الإمام الصادق(ع) - ج1

- الشيخ محمد حسين المظفر المزيد...
264 /
3

[مقدمات‏]

[مقدمة الناشر]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.

لا يخفى على أيّ أحد من المسلمين و من روّاد العلم و غيرهم منزلة و مكانة الامام أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليه أفضل الصلاة و السلام بأنّه مشعل الهداية و مصباح الدين الذي انتشر في عصره الاسلام في جميع أرجاء العالم و تشعشعت أضواؤه فى أقصى أنحائه و تخرّجت من مدارسه الرّواة و المحدّثون و المتكلّمون من العامّة و الخاصّة، و ليس بإمكاننا التعرّف على هذه الشخصيّة الاسلامية العظيمة حقّ المعرفة مع هذه الألسنة الكالّة و الأقلام العاجزة عن فهمها و معرفتها، فليس لنا إلّا المرور الخاطف على حياته (عليه السلام).

و لذلك قامت المؤسّسة- و للّه الحمد- على طبع كتاب للعلّامة المحقّق الشيخ محمّد الحسين المظفّر و هو يدرس حياة الامام الصادق (عليه السلام) بصورة موجزة مع اشتماله على كثير من زوايا حياته (سلام اللّه عليه) من مدرسته العلمية و تعاليمه و مناظراته و خطبه و أقواله و رواته من العامّة و الخاصّة.

نسأل اللّه تعالى أن يوفّقنا لنشر الكتب الاسلاميّة و تقديمها لروّاد العلم و الحوزات العلميّة، إنّه وليّ التوفيق.

مؤسّسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمَ‏نِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ‏ و- إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً و- سَلامٌ عَلى‏ إِلْ‏ياسِينَ‏.

5

الإهداء

سيّدي أبا عبد اللّه:

أرفع بكلتا يديّ هذه الصحائف الوجيزة، لأهديها إلى رفيع قدسك موقنا أنّي لست ممّن يقوى على الرقي لأمثال هذه المعارج العالية، أو تنفق بضاعته في مثل هذه السوق الغالية، غير أنّي مستمسك بعروة هذه العترة الطاهرة، و متعلّق بأغصان هذه الشجرة المباركة، و أرغب جهدي في أن أحسب في عداد من أدركه الحظ بإسداء الخدمة إليهم. و هذا الذي بين يدي ما انتهى إليه عرفاني، و وصل إليه علمي، من الجمع و التأليف و التعليق و قيمة كلّ امرئ ما يحسنه، فإن كانت فيه حسنة فهي منك و إليك، و إن كانت فيه كبوة فتلك من قلمي الجموح، و من أولى منك بالإقالة من العثرات، و قلّما يسلم منها أحد مثلي، و ما أملي إلّا أن تمنّ بابتياع هذه البضاعة المزجاة من وليّك، و ثمنها القبول، و ما أغلاه من ثمن.

رقّك محمّد الحسين المظفّر

6

الطليعة

لمّا كان الوقوف على حياة هذا الامام يتطلّب درسا لشؤون الدولتين الامويّة و العبّاسيّة اللتين عاصرهما أبو عبد اللّه (عليه السلام)، و موقف هاتين السلطتين من أهل البيت، و معرفة من هم أهل البيت، و معرفة ما كان في عهده من المذاهب و النحل، و ما رأته الناس في الإمامة، حقّ أن نذكر هذه الشؤون في الطليعة، فإن بها تعرف ما كان من حياته السياسيّة و العلميّة و الاجتماعيّة، و السبب الذي من أجله بثّ العلوم و المعارف، و ندب إلى الأخلاق و المحاسن و حثّ على التكتّم في نشر هذه الفضائل و كتمان نسبتها إلى أهل البيت، كما منع أولياءهم عن إظهار الولاء لهم و الاعلان في التردّد عليهم، و هو ما نسمّيه ب «التقيّة».

فهذه الطليعة يكون القارئ على بصيرة من حياة هذا الامام قبل أن يستعرض تفاصيلها.

7

أهل البيت‏

من هم أهل البيت؟

يأتينا الكتاب الكريم ناطقا مبينا بقوله جلّ شأنه «إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا» (1) إنّها لفضيلة لهم لا يدانيهم فيها أحد من الناس كافّة.

و لا كرامة أنفس من إذهاب الرجس عنهم و تطهيرهم من العيوب كافّة، ذلك التطهير الذي يريده اللطيف تعالى لهم بعنايته، و هو غير مقيّد برجس خاصّ و لا من شي‏ء معيّن، فيدلّ على عموم التطهير من كلّ عيب و ذنب.

و يستفاد من هذه الآية الجليلة عصمة أهل البيت النبوي، لأنّ كلّ ذنب رجس، و ارتكاب الذنوب لا يجتمع مع إذهابها عنهم و طهارتهم منها، فهم إذن بحكم هذه الآية مطهّرون من الأرجاس و الذنوب، و هل العصمة شي‏ء وراء هذا؟

نعم و إنما الشأن كلّه في المعنيّ بهذه الفضيلة التي امتازوا بها على جميع الامّة. أهم الذين كانوا في البيت حين نزلت هذه الآية الكريمة؟ أم كلّ من يمت إلى الرسول الأطهر بسبب أو نسب؟ فإن قيل بالثاني فالواقع شاهد على خلافه، لأنّا نجد في نسائه من خالفته و تظاهرت عليه، و لا رجس أعظم من ذلك. فلا بدّ من أن يكون نساؤه غير معنيّات بها، و استثناء بعض النساء دون‏

____________

(1) الأحزاب: 33.

8

بعض تحكّم.

هذا فيمن يمت إليه بالسبب، و نجد البعض ممّن يمت إليه بالنسب يداني الموبقة، و يقارب الجريمة، و لا يصحّ أن يريد القدير سبحانه شيئا بالإرادة التكوينيّة (1) ثم لا يقع، فلمّا كان مستحيلا أن يريد تكوين شي‏ء فلا يكون عرفا أن النساء و عامّة الهاشميّين غير مقصودين من الآية، لإتيانهنّ و إتيانهم ما ينافي التطهير، على أنه لم يقل أحد بعصمة نسائه و الهاشميّين عامّة.

و لو كان المقصود بها الإرادة التشريعيّة فلا وجه لارادة التطهير من أهل البيت خاصّة، لأنه تعالى يريده من الناس كافّة، فاختصاصه بهم على وجه الميزة و الفضيلة يدلّنا على تكوينه فيهم، ثمّ ان الإرادة التشريعيّة إنما تتعلّق بفعل الغير، و متعلّقها في الآية فعل اللّه تعالى نفسه، و لو كانت الإرادة تشريعيّة لقال:

لتذهبوا و تطهروا أنفسكم.

فلا شكّ في أن المعنيّ من الآية هو المعنى الأول، أعني أن المقصود منها أناس مخصوصون، و هم الذين كانوا في بيت سيّد الرسل (صلّى اللّه عليه و آله) و قد جلّلهم بكسائه و التحف معهم به، فنزلت هذه الآية عليهم و فيهم، و هم عليّ و فاطمة و ابناهما (عليهم السلام)، و على ذلك صحاح الأحاديث من طرق الفريقين‏ (2).

و لو لم يكن هناك نقل يدلّ بصراحته على اختصاص هذه الصفوة الكريمة

____________

(1) الإرادة التكوينيّة هي التي تتعلّق بفعل المريد نفسه و تقابلها الإرادة التشريعيّة التي تتعلّق بفعل الغير على أن يصدر من الغير و هي التي تكون في التكاليف.

(2) انظر مجمع البيان و ما رواه القوم في تفسيرها: 4/ 356 و تفسير الشوكاني: 4/ 270 و رواه من عدّة طرق عن أمّ سلمة و عن عائشة و عن غيرهما، و ذكر ابن حجر في الصواعق ص 87: أن اكثر المفسّرين انها نزلت في عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، الى غيرهم من أهل التفسير و الحديث و التاريخ.

و حاول الآلوسي في تفسيره روح المعاني بعد أن ذكر الأحاديث الجمّة الواردة في اختصاصها بأهل الكساء أن يعمّم الآية لهم و للنساء و للمؤمنين من بنى هاشم، و ما ذكرناه كاف في ردّه.

9

بهذه الآية الشريفة لكان من آثارهم اكبر برهان على هذا الاختصاص، فانّ أفعالهم و أقوالهم ترغمنا على الاعتراف بتلك النزاهة لهم.

و ما خفيت هذه الحقيقة الناصعة على أهل البصائر من بدء نزول هذه الآية المحكمة حتى اليوم، فكان أهل البيت عندهم أهل الكساء، خاصّة، الذين حبوا بمكارم لا يأتي عليها الحصر، و كان منها الطهارة من العيوب، و ذهاب الأرجاس و الذنوب.

نعم ربّما استغلّ بعض الهاشميّين و منهم العبّاسيّون ظاهر عموم كلمة أهل البيت لتحقيق مآربهم و الوصول إلى العروش، فكان الهاشميّون عامّة يدلون على الناس بهذه الآية.

كما كان اسم التشيّع أيضا قد يستغل فيراد به ولاء عليّ و أهل البيت بالمعنى العام، لا خصوص أصحاب الكساء و الأئمة من أولاد الحسين (عليهم السلام) إلّا عند الذين لا تجرفهم سيول الرعاع، و لا يعدل بهم عن الحقّ الصخب أو الضغط، و ما عرفت الناس التشيّع بولاء هؤلاء الأئمة خاصّة إلّا بعد أن خيّم السكون على الناس بعد الثلث الأوّل من الدولة العبّاسيّة، حين قرّت شقشقة العلويّين و ثوراتهم، فتمخّض القول وقتذاك بأهل البيت لهؤلاء السادة الأئمة.

و شاهدنا على ذلك أن بني العبّاس ما دبّوا دبيب النمل على الصفا لارتقاء عروش الملك و تحطيم دعائم الدولة المروانيّة إلّا بذلك الاسم، بزعم أنهم أهل البيت الأقربون إلى صاحب الرسالة، ليعطفوا بذلك عليهم قلوب الشيعة و يتّخذوا منهم فعلة لبناء الكيان لسلطانهم، و هدم بناء الدولة الامويّة التي قاومت أهل البيت و شيعتهم طيلة أيامها، و صبغت وجه الأرض من دمائهم المسفوحة.

10

و ما كان ليتمّ لبني العبّاس ما أملوه لو لا ادعاؤهم ذلك، و لو لم يكن الذين نهضوا بهم و اتخذوا منهم جسرا عبروا عليه إلى مآربهم شيعة لأهل البيت، من دون تفريق بين العبّاسي و الطالبي، و لا بين العلوي و الجعفري و العقيلي، و لا بين الحسني و الحسينى.

و هكذا كانت الدعوة و النهضة من كلّ هاشمي كنهضة عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بالكوفة ثمّ بفارس و فيهما أولياء لأهل البيت، و قد قضى عليه أبو مسلم بعد تفرّق الناس عنه و التجائه إليه، و ما كان من زيد و ابنه يحيى من النهضة، و لا من الأخوين محمّد و إبراهيم من الدعوة إلّا لأنهم من أهل البيت و أن غاياتهم من الدعوة أخذ التراث من أعداء أهل البيت.

و لكن قد وضح للناس بعد ذلك أنّ بني العبّاس ليسوا من أهل البيت، حين سلّوا سيف البغي على أهل البيت قربى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و عرف الناس أنّ الدعوة من بني العبّاس لقلب دولة أميّة باسم الثأر لقتلى الطف و صليب الكناسة و الجوز جان و غيرهم كانت سبيلا للوصول إلى أمنيّتهم المقصودة، لأنه بعد أن بنوا من جماجم اولئك الاغرار من محبّي أهل البيت قواعد سلطانهم ظهرت كوامن صدورهم، و ما قصدوه من الوليجة إلى غاياتهم، حتى أن محمّدا و إبراهيم اختفيا عند قبض السفّاح عن أعنة الحكم، و ما اختفيا إلّا لما يعلمانه من سوء نواياه مع الادنين من الرسول، و الشواهد على ذلك من ضغطهم على أهل البيت و شيعتهم اكثر من أن تحصر، و في ثنايا الكتاب سيمرّ عليك من هذا القبيل ما فيه مقنع.

***

11

بنو أميّة

من هم بنو أميّة؟

يفصح القرآن الكريم معلنا بقوله: «و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلّا فتنة للناس و الشجرة الملعونة في القرآن» (1) و يحدّثنا التفسير في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنّ النبي رأى في المنام أنّ قردة تنزو على منبره فأعلمه جبرئيل أنهم بنو أميّة يتغلّبون على الأمر فيتنازعون على منبره و أنهم هم الشجرة الملعونة، ثم انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يستجمع ضاحكا بعد ذلك حتى مات‏ (2).

و جاء في ذمّ بني أميّة و الطعن فيهم كثير من التنزيل، انظر الحاكم في حديث علي في قوله «و أحلّوا قومهم دار البوار» (3) قال: هما الأفجران من قريش بنو أميّة و بنو المغيرة، و تفسير ابن جرير في قوله: «و جاهدوا في اللّه حقّ جهاده» (4) فإنه قال: إن الذين أمر تعالى بجهادهم مخزوم و أميّة (5)، إلى غير ذلك.

ثمّ انّ الرسول الصادق الأمين (صلّى اللّه عليه و آله) يتبع القرآن المجيد بقوله:

اللهمّ العن بني أميّة قاطبة، و بأمثال ذلك، لا سيّما فيما يخصّ أبا سفيان و ابنيه‏

____________

(1) بني إسرائيل: 60.

(2) مجمع البيان: 3/ 424، و شرح النهج: 3/ 488 و 2/ 466 و 467، و قال الشوكاني في تفسيره أنهم آل أبي العاص خاصّة و عليه روايات.

(3) إبراهيم: 28.

(4) الحج: 78.

(5) تفسير الطبري: 17/ 142.

12

يزيد و معاوية، و لا تنس ما جاء عنه في آل أبي العاص و لا سيّما في الحكم و ابنه مروان. (1)

أ ترى لما ذا يمنح الكتاب المبين أهل البيت بذلك الثناء الجزيل و يذكر بني أميّة بذلك السوء و الذمّ، أ يكيل العادل تعالى لأولئك المدح جزافا، و لهؤلاء الذمّ اعتداء، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.

نعم إنّ الطاعة هي التي تقرّب الخلق من الخالق، و إنّ المعصية هي التي تبعد العبيد عن البارى‏ء، و إلّا فانّ عباده لديه بالعطف و اللطف و بالرحمة للمطيع و بالنقمة على العاصي شرع سواء، فإنّه يدخل الجنّة من أطاعه و إن كان عبدا حبشيّا، و النار من عصاه و إن كان سيّدا قرشيّا.

فما كان دنوّ أهل البيت من حظيرة القدس حتى منحهم تعالى بذلك الوسام الأرفع الذي لم يحظ به بشر سواهم إلّا لتقواهم و امتثالهم لأوامره، و ما كان بعد بني أميّة عن ساحة الرحمة حتى صاروا الشجرة الملعونة في القرآن، و حتى عمّتهم لعنة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مرّة، و خصّت الكثير منهم اخرى، مشفوعة بالدعاء عليهم، إلّا لعصيانهم لجبّار السموات و الأرضين، و استمرارهم على العصيان.

و لو لم يقرئنا التاريخ قدر تلك الطاعة، التي كان عليها أهل البيت و مبلغ ذلك العصيان الذي استقام عليه الامويّون، لكفى ذلك التقديس من الجليل في كتابه لأولئك، و هذا الحظ من هؤلاء، كاشفا عمّا عليه الآل من الطاعة

____________

(1) لا يحتاج الخبير في هذا إلى المصادر لكثرتها، و إن أحببت الوقوف على شي‏ء من ذلك فانظر شرح ابن أبي الحديد في التعليقة الماضية من الجزء و الصحيفة و: 1/ 361 و: 2/ 106 و 410 و 4/ 148 و الاستيعاب لابن عبد البر في مروان، و الحاكم عن أبي هريرة في آل أبي العاص و مروان و أبيه و بنيه الى غير ذلك.

13

و الانقياد، و أميّة من التمرّد و الابتعاد.

و هذه النتيجة تلمسها من هذه النصوص الفرقانيّة و الأحاديث النبويّة من دون شحذ قريحة و غور في التفكير، نعم لو سبرت السيرة الاموي‏ة قبل الاسلام و بعده الى انقراض دولتهم، لعرفت أنّ اللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما كشفا بالكتاب و السنّة عن تلك السيرة و السريرة الفائتتين، و أنبأ عن الآتيتين، و ما كان ليخفى على الناس حالهما، و لكنّ كان هذا التصريح قطعا لاعتذار أوليائهم و دحضا لمكابرات مشايعيهم، و مع هذه الصراحة من الكتاب و الحديث ما زال للقوم حتى اليوم أولياء و أشياع، و مدافعون و أتباع.

و لأجل أن تطمئنّ القلوب بهذه الحقيقة، نستطرد نبذا من أعمال أميّة و بنيه أخبرنا عنها التاريخ الموثوق به.

مات عبد مناف و ترك عدّة بنين، كان منهم هاشم و المطّلب و نوفل و عبد شمس، و كان هاشم أرجحهم عقلا و أسماهم فضيلة فاصطلحت قريش على أن تولّيه الرفادة و السقاية (1) و كانتا لأبيه عبد مناف، فكان هاشم حيث رأت قريش، و زاد في شرف أبيه أن سنّ الرحلتين رحلة الشتاء إلى اليمن، و رحلة الصيف إلى الشام، و قد ذكر هاتين الرحلتين الكتاب الكريم‏ (2)، و ما كانت غاية هاشم من الرحلتين إلّا أن يكثر المال في قريش فيقووا به على إطعام الحاجّ، و هذه فضيلة سامية أرادها هاشم لقومه، و هذا شأن العظام الذين ينحون بقومهم عظائم الامور، و مراقي الشرف الرفيعة.

ثمّ تقدم هو في الاطعام ليكون قدوة لقومه، فأطعم و أجزل حتى غنّت‏

____________

(1) الرفادة بالكسر: إطعام الحاج، و السقاية بالكسر أيضا: سقيهم.

(2) قريش: 2.

14

الركبان بجوده، و حتّى قال شاعره:

عمرو العلى هشم الثريد لقومه* * * و رجال مكة مسنّتون عجاف‏

في أبيات مشهورة، فصار يلقب بهاشم لذلك، و غلب على اسمه عمرو (1) فكان الجود بعض فضائل هاشم التي سوّدته على قريش سادات العرب.

و انشطرت اخوته فصار المطّلب الى جنب هاشم، و صار نوفل و عبد شمس في جانب، و هما ينافسانه و يحاولان أن يجارياه في مفاخره، فيقصر بهما العمل، فكان هاشم لكرم فعاله و جميل خصاله سيّد البطحاء غير مدافع.

و لمّا مات عبد شمس و ظهر أميّة حاول أن يلحق بهاشم في شأنه بما عجز عنه أبوه من قبل، و أين أميّة من هاشم في سنّه و شأنه، و ما ساد هاشم إلّا لأنّه مجمع الفضائل، و لم يكن لأميّة ما يسود به الفتى خلا المال و الولد و لا يكفيان للسيادة اذا لم تكن الأعمال تلحقه بالمعارج السامية.

و طمع أميّة يوما أن ينافر هاشما، و ذلك إقدام لم يرتقب من مثله لمثل هاشم؛ و لا نعرف سببا في قناعة هاشم بهذه المنافرة- و هو سيد الأبطح و شيخ قريش- سوى علمه بأنه سوف ينفر أميّة، و بذلك كبح لجماع أميّة و إذلال لنفسه المتطلّعة لما ليس له كما كان ذلك، فإنّه قد نفره هاشم فأخرجه من مكّة عشر سنين، و لعلّ أميّة كان يعتقد أن هاشما سيّد الأبطح لا محالة ينفره، إلّا انّه قنع من الشرف أن يقال ان أميّة نافر سيّد الحرم و جرى في مضماره.

و لمّا نبغ عبد المطّلب بعد أبيه هاشم و عمّه المطّلب، علا على شرف أهله و مفاخر آبائه، فانبطّ ماء زمزم و لم يتوفّق لها قرشي من قبل، فحسدته قريش‏

____________

(1) شرح النهج: 3/ 457.

15

و راموا أن يشاركوه في هذه الكرامة و السقاية منها، فأبى عليهم، و طلبوا محاكمته عند كاهنة هذيل في الشام، و عند ما رأوا منه الكرامات في طريقهم الى الشام عدلوا عن محاكمته، و تركوا له زمزما و سقاية الحاج.

و هو الذي أنذر أبرهة- قائد الأحباش و الأمير على اليمن من قبل النجاشي ملك الحبشة- حين جاء من اليمن بجيش كثيف قاصدا هدم البيت ليتحوّل العرب عن الحجّ إليه، و لم يخرج عبد المطّلب من البيت كما خرجت قريش هاربة من سطوة الأحباش، فكان آخر أمر الأحباش الدمار، كما أفصح عن ذلك الكتاب المجيد (1) فجاء الحال وفقا لما أنذرهم به سيّد الأبطح.

فكانت قريش تحسده لهذه المفاخر، و صاحب الفضيلة محسود، و ما اكتفى أميّة بما لقيه من منافرة هاشم حتّى حاول منافسة عبد المطّلب، فحمل أميّة عبد المطّلب على المسابقة، فسبقه عبد المطّلب و استعبده عشر سنين.

و كان حرب بن أميّة أيضا يفاخر عبد المطّلب بوفره و بأهله، تجاهلا منه بأن الشرف إنّما هو بالفضيلة، و الأعمال الجليلة، حتى طلب منافرة عبد المطّلب، و تلك جرأة كبرى يدفعه إليها الحسد و الغرور، و إن علم يقينا أنه لا يشقّ غبار شيخ قريش، غير انّا نحسبه انّه كان يعتقد أن المنافرة وحدها تجعل له المكانة العالية و إن نفره عبد المطّلب، و لقد تعجّب النافر من طمع حرب في منافرة شيخ البطحاء، و الأعمال وجدها كافلة بخسران حرب، فقال النافر لحرب:

أبوك معاهر و أبوه عفّ* * * و ذاد الفيل عن بلد حرام‏

و هذا شاهد على ما كان عليه عبد المطّلب و أهله، و حرب و آباؤه من خلّتين شهيرتين دعت وجوه الناس على الحكم لهاشم و ولده في كلّ منافرة و منافسة.

____________

(1) سورة الفيل.

16

و لا تنس حلف الفضول الذي هو خير حلف عقدته قريش بل العرب كلّها، لردّ عادية الظلم، و الانتصار للمظلوم، قد دخل فيه الرسول- عليه و على آله السلام- و ذلك قبل الاسلام، و قال فيه بعد ذلك: «لو دعيت إلى مثله لأجبت». ذلك حلف هدّد بالهتاف به الحسين- (عليه السلام)- معاوية بن أبي سفيان، و وقف للطغاة الغاصبين بالمرصاد. فكم ردّ من مال نهب، و عرض غصب، و كان السبب فيه الزبير بن عبد المطّلب، و لم يدخل فيه النوفليّون و العبشميّون، و يحقّ للسائل أن يسأل عن سبب امتناعهم عن الدخول فيه، أ لأنّ سببه الهاشميّون؟ أم لأنه فضيلة سامية؟ أم لما ذا؟

هذه حال أميّة لو استطردت بعضها قبل بزوغ شمس الاسلام. و أمّا لو نظرت الى مواقفهم بعد بزوغ تلك الشمس النيّرة، لأيقنت كيف كانت هذه الشجرة جديرة بنزول ذلك الكتاب الكريم، لا لأنّ الايمان لم يدخل أعماق قلوبهم فحسب، لأنهم لم يتركوا ذريعة لستر ذلك النور الساطع إلّا توسّلوا بها، و لا معولا لهدم بنائه الشامخ إلّا حملوه، سوى ما كان منهم من أعمال يأباها العدل و المروءة و يمقتها الشرف و الفضيلة.

و هل ينسى أحد ما قام به أبو سفيان من إيذاء الرسول قبل الهجرة، و ما ألّبه عليه بعدها، هذه أحد و الأحزاب و الحديبيّة و ما سواها من أعمال خلّدها التاريخ تنبئك عن حاله، و من صاحب العير و صاحب النفير غيره و غير بني أبيه العبشميّين، و كيف ينسى ابن الاسلام تلك الوقائع و التاريخ يذكره بها كلّ حين، و ما دخل أبو سفيان و ابنه معاوية في الاسلام إلّا حين أخذ الاسلام منهما بالخناق، و لم يجدا مفرّا منه، و قد ألفهما النبيّ الحكيم بعد الفتح بالعطاء الوفر من غنائم حنين، فأعان الطمع الخوف على ذلك التظاهر و القلوب منطوية على و ثنيّتها القديمة و على الحسد و الحقد و انتهاز الفرصة للوثبة و أخذ تراث الأبناء

17

و الأخوال و الأجداد، الذين فرت أوداجهم سيوف الاسلام الصارمة.

و لم يطلق أبو سفيان أن يكتم تلك الضغائن النفسية، فكانت تطفح على فلتات لسانه، و كان اكثرها أيام عثمان‏ (1) لأمانه من المؤاخذة على كلامه، و من أمن العقوبة أساء الأدب، و كيف لا يأمن و الأمر بأيدي صبيانهم على حدّ تعبيره حين ركل قبر حمزة بن عبد المطّلب برجله.

و أما ابنه معاوية (2) فانه عند ما رأى الاسلام قد ضرب بجرانه الأرض، و وشجت أصوله، و بسقت فروعه، تذرع به إلى اقتلاع جذوره و قد ملك معاوية ناصية البلاد و الاسلام غضّ جديد، فخالف كلّ شريعة من شرائعه، و ناصب كلّ حكم من أحكامه، سوى أنّه لم يخلع عند الظاهر ربقة الاسلام، و كيف يخلعها و هي الوسيلة لنيله ذلك الملك الفسيح الأرجاء، الملك الذي ما كان يحلم به صخر بن حرب بل و لا أميّة من قبل، و ما كان يضرّه من تلك الظاهرة إذا كانت الذريعة لاقتناص مآربه الواسعة، و لتحطيم قواعد الاسلام الرفيعة.

و كفى من حربه لسيّد الرسل حربه لأمير المؤمنين (عليه السلام) و قد قال فيه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله): «سلمك سلمي و حربك حربي» (3) و قال فيه:

____________

(1) الأغاني: 6/ 90- 96.

(2) جاء في معاوية عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) الشي‏ء الكثير، و إن شئت أن تلمس بعضه فدونك الأحاديث القائلة «يا عمّار تقتلك الفئة الباغية بصفّين» و عدّه السيوطي في الأخبار المتواترة، و دونك الأحاديث القائلة «إن عليّا يحارب القاسطين و هم معاوية و جنده» و دونك شرح النّهج:

1/ 347 و: 3/ 443 و: 1/ 254 و: 2/ 363 و: 2/ 102 و: 1/ 372، 361، 355، 373، 113، و انظر فيها رأي الناس في معاوية و: 1/ 463 و اقرأ فيها ما يقوله الناس عن معاوية و بني أميّة و: 3/ 15 و 4/ 192 و دونك الاستيعاب في معاوية.

(3) مسند أحمد بن حنبل: 2/ 442 و اسد الغابة: 3/ 11.

18

«تحارب من بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين» (1) و لو كان القصد من حربه لأبي الحسن- (عليه السلام)- الطلب بقتلة عثمان لما أغضى عنهم حين انتهى الأمر إليه، و لا أدري كيف كان معاوية وليّ عثمان و المرتضى هو أمير المؤمنين و وليّهم.

لعمر الحق ما كان شأن معاوية خافيا لندلّل و نأتي بالشواهد عليه، و لو لم يكن حربا للاسلام و لرسوله لما سنّ الشفرة للقضاء على آل الرسول، و القرآن يهتف باحترامهم و مودّتهم، و الرسول يدعو إلى ولائهم و التمسك بهم، و ما ذنبهم لدى معاوية إلّا أنّهم عترة الرسول و رهطه، و رعاة الدين و دعاته، و لو صافحهم أو صفح عنهم لم ينل مأربه من الزعامة، و مقصده من حرب الرسول و شريعته. (2)

و لم يهلك معاوية مستوفيا لأمانيه من محاربة الرسول و الرسالة حتى أرجأ ذلك إلى دعيّه يزيد، غير أن يزيد لم يكن لديه دهاء أبيه معاوية فيدسّ السمّ بالدسم لكيد الاسلام، فمن ثمّ برزت نواياه على صفحات أعماله واضحة من دون غشاء و لا غطاء، فما أصبح إلّا و أوقع بالحسين سبط الرسول و ريحانته و سيّد شباب أهل الجنّة، و برهطه صفوة الناس في الصلاح و الفضيلة، و ما أمسى إلّا و تحكّم ما يشاء في دار الهجرة و بقايا الصحابة، من دون أن يحول عن العبث بها دين أو مروّة أو عفاف، و ما عتم إلّا و هو محاصر للبيت ترميه حجارته و تفتك بأهليه و رمايته.

و أيّ رهط أذب عن الاسلام و أحمى لحوزته من الحسين و أهله؟ و أيّ بلد

____________

(1) معاني الأخبار: 204 و سنن ابن ماجه: 8 ح 3950.

(2) شرح النّهج: 1/ 463، و مروج الذهب: 1/ 341 فيما يرويانه عن المغيرة بن شعبة في تكفيره لمعاوية و هو المغيرة فكيف إذن معاوية، ويل لمن كفره النمرود.

19

أظهر في اتباع الاسلام من الحرمين يوم ذاك؟ و هل أبقى ابن ميسون شيئا من مقدوره في مبارزة الاسلام لم يصنعه، و محاربة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عترته و صحابته لم يفعله؟! و لو أردنا استقصاء أعمال أميّة التي حاربت بها الشريعة و صاحبها الأمين لكثر عليك العدّ، و خرجنا عن القصد، أجل لا ضير لو أوردنا نتفا أشار إليها المقريزي صاحب الخطط في رسالته «النزاع و التخاصم» و الجاحظ في رسالته التي ضربها مثلا للمفاخرة بين بني أميّة و بني هاشم، فكان مما أورداه:

إنّ بني أميّة كانوا يختمون أعناق الصحابة، و ينقشون أكفّ المسلمين علامة استعبادهم، و جعلوا الرسول دون الخليفة، و وطئوا المسلمات في دار الاسلام بالسباء، و أخّروا الصلاة تشاغلا بالخطبة، و كانوا يأكلون و يشربون على منبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و يبيعون الرجل في الدين يلزمه‏ (1).

و هذا بعض ما ذكراه من المنكر منهم و مخالفتهم للشريعة، و هل يا ترى خفي عليهم الدين و حدوده، و أنظمته و قيوده، و كفى من تلك الحرب الشعواء التي أقاموها لمنازلة الشريعة الأحمديّة زيادة على ما سبق أنهم اعتبروا الرسالة ملكا تلعب به هاشم، و جعلوا الكتاب غرضا للنبال، و جاهدوا أن يحوّلوا الحجّ إلى بيت المقدس ثمّ إلى المسجد الذي بنوه بدمشق، و رميهم من على المجانق البيت الحرام.

و لا تسل عمّا لقيته العترة الطاهرة الأحمديّة منهم، فمن صليب الكناسة و صليب الجوزجان زيد و ابنه يحيى إلى قتيل بالسمّ كالحسن و السجّاد و الباقر (عليهم السلام) و أبي هاشم بن الحنفيّة و إبراهيم بن محمّد أخ السفّاح،

____________

(1) شرح النهج: 3/ 469، 470.

20

و نظائرهم. هذا سوى المشرّدين في الآفاق، و المغيّبين في قعر السجون.

و كان خيرة القوم في سيرته عمر بن عبد العزيز، فانّه عرف ما عليه الناس من بغضهم لأهله، فحاول أنّ يغيّر الرأي فيهم، و القول عنهم. (1)

و لا غرابة لو رضي الناس بحكومة هؤلاء القوم، لأن الناس إلى أمثالهم أميل و بأشباههم أرغب.

إنّ الدين يتطلّب من الناس التقوى سرّا و إعلانا، و السيرة العادلة فى القريب و البعيد، كما يتطلّب الانتهاء عن الفحشاء ما ظهر منها و ما بطن، و الكفّ عن الاعتداء في الرضى و الغضب، و ما أبعد الناس عمّا يتطلّبه منهم الدين، و أين من تقوده نفسه- و النفس أمّارة بالسوء- إلى اتباع الشريعة و إن ضيّقت عليه سبل الشهوات و حرّمت عليه الظلم و الاعتداء.

و لو أراد الناس الهدى لما خفي عليهم الرعاة أرباب العدل و الحقّ و الايمان و الصدق، و لما ارتضى منهم أولئك الرعاة غير هذه الخلال الكريمة، و إنّ الناس لتبتعد عن هذه الفضائل العلويّة ابتعاد الوحش من الملائك، و الحصباء من نجوم السماء.

و لو سبرت أحوال الناس لأيقنت بصدق تلك الكلمة النبويّة الخالدة:

«كيفما تكونون يولّى عليكم» (2)، و هل يرتضي ذو العلم أن يحكمه الجاهل، و العادل أن يقوده الفاسق.

____________

(1) و لقد استوفى القاضي أبو حنيفة النعمان المصري في كتابه (المناقب و المثالب) ما للهاشميّين من المناقب و للامويّين من المثالب، و لو قرأت هذا الكتاب لعرفت ما كان عليه بنو أميّة من شنيع الأعمال و لو أردنا الاستقصاء لذكرنا أضعاف ما أوردناه و بما ذكرناه يحصل المطلوب، و الكتاب المذكور ما زال مخطوطا لم يطبع و رأيت منه نسخة في بعض مكتبات النجف.

(2) مسند أحمد بن حنبل: 4/ 437.

21

و لو لم يجد رعاة الجهل و الجور و الفجور أعضادا من أمثالهم و سكوتا عن أعمالهم، لم تطمع نفوسهم بالانقياد إلى الهوى، و الاسترسال مع الشهوات، و لم تطمح إلى الغضّ من كرامة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و منابذة رسالته و محاربة عترته.

إنّ درس نفسيّات اولئك الأقوام و سبر أعمالهم تجسّم لك الغدر و الخيانة و التحزّب للضلال على الهدى، و للباطل على الحقّ، حتى لتكاد أن تعجب كيف لم يندرس الحق، و تنطمس أعلام الهداية إلى اليوم، ما دام أنصار الحقّ في كلّ عصر و مصر قليلين جدّا «و قليل من عبادي الشكور». (1)

و أين تغيب عن هذه الحقيقة، و نظرة واحدة في عصرنا الحاضر تريك كيف تتمثل المنافسة بين الباطل و الحقّ، و تغلّب الأول بأنصاره على الثاني و أعوانه، و ليس الغريب ذلك إنّما الغريب أن يتّفق انتصار أرباب الحقّ في بعض الأعصار و ينخذل الباطل، و لو انتصر أبو الحسن و الحسن على معاوية، و الحسين على يزيد لكان بدعا في الزمن دون العكس في الحال، و ما كان انتصار الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بعد تلك الحروب الدامية إلّا إقامة للحجّة، «ليحيى من حيّ عن بيّنة، و يهلك من هلك عن بيّنة» (2) و لو غلب الكفر على الاسلام لم يتمّ نوره، و لا قامت حجّته.

إنّ الرسول الأمين جاء للناس بكلّ فضيلة و سعادة و خلق كريم و قد وقفوا دون أداء رسالته، و تنفيذ دعوته، و ما رسالته إلّا لخيرهم، و ما دعوته إلّا لسعادتهم، و لأيّ شي‏ء أبت نفوسهم عن الاستسلام لتلك الفضائل غير مخالفتهم لها في السيرة و السريرة دأب البشر في كلّ عصر، و هل خضع الناس لقبول تلك‏

____________

(1) سبأ: 13.

(2) الأنفال: 42.

22

السعادة إلّا بعد أن علا رءوسهم بالسيف، و ضرب خراطيمهم بالسوط، و ما أسرع ما انقلبوا على الاعقاب بعد انتقاله إلى حظيرة القدس ناكصين عن سنن الطريق، حين وجدوا مناصا للعدول «و ما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئا» (1).

بيد أن الأمويّة مخّضت عن أفذاذ ثبت الايمان في قلوبهم، و نهضوا مع الحقّ حربا للباطل، و لا عجب فإنه تعالى: «يخرج الحيّ من الميت» (2) و لا شكّ أن اللعن لا يعمّهم، و الكتاب الكريم يقول: «لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم» (3) «و لا تزر وازرة وزر اخرى» (4) «من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها» (5) «ما على المحسنين من سبيل» (6).

***

____________

(1) آل عمران: 144.

(2) الأنعام: 95.

(3) المائدة: 105.

(4) الأنعام: 164.

(5) فصّلت: 46.

(6) التوبة: 91.

23

بنو العبّاس‏

ساد ظلم الأمويّين الناس عامّة، و ما اختصّ بالأبرار، و لا بعترة المختار (صلّى اللّه عليه و آله) فمقتهم آخر الأمر أهل السوء كما أبغضهم أهل الصلاح، فقام الباكيان باك يبكي على دينه و باك يبكي على دنياه، و صار الناس تتطلّب المهرب من جورهم، و تريد الخلاص من حكمهم، كانت أميّة تهدّد بلاد الاسلام كافّة بأهل الشام، لأن الشام جندهم الطيّع الذي لا يحيد عن رأيهم، و لا يتخلّف عن أمرهم، و بأهل الشام و اجتماعهم ملك معاوية مصر و العراق و الحجاز، مع ما في الحجاز و العراق من رجال الرأي و الشجاعة الذين كان افتراقهم مطمعا للشام باجتماعهم، و ما ساق ابن زياد الكوفة على ابن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بغير الوعيد بأجناد دمشق و الوعد بالمال، و ما تغلّب عبد الملك على العراقين و الحرمين و استلبها من آل الزبير إلّا بتلك الأجناد، كانت الشام لا تعرف غير أميّة للملك بل للخلافة، بل لكلّ دعوة و طاعة و ما زالت أميّة مهيمنة على البلاد الوسيعة.

حتى إذا اختلف بنو أميّة بينهم و صار بعضهم يقتل بعضا اختلف أهل الشام باختلافهم، و افترقت كلمتهم لافتراق القادة الذين ضلّلوهم و أضلّوا بهم.

و لمّا اختلفت كلمة الأمويّين اشرأبّت الأعناق لسلطانهم، و طمعت‏

24

النفوس في بلادهم، و لكن من الذي يجهر بتلك الأماني و الرعب من الشام آخذ بالقلوب، و كيف ينسى الناس تلك القسوة و السطوة و جندهم أهل الشام و لم يطل العهد على حادثة الطف التي أظهر فيها الأمويّون فنون الارهاب و ضروب اللؤم و الانتقام، و لا على واقعة الحرّة التي أبانوا فيها غرائب الخسّة و الدعارة و الهتك للحرمات و المحارم و السفك للدماء البريئة، و لا على حصار البيت من يزيد مرّة، و من عبد الملك أخرى حتى رمته المجانيق و أضرموا فيه النار فهدموه، و لا على قتل زيد و صلبه و إحراقه، و قتل يحيى و صلبه، و الحوادث المثيرة التي أنزلوها بالناس، من دون أن يجدوا حرمة لحريم و لا رادعا عن محرم، فكأن النفوس و النفائس و الأعراض و العروض لم تكن إلّا طعمة لهم، و منفذا لشهواتهم، فكيف و الحال هذه يجهر ابن حرّة بعداء بني أميّة، أو يتظاهر بالكيد لدولتهم.

نعم لم تأمل الناس من أحد أن ينتزع منهم التيجان، و يسلبهم السلطان غير بني هاشم، لأنهم أرباب ذلك العرش، سواء كانت الخلافة بالنصّ أو القربى أو الفضيلة فصارت الناس تستنهضهم سرّا، و تحثهم على الوثبة همسا.

غير أن في الهاشميّين رجالا كثيرة تصلح للرئاسة، و تقوى على التدبير و السياسة، أ فيثب بهم ربّ الخلافة و ربيب الامامة أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)، أم عبد اللّه بن الحسن فاضل بني الحسن و شيخهم أم ابنه محمّد من جمع من المكارم كلّ خلّة، أم أخوه ابراهيم أبي الضيم، أم ابراهيم بن محمّد العبّاسي، أم أخواه السفّاح و المنصور، أرباب الهمم و الشمم، أم عبد اللّه بن معاوية الجعفري الذي أهّلته المفاخر و المكارم لذلك المقام، أم سواهم و هم عدّة كاملة، لو رشّح نفسه كلّ فرد منهم لتلك الزعامة لزانها بجميل خصاله.

25

بيد أن الصادق (عليه السلام) لو تقدم لها لم يسبقه إليها أحد، لفضله و كثرة شيعته، و لكنه كان يدافع من يستحثّه، و لا يجيب من يستنهضه.

و لمّا لم يجدوا عنده أملا للنهوض عدلوا عنه إلى غيره، فتارة يبايعون محمّدا و في طليعتهم أبوه و أخوه و ينو الحسن و بنو العبّاس، و أخرى يدعو أبو مسلم في خراسان للعبّاسيّين و أبو سلمة الخلّال بالكوفة للرضا من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و طورا يثب ابن جعفر في كوفان فلا يتمّ له أمر، و تارة يظهر في فارس فلا يستقيم له شأن، فيهرب إلى أبي مسلم في خراسان، فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار، لأنّ حتفه كان على يديه، و لم تمض برهة طويلة على تلك الأعاصير الهائجة، و الأجواء المضطربة، حتى استقرّ الأمر في بني العبّاس.

تلك الأقدار هي التي طوحت بالأمر حتى جعلته في أحضان السفّاح و المنصور، و إلّا فمن الذي كان يحتسب أن الأخوين اللذين كانا يتنقّلان فى الأحياء يرويان للناس فضائل أبي الحسن ذريعة للاستعطاف و الاستجداء و اللذين بايعا ابن الحسن يوم اجتماعهم بالأبواء من دون تلكّؤ و أمل بالملك و اللذين كانا تحت راية ابن جعفر و في جنده يوم ظهر في فارس ينيلهما من وفره، هما اللذين يتواليان على دسّت الحكم، و يكونان السالبين لعروش أميّة، و من الذي كان يخال أن ابن جعفر فارس الوثبة يكون قتيل داعيتهما أبي مسلم، و ما هما إلّا بعض جنده، و من الذي كان يظنّ أن ابن الحسن الذي أمّل نفسه و أمّلته الناس بالخلافة و بايعته على الموت يصبح و أخوه إبراهيم صريعين بسيف المنصور.

شاءت الأقدار- و من يغلب القدر- أن يثب على كرسيّ الحكم بنو العبّاس، و تصبح الدولة الامويّة أثرا بعد عين، و خبرا بعد حسّ، فلا أسف على من فات، و لا فرح بالآت، تذهب أمة فاجرة و تأتي دولة جائرة.

26

ارتقى السفّاح منصّة الحكم فضحكت له الدنيا بعد تقطيب و أقبلت عليه بعد إدبار، و لكن هل يسلم المرء- و إن أقبلت عليه الدنيا بأسرها- من نوازل الهم؟ أصبح ابن عبّاس بين همّين همّ تطهير البلاد من الأمويّين لتخلص له الأمّة، و همّ المنافسة على العرش من بني علي، العرش الذي لم ترسخ أسسه بعد، و لم تثبت قوائمه، و ما أسرع ما يميد إذا عصفت أعاصير الوثبات عليه، و لم يسترح بعد من همّه الأوّل حتى أقلقه الثاني، و كيف يأمن من العلويّين، و أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) إمام مفترض الطاعة عند شطر من هذه الامّة، و عند كثير من أجنادهم الذين قلبوا بهم عروش بني مروان، و هل قتلوا أبا سلمة الخلّال إلّا لأنهم أحسّوا منه أنه يريدها لبني علي، و أن البيعة للسفّاح كانت بالغلبة عليه و إعجاله عليها.

و كيف يأمن ألّا ينافسه العلويّون و محمّد بن الحسن كانت له البيعة يوم الأبواء، و هو الذي صفّق السفّاح و المنصور بيديهما على يده، و هو الذي كان المؤهّل للعرش الذي وثبوا عليه، و ما زالت تلك الأماني تخالج نفسه و لأيّ شي‏ء اختفى يوم ظهر السفّاح؟ أ ليس الليث قد يربض للوثبة؟

حاول ابن عبّاس أن يستريح من هذا الهمّ فأرسل خلف الصادق (عليه السلام) إلى الحيرة ليوقع به و إن لم يظهر ما يتخوّفه على سلطانهم، فلما وصلها ضيّق عليه، و لكن لمّا لم يجد عنده هاتيك المخاوف سرّحه إلى المدينة راجعا و الهواجس تساوره.

ثمّ صار يتطلّب ابني عبد اللّه بن الحسن، و هما مختفيان خوفا من بطشه و كلّما جدّ في العثور عليهما جدّا في الاختفاء.

انقضى دور السفّاح القصير و الصادق (عليه السلام) وادع في المدينة و ابنا الحسن خلف ستور الخفاء، و ما جاءت أيام المنصور إلّا و اشتدّ على العلويّين،

27

فما ترك الصادق يقرّ في دار الهجرة بل صار يجلبه إليه مرّة بعد أخرى و يلاقيه بالاساءة عند كلّ جيئة، و يهمّ بقتله في كل مرّة، و ما زال معه على هذه الحال إلى أن قضى عليه بالسمّ.

و أما محمّد و إبراهيم فكان يفحص عنهما بكلّ ما أوتي من حول و حيلة فكان يعلن بالأمان لهما مرّة، و يشتدّ على أبيهما و بني الحسن اخرى، فلم تنفعه هذه الوسائل للوصول إليهما، و العثور عليهما، ثم حمل بني الحسن إلى العراق، و استودعهم غياهب السجون، حتى قضى أكثرهم بأشنع قتلة و ما فتئ أن فوجئ بوثبة محمّد بالمدينة و البصرة، و هذا ما كان يرقبه و يتذرّع بالوسائل لصدّه، و يتخوّف عقباه، غير أن القضاء غالب.

ملك بنو العبّاس فظهر مكرهم و غدرهم، بايعوا ابن الحسن ثمّ جدّوا في طلبه و طلب أخيه للقضاء عليهما، حاول ابن عبّاس أن يضعا يديهما بيده استسلاما، و كيف يستسلمان و في النفوس إباء و عزّة و آمال تؤيّدها الناس في طلب الوثبة، و إن خمدت فيهما تلك الروح الوثّابة استفزّها الناس بالحثّ على النهضة، فما زالوا بهما حتى وثبا بعد ذاك الاختفاء الطويل.

و ما كانت تلك الغدرة من بني العبّاس ببني الحسن الوحيدة في سلطانهم، غدر المنصور بأبي مسلم باني كيان دولتهم، و قتلوا أبا سلمة الخلّال و حبسوا يعقوب بن داود، و قتلوا الفضل بن سهل، و ما سوى هؤلاء و كم همّوا بعليّ بن يقطين و جعفر بن محمّد الأشعث الوزيرين.

و غدر المنصور أيضا بعيسى بن موسى العبّاسي و عزله عن ولاية العهد و ولّى مكانه ابنه المهدي، و كانت الولاية لعيسى جعلها له المنصور بدلا عن بلائه في حرب محمّد و إبراهيم و قضائه عليهما و على نهضتها، تلك النهضة التي أقلقت المنصور و جعلته يعتقد بزوال سلطانه.

28

و غدر الرشيد بوزرائه البرامكة و بيحيى الحسني بعد الأمان، و غدر الأمين بأخيه المأمون حين عزله عن العهد، و المأمون بالرضا (عليه السلام) حين سمّه بعد بيعته بولاية عهده، إلى ما لا يحصى ممّا كان منهم من غدرة و فجرة و إن أعظم غدر منهم ما كان مع بني الحسين (عليه السلام)، كانت شيعة بني علي جند بني العبّاس في إزالة دولة بني مروان كما تقدم، و كان شعارهم الطلب بثأر القتلى من أهل البيت، و هل قتل بسيف الأمويّين غير الطالبيين؟ و هل لقى الشدّة و الضيق من الامويين غير العلويين؟ و لئن لاقى سواهم من الهاشميّين شيئا من ذلك فلا يشبه ما حلّ بآل أبى طالب.

ندب العبّاسيّون الناس لطلب الثأر بل ندبهم الناس إليه، و كانت هذه أمضى وسيلة لنيل إربهم، فما استقرّت أقدامهم في حظيرة الملك إلّا و راحوا يتتبعون آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) فكأن العترة هم الذين جنوا في تلك الحوادث القاسية يوم الطفّ، و سبوا عقائل النبوة، و أنزلوا بزيد و يحيى و غيرهما هاتيك الفظائع المؤلمة، و كأنّما القتلى و الأسرى كانت من بني العبّاس و الجناة عليهم العلويّون، و كأن لم يكن العلويّون هم الذين نهض الناس انتقاما لهم، و للأخذ بتراتهم.

ما انجلت الحوادث عن طرد الأمويّين إلّا و أهل البيت صرعى تلك الحوادث بدلا من أن ينالوا العطف من بني العبّاس لما حلّ بهم من فواجع دامية من الأمويّين، و لما ناله العبّاسيّون أنفسهم من الملك الفسيح بهم.

هكذا انجلت الغبرة بعد استلام العبّاسيّين أزمة الحكم، فما نسيت الناس حوادث أهل البيت من الأمويّين حتى كانت المقارع على رءوسهم من بني العبّاس يتبع بعضها بعضا من دون رحمة، و لا هوادة، و لا فترة، لما ذا هذا كلّه، و لما ذا كان أهل البيت دون غيرهم بيت المصائب و النوائب؟ فلنبحث عن السبب في الفصل الآتي:

29

ما جناية أهل البيت؟

هتف القرآن المجيد بآيات كثيرة في شأن أهل البيت، آمرا بمودّتهم مخبرا عن طهارتهم، حاثّا على الاعتصام بهم، حاضّا على طاعتهم، معلنا عمّا لهم من جزيل الفضل و عظيم المنزلة.

و أتبعه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) طيلة حياته كاشفا عمّا جمعه آله من الفضائل، و حبوا به من المفاخر، يوجب تارة طاعتهم و اتّباعهم، و يلزم أخرى بمودّتهم و يعطف طورا للقلوب عليهم و يستميل مرّة النفوس إليهم إلى ما سوى ذلك. (1)

و ما كان ذلك إلّا لسعادة الناس أنفسهم ليأخذوا الدين من أهله و العلم من معدنه، فكان الحقّ على الناس احترامهم، و الانقطاع إليهم و الانصراف عن غيرهم.

كان أهل البيت- أعني عليّا و الزهراء و ابنيهما و أبناء الحسين (عليهم السلام)- مثالا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) في شمائله و فضائله و خصاله و فعاله، فمن أراد علم الرسول كانوا باب مدينته، و من أراد منطقه كانوا مظهر فصاحته و بلاغته، و من أراد خلقه وجدهم أمثلة سيرته، و من أراد دينه وجدهم مصابيح شريعته،

____________

(1) ذكرنا في كتابنا «الشيعة و سلسلة عصورها» بعض ما جاء في الكتاب و السنّة في شأن أهل البيت و فضلهم و الدعوة الى ولائهم.

30

و من أراد زهده وجد فيهم منهاج طريقته، و من أراد البرّ بعترته كانوا صفوة ذرّيته، و من أراد النظر إليه كانوا جمال صورته، هكذا كان أهل البيت إن قستهم إلى صاحب البيت، و هذا بعض ما كانوا فيه مثالا لشخصيّته الكريمة (صلّى اللّه عليه و آله).

و من كانت له عند الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ترة فمنهم الأخذ بترته، أو كان له مع الاسلام عداء فهم للاسلام أقوم عدّته، أو كان له مع الدين غضاضته فإنهم للدين أوقى جنّته، أو كان له مع المعروف حرب فهم للمعروف أبناء دعوته أو كان له مع المنكر ولاء فهم أعداء خطّته.

و إن ذكر الخير كانوا أدلّاءه، أو سار الفضل كانوا لواءه، أو نشر العدل كانوا أخلّاءه، أو خاض الناس في المفاخر كانوا أبعدهم قعرا و أثمنهم درّا، أو تسابق أهل الفخر إلى المكارم كانوا أسبقهم جولة، و أبعدهم شوطا، و إن تنافسوا في الشرف كان عندهم الوقوف و الاحجام، فما من فضيلة إلّا و إليهم مآلها، و منهم انتقالها.

فاذا كان أهل البيت كما وصفنا فكيف لا يقف معهم بنو أميّة موقف العدوّ اللدود، و الخصم العنود، أ لم يكن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد قتل منهم في اللّه من قتل، فمتى يأخذون منه تراتهم، و لو أغضوا عن حماة الاسلام، و دعاة الدين لعاد النبيّ بدعوته، كأنه لم يمت و لم يمت ذكره، و لسار الاسلام و أحكامه و نظامه كما أراده الجليل تعالى و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و لو وقفوا معهم موقف المحايد لعرف الناس فضل أهل البيت و بأن للعالم حقّهم، و لما بقيت عندئذ لأميّة وسيلة لارتقاء منابر الاسلام، و ذريعة للاستيلاء على البلاد و استرقاق العباد.

ما برحت أميّة تظهر و تضمر العدل للرسول الأطهر (صلّى اللّه عليه و آله) فلا

31

بدع لو كانت مواقفهم مع آل الرسالة تلك المواقف المشهودة و لو كانوا على غير ما عرفته الأيام منهم لكان ذلك بدعا من خلائقهم و أخلاقهم.

و أما بنو العبّاس، فإنهم حين ملكوا الأمر، و عبروا الجسر إلى مآربهم، الجسر الذي أقاموه على أكتاف الشيعة، و رفعوا أعمدته من جماجم أولئك السذّج، عرفوا أن الحال إن هدأت سوف يحاسبهم الناس على الحقّ و موضعه و الخلافة و أهلها، لأنهم لم ينهضوا معهم إلّا لهدم عروش أميّة، و للأخذ بترات الدماء الزكيّة التي أريقت من غير جرم، و لبناء خلافة الرضا من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و ما قاموا و قاوموا لأن يقيموا عرشا لبني العبّاس دون بني علي فارتأى العبّاسيّون أن يفتكوا بالرجال الذين عبّدوا لهم السبل، و وطّدوا لهم الطريق لاعتلاء أسرّة الحكم، كأبي سلمة الخلّال و غيره، حذرا من ذلك الحساب و رأوا أن يضيّقوا على أبناء علي، و يضعوا عليهم العيون و الرصد، خوفا من تلك النزعات التي تخالج نفوسهم أو يحملهم عليها الناس، و رأوا أن يكمّوا أفواه الشيعة بالإرهاب خشية من ذلك السؤال و الحساب.

فما كانت جناية أبناء عليّ لديهم إلّا أنّهم أهل الحقّ و المقام، و أهل البيعة و الخلافة، بالقرابة أو بالنصّ أو بالفضيلة.

و لم يكن شي‏ء يدعوهم لإنزال الضربات بالعلويّين سوى أن العلويّين أجدر بالخلافة التي غلب عليها العبّاسيّون، و أن العبّاسيّين لا يأمنون من و ثباتهم ما برح لأبناء عليّ مكانة سامية بين الناس، و ما برح فيهم قروم تطمح إليهم الأنظار و تهوى إليهم القلوب، فاتخذ العبّاسيّون الغضّ من كرامة آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الفتك باولئك القروم ذريعة لميل النفوس و انكفاء الأهواء عنهم، و لو حذرا من الفتك و البطش، كما كان دأبهم الإرغام لمعاطس شيعة أهل البيت و التنكيل بهم، لئلّا تكون لهم قوّة و شوكة يستعين بها أهل البيت على النهضة.

32

و الفرق بين الأمويّين و العبّاسيّين هو أن الذي دعا الأمويّين لحرب الهاشميّين شيئان: الانتقام من الرسول، و التسلّق للزعامة، و الذي دعا العبّاسيّين: نيل العروش و الذبّ عنها فقط، دون أن يكون منهم حرب مع النبيّ و شريعته بقصد، و إن كان حربهم لعلماء الشريعة حربا للشريعة و للصّادع بها.

و لو ألقيت نظرة مستعجلة على ما لقيه أهل البيت من أجل تقمّصهم بالفضائل لعرفت كيف تحارب الدنيا الدين، و كيف انطبع الناس على حبّ الدنيا و حلفائها، و على عداء الدين و حلفائه، و لأبصرت أن بني العبّاس جروا في مضمار بني أميّة، و إن سبقوهم شوطا بعيدا في حرب أهل البيت.

قتل بنو أميّة الحسين بن علي (عليهما السلام) في الطفّ و معه صفوة زاكية من أهل بيته، و نخبة صالحة من أصحابه، حين وثب منكرا عليهم تلاعبهم بالدين حسب الأهواء، و قتل بنو العبّاس الحسين بن علي بفخّ و معه غرانيق من العلويّين عزّ على وجه الأرض نظيرهم، حين نهض منكرا عليهم ما ارتكبوه من الأعمال التي أغضبوا بها الدين و أهله.

سمّ بنو أميّة من الأئمة ثلاثة: الحسن و السجّاد و الباقر (عليهم السلام)، و سمّ بنو العبّاس منهم ستة: الصادق و الكاظم و الرضا و الجواد و الهادي و العسكري (عليهم السلام).

أرسل هشام بن عبد الملك على الباقر و الصادق (عليهما السلام) إلى الشام لينال منهما سوء فحين حلّا بالشام لم يجد بدّا من إكرامهما و تسريحهما إلى المدينة حذرا من أن يفتتن بهما الناس، و أمّا بنو العبّاس فلم يتركوا إماما يقرّ في بيته، أرسل السفّاح خلف الصادق، و أرسل المنصور أيضا خلفه مرّات عديدة، و أرسل الرشيد خلف الكاظم و حبسه ثمّ أطلقه، و لم يطل العهد حتّى أرسل عليه مرّة أخرى، فما خرج من الحبس إلّا و هو قتيل السمّ، و لا تسل عمّا ارتكبه معه حين‏

33

إخراجه من السجن و النداء عليه على الجسر، و أرسل المأمون خلف الرضا إلى طوس، فما عاد إلى أهله بل عاجله بالسمّ و هو في خراسان، و أرسل خلف الجواد ثمّ سرّحه من دون أن يأتي إليه بسوء، و ما قبض المعتصم زمام الأمر إلّا و أرسل خلف أبي جعفر الجواد (عليه السلام) و حبسه، و ما أطلقه من السجن حتّى دبّر الحيلة في قتله بالسمّ، و أرسل المتوكّل خلف أبي الحسن الهادي (عليه السلام) و جدّ في النيل من كرامته إلى أن هلك، و ما زال يلاقي من ملوك العبّاسيّين ضروب الأذى و التضييق، يسجن مرّة و يطلق أخرى إلى أن سقاه المعتز السمّ، و بقى ولده أبو محمّد الحسن (عليه السلام) في سامراء، لا يأذنون له بالإياب إلى المدينة، و لا يتركونه قارّا في بيته، بل يحبسونه مرّة و يطلقونه أخرى، إلى أن قضي بسمّ المعتمد، و صار يفحص عن ابنه أبي القاسم حين علم أن له ولدا ابن خمس يريد أن يقبضه ليقضي عليه، فتغيّب هاربا من جورهم و فتكهم حتى اليوم.

أباد الامويّون جماعة من العلويّين بالسمّ و الحبس و القتل و الصلب أمثال زيد و يحيى و فئة أخرى يوم الحرّة، و عبد اللّه أبي هاشم بن محمّد بن الحنفيّة على قول و غيرهم، و أين هؤلاء من تلك العدّة التي أبادها العبّاسيّون و كفى منهم قتلى فخ و العصابة التي قضوا في قعر السجون، و ما ارتقى العرش عبّاسي إلّا و قتل جماعة من العلويّين.

هرب من جور الامويّين أمثال يحيى و عبد اللّه الجعفري و عدّة أخرى و لكن أنّى تقاس كثرة بالذين هربوا و اختفوا خوفا من العبّاسيّين، و أين أنت عن القاسم و أحمد ابني الامام الكاظم (عليه السلام) و عيسى بن زيد و غيرهم، بل لم ينتشر العلويّون فى الأقطار النائية كالهند و ايران إلّا هربا من بني العبّاس و حذرا من بطشهم، و كان الكثير منهم يخفي نسبه حذرا من ولاتهم.

34

و لئن غدر الامويّون ببعض العلويّين و العبّاسيّين فقتلوهم سمّا فلا تسل عمّن غدر به العبّاسيّون من العلويّين، و لو تصفّحت «مقاتل الطالبيّين» لعرفت ما ارتكبه منهم بنو العبّاس.

و لئن أحرق الامويّون بيوت أبناء الرسالة يوم الطف، فلقد أحرق العبّاسيّون دار الصادق عليه و على عياله، حتّى خرج الصادق إليها فأطفأها و قد سرت في الدهليز.

و لئن سلب الأمويّون بنات الرسالة يوم الطف، فلقد أرسل الرشيد قائده الجلودي إلى المدينة ليسلب ما على الطالبيّات من حليّ و حلل، فكان الجلودي أقسى من الجلمد في إمضاء ما أراده فلم يترك لعلويّة و لا طالبيّة حلّة و لا حلية.

و سيّر هشام بعد حادثة زيد كلّ علوي من العراق إلى المدينة و أقام لهم الكفلاء ألّا يخرجوا منها، و سيّر موسى الهادي بعد حدثة فخ كلّ علوي من المدينة إلى بغداد حتى الأطفال فأدخلوا عليه و قد علتهم الصفرة ممّا شاهدوه من الرعب و التعب و الأحداث.

و هكذا لو أردنا أن نقايس بين أعمال الدولتين، فلا نجد للامويّين حدثا في الإساءة لأهل البيت إلّا و للعبّاسيّين مثله مضاعفا، فكأنما اتخذوا تلك الخطّة مثالا لهم يسيرون عليها، و زاد العبّاسيّون أن اختصّوا بأشياء من فوادحهم مع العلويّين لم يكن للامويّين مثلها، كجعلهم العلويّين بالأبنية و الاسطوانات حتّى جعل المنصور أساس بغداد عليهم، و لا تنسل عمّن وضعه الرشيد في تلك المباني من الفتية العلوية البهاليل.

و قطع الرشيد شجرة عند قبر الحسين (عليه السلام) كان يستظلّ بها زائروه، و هدم المتوكّل قبره و ما حوله من الأبنية و البيوت، و حرث أرض كربلاء و زرعها ليخفي القبر و تنطمس آثاره، حتّى قيل في ذلك:

35

تالله إن كانت أميّة قد أتت* * * قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتته بنو أبيه بمثله* * * فغدا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على ألّا يكونوا شاركوا--في قتله فتتبعوه رميما

و لقد كانت أيام بني أميّة ألف شهر و قد قتلوا فيها الأماثل من العلويّين و لو حسبت من بدء أيام بني العبّاس إلى ألف شهر لوجدت إن العبّاسيّين قد قتلوا من العلويين أضعاف ما قتله الأمويّون، و ما قتلوهم إلّا و هم عالمون بما لهم من فضل و قربى، و هذا موسى بن عيسى الذي حارب أهل فخ يقول عن الحسين صاحب فخ و أصحابه: هم و اللّه أكرم خلق اللّه و أحقّ بما في أيدينا منّا و لكنّ الملك عقيم، لو أنّ صاحب هذا القبر- يعني النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- نازعنا الملك ضربنا خيشومه بالسيف. (1)

على أن هذا الآثم الجري‏ء اعترف بذنبه، و لكنه لم يذكر الحقيقة كلّها لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الصفوة من آله لم يطلبوا الملك للملك، و إنّما يطلبونه للدين و للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لإزالة البدع و الضلالات و لو طلبوا الملك للملك لما رشقنا الامويّين و العبّاسيّين بنبال اللوم على ما جنوه مع الطالبيّين، و هل يلام الظافر بقرينه إذا تجالدا على السلطان.

أ ترى أن الحسين في نهضته، و زيدا في وثبته، و يحيى في جهاده، و الحسين بفخّ في دفاعه، و أمثالهم من الطالبيّين أهل الدين و البصائر، كانوا يضحّون بالنفس و النفائس لأجل السلطان، و كيف يتطلّبون الدنيا محضا و هم دعاة الدين، و أدلّاء الهدى، و مصابيح الرشاد، و كيف يتطلّبون الملك و هم يعلمون أن ما لديهم من قوّة لا يفوز بها الناهض بالظفر و النصر، نعم ضحّوا بتلك النفوس‏

____________

(1) مقاتل الطالبيّين في مقتل الحسين بن علي صاحب فخ.

36

الثمينة و النفائس لما عرفوه من أن الدين أنفس من نفوسهم، و من استغلى الثمن هان عليه البيع، و هل عرف الناس الحقّ صراحا، و الدين يقينا، إلّا بعد تلك القرابين، و هل ظهر الحقّ على الباطل في الحجّة و البرهان إلّا بعد ذلك الفداء.

كانت واقعة الطفّ و تضحيات العلويّين مثالا لأرباب الدين و تعليما لرجال الحقّ عند المنافسة بين الهدى و الضلال، و الحقّ و الباطل، و لم تدع عذرا لدعاة الدين عن الفداء في سبيل النصرة، فإنهم بأعمالهم علّموهم كيف يكون الانتصار في هذه التضحية، و كيف تكون الحياة في هذا الممات، و إنّ تلك التجارب للجام الأفواه عن العذر بالعجز، إذ ليس النصر لفوز العاجل و إلّا فإن يوم الحسين و أيام العلويّين كانت أيام الظفر لأعدائهم، و لكن ما عرف النّاس إلّا بعد حين أن الظفر و الفوز كانا لأولئك العلويين الناهضين الذين بذلوا ما لديهم في سبيل الدين، و أن الخسران في الدنيا و الدين لأعدائهم الظافرين في يومهم.

و بتلك الحوادث بانّ للعالم ما كان عليه أهل البيت من الدين و الجهاد في إحياء الشريعة، و ما كان عليه أعداؤهم من الدنيا و الحرب للدين، و اتضحت نوايا الفريقين، و بانت أقصى غاياتهم من أعمالهم هاتيك، و إلّا فأيّ ذنب للطفل الرضيع و قد جفّ لبنه و ذبلت شفتاه عطشا أن يقتل على صدر أبيه، حتّى يتركه السهم يرفرف كالطير المذبوح.

و أيّ ذنب للأطفال الذين لم يحملوا السلاح، و لم يلجوا حومة الحرب أن يذبحوا صبرا، أو يداسوا بالخيل قسرا.

و أيّ ذنب للنساء عقائل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أن تسبى على الهزل بعد السلب و السبّ الضرب، و لما ذا تحمل من بلد لآخر كما تساق الإماء.

و لو أن الحسين و رهطه قد حاربوا طلبا للسلطان لما استحقّ بعد القتل أن‏

37

يداس جسمه و يرفع على القناة رأسه، و تسبى على المهازيل أهله، أ ترى أن قطع الرءوس، و رضّ الصدور و الظهور بسنابك الخيل، و سلب الجثث و تركها عارية، و إبقاءها بالعراء بلا دفن، و أخذ النساء أسارى ممّا يجازى به القتيل الناهض للملك و السلطان.

إنّ الذي يذر الملح على الجرح، و ينكأ القرحة، و يزيد في النكبة أن القوم لم يفعلوا بالحسين و أهله تلك الفعلة النكراء الفظيعة عن جهل بمقامه، و اعتقاد بخروجه عن الدين، بل إنهم ليعلمون أنه صاحب الدين، و ربّ الخلافة و الامامة، و سيّد شباب أهل الجنّة، و ريحانة الرسول، بل يعلمون بكل ما له من سابقة و فضل.

و هكذا لو فتّشت عن الأمر في غير الحسين (عليه السلام) فإنك لتجد الحال في زيد و يحيى و أهل فخ، و ما سواهم من أمثال أهل البيت الذين كانوا طعمة للسيوف، و منتجعا للسمّ، و وقفا على الحبوس، كالحال في الحسين في المعرفة بهم و العمد على ظلمهم.

فلا بدع إذن لو وضح للعالم من تلك المواقف المشهودة، و المشاهد المعلومة، أن الحرب بين أهل البيت و بين أعدائهم من نوع حرب الفضيلة و الرذيلة، و أن الذين يريدون العروش لا يستطيعون نيلها إلّا بمحاربة أهل البيت و محوهم من صفحة الوجود، لأنهم يعتقدون أنهم لا يصلون إلى الغاية و لأهل البيت شبح قائم، و ظلّ يتفيّؤه الناس، فما كانت جناية أهل البيت إذن لدى الناس إلّا أنهم أهل الدين، و أرباب الفضائل، فلا ترتقي الناس أرائك الخلافة و أهل البيت أكفاؤها الذين خلقت لهم و خلقوا لها تعرفهم الأمّة قياما بين أبناء الاسلام.

***

38

المذاهب و النحل‏

كانت أيام أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) أيام نحل و مذاهب، و آراء و أهواء، و كلام و بحث، و بدع و أضاليل، و شبه و شكوك، و نحن الآن نذكر أصول تلك الفرق و المذاهب موجزا، جريا على السنن الذي درجنا فيه، لأن التبسّط في البحث يخرجنا عن خطّة الكتاب، و في كتب الملل و النحل المعدّة لهذا الشأن بعض الاغناء.

اصول الفرق الإسلاميّة:

إنّ الأمّة الاسلاميّة قد افترقت ثلاث و سبعين فرقة كما أنبأ عن ذلك نبيّنا الصادق الأمين (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: ستفترق أمّتي على ثلاث و سبعين فرقة (1)، و تلك من أعلام نبوّته و ما أكثرها.

و الذي نريد أن نبحث عنه في هذا الفصل هو ما كان من الفرق في عصر الصادق بارزا يعرف، و نخصّ البحث في الأصول التي ترجع إليها الفرق المتشعّبة، و قد نشير إلى بعض تلك الشعب بعد ذكر الأصل، و ذلك أقرب للقصد، و أمسّ بالخطّة.

____________

(1) سنن ابن ماجة: 2/ 1321.

39

إن جميع أصول الفرق الاسلاميّة، التي إليها المرجع و المآل أربعة: المرجئة، المعتزلة، الشيعة، الخوارج‏ (1) فإن كلّ فرقة تنتمي إلى أحد هذه الأصول، و أما الغلاة و إن رمتهم الفرق الأخرى بالكفر إلّا أنهم أيضا من شعب هذه الأصول- و لو بزعمهم- فالكلام في هذه الأصول الأربعة عنوان البحث.

1- المرجئة:

يمكننا أن نقول: إن المرجئة اليوم يقصد منها الأشاعرة فحسب، و هم عامّة أهل السنّة في الاعتقاد في هذه الآونة، إذ لم يبق على مذهب أهل الاعتزال في هذه الأزمنة أحد معروف.

كانت المرجئة قبل الأشعري فرقا متكثّرة، و كلّها قسم من أهل السنّة المقابل للشيعة و الخوارج، غير أنه لمّا حدث مذهب الأشعري في الاعتقاد أصبح عنوان المرجئة عنوانا آخر لأهل السنّة، أو للمذهب الأشعري بوجه عامّ، قال الشهرستاني في الملل و النحل‏ (2): «و قيل الارجاء تأخير علي (عليه السلام) عن الدرجة الأولى إلى الرابعة» انتهى. و هذا كما ترى هو ما عليه أهل السنّة أجمع.

و ليس من قصدنا أن نبحث عن جهة اجتماع هذه العناوين في المذهب الأشعري أو افتراقها عنه، و إنما القصد الأوّلي أن نعرف ما كان عليه المرجئة في ذلك اليوم، و ليس من شكّ بأن المرجئة في ذلك العهد كانت فرقا و مذاهب يجمعها قولهم بالاكتفاء في الايمان بالقول و إن لم يكن عمل، حتّى لو ارتكب مدّعي الايمان من الجرائم و المآثم كلّ موبقة لما أخرجه ذلك عندهم عن ربقة

____________

(1) فرق الشيعة لابي محمّد الحسن النوبختي: 17، و ذكر ابن حزم في الفصل: 2/ 88 أنها خمسة بجعل أهل السنّة فرقة في قبال المرجئة و المعتزلة.

(2) المطبوع في هامش الفصل: 1/ 145.

40

الايمان، بل كان على ايمان جبرئيل و ميكائيل، و رجوا لهؤلاء مرتكبي الكبائر المغفرة، و لعلّه من هنا سمّوا المرجئة أو من جهة أنّ اللّه تعالى أرجأ تعذيبهم، من الارجاء- التأخير- أو لتأخيرهم عليّا (عليه السلام) عن الدرجة الأولى إلى الرابعة، كما ينقله الشهرستاني.

إن أقصى ما يمكن استفادته في القول الجامع لفرق المرجئة هو ما أشرنا إليه، و هو الذي تفيده كتب الفريقين، التي تذكر اجتماع الفرق و افتراق النحل.

و هل كان أبو حنيفة و نظراؤه من المرجئة الماصريّة (1) و هم مرجئة أهل العراق، و الشافعي و الثوري و مالك بن أنس و ابن أبي ليلى و شريك بن عبد اللّه و نظراؤهم من المرجئة الذين يسمّون الشكاك، أو البتريّة، و هم أهل الحشو و الجمهور العظيم المسمّون بالحشويّة؟ ذلك ما لا نستطيع البتّ به، لأن كتب الفرق اختلفت في تلك النسب، و لم تستند في تحقيق ما تقوله إلى مصدر صريح لنتعرّف صحّة الأقاويل، فإن تعصّب أولئك المؤلّفين لنحلهم و مذاهبهم يجعل النحل الأخرى هدفا لهم، و ساعد على هذه الجناية رجال السلطات الزمنيّة في تلك العصور، لأنهم إذا حاولوا ترويج فرقة أو محاربة أخرى استأجروا لهذا الغرض أقلاما و محابر، و خطباء و منابر، فمن هنا قد تضيع الحقيقة على من لا دراية له و تتبّع.

و لربما أوقعت تلك المؤلّفات كثيرا من الكتّاب في أشراك الخبط و الخلط و صفوة القول ان الاعتماد على تلك الكتب في صحّة النسب ليس بالسهل،

____________

(1) الملل و النحل في هامش الفصل: 1/ 147 في كلامه على المرجئة الغسّانية، و ص 151 في كلامه على رجال المرجئة، و قد جاء في بعض المناظرات التي جرت مع أبي حنيفة خطابهم له بقولهم: بلغنا عنكم أيها المرجئة، فلم ينكر أبو حنيفة هذه النسبة إليه، انظر في ذلك تأريخ الخطيب: 13/ 370 و ما بعدها فإنك تجد فيها تفصيل نسبته إلى الارجاء.

41

فمن ثمّ لا يصحّ لدينا من تلك الفرق التي نسبت إلى المرجئة إلّا الجهميّة أصحاب جهم بن صفوان لصراحة اعتقادهم بما ذكرناه عنهم و لإجماع المؤلّفين.

كما أنه قد رووا في لعن المرجئة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ما نحن براء من تبعته مثل قوله: لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيّا، قيل: من المرجئة يا رسول اللّه؟ قال: الذين يقولون: الايمان كلام‏ (1).

و الخلاصة: أن المرجئة كانت و لا شكّ في ذلك العهد، كما أنها كانت و هي ذات فرق، و يجمعها في الاعتقاد ما ذكرناه من كفاية القول في الايمان و إن لم يكن عمل يطابق ذلك الاعتقاد، بل حتّى لو كان العمل على نقيض ذلك القول، و لسنا في حاجة إلى الغور في تشعّباتها و خصوصيّات ما اعتقدته تلك الشعب لجواز ألّا نصيب شاكلة الهدف، و نحن في فسحة من الوقوع في أمثال هذه المزالق، نسأله تعالى العصمة من الخطأ، و الأمان من العثار.

2- المعتزلة:

لا نشكّ في أن الاعتزال وليد عصر الصادق (عليه السلام)، و في ذلك العصر نشأ و شبّ، و ذلك حين اعتزل عمرو بن عبيد و واصل بن عطاء و غيرهما حوزة الحسن البصري فنبذوهم بهذا اللقب، و ما قيل من أنه وليد عصر أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما اعتزل سعد بن أبي وقاص و ابن عمر و أسامة بن زيد حروب أمير المؤمنين فلا وجه له، لأن ذلك الاعتزال لم يكن اعتزالا مذهبيّا على أساس في الرأي أو شبهة في الدين، و ما كان إلّا انحرافا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و لذا لم يكن اسم الاعتزال معروفا في ذلك العهد، و لا سمّي هؤلاء بالمعتزلة في ذلك‏

____________

(1) الفرق بين الفرق ص 190.

42

اليوم، و لا أن المعتزلة ينتمون إلى أولئك في المذهب.

و المعتزلة افترقت فرقا كثيرة بعد أن اتفقت على الاعتزال، و ليس في يومنا الحاضر أحد معروف النسبة إليه على ما أحسب، و الذي يجمع عقيدة الاعتزال ما نقله صاحب «الفرق بين الفرق» ص 94 عن الكعبي في مقالاته:

إن المعتزلة أجمعت على أن اللّه عزّ و جل شي‏ء لا كالأشياء، و أنه خالق الأجسام و الاعراض، و أنه خلق كلّ ما خلقه من لا شي‏ء، و أن العباد يفعلون أعمالهم بالقدر التي خلقها اللّه سبحانه و تعالى فيهم، قال: و أجمعوا على أن اللّه لا يغفر لمرتكبي الكبائر بلا توبة.

هذا ما حكاه عن الكعبي في القول الجامع في الاعتقاد لفرق المعتزلة، و نكتفي به عن الكلام عمّا يعتقدون، و لسنا بصدد التمحيص لنضع هذا الكلام في ميزان النقد، و نتعرّف صحة ما صوّبه صاحب الفرق نحو هذا الزعم كما دعانا هذا لإغفال ما ينسبه إليهم ابن حزم و الشهرستاني و صاحب الفرق من الأقوال الكثيرة.

ثمّ اننا بعد هذا لا نتبسّط في البحث عن فروع ذلك الأصل، و ما يمتاز به كلّ فرع منها في الاعتقاد فيما يزيد على الجامع، فإن التبسّط خروج عن الخطّة الموسومة، مع اننا لا نأمن من العثار.

و هل القدريّة هم هؤلاء المعتزلة؟ أو هم نفس الأشاعرة؟ ذلك موضع الشكّ، لأنّا إن أردنا من القدريّة من يقول: بأن أفعال العباد مخلوقة لهم و أنها من صنعهم و تقديرهم و إنما خلق اللّه فيهم قوّة و قدرة بها يفعل العباد أعمالهم فهم المعتزلة، على ما نقل عنهم من القول الجامع السابق، و لا يكونون على هذا نفس الأشاعرة، لأن الأشاعرة على العكس من ذلك يرون أن الأفعال كلّها من صنع اللّه تعالى و تقديره دون العبد.

43

و إن أردنا من القدريّة من يقول بأن القدر خيره و شرّه من اللّه تعالى فيكونون حينئذ هم الأشاعرة يقينا.

و قد روى الشهرستاني عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قوله: القدريّة مجوس هذه الأمّة، و قوله: القدريّة خصماء اللّه في القدر. (1)

و لا ندري- إن صحّت الرواية- أين يتوجّه هذا الذمّ الصريح، و السمة الفاضحة.

3- الشيعة:

كان التشيّع على عهد صاحب الشريعة الغرّاء و سمّى بعض الصحابة بالشيعة من ذلك اليوم، أمثال سلمان و أبي ذر و المقداد و عمّار و حذيفة و خزيمة و جابر و أبي سعيد الخدري و أبي أيوب و خالد بن سعيد بن العاص و قيس بن سعد و غيرهم‏ (2).

و الشيعة لغة:- الأتباع و الأنصار و الأعوان، و أصله من المشايعة- المطاوعة و المتابعة، و لكن هذا اللفظ اختصّ بمن يوالي عليّا و أهل بيته (عليهم السلام)(3).

و أوّل من نطق بلفظ الشيعة قاصدا به من يتولّى عليّا و الأئمة من بنيه هو صاحب الشريعة سيد الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله) و قد جاءت عنه في ذلك عدّة أحاديث‏ (4).

____________

(1) انظر الملل و النحل المطبوع على هامش الفصل: 1/ 50- 51.

(2) الاستيعاب في أبي ذر، و الدرجات الرفيعة للسيد علي خان في ترجمة سلمان، و روضات الجنّات نقلا عن كتاب الزينة لأبي حاتم الرازي، و شرح النّهج: 4/ 225، و خطط الشام لمحمّد كرد علي: 5/ 251- 256.

(3) القاموس و لسان العرب و نهاية ابن الأثير و مقدّمة ابن خلدون ص 138 إلى كثير غيرها.

(4) راجع في ذلك الصواعق بعد الآية الثامنة و الآية العاشرة من الآيات الواردة في فضل‏

44

و أما فرق الشيعة فهي كثيرة، و قد أنهتها بعض كتب الملل و النحل إلى أكثر ممّا نعرفه عنها، فذكرت فرقا كثيرة، و رجالا تنسب الفرق إليهم، أمثال الهشاميّة نسبة إلى هشام بن الحكم، و الزراريّة نسبة إلى زرارة بن أعين، و الشيطانيّة نسبة إلى مؤمن الطاق محمّد بن النعمان الأحول، و اليونسيّة نسبة إلى يونس بن عبد الرحمن، إلى غيرها، و الحقّ اننا من أهل البيت و أهل البيت أدرى بما فيه لا نعرف عينا و لا أثرا لهذه الفرق، و لا للبدع التي نسبت لهؤلاء الرجال.

و إنّ من نظر في كتب الحديث و كتب الرجال للشيعة عرف أن هؤلاء من خواصّ الأئمة الذين يعتمدون عليهم و يرجعون الشيعة إليهم، و لو كان لهم آراء و مذاهب لا يرتضيها الأئمة لسخطوا عليهم و أبعدوهم عنهم، و من سبر ما جاء عنهم في الرجال الذين انتحلوا البدع لعلم أن هؤلاء برآء مما نسبوه إليهم، فإنهم برءوا من ابن سبأ و لعنوه و حذّروا من بدعه، و برءوا من المغيرة بن سعيد حين صار يكذب على الباقر (عليه السلام) و يدّعي الأباطيل، كما برى‏ء الصادق (عليه السلام) من أبي الخطّاب و جماعته، و من أبي الجارود و كما قالوا في بني فضال: خذوا ما رووا و دعوا ما رأوا، و كما برى‏ء الحجّة المغيب من جماعة خلطوا في الدين و ادّعوا أنهم أبوابه، إلى غير هؤلاء (1) و لو كان مثل هؤلاء الصفوة على مثل تلك الضلالات التي نسبت إليهم لكان نصيبهم من الأئمة نصيب غيرهم من الضالّين البراءة منهم و الذمّ و اللعن لهم.

نعم كانت للشيعة فرق قبل عصر الصادق (عليه السلام) و بعده و قد ذهبت ذهاب أمس الدابر، و لم يبق منها اليوم شي‏ء معروف إلّا ثلاث فرق:

____________

اهل البيت، و نهاية ابن الأثير في قمح، و الدرّ المنثور للسيوطي في تفسير قوله تعالى: «إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات اولئك خير البريّة» إلى نظائرها من الكتب.

(1) انظر في ذلك كلّه غيبة الشيخ الطوسي طاب ثراه.

45

1- الإماميّة: و هم القائلون بإمامة الاثنى عشر، و ولادة الثاني عشر و وجوده اليوم حيّا و يترقّبون كلّ حين ظهوره.

2- الزيديّة: و هم الذين يرون إمامة زيد و كلّ من قام بالسيف من بني فاطمة، و كان مجمعا للخصال الحميدة.

3- الاسماعيليّة: و هم الذين يجعلون الامامة بعد الصادق (عليه السلام) في ابنه إسماعيل دون موسى و بنيه (عليهم السلام).

هذا ما بقي من فرق الشيعة ظاهرا يعرف منذ عهد بعيد حتّى الزمن الحاضر، و أما ما كان منهم في الزمن الماضي، فقد بحث عنه النوبختي في كتابه «فرق الشيعة» و ليس اليوم منها فرقة معروفة عدا ما ذكرناه.

و الذي يهمّنا ذكره من بينها هو ما كان في أيام الصادق (عليه السلام) و إن لم يبق اليوم منهم نافخ ضرمة.

الكيسانيّة: (1)

فمن فرق الشيعة في عهد الصادق (عليه السلام) (الكيسانيّة) و هم الذين قالوا بإمامة محمّد بن الحنفيّة، و قد اختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الاسم، و هم ينتهون إلى فرق:

فرقة قالت بأن محمّدا، هو المهدي، و هو وصيّ أمير المؤمنين (عليه السلام) و ليس لأحد من أهل بيته مخالفته، و أن مصالحة الحسن (عليه السلام) لمعاوية كانت بإذنه، و خروج الحسين (عليه السلام) أيضا بإذنه، كما أن خروج المختار

____________

(1) اننا نستند على الكثير ممّا نذكره عن الكيسانيّة إلى كتاب فرق الشيعة، و الملل و النحل، و الفرق بين الفرق.

46

طالبا بالثأر أيضا بإذنه، و فرقة قالت بإمامته بعد أخويه الحسنين (عليهما السلام)، و إنه هو المهدي و بذلك سمّاه أبوه، و إنه لم يمت و لا يموت و لا يجوز ذلك، و لكنه غاب و لا يدري أين هو، و سيرجع و يملك الأرض، و لا إمام بعد غيبته إلى رجوعه و هم أصحاب ابن كرب و يسمّون «الكربيّة».

و فرقة قالت: بأنه مقيم بجبال رضوى بين مكّة و المدينة، و هو عندهم الإمام المنتظر.

و فرقة قالت: بأنه مات و الامام بعده ابنه عبد اللّه، و يكنّى أبا هاشم و هو أكبر ولده، و إليه أوصى أبوه، و سميّت هذه الفرقة «الهاشميّة» بأبي هاشم، و هذه الفرقة قالت فيه كما قالت الفرق الاول في أبيه، بأنه المهدي و أنه حيّ لم يمت بل غلوا فيه و قالوا إنه يحيي الموتى، و لكن لمّا توفي أبو هاشم افترقت أصحابه إلى فرق.

و كان من الكيسانيّة رجال لهم ذكر و نباهة، منهم كثير عزّة و له بذلك شعر يروى.

و كان منهم السيد إسماعيل الحميري الشهير. و له أيضا شعر يشهد بما نسبوه إليه، و لكنه عدل عن ذلك إلى القول بإمامة الصادق (عليه السلام) بعد أن ناظره الصادق و أقام الحجّة عليه، و له في العدول و الذهاب إلى إمامة الصادق شعر مذكور.

و منهم حيّان السّراج، و قد دخل يوما على الصادق (عليه السلام) فقال له أبو عبد اللّه: يا حيّان ما يقول أصحابك في محمّد بن الحنفيّة؟ قال: يقولون: إنه حيّ يرزق، فقال الصادق (عليه السلام): حدّثني أبي (عليه السلام): إنه كان فيمن عاده في مرضه و فيمن غمضه و أدخله حفرته و زوّج نساءه و قسّم ميراثه، فقال:

يا أبا عبد اللّه إنّما مثل محمّد في هذه الأمّة كمثل عيسى بن مريم شبّه أمره‏

47

للناس، فقال الصادق (عليه السلام): شبّه أمره على أوليائه أو على أعدائه؟ قال:

بل على أعدائه، فقال (عليه السلام): أ تزعم أن أبا جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) عدوّ عمّه محمّد بن الحنفيّة؟ فقال: لا، ثمّ قال الصادق (عليه السلام): يا حيّان إنكم صدفتم‏ (1) عن آيات اللّه و قد قال تبارك و تعالى «سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون» (2).

و قال بريد العجلي‏ (3): دخلت على الصادق (عليه السلام) فقال لي: لو سبقت قليلا لأدركت حيّان السرّاج، و اشار إلى موضع في البيت، فقال: كان هاهنا جالسا، فذكر محمّد بن الحنفيّة و ذكر حياته، و جعل يطريه و يقرضه، فقلت له:

يا حيّان أ ليس تزعم و يزعمون، و تروي و يروون: لم يكن في بني إسرائيل شي‏ء إلّا و هو في هذه الأمّة مثله؟ قال: بلى، فقلت: هل رأينا و رأيتم، و سمعنا و سمعتم بعالم مات. على أعين الناس، فنكحت نساؤه و قسّمت أمواله، و هو حيّ لا يموت؟ فقام و لم يردّ عليّ شيئا (4).

و الكيسانيّة من الفرق البائدة، و لا نعرف اليوم قوما ينتسبون إليها.

الزيديّة:

و من الفرق التي تنسب إلى التشيّع (الزيديّة) نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام)، لأنهم قالوا بإمامته.

____________

(1) أعرضتم.

(2) إكمال الدين للصدوق طاب ثراه ص 22، و رجال الكشي ص 203، و الآية في سورة الأنعام:

157.

(3) من أصحاب الصادق و مشاهير ثقاتهم.

(4) رجال الكشى في ترجمة حيّان ص 202.

48

و زيد (عليه السلام) ما ادّعى الامامة لنفسه بل ادّعتها الناس له، و ما دعاه للنهضة إلّا نصرة الحقّ و حرب الباطل، و زيد أجلّ شأنا من أن يطلب ما ليس له، و لو ظفر لعرف أين يضعها، و قد نسبت بعض الأحاديث ادّعاءه الإمامة لنفسه، و لكن الوجه فيها جليّ، لأن الصادق (عليه السلام) كان يخشى سطوة بني أميّة، و لا يأمن من أن ينسبوا إليه خروج زيد، و إن قيامه بأمر منه، فيؤخذ هو و أهله و شيعته بهذا الجرم، فكان يدفع ذلك الخطر بتلك النسبة، و لو كان زيد كما تذكره هذه الأحاديث لم يبكه قبل تكوينه جدّاه المصطفى و المرتضى عليهما و آلهما السّلام، و لم تبلغ بهما ذكريات ما يجري عليه مبلغا عظيما من الحزن و الكآبة، كما هو الحال في آبائه عند ما يذكرون مقتله و ما يجري عليه بعد القتل.

و كفى في إكبار نهضته و براءته مما يوصم به بكاء الصادق (عليه السلام) عليه و تقسيمه الثائرين معه بالمؤمنين، و المحاربين له بالكافرين.

و كيف يكون قد طلب الامامة لنفسه و الصادق (عليه السلام) يقول: (رحمه اللّه) أما أنه كان مؤمنا و كان عارفا و كان عالما و كان صدوقا، أما أنه لو ظفر لوفى، أما أنه لو ملك لعرف كيف يضعها (1). و يقول: و لا تقولوا خرج زيد فإن زيدا كان عالما، و كان صدوقا، و لم يدعكم إلى نفسه، إنما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(2) و لو ظفر (3) لوفى بما دعاكم إليه، و إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه‏ (4).

____________

(1) رجال الكشي في ترجمة السيّد الحميري ص 184.

(2) الرضا: كناية عن إمام الوقت من أهل البيت و إنما يكنّي عنه حذرا عليه من التصريح باسمه.

(3) ظهر: في نسخة.

(4) الوافي: عن الكافي، كتاب الحجّة، باب أن زيد بن علي مرضي: 1/ 141.

49

و يقول الرضا (عليه السلام) للمأمون: لا تقس أخي زيدا إلى زيد بن علي (عليهما السلام) فإنه كان من علماء آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) غضب للّه عزّ و جلّ فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله، إلى أن يقول: إن زيد بن علي (عليه السلام) لم يدع ما ليس له بحق، و إنه كان أتقى للّه من ذلك، إنه قال: أدعوكم للرضا من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(1).

و لم تكن هذه الصراحة من الرضا (عليه السلام) إلّا لأن العهد عهد العبّاسيّين و يقول ابنه يحيى: رحم اللّه أبي كان أحد المتعبّدين قائما ليلة صائما نهاره جاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده، فقال عمير بن المتوكل البلخي: فقلت: يا بن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هكذا يكون الامام بهذه الصفة، فقال: يا عبد اللّه إن أبي لم يكن بإمام، و لكن كان من السادة الكرام و زهّادهم، و كان من المجاهدين في سبيل اللّه، قال: قلت: يا بن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إن أباك قد ادعى الامامة لنفسه و خرج مجاهدا في سبيل اللّه، و قد جاء عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيمن ادّعى الامامة كاذبا، فقال: مه مه يا عبد اللّه إن أبي كان أعقل من أن يدّعي ما ليس له بحق، إنما قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، عنّى بذلك ابن عمّي جعفرا (عليه السلام)، قال: قلت: فهو اليوم صاحب فقه، قال: نعم هو أفقه بني هاشم. (2)

و هذا الحديث كما كشف عن منزلة زيد الرفيعة في الدين و الفضيلة و بطلان ما نسبوه إليه، فقد أثبت ليحيى مقاما عليّا في الورع و العلم و الفقه.

و الأحاديث عن نزاهة زيد عن تلك الدعوى وافرة جمّة، فهو أتقى و أنقى من‏

____________

(1) نفس المصدر.

(2) كفاية الأثر: 304.

50

أن يلوّث نفسه الطاهرة بدعوى الامامة، و إنّما ادّعتها له بعض الناس بعد وفاته فعرفوا بالزيديّة لتلك المقالة.

و الزيديّة فرق يجمعها القول: بأن الامامة في أولاد فاطمة (عليها السلام) و لم يجوّزوا ثبوت إمامة في غيرهم، إلّا أنهم جوّزوا أن يكون كلّ فاطميّ عالم زاهد شجاع سخيّ خرج بالسيف إماما واجب الطّاعة سواء كان من أولاد الحسن (عليه السلام) أو من أولاد الحسين (عليه السلام)، و من ثم قالت طائفة منهم بإمامة محمّد و إبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن (عليه السلام)(1) أحسب أن اشتراط الامامة في بني فاطمة إنما كان منهم فيمن يكون إماما بعد زيد، لأن بعض الفرق منهم رأت ثبوت الامامة للشيخين كما ستعرف.

البتريّة:

فمن فرق الزيديّة (البتريّة) و هم أصحاب كثير النواء، و الحسن بن صالح بن حي، و سالم بن أبي حفصة، و الحكم بن عيينة، و سلمة بن كهيل، و أبي المقدام ثابت الحدّاد، و هم الذين دعوا إلى ولاية علي (عليه السلام) ثم خلطوها بولاية أبي بكر و عمر و أثبتوا لهما الامامة، و طعنوا في عثمان و طلحة و الزبير و عائشة. و قيل: سمّوا بالبتريّة لأن زيد بن علي قال لهم عند ما أخذوا يذكرون معتقداتهم: بترتم أمرنا بتركم اللّه، و قيل: سمّوا بذلك لأنّهم منسوبون إلى كثير النواء و كان أبتر اليد (2).

و لو صحّت هذه النسبة لكان الأصح فيها أن يقال- الأبتريّة- لا البتريّة.

____________

(1) الملل و النحل المطبوع في هامش الفصل: 1/ 159.

(2) منهج المقال للشيخ أبي علي الحائري في الألقاب.

51

السليمانيّة:

و منهم (السليمانيّة) نسبة إلى سليمان بن جرير، و كانوا يرون إمامة الشيخين، و لكن يطعنون في عثمان و طلحة و الزبير و عائشة، و ينسبونهم إلى الكفر، و يرون أن الامامة شورى، و تنعقد بعقد رجلين من خيار الأمّة، و أجازوا إمامة المفضول مع وجود الأفضل و زعموا أن الأمّة تركت الأصلح في البيعة لما بايعوا أبا بكر و عمر، و تركوا عليّا (عليه السلام) لأن عليّا كان أولى بالامامة منهما، إلّا أن الخطأ في بيعتهما لا يوجب كفرا و لا فسقا (1).

و من هاهنا نستظهر أن ما ينسب إلى الزيديّة من الدعوى بأن الامامة لا تثبت في غير أولاد فاطمة إنما هو فيمن بعد زيد من القائمين بالسيف.

كما انّنا لا نعرف وجها في عدّ هاتين الفرقتين في عداد فرق الشيعة.

الجاروديّة:

و منهم (الجاروديّة) نسبة إلى زياد بن المنذر أبي الجارود السرحوب الأعمى الكوفي، و قد يسمّون السرحوبيّة، و قيل: إن السرحوب اسم شيطان أعمى يسكن البحر فسمّي أبو الجارود به، و كان أبو الجارود من أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام)، و لمّا خرج زيد تغيّر، و جاء عن الصادق (عليه السلام) لعنه و تكذيبه و تكفيره و معه كثير النواء و سالم بن أبي حفصة و جاء فيه أيضا أعمى البصر أعمى القلب‏ (2).

و الجاروديّة يرون أن الناس قصّروا في طلب معرفة الامام لأنه كان‏

____________

(1) الفرق بين الفرق: ص 23، و الملل على الفصل: 1/ 164.

(2) انظر ترجمته في كتب الرجال.

52

بإمكانهم معرفته، بل كفروا حين بايعوا أبا بكر، فهم لا يرون إمامة الخلفاء الثلاثة، بل يرون كفرهم، حيث ادّعوا الامامة و لم يبايعوا عليّا (عليه السلام). (1)

الصالحيّة:

و قيل: إن منهم (الصالحيّة) نسبة إلى الحسن بن صالح، و قد عرفت انّهم من البتريّة، لأن الحسن هذا من رجال البتريّة، فلا وجه لعدّهم فرقة مستقلّة، نعم هناك فروق طفيفة بينه و بين كثير النواء أوّل رجال البتريّة لا تستدعي أن تكون فرقته فرقة تباين البتريّة.

و قد ذكر الزيديّة النوبختي في كتابه- فرق الشيعة- على غير هذا النهج، و زاد فيها: غير أننا رأينا أن ما سطّرناه أقرب إلى ما ذكرته كتب الملل و النحل، فراجع إن طلبت الاستيضاح.

الإسماعيليّة:

و من فرق الشيعة (الإسماعيليّة) و قد نشأ القول بإمامة إسماعيل أيّام الصادق (عليه السلام)، إلّا أنه كان من بعضهم على سبيل الظنّ لأن الامامة في الاكبر و إسماعيل اكبر اخوته، مع ما كان عليه من الفضل، فلمّا مات أيّام أبيه انكشف لهم الخطأ.

و أما من بقي مصرّا على إمامته فهم على فرق، لأنّهم بين من أنكر موته في حياة أبيه (عليه السلام)، و قالوا: كان ذلك على وجه التلبيس من أبيه على الناس، لأنه خاف عليه فغيّبه عنهم، و زعموا أن إسماعيل لا يموت حتّى يملك‏

____________

(1) الفرق بين الفرق: ص 22، و الملل على هامش الفصل: 1/ 163.