الإمام الصادق(ع) - ج2

- الشيخ محمد حسين المظفر المزيد...
180 /
1

-

2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الذي منّ علينا بالإسلام، و عرّفنا خيرته من الأنام، و صلاته و سلامه على خاتم الأنبياء و على آله الأئمة الأوصياء.

3

المختار من كلامه‏

إن كلام أبي عبد اللّه (عليه السلام) لا تنزفه الدلاء، و لا تلمّ به صحائف، و ما اكثر اصوله، و أوفى فروعه، و إنما نريد هاهنا أن نذكر منه فصولا أربعة، هي:

الخطب، و العظات، و الوصايا، و الحكم، فإن بها نجعة الرائد و رواء الظمآن، و حياة النفس، اجتهدت في جمعها و اختيارها من خيرة الكتب و صفوة المؤلّفات.

1- خطبه‏

لم يعرف عنه أنه رقى الأعواد للإرشاد و لم تكن ظروفه تواتيه أن يخطب على الجماهير، و مع ذلك فقد عثرت قدر الوسع في التنقيب على خطبتين إحداهما طويلة، و الاخرى قصيرة.

[فهي إما طويلة، و إما قصيرة]

أمّا الاولى فهي على فصلين‏

: [الفصل‏] (الأوّل) في صفة النبيّ خاصّة

و هو قوله‏ (1): فلم يمنع ربّنا لحلمه و أناته و عطفه ما كان من عظيم جرمهم و قبيح أفعالهم أن انتجب لهم أحبّ أنبيائه إليه و اكرمهم عليه، محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، في‏

____________

(1) لا يصلح أن يكون هذا الكلام ابتداء الخطبة، فلا بدّ أن يكون لها ابتداء غير هذا، و لقد تتبّعت أبواب الكافي فلم أجد فيها زيادة على ما أوردناه.

4

حومة العزّ (1) مولده، و في دومة الكرم محتده‏ (2) غير مشوب حسبه، و لا ممزوج نسبه، و لا مجهول عند أهل العلم صفته، بشّرت به الأنبياء في كتبها، و نطقت به العلماء بنعتها، و تأمّلته الحكماء بوصفها، مهذّب لا يدانى، هاشميّ لا يوازى، أبطحيّ لا يسامى، شيمته الحياء و طبيعته السخاء، مجبول على أوقار (3) النبوّة و أخلاقها، مطبوع على أوصاف الرسالة و أحلامها الى أن انتهت به أسباب مقادير اللّه الى أوقاتها و جرى بأمر اللّه القضاء فيه الى نهاياتها، أدّى محتوم قضاء اللّه الى غاياتها يبشّر به كلّ أمّة من بعدها، و يدفعه كلّ أب الى أب من ظهر الى ظهر، لم يخلط في عنصره سفاح، و لم ينجسه في ولادته نكاح، من لدن آدم إلى أبيه عبد اللّه في خير فرقة، و اكرم سبط، و أمنع رهط، و أكلأ حمل، و أودع حجر، اصطفاه اللّه و ارتضاه و اجتباه، و آتاه من العلم مفاتيحه، و من الحكم ينابيعه، ابتعثه رحمة للعباد، و ربيعا للبلاد، و أنزل اللّه إليه الكتاب، فيه البيان و التبيان، قرآنا عربيّا غير ذي عوج لعلّهم يتّقون، قد بيّنه للناس و نهجه بعلم قد فصّله، و دين قد أوضحه، و فرائض قد أوجبا، و حدود حدّها للناس و بيّنها، و امور قد كشفها لخلقه و أعلنها، فيها دلالة الى النجاة و معالم تدعو الى هداة، فبلّغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما ارسل به، و صدع بما امر به، و أدّى ممّا حمّل من أثقال النبوّة، و صبر لربّه، و جاهد في سبيله، و نصح لامّته، و دعاهم الى النجاة، و حثّهم على الذّكر، و دلّهم على سبيل الهدى، بمناهج و دواع أسّس للعباد أساسها، و منازل رفع لهم أعلامها، كي لا يضلّوا من بعده، و كان بهم رءوفا

____________

(1) أي في أرفع موضع من العز.

(2) الدومة- بالضم- الشجرة، و المحتد- بفتح الميم و كسر التاء- الأصل.

(3) أثقال.

5

رحيما (1).

(الفصل الثاني) ما كان منها في صفة الأئمة (عليهم السلام)

، ذكره الكليني طاب ثراه في الكافي، كتاب الحجّة، باب نادر جامع في فصل الإمام و صفاته، و ذكره المسعودي علي بن الحسين‏ (2) في كتاب الوصيّة ص 139، قال: و لمّا أفضى أمر اللّه عزّ و جل إليه- يعني الصادق (عليه السلام)- جمع الشيعة و قام فيهم خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه و ذكّرهم بأيّام اللّه، ثمّ ذكر الفصل الذي سنذكره، و بين رواية الكليني و رواية المسعودي اختلاف قليل، و نحن نورده على رواية الكليني لأن فيها زيادات.

قال (عليه السلام): إن اللّه تعالى أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه، و أبلج‏ (3) بهم عن سبيل منهاجه، و فتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) واجب حقّ إمامه وجد طعم حلاوة إيمانه، و علم فضل طلاوة (4) إسلامه، لأن اللّه تعالى نصب الإمام علما لخلقه، و جعله حجّة على اهل مواده‏ (5) و عالمه، و ألبسه تعالى تاج الوقار، و غشاه من نور الجبّار، يمدّ بسبب من السماء لا ينقطع عنه مواده‏ (6) و لا ينال ما عند اللّه إلّا بجهة

____________

(1) الكافي، باب مولد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، قال بعد أن ذكر السند عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في خطبة له خاصّة يذكر فيها حال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و صفاتهم، فذكر هاهنا ما اختصّ بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و ذكر في باب فضل الإمام و صفاته ما اختص بالإمام.

(2) أبو الحسن الهذلي البغدادي صاحب التآليف القيّمة و من أشهرها مروج الذهب و هو إماميّ المذهب و يعتمد عليه الفريقان، و لم تضبط سنة وفاته، و قيل: إنه كان حيّا الى عام 345.

(3) أوضح و أنار.

(4) الطلاوة- مثلثة الطاء- الحسن و البهجة و القبول.

(5) جمع مدة- بالضم- البرهة من الدهر، أي أهل زمانه.

(6) جمع مادة.

6

أسبابه، و لا يقبل اللّه أعمال العباد إلّا بمعرفته‏ (1) فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الدجى، و معميات السنن، و مشتبهات الفتن، فلم يزل اللّه تعالى مختارهم لخلقه من ولد الحسين (عليه السلام) من عقب كلّ إمام إماما، يصطفيهم لذلك و يجتبيهم، و يرضى بهم لخلقه و يرتضيهم، كلّما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماما، علما بيّنا، و هاديا نيّرا، و إماما قيّما، و حجّة عالما، أئمة من اللّه يهدون بالحقّ و به يعدلون، حجج اللّه و دعاته و رعاته على خلقه، يدين بهداهم العباد و تستهلّ بنورهم البلاد، و ينمو ببركتهم التلاد (2) جعلهم اللّه حياة للأنام، و مصابيح للظلام، و مفاتيح للكلام، و دعائم للاسلام، جرت بذلك فيهم مقادير اللّه على محتومها، فالامام هو المنتجب المرتضى، و الهادي المنتجى‏ (3) و القائم المرتجى‏ (4) اصطفاه اللّه بذلك و اصطنعه على عينه في الذّر حين ذرأه، و في البريّة حين برأه، ظلّا قبل خلق الخلق نسمة عن يمين عرشه، محبوا بالحكمة في عالم‏ (5) الغيب عنده، اختاره بعلمه، و انتجبه لطهره، بقيّة من آدم (عليه السلام)، و خيرة من ذرّيّة نوح، و مصطفى من آل إبراهيم، و سلالة من إسماعيل، و صفوة من عترة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، لم يزل مرعيّا بعين اللّه يحفظه و يكلأه بستره، مطرودا عنه حبائل إبليس و جنوده، مدفوعا عنه وقوب الغواسق‏ (6) و نفوث كلّ فاسق‏ (7)،

____________

(1) كما قال (صلّى اللّه عليه و آله): من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، أي كأنه لم يسلم و لم يعمل عملا في الاسلام عبادة أو غيرها.

(2) أي النتاج المتأخّر.

(3) بالبناء للمفعول أي المنتخب أو المخصوص بالسرّ من الانتجاء الاختصاص بالمناجاة.

(4) المرتضى في نسخة.

(5) علم «خ».

(6) الوقوف: الدخول، و الغواسق: جمع غاسق الظلام، و يراد منه كلّ ما يطرق بالليل من سوء من الهوام و السباع و الفسّاق.

(7) النفث: السحر.

7

مصروفا عنه قوارف السوء (1) مبرأ من العاهات، معصوما من الفواحش كلّها، معروفا بالحلم و البرّ في يفاعه‏ (2) منسوبا الى العفاف و العلم و الفضل عند انتهائه، مسندا إليه أمر والده، صامتا عن المنطق في حياته، فاذا انقضت مدّة والده الى أن انتهت به مقادير اللّه الى مشيّته، و جاءت الإرادة من اللّه فيه الى محبّة (3) و بلغ منتهى مدّة والده صلّى اللّه عليه فمضى و صار أمر اللّه إليه من بعده، و قلّده دينه و جعله الحجّة على عباده، و قيّمه في بلاده و أيّده بروحه و آتاه علمه و أنبأه فصل بيانه، و نصبه علما لخلقه، و جعله حجّة على أهل عالمه، و ضياء لأهل دينه، و القيّم على عباده، رضي‏ (4) اللّه به إماما لهم، استودعه سرّه، و استحفظه علمه، و استخبأه حكمته، و استرعاه لدينه، و انتدبه لعظيم أمره، و أحيى به مناهج سبيله، و فرائضه و حدوده، فقام بالعدل عند تحيّر أهل الجهل، و تحيير أهل الجدل، بالنور الساطع، و الشفاء النافع، بالحقّ الأبلج، و البيان اللائح من كل مخرج، على طريق المنهج الذي مضى عليه الصادقون من آبائه (عليهم السلام)، فليس يجهل حقّ هذا العالم إلّا شقي، و لا يجحده إلّا غوي، و لا يصدّ عنه إلّا جري‏ء على اللّه تعالى.

أقول: لعلّك تخال بأن هذه النعوت كبيرة على الإنسان بحكم العادة، و أين من يحمل هذه الصفات و لكنّك لو نظرت الى أن الإمامة خلافة الرسول، و أن خليفته يجب أن يقوم بوظائفه، مرشدا لامّته، مصلحا للناس عامّة، لا يقنت أن هذه النعوت لا تنفكّ عنه، و أنه لا بدّ أن يكون في الامّة من يتحلّى بهذه‏

____________

(1) قوارف السوء: أعماله و مقارباته.

(2) شبابه.

(3) حجّته «خ» حجبه «خ».

(4) جواب «فاذا انقضت».

8

السمات‏ (1).

(الخطبة الثانية)

هي المرويّة في مناقب ابن شهر اشوب «1/ 183- 184» قال: لمّا دخل هشام بن الوليد المدينة أتاه بنو العبّاس و شكوا من الصادق (عليه السلام) أنه أخذ تركات ماهر الخصي دوننا، فخطب أبو عبد اللّه (عليه السلام) فكان ممّا قال:

إن اللّه لمّا بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان أبونا أبو طالب المواسي له بنفسه و الناصر له، و أبوكم العبّاس و أبو لهب يكذبان و يوليان عليه شياطين الكفر و أبوكم يبغي له الغوائل، و يقود إليه القبائل في بدر، و كان في أوّل رعيلها و صاحب خيلها و رجلها، المطعم يومئذ، و الناصب له الحرب، ثمّ قال:

فكان أبوكم طليقنا و عتيقنا، و أسلم كارها تحت سيوفنا، و لم يهاجر إلى اللّه و رسوله هجرة قط، فقطع اللّه ولايته منّا بقوله: «الذين آمنوا و لم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شي‏ء» (2) ثمّ قال:

مولى لنا مات فخرنا تراثه، إذ كان مولانا و لأنّا ولد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و أمنّا فاطمة أحرزت ميراثه.

أقول: إن الصادق أرفع من أن يواقف بني العبّاس من جراء المال، و لكن إخال أنه يريد أن يكشف حالا للعبّاس كانت مجهولة، لأن الملك سوف يوافي بنيه فيعلم الناس شأن من يملك منهم الرقاب.

و هذه الكلمات على وجازتها تفيد التاريخ فوائد جمّة، و لا أحسب أن التاريخ يذكر للعبّاس تلك المواقف.

____________

(1) سبق في الطليعة صدر الكتاب برهاننا على الإمامة، و استوفينا ما يجب أن يتصف به الإمام مع البرهان عليه في رسالتنا «الشيعة و الإمامة».

(2) الأنفال: 72.

9

و قد سبق أن قلت: إني لم أجد حسب الجهد في التتبّع خطبا لصادق أهل البيت غير ما ذكرنا، نعم إلّا أن يكون وقوفه في وجه شيبة بن عفال والي المنصور على المدينة يعدّ من الخطب، فتكون ثلاثا، و قد أوردناها في مواقفه مع المنصور و ولاته في الجزء الأول.

***

10

2- عظاته‏

ما زال إمامنا (عليه السلام) ينشر مواعظه الخالدة بين الناس لتهذيبهم و إرشادهم الى طريق اللّه تعالى اللّاحب، و حرصا على سعادتهم في الدارين، و الذي وصل إلينا منها الشي‏ء الكثير الذي يفوت الحصر و هو مبثوث في غضون الكتب التي بين أيدينا.

و قد رأينا أن نورد أهمّ ما وصل إلينا من هذه المواعظ مرتّبا على الأبواب على نحو ما يأتي:

المعرفة:

معرفة اللّه تعالى أوّل الواجبات، و أساس الفضائل و الأعمال، بل هي غاية الغايات، و منتهى كمال الانسان، و على قدر التفاضل فيها يكون التفاضل بين الناس، و لأجله جعلناها في طليعة مواعظه، و كفى من كلامه فيها أن نورد هذه الشذرات الآتية التي يدعو فيه الى المعرفة، و يحثّ عليها كاشفا عن جليل آثارها و عظيم لذّتها، فقال (عليه السلام):

«لو يعلم الناس ما في فضل معرفة اللّه عزّ و جلّ ما مدّوا أعينهم الى ما متّع اللّه به الأعداء من زهرة هذه الحياة الدنيا و نعيمها، و كانت دنياهم أقلّ عندهم ممّا يطؤونه بأرجلهم، و لنعموا بمعرفة اللّه عزّ و جل و تلذّذوا به تلذّذ من لم يزل في‏

11

روضات الجنّات مع أولياء اللّه، إن معرفة اللّه عزّ و جل أنس من كلّ وحشة، و صاحب من كلّ وحدة، و نور من كلّ ظلمة، و قوّة من كلّ ضعف، و شفاء من كلّ سقم».

ثمّ قال (عليه السلام): «قد كان قبلكم قوم يقتلون و يحرقون و ينشرون بالمناشير، و تضيق عليهم الأرض برحبها فما يردهم عمّا عليه شي‏ء ممّا هم فيه، من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم و لا أذى، بل ما نقموا منهم إلّا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد، فاسألوا درجاتهم، و اصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم» (1).

إنّه (عليه السلام) يصف المعرفة كمن ذاقها، فيحبّذ هذا الطعم الشهي للناس، و نحن لاسترسالنا في الغفلة لا نعرف ذلك المذاق، سوى أننا نفقه أن من اتّجه الى معرفة اللّه تعالى و دنا من حظيرة القدس شبرا بعد عن متاع هذا الوجود ميلا، و كلّما تجرّد عن زخرف هذا الوجود استزهد ما دون معرفة واجب الوجود.

الخوف و الرجاء:

إنّ اللّه سبحانه جمع بين العظمة و الرأفة، و بين الغضب و الرضى، فعلى سعة رحمته عظيم سخطه، و على جزيل ثوابه كبير عقابه، و من كانت رحمته واسعة كان الأمل بشمولها للمجرم قريبا، و من كان عقابه شديدا كان الخوف من سخطه أكيدا، فلا بدّ للمؤمن إذن أن يكون دائما بين الخوف و الرجاء، لأنه لا يدري بأيّة زلّة يؤخذ فيكتب في ديوان المجرمين، و لا يعلم على أيّة حسنة يثاب‏

____________

(1) الكافي: 8/ 207/ 347.

12

فيحسب من المحسنين، فيجب عليه أبدا أن يحذر الزلّة فيتّقيها، و يرعى الحسنة فيوافيها، و تعاليم الصادق (عليه السلام) الواردة عنه هي من أعظم ما ورد في هذا الباب تشرح حقيقة الخوف و الرجاء و كيف يجتمعان و ضرورة اجتماعهما في المؤمن و أثر انعدامهما على الانسان، و ما الى ذلك، فقال في الخوف:

«خف اللّه كأنك تراه و إن كنت لا تراه فانّه يراك، و إن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت، و إن كنت تعلم أنه يراك ثمّ بدرت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك» (1).

أقول: أمّا الكفر بإنكار رؤيته للناس فلأن معناه إنكار علمه بالموجودات و هو يساوق إنكار خلقه بل إنكار وجوده.

و أمّا أنه يكون أهون الناظرين فواضح لأن المرء إذا أحسّ أن أحدا ذا شأن و بطش و قوّة مشرف على عمله ساخط عليه قادر على الفتك به، فإنه لا محالة يكفّ عن العصيان خجلا أو حذرا و خوفا، و إنما يكون التهاون بالناظر و المطّلع إذا كان ممّن لا يتّقى أو يخشى أو كان ممّن يستهان برضاه و غضبه و ثوابه و عقابه، فالمبادر بالمعصية مع علمه بأنه تعالى يراه لا محالة قد جعله أهون الناظرين.

و قال (عليه السلام) أيضا: من عرف اللّه خافه، و من خاف اللّه سخت نفسه عن الدنيا (2).

و قال (عليه السلام): إن من العبادة شدة الخوف من اللّه عزّ و جل، يقول اللّه عزّ و جل: «إنما يخشى اللّه من عباده العلماء» (3) و قال جلّ ثناؤه: «فلا تخشوا الناس و اخشون» (4) و قال تبارك و تعالى: «و من يتّق اللّه يجعل له مخرجا» (5)، إن‏

____________

(1) الكافي، باب الخوف و الرجاء: 2/ 67/ 2.

(2) نفس المصدر: 2/ 68/ 4.

(3) الملائكة: 28.

(4) المائدة: 44.

(5) الطلاق: 2.

13

حبّ الشرف و الذكر لا يكونان في قلب الخائف الراهب‏ (1).

و قال (عليه السلام) في قوله عزّ و جل: «و لمن خاف مقام ربّه جنّتان» (2): من علم أن اللّه يراه و يسمع ما يقول، و يعلم ما يعمله من خير أو شرّ فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربّه، و نهى النفس عن الهوى.

و قال (عليه السلام): المؤمن بين مخافتين، ذنب قد مضى لا يدري ما صنع اللّه فيه، و عمر قد بقى لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلّا خائفا و لا يصلحه إلّا الخوف‏ (3).

أقول: كذلك صلاح المؤمن يكون بالخوف أبدا، لأنه إذا خاف اتجه بكلّ جارحة و جانحة لدفع ما يخاف منه، فينصرف عن العصيان و يقبل على الطاعة.

و قال (عليه السلام): من خاف اللّه أخاف اللّه منه كلّ شي‏ء و من لم يخف اللّه أخافه من كلّ شي‏ء (4).

و قال (عليه السلام) في الخوف و الرجاء معا: ينبغي للمؤمن أن يخاف اللّه تعالى خوفا كأنه مشرف على النار، و يرجو رجاء كأنه من أهل الجنّة- ثمّ قال-: إنّ اللّه تعالى عند ظنّ عبده إن خيرا فخيرا، و إن شرّا فشرّا (5).

أقول: كذلك ينبغي للمؤمن أن يكون بين الخوف و الرجاء كما قال تعالى:

«يدعون ربّهم خوفا و طمعا» (6) لأن الخوف وحده قد يبعث على اليأس و القنوط،

____________

(1) الكافي، باب الخوف و الرجاء: 2/ 69/ 7.

(2) الرحمن: 46.

(3) الكافي: 2/ 71/ 12.

(4) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس/ 42، و الكافي: 2/ 68/ 3.

(5) الكافي: 2/ 72/ 3.

(6) السجدة: 16.

14

و اليأس من رحمة اللّه مذموم يثبّط العبد عن العمل الصالح، و الرجاء وحده قد يدفع بالعبد على الأمن من مكر اللّه و هو ضلال و خيبة يقعد بالعبد عن النشاط للعبادة، و أمّا المراد من أن اللّه تعالى عند ظنّ عبده فلا يبعد أن يكون أنه في رعاية العبد و مكافاته على حسب ما يظن، لا أنه يكون كذلك بمجرّد الظن و إن عمل ما لا يرتضيه اللّه تعالى من السوء و هو يظنّ فيه الخير، كما سينبّه عليه.

و قال (عليه السلام): لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى يكون خائفا راجيا، و لا يكون خائفا راجيا حتّى يكون عاملا لما يخاف و يرجو (1).

أقول: لأن العمل مظهر الخوف و الرجاء فإن لم يعمل كان كاذبا في دعوى الخوف و الرجاء، و عليه الوجدان، فإن من خاف أحدا على نفسه أو نفيسه اجتهد في الحيطة و الحذر، و من رجا توسّل بالذرائع التي تقرّبه من المرجو.

و قال (عليه السلام): حسن الظنّ باللّه ألّا ترجو إلّا اللّه و لا تخاف إلّا ذنبك‏ (2).

أقول: لأن رجاء غير اللّه لا يكون إلّا عن شكّه في قدرة اللّه و رحمته لعباده أو عن توهّم أن غير اللّه له قدرة مستغنية عنه تعالى و هذا سوء ظنّ بالقادر الرحيم، و كذلك خوف غير الذنب من نحو الخوف من الموت و الانسان و المخلوقات الأخرى فإنه يستلزم الشكّ في قدرة اللّه و رحمته.

و قيل له: قوم يعملون بالمعاصي و يقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتّى يأتيهم الموت، فقال (عليه السلام): هؤلاء يترجّحون‏ (3) في الأماني، كذبوا ليسوا

____________

(1) الكافي، باب الخوف و الرجاء: 2/ 71/ 11.

(2) الكافي، باب حسن الظن باللّه: 2/ 72/ 4.

(3) يتذبذبون.

15

براجين، من رجا شيئا طلبه و من خاف من شي‏ء هرب منه‏ (1).

أقول: فإن المرجو لا ينال بغير السعي و الطلب إلّا صدفة، و المخاف لا يسلم منه بغير الهرب إلّا صدفة، و هل يتّكل العاقل الرشيد في أمريه على الصدف.

الورع و التقوى:

إنّ من آثار معرفته تعالى و الخوف منه تقواه و الورع عن محارمه، و لذلك حذّر أبو عبد اللّه (عليه السلام) من التورّط في المخالفة و رغّب في الإحاطة بالتقوى، و الورع في الدين.

فيقول مرّة: «اتقوا اللّه و صونوا دينكم بالورع» و اخرى بعد أن رغّب في الزهد: «عليكم بالورع» (2) و ثالثة: «من أشدّ ما فرض على خلقه ذكر اللّه كثيرا، و لا أعني سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلّا اللّه و اللّه اكبر، و إن كان منه، و لكن ذكر اللّه عند ما أحلّ و حرّم، فإن كان طاعة عمل بها، و إن كان معصية تركها» (3).

أقول: حقّا أنّ موقف الإنسان لشديد أمام الواجب و المحرّم، بأن يجعل اللّه نصب عينيه عندهما، فيعمل ما يجب، و يرفض ما حرّم، و ان الورع ليعلم في هذه المواقف حين لم يكن القاهر غير النفس و الدين.

و سئل مرّة عن تعريف الورع من الناس ليعرفوا بذلك حقيقة الورع فقال (عليه السلام): الذي يتورّع عن محارم اللّه عزّ و جل‏ (4)

____________

(1) الكافي، 2/ 68/ 5.

(2) الكافي، باب الورع: 2/ 76/ 3.

(3) الكافي، باب اجتناب المحارم: 2/ 80/ 4.

(4) الكافي، باب الورع: 2/ 77/ 8.

16

و سئل عن قوله اللّه عزّ شأنه: «و قدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (1)» فقال (عليه السلام): أما و اللّه إن كانت أعمالهم أشدّ بياضا من القباطي‏ (2) و لكن اذا عرض لهم حرام لم يدعوه‏ (3).

و قال المفضّل بن عمر (4) يوما: أنا ما أضعف عملي، فقال (عليه السلام) له: مه استغفر اللّه، إن قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى، فقال له: كيف يكون كثيرا بلا تقوى؟ قال (عليه السلام): نعم مثل الرجل يطعم طعامه، و يرفق جيرانه، و يوطى‏ء رحله‏ (5) فاذا ارتفع له الباب من الحرام دخله‏ (6).

و هذا نظير قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): إن من قال لا إله إلّا اللّه غرست له شجرة في الجنّة، فقال له بعض أصحابه: إذن إن شجرنا في الجنّة لكثير، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و لكن لا ترسلوا عليها نارا فتحرقوها.

الزهد:

الزهد: هو الإعراض عن الدنيا بقلبه و جوارحه، رغبته في الآخرة و في ما عند اللّه تعالى، و هو أحد منازل الدين و أعلى مقامات العارفين.

و حقّا أن العارف باللّه لا ينبغي أن يعبأ بالدنيا إن أقبلت عليه أو أدبرت عنه، لأن الإقبال عليها يشغله عن التماس تلك الرتب، التي لا يحسّ بحلاوتها إلّا

____________

(1) الفرقان: 23.

(2) الثياب المنسوبة الى قبط مصر.

(3) الكافي، باب اجتناب المحارم: 2/ 81/ 5.

(4) الجعفي الكوفي ممّن أخذ عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام) و كان من وكلاء الصادق في الكوفة و سنذكره في ثقات المشاهير من رواته.

(5) كناية عن استعداده لقبول الأضياف و غشيانهم داره.

(6) الكافي، باب الطاعة: 2/ 76/ 7.

17

من تجرّد عن هذه الشواغل.

و لذلك يقول صادق أهل البيت (عليهم السلام): جعل الخير كلّه في بيت و جعل مفتاحه الزهد في الدنيا.

و يروي هو لنا عن المرشد الاكبر جدّه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قوله: لا يجد الرجل حلاوة الإيمان حتّى لا يبالي من أكل الدنيا.

ثمّ يقول الصادق (عليه السلام): حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتّى تزهد في الدنيا.

و يقول مرّة ترغيبا في الزهد: ما أعجب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شي‏ء من الدنيا إلّا أن يكون فيها جائعا خائفا.

و يقول تارة: إذا أراد اللّه بعبده خيرا زهّده في الدنيا، و فقّهه في الدين و بصّره عيوبها، و من اوتيهنّ فقد أوتي خير الدنيا و الآخرة.

أقول: حقّا أنّ الخير كلّه في هذه الثلاث، لأن فيها الراحة و الطمأنينة و البصيرة، و هذا هو الخير في هذه العاجلة، و الحظوة بالرتب العليّة في تلك الآجلة كما وعد اللّه.

و يقول أيضا: لم يطلب أحد الحقّ بباب أفضل من الزهد في الدنيا، و هو ضدّ لما طلب أعداء الحقّ من الرغبة فيها، ألا من صبّار كريم، فإنما هي أيام قلائل.

أقول: إن الذي يحول بين المرء و بين الحقّ هو الحبّ للدنيا و الرغبة فيها، فإن الرغبة في وفرة المال تمنعه عن أداء حقّه، و الحبّ للجاه يحجزه عن القول بالحقّ، و الميل الى الراحة يصدّه عن القيام بالفرض، فلا يطيق المرء إذن أن يقول الحقّ أو يعمله أو يبلغه إن لم يعرض عن هاتيك الأماني النفسيّة، نعم إن الإعراض عن هذه الرغائب يحتاج الى صبر و سخاء نفس، و من ثمّ ندب الصادق الى هذا الصفح أرباب الصبر و الكرم ثمّ أشار الى أن الصبر و الكرم لا ينبغي أن‏

18

يكونا عزيزين في الناس اذا انتبهوا الى أن البقاء في الدنيا لا يكون إلّا أياما قلائل، لأن الانسان اذا عرف أن الشدّة لا تدوم وطّن نفسه على السخاء و الصبر على تلك المكاره.

ثمّ أنه (عليه السلام) رغّب في الزهد من طريق نفعه العاجل، و هو أحسن ذريعة للرغبة في الشي‏ء، لأن المرء يريد أبدا أن يكون لعمله نتيجة عاجلة، فقال: و من زهد في الدنيا أثبت اللّه الحكمة في قلبه، و انطلق بها لسانه، و بصّره عيوب الدنيا داءها و دواءها و أخرجه اللّه سالما الى دار السّلام‏ (1).

نعم يجب أن نعرف الزهد و حقيقته، لئلّا نخبط في التلبّس به خبط عشواء، فقد سأله بعض العارفين من أصحابه عن حدّ الزهد في الدنيا، فقال (عليه السلام): فقد حدّه اللّه في كتابه، فقال عزّ من قائل: «لكي لا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم» (2) ثمّ قال: إن أعلم الناس أخوفهم للّه، و أخوفهم له أعلمهم به، و أعلمهم به أزهدهم فيها (3).

أقول: إن تحديده للزهد بما في الآية الكريمة يفهمنا أن الزهد في الدنيا ليس كما يتبادر الى بعض الأفهام من الجشوبة في العيش و الخشونة في الملبس، و إن كانتا من آثاره أحيانا، و إنّما هو أعلى و أرفع من ذلك.

إن المرء اذا كان معرضا عن الدنيا هانت عليه فلا يحزن بما فات، و لا يفرح بما هو آت، و لو كان مقبلا عليها لأحزنه الفائت و أسرّه الآتي، فأحسن كاشف عن حقيقة الزهد في الدنيا هذا الحزن و الفرح.

و لو كان الزهد الصفح عن نعيم هذا الوجود و ما فيه من ملذّات كما

____________

(1) الكافي، باب ذمّ الدنيا و الزهد فيها: 2/ 128/ 1.

(2) الحديد: 23.

(3) بحار الأنوار: 78/ 193/ 7.

19

تصنع المتصوّفة لما خلق اللّه هذه الطيّبات منّة على العباد، أ فهل يا ترى يمنّ عليهم بشي‏ء و هو الجواد و يكره أن ينالوا منه البلغة، فلمن إذن خلق تلك الطيّبات من الرزق «قل من حرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده و الطيّبات من الرّزق» (1).

و يكشف لنا عن جليّة الحال بقوله (عليه السلام): «فأمّا اذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، و مؤمنوها لا منافقوها، و مسلموها لا كفّارها» و قد قال ذلك عند ما رأوه و عليه ثياب بيض و عابوا عليه تلك البزّة و حسبوها من الرغبة في الدنيا، و كان شعار آبائه الزهد.

نعم إنّما يراد من العبد ألّا يكون شغله الطيّبات و همّه هذه الحياة، بل أن يكون شغله ما هو أرفع، و همّه فيما هو أبقى و أنفع.

إن اللّه سبحانه قد فرض فرائض، و حدّد حدودا لم يسأل العباد عمّا وراءها، و لذلك تجد الصادق (عليه السلام) يرشدنا الى تلك الحقيقة فيقول: أورع الناس من وقف عند الشبهة، و أعبد الناس من أقام الفرائض، و أزهد الناس من ترك الحرام، و أشدّ الناس اجتهادا من ترك الذنوب‏ (2).

الدنيا:

ليست دنيا الانسان إلّا نفسه و ما فيها من غرائز و شهوات و أفكار و اعتقادات، و كلّ شي‏ء ما عدا نفسه فهو خارج عن ذاته أجنبيّ عنه، بل ليس من دنياه في شي‏ء، و لا يرتبط به إلّا بمقدار ما يرتبط في أفكاره و آرائه و إشباع شهواته و تحقيق ما تدفع إليه الغرائز.

فاذا اشبعت شهواته كلّها فقد حاز على كلّ ما في دنياه بحذافيرها و إلّا فهو

____________

(1) الأعراف: 30.

(2) بحار الأنوار: 78/ 192/ 5.

20

محروم منها بمقدار بقاء بعض شهواته جائعة أو مكبوتة.

غير أن إشباع جميع الشهوات من المستحيل على الانسان في هذه الحياة الدنيا، و لنضرب مثلا بشهوة حبّ الاستعلاء و السيطرة التي هي أشدّ الشهوات عرامة و قوّة، فإن الإنسان مهما بلغ من السلطان و الاستطالة لا بدّ أن تكون هنا جهات اخرى لم يشملها سلطانه أو تزاحمه عليه و تضايقه أو متمرّدة عليه، فشهوة السلطان و الحال هذه لا تشبع أبدا مهما حاول صاحبها إشباعها، على أنها كلّما غذيت تقوى و تشتدّ و لا تصل الى حدّ الإشباع، و مثلها أيضا من هذه الناحية شهوة التملّك و الحيازة، فإن كلّ ما تحقق لصاحبها التملّك من الأموال فإن الأموال- بطبيعة الحال- لا يحوزها كلّها بل الأكثر يبقى ممتنعا عليه، و هو يزيد كلّما زادت أمواله شهوة و حرصا على جمعها.

مضافا الى أن إشباع مثل شهوة السيطرة و التملّك لا يتمّ حتّى بعضه إلّا بالتنازل عن كثير من الشهوات مثل شهوة الراحة و الاستقرار و الأمن لأن الاحتفاظ بالسيطرة و التملّك أو توسعتهما يستدعي كثيرا من مدافعة المزاحمين و مناهضة المتمرّدين، و كلّما زادت سيطرته و تملّكه زادت المزاحمة فتزيد محروميّته من اشباع كثير من الشهوات، و هكذا كلّما زاد الإنسان انغمارا في الشهوات و حرصا على دنياه زادت شهواته عرامة و قوّة و بقيت اكثر شهواته بلا إشباع تلحّ عليه و تؤلمه و تنغّص عليه عيشه و راحته حتّى يموت في سبيل ذلك.

و ما أعظم تصوير هذه الناحية في الإنسان في كلمات إمامنا (عليه السلام) إذ يقول: «إنّ مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتّى يقتله» (1).

____________

(1) الكافي، باب ذمّ الدنيا و الزهد فيها: 2/ 136/ 24.

21

و يقول (عليه السلام): «مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القزّ كلّما ازدادت من القزّ على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا» (1).

و يقول (عليه السلام) في التحذير من الدنيا: «إنّ مثل الدنيا مثل الحيّة مسّها ليّن و في جوفها السمّ القاتل، يحذرها الرجل العاقل، و يهوى إليها الفتيان بأيديهم» (2).

أقول: إن الرجل العاقل هو المجرّب الذي خبر الدنيا فعرف أنها لا تصفو من الكدر و أنها تخبئ كثيرا من الآلام و الآفات و النكبات، أما الغرّ غير المجرّب فهو كالطفل يرى حلاوتها و لم يشعر بمرارتها، فيغترّ بها كما يغترّ بلين مسّ الحيّة و إن كان فيها السمّ القاتل، و الامام (عليه السلام) و جميع المصلحين يحذّرون من الاغترار بنعيم الدنيا، لأنه يسبّب طغيان الانسان و عتوّه و نسيان الآخرة و ما يجب من العمل لها في فرصة الحياة الدنيا. و إن شئت أن تبعد غورا في عرفانها فتبصّر بقوله في صفتها:

«إن هذه الدنيا و إن أمتعت ببهجتها، و غرّت بزبرجها، فإن آخرها لا يعدو أن يكون كآخر الربيع، الذي يروق بخضرته ثمّ يهيج‏ (3) عند انتهاء مدته، و على من نصح لنفسه و عرف ما عليه و له أن ينظر إليها نظر من عقل عن ربّه جلّ و علا و حذر سوء منقلبه، فإن هذه الدنيا خدعت قوما فارقوها أسرع ما كانوا إليها، و أكثر ما كانوا اغتباطا بها، طرقتهم آجالهم بياتا و هم نائمون، أو ضحى و هم يلعبون، فكيف أخرجوا عنها، و الى ما صاروا بعدها، أعقبتهم الألم، و أورثتهم‏

____________

(1) الكافي، باب حبّ الدنيا و الحرص عليها: 2/ 316/ 7.

(2) كتاب الزهد للثقة الجليل الحسين بن سعيد بن حمّاد بن مهران الأهوازي، باب ما جاء في الدنيا و من طلبها: 45/ 121.

(3) ينبس.

22

الندم، و جرعتهم مرّ المذاق و غصّصتهم بكأس الفراق، فيا ويح من رضي عنها أو أقرّ عينا، أ ما رأى مصرع آبائه، و من سلف من أعدائه و أوليائه أطول بها حيرة، و أقبح بها كرّة، و أخسر بها صفقة، و اكبر بها ترحة، اذا عاين المغرور بها أجله و قطع بالأماني أمله، و ليعمل على أنه اعطي أطول الأعمار و أمدّها، و بلغ فيها جميع الآمال، هل قصاراه إلّا الهرم، و غايته إلّا الوخم‏ (1) نسأل اللّه لنا و لك عملا صالحا بطاعته، و مآبا الى رحمته، و نزوعا عن معصيته، و بصيرة في حقّه، فإنما ذلك له و به» (2).

و تأمّل قوله في نعتها و نعت ذويها: «كم من طالب للدنيا لم يدركها، و مدرك لها قد فارقها، فلا يشغلنّك طلبها عن عملك، و التمسها من معطيها و مالكها، فكم من حريص على الدنيا قد صرعته، و اشتغل بما أدرك منها عن طلب آخرته حتّى فني عمره و أدركه أجله» (3).

و ما أصدق قوله في تحليلها و أطوار الناس فيها: «ما الدنيا و ما عسى أن تكون، هل الدنيا إلّا اكل اكلته، أو ثوب لبسته، أو مركب ركبته، إن المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا و لم يأمنوا قدوم الآخرة، دار الدنيا دار زوال، و دار الآخرة دار قرار، أهل الدنيا أهل غفلة، إن أهل التقوى أخفّ أهل الدنيا مؤونة و اكثرهم معونة، إن نسيت ذكّروك، و إن ذكّروك أعلموك، فانزل الدنيا كمنزل نزلته فارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت و ليس في يدك شي‏ء منه، فكم من حريص على أمر قد شقي به حين أتاه، و كم‏

____________

(1) الثقل و الرداءة.

(2) مهج الدعوات، في باب أدعية الصادق، و قد أشرنا إليها في فصل استدعاء المنصور له في أوّل مرّة.

(3) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه في أحوال الصادق (عليه السلام).

23

من تارك لأمر قد سعد به حين أتاه» (1).

و انتبه الى قوله (عليه السلام): «ما أنزلت الدنيا من نفسي إلّا بمنزلة الميتة، اذا اضطررت إليها اكلت منها، إن اللّه تبارك و تعالى علم ما العباد عاملون و الى ما هم إليه صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السيّئة لعلمه السابق فيهم، فلا يغرّنك حسن الطلب ممّن لا يخاف الفوت» ثمّ تلا قوله تعالى: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا» (2) و جعل يبكي و يقول: «ذهبت و اللّه الأماني عند هذه الآية» ثمّ قال (عليه السلام): «فاز و اللّه الأبرار، الذين لا يؤذون الذر، كفى بخشية اللّه علما، و كفى بالاغترار جهلا» (3).

أقول: أراد بقوله «ذهبت و اللّه الأماني» أماني أهل الأعمال السيّئة إذ يحلم اللّه عنهم فيظنّون أنهم في نجاة من عذاب اللّه في الآخرة، و لكن الآية دالّة على أن الدار الآخرة مقصورة على هؤلاء الذين لا يريدون العلوّ و لا الفساد، إذن فلا نصيب لغيرهم فيها، و أين تكون أماني أهل الآمال الذين ليسوا من اولئك، و قد قطعت الآية تلك الأماني من نفوسهم.

و شكا إليه رجل الحاجة، فقال (عليه السلام): «اصبر فإن اللّه سيجعل لك فرجا» ثمّ سكت ساعة، ثمّ أقبل على الرجل فقال: «اخبرني عن سجن الكوفة كيف هو؟ فقال: أصلحك اللّه، ضيق منتن، و أهله بأسوإ حال، فقال (عليه السلام): إنما أنت في السجن فتريد أن يكون فيه سعة أ ما علمت أن الدنيا سجن المؤمن».

و تأمّل قوله (عليه السلام): «من أصبح و أمسى و الدنيا اكبر همّه جعل اللّه‏

____________

(1) تحف العقول للحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني الحلبي الفقيه الجليل: ص 208.

(2) القصص: 83.

(3) بحار الأنوار: 78/ 193/ 7.

24

الفقر بين عينيه، و شتّت أمره و لم ينل من الدنيا إلّا ما قسم له، و من أصبح و أمسى و الآخرة اكبر همّه جعل الغنى في قلبه و جمع أمره» (1).

أقول: لأن من كان همّه الدنيا فإن شهواته تلحّ عليه و هو لا يستطيع إشباعها أبدا فهو دائما في حاجة، و ما يزال الفقر نصب عينيه، و يكون همّه متشعّبا، لتشعّب شئون هذه الحياة، فيتشتّت عندئذ أمره، و مع ذلك لا ينال من الدنيا الواسعة إلّا ما قسم له، و أمّا من كان همّه الآخرة فيجعل اللّه القناعة في قلبه، و من قنع استغنى، فلا يكون همّه عندئذ متشعّبا بتشعّب جهات الحياة، و بهذا يكون اجتماع أمره و هدوء فكره.

و يمثل لك حسرة طلاب هذه الفانية أيضا فيقول (عليه السلام): «من كثر اشتباكه في الدنيا كان أشدّ لحسرته عند فراقها» (2).

و أحسن ما مثل فيه المنهمكين بالدنيا في قوله: «من تعلّق قلبه بالدنيا تعلّق قلبه بثلاث خصال: همّ لا يفنى، و أمل لا يدرك، و رجاء لا ينال» (3).

أقول: هذا نموذج من كلامه عن الدنيا و المغرورين بها، أرسله (عليه السلام) إيقاظا للغافلين، و تحذيرا من زخارفها الخدّاعة.

الرياء:

الرياء: طلب المنزلة في قلوب الناس بخصال الخير أو ما يدلّ من الآثار عليها باللباس و الهيئة و الحركات و السكنات و نحوها.

و هو من الكبائر الموبقة و المعاصي المهلكة، و قد تعاضدت الآيات و الأخبار

____________

(1) الكافي، باب حبّ الدنيا و الحرص عليها: 2/ 319/ 15.

(2) نفس المصدر السابق: 2/ 320/ 16.

(3) نفس المصدر: 2/ 320/ 17.

25

على ذمّه. و قد ورد عن الصادق (عليه السلام) الكثير من الأحاديث في ذمّه و تنقص صاحبه، فقال مرّة:

كلّ رياء شرك‏ (1) إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، و من عمل للّه كان ثوابه على اللّه‏ (2).

و قال اخرى في قوله تعالى: «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربّه أحدا» (3): الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يريد به وجه اللّه، إنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن تسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربّه. ثمّ قال (عليه السلام): ما من عبد أسرّ خيرا فذهبت الأيام حتّى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد يسرّ شرّا فذهبت به الأيام حتّى يظهر اللّه له شرّا» (4).

و قال طورا: «ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا و يسرّ سيّئا، أ ليس يرجع الى نفسه فيعلم أن ليس كذلك، و اللّه عزّ و جلّ يقول: «بل الانسان على نفسه بصيرة» (5) إن السريرة اذا صحّت قويت العلانية» (6).

أقول: ما أغلاها كلمة، لأن المرائي يرجع الى نفسه فيعرف أنه يظهر غير ما يضمر، فيظهر ذلك على أعماله من حيث يدري و لا يدري، لأنه بالرجوع الى نفسه يشعر بهذا الضعف و الخداع و لا بدّ أن يبدو الضعف على عمله فيختلج فيه.

____________

(1) إذ أن من قصد بعبادة اللّه التقرّب الى الناس فلا يقصد ذلك إلّا حيث يظن أن من قصد التقرّب إليه له الحول و القوّة و النفع و الضرّ من دون اللّه تعالى، و هذا هو الشرك بعينه.

(2) الكافي، باب الرياء: 2/ 293/ 3.

(3) الكهف: 110.

(4) الكافي: 2/ 295/ 12.

(5) القيامة: 14.

(6) الكافي: 2/ 295/ 11.

26

أمّا الذي توافق عنده السرّ و العلن في الصلاح فإنه يكون قويّا في عمله لأنه مطمئنّ من نفسه شاعر بقوّتها، و الشعور بالقوّة يسيطر على أقوال الإنسان و أفعاله.

و قال أيضا (عليه السلام): من أراد اللّه بالقليل من عمله أظهر اللّه له اكثر ممّا أراد، و من أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه، و سهر من ليله، أبى اللّه عزّ و جلّ إلّا أن يقلّله في عين من سمعه.

و قال أيضا: ما يصنع الانسان أن يعتذر بخلاف ما يعلم اللّه منه، إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقول: من أسرّ سريرة ألبسه اللّه رداها إن خيرا فخيرا، و إن شرّا فشرّا.

و قال (عليه السلام): إيّاك و الرّياء، فإنه من عمل لغير اللّه وكّله اللّه الى من عمل له‏ (1).

أقول: هذه شذرات من كلامه في الرياء، أبان فيها عن سوء هذه النيّة الفاشلة، و خيبة من يريد منها رضى الناس، فتفضحه الأيام فلا عمله زكّاه و لا حصل على ما رائى لأجله.

الظلم:

قبح الظلم بمعنى الجور و الاعتداء على الغير من أشهر ما تطابقت عليه آراء العقلاء و تسالمت عليه العقول، و هو من الواضحات التي لا يشكّ فيها واحد، و لذا أنّ اللّه تعالى لمّا أراد ذمّ الشرك و استهجانه ذمّه لأنه ظلم فقال: «إن الشرك لظلم عظيم» (2).

____________

(1) الكافي: 2/ 293/ 1.

(2) لقمان: 13.

27

و قد وردت الآيات و الآثار الكثيرة في ذمّه و حرمته و منها ما سيأتي عن إمامنا الصادق (عليه السلام).

غير أنه يختلف كثرة و قلّة، و شدّة و ضعفا، كما دلّت عليه الآية، و لذلك يقول (عليه السلام): ما من مظلمة أشدّ من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عونا إلّا اللّه. (1)

أقول: و آية ذلك أن الضعيف عاجز عن الانتصاف لنفسه، فيكون اللّه تعالى نصيره و الآخذ بحقّه، و كيف حال من كان اللّه خصمه و المنتصف منه، و هذا مثل ما يروى عن زين العابدين (عليه السلام) من قوله: إيّاك و ظلم من لا يجد عليك ناصرا إلّا اللّه‏ (2).

و لا تحسبنّ أن الظالم هو المباشر فقط، بل كما قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

العامل بالظلم، و المعين له، و الراضي به، كلّهم شركاء ثلاثتهم‏ (3).

بل زاد على هؤلاء الثلاثة بقوله (عليه السلام): من عذر ظالما بظلمه سلّط اللّه عليه من يظلمه، إن دعا لم يستجب له، و لم يؤجره اللّه على ظلامته.

و لشدّة قبح الظلم يكون من لا ينوي الظلم مأجورا، كما قال (عليه السلام): من أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر اللّه له ما أذنب ذلك اليوم، ما لم يسفك دما أو يأكل مال يتيم حراما.

و دخل عليه رجلان في مداراة (4) بينهما و معاملة، فلم يسمع لهما كلاما بل قال (عليه السلام): «أما إنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم، أما إن المظلوم يأخذ من دين الظالم اكثر ممّا يأخذه الظالم من مال المظلوم» ثمّ قال (عليه السلام): «من‏

____________

(1) الكافي: 2/ 331/ 4.

(2) الكافي: 2/ 331/ 5.

(3) الكافي، باب الظلم: 2/ 333/ 16.

(4) منازعة.

28

يفعل الشرّ بالناس فلا ينكر الشرّ إذا فعل به، أما إنه إنما يحصد ابن آدم ما يزرع، و ليس يحصد أحد من المرّ حلوا، و لا من الحلو مرّا» فاصطلح الرجلان قبل أن يقوما.

أقول: ما أبلغها عظة و ما أصدق التمثيل، غير أن النفوس طبعت على السوء و حبّ الاعتداء و الغلبة فتعمى عن مثل هذه الآثار، و إلّا كيف يأمل أحد أن يحصد الحلو من المرّ و الخير من الشرّ، و هو نفسه لا يجازي المسي‏ء بالإحسان و الظلم بالصفح، فكيف يرجو أن يكافأ وحده بغير ما يعمل دون الناس؟

و دخل عليه زياد القندي‏ (1) فقال (عليه السلام) له: يا زياد ولّيت لهؤلاء؟

قال: نعم يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لي مروّة، و ليس وراء ظهري مال، و إنّما اواسي اخواني من عمل السلطان، فقال (عليه السلام): يا زياد أما اذا كنت فاعلا ذلك، فاذا دعتك نفسك الى ظلم الناس عند القدرة على ذلك فاذكر قدرة اللّه عزّ و جلّ على عقوبتك، و ذهاب ما أتيت إليهم عنهم، و بقاء (2) ما أتيت الى نفسك عليك و السلام‏ (3).

أقول: إن الوالي معرّض للظلم، و لكن اللّه تعالى أقدر على عقوبة الظالم و الانتصاف منه، و يستطيع أن يذهب عن المظلوم الظلامة و إرجاعها على الظالم، فلو أن الانسان ساعة يريد الظلم يخطر هذه الحقائق بباله لكفّ عمّا أراد،

____________

(1) ابن مروان القندي الأنباري بقى الى أيام الرضا (عليه السلام) و ذهب الى الوقف، كان وكيلا للكاظم (عليه السلام) و تخلّفت عنده أموال كثيرة بسبب حبس الكاظم فطالبه الرضا بالمال بعد أبيه كما طالب علي بن أبي حمزة و علي بن عيسى فقالوا بالوقف طمعا بالمال على أن زيادا ممّن روى النصّ على الرضا و هو ثقة في الرواية.

(2) ذهاب و بقاء معا معطوفان على عقوبتك، فالتقدير و على ذهاب و على بقاء.

(3) مجالس الشيخ الطوسي طاب ثراه، المجلس/ 11.

29

و هذه أجمل الوسائل للارتداع عن الظلم.

و لعظم جريمة الظلم عند اللّه سبحانه يستجيب دعوة المظلوم على ظالمه كما قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اتقوا الظلم، فإن دعوة المظلوم تصعد الى السماء (1).

أقول: إن صعود الدعوة الى السماء كناية عن الإجابة و عدم الردّ.

المؤمن:

الإيمان بكلّ شي‏ء هو تمكّن العقيدة من النفس، فيخلص لها و يتفانى في سبيلها، لأن العقيدة اذا تمكّنت من الانسان تكون جزء لا يتجزأ من نفسه لا ينفكّ عنها، بل هي نفسه حقيقة، فاذا جاز أن يتخلّى الانسان عن نفسه و لا يخلص لها، جاز أن يتخلّى عن عقيدته و لا يخلص لها.

و العقيدة الدينيّة خاصّة- بالاستقراء- و لا سيّما الإيمان باللّه أقوى من كلّ عقيدة تمكّنا من النفس، فاذا عرف الانسان ربّه مؤمنا بقدرته و تدبيره و عدله لا بدّ أن يكون مستهينا بجميع شهوات الدنيا غير حافل بحوادثها، و لا بدّ أن يتّصف بالخصال التي سنقرؤها عن الصادق (عليه السلام) التي ينبغي أن يتّصف بها المؤمن.

و من رأيته لا يتحلّى بها فاعلم أنه ليس بمؤمن حقا، أو أنه ضعيف الإيمان لم تتمكّن العقيدة من نفسه.

قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في صفة المؤمن: ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقورا عند الهزاهز، صبورا عند البلاء، شكورا عند الرخاء، قانعا بما رزقه اللّه، لا يظلم الأعداء، و لا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب،

____________

(1) الكافي، باب من تستجاب دعوته: 2/ 509/ 4.

30

و الناس منه في راحة.

ثمّ قال: إن العلم خليل المؤمن، و الحلم وزيره، و الصبر أمير جنوده، و الرفق أخوه، و اللين والده‏ (1).

أقول: إن الانسان إلّا ما ندر يجد نفسه على جانب كبير من فاضل الصفات من أجل حبّه لذاته و رضاه عن نفسه فيتعامى عن عيوبها.

و في الحقيقة إنّ هذا أوّل الرذائل، بل مبدأ كلّ رذيلة، و لكنه اذا قرأ أمثال هذه الكلمات عن صادق أهل البيت في صفة المؤمن متدبّرا فيها و فاحصا بحرّيّة و إخلاص عمّا عليه ذاته من الأخلاق و الصفات لا بدّ أن يتطامن و يسخط على نفسه بعد عرفانها، ثمّ لا بدّ أن يعرف لما ذا قال اللّه تعالى: «و ما اكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين» (2).

و قال (عليه السلام) أيضا: المؤمن له قوّة في دين، و حزم في لين، و إيمان في يقين، و حرص في فقه، و نشاط في هدى، و برّ في استقامة، و علم في حلم، و كيس في رفق، و سخاء في حق، و قصد في غنى، و تجمّل في فاقة، و عفو في مقدرة، و طاعة للّه في نصيحة، و انتهاء في شهوة، و ورع في رغبة، و حرص في جهاد، و صلاة في شغل، و صبر في شدّة، في الهزاهز وقور، و في الرخاء شكور، لا يغتاب، و لا يتكبّر، و لا يقطع الرحم، و ليس بواهن، و لا فظ، و لا غليظ، و لا يسبقه بصره، و لا يفضحه بطنه، و لا يغلبه فرجه، و لا يحسد الناس، و لا يعيّر (3) و لا يعيّر (4)، و لا يسرق، ينصر المظلوم، و يرحم المسكين، نفسه منه في عناء، و الناس‏

____________

(1) الكافي، باب المؤمن و صفاته، و باب نسبة الاسلام: 2/ 230/ 2.

(2) يوسف: 103.

(3) بتضعيف الياء و كسرها.

(4) بتضعيف الياء و فتحها.

31

منه في راحة، لا يرغب في عزّ الدنيا، و لا يجزع من ذلّها، للناس همّ قد أقبلوا عليه، و له همّ قد شغله، لا يرى‏ (1) في حكمه نقص، و لا في رأيه و هن، و لا في دينه ضياع، يرشد من استشاره، و يساعد من ساعده، و يكيع‏ (2) عن الخناء و الجهل‏ (3).

أقول: أ ترى أن إمام المؤمنين الصادق (عليه السلام) يعني بهذا الوصف الأئمة من أهل البيت، و إلّا فأين يوجد مثل هذا المؤمن الكامل؟ و هل عرف مؤمن من المسلمين على مثل هذه الصفة و إن كان الأحرى بكلّ من يدّعي الايمان باللّه و رسوله حقّا أن يكون متحلّيا بهذه الخصال الحميدة، و لكن «و ما اكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين» (4).

و قال (عليه السلام) أيضا: لا يكون المؤمن مؤمنا حتّى يكون كامل العقل، و لا يكون كامل العقل حتّى تكون فيه عشر خصال: الخير منه مأمول، و الشرّ منه مأمون، يستقلّ كثير الخير من نفسه، و يستكثر قليل الخير من غيره، و يستكثر قليل الشرّ من نفسه، و يستقلّ كثير الشرّ من غيره، و لا يتبرّم‏ (5) بطلب الحوائج قبله‏ (6)، و لا يسأم من طلب العلم عمره، الذلّ أحبّ إليه من العز (7)، و الفقر أحبّ إليه من الغنى، حسبه من الدنيا القوت، و العاشرة و ما العاشرة لا يلقي أحدا إلّا

____________

(1) بالبناء للمفعول.

(2) يجبن.

(3) الكافي، باب المؤمن و صفاته: 2/ 231/ 4.

(4) يوسف: 103.

(5) يتضجّر.

(6) بكسر القاف و فتح الباء و اللام أي إليه.

(7) لعلّه يريد أن الذلّ في الطاعة أحبّ إليه من العزّ في المعصية، لأن الكتاب صريح بقوله «العزّة للّه و لرسوله و للمؤمنين» أو يريد من الذلّ عدم نباهة الذكر و من العزّ الظهور و نباهة الشخصيّة تجوّزا فيهما.

32

قال هو خير مني و أتقى، إنما الناس رجلان، رجل خير منه و أتقى، و رجل شرّ منه و أدنى، فإذا لقي الذي هو خير منه تواضع له ليلحق به، و إذا لقي الذي هو شرّ منه و أدنى قال لعلّ شرّ هذا ظاهر و خيره باطن فاذا فعل ذلك علا و ساد أهل زمانه‏ (1).

عظاته في امور شتّى:

و من بليغ عظاته الجميل وقعها في النفس قوله (عليه السلام) و قد سأله رجل أن يعلّمه موعظة:

«إن كان اللّه قد تكفّل بالرزق فاهتمامك لما ذا، و إن كان الرزق مقسوما فالحرص لما ذا، و إن كان الحساب حقا فالجمع لما ذا، و إن كان التواب عن اللّه حقا فالكسل لما ذا، و إن كان الخلف من اللّه عزّ و جلّ حقا فالبخل لما ذا، و إن كان العقوبة من اللّه عزّ و جلّ النار فالمعصية لما ذا، و إن كان الموت حقا فالفرح لما ذا، و إن كان العرض على اللّه حقا فالمكر لما ذا، و إن كان الشيطان عدوّا فالغفلة لما ذا، و إن كان الممرّ على الصراط حقا فالعجب لما ذا، و إن كلّ شي‏ء بقضاء و قدر فالحزن لما ذا، و إن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة إليها لما ذا». (2)

أقول: كلّ هذا إنكار على الانسان في اتصافه بتلك الصفات غير المحمودة من الاهتمام و الحرص و الجمع و الكسل الى آخرها مع علمه و معرفته بأن اللّه تعالى متكفّل بالرزق و أنه مقسوم و أن الحساب حقّ ... إلى آخر ما ذكره الامام‏

____________

(1) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس/ 5.

(2) كتاب التوحيد للصدوق طاب ثراه، باب الأرزاق و الأسعار و الآجال، و كتاب الخصال: 2/ 61 باب العشرة.

33

(عليه السلام).

و لكن الذي أوقع الناس في تلك السيّئات مع علمهم و معرفتهم هو حبّهم لنفوسهم و تغلّب شهواتهم على عقولهم.

و من بديع مواعظه قوله (عليه السلام): إنكم في آجال مقبوضة و أيام معدودة، و الموت يأتي بغتة، من يزرع خيرا يحصد غبطة، و من يزرع شرّا يحصد ندامة، و لكلّ زارع زرع، لا يسبق البطي‏ء منكم حظّه، و لا يدرك حريص ما لم يقدر له، من اعطي خيرا فاللّه أعطاه، و من وقي شرا فاللّه وقاه‏ (1).

و (منها) قوله (عليه السلام): تأخير التوبة اغترار، و طول التسويف حيرة، و الاعتلال على اللّه هلكة، و الإصرار على الذنب أمن لمكر اللّه، و لا يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون‏ (2).

و (منها) قوله (عليه السلام): من اتقى اللّه وقاه، و من شكره زاده، و من أقرضه جزاه‏ (3).

و (منها) قوله لأبي بصير: أ ما تحزن؟ أ ما تهتمّ؟ أ ما تتألّم؟ قال: بلى، قال (عليه السلام): اذا كان ذلك منك فاذكر الموت و وحدتك في قبرك، و سيلان عينيك على خدّيك، و تقطّع أوصالك، و أكل الدود من لحمك، و بلاك و انقطاعك عن الدنيا، فإن ذلك يحثّك على العمل و يردعك عن كثير من الحرص على الدنيا (4).

أقول: إن هذه الفكرة لو تمثلها الانسان في نفسه لكانت اكبر رادع عن‏

____________

(1) إرشاد المفيد طاب ثراه في أحوال الصادق (عليه السلام).

(2) المصدر السابق: 283.

(3) بحار الأنوار: 78/ 199/ 24.

(4) مجالس الشيخ الطوسي طاب ثراه، المجلس/ 55.

34

ارتكاب الموبقة، و أعظم دافع على اكتساب الطاعة، و كيف يحرص على الدنيا و يقترف السيّئة و لا يأتي بالحسنة من يتمثل له تلك الحال الفظيعة في قبره التي لو شاهدها المرء لجزع من هذه الحياة، و لمقت حتّى نفسه.

و (منها) قوله (عليه السلام): ليس من أحد و إن ساعدته الامور بمستخلص غضارة عيش‏ (1) إلّا من خلال مكروه، و من انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته، لأن من شأن الأيام السلب و سبيل الزمن الفوت‏ (2).

أقول: إن هذا الكلم من أبلغ الجمل الحكيمة المعبّرة عن حقائق الكون الواقعيّة، أمّا القسم الأول و هو غضارة العيش فإن كلّ منّا يستطيع أن يجرّب في نفسه و في غيره أن الدعة و الغضارة لا تتمّ لنا خالصة من النكد و التنغيص مهما بلغت سلطتنا أو مقدرتنا الماليّة، و السرّ أن الإنسان يعجز أبدا من اشباع كلّ شهواته، و ان واتته الحياة الدنيا، و كذلك «الجنّة حفّت بالمكاره».

و أمّا فيما يتعلّق بالقسم الثاني و هو «الفرصة» فإنها لا تمرّ على الإنسان إلّا باجتماع آلاف الأسباب الخارجة عن اختياره فاذا مرّت و انتظر استقصاءها ففاتت عليه أي أنه لم يعمل السبب الأخير و هو اختياره و إرادته الجازمة فإنه على الأغلب لا يواتيه اجتماع الأسباب مرّة اخرى في نظام الكون و جمعها ثانيا ليس تحت اختياره، و لأجل هذا سمّيت فرصة، فعلى الحازم الكيّس أن ينتهزها عند سنوحها.

و (منها) قوله (عليه السلام): إن المنافق لا يرغب فيما سعد به المؤمنون، فالسعيد

____________

(1) غضارة العيش طيبه و خصبه و خيره.

(2) تحف العقول: 281.

35

يتّعظ بموعظة التقوى، و إن كان يراد بالموعظة غيره‏ (1).

هذه عقود من نفائس عظاته حلينا بها هذا السفر عسى أن يسعدنا الحظّ بالأخذ بها و العمل بنصائحها، و من هذه العظات تعرف موقفه (عليه السلام) من النصح للامّة و اهتمامه بحملهم على المحجّة البيضاء إصلاحا لهم و تزكية لنفوسهم.

***

____________

(1) روضة الكافي.

36

3- وصاياه‏

إن قيمة المرء الاجتماعيّة بما يصنعه للمجتمع من خير، كما أن قيمته الذاتيّة بما يحسنه، و لو لم يكن للصادق (عليه السلام) إلّا ما اخترناه من كلامه لكفى به دلالة على مقامه العلمي الإلهي و على اهتمامه بإصلاح الامّة، و قد قرأت شطرا من مواعظه، و هنا نقرؤك شيئا من وصاياه، و ستجد فيها جهد ما يبلغه رعاة الامم الربّانيّون و هداتها من الإرشاد الى مواطن الخير و الرفق في الدعوة و الإخلاص في التوجيه.

وصيّته لابنه الكاظم:

دخل عليه بعض شيعته و موسى ولده بين يديه و هو يوصيه، فكان ممّا أوصاه به أن قال:

يا بني اقبل وصيّتي، و احفظ مقالتي، فإنّك إن حفظتها تعش سعيدا، و تمت حميدا، يا بني إنّ من قنع استغنى، و من مدّ عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، و من لم يرض بما قسمه اللّه له اتّهم اللّه في قضائه، و من استصغر زلّة نفسه استكبر زلّة غيره، يا بني من كشف حجاب غيره انكشف عورته، و من سلّ سيف البغي قتل به، و من احتفر لأخيه بئرا سقط فيها، و من داخل السفهاء

37

حقّر، و من خالط العلماء وقّر، و من دخل مداخل السوء اتّهم، يا بني قل الحقّ لك أو عليك، و إيّاك و النّميمة فإنّها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، يا بني إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه، فإنّ للجود معادن، و للمعادن أصولا، و للاصول فروعا، و للفروع ثمرا، و لا يطيب ثمر إلّا بفرع، و لا أصل ثابت إلّا بمعدن طيّب، يا بني إذا زرت فزر الأخيار، و لا تزر الأشرار، فإنّهم صخرة صمّاء لا ينفجر ماؤها، و شجرة لا يخضّر ورقها، و أرض لا يظهر عشبها (1).

أقول: و قد جاء بعض هذه الفقرات في نهج البلاغة، و لا بدع فإن علمهم بعضه من بعض، و لعلّ الصادق (عليه السلام) ذكرها استشهادا أو اقتباسا.

وصيّته لأصحابه:

بعد البسملة: أمّا بعد فاسألوا اللّه ربّكم العافية، و عليكم بالدعة و الوقار و السكينة، و عليكم بالحياء و التنزّه عمّا تنزّه عنه الصالحون قبلكم، و اتقوا اللّه و كفّوا ألسنتكم إلّا من خير، و إيّاكم أن تذلقوا (2) ألسنتكم بقول الزور و البهتان و الإثم و العدوان، فإنكم إن كففتم ألسنتكم عمّا يكرهه اللّه ممّا نهاكم عنه كان خيرا لكم عند ربّكم من أن تذلقوا ألسنتكم به، فإن ذلق اللسان فيما يكرهه اللّه و فيما ينهي عنه مرداة للعبد عند اللّه، و مقت من اللّه، و صمم و بكم و عمي يورثه اللّه إيّاه يوم القيامة، فتصيروا كما قال اللّه: «صمّ بكم عمي فهم لا يعقلون» (3) يعني لا ينطقون و لا يؤذن لهم فيعتذرون، و عليكم بالصمت إلّا فيما ينفعكم اللّه به من أمر آخرتكم و يؤجركم عليه، اكثروا من أن تدعوا اللّه فإن‏

____________

(1) نور الأبصار للشبلنجيّ: 163، و حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم: 3/ 135.

(2) تحدّوا و تذربوا.

(3) البقرة: 171.

38

اللّه يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه، و قد وعد عباده المؤمنين الاستجابة، و اللّه مصيّر دعاء المؤمنين يوم القيامة عملا يزيدهم في الجنّة، فاكثروا ذكر اللّه ما استطعتم في كلّ ساعة من ساعات الليل و النّهار، فإن اللّه أمر بكثرة الذكر له، و اللّه ذاكر من ذكره من المؤمنين، و اعلموا أن اللّه لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلّا ذكره بخير، فاعطوا اللّه من أنفسكم الاجتهاد في طاعته، فإن اللّه لا يدرك شي‏ء من الخير عنده إلّا بطاعته و اجتناب محارمه التي حرّم اللّه في ظاهر القرآن و باطنه، قال في كتابه و قوله الحق: «و ذروا ظاهر الإثم و باطنه» (1) و اعلموا أن ما أمر اللّه به أن تجتنبوه فقد حرّمه.

و لا تتبعوا أهواءكم و آراءكم فتضلّوا، فإن أضلّ النّاس عند اللّه من اتبع هواه و رأيه بغير هدى من اللّه، و أحسنوا الى أنفسكم ما استطعتم، فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم و ان أسأتم فلها، و اعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتّى يرضى عن اللّه فيما صنع اللّه إليه و صنع به على ما أحبّ و كره، و لن يصنع اللّه بمن صبر و رضي عن اللّه إلّا ما هو أهله، و هو خير له ممّا أحبّ و كره.

و عليكم بالمحافظة على الصلوات و الصلاة الوسطى، و قوموا للّه قانتين كما أمر اللّه به المؤمن في كتابه من قبلكم.

و إيّاكم و العظمة و الكبر، فإن الكبر رداء اللّه عزّ و جلّ، فمن نازع اللّه رداءه قصمه اللّه و أذلّة يوم القيامة، و إيّاكم أن يبغي بعضكم على بعض، فإنها ليست من خصال الصالحين، فإن من بغى صيّر اللّه بغيه على نفسه، و صارت نصرة اللّه لمن بغى عليه، و من نصره اللّه غلب، و أصاب الظفر من اللّه، و إيّاكم أن يحسد بعضكم بعضا، فإن الكفر أصله الحسد (2)، و إيّاكم أن تعينوا على مسلم مظلوم،

____________

(1) الأنعام: 12.

(2) أحسب أنه إشارة الى ما كان من إبليس مع آدم (عليه السلام).

39

فيدعو اللّه عليكم فيستجاب له فيكم، فإن أبانا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقول: إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة، و ليعن بعضكم بعضا، فإن أبانا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقول: إن معاونة المسلم خير و أعظم أجرا من صيام شهر و اعتكافه في المسجد الحرام.

و اعلموا إنّ الاسلام هو التسليم، و التسليم هو الاسلام، فمن سلّم فقد أسلم، و من لم يسلّم فلا إسلام له، و من سرّه أن يبلغ الى نفسه في الإحسان فليطع اللّه، فإن من أطاع اللّه فقد أبلغ إلى نفسه في الإحسان، و إيّاكم و معاصي اللّه أن ترتكبوها، فإنه من انتهك معاصي اللّه فركبها فقد أبلغ في الإساءة إلى نفسه، و ليس بين الإحسان و الإساءة منزلة، فلأهل الإحسان عند ربهم الجنّة و لأهل الإساءة عند ربّهم النار، فاعملوا لطاعة اللّه و اجتنبوا معاصيه.

أقول: و هذه الوصيّة طويلة و قد اقتطفنا منها هذه الزهر النفّاحة، و هي مرويّة في بدء روضة الكافي للكليني طاب ثراه، و قال: و قد كتب بها الصادق (عليه السلام) إلى أصحابه، و أمرهم بمدارستها و النظر فيها، و تعاهدها و العمل بها، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فاذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها.

أجل هكذا يجب أن نتعاهد مثل هذه الوصيّة فإن فيها جماع مكارم الأخلاق العالية.

وصيّته لعبد اللّه بن جندب:

عبد اللّه بن جندب البجلي الكوفي صحب الصادق و الكاظم و الرضا (عليهم السلام)، و توكّل للكاظم و الرضا، و كان عابدا رفيع المنزلة عندهما، روى الكشي في رجاله أنه قال لأبي الحسن (عليه السلام): أ لست عنّي راضيا؟ قال:

اي و اللّه، و رسول اللّه و اللّه راض.

40

و قد أوصاه الصادق بوصيّة جمعت نفائس من العظات و النصائح، التقطنا منها الشذرات الآتية، قال (عليه السلام):

يا ابن جندب، يهلك المتّكل على عمله، و لا ينجو المجتري على الذنوب برحمة اللّه، قال: فمن ينجو؟ قال: الذين هم بين الخوف و الرجاء كأن قلوبهم في مخلب طائر، شوقا إلى الثواب و خوفا من العذاب.

يا ابن جندب، من سرّه أن يزوّجه اللّه من الحور العين و يتوجّه بالنور فليدخل على أخيه المؤمن السرور.

يا ابن جندب، إن للشيطان مصائد يصطاد بها، فتحاموا شباكه و مصائده، قال: يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ما هي؟ قال: أمّا مصائده فصدّ عن برّ الاخوان، و أمّا شباكه فنوم عن أداء الصلاة التي فرضها اللّه، أما أنه ما يعبد اللّه بمثل نقل الأقدام الى برّ الاخوان و زيارتهم، ويل للساهين عن الصلاة النائمين في الخلوات المستهزئين باللّه و آياته في القرآن، اولئك الذين لا خلاق لهم في الآخرة و لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم.

يا ابن جندب، الساعي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا و المروة، و قاضي حاجته كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه يوم بدر و احد، و ما عذّب اللّه أمّة إلّا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم.

يا ابن جندب، إن أحببت أن تجاور الجليل في داره، و تسكن الفردوس في جواره، فلتهن عليك الدنيا، و اجعل الموت نصب عينيك، و لا تدّخر لغد، و اعلم أنّ لك ما قدّمت، و عليك ما أخّرت.

يا ابن جندب، من حرم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره، و من أطاع هواه فقد أطاع عدوّه، و من يتّق اللّه يكفه ما أهمّه من أمر دنياه و آخرته، و يحفظ له ما غاب عنه، و قد عجز من لم يعدّ لكلّ بلاء صبرا، و لكلّ نعمة شكرا، و لكلّ عسر

41

يسرا، اصبر نفسك عند كلّ بليّة، و في ولد أو مال أو ذريّة، فإنما يقبض عاريته، و يأخذ هبته، ليبلو فيهما شكرك و صبرك، و ارج اللّه رجاء لا يجرّئك على معصيته، و خفه خوفا لا يؤيسك من رحمته و لا تغترّ بقول الجاهل و لا بمدحة فتكبر و تجبر و تغترّ بعملك، فإن أفضل العمل العبادة و التواضع، و لا تضيع مالك و تصلح مال غيرك ما (1) خلفته وراء ظهرك، و اقنع بما قسمه اللّه لك، و لا تنظر إلّا ما عندك، و لا تتمنّ ما لست تناله، فإن من قنع شبع، و من لم يقنع لم يشبع، و خذ حظّك من آخرتك، و لا تكن بطرا في الغنى، و لا جزعا في الفقر، و لا تكن فظّا غليظا يكره الناس قربك، و لا تكن واهنا يحقرك من عرفك، و لا تشارّ (2) من فوقك، و لا تسخر بمن هو دونك، و لا تنازع الأمر أهله، و لا تطع السفهاء، وقف عند كلّ أمر حتّى تعرف مدخله و مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم، و اجعل نفسك عدوّا تجاهده، و إن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المنّ و الذكر لها، و لكن اتبعها بأفضل منها، فإن ذلك أجمل في أخلاقك و أوجب للثواب في آخرتك، و عليك بالصمت نعدّ حليما، جاهلا كنت أو عالما، فإن الصمت زين عند العلماء و سترة لك عند الجهّال.

و من هذه الوصية حكايته لكلام عيسى (عليه السلام) لأصحابه و هو قوله:

و إيّاكم و النظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة، و كفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه، و لم يجعل بصره في عينه، لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب و انظروا في عيوبهم كهيئة العبيد، إنما الناس مبتلى و معافى، فارحموا المبتلى، و احمدوا اللّه على العافية.

____________

(1) ما موصولة عطف بيان لقوله- مال غيرك- أي أن الذي تخلفه وراء ظهرك هو مال غيرك فلا تهتمّ لاصلاحه، و تضييع مالك الذي ينبغي أن تنفقه في وجوه الخير.

(2) بتضعيف الراء- تخاصم.

42

ثمّ قال (عليه السلام): يا ابن جندب، صل من قطعك، و اعط من حرمك، و أحسن الى من أساء إليك، و سلّم على من سبّك، و انصف من خاصمك، و اعف عمّن ظلمك كما أنك تحبّ أن يعفي عنك، فاعتبر بعفو اللّه عنك، أ لا ترى أن شمسه أشرقت على الأبرار و الفجّار، و أن قطره ينزل على الصالحين و الخاطئين.

يا ابن جندب، الاسلام عريان فلباسه الحياء، و زينته الوقار، و مروّته العمل الصالح، و عماده الورع، و لكلّ شي‏ء أساس و أساس الاسلام حبّنا أهل البيت‏ (1).

أقول: ما أجمع هذه الوصيّة لجلائل الحكم و نفائس المواعظ، و لا تمرّ عليك وصيّة و لا عظة إلّا و حسبت عندها منتهى البلاغة و أقصى التذكير و التنبيه، و تقول: هل وراءها من قول، و إن أمثال هذه الوصايا جديرة بالتعليق و الشرح إلّا انّ ذلك أبعد عن الغاية، فنوكل التدبّر بها الى القارئ الكريم.

وصيّته لعبد اللّه النجاشي في كتابه‏

(2):

قال عبد اللّه بن سليمان النوفلي: كنت عند جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، فاذا بمولى لعبد اللّه النجاشي ورد عليه فسلّم و أوصل إليه كتابا ففضّه و قرأه، فاذا أوّل سطر فيه.

بسم اللّه الرحمن الرحيم، أطال اللّه بقاء سيّدي و جعلني من كلّ سوء فداه، إني بليت بولاية الأهواز فإن رأى سيّدي أن يحدّ لي حدّا أو يمثل لي مثلا لأستدلّ‏

____________

(1) بحار الأنوار: 78/ 279/ 1.

(2) في نفس الكتاب: 1/ 260.

43

به على ما يقرّبني الى اللّه جلّ و عزّ و الى رسوله، و يلخّص في كتابه ما يرى لي العمل به و فيما يبذله و أبتذله، و أين أضع زكاتي، و فيمن أصرفها، و بمن آنس، و الى من أستريح، و من أثق و آمن و ألجأ إليه في سرّي، فعسى أن يخلّصني اللّه بهدايتك و دلالتك، فإنك حجّة اللّه على خلقه، و أمينه في بلاده لا زالت نعمته عليك.

قال عبد اللّه بن سليمان: فأجابه أبو عبد اللّه (عليه السلام):

بسم اللّه الرحمن الرحيم، جاملك اللّه بصنعه، و لطف بك بمنّه، و كلأك برعايته، فإنه وليّ ذلك، أمّا بعد فقد جاء إليّ رسولك بكتابك فقرأته و فهمت جميع ما ذكرته و سألت عنه و زعمت أنك بليت بولاية الأهواز فسرّني ذلك و ساءني، فأمّا سروري بولايتك فقلت: عسى أن يغيث اللّه بك ملهوفا من أولياء آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و يعزّبك، و ساءني من ذلك فإن أدنى ما أخاف عليك أن تعثر بوليّ لنا فلا تشمّ حظيرة القدس.

فإني ملخّص لك جميع ما سألت عنه إن أنت عملت به و لم تجاوزه رجوت أن تسلم إن شاء اللّه تعالى، أخبرني أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه اللّه لبّه، و اعلم أني سأشير عليك برأي إن أنت عملت به تخلّصت ممّا أنت متخوّفه، و اعلم أن خلاصك و نجاتك من حقن الدماء و كفّ الأذى من أولياء اللّه و الرفق بالرعيّة و التأني و حسن المعاشرة، مع لين في غير ضعف، و شدّة في غير عنف، و مداراة صاحبك و من يرد عليك من رسله، و ارتق فتق رعيّتك بأن توافقهم على ما وافق الحقّ و العدل إن شاء اللّه.

إيّاك و السعاة و أهل النمائم فلا يلتزقن منهم بك أحد، و لا يراك اللّه يوما و ليلة و أنت تقبل منهم صرفا و لا عدلا فيسخط اللّه عليك و يهتك سترك.

44

فأمّا من تأنس به و تستريح إليه و تلج امورك إليه فذلك الرجل الممتحن المستبصر الأمين الموافق لك على دينك، و ميّز عوامك و جرّب الفريقين فإن رأيت هنالك رشدا فشأنك و إيّاه.

و إيّاك أن تعطي درهما أو تخلع ثوبا أو تحمل على دابّة في غير ذات اللّه لشاعر أو مضحك أو ممتزح إلّا أعطيت مثله في ذات اللّه.

و لتكن جوائزك و عطاياك و خلعك للقوّاد و الرسل و الأحفاد و أصحاب الرسائل و أصحاب الشرط و الأخماس، و ما أردت أن تصرفه في وجوه البرّ و النجاح و الفتوّة و الصدقة و الحجّ و المشرب و الكسوة التي تصلّي فيها و تصل بها و الهديّة التي تهديها الى اللّه عزّ و جلّ و الى رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) من أطيب كسبك.

يا عبد اللّه، اجهد ألّا تكنز ذهبا و لا فضّة فتكون من أهل هذه الآية التي قال اللّه عزّ و جلّ: «الذين يكنزون الذهب و الفضّة و لا ينفقونها في سبيل اللّه» (1).

و لا تستصغرن من حلو أو فضل طعام تصرفه في بطون خالية ليسكن بها غضب اللّه تبارك و تعالى، و اعلم أني سمعت من أبي يحدّث عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول يوما: ما آمن باللّه و اليوم الآخر من بات شبعانا و جاره جائع، فقلنا: اهلكنا يا رسول اللّه، فقال: من فضل طعامكم و من فضل تمركم و رزقكم و خلقكم و خرقكم تطفون بها غضب الرب.

فخرج أمير المؤمنين من الدنيا و ليس في عنقه تبعة لأحد حتّى لقي اللّه محمودا غير ملوم و لا مذموم، ثمّ اقتدت به الأئمة من بعده بما قد بلغكم، لم يتلطّخوا

____________

(1) التوبة: 34.

45

بشي‏ء من بوائقها (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و أحسن مثواهم.

و قد وجّهت إليك بمكارم الدنيا و الآخرة، فإن أنت عملت بما نصحت لك في كتابي هذا ثمّ كانت عليك من الذنوب و الخطايا كمثل أوزان الجبال و أمواج البحار رجوت اللّه أن يتحامى عنك جلّ و عزّ بقدرته.

يا عبد اللّه إيّاك أن تخيف مؤمنا فإن أبي محمّد حدّثني عن أبيه عن جدّه علي بن أبي طالب (عليهم السلام) أنه كان يقول: من نظر الى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه اللّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه، و حشره في صورة الذرّ لحمه و جسده و جميع أعضائه حتّى يورده مورده.

و حدّثني أبي عن آبائه عن علي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: من أغاث لهفانا من المؤمنين أغاثه اللّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه، و آمنه اللّه يوم الفزع الاكبر، و آمنه عن سوء المنقلب، و من قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى اللّه له حوائج كثيرة إحداها الجنّة، و من كسا أخاه المؤمن من عري كساه اللّه من سندس الجنّة و استبرقها و حريرها، و لم يزل يخوض في رضوان اللّه ما دام على المكسو منها سلك، و من أطعم أخاه من جوع أطعمه اللّه من طيّبات الجنّة، و من سقاه من ظمأ سقاه اللّه من الرحيق المختوم، و من أخدم أخاه أخدمه اللّه من الولدان المخلّدين و أسكنه مع أوليائه الطاهرين، و من حمل أخاه المؤمن من رحله حمله اللّه على ناقة من نوق الجنّة و باهى به الملائكة المقرّبين يوم القيامة، و من زوّج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها و تشدّ عضده و يستريح إليها زوّجه اللّه من الحور العين، و آنسه بمن أحبّ من الصدّيقين من أهل بيته و اخوانه و آنسهم به.

و من أعان أخاه المؤمن على سلطان جائر أعانه اللّه على إجازة الصراط عند زلزلة الأقدام، و من زار أخاه المؤمن إلى منزله لا لحاجة منه إليه كتب من زوّار اللّه، و كان حقيقا على اللّه أن يكرم زائره.

46

يا عبد اللّه و حدّثني أبي عن آبائه عن علي (عليه السلام) أنه سمع من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول لأصحابه يوما، معاشر الناس إنه ليس بمؤمن من لعن بلسانه و لم يؤمن بقلبه‏ (1) فلا تتبعوا عثرات المؤمنين، فإنه من اتبع عثرة مؤمن اتبع اللّه عثراته يوم القيامة و فضحه في جوف بيته.

و حدّثني أبي عن علي (عليه السلام) قال: أخذ اللّه في ميثاق المؤمن ألّا يصدّق‏ (2) في مقالته، و لا ينتصف من عدوّه، و لا يشفي غيظه إلّا بفضيحة نفسه، لأن كلّ مؤمن ملجم، و ذلك لغاية قصيرة و راحة طويلة.

أخذ اللّه ميثاق المؤمن على أشياء أيسرها مؤمن مثله يقول بمقالته يتعبه و يحسده، و الشيطان يغويه و يعينه، و السلطان يقفو أثره و يتبع عثراته، و كافر بالذي هو مؤمن به يرى سفك دمه دينا، و إباحه حريمه غنما، فما بقاء المؤمن بعد هذا.

يا عبد اللّه و حدّثني أبي عن آبائه عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد إن اللّه يقرأ عليك السلام و يقول: اشتققت للمؤمن اسما من أسمائي سمّيته مؤمنا فالمؤمن منّي و أنا منه، من استهان بمؤمن فقد استقبلني بالمحاربة.

يا عبد اللّه و حدّثني أبي عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال يوما: يا علي لا تناظر رجلا حتّى تنظر في سريرته، فإن كانت سريرته حسنة فانّ اللّه عزّ و جلّ لم يكن ليخذل وليّه، و إن كانت سريرته رديّة فقد يكفيه مساويه، فلو جهدت أن تعمل به اكثر ممّا عمله من معاصي اللّه عزّ و جلّ ما قدرت عليه.

____________

(1) يريد أنه من يذكر الناس بسوء بغير ما يعتقده فيهم.

(2) بالبناء للمفعول.

47

يا عبد اللّه و حدّثني أبي عن آبائه عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: أدنى الكفر أن يسمع الرجل عن أخيه الكلمة ليحفظها عليه يريد أن يفضحه بها، اولئك لا خلاق لهم.

يا عبد اللّه و حدّثني أبي عن آبائه عن علي (عليه السلام) أنه قال: من قال في مؤمن ما رأت عيناه و سمعت اذناه ما يشينه و يهدم مروّته فهو من الذين قال اللّه عزّ و جلّ‏ «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ».

يا عبد اللّه و حدّثني أبي عن آبائه عن علي (عليه السلام) أنه قال: من روى عن أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مروّته و ثلبه أو بقه اللّه بخطيئته حتّى يأتي بمخرج ممّا قال، و لن يأتي بالمخرج منه أبدا، و من أدخل على أخيه المؤمن سرورا فقد أدخل على أهل البيت (عليهم السلام) سرورا، و من أدخل على أهل البيت سرورا فقد أدخل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) سرورا، و من أدخل على رسول اللّه سرورا فقد سرّ اللّه، فحقيق عليه أن يدخله الجنّة حينئذ.

ثمّ إنّي اوصيك بتقوى اللّه و إيثار طاعته و الاعتصام بحبله، فإنه من اعتصم بحبل اللّه فقد هدي الى صراط مستقيم، فاتق اللّه و لا تؤثر أحدا على رضاه و هواه، فإنّه وصيّة اللّه عزّ و جلّ الى خلقه، لا يقبل منهم غيرها و لا يعظّم سواها، و اعلم أن الخلائق لم يوكلوا بشي‏ء أعظم من التقوى فإنّه وصيّتنا أهل البيت، فإن استطعت ألّا تنال شيئا من الدنيا تسأل عنه غدا فافعل.

قال عبد اللّه بن سليمان: فلمّا وصل كتاب الصادق (عليه السلام) الى النجاشي نظر فيه فقال: صدق و اللّه الذي لا إله إلّا هو مولاي، فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إلّا نجا فلم يزل عبد اللّه يعمل به في أيام حياته‏ (1).

____________

(1) بحار الأنوار: 78/ 271/ 112.

48

فكّر أيها القارئ الكريم في هذه النصائح القدسيّة، و أعد النظر في فقراتها، و انظر ما ذا سيبلغه البشر من نهاية السعادة لو وضع الامراء و أرباب الدولة هذا الكتاب نصب أعينهم، و درج عليه الناس في معاملاتهم بعضهم مع بعض، و لكن البشر لا يزال في سكرته لا يستيقظ لسماع مثل هذه المواعظ.

و من وصاياه لشيعته:

قال زيد الشحّام: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): اقرأ من ترى أنه يطيعني منكم و يأخذ بقولي السلام، و اوصيكم بتقوى اللّه عزّ و جلّ و الورع في دينكم، و الاجتهاد للّه، و صدق الحديث، و أداء الأمانة، و طول السجود، و حسن الجوار، فبهذا جاء محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

أدّوا الأمانة الى من ائتمنكم عليها برّا أو فاجرا، فإن رسول اللّه كان يأمر بأداء الخيط و المخيط، صلوا عشائركم، و اشهدوا جنائزهم، و عودوا مرضاهم، و أدّوا حقوقهم، فإن الرجل منكم اذا ورع في دينه و صدق الحديث و أدّى الأمانة و حسن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفري، و يسرّني ذلك، و يدخل عليّ منه السرور، و قيل: هذا أدب جعفر، و إذا كان غير ذلك دخل عليّ بلاؤه و عاره و قيل: هذا أدب جعفر، فو اللّه لحدّثني أبي أن الرجل كان يكون في القبيلة من شيعة علي (عليه السلام) فيكون زينها، أدّاهم للأمانة، و أقضاهم للحقوق، و أصدقهم للحديث، إليه وصاياهم و ودائعهم، تسأل العشيرة عنه، و يقولون:

من مثل فلان؟ إنّه أدّانا للأمانة، و أصدقنا للحديث‏ (1).

____________

(1) الكافي، كتاب العسرة، باب ما يجب من العشرة: 2/ 636/ 5.

49

وصيّته لمؤمن الطاق‏

(1):

نقتطف من وصيّته لمؤمن الطاق زهرا غضّة، قال (عليه السلام): يا ابن النعمان إيّاك و المراء فإنه يحبط عملك، و إيّاك و الجدال فإنه يوبقك، و إيّاك و كثرة الخصومات فإنها تبعد من اللّه، إن من كان قبلكم يتعلّمون الصمت و أنتم تتعلّمون الكلام، كان أحدهم اذا أراد التعبّد يتعلّم الصمت قبل ذلك بعشر سنين، فإن كان يحسنه و يصير عليه تعبّد، و إلّا قال: ما أنا لما أروم بأهل، إنما ينجو من أطال الصمت عن الفحشاء، و صبر في دولة الباطل على الأذى، اولئك النجباء الأصفياء الأولياء حقا و هم المؤمنون، و اللّه لو قدّم أحدكم مل‏ء الأرض ذهبا على اللّه ثمّ حسد مؤمنا لكان ذلك الذهب ممّا يكوى به في النار.

يا ابن النعمان من سئل عن علم فقال: لا ادري فقد ناصف العلم، و المؤمن يحسد في مجلسه فإذا قام ذهب عنه الحقد.

يا ابن النعمان إن أردت أن يصفو لك ودّ أخيك فلا تمازحنّه و لا تمارينّه و لا تباهينّه و لا تشارنّه‏ (2) و لا تطلع صديقك من سرّك إلّا على ما لو اطّلع عليه عدوّك لم يضرّك، فإن الصديق قد يكون عدوّك يوما.

يا ابن النعمان ليست البلاغة بحدّة اللسان، و لا بكثرة الهذيان، و لكنها أصابة المعنى و قصد الحجّة (3).

وصيّته لحمران بن أعين‏

(4):

قال (عليه السلام): يا حمران انظر الى من هو دونك، و لا تنظر إلى من هو

____________

(1) محمد بن النعمان الصيرفي الكوفي، و سنذكره في المشاهير، و قد كتبت فيه رسالة مستقلّة.

(2) تخاصمنه.

(3) البحار: 78/ 292.

(4) سنذكره في المشاهير من رواته.

50

فوقك في المقدرة فإن ذلك أقنع لك بما قسم لك، و أحرى أن تستوجب الزيادة من ربّك، و اعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند اللّه من العمل الكثير على غير يقين، و اعلم أنه لا ورع أنفع من تجنّب محارم اللّه و الكفّ عن أذى المؤمنين و اغتيابهم، و لا عيش أهنأ من حسن الخلق، و لا مال أنفع من القنوع باليسير المجزي، و لا جهل أضرّ من العجب‏ (1).

وصيّته للمفضّل بن عمر

(2):

قال (عليه السلام) للمفضّل بن عمر: اوصيك و نفسي بتقوى اللّه و طاعته، فإن من التقوى الطاعة و الورع و التواضع للّه و الطمأنينة و الاجتهاد و الأخذ بأمره و النصيحة لرسله، و المسارعة في مرضاته، و اجتناب ما نهى عنه، فإن من يتّق اللّه فقد أحرز نفسه من النار بإذن اللّه و أصاب الخير كلّه في الدنيا و الآخرة و من أمر بتقوى اللّه فقد أفلح الموعظة جعلنا اللّه من المتّقين برحمته‏ (3).

وصيّته لجميل بن درّاج‏

(4):

قال (عليه السلام) لجميل بن درّاج: خياركم سمحاؤكم و شراركم بخلاؤكم، و من صالح الأعمال البرّ بالاخوان و السعي في حوائجهم، و ذلك مرغمة للشيطان و تزحزح عن النيران، و دخول في الجنان، يا جميل اخبر بهذا الحديث‏

____________

(1) روضة الكافي، 8/ 204/ 238.

(2) سيأتي ذكره في المشاهير أيضا، و هو صاحب التوحيد الذي تقدم ذكره في الجزء الأول ص 149.

(3) بصائر الدرجات: 526/ 1.

(4) سنذكره في المشاهير إن شاء اللّه تعالى.