الاحتمال و التأويل عنها.

و أمّا السّنّة

ففي صحيح مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) قال:

(فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، و نصرت بالرّعب، و أحلّت لي الغنائم، و جعلت لي الأرض طهورا و مسجدا، و أرسلت إلى الخلق كافّة، و خيم بي التّيسيّون) [ (5)].

و محل الاستدلال قوله: (و أرسلت إلى الخلق كافّة)، فإنه يشمل الجن و الإنس، و حمله على الإنس خاصّة تخصيص بغير دليل فلا يجوز، و الكلام فيه كالكلام في قوله تعالى: لِلْعالَمِينَ‏.

فإن قال قائل: على أن المراد بالخلق الناس‏

رواية البخاري من حديث جابر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) قال:

(أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي)

[ (6)]، فذكر من جملتها:

____________

[ (1)] الأعراف: 157.

[ (2)] الأحقاف: 12.

[ (3)] البقرة: 2.

[ (4)] يس: 11.

[ (5)] أخرجه مسلم في الصحيح 1/ 371- 372 كتاب المساجد و مواضع الصلاة (5) حديث رقم (5/ 523) و الترمذي في السنن 4/ 104- 105 كتاب السير (22) باب ما جاء في الغنيمة (5) حديث رقم 1553 و قال حسن صحيح و أحمد في المسند 2/ 412- و البيهقي في السنن 2/ 432، 9/ 5 و البيهقي في دلائل النبوة 5/ 472- و ذكره الهيثمي في الزوائد 8/ 269- و الهندي في كنز العمال حديث رقم 31932.

[ (6)] متفق عليه من حديث جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه أخرجه البخاري في الصحيح 1/ 435- 436 كتاب القيم (7) باب (1) حديث رقم (335)- و اللفظ له- و مسلم في الصحيح 1/ 370 كتاب المساجد (5) حديث رقم (3/ 521) و أحمد في المسند 3/ 304، 5/ 148- و الدارميّ في السنن 2/ 224 و البيهقي في السنن 1/ 212، 2/ 329، 433، 6/ 291، 9/ 40 و أبو نعيم في الحلية 8/ 316- و ابن أبي شيبة

14

«و أرسلت إلى النّاس كافّة»،

قلنا: لو كان هذا حديثا واحدا كنا نقول: لعلّ هذا اختلاف من الرّواة، و لكن الّذي ينبغي أن يقال: إنهما حديثان، لأن حديث مسلم من رواية أبي هريرة، و فيه ست خصال، و حديث البخاريّ من رواية جابر و فيه خمس خصال.

و الظّاهر أنّ النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) قالهما في وقتين، و في حديث مسلم زيادة في عدة الخصال، و في سنن المرسل إليهم فيجب إثباتها زيادة على حديث جابر، و ليس بنا ضرورة إلى حمل أحد الحديثين على الآخر إذ لا منافاة بينهما، بل هما حديثان مختلفا المخرج و المعنى، و إن كان بينهما اشتراك في أكثر الأشياء، و خرج كل من صاحبي الصّحيحين واحدا منها و لم يذكر الآخر.

فهذا الحديث الّذي ذكرناه عن مسلم و استدللنا به أصرح الأحاديث الصحيحة الدالة على شمول الرّسالة للجنّ و الإنس.

و من الأدلّة أيضا أن النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) خاتم النبيين و شريعته آخر الشرائع و ناسخة لكل شريعة قبلها، و لا شريعة باقية الآن غير شريعته، و لذلك إذا نزل عيسى ابن مريم (صلى اللَّه عليه و سلّم) إنّما يحكم بشريعة محمّد (صلى اللَّه عليه و سلّم) فلو لم يكن الجن مكلفين بها لكانوا إمّا مكلفين بشريعة غيرها، و هو خلاف ما تقرّر، و إمّا ألّا يكونوا مكلّفين أصلا، و لم يقل أحد بذلك، و لا يمكن القول به، لأن القرآن كله ملي‏ء بتكليفهم، قال تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ‏ و قال‏ قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ فِي النَّارِ إلى غير ذلك من الآيات، و دخولهم النار دليل على تكليفهم، و هذا أوضح من أن يقام عليه دليل، فإن تكليفهم معلوم من الشرع بالضرورة، و تكليفهم بغير هذه الشّريعة يستلزم بقاء شريعة معها، فثبت أنّهم مكلّفون بهذه الشريعة كالإنس [ (1)].

و قال ابن حزم الظّاهريّ:

قد أعلمنا اللَّه أن نفرا من الجن آمنوا و سمعوا القرآن من النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) ففيهم صحابة فضلاء. هذا و اللَّه تعالى أعلى و أعلم.

____________

[ (11)]/ 432 و البخاري في التاريخ الكبير 4/ 114، 5/ 455 و ذكره المنذري في الترغيب 4/ 433- و الهيثمي في الزوائد 8/ 61، 62 و الهندي في كنز العمال حديث رقم 31930، 32059، 32060، 32061، 32062.

[ (1)] انظر فتاوى السبكي 2/ 594 و ما بعدها بتصرف.

15

بم يعرف الصّحابيّ؟

يعرف الصّحابيّ بأحد الأدلّة التّالية:

أولا: التّواتر، و هو رواية جمع عن جمع يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، و ذلك كأبي بكر و عمر و عثمان و عليّ و بقيّة العشرة المبشّرين بالجنّة- رضي اللَّه عنهم.

ثانيا: الشّهرة أو الاستفاضة القاصرة عن حد التواتر كما في أمر ضمام بن ثعلبة، و عكاشة بن محصن.

ثالثا: أن يروى عن آحاد الصّحابة أنه صحابي كما في حممة بن أبي أحممة الدّوسيّ الّذي مات ب «أصبهان» مبطونا فشهد له أبو موسى الأشعريّ أنه سمع النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) حكم له بالشهادة، هكذا ذكره أبو نعيم في «تاريخ أصبهان».

رابعا: أن يخبر أحد التّابعين بأنه صحابي بناء على قبول التّزكية من واحد عدل و هو الرّاجح.

خامسا: أن يخبر هو عن نفسه بأنه صحابيّ بعد ثبوت عدالته و معاصرته، فإنه بعد ذلك لا يقبل ادّعاؤه بأنه رأى النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) أو سمعه،

لقوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) في الحديث الصحيح:

«أ رأيتكم ليلتكم هذه، فإنّه على رأس مائة سنة منه لا يبقى أحد ممّن على ظهر الأرض ...» [ (1)].

يريد بهذا انخرام ذلك القرن، و قد قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) ذلك في سنة وفاته، و من هذا المأخذ لم يقبل الأئمّة قول من ادّعى الصّحبة بعد الغاية المذكورة.

و قد ذكر الحافظ ابن حجر في «الإصابة»- هنا- ضابطا يستفاد منه معرفة جمع كثير من الصّحابة يكتفى فيهم بوصف يتضمّن أنهم صحابة، و هو مأخوذ من ثلاثة آثار:

أحدها: أنهم كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصّحابة، فمن تتبّع الأخبار الواردة من الرّدة و الفتوح وجد من ذلك الكثير.

____________

[ (1)] أخرجه البخاري في الصحيح 1/ 235 كتاب مواقيت الصلاة باب ذكر العشاء و العتمة حديث رقم 564 و مسلم في الصحيح 4/ 1965 كتاب فضائل الصحابة (44) باب‏

قوله (صلى اللَّه عليه و سلّم)‏ لا تأتي مائة سنة و على الأرض نفس منفوسة اليوم‏

(53) حديث رقم (217/ 2537) و الترمذي في السنن 4/ 451 كتاب الفتن (34) باب (64) حديث رقم 2251- و أحمد في المسند 2/ 221 و البيهقي في السنن 1/ 453، 9/ 7 و البيهقي في دلائل النبوة 6/ 500 و الحاكم في المستدرك 2/ 37 و ذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم 38344.

16

ثانيها: أن عبد الرّحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) فدعا له، و هذا أيضا يوجد منه الكثير.

ثالثها: أنه لم يبق بالمدينة و لا بمكّة و لا الطّائف و لا من بينها من الأعراف إلا من أسلم و شهد حجّة الوداع، فمن كان في ذلك الوقت موجودا اندرج فيهم، لحصول رؤيتهم للنبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) و إن لم يرهم هو.

قال الذّهبيّ في «الميزان» في ترجمة «رتن» 2/ 45 «و ما أدراك ما رتن؟! شيخ دجّال بلا ريب، ظهر بعد السّتمائة فادّعى الصّحبة، و الصّحابة لا يكذبون و هذا جري‏ء على اللَّه و رسوله، و قد ألّفت في أمره جزءا».

حكمة اللَّه في اختيار الصّحابة

الواقع أنّ العقل المجرّد من الهوى و التعصّب، يحيل على اللَّه في حكمته و رحمته، أن يختار لحمل شريعته الختاميّة أمة مغموزة أو طائفة ملموزة تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرا، و من هنا كان توثيق هذه الطّبقة الكريمة طبقة الصّحابة، يعتبر دفاعا عن الكتاب و السّنّة و أصول الإسلام من ناحية، و يعتبر إنصافا أدبيّا لمن يستحقونه من ناحية ثانية، و يعتبر تقديرا لحكمة اللَّه البالغة في اختيارهم لهذه المهمّة العظمى من ناحية ثالثة، كما أن توهينهم و النيل منهم يعدّ غمزا في هذا الاختيار الحكيم، و لمزا في ذلك الاصطفاء و التّكريم فوق ما فيه من هدم الكتاب و السنّة و الدّين.

على أن المتصفّح لتاريخ الأمّة العربية و طبائعها و مميزاتها يرى من سلامة عنصرها و صفاء جوهرها، و سمو مميزاتها، ما يجعله يحكم مطمئنّا بأنّها صارت خير أمّة أخرجت للنّاس بعد أن صهرها الإسلام، و طهرها القرآن و نفى خبثها سيّد الأنام، عليه الصّلاة و السّلام.

و لكن الإسلام قد ابتلي حديثا بمثل أو بأشدّ ممّا ابتلي به قديما، فانطلقت ألسنة في هذا العصر ترجف في كتاب اللَّه بغير علم، و تخوض في السّنة بغير دليل، و تطعن في الصّحابة دون استحياء، و تنال من حفظة الشريعة بلا حجّة، و تتهمهم تارة بسوء الحفظ، و أخرى بالتزيد و عدم التثبت، و قد زوّدناك، و سلّحناك، فانزل في الميدان و لا تخش عداك.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ‏.

نصرنا اللَّه بنصرة الإسلام، و ثبت منا الأقدام و الحمد للَّه في البدء و الختام‏

.

17

مرتبة الصّحابة

للصّحابة- رضي اللَّه عنهم أجمعين- خصيصة، و هي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، و ذلك أمر مسلّم به عند كافّة العلماء، لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الشرع من الكتاب و السّنة، و إجماع من يعتدّ به في الإجماع من الأمّة.

فأمّا الكتاب:

قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ، تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ، وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ، فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى‏ عَلى‏ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً [ (1)].

و قال تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً، وَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ [ (2)].

و قال تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏ [ (3)].

و قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [ (4)].

و قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ [ (5)].

و قال تعالى: وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ، وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ، وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏ [ (6)].

و قال تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ (7)].

____________

[ (1)] الفتح: 29.

[ (2)] الحشر: 8- 9.

[ (3)] الأنفال: 74.

[ (4)] الفتح: 18.

[ (5)] التوبة: 118.

[ (6)] التوبة: 100.

[ (7)] البقرة: 143.

18

و الوسط: الخيار و العدول، فهم خير الأمم و أعدلها في أقوالهم و أعمالهم و إرادتهم و نيّاتهم، و بهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرّسل على أممهم يوم القيامة، و اللَّه تعالى يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه، و لهذا نوّه بهم و رفع ذكرهم و أثنى عليهم، لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة و غيرهم بحال هؤلاء الشهداء، و أمر ملائكته أن تصلّي عليهم و تدعو لهم و تستغفر لهم، و الشّاهد المقبول عند اللَّه هو الّذي يشهد بعلم و صدق فيخبر بالحق مستندا إلى علمه به، كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ‏ [ (1)] [ (2)].

و قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ‏ [ (3)].

و يدخل في الخطاب الصَّحابيّ من باب أولى، فلقد شهد بأنهم يأمرون بكل معروف و ينهون عن كل منكر.

و قال تعالى: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ، وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ، وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ‏ [ (4)].

فأخبر تعالى أنه اجتباهم، و الاجتباء كالاصطفاء، و هو افتعال من «اجتبى الشّي‏ء يجتبيه»، إذا ضمّه إليه و حازه إلى نفسه، فهم المجتبون الّذين اجتباهم اللَّه إليه و جعلهم أهله و خاصّته و صفوته من خلقه بعد النّبيين و المرسلين، و لهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حقّ جهاده و يبذلوا له أنفسهم و يفردوه بالمحبّة و العبوديّة، و يختاروه وحده إلها معبودا محبوبا على كل ما سواه، كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحده إلههم و معبودهم الّذي يتقربون إليه بألسنتهم و جوارحهم و قلوبهم و محبتهم و إرادتهم، فيؤثرونه في كل حال على من سواه كما اتخذهم عبيده و أولياءه و أحبّاءه، و آثرهم بذلك على من سواهم، ثم أخبرهم تعالى أنّه يسّر عليهم دينه غاية التّيسير، و لم يجعل عليهم فيه من حرج البتّة لكمال محبَّته لهم و رأفته و رحمته و حنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملّة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم، و هي إفراده تعالى وحده بالعبودية و التعظيم و الحبّ و الخوف و الرّجاء و التوكّل و الإنابة و التفويض و الاستسلام، فيكون تعلّق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر تعالى أنه فعل ذلك‏

____________

[ (1)] الزخرف: 86.

[ (2)] أعلام الموقعين 4/ 102.

[ (3)] آل عمران: 110.

[ (4)] الحج: 78.

19

ليشهد عليهم رسوله و يشهدوا هم على النّاس، فيكون مشهودا لهم بشهادة الرّسول، شاهدين على الأمم بقيام حجّة اللَّه عليهم [ (1)].

و قال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلامٌ عَلى‏ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى‏ [ (2)].

قال ابن عبّاس: أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلّم) اصطفاهم اللَّه لنبيه (عليه السلام) [ (3)].

تلك آيات عظيمة نزلت من عند المولى عزّ و جلّ تشهد بفضل و عدالة جميع أصحاب النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) الّذين كانوا معه في المواقف الحاسمة في تاريخ الدّعوة الإسلامية ابتداء من دار الأرقم بن أبي الأرقم، و انتهاء بفتح المدائن.

فمن الأمور القطعيّة الثبوت و الدّلالة أن عدالة أصحاب سيدنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) جاءت من فوق سبعة أرقعة، فلا يتصور لإنسان مهما أوتي من علم و معرفة أن يطعن في صحابة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) بعد شهادة اللَّه عز و جل لهم!! و هذا سنفرد له كلمة عن الحديث عن سيدنا «أبي هريرة» رضي اللَّه تعالى عنه.

يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ، وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏ [ (4)].

و أمّا السّنّة:

و في نصوص السّنّة النبويّة المشرّفة الشّاهدة بذلك كثرة منها:

عن أبي سعيد عن النّبي- (عليه السلام)- قال:

«لا تسبّوا أصحابي، فو الّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم و لا نصيفه» [ (5)].

____________

[ (1)] أعلام الموقعين 4/ 102.

[ (2)] النحل: 59.

[ (3)] شرح السنن بتحقيقنا 7/ 71 و الدّليل عليه قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فاطر: 32 و حقيقة الاصطفاء: افتعال من التّصفية فيكون قد صفّاهم من الأكدار و الخطأ من الأكدار فيكونون مصفّين منه، و لا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا، لأن الحق لم يعدهم، فلا يكون قول بعضهم كدرا، لأن مخالفته أكدر، و بيانه يزيل كونه كدرا بخلاف ما إذا قال بعضهم قولا و لا يخالف فيه فلو كان قولا باطلا و لم يرده راد لكان حقيقة الكدر، و هذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) في بعض أموره، فإنّها لا تخرجه عن حقيقة الاصطفاء: أعلام الموقعين 4/ 100.

[ (4)] التوبة: 32.

[ (5)] أخرجه البخاريّ 7/ 12 كتاب «فضائل الصّحابة» باب‏

قول النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم)‏ «لو كنت متّخذا خليلا»

(3673) و مسلم 4/ 1967- 1968 كتاب «فضائل الصّحابة»: باب تحريم سبّ الصحابة (222- 2541) و أبو

20

و هذا خطاب منه لخالد بن الوليد و لأقرانه من مسلمة الحديبيّة و الفتح، فإذا كان مدّ أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند اللَّه من مثل أحد ذهبا من مثل خالد و أضرابه من أصحابه، فكيف يجوز أن يحرمهم اللَّه الصّواب في الفتاوى و يظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال [ (1)]

و عن عبد اللَّه بن مغفّل المزنيّ قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم):

اللَّه اللَّه في أصحابي، اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، و من أبغضهم فببغضي أبغضهم، و من آذاهم فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللَّه، و من آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه [ (2)].

و عن أبي موسى قال:

صلّينا مع النّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) المغرب، ثم قلنا: لو انتظرنا حتى نصلّي معه العشاء، فانتظرناه فخرج علينا، فقال: «ما زلتم ها هنا»، قال: قلنا: نعم يا رسول اللَّه، قلنا: نصلّي معك العشاء، قال: «أحسنتم و أصبتم»، ثم رفع رأسه إلى السّماء، و كان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السّماء، قال: «النّجوم أمنة لأهل السّماء، فإذا ذهبت النّجوم أتى أهل السّماء ما يوعدون و أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، و أصحابي أمنة لأمّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما يوعدون» [ (3)].

و وجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، و كنسبة النّجوم إلى السماء، و من المعلوم أنّ هذا التّشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيّهم (صلى اللَّه عليه و سلّم) و نظير اهتداء أهل الأرض بالنّجوم، و أيضا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم، و حرزا من الشّرّ و أسبابه [ (4)].

و عن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«خير أمّتي القرن الّذي بعثت فيهم، ثمّ الَّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم» [ (5)].

____________

[ ()] داود 4/ 214 كتاب السنن: باب النّهي عن سب أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) (4658) و الترمذي 5/ 653 كتاب «المناقب»: باب فضل من بايع تحت الشجرة (3861).

[ (1)] أعلام الموقعين لابن القيم 4/ 105.

[ (2)] أخرجه التّرمذيّ 5/ 653 في المصدر السابق (3962) و صححه ابن حبان ذكره الهيثمي في «موارد الظّمآن» (569) باب فضل أصحاب رسول اللَّه (2284) و أحمد في المسند 4/ 87.

[ (3)] أخرجه مسلم 4/ 1961 كتاب «فضائل الصّحابة»: باب بيان أن بقاء النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) أمان لأصحابه (207- 2531) و أحمد في المسند 4/ 399.

[ (4)] أعلام الموقعين 4/ 104، 105.

[ (5)] أخرجه مسلم في المصدر السابق 2151- 2535) و الترمذي 4/ 434 كتاب الفتن: باب ما جاء في القرن الثالث (2222) و أبو داود 4/ 214 كتاب السنة: باب في فضل أصحاب الرسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) (4657) و أحمد في المسند 2/ 2228 و البيهقي في السنة 10/ 160 و الطبراني في الكبير 18/ 213.

21

فأخبر النّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم)

أن خير القرون قرنه مطلقا،

و ذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، و إلّا لو كان خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا [ (1)].

و قد يقول قائل: إن هذه الأدلّة تتناول أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) الذين كانوا معه قبل الفتح، و أمّا من أسلم بعد الفتح فلا دليل على عدالتهم، فأسوق جوابا له قول الدّكتور محمّد السّماحيّ: (و أما مسلمة الفتح و الأعراب الوافدون على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) فهؤلاء لم يتحملوا من السنة مثل ما تحمّل الصّحابة الملازمون لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و من تعرّض منهم للرّواية كحكيم بن حزام، و عتّاب، و غيرهم عرفوا بالصّدق و الدّيانة و غاية الأمانة على أنه ورد ما يجعلهم أفضل من سواهم من القرون بعدهم،

كقوله (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«خير القرون قرني ثمّ الّذين يلونهم ثمّ الّذين يلونهم ثمّ يفشو الكذب» [ (2)].

و هو حديث صحيح مروي في «الصّحيحين»

و غيرهما بألفاظ مختلفة، و الخيرية لا تكون إلا للعدول الذين يلتزمون الدّين و العمل به. و قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ‏ [ (3)].

و الخطاب الشّفهيّ لصحابة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و من حضر نزول الوحي، و هو يشمل جميعهم، و كذلك قوله تعالى: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ (4)]، وسطا: عدولا.

فالإسلام كان في أول شبابه فتيّا قويّا في قلوب من أذعنوا له و اتّبعوا هداه، و تمسّكوا بمبادئه، و اصطبغوا بصبغته، فكانت العدالة قوية في نفوسهم شائعة في آحادهم، حتى إننا نرى الذين وقعوا منهم في الكبائر ما لبثوا أن ساقتهم عزائمهم إلى الاعتراف و طلب الحدّ، ليطهروا به أنفسهم، و سارعوا إلى التّوبة حيث تاب اللَّه عليهم، و لا نريد بقولنا: الصحابة عدول- أكثر من أنّ ظاهرهم العدالة [ (5)].

ثناء أهل العلم على الصّحابة

و هذا الثّناء للاستئناس و ليس للتّدليل إذ لا يصحّ القول مع اللَّه عزّ و جلّ و رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم)

____________

[ (1)] أعلام الموقعين 4/ 104.

[ (2)] أخرجه التّرمذي 4/ 476 (2303) و ذكره ابن حجر في تلخيص الحبير 4/ 204.

[ (3)] آل عمران: 110.

[ (4)] البقرة: 143.

[ (5)] المنهج الحديث في علوم الحديث ص 63 نقلا عن السنة قبل التدوين د. الخطيب، و انظر السنة قبل التدوين 401، 402.

22

حيث نص اللَّه و رسوله على عدالتهم، فهل بعد تعديل اللَّه عز و جل رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) تعديل؟!! فأقول و للَّه الحمد و المنّة:

قال الإمام النّوويّ: الصّحابة كلهم عدول، من لابس الفتن و غيرهم بإجماع من يعتدّ به [ (1)].

قال إمام الحرمين: و السّبب في عدم الفحص عن عدالتهم أنهم حملة الشّريعة، فلو ثبت توقّف في روايتهم لانحصرت الشّريعة على عصره (صلى اللَّه عليه و سلّم) و لما استرسلت سائر الأعصار.

قال أبو زرعة الرّازيّ: إذا رأيت الرّجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) فاعلم أنه زنديق، و ذلك أنّ الرسول حق، و القرآن حق، و ما جاء به حق، و إنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة، و هؤلاء الزّنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب و السّنّة فالجرح بهم أولى.

قال ابن الصّلاح: «ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصّحابة و من لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتدّ بهم في الإجماع إحسانا للظّنّ بهم، و نظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر، و كأن اللَّه سبحانه و تعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشّريعة» [ (2)].

قال الخطيب البغداديّ في الكفاية» مبوبا على عدالتهم:

ما جاء في تعديل اللَّه و رسوله للصّحابة، و أنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، و إنما يجب فيمن دونهم كل حديث اتّصل إسناده بين من رواه و بين النّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، و يجب النّظر في أحوالهم سوى الصّحابي الّذي رفعه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم)، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللَّه لهم، و إخباره عن طهارتهم و اختياره لهم في نص القرآن.

و الأخبار في هذا المعنى تتّسع، و كلها مطابقة لما ورد في نصّ القرآن، و جميع ذلك يقتضي طهارة الصّحابة و القطع على تعديلهم و نزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللَّه تعالى لهم، المطّلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له [ (3)].

و قال الإمام مالك: من انتقص أحدا من أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) فليس له في هذا الفي‏ء حق، قد قسم اللَّه الفي‏ء في ثلاثة أصناف فقال:

____________

[ (1)] التقريب 214 مع التدريب.

[ (2)] الحديث و المحدثون 129، 130.

[ (3)] الكفاية 46، 48.

23

لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً، وَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏ [ (1)].

ثم قال:

وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ (2)].

و هؤلاء هم الأنصار.

ثم قال:

وَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ‏ [ (3)].

فمن تنقّصهم فلا حق له في في‏ء المسلمين [ (4)].

عقيدة أهل السّنّة في تفضيل الصّحابة

أجمع أهل السّنّة على أن أفضل الصّحابة بعد النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) على الإطلاق أبو بكر ثم عمر، و ممّن حكى إجماعهم على ذلك أبو العبّاس القرطبي، فقال: و لم يختلف أحد في ذلك من أئمّة السّلف و لا الخلف، فقال: و لا مبالاة بأقوال أهل التّشيّع و لا أهل البدع، انتهى. و قد حكى الشّافعيّ و غيره إجماع الصّحابة و التابعين على ذلك، قال البيهقيّ في كتاب «الاعتقاد»: روينا عن أبي ثور عن الشّافعيّ قال: ما اختلف أحد من الصّحابة و التابعين في تفضيل أبي بكر و عمر و تقديمهما على جميع الصّحابة، و إنما اختلف من اختلف منهم في عليّ و عثمان [ (5)].

و قال العلّامة الكمال بن الهمّام في «المسايرة»: فضل الصّحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند اللَّه تعالى، و ذلك لا يطلع عليه إلا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و قد ورد عنه ثناؤه عليهم كلهم، و لا يتحقّق إدراك حقيقة تفضيله (عليه السلام) لبعضهم على بعض إن لم يكن سمعيّا يصل إلينا قطعيّا في دلالته إلا الشاهدين لذلك الزمان، لظهور قرائن الأحوال لهم، و قد ثبت ذلك لنا صريحا و دلالة كما في صحيح البخاريّ من حديث عمرو بن العاص حين سأله (عليه السلام):

____________

[ (1)] الحشر: 8.

[ (2)] الحشر: 9.

[ (3)] الحشر: 10.

[ (4)] الشفا للقاضي عياض 1111، 1112.

[ (5)] فتح المغيث للعراقي 4/ 41.

24

من أحبّ النّاس إليك من الرّجال؟ فقال: «أبوها». يعني عائشة رضي اللَّه عنها- و تقديمه في الصّلاة على ما قدّمنا مع أن الاتّفاق على أن السّنّة أن يقدم على القوم أفضلهم علما، و قراءة، و خلقا، و ورعا، فثبت أنه كان أفضل الصّحابة، و صحّ من حديث ابن عمر في صحيح البخاريّ قال: كنا في زمن النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) لا نفاضل بينهم،

و صحّ فيه من حديث محمّد بن الحنفيّة:

قلت لأبي: أيّ النّاس خير بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، و خشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا واحد من المسلمين،

فهذا عليّ نفسه مصرّح بأن أبا بكر أفضل النّاس، و أفاد بعد ما ذكرنا تفضيل أبي بكر وحده على الكلّ، و في بعض ترتيب الثّلاثة، و لما أجمعوا على تقديم عليّ بعدهم دل على أنه كان أفضل من بحضرته و كان منهم الزّبير و طلحة فثبت أنه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة.

هذا و اعتقاد أهل السّنّة تزكية جميع الصّحابة و الثناء عليهم، كما أثنى اللَّه سبحانه و تعالى عليهم إذ قال:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏ [ (1)]. [ (2)].

و قال العلّامة البغداديّ في «أصول الدّين»: [ (3)] أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم السّتّة الباقون بعدهم إلى تمام العشرة و هم: طلحة و الزّبير و سعد بن أبي وقّاص و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل و عبد الرّحمن بن عوف و أبو عبيدة بن الجرّاح، ثم البدريّون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرّضوان بالحديبية، و اختلف أصحابنا في تفضيل عليّ و عثمان، فقدم الأشعريّ عثمان، و بناه على أصله في منع إمامة المفضول.

و قال محمّد بن إسحاق بن خزيمة و الحسين بن الفضل البجليّ بتفضيل علي رضي اللَّه عنه- و قال القلانسيّ: لا أدري أيهما أفضل، و أجاز إمامة المفضول.

و قال العلّامة اللقانيّ في جوهرته:

و أوّل التّشاجر الرجز الّذي ورد* * * إن خضت فيه و اجتنب داء الحسد

____________

[ (1)] آل عمران: 110.

[ (2)] المسايرة 166- 168.

[ (3)] أصول الدين للبغدادي 304.

25

فقال العلّامة البيجوريّ في شرحه عليها:

و قد وقع تشاجر بين علي و معاوية- رضي اللَّه عنهما- و قد افترقت الصحابة ثلاث فرق:

فرقة اجتهدت، فظهر لها أن الحق مع عليّ، فقاتلت معه، و فرقة اجتهدت، فظهر لها أن الحق مع معاوية، فقاتلت معه، و فرقة توقّفت.

و قد قال العلماء: المصيب بأجرين و المخطئ بأجر، و قد شهد اللَّه و رسوله لهم بالعدالة، و المراد من تأويل ذلك أن يصرف إلى محمل حسن لتحسين الظّنّ بهم فلم يخرج واحد منهم عن العدالة بما وقع بينهم، لأنهم مجتهدون.

و قوله: (إن خضت فيه) أي إن قدّر أنّك خضت فيه فأوّله: و لا تنقص أحدا منهم، و إنما قال المصنّف ذلك لأن الشّخص ليس مأمورا بالخوض فيما جرى بينهم، فإنه ليس من العقائد الدّينية، و لا من القواعد الكلامية، و ليس ممّا ينتفع به في الدّين، بل ربّما ضرّ في اليقين، فلا يباح الخوض فيه إلا للرّدّ على المتعصبين، أو للتّعليم كتدريس الكتب التي تشتمل على الآثار المتعلقة بذلك، و أما العوام فلا يجوز لهم الخوض فيه لشدّة جهلهم، و عدم معرفتهم بالتأويل. [ (1)]

و قال السّعد التّفتازانيّ:

«يجب تعظيم الصّحابة و الكفّ عن مطاعنهم، و حمل ما يوجب بظاهره الطّعن فيهم على محامل و تأويلات، سيّما المهاجرين و الأنصار و أهل بيعة الرّضوان، و من شهد بدرا و أحدا و الحديبيّة، فقال: انعقد على علوّ شأنهم الإجماع، و شهد بذلك الآيات الصّراح، و الأخبار الصّحاح».

«و للرّوافض سيما الغلاة منهم مبالغات في بغض البعض من الصّحابة- رضي اللَّه عنهم- و الطّعن فيهم بناء على حكايات و افتراءات لم تكن في القرن الثّاني و الثّالث، فإياك و الإصغاء إليها، فإنّها تضلّ الأحداث، و تحيّر الأوساط و إن كانت لا تؤثر فيمن له استقامة على الصّراط المستقيم، و كفاك شاهدا على ما ذكرنا أنّها لم تكن في القرون السّالفة و لا فيما بين العترة الطّاهرة، بل ثناؤهم على عظماء الصّحابة و علماء السّنّة و الجماعة، و المهديين من خلفاء الدّين مشهور و في خطبهم و رسائلهم و أشعارهم و مدائحهم مذكور» [ (2)].

____________

[ (1)] شرح الجوهرة للقاني 104، 105.

[ (2)] المقاصد للتفتازاني 5/ 303، 304.

26

و قال العلّامة المرعشيّ في «نشر الطّوالع»:

«يجب تعظيم جميع أصحاب النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) و الكفّ عن مطاعنهم، و حسن الظّنّ بهم، و ترك التّعصّب و البغض لأجل بعضهم على بعض، و ترك الإفراط في محبّة بعضهم على وجه يفضي إلى عداوة آخرين منهم و القدح فيهم، فإن اللَّه تعالى أثنى عليهم في مواضع كثيرة منها قوله تعالى:

يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى‏ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ .. [ (1)]

الآية.

و قد أحبّهم النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) و أثنى عليهم و أوصى أمّته بعدم سبّهم و بغضهم و أذاهم، و ما ورد من المطاعن، فعلى تقدير صحته له محامل و تأويلات، و مع ذلك لا يعادل ما ورد في مناقبهم، و حكي عن آثارهم المرضية و سيرهم الحميدة نفعنا اللَّه بمحبّتهم أجمعين [ (2)].

قال: الإمام النّوويّ- (رحمه اللَّه) تعالى:

و اعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدّة اشتباهها اختلف اجتهادهم و صاروا ثلاثة أقسام: قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحقّ في هذا الطرف، و أن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته و قتال الباغي عليه فيما اعتقدوه فعلوا ذلك، و لم يكن يحل لمن هذه صفته التأخّر عن مساعدة الإمام العدل في قتال البغاة.

و قسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطّرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته و قتال الباغي عليه.

و قسم ثالث اشتبهت عليهم القضية و تحيّروا فيها و لم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين، و كان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم، لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك، و لو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين و أن الحق معه لما جاز لهم التأخّر عن نصرته في قتال البغاة عليه.

فكلهم معذورون- رضي اللَّه عنهم- و لهذا اتّفق أهل الحق و من يعتدّ به في الإجماع على قبول شهاداتهم و رواياتهم و كمال عدالتهم رضي اللَّه عنهم أجمعين.

____________

[ (1)] التحريم: 8.

[ (2)] نشر الطوالع للعلامة المرعشي الشهير بساجقلي زاده ص 385 و ما بعدها.

27

الدواعي و العوامل التي توافرت في الصحابة حتى استظهروا القرآن و الحديث النبوي الشريف و ثبتوا فيهما

إن محاولة الطّعن في أصحاب سيّدنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) هي محاولة للطّعن في القرآن الكريم و السّنّة النبويّة المشرفة فالطّاعن فيهم يريد زعزعة النّاس بكتاب اللَّه و سنة رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) مقصده في ذلك افتتان المسلمين عن دينهم فكثرت الأيدي الآثمة من النيل بكتاب اللَّه و سنة رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) فاستكثروا على الصّحابة- (رضوان اللَّه عليهم)- أن يكونوا قد حفظوا الحديث الشّريف، و هذا ما ستراه في الدّفاع عن إمام الحافظين سيدنا أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- و مع كل ذلك أبي اللَّه إلّا أن يتمّ نوره و لو كره الكافرون.

و إليك ما كتب العلّامة الزّرقانيّ في «مناهل العرفان» فقال: و يزعم أن شبهات القوم كلها متشابهة، و طرق دفعها هي الأخرى متشابهة، فإن واجب الحيطة و الحذر يقتضينا أن نقيم خطّا منيعا من خطوط الدّفاع عن الكتاب و السّنة، و أن نؤلف هذا الخطّ من جبهتين قويتين:

الجبهة الأولى: تطاول السّماء بتجلية الدواعي و العوامل التي توافرت في الصحابة حتى جعلت منهم كثرة غامرة يحفظون القرآن و الحديث، و ينقلونهما نقلا متواترا مستفيضا.

و الجبهة الثانية: تفاخر الجوزاء بنظم الدّواعي و العوامل التي توافرت فيهم (رضوان اللَّه عليهم)، حتى جعلتهم يتثبّتون أبلغ تثبّت و أدقه في القرآن و جمع القرآن، و كل ما يتّصل بالقرآن، و في الحديث الشّريف، و كل ما يتّصل بالحديث الشريف.

و إنّي أستمنح اللَّه فتوحا و توفيقا في هذه المحاولة الجليلة، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ [ (1)].

أوّلا: عوامل حفظ الصّحابة للكتاب و السّنّة

العامل الأوّل:

أنهم كانوا أميين لا يعرفون القراءة، و لا يحذقون الخطّ و الكتابة اللَّهمّ إلّا نزر يسير لا

____________

[ (1)] الأنفال: 42 و انظر مناهل العرفان 1/ 283 و ما بعدها.

28

يصاغ منهم حكم على المجموع، و ترجع هذه الأميّة السّائدة فيهم إلى غلبة البداوة عليهم و بعدهم عن أسباب الحضارة، و عدم اتّصالهم اتصالا وثيقا بالأمّتين المتحضّرتين آنذاك الفرس و الروم.

و معلوم أن الكتابة و القراءة و إمحاء الأميّة في أيّة أمّة رهين بخروجها من عهد السّذاجة و البساطة إلى عهد المدنية و الحضارة.

ثم إن هذه الأميّة تجعل المرء منهم لا يعوّل إلا على حافظته و ذاكرته فيما يهمّه حفظه و ذكره، و من هنا كان تعويل الصّحابة على حوافظهم يقدحونها في الإحاطة بكتاب اللَّه و سنة رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) لأن الحفظ هو السّبيل الوحيدة أو الشّبيهة بالوحيدة إلى إحاطتهم بها، و لو كانت الكتابة شائعة فيهم لاعتمدوا على النقش بين السّطور بدلا من الحفظ في الصّدور.

نعم، كان هناك كتّاب للوحي، و كان بعض الصّحابة يكتبون القرآن لأنفسهم، إلا أن هؤلاء و هؤلاء كانوا فئة قليلة، و لعلك لم تنس أن كتابة القرآن في عهد الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) كان الغرض منها زيادة التوثّق و الاحتياط للقرآن الكريم بتقييده و تسجيله.

أما السّنة النّبوية

فقد نهى النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) أصحابه عن كتابتها أوّل الأمر مخافة اللّبس بالقرآن، إذ قال عليه الصّلاة و السّلام: «لا تكتبوا عنّي، و من كتب عنّي غير القرآن فليمحه، و حدّثوا عنّي فلا حرج، و من كذب عليّ متعمّدا فليتبوَّأ مقعدة من النّار» [ (1)].

نعم. خشي الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) أن يختلط القرآن بالسّنّة إذا هم كتبوا السّنّة كما كانوا يكتبون القرآن، أو أن تتوزّع جهودهم و هي لا تحتمل أن يكتبوا جميع السّنّة و جميع القرآن فقصرهم على الأهمّ أوّلا و هو القرآن، خصوصا إذا لاحظنا أن أدوات الكتابة كانت نادرة لديهم إلى حدّ بعيد، حتى كانوا يكتبون في اللخاف و السّعف و العظام كما علمت.

فرحمة بهم من ناحية، و أخذا لهم بتقديم الأهمّ على المهمّ من ناحية ثانية، و حفظا للقرآن أن يشتبه بالسّنّة إذا هم كتبوا السّنّة بجانب القرآن نظرا إلى عزّة الورق، و ندرة أدوات الكتابة، رعاية لهذه الغايات الثّلاث نهى الرّسول عن كتابة السّنّة.

أما إذا أمن اللّبس، و لم يخش الاختلاط، و كان الأمر سهلا على الشّخص فلا عليه أن‏

____________

[ (1)] أخرجه مسلم في الصحيح 4/ 2298- 2299 كتاب الزهد و الرقائق (53) باب التثبت في الحديث و حكم كتاب العلم (16) حديث رقم (72/ 3004) و أحمد في المسند 3/ 21، 39، 56. و الدارميّ في السنن 1/ 119- و الحاكم في المستدرك 1/ 127- و ابن عدي في الكامل 3/ 926، 5/ 1771 و ذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم 29168.

29

يكتب الحديث الشريف كما يكتب القرآن الكريم، و على ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الإذن بكتابة السّنة آخر الأمر، و الواردة في الإذن لبعض الأشخاص كعبد اللَّه بن عمرو- رضي اللَّه عنه-.

و أيّا ما تكن كتابة القرآن و السّنة النّبويّة، فإن التّعويل قبل كل شي‏ء كان على الحفظ و الاستظهار، و لا يزال التّعويل حتى الآن على التّلقّي من صدور الرّجال، ثقة عن ثقة و إماما عن إمام إلى النّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم).

غير أنّ الرّجل الأميّ و الأمّة الأميّة يكونان أسبق من غيرهما إلى الحفظ، للمعنى الّذي تقدّم.

العامل الثّاني:

أن الصّحابة كانوا أمّة يضرب بها المثل في الذّكاء و قوة الحافظة و صفاء الطّبع، و سيلان الذّهن و حدّة الخاطر، و في التاريخ العربيّ شواهد على ذلك يطول بنا تفصيلها، حتى لقد كان الرّجل منهم يحفظ ما يسمعه لأوّل مرّة مهما طال و كثر، و ربّما كان من لغة غير لغته و لسان سوى لسانه، و حسبك أن تعرف أنّ رءوسهم كانت دواوين شعرهم، و أنّ صدورهم كانت سجلّ أنسابهم، و أن قلوبهم كانت كتاب وقائعهم و أيّامهم، كلّ أولئك كانت خصائص كامنة فيهم و في سائر الأمّة العربيّة من قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام فأرهف فيهم هذه القوى و المواهب، و زادهم من تلك المزايا و الخصائص بما أفاد طبعهم من صقل، و نفوسهم من طهر، و عقولهم من سموّ، خصوصا إذا كانوا يسمعون لأصدق الحديث و هو كتاب اللَّه، و لخير الهدي، و هو هدي محمد (صلى اللَّه عليه و سلّم).

العامل الثّالث:

بساطة هذه الأمّة العربية، و اقتصارها في حياتها على ضروريات الحياة من غير ميل إلى التّرف، و لا إنفاق جهد أو وقت في الكماليات، فقد كان حسب الواحد منهم لقيمات يقمن صلبه، و كان يكفيه من معيشته ما يذكره شاعرهم في قوله: [الطويل‏]

و ما العيش إلّا نومة و تبطّح‏* * * و تمرٌ على رأس النّخيل و ماء

و أنت تعلم أن هذه الحياة الهادئة الوادعة و تلك العيشة الراضية القاصدة توفر الوقت و المجهود، و ترضي الإنسان بالموجود، و لا تشغل البال بالمفقود، و لهذا أثره العظيم في صفاء الفكرة، و قوّة الحافظة و سيلان الأذهان، خصوصا أذهان الصّحابة في اتجاهها إلى حفظ القرآن و حديث النّبي- عليه الصّلاة و السّلام و ذلك على حد قول القائل: [من الطويل‏]

30

................ ...* * * فصادف قلبا خاليا فتمكّنا

العامل الرّابع:

حبّهم الصّادق للَّه و لرسوله ملك مشاعرهم، و احتل مكان العقيدة فيهم، و أنت تعرف من دراسة علم النّفس أنّ الحب إذا صدق و تمكّن حمل المحبّ على ترسّم آثار محبوبه، و التلذّذ بحديثه، و التّنادر بأخباره، و وعى كل ما يصدر عنه، و يبدو منه، و من هنا كان حب الصّحابة للَّه و رسوله من أقوى العوامل على حفظهم كتاب اللَّه و سنة رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) على حد قول القائل: [البسيط] ل

ها أحاديث من ذكراك تشغلها* * * عن الشّراب و تلهيها عن الزّاد

لها بوجهك نور يستضاء به‏* * * و من حديثك في أعقابها حاد

إذا شكت من كلال السّير واعدها* * * روح القدوم فتحيا عند ميعاد

أما حب الصّحابة العميق للَّه تعالى فلا يحتاج إلى شرح و بيان، و لا إلى إقامة دليل عليه و برهان فهم كما

قال فيهم النّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم)

خير القرون قرني ثمّ الّذين يلونهم [ (1)]،

و هم الّذين بذلوا نفوسهم و نفائسهم رخيصة في سبيل رضاه، و هم الّذين باعوا الدّنيا بما فيها يبتغون فضلا من اللَّه، و هم الّذين حملوا هداية الإسلام إلى الشّرق و الغرب، و أتوا بالعجب العجاب في نجاح الدعوة الإسلامية بالحضر و البدو، و كانوا أحرياء بمدح اللَّه لهم غير مرّة في القرآن و بثناء الرسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) عليهم في أحاديث عظيمة الشّأن.

و أمّا مظاهر حبهم للرسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) فما حكاه التاريخ الصادق عنهم من أنه ما كان أحد يحبّ أحدا مثل ما كان أصحاب محمّد يحبون محمّدا، دم الرّجل منهم رخيص في سبيل أن يفدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) من شوكة يشاكها في أسفل قدمه، و ماء وضوئه يبتدرونه في اليوم الشّديد البرد

____________

[ (1)] أخرجه الترمذي في السنن 4/ 475- 476 كتاب الشهادات (36) باب (4) حديث رقم 2302، 2303 و قال أبو عيسى هذا حديث غريب من حديث الأعمش و أخرجه البخاري بلفظ خير الناس و كذلك مسلم و هو متفق عليه من رواية عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه أخرجه البخاري في الصحيح 7/ 3 كتاب فضائل أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) (62) باب فضائل أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) (1) حديث رقم 3651 و اللفظ له و أخرجه مسلم في الصحيح 4/ 1963 كتاب فضائل الصحابة (44) باب فضل الصحابة (52) حديث رقم (212/ 2533) و أحمد في المسند 1/ 378، 434، 4423، 4/ 267 و البيهقي في السنن 10/ 122، 160- و ابن أبي شيبة 12/ 176، 177، 178- و ابن حبان في الموارد حديث رقم 2285 و الطبراني في الكبير 2/ 320، 18/ 212، 234، 235 و أبو نعيم في الحلية 2/ 78، 4/ 125- و ابن عدي في الكامل 7/ 2610 و ذكره الهيثمي في الزوائد 10/ 22، 23- و الهندي في كنز العمال حديث رقم 32449، 32451، 32452، 32453، 32491، 32495.

31

يتبركون به، و أب الواحد منهم و أبناؤه من ألدّ أعدائه ما داموا يعادون محمّدا و حديث محمّد موضع التّنافس من رجالهم و نسائهم، حتى إذا أعيا الواحد منهم طلابه، تناوب هو و زميل له الاختلاف إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) على أن يقوم أحدهما بعمل الآخر عند ذهابه، و يقوم الآخر برواية ما سمعه و عرفه من الرّسول بعد إيابه.

و هذه وافدة النّساء تقول لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) يا رسول اللَّه، غلبنا عليك الرّجال، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا ممّا علّمك اللَّه، إلى غير ذلك من شواهد و مظاهر، تدلّ على مبلغ هذا الحبّ السّامي الشّريف.

و يرحم اللَّه القائل: [الوافر]

أسرت قريش مسلما في غزوة* * * فمضى بلا وجل إلى السّيّاف‏

سألوه: هل يرضيك أنّك سالم‏* * * و لك النّبيّ فدى من الإتلاف‏

فأجاب كلّا لا سلمت من الرّدى‏* * * و يصاب أنف محمّد برعاف‏

و لقد كان من مظاهر هذا الحبّ تسابقهم إلى كتاب اللَّه يأخذون عنه، و يحفظونه منه، ثم إلى سنّته الغرّاء يحيطون بأقوالها و أفعالها و أحوالها و تقريراتها، بل كانوا يتفنّنون في البحث عن هديه و خيره، و الوقوف على صفته و شكله، كما تجد ذلك واضحا من سؤال الحسن و الحسين عن حلية رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و ما أجيبا به من تجلية تلك الصّور المحمّدية الرائعة، و رسمها بريشة المصور الماهر و الصّناع القادر، على يد أبيهما عليّ بن أبي طالب، و خالهما هند بن أبي هالة رضي اللَّه عنهم أجمعين.

العامل الخامس:

بلاغة القرآن الكريم إلى حدّ فاق كلّ بيان، و أخرس كلّ لسان و أسكت كل معارض و مكابر، و هدم كلّ مجادل و مهاتر، حتى قام و لا يزال يقوم في فم الدنيا معجزة من اللَّه لحبيبه، و آية من الحقّ لتأييد رسوله، و بعد كلام اللَّه في إعجازه و بلاغته كلام محمد (صلى اللَّه عليه و سلّم) في إشراقه و ديباجته و براعته و جزالة ألفاظه و سموّ معانيه و هدايته، فقد كان (صلى اللَّه عليه و سلّم) أفصح النّاس و أبلغ النّاس، و كان العرب إلى جانب ذلك مأخوذين بكل فصيح بليغ، متنافسين في حفظ أجود المنظوم و المنثور، فمن هنا هبّوا هبّة واحدة يحفظون القرآن و يفهمون القرآن، و كذلك السّنّة النّبويّة كانت عنايتهم بحفظها و العمل بها تلي عنايتهم بالقرآن الكريم يتناقلونها و يتبادرونها كما سمعت.

و الكلام في أسرار بلاغة القرآن و وجوه إعجازه، و في بلاغة كلام النّبوّة و امتيازه و في‏

32

تنافس العرب في ميدان البيان كل ذلك مما لا يحتاج إلى شرح و لا تبيان، فهذا كتاب اللَّه ينطق علينا بالحقّ، و يتحدّى بإعجازه كافّة الخلق، و هذا سحر النّبوّة يفيض بالدّراري و اللآلئ، و يزخر بالهدايات البالغة و الحكم الغوالي، و هذا تاريخ الأدب العربيّ يسجّل لأولئك العرب تفوقهم في صناعة الكلام، و سبقهم في حلبة الفصاحة كافة الأنام، و امتيازهم في تذوق أسرار البلاغة خصوصا بلاغة القرآن.

العامل السّادس:

التّرغيب في الإقبال على الكتاب و السّنّة علما و عملا، و حفظا و فهما، و تعليما و نشرا، و كذلك التّرهيب من الإعراض عنهما و الإهمال لهما.

ففي القرآن الكريم قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [ (1)].

فتأمّل كيف قدم تلاوة القرآن على إقام الصّلاة و إيتاء الزكاة؟ و نقرأ قوله جلّ ذكره:

كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ‏ [ (2)].

فانظر كيف حثّ بهذا الأسلوب البارع على تدبّر القرآن و التذكّر و الاتّعاظ به.

و نقرأ قوله عزّ اسمه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ‏ [ (3)].

فتدبّر كيف يكون وعيد من كتم القرآن و هدى القرآن؟

ثم نقرأ في السّنّة النّبوية

قوله (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«ما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللَّه يتلون كتاب اللَّه و يتدارسونه بينهم إلّا نزلت عليهم السّكينة، و غشيتهم الرّحمة، و حفّتهم الملائكة و ذكرهم اللَّه فيمن عنده»

[ (4)].

____________

[ (1)] [فاطر: (30)].

[ (2)] [سورة ص آية: (29)].

[ (3)] [البقرة: 159].

[ (4)] أخرجه مسلم في الصحيح 4/ 2074 كتاب الذكر و الدعاء و التوبة و الاستغفار (48) حديث رقم (38/ 2699) و أبو داود في السنن 1/ 460 كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن حديث رقم 1455 و ابن ماجة في السنن 1/ 82 المقدمة باب فضل العلماء و الحث على طلب العلم (17) حديث رقم 225 و ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 5/ 8.

33

و في «الصّحيحين» قوله (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«خيركم من تعلّم القرآن و علّمه» [ (1)].

و في السّنة قوله (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«عرضت عليّ ذنوب أمّتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أتاها رجل ثمّ نسيها» [ (2)].

أ ليس ذلك و أمثال ذلك و هو كثير يحفز الهمم و يحرّك العزائم إلى حفظ القرآن و استظهاره و المداومة على تلاوته مخافة الوقوع في وعيد نسيانه، و هو وعيد شديد؟

أمّا السّنّة النّبوية فقد جاء في شأنها عن اللَّه تعالى: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ (3)]، و قوله: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏ [ (4)]، و قوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [ (5)]، و قوله:

فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ (6)].

و جاء ترغيبا في السّنّة النّبوية من الحديث الشّريف‏

قوله (صلى اللَّه عليه و سلّم)

«نضّر اللَّه امرأ سمع منّا حديثا فأدّاه كما سمعه، فربّ مبلّغ أوعى من سامع» [ (7)]،

و هو حديث متواتر.

____________

[ (1)] أخرجه البخاري في الصحيح 6/ 330 كتاب فضائل القرآن باب خيركم من تعلم القرآن حديث رقم 5027 و أبو داود في السنن 1/ 460 كتاب الصلاة باب في ثواب قراءة القرآن حديث رقم 1452 و الترمذي في السنن 5/ 159- 160 كتاب فضائل القرآن (46) باب ما جاء في تعليم القرآن (15) حديث رقم 2907، و قال هذا حديث حسن صحيح 2908 و ابن ماجة في السنن 1/ 76- 77 المقدمة باب فضل من تعلم القرآن و علمه (16) حديث رقم 211، 212، 213 و أحمد في المسند 1/ 58، 69- و الدارميّ في السنن 2/ 437 و ابن سعد 6/ 111- و الخطيب في التاريخ 4/ 19، 109، 10/ 459- 11/ 35، و أبو نعيم في الحلية 4/ 194 و ابن عدي في الكامل 2/ 610، 3/ 1234، 4/ 1568، 5/ 1938 و ذكره المنذري في الترغيب 2/ 342 و الهيثمي في الزوائد 7/ 169- و الهندي في كنز العمال حديث رقم 2351، 2353.

[ (2)] أخرجه أبو داود في السنن 1/ 179 كتاب الصلاة باب في كنس المسجد حديث رقم 461 و الترمذي في السنن 5/ 163- 164 كتاب فضائل القرآن (46) باب (19) حديث رقم 2916 و قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

[ (3)] [الحشر: 7].

[ (4)] [النساء: 80].

[ (5)] [الأحزاب: 21].

[ (6)] [النساء: 65].

[ (7)] أخرجه أبو داود في السنن 2/ 346 كتاب العلم باب فضل نشر العلم حديث رقم 3660 و الترمذي في السنن 5/ 33 كتاب العلم (42) باب ما جاء من الحث على تبليغ السماع (7) حديث رقم 2656، 2657 و قال أبو عيسى: حديث حسن و قال: هذا حديث حسن صحيح و ابن ماجة في السنن 1/ 85 المقدمة

34

و قوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) في خطبة حجة الوداع:

«ألا فليبلّغ الشّاهد الغائب، فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه» [ (1)].

و جاء ترهيبا من الإعراض عن السّنّة

قوله (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«من رغب عن سنّتي فليس منّي» [ (2)].

و قوله (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عنّي، و هو متكئ على أريكته فيقول:

بيننا و بينكم كتاب اللَّه تعالى، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، و ما وجدنا فيه حراما حرّمناه، و إنّ ما حرّم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) كما حرّمه اللَّه» [ (3)].

فأنت ترى في الآيات و الأحاديث الشّريفة ما يحفز همّة المؤمن الضّعيف إلى الإقبال على روائع النّبوة يستهديها، و بدائع النّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) يستظهرها، فكيف أنت و الصّحابة الّذين كانوا لا يضارعون طول باع و لا علوّ همّة في هذا الميدان؟

العامل السّابع:

منزلة الكتاب و السّنّة من الدّين، فالكتاب هو أصل التّشريع الأوّل و الدّستور الجامع لخير الدّنيا و الآخرة، و القانون المنظم لعلاقة الإنسان باللَّه، و علاقته بالمجتمع الّذي يعيش فيه، ثمّ السّنّة هي الأصل الثّاني للتّشريع، و هي شارحة للقرآن الكريم، مفصّلة لمجمله، مقيّدة لمطلقه، مخصّصة لعامه، مبيّنة لمبهمه، مظهرة لأسراره كما قال سبحانه: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏ [ (4)]

____________

[ ()] باب من بلغ علما (18) حديث رقم 230- و أحمد في المسند 4/ 180، 82 و الطبراني في الكبير 17/ 49، 158، 2/ 131، 4/ 172 و الحاكم في المستدرك 1/ 86- و أبو نعيم في الحلية 7/ 331 و الدارميّ في السنن 1/ 75- و ابن عساكر 6/ 159 و ذكره المنذري في الترغيب 1/ 108 و الهندي في كنز العمال حديث رقم 29165، 29166.

[ (1)] أخرجه البخاري في الصحيح 1/ 63 كتاب العلم باب ليبلغ العلم حديث رقم 105 و ابن ماجة في السنن 1/ 86 المقدمة باب من بلغ علما (18) حديث رقم 234، 235- و أحمد في المسند 5/ 37، 45 و البيهقي في السنن 5/ 166- و البيهقي في دلائل النبوة 1/ 23- و ذكره الهيثمي في الزوائد 4/ 175.

[ (2)] أخرجه البخاري في الصحيح 7/ 2 كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح حديث رقم 5063 و أحمد في المسند 2/ 158، 3/ 241، 259، 285، 5/ 409 و الدارميّ في السنن 2/ 133- و البيهقي في السنن 7/ 77 و ابن خزيمة في صحيحه حديث رقم 197 و ابن سعد في الطبقات 1/ 2/ 95 و الخطيب في التاريخ 3/ 330- و أبو نعيم في الحلية 3/ 228- و ذكره المنذري في الترغيب 1/ 87 و السيوطي في الدر المنثور 2/ 17، 307.

[ (3)] أخرجه أبو داود في السنن 2/ 610 كتاب السنة باب في لزوم السنة حديث رقم 4604 بلفظ مقارب و أحمد في المسند 4/ 131 عن المقدام بن معديكرب الكندي.

[ (4)] النحل: 44.

35

و من هنا يقول ابن كثير: «السّنة قاضية على الكتاب و ليس الكتاب قاضيا على السّنّة»، يريد بهذه الكلمة ما وضحه السّيوطيّ بقوله: و الحاصل أن معنى احتياج القرآن إلى السّنّة أنها مبيّنة له و مفصّلة لمجملاته، لأن فيه لو جازته كنوزا يحتاج إلى من يعرف خفايا خباياها فيبرزها، و ذلك هو المنزل عليه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و هو معنى كون السّنّة قاضية على الكتاب، و ليس القرآن مبيّنا للسّنّة و لا قاضيا عليها، لأنها بيّنة بنفسها، إذ لم تصل إلى حدّ القرآن في الإعجاز و الإيجاز، لأنها شرح له، و شأن الشّرح أن يكون أوضح و أبين و أبسط من المشروح».

و لا ريب أنّ الصّحابة كانوا أعرف النّاس بمنزلة الكتاب و السّنّة، فلا غرو أن كانوا أحرص على حذقهما و حفظهما و العمل بهما.

العامل الثّامن:

ارتباط كثير من كلام اللَّه و رسوله بوقائع و حوادث و أسئلة من شأنها أن تثير الاهتمام، و تنبّه الأذهان، و تلفت الأنظار إلى قضاء اللَّه و رسوله فيها، و حديثهما عنهما و إجابتهما عليها، و بذلك يتمكّن الوحي الإلهي و الكلام النّبويّ في النّفوس أفضل تمكن، و ينتقش في الأذهان على مرّ الزّمان.

انظر إلى القرآن الكريم تجده يساير الحوادث و الطّوارئ في تجددها و وقوعها، فتارة يجيب السّائلين على أسئلتهم بمثل قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ (1)].

و تارة يفصّل في مشكلة قامت، و يقضي على فتنة طغت بمثل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏، إلى قوله: مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏ [ (2)].

و هي ستّ عشرة آية نزلت في حادث من أروع الحوادث هو اتّهام أمّ المؤمنين سيدتنا الجليلة السيدة أم المؤمنين عائشة زوج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم)، الصّديقة بنت الصّديق، و في هذه الآيات دروس اجتماعية قرئت، و لا تزال تقرأ على النّاس إلى يوم القيامة، و لا تزال تسجل براءة الحصان الطاهرة من فوق سبع سماوات، و تارة يلفت القرآن أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم الّتي وقعوا فيها، و يرشدهم إلى شاكلة الصّواب كقوله في سورة آل عمران. وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ‏ إلخ الآيات، التي نزلت في‏

____________

[ (1)] الإسراء: 85.

[ (2)] النور: 11- 26.

36

غزوة أحد و التي تدل المسلمين على خطئهم في هذا الموقف الرّهيب، و تحذرهم أن يقعوا حينا آخر في مثل هذا المأزق العصيب.

و على هذا النّمط نزلت سور في القرآن و آيات تفوق الحصر.

و إذا نظرت في السّنّة رأيت العجب، انظر إلى قصّة المخزومية التي سرقت،

و قول الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) لمن شفع فيها:

«و ايم اللَّه، لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها» [ (1)] ثم تأمّل حادث تلك المرأة الجهنية الّتي أقرّت بزناها بين يدي رسول اللَّه و هي حبلى من الزّنا، كيف أمر رسول اللَّه فكفلها وليّها حتى وضعت حملها ثم أتى بها فرجمت ثم صلّى رسول الرّحمة عليها؟، و لمّا سئل (صلى اللَّه عليه و سلّم) كيف تصلي عليها و هي زانية؟ قال: «إنّها تابت توبة لو قسّمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، و هل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها للَّه عزّ و جلّ» [ (2)].

و تدبّر الحديث المعروف بحديث جبريل، و فيه يسأل جبريل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) عن الإسلام و الإيمان و الإحسان و السّاعة و أشراطها على مرأى و مسمع من الصّحابة، و قد

قال لهم أخيرا:

«هذا جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم» [ (3)].

____________

[ (1)] أخرجه البخاري في الصحيح 8/ 287 كتاب الحدود باب كراهية الشفاعة ... حديث رقم 6788 و مسلم في الصحيح 3/ 1315 كتاب الحدود (29) باب قطع السارق الشريف و غيره و النهي عن الشفاعة في الحدود (2) حديث رقم (8/ 1688، 9/ 1688) و أبو داود في السنن 2/ 537 كتاب الحدود باب في الحد يشفع حديث رقم 4373 و الترمذي في السنن 4/ 29 كتاب الحدود (15) باب ما جاء من كراهية أن يشفع في الحدود (6) حديث رقم 1430 و النسائي في السنن 8/ 73- 74 كتاب قطع السارق (46) باب اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر الزهري في المخزومية التي سرقت (6) حديث 4899 و ابن ماجة في السنن 2/ 851 كتاب الحدود (20) باب الشفاعة في الحدود (6) حديث رقم 2547- و الدارميّ في السنن 2/ 173- و البيهقي في السنن 8/ 253 و البيهقي في دلائل النبوة 5/ 88- و ذكره ابن كثير في التفسير 3/ 104.

[ (2)] أخرجه مسلم في الصحيح 3/ 1321- 1324 كتاب الحدود (29) باب من اعترف على نفسه بالزنا (5) حديث رقم (22/ 1695)، (23/ 1695)، (24/ 1696) و أبو داود في السنن 2/ 556 كتاب الحدود باب المرأة التي أمر النبي برجمها من جهينة حديث رقم 4440 و الترمذي في السنن 4/ 33 كتاب الحدود (15) باب تربص الرجم بالحبلى حتى تضع (9) حديث رقم 1435 و قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح و النسائي في السنن 4/ 63 كتاب الجنائز باب الصلاة على المرجوم (64) حديث رقم 1957- و أحمد في المسند 4/ 440 و الطبراني في الكبير 18/ 197- و ابن حبان في صحيحه حديث رقم 1512 و ذكره المنذري في الترغيب 4/ 100 و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8/ 581.

[ (3)] متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح 1/ 114، كتاب الإيمان (2) باب سؤال جبريل النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) (37)

37

و النّاظر في السّنّة يجدها في كثرتها الغامرة تدور على مثل تلك الوقائع و الحوادث و الأسئلة.

و قد قرر علماء النّفس أنّ ارتباط المعلومات بأمور مقارنة لها في الفكر، تجعلها أبقى على الزّمن و أثبت في النفس، فلا بدع أن يكون ما ذكرنا داعية من دواعي حفظ الصحابة لكتاب اللَّه و سنّة رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) على حين أنهم هم المشاهدون لتلك الوقائع و الحوادث المشافهون بخطاب الحقّ، المواجهون بخطاب الحق، المواجهون بكلام سيّد الخلق في هذه المناسبات الملائمة و الأسباب القائمة التي تجعل نفوسهم مستشرفة لقضاء اللَّه فيها، متعطشة إلى حديث رسوله عنها، فينزل الكلام على القلوب، و هي متشوّقة كما ينزل الغيث على الأرض و هي متعطّشة تنهله بلهف، و تأخذه بشغف، و تمسكه و تحرص عليه بيقظة، و تعتز به و تعتد عن حقيقة، و تنتفع به و تنفع، بل تهتز به و تربو، و تنبت من كل زوج بهيج.

العامل التّاسع:

اقتران القرآن دائما بالإعجاز، و اقتران بعض الأحاديث النبويّة بأمور خارقة للعادة، تروع النّفس، و تشوق النّاظر و تهول السّامع و إنما اعتبرنا ذلك الإعجاز و خرق العادة من عوامل حفظ الصّحابة، لأنه الشّأن فيما يخرج على نواميس الكون و قوانينه العامّة أنه يتقرّر في حافظة من شاهده، و أنه يتركز في فؤاد كل من عاينه فردا كان أو أمّة، حتى لقد يتخذ مبدأ تؤرخ بحدوثه الأيّام و السّنون، و تقاس بوجوده الأعمار.

أمّا القرآن الكريم فإعجازه سار فيه سريان الماء في العود الأخضر، لا تكاد تخلو سورة و لا آية منه، و أعرف الناس بوجوه إعجازه و أعظمهم ذوقا لأسرار بلاغته هم أصحاب محمّد (صلى اللَّه عليه و سلّم) لأنّهم يصدرون في هذه المعرفة و هذا الذّوق عن فطرتهم العربية الصّافية و سليقتهم السّليمة السّامية، و من هذا كان القرآن حياتهم الصّحيحة به يقومون و يقعدون و ينامون و يستيقظون و يعيشون و يتعاملون، و يلتذّون و يتعبدون و هذا هو معنى كونه روحا في قول اللَّه سبحانه: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [ (1)] و ليست هناك طائفة في التّاريخ تمثل فيها القرآن روحا كما تمثّل في هذه الطّبقة العليا الكريمة طبقة الصّحابة الذين وهبوه حياتهم فوهبهم الحياة، و طبعهم طبعة جديدة حتى‏

____________

[ ()] حديث رقم (50)- و مسلم في الصحيح 1/ 45 كتاب الإيمان (1) باب بيان الإيمان و الإسلام و الإحسان (1) حديث (7/ 10).

[ (1)] [الشورى: 52].

38

صاروا أشبه بالملائكة، و هكذا سواهم اللَّه بكتابه خلقا آخر. فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ‏.

و أما السّنّة النّبوية فقد اقترن بعضها بمعجزات خارقة و أمامك أحاديث المعجزات، و هي كثيرة فيها المعجب و المطرب غير أنّا نربأ بك أن تكون فيها كحاطب ليل على حين أن بين أيدينا في الصّحيح منها الجمّ الغفير و العدد الكثير، «و لا ينبئك مثل خبير».

و هذا نموذج واحد،

عن أبي العبّاس سهل بن سعد السّاعديّ رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) قال يوم خيبر:

«لأعطينّ هذه الرّاية غدا رجلا يفتح اللَّه على يديه، يحبّ اللَّه و رسوله، و يحبّه اللَّه و رسوله» فبات النّاس يدوكون [ (1)] ليلتهم أيّهم يعطاها، فلما أصبح النّاس غدوا على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) كلّهم يرجو أن يعطاها. فقال: أين عليّ بن أبي طالب؟ فقيل: يا رسول اللَّه، هو يشتكي مرضا بعينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتي به، فبصق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) بعينيه، و دعا له، فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الرّاية، فقال عليّ رضي اللَّه عنه يا رسول اللَّه أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام و أخبرهم بما يجب عليهم من حقّ اللَّه تعالى فيه، و اللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم [ (2)]» [ (3)].

و هذه الوصيّة من رسول اللَّه لعليّ جديرة أن تقطع لسان من يقول: إنّ الإسلام انتشر بحدّ السّيف‏

كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [ (4)].

____________

[ (1)] يعني يخوضون.

[ (2)] أخرجه البخاري في الصحيح 4/ 145 كتاب الجهاد و السير باب فضل من أسلم على يديه رجل حديث رقم 3009 و مسلم في الصحيح 4/ 1871 كتاب فضائل الصحابة (44) باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه حديث رقم (32/ 2404)، (33/ 2405) و الترمذي في السنن 5/ 596 كتاب المناقب (50) باب 21 حديث رقم 3724- و ابن ماجة في السنن 1/ 45 المقدمة باب فضائل أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) فضل علي بن أبي طالب حديث رقم 121- و أحمد في المسند 1/ 99، 185، 4/ 52 و البيهقي في السنن 6/ 362، 9/ 131- و ابن سعد 2/ 1/ 82 و الطبراني في الكبير 18/ 237، 238 و أبو نعيم في الحلية 4/ 356 و ذكره الهيثمي في الزوائد 9/ 126، 127.

[ (3)] أخرجه البخاري في الصحيح 4/ 123 كتاب الجهاد و السير باب دعاء النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) حديث رقم 2942، 4/ 145 كتاب الجهاد و السير باب فضل من أسلم على يديه حديث رقم 3009، 5/ 88 كتاب المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب حديث رقم 3701 و مسلم في الصحيح 4/ 1872 كتاب فضائل الصحابة (44) باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه (4) حديث رقم (34/ 2406)- و أحمد في المسند 5/ 333 و البيهقي في السنن 9/ 107 و ذكره ابن عبد البر في التمهيد 2/ 218 و الهيثمي في الزوائد 5/ 337.

[ (4)] [الكهف: 5].

39

العامل العاشر

حكمة اللَّه و رسوله في التّربية و التّعليم، و حسن سياستهما في الدّعوة و الإرشاد مما جعل الكتاب و السّنة يتقرران في الأذهان، و يسهلان على الصّحابة في الحفظ و الاستظهار.

أما القرآن الكريم فحسبك أن تعرف من حكمة اللَّه في التربية و التعليم أنه أنزله على الأمة الإسلامية باللغة الحبيبة إلى نفوسهم، و بالأسلوب الخلّاب و النّظم المعجز الآخذ بقلوبهم. و أنه تدرج بهم في نزوله، فلم ينزل جملة واحدة يرهقهم به و يعجزون عنه بل أنزله منجما في مدى عشرين أو بضع و عشرين سنة، ثم ربطه بالحوادث و الأسباب الخاصة في كثير من آياته و سوره، و دعمه بالدليل و الحجة، و خاطب به العقول و الضّمائر، و ناط به مصلحتهم و خيرهم و سعادتهم، و صدر في ذلك كلّه عن رحمة واسعة بهم يكادون يلمسونها باليد و يرونها بالعين‏ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ، وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ [ (1)]. مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ، وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها، وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ (2)].

و أما السّنة النّبوية فلقد كان محمد (صلى اللَّه عليه و سلّم) هو المعلّم الأوّل في رعاية تلك الوسائل الموضحة، ذلك لأنه (صلى اللَّه عليه و سلّم) كان أفصح النّاس لسانا و أوضحهم بيانا، و أجودهم إلقاء، ينتقي عيون الكلام و هو الّذي أوتي جوامع الكلم، و لا يسرد الحديث سردا يزري برونقه أو يذهب بشي‏ء منه، يل يتكلّم كلاما لو عدّه العادّ لأحصاه، و كان يعيد الكلمة ثلاثا أو أكثر من ثلاث عند الحاجة كيما تحفظ عنه كما

جاء عنه (صلى اللَّه عليه و سلّم) قوله:

«هلك المتنطّعون» [ (3)] قالها ثلاثا، و قال:

«ألا أنبئكم بأكبر الكبائر- ثلاثا- قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: «الإشراك باللَّه، و عقوق الوالدين، ألا و قول الزّور و شهادة الزّور- و كان متكئا فجلس- فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» [ (4)].

____________

[ (1)] [المائدة: 6].

[ (2)] [فصلت: 46].

[ (3)] أخرجه مسلم في الصحيح 4/ 2055 كتاب العلم (47) باب هلك المتنطعون (4) حديث رقم (7/ 2670) و الطبراني في الكبير 10/ 216- و ذكره ابن حجر في فتح الباري 13/ 267- و التبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم 4785- و الزبيدي في الإتحاف 2/ 50.

[ (4)] أخرجه البخاري في الصحيح 8/ 5، 6 كتاب الأدب باب عقوق الوالدين- حديث رقم 5976، 5977، 3/ 339 كتاب الشهادات باب ما قيل في شهادة الزور حديث رقم 2654- و مسلم في الصحيح 1/ 91 كتاب الإيمان (1) باب بيان الكبائر و أكبرها (38) حديث رقم (143/ 87، 144/ 88) و أحمد في المسند 3/ 131، 5/ 36، 38- و البيهقي في السنن 10/ 121- و الطبراني في الكبير 18/ 140-

40

و كان (صلى اللَّه عليه و سلّم) إذا خطب احمرّت عيناه، و علا صوته، و اشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم و مسّاكم، و يقول: «بعثت أنا و السّاعة كهاتين [ (1)]- و يقرن بين إصبعيه السّبّابة و الوسطى- و يقول: أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب اللَّه، و خير الهدي هدي محمّد، و شرّ الأمور محدثاتها، و كلّ محدثة بدعة، و كلّ بدعة ضلالة» ثم يقول: «أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، و من ترك دينا أو ضياعا فإليّ و عليّ» [ (2)].

و من وسائل إيضاحه (صلى اللَّه عليه و سلّم) أنه كان يضرب لهم الأمثال الرّائعة الّتي تجلّي لهم المعاني.

ضرب لأصحابه المثل في ضرورة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و خطر إهمالهما

فقال:

«مثل القائم في حدود اللَّه، و الواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها و بعضهم أسفلها و كان الّذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا، لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقا و لم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم و ما أرادوا هلكوا جميعا، و إن أخذوا على أيديهم نجوا، و نجوا جميعا» [ (3)].

____________

[ ()] و الطبري في التفسير 5/ 28- و ذكره المنذري في الترغيب 3/ 221 و الهيثمي في الزوائد 1/ 106- و ابن عبد البر في التمهيد 5/ 72 و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 7/ 515، 8/ 538.

[ (1)] أخرجه البخاري في الصحيح 7/ 93 كتاب الطلاق باب اللعان حديث رقم 5301، 8/ 190 كتاب الرقاق باب قول النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) بعثت ... حديث رقم 6504، 6505 و مسلم في الصحيح 4/ 2268 كتاب الفتن و أشراط الساعة (52) حديث رقم (133/ 2951)، 134، 951، (135/ 2951)- و الترمذي في السنن 4/ 429 كتاب الفتن (34) باب ما جاء في‏

قول النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم)‏ بعثت أنا و الساعة كهاتين يعني السبابة و الوسطى‏

(39) حديث رقم 2213، 2214 و النسائي في السنن 3/ 189 كتاب صلاة العيدين (19) باب كيف الخطبة (22) حديث رقم 1578 و ابن ماجة في السنن 1/ 45 المقدمة باب اجتناب البدع و الجدل (7) حديث رقم 45- و أحمد في المسند 3/ 124، 30، 131، 193، 237، 275، 283، 319، 5/ 103، 8 و البيهقي في السنن 3/ 206، 213- و ابن خزيمة في صحيحه حديث رقم 1785- و الطبراني في الكبير 2/ 227، 6/ 208، 243، 66 و ابن عساكر 4/ 199، 5/ 433، 7/ 121 و ابن سعد 1/ 2/ 98- و البخاري في التاريخ الكبير 3/ 355 و الخطيب في التاريخ 6/ 281- و ذكره المنذري في الترغيب 1/ 83 و الهندي في كنز العمال حديث رقم 38348، 38349، 38350، 39571- و الهيثمي في الزوائد 1/ 314، 315.

[ (2)] أخرجه مسلم في الصحيح 2/ 592 كتاب الجمعة (7) باب تخفيف الصلاة و الخطبة (13) حديث رقم (43/ 867) و البيهقي في السنن 3/ 207- و ذكره ابن حجر في فتح الباري 2/ 405- و التبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم 141.

[ (3)] أخرجه البخاري في الصحيح 3/ 278 كتاب الشركة باب هل يقرع ... حديث رقم 2493 و أحمد في المسند 4/ 269- و البيهقي في السنن 10/ 288 و ذكره المنذري في الترغيب 3/ 225 و ابن كثير في التفسير 3/ 579 و الهندي في كنز العمال حديث رقم 5533.

41

و من وسائل إيضاحه (صلى اللَّه عليه و سلّم) أسئلته التي كان يلقيها على أصحابه، و نأخذ مثالا واحدا من ذلك:

عن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) قال:

«أ تدرون من المفلس»؟ قالوا:

المفلس فينا من لا درهم له و لا دينار و لا متاع، فقال: «إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة و صيام و زكاة، و يأتي و قد شتم هذا، و قذف هذا، و أكل مال هذا، و سفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، و هذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النّار» [ (1)].

و كان (صلى اللَّه عليه و سلّم) يستعين بالرّسم في توضيح المعاني و تقريبها إلى الأذهان- رغم أنه كان أميّا لا يقرأ و لا يكتب و لم يتعلم الهندسة و لا غيرها.

روى البخاري في صحيحه عن ابن مسعود- رضي اللَّه عنه- قال:

«خط لنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) خطّا مربعا، و خطّ وسطه خطّا، و خطّ خطوطا إلى جنب الخطّ- أي الّذي في الوسط- و خط خطّا خارجا فقال: «أ تدرون ما هذا» قلنا: اللَّه و رسوله أعلم، قال: «هذا الإنسان» يريد الخط الّذي في الوسط- و هذا الأجل محيط به- يريد الخط المربع و هذه الأعراض تنهش- يشير إلى الخطوط التي حوله- إن أخطأ، هذا نهشه هذا، و هذا الأمل- يعني الخطّ الخارج.

و من سياسته الحكمية في التّربية و التّعليم أنه كان ينتهز فرصة الخطأ ليصحح لهم الفكرة في حينها.

من ذلك ما يقصّه علينا سيدنا: أنس- رضي اللَّه عنه- قال:

جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النَّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوه [ (2)]، و قالوا: أين نحن من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و قد غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر؟ قال أحدهم: أمّا أنا فأصلّي الليل أبدا و قال الآخر: و أنا أصوم الدّهر أبدا، و قال الآخر: و أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدا، فجاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم)- إليهم فقال: «أنتم الّذين قلتم كذا و كذا!!! و اللَّه إني لأخشاكم للَّه و أتقاكم للَّه، و لكنّي أصوم و أفطر، و أصلّي و أرقد، و أتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» [ (3)].

____________

[ (1)] أخرجه مسلم في الصحيح 4/ 1997 كتاب البر و الصلة و الآداب (45) باب تحريم الظلم (15) حديث رقم (59/ 2581) و الترمذي في السنن 4/ 529- 530 كتاب صفة القيامة و الرقائق و الورع (38) باب ما جاء في شأن الحساب و القصاص (2) حديث رقم (2418) و قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح و الطبري في التفسير 28/ 99- و ذكره التبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم 5127.

[ (2)] أي عدوها قليلة.

[ (3)] متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح 9/ 104، كتاب النكاح (67) باب الترغيب في النكاح (1)

42

و كان من وسائل إيضاحه (صلى اللَّه عليه و سلّم) تمثيله بالعمل‏

يصلّي و يقول: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»

[ (1)]

و يحج و يقول: «خذوا عنّي مناسككم»

[ (2)]

و يشير بإصبعيه السّبابة و الوسطى و يقول: «بعثت أنا و السّاعة كهاتين».

العامل الحادي عشر

التّرغيب و التَّرهيب اللّذان يفيض بهما بحر الكتاب و السّنّة، و لا ريب أن غريزة حب الإنسان لنفسه كدفعه إلى أن يحقق لها كلّ خير، و أن يحميها من كل شرّ، سواء ما كان فيهما من عاجل أو آجل، و من هنا تحرص النّفوس الموفقة على وعي هداية القرآن و هدي الرّسول، و تعمل جاهدة على أن تحفظ منها ما وسعها الإمكان.

و لسنا بحاجة أن نلتمس شواهد التّرغيب و التّرهيب من الكتاب و السّنّة، فمددها فياض بأوفى ما عرف العلم من ضروب التّرغيب و التّرهيب، و فنون الوعد و الوعيد، و أساليب التّبشير و الإنذار، على وجوه مختلفة، و اعتبارات متنوّعة في العقائد و العبادات و المعاملات و الأخلاق على سواء.

و هذا نموذج من ترغيبات القرآن و ترهيباته على سبيل التذكرة، و الذكرى تنفع المؤمنين.

يقول اللَّه تعالى: وَ قالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ. قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ. وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الْمُجْرِمُونَ‏

____________

[ ()] حديث رقم (5063)، و مسلم في الصحيح 2/ 1020 كتاب النكاح (16) باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه و وجد مؤنة (1) حديث رقم (5/ 1401)، و عند عبد الرزاق أن الرهط الثلاثة هم علي ابن أبي طالب و عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، و عثمان بن مظعون و الرهط في اللغة من ثلاثة إلى عشرة و البيهقي في السنن 7/ 77- و ذكره القرطبي في التفسير 6/ 261، 9/ 328- و التبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم 145.

[ (1)] أخرجه البخاري في الصحيح 1/ 258 كتاب الأذان للمسافرين ... حديث رقم 631، 8/ 16 كتاب الأدب باب رحمة الناس و البهائم حديث رقم 6008 و الدار الدّارقطنيّ في السنن 1/ 273، 346 و البيهقي في السنن 2/ 345- و ذكره ابن عبد البر في التمهيد 5/ 117، 9/ 213- و القرطبي في التفسير 1/ 39، 171، 173، 9/ 112- و ابن حجر في تلخيص الحبير 2/ 122- و التبريزي في مشكاة المصابيح حديث رقم 683- و الزبيدي في الإتحاف 3/ 71، 203، 396.

[ (2)] أخرجه البيهقي في السنن 5/ 125 و ذكره ابن عبد البر في التمهيد 2/ 69، 91، 98، 4/ 333، 5/ 117، 7/ 272 و ابن حجر في فتح الباري 1/ 217، 499 و الزيلعي في نصب الراية 3/ 55 و ابن كثير في البداية و النهاية 5/ 184، 215 و القرطبي في التفسير 1/ 39، 2/ 183، 410، 3/ 5، 5/ 85 و الزبيدي في الإتحاف 4/ 437.

43

ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ. وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ. فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَ ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى‏ نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ‏ [ (1)].

فانظر بعين البصيرة في هذه الأساليب، و القرآن ملي‏ء كلّه من هذه الأنوار على هذا الغرار.

و لا تحسبنّ السّنّة النّبوية إلّا بحرا متلاطم الأمواج في هذا الباب، و هاك نموذجا بل نماذج منها.

ها هو (صلى اللَّه عليه و سلّم) يبشر واصل رحمه بسعة الرزق و البركة في العمر فيقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه و أن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» [ (2)].

و ها هو (صلى اللَّه عليه و سلّم) يتحدث بالوعد لمن جعل الآخرة همّه، و بالوعيد لمن جعل الدنيا همّه فيقول: «من كانت الآخرة همّه. جعل اللَّه غناه في قلبه، و جمع له شمله، و أتته الدّنيا و هي راغمة، و من كانت الدّنيا همّه جعل اللَّه الفقر بين عينيه، و فرّق اللَّه عليه شمله، و لم يأته من الدّنيا إلّا ما قدّر له» [ (3)].

____________

[ (1)] السجدة: 10- 22.

[ (2)] أخرجه البخاري في الصحيح 3/ 119 كتاب البيوع باب من أحب البسط ... حديث رقم 2067، 8/ 8 كتاب الأدب باب من بسط له .. حديث (5985) و مسلم في الصحيح 4/ 1982 كتاب البر و الصلة و الآداب (45) باب صلة الرحم و تحريم قطيعتها (6) حديث رقم (20/ 2557)، (21/ 2557)- و ذكره المنذري في الترغيب 3/ 335 و القرطبي في التفسير 9/ 330- و الدولابي في الأسماء و الكنى 1/ 108- و الهندي في كنز العمال حديث رقم 6965.

[ (3)] أخرجه الترمذي في السنن 4/ 554 كتاب صفة القيامة و الرقائق و الورع (38) باب (30) حديث رقم 2465 و ابن حبان في الموارد حديث رقم 72 و ذكره المنذري في الترغيب 4/ 121 و الزبيدي في الإتحاف 6/ 390، 10/ 8 و الهندي في كنز العمال حديث رقم 8186.

44

و ها هو (صلى اللَّه عليه و سلّم) يحرض المؤمنين على القتال فيقول: «ضمن اللَّه لمن خرج في سبيل اللَّه، لا يخرجه إلّا جهاد في سبيلي، و إيمان بي، و تصديق برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة أو أرجعه إلى مسكنه الّذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، و الّذي نفس محمّد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل اللَّه إلّا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون الدّم، و ريحه ريح مسك، و الّذي نفس محمّد بيده، لو لا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل اللَّه عزّ و جلّ أبدا، و لكن لا أجد سعة فأحملهم، و لا يجدون سعة فيتبعوني و يشقّ عليهم أن يتخلّوا عنّي، و الّذي نفس محمّد بيده لوددت أن أغزو في سبيل اللَّه فأقتل ثمّ أغزو فأقتل» [ (1)].

أنت ترى في هذه الكلمات النّبوية قوة هائلة محولة تجعلها ماثلة في الأذهان كما تجعل النّفوس رخيصة هيّنة في سبيل الدّفاع عن الدين و الأوطان، حتى لقد كان الرّجل يستمع إلى هذه المرغبات و المشوّقات و هو يأكل، فما يصبر حتى يتم طعامه، بل يرمي بما في يده، و يقوم فيجاهد متشوّقا إلى الموت، متلهفا على أن يستشهد في سبيل اللَّه.

العامل الثّاني عشر

اهتداء الصّحابة- (رضوان اللَّه عليهم)- بكتاب اللَّه و سنة رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) يحلّون ما فيهما من جلال، و يحرّمون ما فيهما من حرام، و يتبعون ما جاء فيهما من نصح و رشد. و يتعهدون ظواهرهم و بواطنهم بالتربية و الآداب الإسلامية دستورهم القرآن، و إمامهم الرسول عليه الصلّاة و السلام.

و ما من شك أن العلم بالعمل يقرّره في النّفس أبلغ تقرير و ينقشه في صحيفة الفكر أثبت نقش، على نحو ما هو معروف في فن التّربية و علم النّفس، من أن التّطبيق يؤيد المعارف و الأمثلة تقيد القواعد، و لا تطبيق أبلغ من العمل، و لا مثال أمثل من الاتباع، خصوصا المعارف الدّينية، فإنّها تزكو بتنفيذها، و تزيد باتباعها.

قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [ (2)] أي هداية و نورا تفرقون به بين الحق و الباطل، و بين الرشد و الغيّ كما جاء في بعض وجوه التفسير.

____________

[ (1)] أخرجه مسلم في الصحيح 3/ 1495- 1496 كتاب الإمارة (33) باب فضل الجهاد و الخروج في سبيل اللَّه (28) حديث رقم (103/ 1876) و النسائي في السنن 8/ 119- 120 كتاب الإيمان و شرائعه (47) باب الجهاد (24) حديث رقم 5030 و أحمد في المسند 2/ 399، 424- و ابن أبي شيبة 5/ 287 و البيهقي في السنن 9/ 39- و ذكره المنذري في الترغيب 2/ 269- و القرطبي في التفسير 5/ 277.

[ (2)] [الأنفال: 29].

45

و ذلك أن المجاهدة تؤدي إلى المشاهدة، و العناية بطهارة القلب و تزكية النفس تفجر الحكمة في قلب العبد، قال الغزالي: أما الكتب و التّعليم فلا تفي بذلك- أي بالحكمة تتفجّر في القلب بل الحكمة الخارجة عن الحصر و العدّ إنّما تتفتح بالمجاهدة و مراقبة الأعمال الظاهرة و الباطنة، و الجلوس مع اللَّه عز و جل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة، و الانقطاع إلى اللَّه عزّ و جلّ عما سواه فذلك مفتاح الإلهام و منبع الكشف فكم من متعلّم طال تعلّمه و لم يقدر على مجازاة مسموعه بكلمة و كم من مقتصر على المهم في التّعليم، و متوفر على العمل و مراقبة القلب، فتح اللَّه عليه من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب، و لذلك‏

قال- (صلى اللَّه عليه و سلّم)-:

«من عمل بما علم ورّثه اللَّه علم ما لم يكن يعلم» [ (1)].

العامل الثّالث عشر:

وجود الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) بينهم يحفظهم الكتاب و السّنة و يعلمهم ما لم يتعلموه، و يفقههم في أمور دينهم.

قال الشيخ الزّرقانيّ: «و لا ريب أن هذا عامل مهمّ ييسر لهم الحفظ و يهون عليهم الاستظهار ...».

عوامل خاصّة بالقرآن الكريم:

و هذه العوامل- الخاصّة توافرت في حفظ الصّحابة للقرآن الكريم دون السّنّة النّبوية المطهرة.

أوّلها: تحدّي القرآن للعرب بل لكافّة الخلق.

قال تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ‏ [ (2)]، و لما عجزوا قال: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ‏ [ (3)]، و لما عجزوا قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ‏ [ (4)]، و لما عجزوا سجّل عليهم هزيمتهم و أعلن إعجاز القرآن فقال عز اسمه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ (5)].

ثانيها: عنايته (صلى اللَّه عليه و سلّم) بكتابة القرآن فيما تيسر من أدوات الكتابة، إذ اتخذ كتّابا للوحي من‏

____________

[ (1)] قال الحافظ العراقي في هذا الحديث: رواه أبو نعيم في «الحلية» لكن بسند ضعيف- الحلية 10/ 15.

[ (2)] [الطور: 34].

[ (3)] [هود: 13].

[ (4)] [يونس: 38].

[ (5)] [الإسراء: 17].

46

أصحابه، و أقر كل من يكتب القرآن لنفسه في الوقت الّذي نهى فيه عن كتابة السنة

ففي الحديث‏

«لا تكتبوا عنّي، و من كتب عنّي شيئا غير القرآن فليمحه» [ (1)].

ثالثها: تشريع قراءة القرآن في الصّلاة، فرضا كانت أو نفلا، سرّا أو جهرا .. و تلك وسيلة فعّالة جعلت الصحابة يقرءونه و يسمعونه و يحفظونه.

رابعها: الترغيب في تلاوة القرآن في كل وقت، و اقرأ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ [ (2)].

و يقول النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«الّذي يقرأ القرآن، و هو ماهر به مع السّفرة الكرام البررة و الّذي يقرأ القرآن و هو يتتعتع فيه، و هو عليه شاقّ له أجران» [ (3)].

و غير هذا الكثير و الكثير مما حفل به القرآن و السنة.

فهل يعقل أنّ أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلّم) يتوافون لحظة بعد سماع ذلك عن قراءة القرآن؟!! خامسها: عناية الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) بتعليم القرآن و إذاعته و نشره إذ كان يقرؤه على النّاس على مكث كما أمره اللَّه .. و كان يرسل بعثات القرّاء إلى كل بلد يعلّمون أهلها كتاب اللَّه .. قال عبادة بن الصّامت: كان الرّجل إذا هاجر دفعه النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) إلى رجل منا يعلّمه القرآن.

سادسها: القداسة التي امتاز بها كتاب اللَّه عن كل ما سواه .. تلك القداسة التي تلفت الأنظار إليه، و تخلع همم المؤمنين به عليه، فيحيطون به علما، و يخضعون لتعاليمه عملا ..

قال الشّيخ الزّرقانيّ: «و نحن نتحدّى أمم العالم بهذه الدّواعي التي توافرت في الصّحابة حتى نقلوا الكتاب و السنة و تواتر عنهم ذلك خصوصا القرآن الكريم.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم‏* * * إذا جمعتنا يا جرير المجامع‏

[الطويل‏]:

غمرهم اللَّه برحمته و رضوانه .. آمين.

____________

[ (1)] أخرجه مسلم في الصحيح 4/ 2298- 2299 كتاب الزهد و الرقائق (53) باب التثبت في الحديث و حكم كتابة العلم (16) حديث رقم (72/ 3004) و أحمد في المسند 3/ 12، 21، 39، 56 و الدارميّ في السنن 1/ 119- و الحاكم في المستدرك 1/ 127 و ابن عدي في الكامل 3/ 926، 5/ 1771 و ذكره ابن حجر في فتح الباري 1/ 208، 9/ 12، 14 و الهندي في كنز العمال حديث رقم 29168.

[ (2)] [فاطر: 29].

[ (3)] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 10/ 490.

47

ثانيا: عوامل تثبّت الصّحابة في الكتاب و السّنّة

بعد أن ألقينا الضّوء على عوامل حفظ الصّحابة للكتاب و السّنة نعرج على بيان عوامل تثبتهم- (رضوان اللَّه عليهم)- فيهما.

قال الشّيخ الزّرقانيّ: «إنّ النّاظر في تاريخ الصّحابة يروعه ما يعرفه عنه في تثبتهم أكثر مما يروعه عنهم في حفظهم، لأن التثبت فضيلة ترجع إلى الأمانة الكاملة و العقل الناضج من ناحية، ثم هو في الصّحابة بلغ القمّة من ناحية أخرى.

و لهذا التّثبّت النادر في دقته و استقصائه بواعث و دواع أو أسباب و عوامل إليك بيانها:

العامل الأوّل‏

أمر اللَّه تعالى في محكم كتابه بالتّثبّت و التّحرّي، و حذّر من الطّيش و التّسرّع فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ [ (1)].

و كذلك نهى اللَّه عن اتباع ما لا دليل له فقال: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [ (2)].

و قد عاب القرآن على من يأخذون بالظّن فقال جلّ شأنه: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [ (3)] و كان الصّحابة هم المخاطبين بهذه التعاليم و المشافهين بها فلا ريب أن تكون تلك الآداب الإسلامية من أهم العوامل فمن تثبيتهم و حذرهم خصوصا فيما يتصل بكتاب ربهم و سنّة نبيهم، و بعيد كل البعد أن يكونوا قد أهملوا هذا النصح السّامي و هم خير طبقة أخرجت للناس.

العامل الثّاني:

الترهيب الشديد، و التهديد و الوعيد لمن يكذب على اللَّه أو يفتري على رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) قال عز اسمه: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْ‏ءٌ، وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ‏ [ (4)] و الآيات في هذا الشأن كثيرة.

و نقرأ في السّنة النبويّة

قوله (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«من كذب عليّ متعمّدا فليتبوَّأ مقعده من النّار»

و هو حديث مشهور، بل متواتر، ورد أنه قد رواه اثنان و ستون صحابيّا منهم العشرة المبشرون بالجنة، و السّنّة أيضا مليئة بأحاديث من هذا النوع.

____________

[ (1)] [الحجرات: 6].

[ (2)] [الإسراء: 36].

[ (3)] [النجم: 28].

[ (4)] [الأنعام: 21].

48

فهل يستبيح عاقل منصف أن يقول: إن الصّحابة الذين سمعوا هذه النّصائح و تلك الزّواجر يقدمون على كذب في القرآن و السّنّة أو يقصرون في التّثبّت و التّحرّي و الاحتياط ..؟!!

العامل الثّالث:

أمر الإسلام لهم بالصّدق و نهاهم عن الكذب إطلاقا فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏ [ (1)].

ففي هذا إشارة إلى أن الصدق من مقتضيات الإيمان، و يفهم منه أن الكذب سبيل الكفر و الطغيان، و قد صرح اللَّه سبحانه بذلك في قوله: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ‏ [ (2)].

و يقول النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«عليكم بالصّدق فإنّه من البرّ و هما في الجنّة، و إيّاكم و الكذب فإنّه من الفجور و هما في النّار» [ (3)].

و في الكتاب و السّنّة أضعاف أضعاف ما ذكر في الموضوع فهل بعد ذلك ترضى هذه الطبقة- الصحابة- أن تركب رأسها و تنكص على أعقابها فتكذب على اللَّه و رسوله أو لا تتحرى الصدق في كتاب اللَّه و سنة رسوله!! ذلك شطط بعيد لا يجوز إلا على عقول المغفلين.

العامل الرّابع:

أن الصّحابة- (رضوان اللَّه عليهم)- كانوا مغرمين بالتّفقه و التعلّم مولعين بالبحث و التنقيب، مشغوفين بكلام اللَّه و كلام رسوله‏

روى البخاريّ و مسلم أن ابن مسعود قال: قال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«اقرأ عليّ القرآن» [ (4)] قلت: يا رسول اللَّه أقرأ عليك و عليك أنزل؟ قال:

____________

[ (1)] [التوبة: 119].

[ (2)] النحل: 105.

[ (3)] أخرجه ابن ماجة في السنن 2/ 1265 كتاب الدعاء (34) باب الدعاء بالعفو و العافية (5) حديث رقم 3848 و أحمد في المسند 1/ 3، 5- و الحميدي في مسندة 7 و ابن حبان في الموارد حديث رقم 106 و البخاري في الأدب المفرد 724- و ابن عساكر 3/ 156.

[ (4)] متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح 8/ 250 كتاب التفسير (65) تفسير سورة النساء (4) باب فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد (9) حديث رقم 4582، و في 9/ 93 كتاب فضائل القرآن (66) باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره (32) حديث رقم (5049) و في 9/ 94 باب قول المقرئ للقارئ حسبك (33) حديث (5050) و أخرجه مسلم في الصحيح 1/ 551 كتاب الصلاة المسافرين (6) باب فضل استماع القرآن ... (40) حديث رقم (247/ 800)، (248/ 800) و الترمذي في السنن 5/ 222 كتاب‏

49

«إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية

فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً

قال: «حسبك الآن» فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.

و كذلك كان الصّحابة همّتهم أن يقرءوا القرآن و يستمعوه‏

روى الشّيخان عن أبي موسى رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم)

«إنّي لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، و أعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، و إن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنّهار» [ (1)].

أليس هذا الولوع بالكتاب و السّنة من دواعي تثبتهم فيهما كما هو من دواعي حفظهم لهما، لأن اشتهار الشّي‏ء و ذيوعه و لين الألسنة به يجعله من الوضوح و الظّهور بحيث لا يشوبه لبس و لا يخالطه زيف، و لا يقبل فيه دخيل.

العامل الخامس:

يسر الوسائل لدى الصّحابة إلى أن يتثبتوا، و سهولة الوصول عليهم إلى أن يقفوا على جليّة الأمر، فيما استغلق عليهم معرفته من الكتاب و السّنة، و ذلك لمعاصرتهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) يتصلون به في حياته، فيشفي صدورهم من الرّيبة و الشّك، و يريح قلوبهم بما يشع عليهم من أنوار العلم و حقائق اليقين.

أما بعد غروب شمس النّبوة، و انتقاله (صلى اللَّه عليه و سلّم) إلى جوار ربّه، فقد كان من السّهل عليهم أيضا أن يتّصلوا بمن سمعوا بآذانهم من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و السامعون يومئذ عدد كثير و جمّ غفير، يساكنونهم في بلدهم، و يجالسونهم في نواديهم فإن شك أحدهم في آية من كتاب اللَّه تعالى، أو خبر عن رسول اللَّه أمكنه التثبت من عشرات سواه دون عنت و لا عسر.

العامل السّادس:

الشّجاعة الفطرية للأصحاب، و الصّراحة الطّبيعية لهم، حتى لقد كان الرّجل منهم يقف في وسط الجمهور يرد على أمير المؤمنين و هو يلقي خطاب عرشه ردّا قويّا صريحا

____________

[ ()] تفسير القرآن (48) باب (5) و من سورة النساء حديث رقم 3025 و ابن ماجة في السنن 2/ 1403 كتاب الزهد (37) باب الحزن و البكاء (19) حديث رقم 4194- و أحمد في المسند 1/ 380، 433 و البيهقي في السنن 10/ 231- و الطبراني في الكبير 9/ 79 و ابن أبي شيبة 10/ 563، 13/ 254، 14/ 10، 11 و ابن سعد 2/ 2/ 104- و أبو نعيم في الحلية 7/ 203 و ذكره الهندي في كنز العمال حديث رقم 2826.

[ (1)] أخرجه مسلم في الصحيح 4/ 1944 كتاب فضائل الصحابة (44) باب فضائل الأشعريين رضي اللَّه عنهم (39) حديث رقم (166/ 2499) و البخاري في التاريخ الكبير 5/ 175 و ذكره ابن حجر في فتح الباري 7/ 485 و ابن كثير في البداية و النهاية 4/ 206 و الهندي في كنز العمال حديث رقم 33974.

50

خشنا، بل كانت المرأة تقف في سترة المسجد الجامع فتقاطع خليفة المسلمين و هو يخطب، و تعارض رأيه برأيها، و تقرع حجته بحجتها فيما تعتقد أنه أخطأ فيه شاكلة الصّواب.

فهل يرضى العقل و المنطق أن تجرح هذه الأمة الصريحة القوية و تتهم بالكذب أو بالسكوت على الكذب في كلام اللَّه، و في سنة رسول اللَّه؟! ثم ألا يحملهم هذا الخلق المشرق فيهم على كمال التّثبت و دقة التحرّي في كتاب اللَّه و سنة رسول اللَّه؟!

العامل السّابع:

تكافل الصّحابة تكافلا اجتماعيا فرضه الإسلام عليهم.

لقد كان كلّ واحد منهم يعتقد أنه عضو في جسم الجماعة، عليه أن يتعاون هو و المجموع في المحافظة على الملّة، و يعتقد أنه لبنة في بناء الجماعة، عليه أن يعمل على سلامتها من الدغل و الزغل و الافتراء و الكذب خصوصا في أصل التّشريع الأول و هو القرآن و أصله الثّاني و هو سنة الرّسول عليه الصّلاة و السّلام.

و اقرأ آيات الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر التي تقرر ذاك التّكافل الاجتماعي الإسلامي بين آحاد الأمّة بما لا يدع مجالا لمفتر على اللَّه، و لا يترك حيلة لحاطب ليل في حديث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم).

يقول اللَّه تعالى: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ‏ إلى أن قال جلّ ذكره: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ‏ [ (1)].

و هكذا قدّم اللَّه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على الإيمان باللَّه، تنويها بجلالتهما، و حثّا على التمسّك بحبلهما، و إشارة إلى أن الإيمان باللَّه لا يصان و لا يكون إلا بهما.

و أما السّنة

فيقول (صلى اللَّه عليه و سلّم):

«و الّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف و لتنهونّ عن المنكر أو ليوشكنّ أن يبعث اللَّه عليكم عقابا منه، ثمّ تدعونه فلا يستجاب لكم» [ (2)].

____________

[ (1)] [آل عمران: 104- 110].

[ (2)] أخرجه الترمذي في السنن 4/ 406- 407 كتاب الفتن (34) باب ما جاء في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (9) حديث رقم 2169 و قال أبو عيسى هذا حديث حسن و أحمد في المسند 5/ 389- و الطبراني‏

51

فهل بعد هذا كلّه يعقل أن يعبث الصّحابة، أو يقرون من يعبث بكتاب اللَّه تعالى و سنة رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم).

العامل الثّامن:

تعويدهم الصّدق و ترويضهم عليه عملا، كما أرشدوا إليه و أدبوا به فيما سمعوا علما، و التّربية غير التّعليم، و العلم غير العمل، و نجاح الفرد و الأمّة مرهون بمقدار ما ينهلان من رحيق التّربية، و ما يقطفان من ثمرات الرّياضة النفسية و القوانين الخلقية، أما العلم وحده فقد يكون سلاح شقاء، و نذير فناء، كما نرى و نسمع.

و لقد أدرك الإسلام هذه النّاحية الجليلة في بناء الأمم فأعارها كل اهتمام، و عني بالتّنفيذ و العمل أكثر مما عني بالعلم و الكلام.

انظر إلى‏

قول الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) لمن يدرسون العلم في مسجد قباء

«تعلّموا ما شئتم أن تعلّموا فلن يأجركم اللَّه حتّى تعملوا».

و لقد مرّ بنا قبل ذلك الحديث عن الكذب، و هو أنواع، و شرع اللَّه عقوبة من أشنع العقوبات لمن اقترف نوعا منه و هو الخوض في الأعراض، تلك العقوبة هي حدّ القذف الّذي يقول الحقّ جلّ شأنه فيه: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏ [ (1)].

أ فبعد هذه التربية العالية يصح أن يقال: إن الصحابة يكذبون على اللَّه و رسوله، و لا يتثبتون، ألا إن هؤلاء من إفكهم ليهرفون بما لا يعرفون، و يسرفون في تجريح الفضلاء و اتهام الأبرياء و لا يستحون، فويل لهم من يومهم الّذي يوعدون.

العامل التّاسع:

القدوة الصّالحة، و الأسوة الحسنة، التي كانوا يجدونها في رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) ماثلة كاملة، جذابّة أخّاذة، و لا شكّ أن القدوة الصّالحة خير عامل من عوامل التّعليم و التربية و التّأديب و التّهذيب.

و لم يعرف التّاريخ و لن يعرف قدوة أسمى و لا أسوة أعلى و لا إمامة أسنى من محمد (صلى اللَّه عليه و سلّم) في كافة معناه الكمال البشري، خصوصا خلقه الرّضي، و أدبه السّني، و لا سيما صدقه و أمانته و تحريه و دقته.

____________

[ ()] في الكبير 10/ 180 و ذكره السيوطي من الدر المنثور 2/ 301، 341 و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 7/ 12.

[ (1)] [النور: 40].

52

و كانت هذه الفضائل المشرقة فيه، من بواعث إيمان المنصفين من أهل الجاهليّة به، و لقد اضطر أن يشهد له بها أعداؤه الألدّاء، كما آمن بها أتباعه الأوفياء.

و مما يذكر بالإعجاب و الفخر لبني الإسلام‏

أنه (صلى اللَّه عليه و سلّم) عرض الإسلام على بني عامر بن صعصعة، و ذلك قبل الهجرة، و قبل أن تقوم للدين شوكة، فقال كبيرهم: أ رأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك اللَّه على من خالفك أ يكون لنا الأمر من بعدك، فأجابه (صلى اللَّه عليه و سلّم) بتلك الكلمة الحكيمة الخالدة: «الأمر للَّه يضعه حيث يشاء» [ (1)]

فقال له كبيرهم: أ فتهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك اللَّه كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك.

و هنا تتجلّى سياسة الإسلام، و أنها سياسة صريحة مكشوفة، رشيدة، شريفة لا تعرف الالتواء و الكذب و التّضليل كما تتجلّى صراحة في نبيّ الإسلام و صدق نبي الإسلام، و شرف نبيّ الإسلام، عليه الصلاة و السلام.

العامل العاشر:

سموّ تربية الصّحابة على فضائل الإسلام كلّها، و كمال تأدبهم بآداب هذا الدين الحنيف و شدة خوفهم من اللَّه، و صفاء نفوسهم إلى حدّ لا يتفق و الكذب، خصوصا الكذب على اللَّه تعالى، و التجنّي على أفضل الخليقة (صلوات اللَّه و سلامه عليه).

و إذا استعرضنا تاريخ الصّحابة (رضوان اللَّه عليهم) نشاهد العجب من عظمة تأديب الإسلام لهم، و تربيته إيّاهم تربية سامية جعلتهم أشباه الملائكة يمشون على الأرض لا سيما ناحية الصّدق و الأمانة، و التثبّت و التّحرّي و الاحتياط، و ذلك من كثرة ما قرر القرآن فيهم لهذه الفضائل.

و من عناية الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) بهم علما و عملا و مراقبة حتى أصبحوا بنعمة من اللَّه و فضل منطبعة قلوبهم على هذه الجلائل متشبّعة نفوسهم بمبادئ الشّرف و النبل تأبى عليهم كرامتهم أن يقاربوا الكذب أو يقارفوا التّهجم لا سيّما التّهجّم على مقام الكتاب العزيز و كلام صاحب الرسالة (صلى اللَّه عليه و سلّم).

قالت عائشة رضي اللَّه عنها «ما كان خلق أشد على أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) من الكذب، و لقد كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) يطّلع على الرّجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه أحدث توبة للَّه عزّ و جلّ» [ (2)].

____________

[ (1)] أخرجه الدار الدّارقطنيّ في السنن 3/ 221 بلفظ الأمر إلى اللَّه- و ذكره العجلوني في كشف الخفاء 1/ 224.

[ (2)] مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ الزرقاني ص 283 و الصفحات التي بعدها بتصرف.

53

الصّحابة و الفقه‏

الصّحابة (رضوان اللَّه عليهم) كانوا يسألون عما يقع لهم من الحوادث، و حكم اللَّه فيها، يتوجّهون بالسؤال إلى النّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) فيفتيهم تارة بالآية أو الآيات ينزل الوحي بها عليه و تارة عند ما لا يسعفه الوحي يفتيهم باجتهاده.

و عند ما لا يتيسّر لهم سؤال الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) يسأل الصّحابة بعضهم بعضا فيما يعنّ لهم من أمور و ما يشكل عليهم من حوادث، علّه يعرف في الواقعة حكما لم يعرفه، فهم ليسوا سواء في العلم و الفقه، فقد كان علم التّيمّم عند عمّار و غيره و لم يعلمه عمر، و كان حكم المسح عند عليّ و حذيفة و لم تعلمه عائشة و ابن عمر و أبو هريرة.

و النّاس في البلاد البعيدة عن المدينة يسألون الصحابة الموفدين إليهم من قبل الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) فيما يعرض لهم من أمور.

و بعد أن ألحق النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) بالرفيق الأعلى، و انتقلت السّلطة التّشريعية إلى الخلفاء الرّاشدين و إلى كبار الصّحابة من بعده، بدأ الفقه يظهر بوضوح: و يأخذ في الظهور شيئا فشيئا، ذلك أن الفتوحات الإسلامية انتشرت و امتدت رقعة البلاد شرقا و غربا، و انتقل إلى هذه البلاد المفتوحة الصّحابة يحكمون و يقضون، و يفتون على وفق ما يفهمون من كتاب اللَّه و سنة رسوله (صلى اللَّه عليه و سلّم) فإن لم يجدوا في كتاب اللَّه و لا في سنّة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) ما يسعفهم فيما يسألون عنه أعملوا رأيهم و اجتهدوا و حاولوا الوصول إلى حكم اللَّه في المسائل التي تعرض عليهم ملبّين رغبات الناس و أهل البلاد المفتوحة، و اتّسعت صدورهم و لم يتقيّدوا بقيود في المصلحة الواجب مراعاتها، و قبلوا من غير تفكير طويل الأمور الغريبة عنهم ما دام لا يوجد ضدّها اعتراض ديني أو خلقي أو واقعة فقهية حصلت، و بهذا كان اجتهادهم فسيحا متّسعا لحاجات النّاس و مصالحهم، و كانت حريّة هذا الاجتهاد كفيلة بالتّقنين و التّشريع لكل معاملاتهم و حاجاتهم، و من هنا أخذ الفقه يتطور حثيثا، و يخطو خطوات سريعة نحو التقدّم و الازدهار.

54

كان عصر الخلفاء الراشدين، و عصر كبار الصحابة عصرا يحمل طابع التّقوى و الصّلاح و التّمسك بروح الدّين و الفضيلة التي عرفوها من الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم).

هذا العصر الّذي امتاز بالهدوء و النّظام، و لم تختلف فيه وجهات النّظر كثيرا في الحكم بين الأمّة و حكامها، و كان عصر انتصار يقود من نصر إلى نصر، و من فتح إلى فتح، و اتّسعت به رقعة البلاد الإسلامية و امتدت أطرافها و نعم الناس فيه بنعمة الدّين و الدّنيا.

و من هذا يتّضح أن الصحابة (رضوان اللَّه عليهم) تفرقوا في البلاد المفتوحة حاكمين و معلّمين حرّاسا و مرابطين قضاة و مفتين، و آثر بعضهم البقاء في المدينة كزيد بن ثابت و عبد اللَّه بن عمر، ففي مكّة كان عبد اللَّه بن عباس، و ذهب إلى الكوفة عبد اللَّه بن مسعود، و إلى مصر عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، و إلى الشّام معاذ بن جبل و عبادة بن الصّامت و أبو الدّرداء، و إلى البصرة أبو موسى الأشعريّ، و أنس بن مالك، و كانت الأمصار متعطّشة إلى معرفة تعاليم الدّين الإسلاميّ الّذي بزغ نوره منذ فجر قريب، فأقبل أهل كل مصر على من نزل بهم من الصّحابة يغترفون من بحورهم و يستفتونهم و يتعلّمون منهم، و اكتفى كل مصر بما عنده، و وثقوا به لقلة الاتّصال و صعوبة المواصلات.

و لم يكن الصّحابة جميعا في العلم و الفهم و معرفة أحاديث الرّسول (صلى اللَّه عليه و سلّم) سواء، فمنهم من لازم النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) مدّة طويلة، فسمع من الحديث أكثر من غيره و منهم من لازمه في الغزوات و الأسفار، و منهم من لم يظفر بذلك.

و قد كان لهؤلاء الصّحابة آثارهم الخاصّة في البلاد التي استوطنوها أو نزلوا بها ممّا تركوا فيها من ثروة تشريعية كبيرة، و بما كان لهم فيها من تلاميذ أخذوا عنهم علمهم و فقههم و خلفوهم في التّشريع و إفتاء الناس. و قاموا بما كان يقوم به أساتذتهم من الصّحابة، و ذلك هم التّابعون كسعيد بن المسيّب بالمدينة و مجاهد و عطاء بن أبي رباح بمكّة و إبراهيم النّخعي بالكوفة و ابن سيرين و الحسن البصري بالبصرة و مكحول و عمر بن عبد العزيز، و أبي إدريس الخولانيّ بالشام و طاوس باليمن، و يزيد بن حبيب بمصر.

و تبعا لشخصيّات الصّحابة و مناحيهم في التشريع و تبعا لشخصيّات تلامذتهم الّذين ترسّموا خطاهم، و نظرا لاختلاف عادات البلاد و تقاليدها و اختلاف معيشتها و أحوالها الاجتماعية، و الاقتصادية أخذت تبرز الخلافات التّشريعية في الأمصار المختلفة، و بدأت تتكوّن المدارس الفقهيّة في هذه الأمصار و تظهر آثارها واضحة جليّة.

و في مقدمة هذه المدارس و مكان الصدارة منها كانت تقوم مدرسة المدينة و مدرسة الكوفة، و بعبارة أخرى مدرسة الحجاز، و مدرسة العراق، نظرا لما تركتاه من آثار تشريعية

55

كبيرة، و بما تميّزت به كل واحدة عن الأخرى من سمات ظاهرة كانت علما عليها، و كانت المنافسة بين هاتين المدرستين حامية الوطيس، كل تعيب على الأخرى مسلكها في التشريع، و كان لكل منها رجالها و أعلامها المبرزون.

مدرسة المدينة

كان لمدرسة المدينة في العصر الأول للإسلام المكانة المرموقة إذ كانت الجامعة التي يقصدها طلاب الفقه و الحديث الرّاغبون في العلم و المعرفة، لأنّها دار هجرة المصطفى (صلى اللَّه عليه و سلّم) و البلد الّذي نزل فيها الوحي و عاش فيها الصّحابة (رضوان اللَّه عليهم أجمعون) فضلا عن كونها العاصمة السّياسيّة للدولة الإسلامية، و مركز الخلافة بعد النّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلّم) فكانت مجمع العلماء و مثوى الفقهاء، و دار الأتقياء و الصّالحين، و بقيت كذلك وقتا طويلا.

و كان إمام هذه المدرسة سعيد بن المسيّب، يرى هو و أصحابه أن أهل الحرمين أثبت النّاس في الفقه، حيث الصّحابة كثيرون و السّنة متوافرة، فما وجدوه مجمعا عليه بين علماء المدينة فإنّهم يتمسكون به، و ما كان فيه اختلاف عندهم فإنّهم يأخذون بأقواه و أرجحه، إمّا بكثرة من ذهب إليه أو لموافقته لقياس جليّ أو تخريج صريح من الكتاب و السّنّة أو نحو ذلك، و إذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة، خرجوا من كلامهم و تتبّعوا الإيماء و الاقتضاء فحصل لهم من ذلك مسائل كثيرة في كل باب من أبواب الفقه.

أصول هذه المدرسة

الصّحابة الّذين أثروا فيها هم: عمر بن الخطاب، و زيد بن ثابت، و عبد اللَّه بن عمر، و أم المؤمنين عائشة، و عبد اللَّه بن عباس.

قال الشّعبي: من سرّه أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فليأخذ بقول عمر.

و قال مجاهد: إذا اختلف النّاس في شي‏ء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به.

و قال ابن المسيّب: ما أعلم أحدا بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) أعلم من عمر بن الخطاب.

و قال بعض التّابعين: دفعت إلى عمر فإذا الفقهاء عنده مثل الصّبيان قد استعلى عليهم في فقهه و علمه.

و أما عن زيد بن ثابت، فقد قال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الرّاسخين في العلم،

و صح عن النّبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال للصحابة:

«أفرضكم زيد».

و قال الشّعبي: غلب زيد النّاس على اثنتين: الفرائض و القرآن.

56

و قال سليمان بن يسار: ما كان عمر و لا عثمان يقدمان على زيد أحدا في القضاء و الفتوى و الفرائض و القراءة، و بالجملة: فقد كان واسع الاطّلاع ضليعا في فهم تعاليم الإسلام له القدرة الفائقة على استنباط الأحكام ذا رأي فيما لم يرد فيه أثر.

و أما عن ابن عمر و ابن عبّاس، فكان ميمون بن مهران يقول عنهما إذا ذكرا عنده: ابن عمر أورعهما، و ابن عباس أعلمهما، و قال أيضا: ما رأيت أفقه من ابن عمر و لا أعلم من ابن عباس، و كان ابن سيرين يقول: اللَّهمّ أبقني ما أبقيت ابن عمر أقتدي به.

و قال ابن الأثير: كان ابن عمر شديد الاحتياط و التوقّي لدينه في الفتوى، و كل ما تأخذه به نفسه.

و قال الشّعبي: كان جيد الحديث و لم يكن جيد الفقه، و قد حمله الورع على أن لا يكثر من الفتوى، و من مذهبه في الفقه تفرّع مذهب المدنيين ثم مالك و أتباعه.

و قال ابن عباس:

ضمّني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) و قال: «اللَّهمّ علّمه الحكمة»،

و قال أيضا:

دعاني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) فمسح على ناصيتي، و قال: «اللَّهمّ علّمه الحكمة و تأويل الكتاب».

و لما مات ابن عبّاس قال محمّد بن الحنفيّة: مات رباني هذه الأمّة، و قال عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم بالسّنّة و لا أجلد رأيا و لا أثقب نظرا حين ينظر مثل ابن عباس.

و قال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس، أصحاب الفقه عنده، و أصحاب القرآن عنده، و أصحاب الشّعر عنده يصدرهم كلهم من واد واسع.

و قال ابن عبّاس: كان عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم).

و قال الأعمش: كان ابن عباس إذا رأيته قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، فإذا حدث قلت: أعلم الناس.

و أما عائشة- رضي اللَّه عنها- فكانت مقدمة في العلم و الفرائض و الأحكام و الحلال و الحرام، و كان من الآخذين عنها الّذين لا يكادون يتجاوزون قولها المتفقّهون بها القاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، و عروة بن الزبير ابن أختها أسماء.

قال مسروق، لقد رأيت مشيخة أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) يسألونها عن الفرائض.

و قال عروة بن الزّبير: ما جالست أحدا قطّ كان أعلم بقضاء و لا بحديث بالجاهلية و لا أروى للشعر، و لا أعلم بفريضة و لا طبّ من عائشة.