الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - ج2

- أبو الربيع الحميري الكلاعي‏ المزيد...
632 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ذكر بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الملوك، و كتابه إليهم يدعوهم إلى الله و إلى الإسلام‏

قال ابن هشام‏ (1): و قد كان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بعث إلى الملوك رسلا من أصحابه، و كتب معهم إليهم يدعوهم إلى الإسلام.

حدثني من أثق به عن أبى بكر الهذلى قال: بلغنى أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) خرج على أصحابه ذات يوم بعد عمرته التي صد عنها يوم الحديبية، فقال: «أيها الناس، إن الله قد بعثنى رحمة و كافة، فلا تختلفوا على كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم (عليه السلام)».

و فى حديث ابن إسحاق: «إن الله بعثنى رحمة و كافة، فأدوا عنى يرحمكم الله، و لا تختلفوا على كما اختلف الحواريون على عيسى»، فقال أصحابه: «و كيف اختلف الحواريون يا رسول الله؟»، فقال: «دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه، فأما من بعثه مبعثا قريبا فرضى و سلم، و أما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه و تثاقل، فشكا ذلك عيسى إلى الله تعالى فأصبح المتثاقلون و كل واحد منهم يتكلم بلغة الأمة التي بعث إليها» (2).

فبعث رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) دحية بن خليفة الكلبى‏ (3) إلى قيصر ملك الروم، و بعث عبد الله بن حذافة السهمى‏ (4) إلى كسرى ملك فارس، و بعث عمرو بن أمية

____________

(1) انظر: السيرة (4/ 231).

(2). انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 305، 306)، فتح البارى لابن حجر (7/ 734).

(3). انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (700)، الإصابة الترجمة رقم (2395)، أسد الغابة الترجمة رقم (1507)، التاريخ الكبير (3/ 254)، تاريخ الطبرى (2/ 582)، أنساب الأشراف (1/ 377)، الجرح و التعديل (3/ 439)، العقد الفريد (2/ 34)، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (56)، الأنساب لابن السمعانى (10/ 452)، تهذيب الكمال (8/ 473)، تهذيب التهذيب (3/ 506)، خلاصة تهذيب الكمال (112)، الوافى بالوفيات (4/ 51)، تاريخ الإسلام (1/ 48).

(4). انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1526)، الإصابة الترجمة رقم (4641)، أسد الغابة الترجمة رقم (2891)، خلاصة تذهيب الكمال (2/ 49)، المعرفة و التاريخ (1/ 252).

4

الضمرى‏ (1) إلى النجاشى ملك الحبشة، و بعث حاطب بن أبى بلتعة (2) إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، و بعث عمرو بن العاص إلى جيفر و عبد (*) ابنى الجلندى ملك عمان، و بعث سليط بن عمرو (3) أحد بنى عامر بن لؤيّ إلى ثمامة بن أثال، و هوذة بن على الحنفيين ملكى اليمامة؛ و بعث العلاء بن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى العبدى ملك البحرين؛ و بعث شجاع بن وهب الأسدي‏ (4) إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى ملك تخوم الشام‏ (5).

و يقال: بعثه إلى حبلة بن أيهم الغسانى، و بعث المهاجر بن أبى أمية المخزومى إلى الحارث بن عبد كلال الحميرى ملك اليمن.

ذكر كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إلى قيصر، و ما كان من خبر دحية معه‏ (6)

ذكر الواقدى من حديث ابن عباس، و من حديثه خرج فى الصحيحين: أن رسول‏

____________

(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1913)، الإصابة الترجمة رقم (5781)، أسد الغابة الترجمة رقم (3862)، سير أعلام النبلاء (3/ 179)، تهذيب التهذيب (8/ 6)، تقريب التهذيب (2/ 65)، خلاصة تهذيب الكمال (2/ 280)، الاستبصار (78)، الأعلام (5/ 73)، المعرفة و التاريخ (1/ 325)، الرياض المستطابة (214)، التحفة اللطيفة (3/ 291).

(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (472)، الإصابة الترجمة رقم (1543)، أسد الغابة الترجمة رقم (1011)، تاريخ خليفة (166)، الجرح و التعديل (3/ 303)، تهذيب التهذيب (2/ 168)، تاريخ الإسلام (2/ 85)، شذرات الذهب (1/ 37).

(*) كذا فى الأصل، و فى السيرة: «عياذ».

(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1045)، الإصابة الترجمة رقم (3435)، أسد الغابة الترجمة رقم (2203)، تجريد أسماء الصحابة (1/ 235)، الجرح و التعديل (4/ 1228)، الثقات (3/ 181)، المصباح المضي‏ء (1/ 270، 2/ 74).

(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1199) «و فيه قال ابن عبد البر: شجاع بن أبى وهب و يقال: ابن وهب». الإصابة الترجمة رقم (3859)، أسد الغابة الترجمة رقم (2388).

(5) انظر: السيرة (4/ 231).

(6) راجع: صحيح البخاري (4/ 119، 122)، دلائل النبوة لأبى نعيم (343، 348)، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 377، 386)، تاريخ الطبرى (3/ 644، 646، 651)، تاريخ اليعقوبى (2/ 77، 78)، المصباح المضي‏ء (2/ 76، 124).

5

الله (صلى اللّه عليه و سلم) كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، و بعث بكتابه مع دحية الكلبى، و أمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى، ليدفعه إلى قيصر، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر، و كان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله جل و عز فيما أبلاه من ذلك، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال: التمسوا لنا هاهنا أحدا من قومه نسألهم عنه.

قال ابن عباس: فأخبرنى أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام فى رجال من قريش، قدموا تجارا، و ذلك فى الهدنة التي كانت بين رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و بين كفار قريش، قال:

فأتانا رسول قيصر، فانطلق بنا حتى قدمنا إيلياء، فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس فى مجلس ملكه عليه التاج، و حوله، عظماء الروم، فقال لترجمانه: سلهم، أيهم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبى، قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا، و ليس فى الركب يومئذ رجل من بنى عبد مناف غيرى، قال قيصر: أدنوه منى، ثم أمر بأصحابى فجعلوا خلف ظهرى، ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه، إنما قدمت هذا أمامكم لأسأله عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبى، و إنما جعلتم خلف كتفيه لتردوا عليه كذبا إن قاله، قال أبو سفيان: فو الله لو لا الحياء يومئذ من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه، و لكنى استحييت فصدقته و أنا كاره، ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقلت هو فينا ذو نسب قال: قل له هل قال هذا القول منكم أحد قبله؟، قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا، قال: هل كان من آبائه ملك؟

قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم قال: فهل يزيدون أو ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن دخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، و نحن الآن منه فى مدة، و نحن لا نخاف غدره، و فى رواية: و نحن منه فى مدة لا ندرى ما هو فاعل فيها.

قال أبو سفيان: و لم تمكنى كلمة أغمزه بها لا أخاف على فيها شيئا غيرها. قال:

فهل قاتلتموه؟، قلت: نعم، قال: فكيف حربكم و حربه؟، قلت: دول سجال، ندال عليه مرة و يدال علينا أخرى، قال: فما يأمركم به؟، قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، و ينهانا عما كان يعبد آباؤنا، و يأمرنا بالصلاة و الصدق و العفاف و الوفاء بالعهد و أداء الأمانة، فقال لترجمانه: قل له: إنى سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب، و كذلك الرسل تبعث فى نسب قومها، و سألتك: هل قال هذا القول منكم أحد قبله، فزعمت أن لا، فلو كان أحد منكم قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتم بقول قيل قبله،

6

و سألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس و يكذب على الله، و سألتك هل كان من آبائه ملك، فقلت: لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه، و سألتك:

أ أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم، فقلت: ضعفاؤهم، و هم أتباع الرسل، و سألتك هل يزيدون أو ينقصون، فزعمت أنهم يزيدون، و كذلك الإيمان حتى يتم، و سألتك: هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فزعمت أن لا، و كذلك الإيمان حتى تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، و سألتك: هل قاتلتموه، فقلت: نعم، و أن حربكم و حربه دول سجال، و يدال عليكم مرة، و تدالون عليه أخرى و كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، و سألتك: ما ذا يأمركم به، فزعمت أنه يأمركم بالصلاة و الصدق و العفاف و الوفاء بالعهد، و أداء الأمانة، و هو نبى، و قد كنت أعلم أنه خارج لكم و لكن لم أظن أنه فيكم، و إن كان ما أتانى عنه حقا، فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين، و لو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقيه، و لو كنت عنده لغسلت قدميه.

قال أبو سفيان: «ثم دعا بكتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فقرئ، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بداعية الإسلام، أسلم لتسلم، و أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم، أن لا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا، و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون».

قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته و فرغ الكتاب علت أصوات الذين حوله و كثر لغطهم، فلا أدرى ما قالوا، و أمر بنا فأخرجنا، فلما خرجت أنا و أصحابى و خلصنا، قلت لهم: لقد أمر أمر ابن أبى كبشة، هذا ملك بنى الأصفر يخافه، قال: فو الله ما زلت ذليلا مستيقنا أن أمره سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام‏ (1).

و فى حديث غير هذا، ذكره أيضا الواقدى عن محمد بن كعب القرظى أن دحية الكلبى لقى قصر بحمص لما بعثه إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و قيصر ماش من قسطنطينة إلى إيلياء فى نذر كان عليه إن ظهرت الروم على فارس أن يمشى حافيا من قسطنطينة، فقال لدحية قومه لما بلغ قيصر: إذا رأيته فاسجد له، ثم لا ترفع رأسك أبدا حتى يأذن لك.

____________

(1) انظر الحديث فى: صحيح البخاري (6/ 45)، سنن أبى داود (5136)، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (3/ 414).

7

قال دحية: لا أفعل هذا أبدا، و لا أسجد لغير الله عز و جل، قالوا: إذ لا يؤخذ كتابك، و لا يكتب جوابك، قال: و إن لم يأخذه، فقال له رجل منهم: أدلك على أمر يأخذ فيه كتابك، و لا يكلفك فيه السجود. قال دحية: و ما هو؟ قال: إن له على كل عقبة منبرا يجلس عليه، فضع صحيفتك تجاه المنبر، فإن أحد لا يحركها حتى يأخذها هو، ثم يدعو صاحبها فيأتيه. قال: أما هذا فسأفعل، فعمد إلى منبر من تلك المنابر التي يستريح عليها قيصر، فألقى الصحيفة، فدعا بها فإذا عنوانها كتاب العرب، فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية، فإذا فيه: «من محمد رسول الله إلى قيصر صاحب الروم»، فغضب أخ لقيصر يقال له: نياق، فضرب فى صدر الترجمان ضربة شديدة، و نزع الصحيفة منه، فقال له قيصر: ما شأنك، أخذت الصحيفة؟ فقال: تنظر فى كتاب رجل بدأ بنفسه قبلك؟

و سماك قيصر صاحب الروم، و ما ذكر لك ملكا. فقال له قيصر: إنك و الله ما علمت أحمق صغيرا، مجنون كبيرا، أ تريد أن تخرق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه، فلعمرى لئن كان رسول الله كما يقول، لنفسه أحق أن يبدأ بها منى، و إن كان سمانى صاحب الروم لقد صدق، ما أنا إلا صاحبهم و ما أملكهم، و لكن الله عز و جل سخرهم لى، و لو شاء لسلطهم على كما سلط فارس على كسرى فقتلوه. ثم فتح الصحيفة، فإذا فيها:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى قيصر صاحب الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ‏ الآية إلى قوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ [آل عمران: 64] فى آيات من كتاب الله يدعوه إلى الله و يزهده فى ملكه و يرغبه فيما رغبه الله فيه من الآخرة، و يحذره بطش الله و بأسه» (1).

و فى حديث غير الواقدى أن دحية لما لقى قيصر قال له: يا قيصر، أرسلنى إليك من هو خير منك، و الذي أرسله خير منه و منك، فاسمع بذل، ثم أجب بنصح، فإنك إن لم تذلل لم تفهم، و إن لم تنصح لم تنصف. قال: هات. قال: هل تعلم أن المسيح كان يصلى؟. قال: نعم، قال: فإنى ادعوك إلى من كان المسيح يصلى له، و أدعوك إلى من دبر خلق السموات و الأرض و المسيح فى بطن أمه، و أدعوك إلى هذا النبيّ الأمى، الذي بشر به موسى و بشر به عيسى ابن مريم بعده، و عندك من ذلك أثاره من علم تكفى عن العيان و تشفى عن الخبر فإن أجبت كانت لك الدنيا و الآخرة، و إلا ذهبت عنك الآخرة

____________

(1) انظر الحديث فى: تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (5/ 222)، كنز العمال للمتقى الهندى (30278، 30337)، دلائل النبوة لأبى نعيم (121)، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 306).

8

و شوركت فى الدنيا، و أعلم أن لك ربا يقصم الجبابرة و يغير النعم.

فأخذ قيصر الكتاب فوضعه على عينيه و رأسه، و قبله، ثم قال: أما و الله، ما تركت كتابا إلا قرأته، و لا عالما إلا سألته، فما رأيت إلا خيرا، فأمهلنى حتى أنظر من كان المسيح يصلى له، فإنى أكره أن أجيبك اليوم بأمر أرى غدا ما هو أحسن منه، فأرجع عنه، فيضرنى ذلك و لا ينفعنى، أقم حتى أنظر.

و يروى أن قيصر لما سأل أبا سفيان بن حرب عما سأله عنه من أمر رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) حسبما تقدم، و أخبره به قال: و الذي نفسى بيده ليوشكن أن يغلب على ما تحت قدمي، يا معشر الروم، هلم إلى أن نجيب هذا الرجل إلى ما دعا إليه، و نسأله الشام أن لا توطأ علينا أبدا، فإنه لم يكتب نبى من الأنبياء قط إلى ملك من الملوك يدعوه إلى الله فيجيبه إلى ما دعاه إليه، ثم يسأله عندها مسألة إلا أعطاه مسألته ما كانت، فأطيعوني، فلنجبه و نسأله أن لا توطأ الشام. قالوا: لا نطاوعك فى هذا أبدا، تكتب إليه تسأله ملكك الذي تحت رجليك، و هو هنالك لا يملك من ذلك شيئا، فمن أضعف منك.

و فى هذا الحديث عن أبى سفيان أنه قال لقيصر لما سأله عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فى جملة ما أجابه:

أيها الملك، أ لا أخبرك خبرا تعرف به أنه قد كذب؟. قال: و ما هو؟ قلت: إنه زعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم فى ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء و رجع إلينا فى تلك الليلة قبل الصباح. قال: و بطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال: قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر إليه قيصر، و قال: و ما علمك بهذا؟ قال: إنى كنت لا أنام ليلة أبدا حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبنى، فاستعنت عليه عمالى و من يحضرنى فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول جبلا، فدعوت النجارين فنظروا إليه فقالوا: هذا باب سقط عليه النجاف و البنيان، فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح، فننظر من أين أتى، فرجعت و تركت البابين مفتوحين، فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي فى زاوية المسجد مثقوب، و إذا فيه أثر مربط الدابة، فقلت لأصحابى: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبى، و قد صلى الليلة فى مسجدنا هذا.

فقال قيصر لقومه: يا معشر الروم، أ لستم تعلمون أن بين عيسى و بين الساعة

9

نبى بشركم به عيسى ابن مريم، ترجون أن يجعله الله فيكم؟ قالوا: بلى، قال: فإن الله قد جعله فى غيركم، فى أقل منكم عددا، و أضيق منكم بلدا، و هى رحمة الله عز و جل يضعها حيث يشاء (1).

و فى الصحيح من الحديث أن هرقل لما تحقق أمر رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بما كان يجده فيما عندهم من العلم أذن لعظماء الروم فى دسكرة له بحمص، و أمر بالأبواب فغلقت، ثم طلع عليهم، فقال: يا معشر الروم، هل لكم فى الفلاح و الرشد، و أن يثبت لكم ملككم، و أن تتبعوا ما قال عيسى ابن مريم؟ قالوا: و ما ذاك أيها الملك؟ قال: تتبعون هذا النبيّ العربى. قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش و استجالوا فى الكنيسة و تناخروا، و رفعوا الصلب، و ابتدروا الأبواب، فوجدوها مغلقة، فلما رأى هرقل ما رأى يئس من إسلامهم و خافهم على ملكه، فقال: ردوهم على، فردوهم، فقال: إنما قلت لكم ما قلت لأخبر كيف صلابتكم فى دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحب، فسجدوا له و رضوا عنه، فكان ذلك آخر شأنهم‏ (2).

و يروى أن قيصر لما انتهى مع قومه إلى ما ذكر، و يئس من إجابتهم كتب مع دحية جواب كتابه الذي جاءه به، يقول فيه للنبى (صلى اللّه عليه و سلم): إنى مسلم، و لكنى مغلوب على أمرى.

و أرسل إليه بهدية، فلما قرأ رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كتابه قال: «كذب عدو الله، ليس بمسلم، بل هو على نصرانيته»، و قبل هديته، و قسمها بين المسلمين.

و قال دحية فى قدومه:

ألا هل أتاها على نأيها* * * بأنى قدمت على قيصر

فقررته بصلاة المسيح‏* * * و كانت من الجوهر الأحمر

و تدبير ربك أمر السما* * * ء و الأرض فأغضى و لم ينكر

و قلت تفز ببشرى المسيح‏* * * فقال سأنظر قلت انظر

فكاد يقر بأمر الرسول‏* * * فمال إلى البدل الأعور

فشك و جاشت له نفسه‏* * * و جاشت نفوس بنى الأصفر

على وضعه بيديه الكتاب‏* * * على الرأس و العين و المنخر

فأصبح قيصر فى أمره‏* * * بمنزلة الفرس الأشقر

____________

(1) انظر: التخريج السابق.

(2) انظر: التخريج السابق.

10

ذكر توجه عبد الله بن حذافة إلى كسرى بكتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و ما كان من خبره معه‏ (1)

و كسرى هذا هو أبرويز بن هرمز، أنو شروان، و معنى أبرويز: المظفر، فيما ذكره المسعودى، و هو الذي كان غلب الروم، فأنزل الله فى قصتهم: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ‏ [1- 3: الروم‏]، و أدنى الأرض فيما ذكر الطبرى هى بصرى و فلسطين، و أذرعات من أرض الشام.

و ذكر الواقدى من حديث الشفاء بنت عبد الله، أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بعث عبد الله بن حذافة السهمى منصرفه من الحديبية إلى كسرى، و بعث معه كتابا مختوما فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى و آمن بالله و رسوله، و شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، ادعوك بداعية الله، فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، و يحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت، فعليك إثم المجوس». قال عبد الله بن حذافة، فانتهيت إلى بابه، فطلبت الإذن عليه حتى وصلت إليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فقرئ عليه، فأخذه و مزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال:

«مزق ملكه» (2).

و ذكر أبو رفاعة، وثيمة بن موسى بن الفرات، قال: لما قدم عبد الله بن حذافة على كسرى قال: يا معشر الفرس، إنكم عشتم بأحلامكم لعدة أيامكم بغير نبى و لا كتاب، و لا تملك من الأرض إلا ما فى يديك، و ما لا تملك منها أكثر، و قد ملك الأرض قبلك ملوك أهل الدنيا و أهل الآخرة، فأخذ أهل الآخرة بحظهم من الدنيا، وضيع أهل الدنيا حظهم من الآخرة، فاختلفوا فى سعى الدنيا و استووا فى عدل الآخرة، و قد صغر هذا الأمر عندك، أنا أتيناك به، و قد و الله جاءك من حيث خفت، و ما تصغيرك إياه بالذى يدفعه عنك، و لا تكذيبك به بالذى يخرجك منه، و فى وقعة ذى قار على ذلك دليل.

فأخذ الكتاب فمزقه، ثم قال: لى ملك هنى، لا أخشى أن أغلب عليه، و لا أشارك فيه،

____________

(1) راجع: صحيح البخاري (4/ 119)، تاريخ الطبرى (3/ 644، 654، 657)، دلائل النبوة لأبى نعيم (348، 351)، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 387، 392)، المصباح المضي‏ء (2/ 180، 227)، أعلام النبوة للماوردى (97، 98).

(2) ذكره ابن كثير فى البداية و النهاية (6/ 344).

11

و قد ملك فرعون بنى إسرائيل، و لستم بخير منهم، فما يمنعنى أن أملككم و أنا خير منه، فأما هذا الملك فقد علمنا أنه يصير إلى الكلاب، و أنتم أولئك تشبع بطونكم و تأبى عيونكم، فأما وقعة ذى قار فهى بوقعة الشام.

فانصرف عنه عبد الله، و قال فى ذلك:

أبى الله إلا أن كسرى فريسة* * * لأول داع بالعراق محمدا

تقاذف فى فحش الجواب مصغرا* * * لأمر العريب الخائفين له الردا

فقلت له أرود فإنك داخل‏* * * من اليوم فى بلوى و منتهب غدا

فأقبل و أدبر حيث شئت فإننا* * * لنا الملك فابسط للمسالمة اليدا

و إلا فأمسك قارعا سن نادم‏* * * أقر بذل الخرج أو مت موحدا

سفهت بتخريق الكتاب و هذه‏* * * بتمزيق ملك الفرس يكفى مبددا

و يروى أن كسرى رأى فى النوم بعد أن أخبر بخروج النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و نزوله يثرب أن سلما وضع فى الأرض إلى السماء، و حشر الناس حوله، إذ أقبل رجل عليه عمامة، و إزار أو رداء، فصعد السلم حتى إذا كان بمكان منه نودى: أين فارس و رجالها و نساؤها و لامتها و كنوزها؟ فأقبلوا، فجعلوا فى جوالق، ثم رفع الجوالق إلى ذلك الرجل، فأصبح كسرى تعس النفس، محزونا لتلك الرؤيا، و ذكرها لأساورته، فجعلوا يهونون عليه الأمر، فيقول كسرى: هذا أمر تراد به فارس، فلم يزل مهموما حتى قدم عليه عبد الله بن حذافة بكتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يدعوه إلى الإسلام.

و ذكر الواقدى من حديث أبى هريرة و غيره أن كسرى بينا هو فى بيت كان يخلو فيه إذا رجل قد خرج إليه فى يده عصا، فقال: يا كسرى، إن الله قد بعث رسولا، و أنزل عليه كتابا، فأسلم تسلم، و اتبعه يبق لك ملكك قال كسرى: أخر هذا عنى أثرا ما، فدعا حجابه و بوابيه، فتواعدهم، و قال: من هذا الذي دخل على؟ قالوا: و الله، ما دخل عليك أحد، و ما ضيعنا لك بابا، و مكث حتى إذا كان العام المقبل أتاه فقال له مثل ذلك، و قال: إن لا تسلم أكسر العصا. قال: لا تفعل، أخر ذلك أثرا ما، ثم جاء العام المقبل، ففعل مثل ذلك، و ضرب بالعصا على رأسه فكسرها، و خرج من عنده، و يقال أن ابنه قتله فى تلك الليلة، و أعلم الله بذلك رسوله (عليه السلام) بحدثان كونه فأخبر (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك رسل باذان إليه.

و كان باذان عامل كسرى على اليمن، فلما بلغه ظهور النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و دعاؤه إلى الله، كتب إلى باذان: أن ابعث إلى هذا الرجل الذي خالف دين قومه، فمره فليرجع إلى دين قومه، فإن أبى فابعث إلى برأسه، و إلا فليواعدك يوما تقتتلون فيه، فلما ورد كتابه إلى‏

12

باذان، بعث بكتابه مع رجلين من عنده، فلما قدما على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) أنزلهما و أمرهما بالمقام فأقاما أياما، ثم أرسل إليهما رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ذات غداة، فقال: «انطلقا إلى باذان فأعلماه أن ربى عز و جل قد قتل كسرى فى هذه الليلة»، فانطلقا حتى قدما على باذان، فأخبراه بذلك، فقال: إن يكن الأمر كما قال فو الله إن الرجل لنبى، و سيأتى الخبر بذلك إلى يوم كذا، فأتاه الخبر كذلك، فبعث باذان بإسلامه و إسلام من معه إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم).

و يقال: إن الخبر أتاه بمقتل كسرى و هو مريض، فاجتمعت إليه أساورته، فقالوا: من تؤمر علينا. فقال لهم: ملك مقبل و ملك مدبر، فاتبعوا هذا الرجل، و ادخلوا فى دينه و أسلموا. و مات باذان، فبعث رءوسهم إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) وفدهم يعرفونه بإسلامهم.

ذكر إسلام النجاشى، و كتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إليه مع عمرو بن أمية الضمرى‏ (1)

قال ابن إسحاق: لما وجه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) رسله إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وجه إلى النجاشى عمرو بن أمية، فقال له: يا أصحمة، إن على القول، و عليك الاستماع، إنك كأنك فى الرقة علينا منا، و كأنا فى الثقة بك منك، لأنا لن نظن بك خيرا قط إلا نلناه، و لم نخفك على شي‏ء قط إلا أمناه، و قد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا و بينك شاهد لا يرد، و قاض لا يجور، و فى ذلك وقع الحز و إصابة المفصل، و إلا فأنت فى هذا النبيّ الأمى كاليهود فى عيسى ابن مريم، و قد فرق النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) رسله إلى الناس، فرجاك لما لم يرجهم له، و أمنك على ما خافهم عليه، لخير سالف و أجر ينتظر، فقال النجاشى: أشهد بالله أنه للنبى الأمى الذي ينتظره أهل الكتاب، و أن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، و أن العيان ليس بأشفى من الخبر.

و ذكر الواقدى أن الكتاب الذي كتبه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى النجاشى مع عمرو ابن أمية الضمرى هو هذا: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة. سلم أنت، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن‏

____________

(1) راجع: صحيح البخاري (2/ 184، 185)، صحيح مسلم (3/ 54، 5/ 116)، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 410، 412)، تاريخ الطبرى (3/ 644/ 652، 654)، المصباح المضي‏ء لابن حديدة (2/ 17، 75)، الأسماء المبهمة للخطيب البغدادى (21، 22).

13

المهيمن، و أشهد أن عيسى ابن مريم روح الله و كلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه و نفخه كما خلق آدم بيده.

و إنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، و الموالاة على طاعته، و أن تتبعنى و تؤمن بالذى جاءنى، فإنى رسول الله، و إنى أدعوك و جنودك إلى الله عز و جل، فقد بلغت و نصحت، فأقبلوا نصيحتى، و السلام على من اتبع الهدى».

فكتب إليه النجاشى: بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله، من النجاشى أصحمة. سلام عليك يا رسول الله من الله و رحمة الله و بركات الله الذي لا إله إلا هو.

أما بعد، فقد بلغنى كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فو رب السماء و الأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا، إنه كما ذكرت، و قد عرفنا ما بعثت به إلينا، و قد قربنا ابن عمك و أصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، و قد بايعتك و بايعت ابن عمك، و أسلمت على يديه لله رب العالمين‏ (1).

و ذكر الواقدى عن سلمة بن الأكوع أن النجاشى توفى فى رجب سنة تسع، منصرف رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) عن تبوك، قال سلمة: صلى بنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الصبح، ثم قال:

«إن أصحمة النجاشى قد توفى هذه الساعة، فاخرجوا بنا إلى المصلى حتى نصلى عليه»، قال سلمة: فحشد الناس و خرجنا مع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المصلى، فرأيت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يقدمنا و إنا لصفوف خلفه، و أنا فى الصف الرابع، فكبر بنا أربعا (2).

كتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المقوقس صاحب الإسكندرية مع حاطب بن أبى بلتعة (3)

و لما وجه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) رسله إلى الملوك، بعث حاطبا إلى المقوقس صاحب الإسكندرية بكتاب فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله رسول الله، إلى‏

____________

(1) ذكره ابن كثير فى البداية و النهاية (3/ 83).

(2) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (1534)، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 39).

(3) راجع تاريخ الطبرى (3/ 644، 645)، دلائل النبوة للبيهقى (4/ 395، 396)، المصباح المضي‏ء لابن حديدة (2/ 125- 179)، مروج الذهب للمسعودى (2/ 289).

14

المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بداعية الإسلام، أسلم تسلم، و أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ [آل عمران: 64]». و ختم الكتاب‏ (1).

فخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية، فانتهى إلى حاجبه، فلم يلبثه أن أوصل إليه كتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم).

و قال حاطب للمقوقس لما لقيه: «إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، و لا يعتبر بك».

قال: هات. قال: «إن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه، و هو الإسلام الكافى به الله، فقد ما سواه، إن هذا النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش، و أعداهم له يهود، و أقربهم منه النصارى، و لعمرى ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) و ما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، و كل نبى أدرك قوما، فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدركه هذا النبيّ، و لسنا ننهاك عن دين المسيح، و لكنا نأمرك به». فقال المقوقس: «إنى قد نظرت فى أمر هذا النبيّ، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، و لا ينهى إلا عن مرغوب عنه، و لم أجده بالساحر الضال، و لا الكاهن الكاذب، و وجدت معه آلة النبوة بإخراج الخب‏ء و الإخبار بالنجوى، و سأنظر.

و أخذ كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فجعله فى حق من عاج و ختم عليه، و دفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك. أما بعد، فقد قرأت كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه، و ما تدعو إليه. و قد علمت أن نبيا قد بقى، و كنت أظن أنه يخرج بالشام، و قد أكرمت رسولك، و بعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، و بكسوة، و أهديت لك بغلة لتركبها. و السلام عليك». و لم يزد على هذا، و لم يسلم. و هاتان الجاريتان اللتان ذكرهما، إحداهما مارية أم إبراهيم ابن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أختها سيرين، و هى التي وهبها النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن، و البغلة هى دلدل، و كانت بيضاء. و قيل: إنه لم يكن فى العرب يومئذ غيرها، و إنها بقيت إلى زمان معاوية.

____________

(1) انظر: التخريج السابق.

15

و ذكر الواقدى بإسناد له: أن المقوقس أرسل إلى حاطب ليلة و ليس عنده أحد إلا ترجمان له يترجم بالعربية، فقال له: أ لا تخبرنى عن أمور أسألك عنها و تصدقنى؟ فإنى أعلم أن صاحبك قد تخيرك من بين أصحابه حيث بعثك، فقال له حاطب: لا تسألنى عن شي‏ء إلا صدقتك، فسأله عن: ما ذا يدعو إليه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و من أتباعه، و هل يقاتل قومه؟ فأجابه حاطب عن ذلك كله، ثم سأله عن صفته، فوصفه حاطب و لم يستوف، فقال له: بقيت أشياء لم أرك تذكرها، فى عينيه حمرة، قل ما تفارقه، و بين كتفيه خاتم النبوة، و يركب الحمار، و يلبس الشملة، و يجتزى بالتمرات و الكسرة، و لا يبالى من لاقى من عم و ابن عم.

قال حاطب: فهذه صفته. قال: كنت أعلم أنه بقى نبى، و كنت أظن أن مخرجه و منبته بالشام، و هناك تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج فى العرب فى أرض جهد و بؤس، و القبط لا يطاوعونى فى اتباعه، و لا أحب أن تعلم بمحاورتى إياك، و أنا أضن بملكى أن أفارقه، و سيظهر على البلاد، و ينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده حتى يظهر على ما هاهنا، فارجع إلى صاحبك، فقد أمرت له بهدايا و جاريتين أختين فارهتين، و بغلة من مراكبى، و ألف مثقال ذهبا، و عشرين ثوبا من لين، و غير ذلك، و أمرت لك بمائة دينار و خمسة أثواب. فارحل من عندى و لا تسمع منك القبط حرفا واحدا.

فرجعت من عنده و قد كان لى مكرما فى الضيافة، و قلة اللبث ببابه، ما أقمت عنده إلا خمسة أيام، و إن الوفود، وفود العجم ببابه منذ شهر و أكثر. قال حاطب: فذكرت قوله لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: «ضن الخبيث بملكه، و لا بقاء لملكه».

ذكر كتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المنذر بن ساوى العبدى مع العلاء بن الحضرمى بعد انصرافه من الحديبية (1)

ذكر الواقدى بإسناد له عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب فى كتب ابن عباس بعد موته، فنسخته، فإذا فيه: بعث رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) العلاء بن الحضرمى، إلى المنذر بن‏

____________

(1) راجع: تاريخ الطبرى (3/ 645)، الروض الأنف للسهيلى (4/ 250)، المصباح المضي‏ء (2/ 335، 338)، تاريخ اليعقوبى (2/ 78).

16

ساوى‏ (1)، و كتب إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب يعنى المنذر إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): أما بعد، يا رسول الله، فإنى قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أحب الإسلام، و أعجبه، و دخل فيه، و منهم من كرهه، و بأرضى مجوس و يهود، فأحدث إلى فى ذلك أمرك».

فكتب إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى المنذر ابن ساوى، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، و أشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا عبده و رسوله. أما بعد، فإنى أذكرك الله عز و جل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، و إنه من يطع رسلى و يتبع أمرهم فقد أطاعنى، و من نصح لهم فقد نصح لى، و إن رسلى قد أثنوا عليك خيرا، و إنى قد شفعتك فى قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، و عفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، و إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، و من أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية» (2).

و ذكر غير الواقدى أن العلاء بن الحضرمى لما قدم على المنذر بن ساوى قال له: يا منذر، إنك عظيم العقل فى الدنيا، فلا تصغرن من الآخرة، إن هذه المجوسية شردين، ليس فيها تكرم العرب، و لا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحى من نكاحه، و يأكلون ما يتكرم عن أكله، و يعبدون فى الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة، و لست بعديم عقل و لا أرى، فانظر: هل ينبغى لمن لا يكذب أن تصدقه، و لمن لا يخون أن تأتمنه، و لمن لا يخلف أن تثق به، فإن كان هذا هكذا فهو هذا النبيّ الأمى الذي و الله لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به أو ليته زاد فى عفوه أو نقص من عقابه، إن كل ذلك منه على أمنية أهل العقل و فكر أهل البصر.

فقال المنذر: قد نظرت فى هذا الذي فى يدى فوجدته للدنيا دون الآخرة، و نظرت فى دينكم فوجدته للآخرة و الدنيا، فما يمنعنى من قبول دين فيه أمنية الحياة و راحة الموت، و لقد عجبت أمس ممن يقبله، و عجبت اليوم ممن يدره، و إن من إعظام ما جاء به أن يعظم رسوله، و سأنظر.

و ذكر ابن إسحاق و الواقدى و سيف و الطبرى و غيرهم أن المنذر لما وصله العلاء

____________

(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2515)، الإصابة الترجمة رقم (8234)، أسد الغابة الترجمة رقم (5106).

(2) انظر التخريج السابق.

17

برسالة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و كتابه أسلم فحسن إسلامه. و زاد الواقدى: أن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) استقدم العلاء بن الحضرمى، فاستخلفه العلاء مكانه على عمله.

و ذكر ابن إسحاق و غيره أن المنذر توفى قبل ردة أهل البحرين و العلاء عنده أميرا لرسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) على البحرين.

و ذكر ابن قانع أن المنذر وفد على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و لا يصح ذلك إن شاء الله.

ذكر كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إلى جيفر و عبد ابنى الجلندى الأزديين، ملكى عمان، مع عمرو بن العاص‏ (1)

ذكر الواقدى بإسناد له إلى عمرو بن العاص أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بعث نفرا سماهم إلى جهات مختلفة برسم الدعاء إلى الإسلام.

قال عمرو: فكنت أنا المبعوث إلى جيفر و عبد ابنى الجلندى، و كتب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) معى كتابا.

قال: و أخرج عمرو الكتاب، فإذا صحيفة أقل من الشبر، فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله، إلى جيفر و عبد ابنى الجلندى، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوكما بداعية الإسلام، أسلما تسلما، فإنى رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، و يحق القول على الكافرين، و إنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، و إن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما، و خيلى تحل بساحتكما، و تظهر نبوتى على ملككما» و كتب أبى بن كعب، و ختم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) الكتاب.

ثم خرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد، و كان أحلم الرجلين و أسهلهما خلقا، فقلت: إنى رسول رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إليك و إلى أخيك، فقال:

أخى المقدم على بالسن و الملك، و أنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك، ثم قال لى: و ما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، و تخلع ما عبد من دونه، و تشهد أن محمدا عبده و رسوله. قال: يا عمرو، إنك ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا

____________

(1) راجع: تاريخ الطبرى (3/ 645)، الروض الأنف للسهيلى (4/ 250)، تاريخ اليعقوبى (2/ 78).

18

فيه قدوة. قلت: مات، و لم يؤمن بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) و ودت أنه كان أسلم و صدق به، و قد كنت أنا على مثل رأيه حتى هدانى الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا، فسألنى أين كان إسلامى؟ قلت: عند النجاشى، و أخبرته أن النجاشى قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقروه و اتبعوه، قال: و الأساقفة و الرهبان تبعوه، قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة فى رجل واحد أفضح له من كذب. قلت: ما كذبت، و ما نستحله فى ديننا. ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشى.

قلت: بلى. قال: بأى شي‏ء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشى يخرج له خرجا، فلما أسلم و صدق بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) قال: لا، و الله لو سألنى درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له نياق أخوه: أ تدع عبدك لا يخرج لك خرجا، و يدين دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب فى دين و اختاره لنفسه، ما أصنع به، و الله لو لا الضن لملكى لصنعت كما صنعوا. قال: انظر ما تقول يا عمر، قلت: و الله صدقتك. قال عبد: فأخبرنى ما الذي يأمر به و ينهى عنه. قلت: يأمر بطاعة الله عز و جل و ينهى عن معصيته، و يأمر بالبر و صلة الرحم، و ينهى عن الظلم و العدوان، و عن الزنا و شرب الخمر، و ينهى عن عبادة الحجر و الوثن و الصليب. فقال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، لو كان أخى يتابعنى لركبنا حتى نؤمن بمحمد و نصدق به، و لكن أخى أضن بملكه من أن يدعه و يصير ذنبا.

قلت: إنه إن أسلم ملكه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم. فقال: إن هذا لخلق حسن، و ما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من الصدقات فى الأموال حتى انتهيت إلى الإبل. فقال: يا عمرو، تؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر و ترد المياه. فقلت: نعم.

فقال: و الله، ما أرى قومى فى بعد دارهم و كثرة عددهم يطيعون بهذا. قال: فمكثت ببابه أياما و هو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبرى، ثم إنه دعانى يوما فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعى، فقال: دعوه، فأرسلت، فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعونى أجلس، فنظرت إليه، فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففض خاتمه، فقرأه حتى انتهى إلى آخره. ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلا أنى رأيت أخاه أرق منه، ثم قال: أ لا تخبرنى عن قريش، كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه، إما راغب فى الدين، و إما مقهور بالسيف. قال: و من معه؟ قلت: الناس، قد رغبوا فى الإسلام، و اختاروه على غيره، و عرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا فى ضلال، فما أعلم أحدا بقى غيرك فى هذه الحرجة، و أنت إن لم تسلم اليوم و تتبعه يوطئك الخيل، و يبيد خضراءك،

19

فأسلم تسلم و يستعملك على قومك، و لا تدخل عليك الخيل و الرجال. قال: دعنى يومى هذا و ارجع إلى غدا.

فرجعت إلى أخيه، قال: يا عمرو، إنى لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه حتى إذا كان الغد أتيت إليه، فأبى أن يأذن لى، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أنى لم أصل إليه، فأوصلنى إليه. فقال: إنى فكرت فيما دعوتنى إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما فى يدى و هو لا تبلغ خيله هاهنا، و إن بلغت خيله ألفت قتالا ليس كقتال من لاقى. قلت: فأنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجى خلا به أخوه، فقال: ما نحن فيما قد ظهر عليه، و كل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح، فأرسل إلى، فأجاب إلى الإسلام هو و أخوه جميعا، و صدقا النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و خليا بينى و بين الصدقة، و بين الحكم فيما بينهم، و كانا لى عونا على من خالفنى‏ (1).

و فى حديث غير الواقدى أن عمرا قال له فيما دار بينهما من الكلام: إنك و إن كنت منا بعيدا فإنك من الله غير بعيد، إن الذي تفرد بخلقك أهل أن تفرده بعبادتك، و أن لا تشرك به من لم يشركه فيك، و أعلم أنه يميتك الذي أحياك، و يعيدك الذي أبدأك، فانظر فى هذا النبيّ الأمى الذي جاءنا بالدنيا و الآخرة، فإن كان يريد به أجرا فامنعه، أو يميل به هوى فدعه، ثم انظر فيما يجى‏ء به، هل يشبه ما يجى‏ء به الناس؟ فإن كان يشبهه فسله العيان و تخير عليه فى الخبر، و إن كان لا يشبهه فاقبل ما قال، و خف ما وعد.

قال ابن الجلندى: إنه و الله لقد دلنى على هذا النبيّ الأمى أنه لا يأمر بخير إلا كان أول من أخذ به، و لا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، و أنه يغلب فلا يبطر، و يغلب فلا يضجر، و أنه يفى بالعهد، و ينجز الموعود، و أنه لا يزال سر قد اطلع عليه يساوى فيه أهله، و أشهد أنه نبى.

كتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى هوذة بن على مع سليط بن عمرو العامرى، و ما كان من خبره معه‏ (2)

و لما بعث رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) رسله إلى الملوك يدعوهم إلى الله، بعث سليط بن عمرو إلى‏

____________

(1) انظر التخريج السابق.

(2) راجع: تاريخ الطبرى (3/ 644، 645)، المصباح المضي‏ء لابن حديدة (2/ 354، 359)، تاريخ اليعقوبى (2/ 78).

20

هوذة بن على الحنفى صاحب اليمامة و المتوج بها و هو الذي يقول فيه الأعشى، ميمون ابن قيس من كلمة:

إلى هوذة الوهاب أعلمت ناقتى‏* * * أرجى عطاء فاضلا من عطائكا

فلما أتت آطام جو و أهلها* * * أنيخت و ألقت رحلها بقبائكا

و ذكر الواقدى أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كتب إلى هوذة مع سليط حين بعثه إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هوذة بن على، سلام على من اتبع الهدى، و اعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف و الحافر، فأسلم تسلم، و أجعل لك ما تحت يديك». فلما قدم عليه سليط بكتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) مختوما أنزله و حياه، و اقترأ عليه الكتاب، فرد ردا دون رد، و كتب إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): ما أحسن ما تدعو إليه و أجمله، و أنا شاعر قومى و خطيبهم، و العرب تهاب مكانى فاجعل إلى بعض الأمر أتبعك.

و أجاز سليطا بجائزة، و كساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره، و قرأ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) كتابه، و قال: «لو سألنى سبابة من الأرض ما فعلت، باد و باد ما فى يده»، فلما انصرف النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من الفتح جاءه جبريل (عليه السلام) بأن هوذة مات، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ، يقتل بعدى»، فقال قائل:

يا رسول الله، فمن يقتله؟ فقال له رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «أنت و أصحابك»، فكان من أمر مسيلمة و تكذبه ما كان، و ظهر المسلمون عليه فقتلوه، و كان ذلك القاتل من قتله وفق ما قاله الصادق المصدوق (صلوات الله و بركاته عليه).

و ذكر وثيمة بن موسى أن سليط بن عمرو لما قدم على هوذة بكتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و كان كسرى قد توجه، و قال له: يا هوذة، إنه قد سودتك أعظم حائلة و أرواح فى النار، و إنما السيد من متع الإيمان ثم زود التقوى، إن قوما سعدوا برأيك، فلا تشقين به، و إنى آمرك بخير مأمور به، و أنهاك عن شر منهى عنه، آمرك بعبادة الله، و أنهاك عن عبادة الشيطان، فإن فى عبادة الله الجنة، و فى عبادة الشيطان النار، فإن قبلت نلت ما رجوت و أمنت ما خفت، و إن أبيت فبيننا و بينك كشف الغطاء و هو المطلع.

فقال هوذة: يا سليط، سودنى من لو سودك شرفت به، و قد كان لى رأى اختبر به الأمور فقدته، فموضعه من قلبى هواء، فاجعل لى فسحة يرجع إلى رأيى فأجيبك به إن شاء الله‏ (1).

____________

(1) انظر التخريج السابق.

21

و قال هوذة فى ذلك:

أتانى سليط بالحوادث جمة* * * فقلت له ما ذا يقول سليط

فقال التي فيها على غضاضة* * * و فيها رجاء مطمع و قنوط

فقلت له غاب الذي كنت أجتلى‏* * * به الأمر عنى فالصعود هبوط

و قد كان لى و الله بالغ أمره‏* * * أبا النصر جاش فى الأمور ربيط

فأذهبه خوف النبيّ محمد* * * فهوذة فيه فى الرجال سقيط

فأجمع أمرى من يمين و شمأل‏* * * كأنى ردود للنبال لقيط

و أذهب ذاك الرأى إذ قال قائل‏* * * أتاك رسول الله للنبى خبيط

رسول الله راكب ناضح‏* * * عليه من أوبار الحجاز غبيط

سكرت و دبت فى المفارق و سنة* * * لها نفس على الفؤاد غطيط

أحاذر منه سورة هائمية* * * فوارسها وسط الرجال عبيط

فلا تعجلنى يا سليط فإننا* * * نبادر أمرا و القضاء محيط

و ذكر الواقدى بإسناد له عن عبد الله بن مالك أنه قال: قدمت اليمامة فى خلافة عثمان بن عفان، فجلست فى مجلس لحجر، فقال رجل فى المجلس: إنى لعند ذى التاج الحنفى يعنى هوذة يوم الفصح إذ جاء حاجبه، فاستأذن لأركون دمشق و هو عظيم من عظماء النصارى فقال: ائذن له، فدخل فرحب به و تحدثا، فقال الأركون: ما أطيب بلاد الملك و أبرأها من الأوجاع. قال ذو التاج: هى أصح بلاد العرب، و هى زين بلادهم، قال الأركون: و ما قرب محمد منكم؟ قال ذو التاج: هو بيثرب، و قد جاءنى كتابه يدعونى إلى الإسلام فلم أجبه. قال الأركون: لم لا تجيبه؟ قال: ضننت بدينى، و أنا ملك قومى، و إن تبعته لم أملك. قال: بلى، و الله لئن اتبعته ليمكنك و إن الخيرة لك فى اتباعه، و إنه للنبى العربى الذي بشر به عيسى ابن مريم، و إنه لمكتوب عندنا فى الإنجيل: محمد رسول الله. قال ذو التاج: قد قرأت فى الإنجيل ما تذكر. ثم قال الأركون: فما لك لا تتبعه؟ قال: الحسد له، و الضن بالخمر و شربها. قال: فما فعل هرقل؟ قال: هو على دينه و يظهر لرسله أنه معه، و قد سبر أهل مملكته، فأبوا أشد الإباء، فضن بملكه أن يفارقه، قال ذو التاج: فما أرانى إلا متبعه و داخلا فى دينه، فأنا فى بيت العرب، و هو مقرى على ما تحت يدى. قال البطريق: هو فاعل فاتبعه، فدعا رسولا و كتب معه كتابا، و سمى هدايا، فجاءه قومه فقالوا: تتبع محمدا و تترك دينك، لا تملكن علينا أبدا، فرفض الكتاب.

قال: فأقام الأركون عنده فى حباء و كرامة، ثم وصله و وجه راجعا إلى الشام.

22

قال الرجل: و تبعته حين خرج، فقلت: أحق ما أخبرت ذا التاج؟ قال: نعم و الله، فاتبعه، قال: فرجعت إلى أهلى فتكلفت الشخوص إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقدمت عليه مسلما، فأخبرته بكل ما كان، فحمد الله الذي هدانى.

و لم يسم فى حديث الواقدى هذا الرجل، إلا أن فيه أنه كان من طيئ، ثم من بنى نبهان.

و قد تقدم صدر هذا الكتاب أن عامر بن سلمة من بنى حنيفة رأى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاثة أعوام ولاء فى الموسم بعكاظ و بمجنة و بذى المجاز يعرض نفسه على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله و إلى أن ينصروه، حتى يبلغ عن الله فلا يستجيب له أحد، و إن هوذة بن على سأل عامرا بعد انصرافه عن الموسم إلى اليمامة فى أول عام عن ما كان فى موسمهم من خبر، فأخبره خبر رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و أنه رجل من قريش، فسأله هوذة: من أى قريش هو؟ فقال له عامر: من أوسطهم نسبا، من بنى عبد المطلب، قال هوذة: أ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقال: هو هو، فقال هوذة: أما إن أمره سيظهر على ما هاهنا و غير ما هاهنا. ثم ذكر تكرر سؤال هوذة له عنه حتى ذكر له فى السنة الثالثة أنه رآه و أمره قد أمر، فقال له هوذة: هو الذي قلت لك، و لو أنا اتبعناه لكان خيرا لنا، و لكنا نضن بملكنا.

و أخبر عامر بذلك كله سليط بن عمرو، و قد مر به منصرفا عن هوذة إذ بعثه إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فلم يسلم و أسلم عامر آخر حياة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و مات هوذة كافرا على نصرانيته.

ذكر كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الحارث بن أبى شمر الغسانى مع شجاع بن وهب‏ (1)

ذكر الواقدى أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بعث شجاعا إلى الحارث بن أبى شمر، و هو بغوطة دمشق، فكتب إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) مرجعه من الحديبية:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى الحارث بن أبى شمر، سلام على‏

____________

(1) راجع: تاريخ الطبرى (3/ 644، 652)، الروض الأنف للسهيلى (4/ 25، 251)، المصباح المضي‏ء لابن حديدة (2/ 314، 316)، تاريخ اليعقوبى (2/ 78).

23

من اتبع الهدى و آمن به و صدق، و إنى أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبق لك ملكك». فختم الكتاب، و خرج به شجاع بن وهب.

قال: فانتهيت إلى صاحبه، فأخذه يومئذ و هو مشغول بتهيئة الإنزال و الألطاف لقيصر، و هو جاء من حمص إلى إيلياء، حيث كشف الله عنه جنود فارس شكرا لله تعالى قال: فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إنى رسول رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فقال حاجبه: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا و كذا، و جعل حاجبه و كان روميا اسمه مرى يسألنى عن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و ما يدعو إليه، فكنت أحدثه، فيرق حتى يغلبه البكاء، و يقول: إنى قرأت فى الإنجيل، و أجد صفة هذا النبيّ بعينه فكنت أراه يخرج بالشام، فأراه قد خرج بأرض القرظ، فأنا أؤمن به و أصدقه، و أنا أخاف من الحارث بن أبى شمر أن يقتلنى.

قال شجاع: فكان، يعنى هذا الحاجب، يكرمنى و يحسن ضيافتى و يخبرنى عن الحارث باليأس منه، و يقول: هو يخاف قيصر.

قال: فخرج الحارث يوما فجلس، فوضع التاج على رأسه، فأذن لى عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فقرأه، ثم رمى به، و قال: من ينتزع منى ملكى؟ أنا سائر إليه، و لو كان باليمن جئته، على بالناس، فلم يزل جالسا بعرض حتى الليل، و أمر بالخيل أن تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى. و كتب إلى قيصر يخبره خبرى، فصادف قيصر بإيلياء و عنده دحية الكلبى قد بعثه إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فلما قرأ قيصر كتاب الحارث كتب إليه:

أن لا تسر إليه و إله عنه و وافنى بإيلياء، قال: و رجع الكتاب و أنا مقيم، فدعانى و قال:

متى تريد أن تخرج إلى صاحبك؟ قلت: غدا، فأمر بمائة مثقال، و وصلنى مرى بنفقة و كسوة، و قال: اقرأ على رسول الله منى السلام، و أخبره أنى متبع دينه.

قال شجاع: فقدمت على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبرته، فقال: باد ملكه، و أقرأته من مرى السلام، و أخبرته بما قال، فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «صدق».

قال الواقدى: و مات الحارث بن أبى شمر عام الفتح، و كان نازلا بجلق، و وليهم جبلة ابن الأيهم، و كان ينزل الجابية، و كان آخر ملوك غسان، أدركه عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالجابية فأسلم، ثم إنه لاحى رجلا من مزينة، فلطم عينه، فجاء به المزنى إلى عمر رضى الله عنه و قال: خذ لى بحقى، فقال له عمر: الطم عينه، فأنف جبلة و قال: عينى و عينه سواء؟ قال عمر: نعم، فقال جبلة: لا أقيم بهذه الدار أبدا، و لحق بعمورية مرتدا، فمات هناك على ردته.

24

هكذا ذكر الواقدى أن توجه شجاع بن وهب بكتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كان إلى الحارث بن أبى شمر، و كذلك قال ابن إسحاق.

و أما ابن هشام‏ (1) فقال: إنما توجه إلى جبلة بن الأيهم، و قد قال ذلك غيره، فالله أعلم.

و ذكر بعض من وافق ابن هشام على أن الرسالة كانت إلى جبلة: أن شجاع بن وهب لما قدم عليه قال له: «يا جبلة، إن قومك نقلوا هذا النبيّ الأمى من داره إلى دارهم يعنى الأنصار فأووه و منعوه، و إن هذا الدين الذي أنت عليه ليس بدين آبائك، و لكنك ملكت الشام و جاورت بها الروم، و لو جاورت كسرى دنت بدين الفرس لملك العراق، و قد أقر بهذا النبيّ الأمى من أهل دينك من إن فضلناه عليك لم يغضبك، و إن فضلناك عليه لم يرضك، فإن أسلمت أطاعتك الشام و هابتك الروم، و إن لم يفعلوا كانت لهم الدنيا و لك الآخرة، و كنت قد استبدلت المساجد بالبيع، و الأذان بالناقوس، و الجمع بالشعانين، و القبلة بالصليب، و كان ما عند الله خير و أبقى».

فقال له جبلة: «إنى و الله لوددت أن الناس اجتمعوا على هذا النبيّ الأمى اجتماعهم على خلق السموات و الأرض، و لقد سرنى اجتماع قومى له، و أعجبنى قتله أهل الأوثان و اليهود و استبقاءه النصارى، و لقد دعانى قيصر إلى قتال أصحابه يوم مؤتة فأبيت عليه، فانتدب له مالك بن نافلة من سعد العشيرة، فقتله الله، و لكنى لست أرى حقا ينفعه و لا باطلا يضره، و الذي يمدنى إليه أقوى من الذي يختلجنى عنه، و سأنظر».

و أما توجه المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة المخزومى، و هو شقيق أم سلمة زوج النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الحارث بن عبد كلال، فلم أجد عند ابن إسحاق، و لا فيما وقع إلى عن الواقدى شيئا أنقله عنهما سوى ما ذكر ابن إسحاق‏ (2) من توجيه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إياه إلى الحارث بن عبد كلال ذكرا مقتصرا فيه على القدر مختصرا من الإمتاع بما تحسن إضافته إلى ذلك من الوصف.

و تقدم لابن إسحاق فى كتابه، و ذكره أيضا الواقدى أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قدم عليه كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك، و رسولهم إليه بإسلامهم الحارث بن عبد كلال و نعيم بن عبد كلال و النعمان قيل: ذى رعين و معافر و همدان، و بعث إليه زرعة ذى يزن مالك بن مرة الرهاوى بإسلامهم و مفارقتهم الشرك و أهله.

____________

(1) انظر: السيرة (4/ 231).

(2) انظر: السيرة (4/ 231).

25

و قد كان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى مسيره إلى تبوك يقول: «إنى بشرت بالكنزين: فارس و الروم، و أمددت بالملوك: ملوك حمير، يأكلون في‏ء الله و يجاهدون فى سبيل الله». فلما قدم عليه مالك بن مرة بإسلامهم، كتب إليهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله النبيّ، إلى الحارث بن عبد كلال و إلى نعيم بن عبد كلال و إلى النعمان قيل:

ذى رعين و معافر و همدان. أما بعد ذلكم، فإنى أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من الأرض الروم فلقينا بالمدينة، فبلغ ما أرسلتم به، و خبر ما قبلكم، و أنبأنا بإسلامكم و قتلكم المشركين، و أن الله قد هداكم بهداه. أن أصلحتم و أطعتم الله و رسوله و أقمتم الصلاة و آتيتم الزكاة و أعطيتم من المغانم خمس الله و سهم النبيّ و صفيه، و ما كتب على المؤمنين من الصدقة و بين لهم صدقة الزرع و الإبل و البقر و الغنم، ثم قال: فمن زاد خيرا فهو خير له، و من أدى ذلك و أشهد على إسلامه و ظاهر المؤمنين على المشركين فإنه من المؤمنين، له ما لهم، و عليه ما عليهم، و له ذمة الله و ذمة رسوله، و أنه من أسلم من يهودى أو نصرانى فإنه من المؤمنين، له ما لهم، و عليه ما عليهم، و من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يرد عنها، و عليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى حر أو عبد دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا، فمن أدى ذلك إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فإن له ذمة الله و ذمة رسوله، و من منعه فإنه عدو لله و لرسوله.

أما بعد، فإن محمد النبيّ أرسل إلى زرعة ذى يزن أن إذا أتاكم رسلى فأوصيكم بهم خيرا، معاذ بن جبل و عبد الله بن زيد و مالك بن عبادة و عقبة بن نمر و مالك بن مرة و أصحابهم، و أن أجمعوا ما عندكم من الصدقة و الجزية من مخالفيكم و أبلغوها رسلى، فإن أميرهم ابن جبل، فلا ينقلبن إلا راضيا. أما بعد، فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله و أنه عبده و رسوله، ثم إن مالك بن مرة الرهاوى قد حدثني أنك قد أسلمت من أول حمير، و قتلت المشركين، فأبشر بخير، و آمرك بحمير خيرا، و لا تخاونوا و لا تخاذلوا فإن رسول الله هو مولى غنيكم و فقيركم، و إن الصدقة لا تحل لمحمد و لا لأهل بيته، و إنما هى زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين و ابن السبيل، و إن مالكا قد بلغ الخبر و حفظ الغيب، و آمركم به خيرا، و إنى قد أرسلت إليكم من صالحى أهلى و أولى دينهم و أولى علمهم و آمركم بهم خيرا، فإنه منظور إليهم، و السلام عليكم و رحمة الله» (1).

فهذا ما ذكر ابن إسحاق‏ (2) من شأن ملوك حمير، و ما كتبوا به، و كتب إليهم، و ذكر الواقدى أيضا نحوه.

____________

(1) انظر الحديث فى: البداية و النهاية لابن كثير (5/ 75).

(2) انظر: السيرة (4/ 212- 213).

26

و لا ذكر للمهاجر بن أبى أمية فى شي‏ء من ذلك إلا أن ابن إسحاق و الواقدى ذكرا أن قدوم رسول ملوك حمير على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كان مقدمه من تبوك، و ذلك فى سنة تسع، و توجيه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) رسله إلى الملوك إنما كان بعد انصرافه عن الحديبية آخر سنة ست، فلعل المهاجر و الله أعلم كانت وجهه حينئذ إلى الحارث بن عبد كلال فصادف منه عامئذ ترددا و استنظارا، ثم جلا الله عنه العمى فيما بعد، و أمر بهدايته فاستبان له القصد، فعند ذلك أرسل هو و أصحابه بإسلامهم إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و بذلك يجتمع الأمران، و يصح الخبران، إذ لا خلاف بين أهل العلم بالأخبار و العناية بالسير أن ملوك حمير أسلموا و كتبوا بإسلامهم إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كما أنه لا خلاف بينهم أيضا فى توجيه المهاجر بن أبى أمية إلى الحارث بن عبد كلال.

و يقول بعض من ذكر ذلك أن المهاجر لما قدم عليه قال له: يا حارث إنك كنت أول من عرض عليه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) نفسه فخطيت عنه، و أنت أعظم الملوك قدرا، فإذا نظرت فى غلبة الملوك فانظر فى غالب الملوك، و إذا أسرك يومك فخف غدك، و قد كان قبلك ملوك ذهبت آثارها و بقيت أخبارها، عاشوا طويلا و أملوا بعيدا و تزودوا قليلا، منهم من أدركه الموت، و منهم من أكلته النقم، و إنى أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، و إن أرادك لم يمنعك منه أحد، و أدعوك إلى النبيّ الأمى الذي ليس شي‏ء أحسن مما يأمر به و لا أقبح مما ينهى عنه، و اعلم أن لك ربا يميت الحى و يحيى الميت، و يعلم خائنة الأعين و ما تخفى الصدور.

فقال الحارث: قد كان هذا النبيّ عرض نفسه على، فخطيت عنه، و كان ذخرا لمن صار إليه، و كان أمره أمرا بسق، فحضره اليأس و غاب عنه الطمع، و لم تكن لى قرابة أحتمله عليها، و لا لى فيه هوى أتبعه له، غير أنى أرى أمرا لم يؤسسه الكذب، و لم يسنده الباطل، له بدو سار و عافية نافعة، و سأنظر.

ذكر كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إلى فروة بن عمرو الجذاميّ ثم النفاتى، و ما كان من تبرعه بالإسلام هداية من الله عز و جل له‏ (1)

ذكر الواقدى بإسناد له أن فروة بن عمرو (2)، هذا كان عاملا لقيصر على عمان من‏

____________

(1) راجع: السيرة (4/ 214).

(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب ترجمة رقم (2097).

27

أرض البلقاء و فى كتاب ابن إسحاق: معان و ما حولها من أرض الشام، و كان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قد كتب إلى هرقل و إلى الحارث بن أبى شمر، و لم يكتب إليه، فأسلم فروة، و كتب إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بإسلامه، و بعث من عنده رسولا يقال له: مسعود بن سعد من قومه بكتاب مختوم فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد رسول الله النبيّ، إنى مقر بالإسلام مصدق به، أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و إنه الذي بشر به عيسى ابن مريم. و السلام عليك».

ثم بعث مع الرسول بغلة بيضاء يقال لها: فضة، و حماره يعفور، و فرسا يقال له:

الضرب، و بعث بأثواب من لين، و قباء من سندس مخوص بالذهب، فقدم الرسول فدفع الكتاب إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فاقترأه، و أمر بلالا أن ينزله و يكرمه، فلما أراد الخروج كتب إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) جواب كتابه:

«من محمد رسول الله، إلى فروة بن عمرو، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد. فإنه قدم علينا رسولك بكتابك فبلغ ما أرسلت به، و خبر عن ما قبلكم، و أنبأنا بإسلامك، و إن الله عز و جل قد هداك إن أصلحت و أطعت الله و رسوله و أقمت على الصلاة و آتيت الزكاة، و السلام عليك».

و لما بلغ قيصر إسلام فروة بن عمرو بعث إليه فحبسه، و لما طال حبسه أرسلوا إليه:

أن ارجع إلى دينك و يعيد إليك ملكك، فقال: لا أفارق دين محمد أبدا، أما أنك تعرف أنه رسول الله، بشرك به عيسى ابن مريم، و لكنك ضننت بملكك و أحببت بقاءه. فقال قيصر: صدق و الإنجيل.

و ذكر الواقدى أنه مات فى ذلك الحبس، فلما مات صلبوه.

قال: فلما اجتمعت الروم لصلبه قال:

ألا هل أتى سلمى بأن حليلها* * * على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل‏ (1)

على ناقة لم يضرب الفحل أمها* * * مشذبة أطرافها بالمناجل‏ (2)

و ذكر ابن شهاب الزهرى أنهم لما قدموه ليقتلوه قال:

____________

(1) إحدى الرواحل: المراد بها الخشبة التي صلب عليها.

(2) مشذبة: قد أزيلت أغصانها.

28

أبلغ سراة المسلمين بأننى‏* * * سلم لربى أعظمى و مقامى‏

ثم ضربوا عنقه و صلبوه على ذلك الماء، ي(رحمه الله).

قال ابن إسحاق‏ (1): و قد كان تكلم على عهد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) الكذابان: مسيلمة بن حبيب الحنفى باليمامة فى بنى حنيفة، و الأسود بن كعب العنسى بصنعاء.

و ذكر بإسناد له عن أبى سعيد الخدرى قال: سمعت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يخطب الناس على منبره و هو يقول:

«يا أيها الناس، إنى قد رأيت ليلة القدر، ثم أنسيتها، و رأيت فى ذراعى سوارين من ذهب، فكرهتهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما هذين الكذابين: صاحب اليمن، و صاحب اليمامة» (2).

و عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالا، كلهم يدعى النبوة» (3).

قال ابن إسحاق‏ (4): و كان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قد بعث أمراءه و عماله على الصدقات إلى كل ما أوطأ الإسلام من البلدان، فبعث المهاجر بن أبى أمية بن المغيرة (5) إلى صنعاء، فخرج عليه العنسى و هو بها، و بعث زياد بن لبيد (6) أخا بنى بياضة الأنصاري إلى‏

____________

(1) انظر: السيرة (4/ 222).

(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (4/ 1781/ 21)، سنن الترمذى (4/ 2292)، مسند الإمام أحمد (1/ 263، 2/ 319، 338، 344).

(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (2/ 450)، مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 315)، سنن أبى داود (4/ 4333).

(4) انظر: السيرة (4/ 223).

(5) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (8271)، أسد الغابة ترجمة رقم (5134)، مؤتلف الدارقطنى (ص 163).

(6) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (2871)، أسد الغابة ترجمة رقم (1809)، مسند أحمد (4/ 160)، الطبقات الكبرى (3/ 598)، التاريخ الكبير (3/ 344)، التاريخ الصغير (1/ 41)، تاريخ الطبرى (3/ 147)، الجرح و التعديل (3/ 543)، المعجم الكبير (5/ 304)، الكامل فى التاريخ (2/ 301)، تهذيب الكمال (9/ 506)، الكاشف (1/ 262)، تجريد أسماء الصحابة (1/ 195)، الوافى بالوفيات (15/ 10)، تهذيب التهذيب (3/ 382)، خلاصة تهذيب التهذيب (125)، تاريخ الإسلام (1/ 52).

29

حضرموت و على صدقاتها، و بعث عدى بن حاتم‏ (1) على طي‏ء و صدقاتها، و على بنى أسد، و بعث مالك بن نويرة اليربوعى‏ (2) على صدقات بنى حنظلة، و فرق صدقة بنى سعد على رجلين منهم، فبعث الزبرقان بن بدر (3) على ناحية منها، و قيس بن عاصم‏ (4) على ناحية، و كان قد بعث العلاء بن الحضرمى‏ (5) على البحرين، و بعث على بن أبى طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم و يقدم عليهم بجزيتهم.

و قد كان مسيلمة بن حبيب كتب إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد. فإنى قد أشركت فى الأمر معك، و إن لنا نصف الأرض، و لقريش نصفها، و لكن قريشا قوم يعتدون».

فقدم على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بهذا الكتاب رسولان لمسيلمة، فقال لهما رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) حين قرأ كتابه: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال، فقال: «أما و الله لو لا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما». ثم كتب إلى مسيلمة:

____________

(1) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (6/ 22)، التاريخ الكبير (7/ 43)، التاريخ الصغير (1/ 148)، المعارف (313)، الجرح و التعديل (7/ 2)، تاريخ بغداد (1/ 189)، تاريخ ابن عساكر (11/ 234)، تهذيب الأسماء و اللغات (1/ 327)، تهذيب الكمال (925)، تاريخ الإسلام (3/ 46)، العبر (1/ 74)، تذهيب التهذيب (3/ 36)، جامع الأصول (9/ 111)، مرآة الجنان (1/ 142)، تهذيب التهذيب (7/ 166)، خلاصة تذهيب الكمال (223)، شذرات الذهب (1/ 74)، سير أعلام النبلاء (3/ 162)، الإصابة ترجمة رقم (5491)، أسد الغابة ترجمة رقم (3610).

(2) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (7712)، أسد الغابة ترجمة رقم (4654).

(3) انظر ترجمته فى: الثقات (3/ 142)، أسد الغابة ترجمة رقم (1728)، تجريد أسماء الصحابة (1/ 188)، الإصابة ترجمة رقم (2789)، الاستبصار (314، 415)، الأعلام (3/ 41)، تقريب التهذيب (1/ 257)، الطبقات الكبرى (7/ 36، 1/ 294، 2/ 161)، الجرح و التعديل (3/ 27600)، البداية و النهاية (5/ 41).

(4) انظر ترجمته فى: الثقات (3/ 338)، تجريد أسماء الصحابة (2/ 22)، الجرح و التعديل (7/ 101)، تقريب التهذيب (2/ 129)، تهذيب التهذيب (8/ 399)، خلاصة تهذيب الكمال (2/ 357)، الكاشف (2/ 305)، أزمنة التاريخ الإسلامى (816)، التاريخ الكبير (7/ 141)، الأنساب (9/ 135)، بقى بن مخلد (321)، الإصابة ترجمة رقم (7209)، أسد الغابة ترجمة رقم (4370).

(5) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (5658)، أسد الغابة ترجمة رقم (3745)، تجريد أسماء الصحابة (1/ 388)، الجرح و التعديل (6/ 356)، التاريخ الكبير (6/ 506).

30

«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، و العاقبة للمتقين» (1).

قال ابن إسحاق: و كان ذلك فى آخر سنة عشر (2).

و قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى: و قد قيل: إن دعوى مسيلمة و من ادعى من الكذابين النبوة فى عهد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إنما كانت بعد انصرافه من حجة التمام، و وقوعه فى المرض الذي توفاه الله فيه، فالله تعالى أعلم.

ذكر حجة الوداع‏ (3) و تسمى أيضا حجة التمام، و حجة البلاغ‏

و لما دخل على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج، و أمر الناس بالجهاز له، و خرج لخمس ليال بقين من ذى القعدة، و قد كان أذن فى الناس أنه خارج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و يعمل مثل عمله.

قال جابر بن عبد الله: فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فصلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصرى بين يديه من راكب و ماش و عن يمينه مثل ذلك و عن يساره مثل ذلك و من خلفه مثل ذلك، و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بين أظهرنا، و عليه ينزل القرآن، و هو يعرف تأويله، و ما عمل من شي‏ء عملناه، فأهل بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك» (4).

____________

(1) انظر الحديث فى: سنن البيهقي (9/ 211)، مسند الإمام أحمد (3708)، سنن أبى داود (3/ 2761).

(2) انظر: السيرة (4/ 224).

(3) عرفت باسم: حجة الوداع؛ و ذلك لأن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و تسمى أيضا حجة الإسلام. انظر: لم يحج بعدها، إذ بدأ به مرضه الذي توفاه الله فيه، كما قيل: حجة البلاغ؛ لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) أرى الناس مناسكهم و علمهم حجهم، و قيل: حجة الإسلام؛ لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يحج بعد أن فرض الحج فى الإسلام غيرها. راجع: طبقات ابن سعد (2/ 172- 189)، المغازى للواقدى (3/ 1088- 1115)، الثقات لابن حبان (2/ 124- 129).

(4) انظر الحديث فى: صحيح البخاري (2/ 170، 7/ 209)، صحيح مسلم كتاب الحج، باب-

31

و أهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم شيئا منه، و لزم (صلى اللّه عليه و سلم) تلبيته.

و فى حديث عائشة أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) لما خرج فى حجة الوداع لم يكن يذكر و لا يذكر الناس إلا الحج، حتى إذا كان بسرف و قد ساق رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) معه الهدى و أشراف من أشراف الناس، أمر الناس أن يحلوا بعمرة، إلا من ساق الهدى.

و قال جابر فى حديثه: لسنا ننوى إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا و مشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ [البقرة: 125] فجعل المقام بينه و بين البيت، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ‏ [البقرة: 158] أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فرقى عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله و كبره، و قال: «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده» (1). ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه فى بطن الوادى، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال:

«لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت، لم أسق الهدى و لجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل و ليجعلها عمرة» (2). فقام سراقة بن مالك بن جعشم‏ (3)

____________

- (3) رقم (19، 20، 21، باب (19) رقم (147)، سنن أبى داود (1812، 1813)، سنن الترمذى (825)، سنن ابن ماجه (2915، 2918، 3074)، سنن النسائى (5/ 159، 160، 161)، مسند الإمام أحمد (1/ 267، 401، 2/ 77، 401، 3/ 320، 6/ 100، 181، 230، 243)، السنن الكبرى للبيهقى (5/ 44، 45، 7/ 48)، موطأ مالك (331)، الدر المنثور للسيوطى (1/ 219)، فتح البارى لابن حجر (1/ 360)، مشكاة المصابيح للتبريزى (2541، 2555)، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (3/ 73، 5/ 55، 282، 6/ 45)، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 127)، البداية و النهاية لابن كثير (5/ 143).

(1) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (2/ 46)، الدر المنثور للسيوطى (1/ 226).

(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الحج باب (19) رقم (147).

(3) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (3122)، أسد الغابة ترجمة رقم (1955)، الثقات (3/ 180)، تجريد أسماء الصحابة (1/ 210)، تقريب التهذيب (1/ 284)، تهذيب التهذيب (3/ 456)، تهذيب الكمال (1/ 466)، الكاشف (1/ 349)، الجرح و التعديل (4/ 1342)، شذرات الذهب (1/ 35)، الطبقات (34)، الطبقات الكبرى (9/ 78)، بقى بن مخلد (130)، العقد الثمين (4/ 523)، العبر (1/ 27)، الأعلام (3/ 80)، الأنساب (7/ 116).

32

فقال: يا رسول الله، أ لعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) أصابعه واحدة فى الأخرى، و قال: «دخلت العمرة فى الحج مرتين بل لأبد الأبد» (1).

و قدم على من اليمن ببدن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فوجد فاطمة ممن حل و لبست ثيابا صبيغا و اكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبى أمرنى بهذا، قال: فكان على يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) محرشا على فاطمة للذى صنعت، مستفتيا له فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنى نكرت ذلك عليها، فقال: «صدقت صدقت، ما ذا قلت حين فرضت الحج؟» (2) قال: قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم). قال: فإن معى الهدى فلا تحل، فكان جماعة الهدى الذي قدم به على من اليمن و الذي أتى به النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) مائة.

فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، فركب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فصلى بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، فأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و لا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية، فأجاز رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت به بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادى، فخطب الناس.

قال ابن إسحاق‏ (3): و مضى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) على حجه، فأرى الناس مناسكهم،

____________

(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب الحج باب (19) رقم (147)، سنن أبى داود فى كتاب المناسك، باب (23)، باب (57)، سنن النسائى فى كتاب الحج باب (76)، سنن الترمذى (932)، سنن ابن ماجه (3074)، مسند الإمام أحمد (1/ 236، 253، 259، 341، 4/ 175)، سنن الدارمى (47)، السنن الكبرى للبيهقى (4/ 352، 5/ 7، 13، 18)، مستدرك الحاكم (1/ 619، 3/ 619)، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 235، 378)، المعجم الكبير للطبرانى (2/ 144، 7/ 140، 151، 154، 11/ 83، 12/ 228)، التمهيد لابن عبد البر (8/ 360)، مصنف ابن أبى شيبة (4/ 102)، إرواء الغليل للألبانى (4/ 152)، المطالب العالية لابن حجر (1100)، كنز العمال للمتقى الهندى (11975، 11983، 12474)، البداية و النهاية لابن كثير (5/ 135)، الحاوى للفتاوى للسيوطى (2/ 51)، الكاف الشاف فى تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر (59)، مسند الشافعى (112، 196)، تاريخ أصبهان لأبى نعيم (2/ 191)، سنن الدارقطنى (2/ 283)، المنتقى لابن الجارود (465).

(2) انظر الحديث فى: المنتقى لابن الجارود (469).

(3) انظر: السيرة (4/ 227).

33

و أعلمهم سنن حجهم، و خطب للناس خطبته التي بين فيها ما بين، فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال:

«أيها الناس، اسمعوا قولى، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس، إن دماءكم و أموالكم عليكم حرام؛ إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، و كحرمة شهركم هذا، و إنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، و قد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، و إن كل ربّا موضوع، و لكن لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون و لا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا و إن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، و إن كل دم كان فى الجاهلية موضوع، و إن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، و كان مستعرضا فى بنى ليث، فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.

أما بعد، أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، و لكنه إن يطع فيما سوى ذلك، فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.

أيها الناس: إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ‏ [التوبة: 37]، و يحرموا ما أحل الله، و إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات و الأرض، إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ‏، [التوبة: 36]. ثلاثة متوالية، و رجب مضر الذي هو بين جمادى و شعبان.

أما بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا و لهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، و عليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن فى المضاجع و تضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن و كسوتهن بالمعروف، و استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، و إنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، و استحللتم فروجهن بكلمات الله، فاعقلوا أيها الناس قولى، فإنى قد بلغت و قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله و سنة نبيه.

أيها الناس، اسمعوا قولى و اعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، و أن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه؛ فلا تظلمن أنفسكم.

34

اللهم هل بلغت؟» فذكر أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهم اشهد» (1).

و فى حديث جابر، أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال للناس فى خطبته: «و أنتم تسألون عنى، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت و أديت و نصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء و ينكبها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد» ثلاث مرات، ثم إذن، ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، و لم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، و جعل جبل المشاة بين يديه. و استقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس و ذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، و أردف أسامة بن زيد خلفه، و دفع و قد شنق القصواء الزمام حتى أرسلها ليصيب مورك رحله، و يقول بيده اليمنى: أيها الناس، السكينة، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، ثم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين، و لم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان و إقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله و كبره و هلله و وحده، فلم يزل واقفا حتى اصفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس و أردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها يسبع حصات، يكبر مع كل حصاة منها، رمى من بطن الوادى، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا و ستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبروا شركة فى هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت فى قدر فطبخت، فأكلا من لحمها و شربا من مرقها، ثم ركب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى البيت فى قدر فأفاض و صلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب و هم يسقون على زمزم، فقال: «انزعوا يا بنى عبد المطلب، فلو لا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» (2)، فناولوه دلوا، فشرب منه.

و يروى أن ربيعة بن أمية بن خلف هو الذي كان يصرخ فى الناس يقول رسول الله‏

____________

(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (2/ 147/ 886- 892)، سنن أبى داود (2/ 1905).

(2) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الحج (147)، سنن أبى داود فى كتاب المناسك باب (57)، سنن ابن ماجه (3074)، مسند الإمام أحمد (1/ 76)، السنن الكبرى للبيهقى (5/ 157)، سنن الدارمى (2/ 49)، الدر المنثور للسيوطى (1/ 226)، البداية و النهاية لابن كثير (5/ 191)، المنتقى لابن جارود (469).

35

(صلى اللّه عليه و سلم) و هو بعرفة، يقول له رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): قل: «أيها الناس، إن رسول الله يقول: هل تدرون أى شهر هذا؟» فيقوله لهم، فيقولون: الشهر الحرام، فيقول لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم و أموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا، ثم يقول: قل: أيها الناس، إن رسول الله يقول: «هل تدرون أى بلد هذا؟» قال: فيصرخ به، فيقولون: البلد الحرام، فيقول: قل لهم: «إن الله قد حرم عليكم دماءكم و أموالكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة بلدكم هذا»، ثم يقول: «قل: يا أيها الناس، إن رسول الله يقول: هل تدرون أى يوم هذا؟» فيقول لهم، فيقولون: يوم الحج الأكبر، فيقول: «قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم و أموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا» (1).

و قال عمرو بن خارجة: وقفت تحت ناقة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و إن لعابها ليقع على رأسى، و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) واقف بعرفة، فسمعته و هو يقول: «أيها الناس، إن الله قد أدى إلى كل ذى حق حقه، فلا وصية لوارث، و الولد للفراش، و للعاهر الحجر، و من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل الله له صرفا و لا عدلا» (2).

و لما وقف رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بعرفة قال: «هذا الموقف، للجبل الذي هو عليه، «و كل عرفة موقف».

و قال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة: «هذا الموقف، و كل المزدلفة موقف».

ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال: «هذا المنحر، و كل منى منحر» (3).

فقضى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) الحج، و قد أراهم مناسكهم، و أعلمهم ما فرض عليهم من حجهم: من الموقف، و رمى الجمار، و طواف البيت، و ما أحل لهم فى حجهم، و ما حرم عليهم، فكانت حجة البلاغ، و حجة الوداع، و ذلك أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) لم يحج بعدها.

____________

(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (1/ 473، 474)، مجمع الزوائد للهيثمى (3/ 270).

(2) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (4/ 2121)، سنن النسائى (6/ 3644)، مسند الإمام أحمد (4/ 186، 238).

(3) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (2/ 1907، 1935)، سنن ابن ماجه (2/ 3012)، مسند الإمام أحمد (3/ 320، 321، 326).

36

ذكر مصيبة الأولين و الآخرين من المسلمين بوفاة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و على آله أجمعين‏

و لما قفل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من حجة الوداع أقام بالمدينة بقية ذى الحجة و المحرم و صفرا، و ضرب على الناس بعثا إلى الشام، و هو البعث الذي أمر عليه أسامة بن زيد، و أمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء و الداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس، و أوعب مع أسامة المهاجرون الأولون، و كان آخر بعث بعثه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فبينا الناس على ذلك ابتدئ (صلوات الله عليه) بشكواه الذي قبضه الله فيه إلى ما أراد من رحمته و كرامته فى ليال بقين من صفر أو فى أول شهر ربيع الأول، فكان أول ما ابتدئ به رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فيما ذكر أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل، فاستغفر لهم، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك.

حدث أبو مويهبة مولى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال: بعثنى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من جوف الليل فقال: «يا أبا مويهبة، إنى قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معى»، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: «السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى»؛ ثم أقبل على فقال: «يا أبا مويهبة، إنى قد أوتيت مفاتح خزائن الدنيا و الخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك و بين لقاء ربى و الجنة»، فقلت: بأبى أنت و أمى فخذ مفاتح خزائن الدنيا و الخلد فيها، ثم الجنة؛ قال: «لا و الله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربى و الجنة». ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ به وجعه الذي قبضه الله فيه‏ (1).

و قالت عائشة رضى الله عنها: رجع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من البقيع، فوجدنى و أنا أجد صداعا فى رأسى، و أنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا و الله يا عائشة، وا رأساه». قالت:

ثم قال: «و ما ضرك لو مت قبلى، فقمت عليك و كفنتك و صليت عليك و دفنتك؟» فقلت: و الله لكأنى بك لو قد فعلت ذلك لرجعت إلى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و تتام به وجعه و هو يدور على نسائه، حتى استعز به و هو فى بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهن فى أن يمرض فى بيتى، فأذن له‏ (2).

____________

(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 55، 56)، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 162، 163)، سنن الدارمى (1/ 78).

(2) انظر الحديث فى: صحيح البخاري (10/ 5666)، مسند الإمام أحمد (6/ 228).

37

و فى غير حديث عائشة أن نساءه (صلى اللّه عليه و سلم) كن يومئذ تسعا: عائشة بنت أبى بكر الصديق، و حفصة بنت عمر بن الخطاب، و أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب، و أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة، و زينب بنت جحش، و سودة بنت زمعة القرشيات، و ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، و جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار المصطلقية، و صفية بنت حيى بن أخطب من بنى النضير.

فهؤلاء التسع هن اللاتى توفى عنهن (صلى اللّه عليه و سلم) و توفى منهن قبله (عليه السلام) خديجة بنت خويلد، وزيرته على الإسلام و أم بنيه و بناته كلهم ما خلا إبراهيم فإنه لسريته مارية القبطية، و لم يتزوج عليها رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) حتى ماتت، و زينب بنت خزيمة من بنى هلال ابن عامر بن صعصعة: و كانت تسمى أم المساكين لرحمتها إياهم و رقتها عليهم، فزينب هذه و خديجة توفيتا قبله، و بهما كمل عدد من بنى عليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من أزواجه ممن اتفق العلماء عليه إحدى عشرة امرأة، توفى منهن عن تسع كما ذكرنا.

و قد عقد (عليه السلام) على نساء غيرهن، فلم يبن فى المشهور من أقاويل العلماء بواحدة منهن، فاستغنينا لذلك عن ذكرهن.

و نرجع الآن إلى حديث عائشة زوج النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لما استأذن أزواجه أن يمرض فى بيتها فأذن له، قالت: فخرج رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يمشى بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن عباس، و رجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه، حتى دخل بيتى.

و عن ابن عباس: أن الرجل الآخر هو على بن أبى طالب.

ثم غمر رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و اشتد به وجعه، فقال: «هريقوا على من سبع قرب من آبار شتى، حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم». فأقعدناه فى مخضب لحفصة بنت عمر، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: «حسبكم حسبكم» (1).

قال الزهرى: حدثني أبو أيوب بن بشير أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد و استغفر لهم فأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: «إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا و الآخرة، و بين ما عنده، فاختار ما عند الله»، ففهمها أبو بكر و عرف أن نفسه يريد، فبكى و قال: بل نفديك بأنفسنا و أبنائنا، فقال: «على رسلك يا أبا بكر»، ثم قال: «انظروا هذه الأبواب‏

____________

(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 228)، مصنف عبد الرزاق (5/ 9754).

38

اللافظة فى المسجد فسدوها إلا باب أبى بكر، فإنى لا أعلم أحدا كان أفضل فى الصحبة عندى يدا منه» (1).

و فى رواية: «فإنى لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكن صحبة و إخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده».

و عن عروة بن الزبير و غيره من العلماء أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) استبطأ الناس فى بعث أسامة بن زيد و هو فى وجعه، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، و قد كان الناس قالوا فى إمرة أسامة أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين و الأنصار.

فحمد الله و أثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: «أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمرى لئن قلتم فى إمارته لقد قلتم فى إمارة أبيه من قبله، و إنه لخليق للإمارة و إن كان أبوه لخليق بها» (2)، ثم نزل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و انكمش الناس فى جهازهم، و استعز برسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) وجعه، فخرج أسامة و خرج جيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ، فضرب به عسكره و تتام إليه الناس، و ثقل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فأقام أسامة و الناس لينظروا ما الله قاض فى رسوله (عليه السلام).

و من حديث عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) أوصى بالأنصار يوم صلى و استغفر لأصحاب أحد، و ذكر من أمرهم ما ذكر، فقال يومئذ: «يا معشر المهاجرين، استوصوا بالأنصار خيرا، فإن الناس يزيدون و إن الأنصار على هيئتها لا تزيد، و إنهم كانوا عيبتى التي آويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم» (3)، ثم نزل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و دخل بيته و تتام به وجعه حتى غمر.

و فى الصحيحين من حديث عبيد الله بن عبد الله أنه قال لعائشة رضى الله عنها: أ لا تحديثنى عن مرض رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قالت: بلى، ثقل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: «أصلى الناس؟» قلنا:

لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب»، قالت: ففعلنا، فاغتسل ثم ذهب لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب»، قالت: فاغتسل ثم ذهب‏

____________

(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 18)، صحيح البخاري (1/ 466)، الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 288).

(2) انظر الحديث فى: صحيح البخاري (7/ 4250)، فتح البارى لابن حجر (7/ 759).

(3) انظر الحديث فى: صحيح البخاري (7/ 3800)، مسند الإمام أحمد (5/ 224).

39

لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: «ضعوا لى ماء فى المخضب»، فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوى فأغمى عليه، ثم أفاق فقال: «أصلى الناس؟» (1) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله عكوف فى المسجد ينتظرون النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لصلاة العشاء الآخرة فأرسل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أبى بكر بأن يصلى بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يأمرك أن تصلى بالناس، فقال أبو بكر و كان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام.

و من حديث الأسود عن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف و إنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، قالت: فقلت لحفصة: قولى له: إن أبا بكر رجل أسيف و إنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقالت له، فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» (2)، قالت: فأمروا أبا بكر، فلما دخل فى الصلاة وجد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من نفسه خفة، فقام يهادى بين رجلين و رجلاه تخطان فى الأرض، فلما دخل المسجد و سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم):

«أقم مكانك»، فجاء رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) حتى جلس عن يسار أبى بكر، فكان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يصلى بالناس جالسا، و أبو بكر قائما، يقتدى أبو بكر بصلاة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و يقتدى الناس بصلاة أبى بكر.

و عن عبد الله بن زمعة بن الأسود أنه كان عند رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى نفر من المسلمين لما استعز به و دعاه بلال إلى الصلاة، فقال: «مروا من يصلى بالناس»، قال: فخرجت فإذا عمر فى الناس، و كان أبو بكر غائبا، فقلت: قم يا عمر فصل بالناس، فقام، فلما كبر سمع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) صوته و كان عمر رجلا مجهرا فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «فأين أبو بكر؟

____________

(1) انظر الحديث فى: صحيح البخاري (1/ 176)، صحيح مسلم فى كتاب الصلاة (90)، سنن النسائى (2/ 101)، مسند الإمام أحمد (2/ 52، 6/ 251)، سنن الدارمى (1/ 287)، السنن الكبرى للبيهقى (1/ 123، 8/ 151)، كنز العمال للمتقى الهندى (18838)، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 190)، مصنف ابن أبى شيبة (2/ 331، 332، 14/ 560، 561)، البداية و النهاية لابن كثير (5/ 233)، طبقات ابن سعد (2/ 2/ 19).

(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 228، 229)، صحيح مسلم (1/ 94، 313).

40

يأبى الله ذلك و المسلمون، يأبى الله ذلك و المسلمون»، فبعث إلى أبى بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى أبو بكر بالناس يريد ما بعد من الصلوات، فقال لى عمر:

ويحك، ما ذا صنعت فى يا ابن زمعة و الله ما ظننت حين أمرتنى إلا أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) أمرك بذلك، و لو لا ذلك ما صليت بالناس. قلت: و الله ما أمرنى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك، و لكنى حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة للناس‏ (1).

و عن أنس بن مالك قال: آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كشف الستارة يوم الاثنين و الناس صفوف فى الصلاة، فنظر إلينا و هو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ضاحكا، فبهتنا و نحن فى الصلاة من فرح بخروج النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و نكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، و ظن أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل فأرخى الستر، فتوفى من يومه ذلك.

و فى رواية عن أنس أن خروج رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الناس كان و هم يصلون الصبح، و أنه لما رفع الستر و قام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتتنون فى صلاتهم فرحا به حين رأوه، قال: و تبسم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) سرورا لما رأى من هيئتهم فى صلاتهم، و ما رأيت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) أحسن هيئة منه تلك الساعة.

قال: ثم رجع، و انصرف الناس و هم يرون أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قد أفرق من وجعه.

و عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس و ما يوم الخميس، ثم بكى، حتى بل دمعه الحصا، قلت: يا ابن عباس، و ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) وجعه، فقال: «ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى»، فتنازعوا و ما ينبغى عند نبى تنازع و قالوا: ما شأنه، أهجر، استفهموه، قال: «دعونى، فالذى أنا فيه خير، أوصيكم بثلاث، أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، و أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم».

قال: و سكت عن الثالثة أو قالها فأنسيتها.

و فى حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لما حضر و فى البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده» (2)،

____________

(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 641)، سنن أبى داود (4/ 4660).

(2) انظر الحديث فى: صحيح البخاري (7/ 156، 9/ 137)، صحيح مسلم فى كتاب الوصية (22)، مسند الإمام أحمد (1/ 324)، طبقات ابن سعد (2/ 2/ 37)، فتح البارى لابن حجر (13/ 336).

41

فقال عمر: إن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قد غلب عليه الوجع، و عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله.

فاختلف أهل البيت، منهم من يقول: قوموا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده، و منهم من يقول ما قال عمر، فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): «قوموا» (1)، لما أكثروا اللغو و الاختلاف عنده. قال: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم و لغطهم.

و عن عبد الله بن مسعود قال: نعى إلينا نبينا و حبيبنا نفسه قبل موته بشهر، بأبى هو و نفسى له الفداء، فلما دنا الفراق جمعنا فى بيت أمنا عائشة فنظر إلينا و تشدد و دمعت عيناه، و قال: «مرحبا بكم، حياكم الله، رحمكم الله، آواكم الله، حفظكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، وقفكم الله، رزقكم الله، هداكم الله، نصركم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، و أوصى الله عز و جل بكم و أستخلفه عليكم، و أذكركم الله و أشهدكم أنى لكم منه نذير و بشير أن لا تعلوا على الله فى عباده و بلاده فإنه عز و جل قال لى و لكم: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ [الزمر: 32]، و قال: أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ‏ [60: الزمر]»، قلنا: متى أجلك يا رسول الله؟ قال: «دنا الأجل و المنقلب إلى الله عز و جل و إلى سدرة المنتهى و إلى جنة المأوى و الفردوس الأعلى و الكأس الأوفى و العيس و الحظ المهنى». قلنا: فمن يغسلك يا رسول الله؟ قال: «رجال أهل بيتى الأدنى فالأدنى»، قلنا: ففيم نكفنك يا رسول الله؟ قال: «فى ثيابى هذه إن شئتم أو فى بياض مصر أو حلة يمانية»، قلنا: فمن يصلى عليك يا رسول الله؟ قال: فبكى و بكينا، فقال:

«مهلا غفر الله لكم و جزاكم عن نبيكم خيرا إذا أنتم غسلتمونى و كفنتمونى فضعونى على شفير قبرى ثم اخرجوا عنى ساعة، فإن أول من يصلى على خليلى و جليسى‏

____________

(1) انظر الحديث فى: صحيح البخاري (4/ 235، 5/ 138، 6/ 12، 7/ 89، 8/ 174)، صحيح مسلم فى كتاب الوصية باب (5) رقم (22)، و كتاب الأشربة باب (20) رقم (140، 142، 143)، مسند الإمام أحمد (1/ 336، 3/ 158، 218، 232)، السنن الكبرى للبيهقى (4، 273)، الدر المنثور للسيوطى (6/ 389)، فتح البارى لابن حجر (1/ 517، 9/ 526، 10/ 126، 11/ 570)، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (2/ 206، 7/ 181)، موطأ مالك (927)، مجمع الزوائد للهيثمى (8/ 307)، كنز العمال للمتقى الهندى (35444)، مصنف ابن أبى شيبة (7/ 416)، دلائل النبوة للبيهقى (6/ 90، 7/ 184)، طبقات ابن سعد (2/ 2/ 38)، دلائل النبوة لأبى نعيم (137، 147)، البداية و النهاية لابن كثير (5/ 227)، 6/ 121، 154)، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 4).

42

جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده بأجمعهم مع الملائكة (عليهم السلام)، ثم ادخلوا على أفواجا فصلوا على و سلموا تسليما، و لا يؤمكم أحد و لا تؤذونى بتزكية و لا نصيحة و لا برنة، و اقرءوا أنفسكم منى السلام، و من كان غائبا من أصحابى فأبلغوه عنى السلام، و أشهدكم أنى قد سلمت على من دخل فى الإسلام و على من تابعنى على دينى من اليوم إلى يوم القيامة». قلنا: فمن يدخلك قبرك يا رسول الله؟ قال:

«رجال أهل بيتى الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثير يرونكم من حيث لا ترونهم» (1).

و عن الفضل بن عباس أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال له و هو موعوك قد عصب رأسه: «خذ بيدى» (2). قال: فأخذت بيده حتى جلس على المنبر، ثم قال: «ناد فى الناس». فصحت فى الناس، فاجتمعوا إليه، فقال: «أما بعد، أيها الناس، فإنى أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، و إنه قد دنا منى خفوف من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى فليستقد منه، و من كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقد منه، و من كنت أخذت له مالا فهذا مالى فليأخذ منه، و لا يقل رجل: إنى أخشى الشحناء من قبل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ألا و أن الشحناء ليست من طبيعتى، و لا من شأنى، ألا و إن أحبكم إلى من أخذ منى حقا إن كان له أو حللنى، فلقيت الله عز و جل و أنا طيب النفس، و قد أرى أن هذا غير مغن عنى حتى أقوم فيكم مرارا». قال الفضل: ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر فعاد لمقالته الأولى فى الشحناء و غيرها، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن لى عندك ثلاثة دراهم، فقال: «أما إنا لا نكذب قائلا، و لا نستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندى؟» (3) فقال: يا رسول الله، أتذكر يوم مر بك المسكين فأمرتنى فأعطيته ثلاثة دراهم؟ فقال: «أعطه يا فضل» (4)، ثم قال: «أيها الناس، من كان عنده شي‏ء فليرده و لا يقل رجل: فضوح الدنيا، ألا و إن فضوح الدنيا أيسر من فضوح الآخرة» (5). فقام رجل فقال: يا رسول الله، عندى ثلاثة دراهم غللتها فى سبيل الله، قال: «و لم غللتها؟» قال: كنت إليها محتاجا، قال: «خذها منه يا فضل»، ثم قال: «من‏

____________

(1) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين للزبيدى (10/ 386)، المطالب العالية لابن حجر (4392، 4393)، حلية الأولياء لأبى نعيم (4/ 198).

(2) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (6/ 74)، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 25)، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 179)، البداية و النهاية لابن كثير (5/ 231).

(3) انظر الحديث فى: ميزان الاعتدال (6855)، المعجم الكبير للطبرانى (18/ 281).

(4) انظر الحديث فى: السنن الكبرى للبيهقى (6/ 75)، البداية و النهاية لابن كثير (5/ 231).

(5) انظر الحديث فى: جمع الجوامع للسيوطى (9570)، كنز العمال للمتقى الهندى (11051).

43

خشى من نفسه شيئا فليقم أدع له»، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إنى لكذوب، و إنى لفاحش، و إنى لنئوم. فقال: «اللهم ارزقه الصدق و أذهب عنه النوم إذا أراد». ثم قال رجل فقال: و الله يا رسول الله إنى لكذاب و إنى لمنافق و ما شي‏ء أو إن شي‏ء إلا قد جئته. فقام عمر بن الخطاب فقال: فضحت نفسك أيها الرجل، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «يا ابن الخطاب، فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، اللهم ارزقه صدقا و إيمانا و صير أمره إلى خير».

فقال عمر كلمة، فضحك رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ثم قال: «عمر معى و أنا مع عمر و الحق بعدى مع عمر حيث كان» (1).

و عن عائشة أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات و ينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه و أمسح عنه بيمينه رجاء بركتها.

و عنها قالت: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و لا أغبط أحدا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم).

و قالت رضى الله عنها: رأيت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و هو بالموت و عنده قدح فيه ماء و هو يدخل يده فى القدح ثم يمسح وجهه (صلى اللّه عليه و سلم) بالماء، ثم يقول: «اللهم أعنى على منكرات الموات أو سكرات الموت» (2).

و عنها، و عن عبد الله بن عباس أيضا قالا: لما نزل برسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) طفق يلقى خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال و هو كذلك: «لعنة الله على اليهود و النصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (3). يحذرهم مثل ما صنعوا.

و عن أسامة بن زيد قال: لما ثقل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و هبطت و هبط الناس معى إلى المدينة يعنى‏

____________

(1) انظر الحديث فى: المعجم الكبير للطبرانى (18/ 281)، مجمع الزوائد للهيثمى (9/ 26).

(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 64، 70، 77، 151)، سنن ابن ماجه (1623)، الدر المنثور للسيوطى (6/ 105)، مشكاة المصابيح للتبريزى (1564)، فتح البارى لابن حجر (8/ 140، 11/ 362)، كنز العمال للمتقى الهندى (18836)، طبقات ابن سعد (2/ 2/ 47)، البداية و النهاية لابن كثير (5/ 239).

(3) انظر الحديث فى: صحيح البخاري (1/ 119، 4/ 206، 6/ 14، 7/ 109)، صحيح مسلم فى كتاب المساجد باب (3) رقم (22)، سنن النسائى (2/ 40)، مسند الإمام أحمد (6/ 275، 299)، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 203)، البداية و النهاية لابن كثير (5/ 238).

44

الجيش الذي كان تهيأ للخروج معه فى بعثه قال: فدخلت على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و قد أصمت فلا يتكلم، و جعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يضعهما على، أعرف أنه يدعو لى.

و ذكر ابن إسحاق‏ (1): من حديث أبى بكر بن عبد الله بن أبى مليكة أن مما تكلم به رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) للناس يوم صلى قاعدا عن يمين أبى بكر أن قال لهم لما فرغ من الصلاة و أقبل عليهم فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد، يقول: «يا أيها الناس، سعرت النار، و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، إنى و الله ما تمسكون على بشي‏ء، إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن، و لم أحرم إلا ما حرم القرآن».

قال: فلما فرغ رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من كلامه قال له أبو بكر: يا رسول الله، إنى أراك قد أصبحت بنعمة من الله و فضل كما نحب، و اليوم يوم بنت خارجة، أ فآتيها؟ قال: «نعم»، ثم دخل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و خرج أبو بكر إلى أهله بالسنح‏ (2).

و عن عبد الله بن عباس قال: خرج يومئذ على بن أبى طالب رضى الله عنه على الناس من عند رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)؟

قال: أصبح بحمد الله بارئا. قال: فأخذ العباس بيده، ثم قال: يا على، أنت و الله عبد العصا، بعد ثلاث مرات، أحلف بالله لقد رأيت الموت فى وجه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كما كنت أعرفه فى وجوه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، و إن كان فى غيرنا أمرناه فأوصى بنا الناس. فقال على: إنى و الله لا أفعل، و الله لئن منعناه لا يؤتيناه أحد بعده، فتوفى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) حين اشتد الضحى من ذلك اليوم.

و قالت عائشة رضى الله عنها: رجع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى ذلك اليوم حين دخل المسجد فاضطجع فى حجرى، فدخل على رجل من آل أبى بكر و فى يده سواك أخضر، فنظر إليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى يده نظرا عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله، أ تحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: «نعم»، قالت: فأخذته فمضغته له حتى لينته، ثم أعطيته إياه؛ قالت: فاستن به كأشد ما رأيته استن بسواك قط، ثم وضعه؛ و وجدت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يثقل فى حجرى، فذهبت أنظر فى وجهه، فإذا بصره قد شخص و هو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» (3)؛ قالت: فقلت: خيرت فاخترت و الذي بعثك بالحق.

____________

(1) انظر: السيرة (4/ 278).

(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (7/ 201).

(3) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 274)، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (10/ 288، 293).

45

و قالت: كان (عليه السلام) كثيرا ما أسمعه يقول: «إن الله لم يقبض نبيا حتى يخيره»، فلما حضر كان آخر كلمة سمعتها منه و هو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة» فقلت:

إذا و الله لا يختارنا، و عرفت أنه الذي كان يقول لنا: «إن نبيا لم يقبض حتى يخير» (1).

قالت: و قبض رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم).

و عن أنس بن مالك قال: لما وجد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من كرب الموت ما وجد قالت فاطمة، وا كرباه لكربك يا أبة، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا لموافاة يوم القيامة» (2).

و قالت عائشة رضى الله عنها: كان آخر ما عهد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» (3).

و قالت أم سلمة: كان عامة وصية رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) عند موته: «الصلاة و ما ملكت أيمانكم» (4)، حتى جعل يلجلجها فى صدره، و ما يقبض بها لسانه.

و قال أنس بن مالك: شهدته يوم توفى (صلى اللّه عليه و سلم) فلم أر يوما كان أقبح منه.

____________

(1) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 45، 48، 74، 89، 108، 120، 126)، صحيح مسلم (4/ 1893/ 85).

(2) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (1629)، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (10/ 263)، دلائل النبوة للبيهقى (7/ 212)، كنز العمال للمتقى الهندى (18818، 18820)، تاريخ أصفهان (2/ 221).

(3) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (5/ 325)، مسند الإمام أحمد (6/ 275).

(4) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (1625، 2697، 2698)، مسند الإمام أحمد (3/ 117)، مجمع الزوائد للهيثمى (4/ 237)، طبقات ابن سعد (2/ 2/ 44)، شرح السنة للبغوى (9/ 350)، إتحاف السادة المتقين للزبيدى (10/ 297)، الترغيب و الترهيب للمنذرى (3/ 215)، كنز العمال للمتقى الهندى (18863)، مشكاة المصابيح للتبريزى (3356، 3357)، البداية و النهاية لابن كثير (5/ 238)، تاريخ بغداد للخطيب البغدادى (4/ 240)، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (2/ 236)، المغنى عن حمل الأسفار للعراقى (2/ 44)، مشكل الآثار للطحاوى (4/ 235، 236)، تفسير ابن كثير (8/ 314)، علل الحديث لابن أبى حاتم الرازى (300).

46

و قالت عائشة: توفى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بين سحرى و نحرى، و فى دولتى‏ (1)، لم أظلم فيه أحدا، فمن سفهى و حداثة سنى أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قبض و هو فى حجرى، ثم وضعت رأسه على وسادة، و قمت التدم مع النساء، و أضرب وجهى‏ (2).

و اختلف أهل العلم بهذا الشأن فى اليوم الذي توفى فيه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من الشهر بعد اتفاقهم على أنه توفى يوم الاثنين فى شهر ربيع الأول.

فذكر الواقدى و جمهور الناس أنه توفى يوم الاثنين لاثنتى عشرة خلت من ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه المدينة، و هذا لا يصح، و قد جرى فيه على العلماء من الغلط ما علينا بيانه، و ذلك أن المسلمين قد أجمعوا على أن وقفة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بعرفة فى حجة الوداع كانت يوم الجمعة تاسع ذى الحجة من سنة عشر، فاستهل هلال ذى الحجة على هذا ليلة الخميس، ثم لا يخلو شهر ذى الحجة و المحرم بعده من سنة إحدى عشرة ثم صفر بعده أن تكون هذه الأشهر الثلاثة كاملة كلها أو ناقصة كلها، أو اثنان منها كاملين و واحد ناقصا، أو اثنان منها ناقصين و واحد كاملا، و أيا ما قدرت من ذلك و اعتبرته لم تجد الثانى عشر من ربيع الأول يكون يوم الاثنين أصلا.

و ذكر أبو جعفر الطبرى بإسناد يرفعه إلى فقهاء أهل الحجاز، قالوا: قبض رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) نصف النهار يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأول.

و هذا القول و إن خالف ما ذكره جهور العلماء فإنه أولى بالصواب، و أمكن أن يكون حقا، فإنه إن كانت الأشهر الثلاثة كل شهر منها من تسعة و عشرين يوما كان استهلال شهر ربيع الأول على ذلك بالأحد فكان يوم الاثنين ثانيه.

و قد حكى الخوارزمى أنه (صلى اللّه عليه و سلم) توفى أول يوم من شهر ربيع الأول، و هذا أيضا أمكن و أكثر إذ اتصال النقص فى ثلاثة أشهر لا يكون إلا قليلا، و الله تعالى أعلم.

و لما توفى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و ارتفعت الرنة عليه و سجته الملائكة دهش الناس كما روى عن غير واحد من الصحابة و طاشت عقولهم، و أفحموا، و اهتلطوا، فمنهم من خبل، و منهم من أصمت، و منهم من أقعد إلى الأرض، فكان عمر رضى الله عنه ممن خبل، فجعل يصيح و يقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) توفى و إنه و الله ما مات، و لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين‏

____________

(1) فى دولتى: أى فى نوبتها.

(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (6/ 48/ 121، 200، 274)، صحيح البخاري (3/ 1389).

47

ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، و الله ليرجعن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كما رجع موسى، فليقطعن أيدى رجال و أرجلهم زعموا أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) مات.

و أما عثمان بن عفان رضى الله عنه فأخرس حتى جعل يذهب به و يجاء و لا يتكلم.

و أقعد على رضى الله عنه فلم يستطع حراكا. و أضنى عبد الله بن أنيس.

و بلغ الخبر أبا بكر رضى الله عنه و هو بالسنح فجاء و عيناه تهملان و زفراته تترد فى صدره و غصصه ترتفع كقطع الحرة و هو فى ذلك (رضوان الله عليه) جلد العقل و المقالة، حتى دخل على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فأكب عليه و كشف عن وجهه و مسحه و قبل جبينه و جعل يبكى و يقول: بأبى أنت و أمى طبت حيا و ميتا، و لنقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، و جللت عن البكاء، و خصصت حتى صرت مسلاة، و عممت حتى صرنا فيك سواء، و لو لا أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس، لو لا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشون، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد و أدناف يتخالفان لا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا، اذكرنا يا محمد عند ربك و لنكن من بالك، فلو لا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة، اللهم أبلغ نبيك عنا و احفظه فينا. ثم خرج إلى الناس و هم فى عظيم غمراتهم و شديد سكراتهم فقام فيهم بخطبة جلها الصلاة على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و قال فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمد عبده و رسوله و خاتم أنبيائه، و أشهد أن الكتاب كما نزل و أن الدين كما شرع، و أن الحديث كما حدث، و أن القول كما قال، و أن الله هو الحق المبين ... فى كلام طويل، ثم قال:

أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، و إن الله قد تقدم إليكم فى أمره فلا تدعوه جزعا، قال الله تبارك و تعالى:

وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ [آل عمران: 144]. و إن الله سبحانه قد اختار لنبيه (صلى اللّه عليه و سلم) ما عنده على ما عندكم، و قبضه إلى ثوابه، و خلف فيكم كتابه و سنة نبيه، فمن أخذ بهما عرف و من فرق بينهما أنكر، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: 135] و لا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، و لا يلفتنكم عن دينكم، فعاجلوا الشيطان بالخزى تعجزوه و لا تستنظروه فليلحق بكم.

48

فلما فرغ من خطبته التفت إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: يا عمر، أنت الذي بلغنى عنك أنك تقول على باب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): و الذي نفس عمر بيده ما مات نبى الله أ ما علمت أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قال يوم كذا: كذا و كذا، و قال يوم كذا: كذا و كذا، و قال الله تعالى فى كتابه: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ [30: الزمر]. فقال عمر: و الله لكأنى لم أسمع بها فى كتاب الله تعالى قبل ذلك لما نزل بنا، أشهد أن الكتاب كما نزل و أن الحديث كما حدث و أن الله تبارك و تعالى حى لا يموت، صلوات الله على رسوله، و عند الله نحتسب رسوله.

و فى بعض سياق هذا الخبر أن أبا بكر رضى الله عنه لما دخل على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى بيت عائشة و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) مسجى فى ناحية البيت عليه برد حبرة، أقبل حتى كشف عن وجه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبى أنت و أمى، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا، ثم رد البرد على وجه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) ثم خرج و عمر يكلم الناس، فقال: يا عمر، أنصت. فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل يكلم الناس، فلما سمع الناس كلام أبى بكر أقبلوا عليه و تركوا عمر؛ فحمد الله أبو بكر و أثنى عليه، ثم قال:

يا أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت، ثم تلا هذه الآية: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ‏ [آل عمران: 144] إلى آخر الآية.

قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ؛ و أخذها الناس عن أبى بكر، فإنما هى فى أفواههم.

و قال عمر رضى الله عنه: و الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت‏ (1) حتى وقعت إلى الأرض، ما تحملنى رجلاى، و عرفت أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) قد مات‏ (2).

و قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه فيما كان منه يومئذ:

لعمرى لقد أيقنت أنك ميت‏* * * و لكنما أبدى الذي قلته الجزع‏

و قلت يغيب الوحى عنا لفقده‏* * * كما غاب موسى ثم يرجع كما رجع‏

و كان هواى أن تطول حياته‏* * * و ليس لحى فى بقا ميت طمع‏

____________

(1) عقرت: أى دهشت و تحيرت.

(2) انظر الحديث فى: صحيح البخاري فى كتاب فضائل الصحابة (7/ 3667- 3668).

49

فلما كشفنا البرد عن حر وجهه‏* * * إذا الأمر بالجدع الموعب قد وقع‏

فلم تك لى عند المصيبة حلية* * * أرد بها أهل الشماتة و القذع‏

سوى إذن الله الذي فى كتابه‏* * * و ما أذن الله العباد به يقع‏

و قد قلت من بعد المقالة قولة* * * لها فى حلوق الشامتين به بشع‏

ألا إنما كان النبيّ محمد* * * إلى أجل وافى به الموت فانقطع‏

ندين على العلات منا بدينه‏* * * و نعطى الذي أعطى و نمنع ما منع‏

و وليت محزونا بعين سخينة* * * أكفكف دمعى و الفؤاد قد انصدع‏

و قلت لعينى كل دمع ذخرته‏* * * فجودى به إن الشجى له دفع‏

و ذكر ابن إسحاق‏ (1) بإسناد يرفعه إلى عبد الله بن عباس قال: إنى لأمشى مع عمر فى خلافته و هو عامد إلى حاجة له، و فى يده الدرة ما معه غيرى، و هو يحدث نفسه و يضرب و خشى قدمه بدرته، إذ التفت إلى فقال: يا ابن عباس، هل تدرى ما حملنى على مقالتى التي قلت حين توفى الله و رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قال: قلت: لا أدرى يا أمير المؤمنين؛ أنت أعلم. قال: فإنه و الله، إن حملنى على ذلك إلا أنى كنت أقرأ هذه الآية: وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [143: البقرة]، فو الله إن كنت لأظن أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) سيبقى فى أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، فإنه للذى حملنى على أن قلت ما قلت‏ (2).

و ذكر موسى بن عقبة أن المقام الذي قام به أبو بكر رضى الله عنه بعد وفاة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و بعد الذي كان من عمر من القول هو أنه خرج سريعا إلى المسجد من بيت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يتوطأ رقاب الناس حتى جاء المنبر و عمر يكلم الناس و يوعد من زعم أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) مات، فجلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا، فقام أبو بكر على المنبر فنادى الناس أن اجلسوا و أنصتوا، فتشهد بشهادة الحق، ثم قال: إن الله قد نعى نبيكم لنفسه و هو حى بين أظهركم، و نعى لكم أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد إلا الله، يقول الله عز و جل: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ [144: آل عمران‏].

و قال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ [30: الزمر]

____________

(1) انظر: السيرة (4/ 286).

(2) أخرجه الطبرى فى تاريخه (2/ 238).

50

و قال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏ [آل عمران: 35، الأنبياء، 57].

و قال: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏ [القصص: 88]. و قال: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ‏ [الرحمن: 26].

ثم قال: إن الله عمر محمدا و أبقاه حتى أقام دين الله و أظهر أمر الله و بلغ رسالة الله و جاهد أعداء الله حتى توفاه الله (صلوات الله عليه) و هو على ذلك و تركتم على الطريقة، فلا يهلك هالك إلا من بعد البينة، فمن كان الله ربه فإن الله حى لا يموت فليعبده، و من كان يعبد محمدا أو يراه، إلها فقد هلك إلهه، فأفيقوا أيها الناس و اعتصموا بدينكم و توكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، و إن كلمته باقية، و إن الله ناصر من نصره و معز دينه.

و إن كتاب الله بين أظهرنا هو النور و الشفاء و به هدى الله محمدا، و فيه حلال الله و حرامه، لا و الله ما نبالى من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد، و لنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فلا يبقين أحد إلا على نفسه.

ثم انصرف و انصرف المهاجرون معه.

بيعة أبى بكر رضى الله عنه و ما كان من تحيز الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، و منتهى أمر المهاجرين معهم‏

قال ابن إسحاق‏ (1): و لما قبض رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) انحاز هذا الحى من الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة، و اعتزل على بن أبى طالب و الزبير بن العوام و طلحة بن عبيد الله فى بيت فاطمة، و انحاز بقية المهاجرين إلى أبى بكر، و انحاز معهم أسيد بن حضير فى بنى عبد الأشهل، فأتى آت إلى أبى بكر فقال: إن هذا الحى من الأنصار مع سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس من قبل أن يتفاقم أمرهم و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فى بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر: فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من‏

____________

(1) انظر: السيرة (4/ 281).

51

الأنصار حتى ننظر ما هم عليه. قال: و كان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار أن عبد الله بن عباس قال: أخبرنى عبد الرحمن بن عوف و كنت فى منزله بمنى أنتظره، و هو عند عمر فى آخر حجة حجها عمر قال: فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر فوجدنى فى منزله أنتظره، و كنت أقرئه القرآن، فقال لى: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك فى فلان يقول: و الله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، و الله ما كانت بيعة أبى بكر إلا فلتة فتمت. قال: فغضب عمر فقال: إنى إن شاء الله لقائم العشية فى الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. ثم قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، إن الموسم يجمع رعاع الناس و غوغاءهم و إنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم فى الناس، و إنى أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير و لا يعودها و لا يضعوها على موضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة و تخلص بأهل الفقه و أشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكنا، فيعى أهل الفقه مقالتك، و يضعونها موضعها. فقال عمر: أما و الله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.

قال ابن عباس‏ (1): فقدمنا المدينة فى عقب ذى الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حذوه تمس ركبتى ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف؛ قال:

فأنكر على سعيد بن زيد ذلك. قال: و ما عسى أن يقول مما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فإنى قائل لكم مقالة قد قدر لى أن أقولها و لا أدرى لعلها بين يدى أجلى، فمن عقلها و وعاها فليأخذنها حيث انتهت به راحلته، و من خشى أن لا يعيها فلا يحل لأحد أن يكذب على؛ إن الله بعث محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) و أنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها و علمناها و وعيناها، و رجم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و رجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: و الله ما نجد الرجم فى كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، و إن الرجم فى كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال و النساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف؛ ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من الكتاب: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم» أو «كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم»، ألا إن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)

____________

(1) انظر: السيرة (4/ 282).

52

قال: «لا تطرونى كما أطرى عيسى ابن مريم، و قولوا: عبد الله و رسوله» (1)؛ ثم إنه قد بلغنى أن فلانا قال: لو و الله قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغرن امرأ أن يقول: إن بيعة أبى بكر كانت فلتة فتمت، و إنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها، و ليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبى بكر، فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو و لا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا، إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) أن الأنصار خالفوا فاجتمعوا بأشرافهم فى سقيفة بنى ساعدة، و تخلف عنا على بن أبى طالب و الزبير بن العوام و من معهما، و اجتمع المهاجرون إلى أبى بكر، فقلت لأبى بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم. قال: قلت: و الله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم فى سقيفة بنى ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا:

وجع. فلما جلسنا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله و كتيبة الإسلام، و أنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، و قد دفت دافة من قومكم.

قال: و إذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا و يغصبونا الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم و قد زورت فى نفسى مقالة قد أعجبتنى، أريد أن أقدمها بين يدى أبى بكر، و كنت أدارى منه بعض الحد، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فكرهت أن أعصيه، فتكلم، و هو كان أعلم منى و أوقر، فو الله ما ترك من كلمة أعجبتنى من تزويرى إلا قالها فى بديهته أو مثلها أو أفضل منها حتى سكت.

قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، و لن تعرف العرب هذا الأمر إلا هذا الحى من قريش، هم أوسط العرب نسبا و دارا، و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، و أخذ بيدى و بيد أبى عبيدة بن الجراح و هو جالس بيننا، و لم أكره شيئا مما قال غيرها، كان و الله أن أقدم فتضرب عنقى لا يقربنى ذلك إلى إثم أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.

قال: فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحك و عذيقها المرجب، منا أمير و منكم‏

____________

(1) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (2/ 2784)، مسند الإمام أحمد (1/ 23، 24، 47، 55)، مصنف عبد الرزاق (11/ 20524).