إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج3

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
405 /
3

[بقية فصل في أمارات نبوته‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ذكر مجي‏ء الملك إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) برسالات ربه تعالى‏

خرج البخاري و مسلم من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أخبرته كذا، أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الوحي [ (1)] الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- قال: و التحنث: هو التعبد- الليالي ذوات العدد، و قال مسلم: أولات العدد- قبل أن يرجع إلى أهله، و يتزود لذلك‏

ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق في غار حراء، فجاءه الملك فقال:

اقْرَأْ

، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال:

اقْرَأْ

، فقلت: ما أنا بقارئ، فقال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال:

اقْرَأْ

، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ‏

____________

[ (1)] (من الوحي): يحتمل أن تكون «من» تبعيضية، أي من أقسام الوحي، و يحتمل أن تكون بيانية، و رجحه محمد بن جعفر القيرواني أبو عبد اللَّه التميمي القزاز، صاحب [الجامع في اللغة].

و الرؤيا الصالحة، وقع في رواية معمر و يونس عند المصنف في التفسير: «الصادقة»، و هي التي فيها ضغث، و بدئ بذلك ليكون تمهيدا، و توطئة لليقظة، ثم مهّد له في اليقظة أيضا رؤية الضوء، و سماع الصوت، و سلام الحجر.

قوله: «في النوم»، لزيادة الإيضاح، أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لجواز إطلاقها مجازا.

قوله: «مثل فلق الصبح»، ينصب «مثل» على الحال، أي مشبهة ضياء الصبح، أو على أنه صفة لمحذوف، أي جاءت مجيئا مثل فلق الصبح، و المراد بفلق الصبح: ضياؤه. و خص بالتشبيه لظهوره الواضح، الّذي لا شك فيه.

قوله: «حبّب»، لم يسمّ فاعله لعدم تحقق الباعث على ذلك، و إن كان كل من عند اللَّه، أو لينبه على أنه لم يكن من باعث البشر، أو يكون ذلك من وحي الإلهام، و «الخلاء» بالمد، الخلوة، و السّر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه إليه، و حراء: جبل معروف بمكة، و الغار نقب في الجبل، و جمعه غيران.

قوله: «فيتحنث»، هي بمعنى يتحنف، أي يتبع دين الحنفية، و هي دين إبراهيم،

4

____________

[ ()] و «الفاء» تبدل «ثاء» في كثير من كلامهم، و قد وقع في رواية ابن هشام في (السيرة): «يتحنف» بالفاء. أو التّحنّث إلقاء الحنث و هو الإثم، كما قيل: يتأثم، و يتحرج، و نحوهما.

قوله: «هو التعبد»، هذا مدرج في الخبر، و هو من تفسير الزهري، كما جزم به الطيبي و لم يذكر دليله، نعم في رواية المؤلف من طريق يونس عنه في التفسير ما يدل على الإدراك.

قوله: «الليالي ذوات العدد»، يتعلق بقوله: يتحنث، و إبهام العدد لاختلافه، كذا قيل، و هو بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، و إلا فأصل الخلوة قد عرفت مدتها و هي شهر، و ذلك الشهر كان في رمضان، رواه ابن إسحاق. و الليالي منصوبة على الظرف، و ذوات منصوبة أيضا، و علامة النصب فيه كسر التاء.

قوله: «لمثلها» أي الليالي، و التزود استصحاب الزاد.

قوله: «حتى جاءه الحق»، و في التفسير: حتى فجئه الحق- بكسر الجيم و هي الرواية التي أثبتها المقريزي- أي بغته، و إن ثبت من مرسل عبيد بن عمير أنه أوحي إليه بذلك في المنام أولا قبل اليقظة، أمكن أن يكون مجي‏ء الملك في اليقظة عقب ما تقدم في المنام، و سمي حقا لأنه وحي من اللَّه تعالى، و قد وقع في رواية أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة قالت: إن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كان أول شأنه يرى في المنام، و كان أول ما رأى جبريل بأجياد، صرخ جبريل: «يا محمد»، فنظر يمينا و شمالا فلم ير شيئا، فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال: «يا محمد، جبريل جبريل»، فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئا، ثم خرج عنهم، فناداه فهرب، ثم استعلن له جبريل من قبل حراء، فذكر قصة إقرائه‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏، و رأى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت يختطفان البصر، و هذا من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود، و ابن لهيعة ضعيف.

وقد ثبت في صحيح مسلم من وجه آخر عن عائشة مرفوعا: «لم أره- يعني جبريل- على صورته التي خلق عليها إلا مرتين»،

و بيّن أحمد في حديث ابن مسعود، أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه صورته التي خلق عليها، و الثانية عند المعراج.

و للترمذي من طريق مسروق عن عائشة: «لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، و مرة في أجياد»، و هذا يقوى رواية ابن لهيعة، و تكون هذه المرة غير المرتين المذكورتين، و إنما لم يضمها إليها لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، و العلم عند اللَّه تعالى.

و وقع في السيرة التي جمعها سليمان التيمي، فرواها محمد بن عبد الأعلى عن ولده معتمر بن سليمان عن أبيه أن جبريل أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في حراء و أقرأه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏ ثم انصرف، فبقي متردّدا، فأتاه من أمامه في صورته، فرأى أمرا عظيما.

قوله: «فجاءه»، هذه الفاء تسمى التفسيرية و ليست التعقيبية، لأن مجي‏ء الملك ليس بعد مجي‏ء الوحي حتى تعقب به، بل هو نفسه، و لا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشي‏ء بنفسه، بل التفسير عين المفسّر به من جهة الإجمال، و غيره من جهة التفصيل.

قوله: «ما أنا بقارئ» ثلاثا، «ما» نافية، إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء، و إن حكي عن الأخفش جوازه فهو شاذ، و الباء زائدة لتأكيد النفي، أي ما أحسن القراءة، فلما قال ذلك ثلاثا قيل له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏ أي لا تقرءوه بقوتك و لا بمعرفتك، لكن بحول ربك‏

5

الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏

[ (1)]، فرجع بها [ (2)] رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ترجف بوادره حتى دخل على خديجة رضي اللَّه عنها فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع- و قال مسلم: حتى ذهب عنه ما يجد من الروع- ثم قال لخديجة: أي خديجة! ما لي قد خشيت على نفسي؟

و أخبرها الخبر فقالت له خديجة: ...

____________

[ ()] و إعانته، فهو يعلمك، كما خلقك، و كما نزع عنك علق الدم و غمز الشيطان في الصغر، و علّم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمية. ذكره السهيليّ.

و قال غيره: إن هذا التركيب- و هو قوله: ما أنا بقارئ- يفيد الاختصاص.

و ردّه الطيبي بأنه إنما يفيد التقوية و التأكيد، و التقدير: لست بقارئ البتّة. فإن قيل: لم كرر ذلك ثلاثا؟ أجاب أبو شامة بأن يحمل قوله أولا:

«ما أنا بقارئ»

على الامتناع، و ثانيا: على الإخبار بالنفي المحض، و ثالثا: على الاستفهام. و يؤيده أن في رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال: كيف أقرأ؟ و في رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق: ما ذا أقرأ؟ و في مرسل الزهري في (دلائل البيهقي): كيف أقرأ؟ و كل ذلك يؤيد أنها استفهامية. و اللَّه أعلم.

قوله: «فغطني»،

بغين معجمة و طاء مهملة. و في رواية الطبري: «فغتني» بتاء مثناة من فوق، كأنه أراد ضمني و عصرني، و الغط: حبس النفس، و منه: غطه في الماء، أو أراد غمني، و منه الخنق، و لأبي داود الطيالسي في مسندة بسند حسن: فأخذ بحلقي.

قوله: «حتى بلغ مني الجهد»،

روى بالفتح و النصب، أي بلغ مني غاية و سعي. و روى بالضم و الرفع، أي بلغ مني الجهد مبلغه، و

قوله: «أرسلني»

أي أطلقني، و لم يذكر الجهد هنا في المرة الثالثة، و هو ثابت عند البخاري في (التفسير).

[ (1)] الآيات من أول سورة العلق.

[ (2)] قوله: «فرجع بها»، أي بالآيات أو بالقصة.

قوله: «فزملوه»، أي لفوه، و الرّوع بالفتح: الفزع.

قوله: «لقد خشيت على نفسي»، دلّ هذه مع قوله: «يرجف فؤاده» على انفعال حصل له من مجي‏ء الملك، و من ثم قال: «زملوني». و الخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولا:

[1] الجنون و أن يكون ما رآه من جنس الكهانة، جاء مصرحا به في عدة طرق، و أبطله أبو بكر ابن العربيّ، و حق له أن يبطل، لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصوله العلم الضّروريّ له، أن الّذي جاءه ملك، و أنه من عند اللَّه تعالى.

[2] الهاجس، و هو باطل أيضا، لأنه لا يستقر، و حصلت بينهما المراجعة.

[3] الموت من شدة الرعب.

[4] المرض، و قد جزم به ابن أبي جمرة.

[5] دوام المرض.

[6] العجز عن حمل أعباء النبوة.

[7] العجز عن النظر إلى الملك من الرعب.

6

كلا [ (1)]، فأبشر، فو اللَّه لا يخزيك اللَّه ...

[8] عدم الصبر على أذى قومه.

[9] أن يقتلوه.

[10] مفارقة الوطن.

[11] تكذيبهم إياه.

[12] تعييرهم إياه.

و أولى هذه الأقوال بالصواب، و أسلمها من الارتياب، الثالث و اللذان بعده، و ما عداها فهو معترض. و اللَّه الموفق: (فتح الباري): 1/ 28- 32، كتاب بدء الوحي، حديث رقم (3).

____________

[ (1)] «كلا»، معناها في العربية على ثلاثة أوجه: حرف ردع و زجر، و بمعنى حقا، و بمعنى إي:

فالأول كما في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها، إشارة إلى قول القائل: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ‏ [الآية 100/ المؤمنون‏]، أي انته عن هذه المقالة، فلا سبيل إلى الرجوع.

و الثاني: نحو كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ [الآية 6/ العلق‏]، أي حقا، لم يتقدم على ذلك ما يزجر عنه، كذا قال قوم، و قد اعترض على ذلك بأن حقا تفتح «أنّ» بعدها، و كذلك أما تأتي بمعناها، فكذا ينبغي في «كلا»، و الأولى أن تفسّر «كلا» في الآية بمعنى ألا التي يستفتح بها الكلام، و تلك تكسر ما بعدها «إنّ»، نحو: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ‏، [الآية 63/ يونس‏]، و الثالث: قبل القسم، نحو كَلَّا وَ الْقَمَرِ [الآية 32/ المدثر]، معناه إي و القمر، كذا قال النضر بن شميل، و تبعه جماعة منهم ابن مالك، و لها معنى رابع، تكون بمعنى ألا. (شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب): 15.

و قال العلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي: و هي «أي كلا» عند سيبويه و الخليل و المبرّد و الزّجّاج و أكثر نحاة البصرة، حرف معناه الرّدع و الزجر، لا معنى له سواه، حتى إنهم يجيزون الوقف عليها أبدا و الابتداء بما بعدها، حتى قال بعضهم: إذا سمعت «كلا» في سورة، فاحكم بأنها مكية، لأن فيها معنى التهديد و الوعيد، و أكثر ما نزل ذلك بمكة، لأن أكثر العتوّ كان بها. و فيه نظر، لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتوّ بها لا عن غلبته.

ثم إنه لا يظهر معنى الزجر في «كلا» المسبوقة بنحو فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ‏ [الآية 8/ الانفطار]، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ‏ [الآية 6/ المطففين‏]، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏ [الآية 30/ القيامة].

و قول من قال: فيه ردع عن ترك الإيمان بالتصوير، في أيّ صورة شاء اللَّه، و بالبعث، و عن العجلة بالقرآن، فيه تعسّف ظاهر. ثم إن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة العلق، ثم نزل: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ [الآية 6/ العلق‏]، فجاءت في افتتاح الكلام، و الوارد منها في التنزيل ثلاثة و ثلاثون موضعا، كلها في النصف الأخير.

و رأى الكسائي و جماعة أن معنى الردع ليس مستمرا فيها، فزادوا معنى ثانيا يصح عليه أن يوقف دونها، و يبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك المعنى على ثلاثة أقوال: فقيل: بمعنى حقا، و قيل بمعنى ألا الاستفتاحية، و قيل: حرف جواب بمنزلة إي و نعم، و حملوا عليه: كَلَّا

7

أبدا [ (1)]، فو اللَّه إنك لتصل الرحم، و تصدق الحديث، و تحمل الكل، و تكسب المعدوم، و تقرى الضيف، و تعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى و هو ابن عم خديجة- أخى أبيها- و كان امرأ تنصر في الجاهلية، و كان يكتب الكتاب، و يكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء اللَّه أن يكتب، و كان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة: يا ابن عم-

____________

[ ()] وَ الْقَمَرِ [الآية 32/ المدثر]، فقالوا: معناه إي و القمر، و هذا المعنى لا يتأتي في آيتي المؤمنين و الشعراء: كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [الآية 100/ المؤمنون‏]، كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي‏ [الآية 62/ الشعراء].

و قول من قال: بمعنى حقا، لا يتأتّى في نحو: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ، كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ‏ [الآيتان 7، 15 المطففين‏]، لأنّ «إنّ» تكسر بعد ألا الاستفتاحية، و لا تكسر بعد حقا، و لا بعد ما كان بمعناها، و لأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم.

و إذا صلح الموضع للردع و لغيره، جاز الوقف عليها، و الابتداء بها، على اختلاف التقديرين.

و الأرجح حملها على الردع، لأنه الغالب عليها، و ذلك نحو: أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ‏ [الآيتان 78، 79 مريم‏]، وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ‏ [الآيتان 81، 82/ مريم‏].

و قد يتعين للردع أو الاستفهام نحو: رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [الآية 100/ المؤمنون‏]، لأنها لو كانت بمعنى حقا لما كسرت همزة إنّ، و لو كانت بمعنى نعم لكانت للوعد بالرجوع، لأنها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانا، فتقول: نعم. و نحو:

قالَ أَصْحابُ مُوسى‏ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ‏ [الآيتان 61، 62/ الشعراء]، و ذلك لكسر إنّ، و لأن نعم بعد الخبر للتصديق.

و قد يمتنع كونها للزجر و الردع، نحو: وَ ما هِيَ إِلَّا ذِكْرى‏ لِلْبَشَرِ كَلَّا وَ الْقَمَرِ [الآيتان 31، 32/ المدثر]، إذ ليس قبلها ما يصح ردّه.

و قرئ: كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ‏ [الآية 82/ مريم‏] بالتنوين، إما على أنه مصدر كلّ إذا أعيا، أي كلّوا في دعواهم و انقطعوا، أو من الكلّ و هو الثّقل، أي حملوا كلا. و جوّز الزمخشريّ كونه حرف الردع نوّن كما في‏ سَلاسِلَ‏ [الآية 4/ الإنسان‏]، و ردّ عليه بأن‏ سَلاسِلَ‏ اسم أصله التنوين فردّ إلى أصله، و يصحح تأويل الزمخشريّ قراءة من قرأ وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الآية 4/ الفجر] إذا الفعل ليس أصله التنوين.

و قال ثعلب: كلّا مركب من كاف التشبيه و لا النافية، و إنما شددت لأمها لتقوية المعنى، و لدفع توهم بقاء معنى الكلمتين، و عند غيره بسيطة كما ذكرنا، و اللَّه تعالى أعلم. (بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز): 4/ 381- 383.

[ (1)] قوله: «فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا» لغير أبي ذر بضم أوله، و الخاء المعجمة، و الزاي المكسورة، ثم الياء الساكنة، من الخزي، ثم استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدا بأمر استقرائي،

8

____________

[ ()] و صفته بأصول مكارم الأخلاق، لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، و إما بالبدن أو بالمال، و إما على من يستقل بأمره أو بمن لا يستقل، و ذلك كله مجموع فيما وصفه به و «الكلّ» بفتح الكاف هو من لا يستقل بأمره، كما قال تعالى: وَ هُوَ كَلٌّ عَلى‏ مَوْلاهُ‏ [الآية 76/ النحل‏].

و «تكسب المعدوم»: في رواية الكشمهيني و تكسب بضم أوله، و عليها قال الخطابي: الصواب:

المعدم بلا واو، أي الفقير، لأن المعدوم لا يكسب. قال الحافظ ابن حجر: و لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالمعدوم الميت الّذي لا تصرّف له، و الكسب هو الاستفادة، فكأنها قالت:

إذا رغب غيرك أن يستفيد مالا موجودا رغبت أنت أن تستفيد رجلا عاجزا فتعاونه. و قال قاسم ابن ثابت في (الدلائل): قوله يكسب معناه ما يعدمه غيره و يعجز عنه يصيبه و يكسبه. قال أعرابي يمدح إنسانا: كان أكسبهم لمعدوم، و أعطاهم لمحروم.

و لغير الكشمهيني «و تكسب» بفتح أوله، قال عياض: و هذه الرواية أصح- قال الحافظ ابن حجر: قد وجّهنا الأولى، و هذه الراجحة، و معناها تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، فحذف أحد المفعولين، و يقال: كسبت مالا و أكسبته بمعنى. و قيل: معناه تكسب المال المعدوم و تصيب ما لا يصيب غيرك. و كانت العرب تتمادح بكسب المال، لا سيما قريش، و كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قبل البعثة محظوظا في التجارة، و إنما يصح هذا المعنى إذا ضم إليه ما يليق به من أنه كان مع إفادته للمال يجود به في الوجوه التي ذكرت في المكرمات.

و قولها: «و تعين على نوائب الحق»، كلمة جامعة لأفراد ما تقدم و لما لم يتقدم. و في رواية (البخاري في التفسير)، من طريق يونس عن الزهري من الزيادة: «و تصدق الحديث»، و هي من أشرف الخصال. و في رواية هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة: «و تؤدي الأمانة».

و في هذه القصة من الفوائد:

* استحباب تأنيس من نزل به أمر بذكر تيسيره عليه و تهوينه لديه.

* و أن من نزل به أمر استحب له أن يطلع عليه من يثق بنصيحته و صحة رأيه.

قوله: «فانطلقت به»، أي مضت معه، فالباء للمصاحبة، و ورقة بفتح الراء، و قوله: «ابن عم خديجة»، هو بنصب «ابن»، و يكتب بالألف، و هو بدل من ورقة، أو صفة، أو بيان، و لا يجوز جره، فإنه يصير صفة لعبد العزى، و ليس كذلك، و لا يجوز كتبه بغير ألف لأنه لم يقع بين علمين.

قوله: «تنصّر»، أي صار نصرانيا، و كان قد خرج هو و زيد بن نفيل لما كرها عبادة الأوثان إلى الشام و غيرها يسألون عن الدين، فأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصّر، و كان لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى و لم يبدل، و لهذا أخبر بشأن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و البشارة به، إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل.

قوله: «فكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية»، و في رواية يونس و معمر:

و يكتب من الإنجيل بالعربية، و لمسلم: فكان يكتب الكتاب العربيّ، و الجميع صحيح، لأن ورقة تعلم اللسان العبراني و الكتابة العبرانية، فكان يكتب الكتاب العبراني، كما كان يكتب الكتاب العربيّ، لتمكنه من الكتابين و اللسانين. و وقع لبعض الشراح هنا ضبط فلا يعرّج عليه.

9

____________

[ ()] و إنما و صفته بكتابة الإنجيل دون حفظه، لأن حفظ التوراة و الإنجيل لم يكن متيسرا كتيسر حفظ القرآن الّذي خصّت به هذه الأمة، فلهذا جاء في صفتها: «أناجيلها صدورها». قولها: «يا ابن عم»، هذا النداء على حقيقته، و وقع في مسلم «يا عم» و هو وهم، لأنه و إن كان صحيحا لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعد، و مخرجها متحد، فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين، فتعين الحمل على الحقيقة.

قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): و إنما جوزنا ذلك فيما مضى في العبراني و العربيّ، لأنه من كلام الراويّ في وصف ورقة، و اختلف المخارج فأمكن التعداد، و هذا الحكم يطرد في جميع ما أشبهه، و قالت في حق النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اسمع من ابن أخيك، لأن والده عبد اللَّه بن عبد المطلب و ورقة في عدد النسب إلى قصي بن كلاب الّذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة إخوته.

أو قالته على سبيل التوقير لسنه.

و فيه إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرّف بقدره ممن يكون أقرب منه إلى المسئول، و ذلك مستفاد من قول خديجة لورقة: «اسمع من ابن أخيك» أرادت بذلك أن يتأهب لسماع كلام النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ذلك أبلغ في التعظيم.

قوله: «ما ذا ترى»؟ فيه حذف يدل عليه سياق الكلام، و قد صرّح به في (دلائل النبوة) لأبي نعيم بسند حسن إلى عبد اللَّه بن شداد في هذه القصة قال: فأتت به ورقة ابن عمها فأخبرته بالذي رأى.

قوله: «هذا الناموس الّذي نزل اللَّه على موسى». و للكشميهني: «أنزل اللَّه»، و في كتاب التفسير «أنزل» على البناء للمفعول، و أشار بقوله: «هذا» إلى الملك الّذي ذكره النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في خبره، و نزله منزلة القريب لقرب ذكره. و الناموس: صاحب السر كما جزم به المؤلف في أحاديث الأنبياء.

و زعم ابن ظفر أن الناموس صاحب سرّ الخير، و الجاسوس صاحب سر الشّر، و الأول الصحيح الّذي عليه الجمهور، و قد سوّى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب. و المراد بالناموس هنا جبريل (عليه السلام). و قوله: «على موسى» و لم يقل على عيسى مع كونه نصرانيا، لأن كتاب موسى (عليه السلام) مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى. و كذلك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم). أو لأن موسى (عليه السلام) بعث بالنقمة على فرعون و من معه، بخلاف عيسى. كذلك وقعت النقمة على يد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بفرعون هذه الأمة، و هو أبو جهل بن هشام و من معه ببدر. أو قاله تحقيقا للرسالة، لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب، بخلاف عيسى فإن كثيرا من اليهود ينكرون نبوته.

و أما ما تحمل له السهيليّ، من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوة عيسى، و دعواهم أنه أحد الأقانيم [الثلاثة] فهو محال لا يعرّج عليه في حق ورقة و أشباهه ممن لم يدخل في التبديل، و لم يأخذ عمن بدّل. على أنه قد ورد عند الزبير بن بكار من طريق عبد اللَّه بن معاذ عن الزهري في هذه القصة أن ورقة قال: ناموس عيسى، و الأصح ما تقدم، و عبد اللَّه بن معاذ ضعيف.

نعم في (دلائل النبوة لأبي نعيم) بإسناد حسن إلى هشام بن عروة عن أبيه في هذه القصة، أن خديجة أولا أتت ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر فقال: لئن كنت صدقتني إنه ليأتيه ناموس عيسى الّذي لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم، فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة ناموس عيسى، و تارة ناموس‏

10

____________

[ ()] موسى (عليهما السلام)، فعند إخبار خديجة له بالقصة، قال لها ناموس عيسى بحسب ما هو فيه من النصرانية، و عند إخبار النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) له قال له: ناموس موسى للمناسبة التي قدمناها، و كل صحيح، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.

قوله: «يا ليتني فيها جذع»، كذا في رواية الأصيلي، و عند الباقين: «يا ليتني فيها جذعا»، بالنصب على أنه خبر كان المقدرة. قاله الخطابي، و هو مذهب الكوفيين في قوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ‏ [الآية 171/ النساء]، و قال ابن بري: التقدير يا ليتني جعلت فيها جذعا، و قيل: النصب على الحال إذا جعلت «فيها» خبر ليت، و العامل في الحال ما يتعلق به الخبر من معنى الاستقرار، قاله السهيليّ. و ضمير «فيها» يعود على أيام الدعوة، و الجذع- بفتح الجيم، و الذال المعجمة- هو الصغير من البهائم، كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شابا، ليكون أمكن لنصره، و بهذا يتبين سرّ وصفه بكونه كان كبيرا أعمى.

قوله: «إذ يخرجك»، قال ابن مالك: فيه استعمال «إذ» في المستقبل كإذا، و هو صحيح و غفل عنه كثير من النحاة، و هو كقوله تعالى: وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ وَ هُمْ لا يُؤْمِنُونَ‏ [الآية 39/ مريم‏]، هكذا رواه ابن مالك، و أقره عليه غير واحد، و تعقبه شيخنا شيخ الإسلام بأن النحاة لم يغفلوه بل منعوا وروده، و أولوا ما ظاهره ذلك و قالوا في مثل هذا: استعمل الصيغة الدالة على المضيّ لتحقق وقوعه فأنزلوه منزلته، و يقوي ذلك هنا أن في رواية البخاري في (التعبير): «حين يخرجك قومك». و فيه دليل على جواز تمني المستحيل إذا كان في فعل خير، لأن ورقة تمنى أن يعود شابا، و هو مستحيل عادة، و يظهر لي- و الكلام للحافظ ابن حجر- أن التمني ليس مقصودا على بابه، بل المراد من هذا التنبيه على صحة ما أخبر به، و التنويه بقوة تصديقه فيما يجي‏ء به.

قوله: «أو مخرجيّ هم»؟- بفتح الواو و تشديد الياء و فتحها-، فهم: مبتدأ مؤخر، و مخرجيّ: خبر مقدم، قاله ابن مالك، و استبعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يخرجوه، لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج، لما اشتمل عليه (صلى اللَّه عليه و سلم) من مكارم الأخلاق التي تقدم من خديجة وصفها.

قوله: «إلا عودي»، و في رواية يونس في (التفسير): «إلا أوذي»، فذكر ورقة أن العلة في ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن مألوفهم، و لأنه علم من الكتب أنهم لا يجيبونه إلى ذلك، و أنه يلزمه لذلك منابذتهم و معاندتهم، فتنشأ العداوة من ثمّ، و فيه دليل أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام.

قوله: «إن يدركني قومك»، إن: شرطية و الّذي بعدها مجزوم، زاد في رواية يونس في (التفسير): «حيّا»، و لابن إسحاق: «إن أدركت ذلك اليوم» يعني الإخراج.

قوله: «مؤزّرا»- بهمزة- أي قويا، مأخوذ من الأزر، و هو القوة، أنكر القزاز أن يكون في اللغة مؤزر من الأزر، و قال أبو شامة: يحتمل أن يكون من الإزار، أشار بذلك إلى تشميره في نصرته.

قال الأخطل:

قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم‏

قوله: «ثم لم ينشب»- بفتح الشين المعجمة- أي لم يلبث، و أصل النشوب التعلق،

11

و قال مسلم: أي عم- اسمع من ابن أخيك، فقال [له‏] ورقة يا ابن أخي، ما ذا ترى؟ فأخبره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خبر ما رأى،

فقال له ورقة ابن نوفل: هذا الناموس الّذي أنزل على موسى [بن عمران‏]، يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك- و قال البخاري: يا ليتني أكون حيا [إذ] ...-

فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

أو مخرجيّ هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي‏

- و قال مسلم: إلا أوذي- و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، و فتر الوحي [فترة حتى حزن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)‏].

قال محمد بن شهاب [ (1)]: و أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن‏

____________

[ ()] أي لم يتعلق بشي‏ء من الأمور حتى مات. و هذا بخلاف ما في السيرة لابن إسحاق أن ورقة كان يمر ببلال و هو يعذب، و ذلك يقتضي أنه تأخر إلى زمن الدعوة، و إلى أن دخل بعض الناس في الإسلام.

قال الحافظ ابن حجر: فإن تمسكنا بالترجيح فما في الصحيح أصح، و إن لحظنا الجمع أمكن أن يقال: الواو في قوله: «و فتر الوحي» ليست للترتيب، فلعلّ الراويّ لم يحفظ لورقة ذكرا بعد ذلك في أمر من الأمور، فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى عمله، لا إلى ما هو الواقع، و فتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، و كان ذلك ليذهب ما كان (صلى اللَّه عليه و سلم) وجده من الروع، و ليحصل له التشوف إلى العود، فقد روى البخاري في كتاب (التعبير) من طريق معمر ما يدل على ذلك.

[فائدة]: وقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي، أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، و به جزم ابن إسحاق، و حكي البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، و على هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده و هو ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، و ابتداء وحي اليقظة وقع في رمضان، و ليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين، و هي ما بين نزول‏ اقْرَأْ و يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، عدم مجي‏ء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط، (فتح الباري): 1/ 33- 36، كتاب بدء الوحي حديث رقم (3).

[ (1)] قوله: «قال ابن شهاب: «و أخبرني أبو سلمة»، إنما أتى بحرف العطف ليعلم أنه معطوف على ما سبق، كأنه قال: أخبرني عروة بكذا، و أخبرني أبو سلمة بكذا. و أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن ابن عوف، و أخطأ من زعم أن هذا معلق، و إن كانت صورته التعليق، و لو لم يكن في ذلك إلا ثبوت الواو العاطفة، فإنّها دالة على تقدم شي‏ء عطفته، و قد تقدم قوله: عن ابن شهاب عن عروة فساق الحديث إلى آخره ثم قال: ابن شهاب- أي بالسند المذكور- و أخبرني أبو سلمة بخبر آخر و هو كذا.

و دلّ قوله: «عن فترة الوحي» و قوله: «الملك الّذي جاءني بحراء» على تأخر نزول سورة المدثر عن‏ اقْرَأْ، و لما دخلت رواية يحيى بن أبي كثير الآتية في (التفسير) عن أبي سلمة عن

جابر عن هاتين الجملتين أشكل الأمر، فجزم من جزم بأن‏ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أول ما نزل، و رواية الزهري هذه صحيحة ترفع الإشكال، و سياق بسط القول في ذلك في كتاب التفسير من (صحيح البخاري) في تفسير سورة اقْرَأْ، فليراجع هناك. (المرجع السابق).

12

عبد اللَّه الأنصاري [رضي اللَّه عنه‏]، قال‏

فسلم: و كان من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- و هو- يحدث عن فترة الوحي: قال في حديثه: بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء و الأرض، [فرعبت‏] [ (1)] منه فرجعت،-

و قال مسلم: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

فخشيت منه فرقا فرجعت- فقلت: زملوني [زملوني‏]، فدثّروه-

و قال مسلم:

فدثروني- فأنزل اللَّه:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ

[ (2)]- و هي الأوثان- قال: ثم تتابع الوحي [ (3)]-

و قال البخاري: قال أبو سلمة: و هي الأوثان التي كانت الجاهلية يعبدون، قال: ثم تتابع الوحي، و لم يذكر مسلم: ثم لم ينشب ورقة أن توفي و فتر الوحي فترة حتى حزن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). ذكره البخاري في كتاب التفسير و في كتاب الإيمان [ (4)] و ذكره مسلم من حديث معمر عن الزهري [ (5)]

و لفظه: أول ما بدئ به‏

____________

[ (1)]

قوله: «فرعبت منه‏

- بضم الراء و كسر العين، و للأصيلي بفتح الراء و ضم العين- أي فزعت، دلّ على بقية بقيت معه من الفزع الأول، ثم زالت بالتدريج.

قوله: «فقلت: «زملوني زملوني»- و في رواية الأصيلي و كريمة «زملوني» مرة واحدة، و في رواية يونس في (التفسير): «فقلت: دثروني» فنزلت: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ، أي حذّر من العذاب من لم يؤمن بك. وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ أي عظم، وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ أي من النجاسة، و قيل: الثياب النفس، و تطهيرها اجتناب النقائص، و الرجز هنا الأوثان، و الرّجز في اللغة العذاب، و سمي الأوثان رجزا لأنها سببه.

[ (2)] أول سورة المدثر.

[ (3)] قوله: «تتابع»، تأكيد معنوي، و تتابع تكاثر. و قد وقع في رواية الكشمهيني و أبي الوقت: «تواتر»، و التواتر مجي‏ء الشي‏ء يتلو بعضه بعضا من غير تخلل. (المرجع السابق): حديث رقم (4).

[ (4)] هذا الحديث ذكره البخاري في كتاب بدء الخلق، باب (7) حديث رقم (3238)، و في كتاب التفسير، باب (1، 2) حديث رقم (4922)، (4923)، باب (3)، حديث رقم (4924) باب (4) حديث رقم (4925)، باب (5)، حديث رقم (4926)، (4954)، و في كتاب الأدب، باب (118)، حديث رقم (6214). بسياقات مختلفة و تقديم و تأخير.

[ (5)] حديث معمر عن الزهري: رقم (253) من كتاب الإيمان، باب (73) بدء الوحي إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، من (صحيح مسلم بشرح النووي) 2/ 559.

13

رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الوحي .. و ساق الحديث بمثل حديث يونس، غير أنه قال:

فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا، و قال: قالت خديجة أيا ابن العم! اسمع من ابن أخيك، و ذكره أيضا من حديث عقيل عن ابن شهاب، سمعت عروة بن الزبير يقول: قالت عائشة زوج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده، فاقتص الحديث بمثل حديث يونس و معمر، و لم يذكر أول حديثهما من قوله: أول ما بدئ به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الوحي الرؤيا الصادقة، و تابع يونس على قوله: فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا، و ذكر قول خديجة: أي ابن عم! اسمع من ابن أخيك.

و ذكر من حديث عقيل عن ابن شهاب [ (1)] قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أي جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي ..

ثم ذكر بمثل حديث يونس، غير أنه قال:

فخشيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض.

قال: و قال أبو سلمة:

الرجز الأوثان، قال: حمي الوحي بعد ذلك و تتابع.

و ذكره من حديث معمر عن الزهري بهذا الإسناد نحو حديث يونس، قال:

فأنزل اللَّه تعالى:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

إلى [ (2)]

وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ

- قبل أن تفرض الصلاة- و هي الأوثان، قال فخشيت منه كما قال عقيل [ (3)].

و ذكر البخاري في كتاب التعبير حديث عقيل و لفظه [ (4)]: أول ما بدئ به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم بنحو حديث يونس و قال فيه: حتى أتت به ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي و قال: فقالت له خديجة: أي ابن عم ..

الحديث إلى قوله نصرا مؤزرا، و قال بعده: ثم لم ينشب ورقة أن توفى و فتر الوحي فترة حتى حزن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أو في بذروة جبل لكي يلقى [منه‏] بنفسه تبدي له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول‏

____________

[ (1)] حديث عقيل عن ابن شهاب: رقم (254)، (المرجع السابق).

[ (2)] أول سورة المدثر.

[ (3)] حديث رقم (255)، (المرجع السابق.

[ (4)] حديث عقيل عن ابن شهاب، ذكره البخاري في أول كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الوحي الرؤيا الصالحة، حديث رقم (6982) من (فتح الباري): 12/ 436.

14

اللَّه حقا، فيسكن لذلك جأشه، و تقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أو في بذروة جبل تبدي له جبريل فقال له مثل ذلك [ (1)].

ترجم عليه أول ما بدئ به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الوحي الرؤيا الصالحة.

و ذكر في أول حديث عقيل و لفظه: أول ما بدئ به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الرؤيا الصالحة في النوم و قال فيه: يرجف فؤاده، و قال: و كان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب، و قال: فقالت له خديجة:

يا ابن عم، و قال: هو الناموس الّذي نزل على موسى، و قال: ليتني أكون حيا إذا يخرجك قومك، و قال: رجل قط بما جئت به إلا عودي، قال في التعبير و قال بعد قوله نصرا مؤزرا: ثم لم ينشب ورقة أن توفي و فتر الوحي [ (2)].

قال ابن شهاب: و أخبرني سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال و هو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه:

بينا أمشي إلا سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء و الأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل اللَّه عز و جل:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ* وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ

[ (3)]،

____________

[ (1)] زاد بعد قوله: «مثل ذلك»: [قال ابن عباس: فالق الإصباح: ضوء الشمس بالنهار، و ضوء القمر بالليل.

قوله: «فإذا طالت عليه فترة الوحي»، قد يتمسك به من يصحح مرسل الشعبي في أن مدة الفترة كانت سنتين و نصفا، كما نقله الحافظ ابن حجر في أول بدء الوحي، و لكن يعارضه ما أخرجه ابن سعد من حديث ابن عباس بنحو هذا البلاغ الّذي ذكره الزهري.

و قوله: مكث أياما بعد مجي‏ء الوحي لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة، و إلى حراء أخرى يريد أن يلقى بنفسه، فبينا هو كذلك عامدا لبعض تلك الجبال، إذ سمع صوتا فوقف فزعا، ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسيّ بين السماء و الأرض، متربعا يقول: يا محمد أنت رسول اللَّه حقا و أنا جبريل، فانصرف و قد أقرّ اللَّه عينه، و انبسط جأشه، ثم تتابع الوحي»، فيستفاد من هذه الرواية تسمية بعض الجبال التي أبهمت في رواية الزهري، و تقليل مدة الفترة. و اللَّه تعالى أعلم. (المرجع السابق): 12/ 446.

[ (2)] حديث عقيل عن ابن شهاب، ذكره البخاري في أول كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من الوحي الرؤيا الصالحة، حديث رقم (6982) من (فتح الباري): 12/ 436.

[ (3)] أول سورة المدثر.

15

فحمي الوحي و تتابع.

تابعه عبد اللَّه بن يونس و أبو صالح، و تابعه هلال بن ردّاد عن الزهري. و قال يونس و معمر: بوادره.

و ذكر في التفسير من حديث معمر عن الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر سمعت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يحدث عن فترة الوحي [ (1)] فقال في حديثه:

فبينا أنا أمشي إذا سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي إليه، فإذا الملك الّذي جاءني بحراء على كرسي بين السماء و الأرض فجثثت منه رعبا، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل اللَّه تعالى:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ

، إلى‏

وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ

قبل أن تفرض الصلاة، و هي الأوثان،

و ذكر فيه أيضا حديث عقيل عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال:

أخبرني جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يحدث عن فترة الوحي، [قال‏]:

فبينا أنا أمشي سمعت تصويتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الّذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء و الأرض، فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل اللَّه:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

إلى قوله:

وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ

،

قال أبو سلمة: و الرجز: الأوثان، ثم حمي الوحي و تتابع.

و خرج الحافظ أبو نعيم من حديث محمد بن عثمان بن أبي شيبة [ (2)]، حدثنا

____________

[ (1)]

«قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يحدث عن فترة الوحي قال في حديثه: بينا أمشي»،

هذا يشعر بأنه كان في أصل الرواية أشياء غير المذكور، و هذا أيضا من مرسل الصحابي، لأن جابرا لم يدركه زمان القصة فيحتمل أن يكون سمعها من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أو من صحابي آخر حضرها، و اللَّه تعالى أعلم.

قوله: «سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري»

يؤخذ منه جواز رفع البصر إلى السماء عند وجود حادث من قبلها، و قد ترجم له البخاري في (الأدب). و يستثنى من ذلك رفع البصر إلى السماء في الصلاة، لثبوت النهي عنه كما تقدم في (الصلاة) من حديث أنس، و روي ابن السني بإسناد ضعيف عن ابن مسعود قال: أمرنا أن لا نتبع أبصارنا الكواكب إذا انقضت.

و وقع في رواية يحي بن أبي كثير: «فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، و نظرت عن شمالي فلم أر شيئا، و نظرت أمامي فلم أر شيئا، و نظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي».

و في رواية مسلم بعد قوله: «شيئا»، «ثم نوديت»، فنظرت فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي». (فتح الباري): 8/ 935، حديث رقم (4953).

[ (2)] حديث محمد بن عثمان بن أبي شيبة، في (دلائل النبوة لأبي نعيم) رقم (174) بغير هذه السياقة.

16

منجاب بن الحارث، حدثنا علي بن مسهر عن الشيبانيّ عن عبد اللَّه بن شداد قال: نزل جبريل (عليه السلام) على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فغمه ثم قال له: اقرأ، قال ما أقرأ؟ فغمه ثم قال له: اقرأ، قال: ما أقرأ، فغمه ثم قال له: اقرأ، قال: ما أقرأ، قال:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏

إلى‏

ما لَمْ يَعْلَمْ‏

،

فأتى خديجة رضي اللَّه عنها فأخبرها بالذي رأى، فأتت ورقة ابن نوفل ابن عمها فأخبرته بالذي رأى فقال:

هل رأى زوجك صاحبه في خضر؟ فقالت: نعم، فقال: إن زوجك نبي و سيصيبه في أمته بلاء.

و خرج من حديث منجاب قال: حدثنا على بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه قال:

لما أنزل على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لخديجة: لقد خشيت أن أكون كاهنا أو مجنونا، قالت: لا و اللَّه لا يفعل اللَّه ذلك بك، إنك لتصدق الحديث، و تصل الرحم، و تؤدي الأمانة، و اللَّه لا يفعل ذلك بك، فأتت ابن عمها ورقة ابن نوفل و كانت تضيفه إليه، فأخبرته بالذي رأى، فقال: لئن كنت صدقتني إنه ليأتيه الناموس الأكبر، ناموس عيسى الّذي لا تعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم، و لئن نطق و أنا حيّ لأبلين اللَّه فيه بلاء حسنا،

قال أبو نعيم: هكذا رواه علي بن مسهر و أصحاب هشام مرسلا، و رواه يعقوب بن محمد الزهري عن عبد اللَّه بن محمد ابن يحيى بن عروة عن هشام متصلا

،

و فيه عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: قال ورقة لما ذكرت له خديجة أنه ذكر لها جبريل: سبّوح سبّوح، و ما لجبريل يذكر في هذه الأرض التي تعبد فيها الأوثان، جبريل أمين اللَّه بينه و بين رسله، اذهبي به إلى المكان الّذي رأى فيه ما رأى، فإذا أتاه فتحسّرى فإن يكن من عند اللَّه لا يراه، ففعلت، قالت: فلما تحسّرت تغيّب جبريل فلم يره، فرجعت فأخبرت ورقة فقال: إنه ليأتيه الناموس الأكبر الّذي لا يعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم إلا بالثمن، ثم أقام ورقة ينتظر إظهار الدعوة، فقال في ذلك:

لججت و كنت في الذكرى لجوجا [ (1)]* * * لهم طالما بعث النشيجا [ (2)]

____________

[ (1)] اللجلجة و التلجلج: التردد في الكلام. (ترتيب القاموس): 4/ 124.

[ (2)] نشج الباكي ينشج نشيجا: غصّ في حلقه من غير انتحاب (المرجع السابق) 370.

17

و وصف من خديجة بعد وصف‏* * * فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطن المكتين [ (1)] على رجائي [ (2)]* * * حديثك أن [ (3)] أرى منه خروجا

بما خبرتنا [ (4)] عن قول قسّ‏* * * من الرهبان أكره [ (5)] أن يعوجا

بأن محمدا سيسود فينا [ (6)]* * * و يخصم من يكون له حجيجا

و يظهر في البلاد ضياء نور [ (7)]* * * يقيم به البرية أن تعوجا

____________

[ (1)] ثنى «مكة»، و هي واحدة، لأن لها بطاحا و ظواهر، و قد ذكرنا من أهل البطاح، و من أهل الظواهر، على أن للعرب مذهبا في أشعارها في تثنية البقعة الواحدة، و جمعها، و إنما يقصد العرب في هذه الإشارة إلى جانبي كل بلدة، أو الإشارة إلى أعلى البلدة و أسفلها، فيجعلونها اثنين على هذا المغزى و أحسن ما تكون هذه التثنية إذا كانت في ذكر جنة أو بستان، فتسميها جنتين في فصيح الكلام، إشعارا بأن لها وجهين، و أنك إذا دخلتها و نظرت إليها يمينا و شمالا رأيت من كلتا الناحيتين ما يملأ عينيك قوة، و صدرك مسرّة، و في التنزيل: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ [الآية 15/ سبأ]، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ‏ [الآية 16/ سبأ]، و فيه: جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً [الآيتان 32، 33/ الكهف‏]، ثم قال سبحانه: دَخَلَ جَنَّتَهُ‏، ثم قال: وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ‏، ثم قال: فَعَسى‏ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ‏ [من الآيتين 35، 39، 41/ الكهف‏]، فأفرد بعد ما ثني و هي هي، و قد حمل العلماء على هذا المعنى قوله تعالى: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ‏ [الآية 46/ الرحمن‏]، و القول في هذه الآية يتسع. (الروض الأنف): 1/ 218- 220.

[ (2)] في (خ): «على رجاء»، و ما أثبتناه من (ابن هشام): 2/ 10، (البداية و النهاية): 3/ 15، قوله: «حديثك أن أرى منه خروجا»، فالهاء في «منه» راجعة على الحديث، و حرف الجر متعلق بالخروج، و إن كره النحويون ذلك، لأن ما كان من صلة المصدر عندهم، فلا يتقدم عليه، لأن المصدر مقدر بأن و الفعل، فما يعمل فيه هو من صلة «أن» فلا يتقدم، فمن أطلق القول في هذا الأصل، و لم يخصص مصدرا من مصدر، فقد أخطأ المفصل و تاه في تضلل، ففي التنزيل: أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى‏ رَجُلٍ مِنْهُمْ‏ [الآية: 2/ يونس‏]، و معناه: أ كان عجبا للناس أن أوحينا، و لا بد للّام هاهنا أن تتعلق بعجب، لأنها ليست في موضع صفة، و لا موضع حال لعدم العامل فيها. (المرجع السابق).

[ (3)] في (خ): «لو أرى»، و ما أثبتناه من (ابن هشام)، (البداية و النهاية).

[ (4)] في (خ): «بما خبرتني»، و ما أثبتناه من (ابن هشام)، (البداية و النهاية).

[ (5)] في (خ): «يكره»، و ما أثبتناه من (ابن هشام)، (البداية و النهاية).

[ (6)] في (خ)، (البداية و النهاية): «سيسود قوما، و ما أثبتناه من (ابن هشام).

[ (7)] هذا البيت يوضح لنا معنى النور و معنى الضياء، و أن الضياء هو المنتشر عن النور، و أن النور

18

فيلقى من يحاربه خسارا* * * و يلقى من يسالمه فلوجا [ (1)]

فيا ليتني [ (2)] إذا ما كان ذاكم‏* * * شهدت فكنت أولهم ولوجا

ولوجا [ (3)] في الّذي كرهت قريش‏* * * و لو عجت بمكتها عجيجا [ (4)]

أرجى بالذي كرهوا جميعا* * * إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا

و إن يبقوا و أبق [ (5)] تكن أمور* * * يضجّ الكافرون بها ضجيجا [ (6)]

و إن أهلك فكل فتى سيلقى‏* * * من الأقدار متلفة خلوجا [ (7)]

هو الأصل للضوء، و منه مبدؤه، و عنه يصدر، و في التنزيل: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ‏ [الآية 17/ البقرة]، و فيه: جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً [الآية 5/ يونس‏]، لأن نور القمر لا ينتشر عنه من الضياء ما ينتشر من الشمس، و لا سيما طرفي الشهر،

و في الصحيح:

«الصلاة نور، و الصبر ضياء»،

و ذلك أن الصلاة هي عمود الإسلام، و هي ذكر و قرآن، و هي تنهى عن الفحشاء و المنكر، فالصبر عن المنكرات، و الصبر على الطاعات هو: الضياء الصادر عن هذا النور الّذي هو القرآن و الذكر، و في أسماء الباري سبحانه‏ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ [الآية 35/ النور]، و لا يجوز أن يكون الضياء من أسمائه سبحانه. (الروض الأنف).

____________

[ (1)] فلج: ظفر، و يقال: فلج بحاجته، و بحجته: أحسن الإدلاء بها فغلب خصمه. (المعجم الوسيط):

2/ 699.

[ (2)] ليتي: بحذف نون الوقاية، و حذفها مع ليت ردي‏ء، و هو في لعلّ أحسن منه، لقرب مخرج اللام من النون، حتى لقد قالوا: لعل و لعن و لأن بمعنى واحد، و قد حكي يعقوب أن من العرب من يخفف بلعلّ، و هذا يؤكد حذف النون من لعلني، و أحسن ما يكون حذف هذه النون في إنّ، و أنّ، و لكن، و كأنّ، لاجتماع النونات، و حسنه في لعلّ أيضا كثرة حروف الكلمة، و في التنزيل: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ‏ [الآية 46/ يوسف‏] بغير نون، و مجي‏ء هذه الياء و ليتي بغير نون مع أن ليت ناصبة، يدلّك على أن الاسم المضمر في ضربني هو الياء، دون النون كما هو في ضربك، و ضربه حرف واحد، و هو الكاف، و لو كان الاسم هو النون مع الياء، كما قالوا في المخفوض: مني و عني بنونين. نون:

من، و نون أخرى مع الياء، فإذا الياء وحدها هي الاسم في حال الخفض، و في حال النصب، (ابن هشام): 2/ 12 هامش.

[ (3)] ولج الشي‏ء في غيره ولوجا: دخل فيه (المعجم الوسيط): 2/ 1055، و في التنزيل: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ‏ [الآية 6/ الحج‏].

[ (4)] عجّ عجّا و عجّة و عجيجا: رفع صوته و صاح. (المرجع السابق): 2/ 1055، و في الصحيح:

«الحج عجّ و ثجّ».

[ (5)] في (خ): «و نبق»، و ما أثبتناه من (ابن هشام)، (الروض الأنف)، (البداية و النهاية).

[ (6)] ضج ضجيجا: الصياح عند المكروه، و المشقة، و الجزع، (لسان العرب): 2/ 312.

[ (7)] في (خ): «خلوجا»، و هو الاضطراب. (المعجم الوسيط): 1/ 248. و في (ابن هشام):

«حروجا»، و هي الجسيمة (المرجع السابق): 1/ 164.

19

و خرج أيضا من حديث الحارث بن أبي أسامة قال: حدثنا داود بن المحبر، حدثنا حماد عن أبي عمران الجوى عن يزيد بن بابنوس عن عائشة رضي اللَّه عنها

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نذر أن يعتكف شهرا هو و خديجة رضي اللَّه عنها بحراء، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ذات ليلة فسمع: السلام عليك! قال:

فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعا حتى جئت إلى خديجة فسجتني ثوبا فقالت:

ما شأنك يا ابن عبد اللَّه؟ فأخبرها فقالت له: أبشر يا ابن عبد اللَّه، فإن السلام خير، قال: ثم خرجت مرة أخرى فإذا أنا بجبريل على الشمس، جناح له بالمشرق و جناح له بالمغرب، قال [ (1)]: فهلت منه فجئت مسرعا فإذا هو بيني و بين الباب، فكلمني حتى أنست به، ثم وعدني موعدا فجئت له فأبطأ عليّ فرأيت أن أرجع، فإذا أنا به و ميكائيل بين السماء و الأرض قد سدّ الأفق، فهبط جبريل و بقي ميكائيل بين السماء و الأرض، فأخذني جبريل فاستلقاني لحلاوة القفا [ (2)]، ثم شق عن قلبي فاستخرج ما شاء اللَّه أن يستخرج، ثم غسله، في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه ثم لأمه ثم أكفأني كما يكفأ الأديم، ثم ضم في ظهري حتى وجدت مسّ الخاتم في قلبي، ثم قال لي: اقرأ، و لم أكن [ (3)] قرأت كتابا قط، فلم أدر ما أقرأ، ثم قال: اقرأ، فقلت ما أقرأ؟ قال:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏

[ (4)]، حتى انتهى إلى خمس آيات منها فما نسيت شيئا بعد، ثم وزنني برجل فوزنته، ثم وزنني بآخر فوزنته حتى وزنت بمائة فقال ميكائيل: تبعته أمته و رب الكعبة، فجعلت لا يلقاني حجر و لا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه حتى دخلت على خديجة فقالت: السلام عليك يا رسول اللَّه [ (5)].

و في رواية يونس بن حبيب عن داود:

فقال ميكائيل: تبعته أمته، و قال:

____________

[ (1)] كذا في (خ)، و في (دلائل النبوة لأبي نعيم): 1/ 69: «فهللت» كما في أصل الدلائل، و في الخصائص «فهلت»، و في مسند أبي داود و الطياليسي: «فهبت منه».

[ (2)] في (خ): «فسبقني بحلاوة القفا»، و ما أثبتناه من (المرجع السابق).

[ (3)] كذا في (خ)، و في (دلائل أبي نعيم): «أك»، «فلم أجد ما أقرأ».

[ (4)] أول سورة العلق.

[ (5)] (دلائل أبي نعيم) 1/ 215، 216، حديث رقم (163).

20

كما يكفأ الإناء، و قال: أخذ بحلقي حتى أجهشت بالكباء ثم قال لي: اقرأ .. و الباقي مثله سواء.

و خرج من حديث إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن [الحارث‏] [ (1)] بن هشام عن أم سلمة عن خديجة [ (2)] رضي اللَّه عنها أنها قالت:

قلت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا ابن عم، أ تستطيع إذا جاءك هذا الّذي يأتيك أن تخبرني به؟ قال: نعم، قالت خديجة: فجاءه جبريل (عليه السلام) ذات يوم و أنا عنده فقال: يا خديجة، هذا صاحبي الّذي يأتيني قد جاء، فقلت له:

قم فاجلس على فخذي [ (3)]، فجلس عليهما [ (4)] فقلت: هل تراه؟ قال: نعم، فقلت: تحول فاجلس على فخذي اليسرى فجلس فقلت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت خديجة [فتحسرت‏] [ (5)] فطرحت خماري فقلت: هل تراه؟ قال: لا، فقلت: هذا و اللَّه ملك كريم، و اللَّه ما هذا شيطان،

قالت خديجة فقلت لورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي: ذلك مما أخبرني محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال ورقة:

إن [ (6)] يك حقا يا خديجة فاعلمي‏* * * حديثك إيّانا فأحمد مرسل‏

[و جبريل يأتيه و ميكال معهما* * * من اللَّه وحي بشرح الصدر منزّل‏] [ (7)]

يفوز به من فاز فيها بتوبة* * * و يشقى به العاني الغويّ المضلّل [ (8)]

فريقان منهم فرقة في جنانه‏* * * و أخرى بأجواز الجحيم تغلّل [ (9)]

____________

[ (1)] في (خ): «الحرث» و ما أثبتناه من (المرجع السابق).

[ (2)] كذا في (خ) و في (المرجع السابق): «خديجة بنت خويلد».

[ (3)] كذا في (خ) و في (المرجع السابق): «على فخذي» بالإفراد.

[ (4)] كذا في (خ) و في (المرجع السابق): «عليهما» بالتثنية، و السياق يقتضي الإفراد.

[ (5)] زيادة من المرجع السابق.

[ (6)] في (دلائل البيهقي): 2/ 150، و (البداية و النهاية): 3/ 16 «فإن يك».

[ (7)] هذا البيت ليس في (دلائل أبي نعيم)، و أثبتناه من (دلائل البيهقي) و (البداية و النهاية).

[ (8)] (في المرجع السابق): «و يشقى به العاني الغرير المضلل».

[ (9)] أجواز الجحيم: وسط جهنم، و مفردة «جوز».

21

إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت‏* * * مقامع في هاماتهم ثم تشعل [ (1)]

فسبحان من تهوى الرياح بأمره‏* * * و من هو في الأيام ما شاء يفعل‏

و من عرشه فوق السموات كلها* * * و أحكامه [ (2)] في خلقه لا تبدّل‏

و قال ورقة أيضا:

يا للرجال و صرف الدّهر و القدر* * * و ما [ (3)] لشي‏ء قضاه اللَّه من غير

حتى خديجة تدعوني لأخبرها* * * و ما لنا [ (4)] بخفي الغيب من خبر

فكان ما سألت عنه لأخبرها* * * أمرا أراه سيأتي الناس عن أخر [ (5)]

فخبرتني بأمر قد سمعت به‏* * * فيما مضى من قديم الدهر [ (6)] و العصر

بأن أحمد يأتيه فيخبره‏* * * جبريل إنك مبعوث إلى البشر

فقلت على الّذي ترجين ينجزه‏* * * لك الإله فرجّي الخير و انتظري‏

و أرسليه إلينا كي نسائله‏* * * عن أمر ما يري في النوم و السهر

فقال خير أتانا منطقا عجبا* * * يقفّ منه أعالي الجلد و الشّعر

إني رأيت أمين اللَّه واجهني‏* * * في صورة أكملت في أهيب الصّور

ثم استمر فكاد الخوف يذعرني‏* * * مما يسلم من حولي من الشجر

فقلت ظني و ما أدرى سيصدقني‏* * * أن سوف يبعث يتلو منزل السّور [ (7)]

____________

[ (1)] في (دلائل أبي نعيم): «مقامع في هاماتهم ثم مزعل».

[ (2)] في (البداية و النهاية)، و (دلائل البيهقي): «و أقضاؤه».

[ (3)] في (دلائل أبي نعيم)، و (دلائل البيهقي): «و ما لشي‏ء»، و في (خ): «و يا لشي‏ء».

[ (4)] في (خ)، (دلائل أبي نعيم): «و ما لنا»، و في (دلائل البيهقي)، «و ما لها»، و في (البداية و النهاية):

حتى خديجة تدعوني لأخبرها* * * أمرا أراه سيأتي الناس من أخر

و هذه الأبيات متساوية من حديث عددها (12) بيتا في (دلائل أبي نعيم) و (دلائل البيهقي)، و (خ)، لكنها في (البداية و النهاية): (11) بيتا فقط.

[ (5)] في (دلائل أبي نعيم): «أمرا رآه».

[ (6)] في (دلائل أبي نعيم): «من قديم الناس».

[ (7)] في (دلائل البيهقي): «أن سوف تبعث».

22

و سوف أوليك [ (1)] إن أعلنت دعوتهم‏* * * مني [ (2)] الجهاد بلا منّ و لا كدر [ (3)]

و خرج من حديث فليح بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الإماميّ عن يزيد بن رومان، [و الزهري‏] [ (4)] عن عروة عن عائشة رضي اللَّه عنها

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان جالسا مع خديجة [رضي اللَّه عنها] [ (5)] يوما من الأيام إذ رأى شخصا بين السماء و الأرض فقالت خديجة [ (6)]: لا يزول، أدن مني، فدنا منها، فقالت له: أ تراه؟ [قال: نعم‏] [ (7)] قالت: أدخل [يدك‏] [ (8)] تحت [الدرع‏] [ (9)]، ففعل ذلك، فقالت [ (10)]: أ تراه؟ قال: لا، قد أعرض عني، قالت: أبشر فإنه ملك كريم، لو كان شيطانا ما استحى. فبينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

____________

[ (1)] في (البداية و النهاية): «و سوف يليك»، و في (دلائل البيهقي): «و سوف أنبيك». و ما أثبتناه من (خ)، و (دلائل أبي نعيم).

[ (2)] في (البداية و النهاية)، و (دلائل البيهقي): «من الجهاد»، و ما أثبتناه من (خ)، و (دلائل أبي نعيم).

[ (3)] قال الحافظ ابن كثير في (البداية و النهاية): 3/ 17: «هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي في (الدلائل)، و عندي في صحتها عن ورقة نظر، و اللَّه أعلم».

[ (4)] كذا في (خ)، و (دلائل أبي نعيم)، و صوابه: «يزيد بن رومان الأسدي أبو روح المدني» (تهذيب التهذيب): 11/ 284، ترجمة رقم (526) روى عن ابن الزبير و أنس بن عبيد اللَّه و سالم ابني عبد اللَّه بن عمر و صالح بن خوات بن جبير، و عروة بن الزبير و الزهري، و هو من أقرانه، و أرسل عن أبي هريرة.

و عنه هشام بن عروة و عبيد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر رضي اللَّه عنه، و أبو حازم سلمة بن دينار و معاوية بن ثابت و مالك و يزيد بن عبد الملك النوفلي و جرير بن حازم و جماعة. قال النسائي: ثقة. و ذكره ابن حبان في الثقات.

قال ابن سعد عن الواقدي و غيره: مات سنة ثلاثين و مائة، و كان عالما كثير الحديث ثقة. قال الحافظ ابن حجر: و قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، و قال غيره: قرأ القرآن على عبد اللَّه بن عباس بن أبي ربيعة، و قرأ عليه نافع بن أبي نعيم. (المرجع السابق).

[ (5)] زيادة من (خ).

[ (6)] كذا في (خ)، و في (دلائل أبي نعيم): 1/ 218، 219، حديث رقم (165): «بين السماء و الأرض لا يزول فقالت خديجة».

[ (7)] كذا في (خ)، و في (المرجع السابق):

«فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): نعم».

[ (8)] كذا في (خ)، و في (المرجع السابق): «رأسك».

[ (9)] كذا في (خ)، و في المرجع السابق): «درعي».

[ (10)] كذا في (خ)، و في المرجع السابق): «فقالت خديجة له».

23

يوما من الأيام إذا رأى شخصا بين السماء و الأرض بأجياد [ (1)] إذ بدا له جبريل فسلم عليه، و بسط بساطا كريما مكللا بالياقوت و الزبرجد، ثم بحث في الأرض فنبع الماء، فعلّم جبريل رسول اللَّه كيف يتوضأ، فتوضأ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم صلّى ركعتين نحو [الكعبة] [ (2)] مستقبل الركن الأسود، و بشره بنبوته، و نزل عليه‏

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏

[ (3)] ثم انصرف منقلبا فلم يمر على شجر و لا حجر [ (4)] إلا و هو يسلم عليه يقول: سلام [ (5)] عليك يا رسول اللَّه، فجاء إلى خديجة فقال: يا خديجة! أشعرت [أن‏] [ (6)] الّذي كنت أراه قد بدا لي [و بسط لي‏] [ (7)] بساطا كريما و بحث من [ (8)] الأرض فنبع الماء فعلمني الوضوء، فتوضأت و صليت ركعتين، [فقالت‏] [ (9)]: أرني كيف أراك؟ فأراها النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) [و توضأت‏] [ (10)] ثم صلت معه و قالت: أشهد أنك رسول اللَّه.

و لأبي نعيم من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس رضي اللَّه عنه‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لخديجة: إني أسمع صوتا و أرى ضوءا، و إني أخشى أن يكون خبل، فقالت: لم يكن اللَّه ليفعل بك ذلك يا ابن عبد اللَّه،

ثم أتت ورقة ابن نوفل فذكرت ذلك له فقال: إن يك صادقا إن هذا ناموس مثل ناموس موسى، و إن يبعث و أنا حي فسأعزره و أنصره و أعينه [ (11)].

____________

[ (1)] كذا في (خ)، و في (المرجع السابق): «بجياد الأصغر».

[ (2)] كذا في (خ)، و في (المرجع السابق): «نحو القبلة».

[ (3)] أول سورة العلق.

[ (4)] كذا في (خ)، و في (المرجع السابق): «حجر و لا شجر».

[ (5)] كذا في (خ)، و في (المرجع السابق): «السّلام عليك».

[ (6)] كذا في (خ)، و في (المرجع السابق): «بأن».

[ (7)] كذا في (خ)، و في (المرجع السابق): «قد بدا لي بساطا كريما».

[ (8)] كذا في (خ)، و في (المرجع السابق): «بحث لي».

[ (9)] كذا في (خ)، و في (المرجع السابق): «فقالت خديجة».

[ (10)] هذه الزيادة ليست في (المرجع السابق).

[ (11)] هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد فقال: حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا أبو كامل و حسن ابن موسى، قالا: حدثنا حماد قال: أخبرنا عمار بن أبي عمار قال حسن عن عمار: قال حماد:

و أظنه عن ابن عباس و لم يشك فيه حسن، قال: قال ابن عباس، قال أبي: و حدثنا عفان،

24

و له من حديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد اللَّه بن الزبير و هو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حديث أخبرنا عبيد كيف كان بدء ما ابتدأ اللَّه به رسوله من النبوة حين جاءه جبريل؟ فقال عبيد: و أنا حاضر يحدث عبد اللَّه بن الزبير و هو من عنده من الناس قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يجاور [ (1)] في حراء من كل سنة شهرا، و كان ذلك مما تحنثت به قريش- و التحنث: التبرر [ (2)]- فكان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يجاور ذلك الشهر في كل سنة يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من ذلك الشهر كان أول ما ابتدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللَّه من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الّذي أراد اللَّه به ما أراد من كرامته من السنة التي بعث فيها، و ذلك الشهر شهر رمضان، خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله، حتى كانت الليلة التي أكرمه اللَّه فيها برسالته، و رحم العباد بها، جاءه جبريل من اللَّه تعالى [ (3)].

و قال إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

فجاءني‏

____________

[ ()] حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار، مرسل ليس فيه ابن عباس، أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لخديجة، فذكر عثمان الحديث،

و قال أبو كامل و حسن في حديثهما: أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لخديجة: «إني أرى ضوءا، و أسمع صوتا، و إني أخشى أن يكون بي جنن، قالت: لم يكن اللَّه ليفعل ذلك بك يا ابن عبد اللَّه، ثم أتت ورقة ابن نوفل، فذكرت ذلك له فقال: إن يك صادقا، فإن هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بعث و أنا حيّ فسأعززه، و أنصره و أومن به». (مسند أحمد): 1/ 512، 513، حديث رقم (2841).

[ (1)] الجوار بالكسر في معنى المجاورة، و هي الاعتكاف إلا من وجه واحد، و هو أن الاعتكاف لا يكون إلا داخل المسجد، و الجوار قد يكون خارج المسجد، كذلك قال ابن عبد البر، و لذلك لم يسمّ جواره بحراء اعتكافا، لأن حراء ليس من المسجد، و لكنه من جبال الحرم، و هو الجبل الّذي نادى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حين قال له ثبير و هو على ظهره: اهبط عني، فإنّي أخاف أن تقتل على ظهري فأعذّب، فناداه حراء: إليّ يا رسول اللَّه. (الروض الأنف للسهيلي).

[ (2)] التبرر: تفعّل من البر، و تفعّل: يقتضي الدخول في الفعل، و هو الأكثر فيها مثل: تفقّه، و تعبّد، و تنسّك. قال ابن هشام: تقول العرب: التحنث و التحنف، يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء، قال ابن هشام: و حدثني أبو عبيدة أن العرب تقول: «فمّ» في موضع «ثمّ». (المرجع السابق).

[ (3)] سيرة ابن هشام): 2/ 69، 70.

25

و أنا نائم [ (1)] بنمط من ديباج فيه كتاب [ (2)]، فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ [ (3)] قال:

فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ [ (3)]، فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أقرأ [ (3)]، قال: فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما ذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا [لأفتدي‏] [ (4)] منه أن يعود لي بمثل ما صنع فيّ، قال:

اقْرَأْ بِاسْمِ [ (5)] رَبِّكَ‏

____________

[ (1)] ليس ذكر النوم في حديث عائشة و لا غيرها، بل في حديث عروة عن عائشة ما يدل ظاهره على أن نزول جبريل نزل بسورة اقْرَأْ كان في اليقظة، لأنها قالت في أول الحديث: «أول ما بدئ به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح: ثم حبّب اللَّه إليه الخلاء- إلى قولها- حتى جاءه الحق و هو بغار حراء، فجاءه جبريل».

فذكرت في هذا الحديث أن الرؤيا كانت قبل نزول جبريل على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بالقرآن، و قد يمكن الجمع بين الحديثين بأن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) جاءه جبريل في المنام قبل أن يأتيه في اليقظة توطئة و تيسيرا عليه و رفقا به، لأن أمر النبوة عظيم، و عبؤها ثقيل، و البشر ضعيف.

و قد ثبت بالطرق الصحاح عن عامر الشعبي أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كل به إسرافيل، فكان يتراءى له ثلاث سنين، و يأتيه بالكلمة من الوحي و الشي‏ء، ثم و كل به جبريل، فجاءه بالقرآن و الوحي، فعلى هذا كان نزول الوحي عليه (صلى اللَّه عليه و سلم) في أحوال مختلفة، سيأتي شرحها مفصلا. (المرجع السابق):

هامش ص 70.

[ (2)] فيه دليل و إشارة إلى أن هذا الكتاب يفتح على أمّته ملك الأعاجم، و يسلبونهم الديباج و الحرير الّذي كان زينهم و زينتهم، و به أيضا ينال ملك الآخرة، و لباس الجنة، و هو الحرير و الديباج. (المرجع السابق) هامش ص 71.

[ (3)]

قوله: «ما أنا بقارئ»

- على إحدى الروايات- أني أمّي فلا أقرأ الكتب، قالها ثلاثا، فقيل له:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏، أي: إنك لا تقرءوه بحولك، و لا بصفة نفسك، و لا بمعرفتك، و لكن اقرأ مفتتحا باسم ربك، مستعينا به، فهو يعلمك كما خلقك، و كما نزع عنك علق الدم، و مغمز الشيطان بعد ما خلق فيك، كما خلقه في كل إنسان.

أما على رواية

«ما أقرأ»،

يحتمل أن تكون «ما» استفهاما، يريد أي شي‏ء أقرأ؟ و يحتمل أن تكون نفيا، و رواية البخاري و مسلم تدل على أنه أراد النفي، أي ما أحسن أن أقرأ، كما تقدم من قوله: «ما أنا بقارئ». (المرجع السابق).

[ (4)] في رواية ابن إسحاق: «ما أقول ذلك إلا افتداء منه».

[ (5)] في قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏ من الفقه: وجوب استفتاح القراءة ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، غير أنه أمر مبهم لم يبين له بأي اسم من أسماء ربه يفتتح، حتى جاء البيان بعد في قوله: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها [الآية 41/ هود]، ثم قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ [الآية 30/ النمل‏]، ثم كان بعد ذلك ينزل جبريل عليه ببسم اللَّه الرحمن الرحيم مع كل سورة، على بعض الآراء. (المرجع السابق).

26

الَّذِي خَلَقَ‏

إلى قوله:

ما لَمْ يَعْلَمْ‏

، قال: فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عني و هببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا، [قال: و لم يكن من خلق اللَّه تعالى أحد أبغض إليّ من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن انظر إليهما، قال: قلت:

إن الأبعد يعني لشاعر أو مجنون لا يتحدث بهذا قريش عني أبدا إلا عمدت إلى خالق من الجبل، و لأطرحت نفسي منه فلأقتلنها و لأستريحن‏] [ (1)]، قال: فخرجت [أريد ذلك‏] [ (1)] حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من [السماء] [ (2)] يقول: يا محمد! أنت رسول اللَّه و أنا جبريل، قال: فرفعت رأسي إلى السماء انظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد! أنت رسول اللَّه و أنا جبريل، قال: فوقفت انظر إليه [فشغلني ذلك عما أردت‏] [ (3)] ما أتقدم و لا أتأخر، و جعلت أصرف وجهي [ (4)] في آفاق السماء و لا انظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي و لا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة [في‏] [ (5)] رسلها في طلبي، فبلغوا [ (6)] مكة و رجعوا إليها و أنا واقف في مكان ذلك ثم انصرف عني، [فانصرفت‏] [ (7)] راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا [إليها] [ (8)] فقالت: يا أبا القاسم! أين كنت: فو اللَّه لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة و رجعوا [إليّ‏] [ (9)]، قال: [قلت لها:

إن الأبعد لشاعر مجنون، قال: فقالت: أعيذك باللَّه يا أبا القاسم، ما كان اللَّه تعالى ليصنع ذلك بك مع صدق حديثك و حسن خلقك و عظم أمانتك و صلتك رحمك، و ما ذاك يا ابن عم؟ لقد رأيت شيئا؟ قال: قلت [ (10)] نعم‏]، ثم‏

____________

[ (1)] ما بين الحاصرتين من (خ)، و هو زيادة عن رواية ابن إسحاق.

[ (2)] زيادة للسياق من ابن إسحاق، (الروض الأنف): 1/ 269، (سيرة ابن هشام): 2/ 72.

[ (3)] ما بين الحاصرتين زيادة من (خ).

[ (4)] في ابن إسحاق: «وجهي عنه في آفاق السماء».

[ (5)] زيادة من (خ) و الأولى حذفها.

[ (6)] في (ابن إسحاق): «فبلغوا أعلى مكة».

[ (7)] في (ابن إسحاق): «و انصرفت».

[ (8)] زيادة للسياق من: (ابن إسحاق).

[ (9)] في (ابن إسحاق): «فرجعوا لي».

[ (10)] ما بين الحاصرتين من (خ)، و ليس في (ابن إسحاق).

27

حدثتها الّذي رأيت فقالت: أبشر يا ابن العم و اثبت، فو الّذي نفس خديجة بيده أن تكون نبي هذه الأمة، قال: ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة ابن نوفل بن أسد [ (1)] و هو ابن عمها

- و كان ورقة قد تنصر و قرأ الكتب و سمع من أهل التوراة [و أهل‏] الإنجيل- فأخبرته بما أخبرها به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه رأى و سمع فقال ورقة [ (2)]: قدوس قدوس، و الّذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الّذي يأتي [به‏] [ (3)] موسى، و إنه لنبي هذه الأمة فقولي له [فليثبت‏] [ (4)]، فرجعت خديجة إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [و أخبرته‏] [ (5)] بقول ورقة [ (6)] [و سهّل عليه ذلك بعض ما كان فيه من الهم بما جاءه‏] [ (7)]، فلما قضى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جواره و انصرف صنع فيه كما يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة ابن نوفل و هو يطوف بالكعبة فقال: يا ابن أخي! أخبرني بما رأيت و سمعت، فأخبره فقال له ورقة: و الّذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، و لقد جاءك الناموس الأكبر الّذي جاء موسى، و لتكذبنّه و لتؤذينّه و لتخرجنّه و لتقاتلنّه [ (8)] و لئن أنا أدركت [ (9)] ذلك لأنصرن اللَّه نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه [منه‏] [ (10)] فقبّل يافوخه، ثم انصرف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى منزله. [و قد زاده ذلك من قول‏

____________

[ (1)] زيادة في نسبه من (ابن إسحاق): «ابن عبد العزي بن قصي».

[ (2)] (ابن نوفل).

[ (3)] زيادة من (خ).

[ (4)] زيادة من (ابن إسحاق).

[ (5)] في (ابن إسحاق): «فأخبرته».

[ (6)] في (ابن إسحاق): «ورقة ابن نوفل».

[ (7)] ما بين الحاصرتين زيادة من (خ).

[ (8)] الهاءات الأربعة لا ينطق بها إلا ساكنة، فإنّها هاءات سكت و ليست بضمائر. و في (خ) بغير هذه الهاءات.

[ (9)] قوله: «و لئن أنا أدركت»، و في رواية «إن أدرك ذلك اليوم أنصرك نصرا مؤزرا، و قال في أخرى:

«إن يدركني يومك»، و هو القياس، لأن ورقة سابق بالوجود، و السابق هو الّذي يدركه من يأتي بعده، كما جاء

في الحديث: «أشقى الناس من تدركه الساعة و هو حي»،

و ابن إسحاق أيضا له وجه، لأن المعنى أ نرى ذلك اليوم، فسمى رؤيته إدراكا، و في التنزيل: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الآية 103/ الأنعام‏]، أي: لا تراه على أحد القولين. و قوله: «مؤزرا» من الأزر، و هو القوة و العون.

[ (10)] زيادة من رواية (ابن إسحاق).

28

ورقة ثباتا، و خفف عنه بعض ما كان فيه من الهم‏] [ (1)].

قال أبو نعيم: و روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد نحوه مختصرا،

و له من حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال:

بعث اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة، أراه اللَّه رؤيا في المنام فشق ذلك عليه، و رأى أنه بينما هو بمكة أتى إلى سقف بيته فنزع شبحة شبحة [ (2)] حتى إذا نزل أدخل فيه سلم من فضة فيما يخيل إليه، ثم نزل إليه رجلان، قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): فأردت أن أستغيث فحبساني مكاني و منعت الكلام، فقعد أحدهما إليّ و الآخر إلى جنبي و أنا فرق، فأدخل أحدهما يده في جنبي فنزع ضلعين منه كما ينزل علق الصندوق الشديد، فأدخل يده في جوفي و أنا أجد بردها، فأخرج قلبي فوضعه على كفه و قال لصاحبه، نعم القلب، و قال: قلب رجل صالح، ثم أدخلا القلب مكانه و ردا الضلعين كما يرد علق الصندوق الشديد، ثم ارتفعا و رفعا سلمهما فاستيقظت فإذا السقف كما هو فقلت يحلم، و ذكره النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لخديجة بنت خويلد فعصمها اللَّه من التكذيب و قالت: أبشر! فو اللَّه لا يفعل اللَّه بك إلا خيرا، و أخبرها أنه رأى بطنه طهر و غسل ثم أعيد كما كان، فقالت: هذا و اللَّه خير فأبشر، ثم استعلن له جبريل و هو بأفلاء مكة من قبل حراء فوضع يده على رأسه و فؤاده و بين كتفيه و قال له: لا تخف! أنا جبريل، و أجلسه معه على مجلس كريم كهيئة الدر، نوره فيه الياقوت و اللؤلؤ، فبشره برسالات اللَّه حتى اطمأن إلى جبريل ثم قال: اقرأ، قال: كيف أقرأ؟ قال:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏

إلى قوله:

ما لَمْ يَعْلَمْ‏

، فأبدى له جبريل نفسه، له جناحان من ياقوت يخطفان البصر، ففتح جبريل عينا من ماء فتوضأ، و محمد ينظر إليه فوضأ وجهه و يديه‏

____________

[ (1)] ما بين الحاصرتين من (خ) و ليس في رواية (ابن إسحاق).

[ (2)] المشبّح: المقشور، و الكساء القوى (ترتيب القاموس): 2/ 665 و في (خ): «شبخة سبخة»، و لم أدر ما المراد بها، و لعلها «سجة» من السياج، و هو الحائط، و ما أحيط به على شي‏ء مثل النخل و الكرم، و قد سيّج حائطه تسييجا. (المرجع السابق): 2/ 655.

29

إلى المرفقين، و مسح برأسه و رجليه إلى الكعبين و نضح فرجه [و سجد] [ (1)] سجدتين مواجه البيت، ففعل محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) كما رأى جبريل يفعل، و قبل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) رسالة ربه، و سألها اللَّه بحقها، و اتّبع الّذي نزل به جبريل من عند رب العرش العظيم، فلما قضى جبريل الّذي أمره به، انصرف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا يمر على حجر و لا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه، فرجع إلى بيته و هو مؤمن قد رأى أمرا عظيما، فلما دخل على خديجة أخبرها، قال: أ رأيتك الّذي كنت أخبرتك أني رأيته في المنام؟ فإنه جبريل قد استعلن لي، أرسله إليّ ربي عزّ و جلّ، أخبرها بالذي جاءه من اللَّه و سمع فقالت: أبشر، فو اللَّه لا يفعل اللَّه بك إلا خيرا، فاقبل الّذي أتاك من اللَّه فإنك رسول اللَّه حقا،

ثم انطلقت حتى أتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس- نصرانيا من أهل نينوى يقال له: عداس- فقالت: يا عدّاس أذكرك باللَّه، هل عندك من جبريل علم؟ فلما سمعها: عداس تذكر جبريل قال: قدوس قدوس، ما شأنه يذكر بهذه الأرض التي أهلا أهل الأوثان؟ قالت:

أحب أن تحدثني فيه بعلمك، قال: فإنه أمين اللَّه بينه و بين النبيين، و هو صاحب عيسى و موسى (عليهما السلام).

رجعت خديجة من عنده فأتت ورقة ابن نوفل، و كان ورقة قد كره عبادة الأوثان هو و زيد بن عامر بن نفيل، و كان زيد قد حرم كل شي‏ء حرمه من الدم و الذبيحة، على النصب، و كل شي‏ء من أبواب الظلم في الجاهلية، فلما و صفت خديجة لورقة حين جاءته شأن محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) و ذكرت له جبريل و ما جاء به من عند اللَّه إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لها: يا ابنة أخي! و اللَّه ما أدري لعل صاحبك الّذي ينتظره أهل الكتاب الّذي يجدونه مكتوبا في الإنجيل، و أقسم باللَّه إن كان إياه ثم دعا إلى اللَّه و أنا حيّ لأبلين اللَّه في طاعة رسوله و حسن المؤازرة و النصرة له، فمات ورقة [ (2)].

____________

[ (1)] زيادة للسائق.

[ (2)] و نحوه بسياقة أخرى فيها تقديم و تأخير في (البداية و النهاية): 3/ 20- 23، و هي رواية موسى ابن عقبة بمعنى حديث عروة بن الزبير.

30

و رواه من طريق محمد بن فليح عن موسى بن عقبة بمعنى حديث عروة بن الزبير من طريق محمد بن عبد الأعلى عن معتمر بن سليمان عن أبيه بأتم من روايتي عروة و موسى بن عقبة و أحسن، فقد اختلفت الروايات في نزول [أول سورة من القرآن على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (1)].

ذكر الاختلاف في أول سورة من القرآن أنزلت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

خرج البخاري في كتاب التفسير من حديث وكيع عن على بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير قال:

سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قال:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

، قلت: يقولون:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏

فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه عن ذلك و قلت له مثل الّذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، و نظرت عن شمالي فلم أر شيئا، و نظرت أمامي فلم أر شيئا، و نظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة فقلت: دثّروني و صبّوا عليّ ماء باردا، فدثّروني و صبّوا عليّ ماء باردا، فنزلت:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ

[ (2)]، و كرره غير مرة.

و خرجه مسلم من حديث الأوزاعي قال: سمعت يحيى يقول:

سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل قبل؟ قال:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

فقلت:

اقْرَأْ

؟ فقال جابر:

أحدثكم ما حدثنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): قال: جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي فنوديت، فنظرت أمامي و خلفي، و عن يميني و عن‏

____________

[ (1)] زيادة للسياق و البيان.

[ (2)] أول سورة المدثر، و قوله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ: أي أنها أول ما نزل حين تتابع الوحي و حمي، و الذين كانوا يقولون: هو اقْرَأْ، ذكروا ذلك بناء على أنها الأول مطلقا، و يحتمل أن بعض الناس ظن‏ اقْرَأْ أول سورة حين تتابع الوحي، بناء على ظن نزولها مرتين مثلا، فهذا ردّ عليهم، و اللَّه تعالى أعلم. (حاشية السندي على صحيح البخاري): 3/ 209، كتاب التفسير.

31

شمالي فلم أر أحدا، ثم نوديت، فنظرت فلم أر أحدا ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في [الهواء] [ (1)]- يعني جبريل (عليه السلام)- فأخذتني رجفة شديدة فأتيت خديجة فقلت: دثروني، فدثروني و صبوا عليّ ماء [ (2)]، فأنزل اللَّه عزّ و جلّ:

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ (3)] قُمْ فَأَنْذِرْ* وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ

.

____________

[ (1)] في (خ): «في الهوى».

أما قوله: «إن أول ما أنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، فهو ضعيف بل باطل، و الصواب أن أول ما أنزل على الإطلاق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏، كما صرح به في حديث عائشة رضي اللَّه عنها، و أما يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فكان نزولها بعد فترة الوحي، كما صرح به في رواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر، و الدلالة صريحة فيه في مواضع، منها قوله و هو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال: فأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، و منها قوله: ثم تتابع الوحي- يعني بعد فترته- فالصواب: أن أول ما نزل: اقْرَأْ، و أن أول ما نزل بعد فترة الوحي: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. و أما قول من قال من المفسرين: أول ما نزل الفاتحة، فبطلانه أظهر من أن يذكر. و اللَّه أعلم.

و قوله (صلى اللَّه عليه و سلم): «فاستبطنت الوادي»،

أي صرت في باطنه، و

قوله (صلى اللَّه عليه و سلم) في جبريل (عليه السلام): «فإذا هو على العرش في الهواء»،

المراد بالعرش الكرسي، كما تقدم‏

في الرواية الأخرى‏ «على كرسي بين السماء و الأرض»،

قال أهل اللغة: العرش هو السرير، و قيل: سرير الملك.

قال اللَّه تعالى: وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ‏ [الآية 23/ النمل‏]، و الهواء هنا ممدود يكتب بالألف، و هو الجو بين السماء و الأرض كما في الرواية الأخرى، و الهواء: الخالي، قال تعالى: وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [الآية 43/ إبراهيم‏].

قوله (صلى اللَّه عليه و سلم): «فأخذتني رجفة شديدة»،

هكذا هو في الروايات المشهورة «رجفة: بالراء»، قال القاضي: و رواه السمرقندي «و جفة: بالواو» و هما صحيحان متقاربان، و معناهما: الاضطراب.

قال اللَّه تعالى: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ [الآية 8/ النازعات‏]، و قال تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ [الآية 6/ النازعات‏]، و قال تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ‏ [الآية 14/ المزمل‏].

[ (2)]

قوله (صلى اللَّه عليه و سلم): «فصبوا على ماء»،

فيه أنه ينبغي أن يصب على الفزع الماء ليسكن فزعه. و اللَّه تعالى أعلم.

[ (3)] و أما تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، فقال العلماء: المدثر، و المتلفف، و المشتمل، بمعنى واحد، ثم الجمهور على أن معناه المدثر بثيابه. و حكى الماوردي قولا عن عكرمة أن معناه المدثر بالنّبوّة و أعبائها.

و قوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ، معناه حذّر العذاب من لم يؤمن، وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ أي عظمه و نزهه عما لا يليق به، وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ قيل معناه طهرها من النجاسة، و قيل قصّرها، و قيل:

المراد بالثياب النفس، أي طهرها من الذنب و سائر النقائص. وَ الرُّجْزَ بكسر الراء في قراءة الأكثرين، و قرأ حفص بضمها، و فسره في الكتاب الأوثان، و كذا قاله جماعات من المفسرين. و الرّجز في اللغة العذاب، و سمّي الشرك و عبادة الأوثان رجزا لأنه سبب العذاب، و قيل: المراد بالرجز في الآية الشرك، و قيل: الذنب و قيل: الظلم. و اللَّه أعلم. (مسلم بشرح النووي): 2/ 565- 567، كتاب الإيمان باب (73) حديث رقم (257).

32

و في لفظ له:

فإذا جبريل جالس بين السماء و الأرض [ (1)]،

و في لفظ البخاري [ (2)]:

فإذا هو جالس على عرش بين السماء و الأرض.

و خرج الحاكم من حديث الحميدي، حدثنا سفيان عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول سورة أنزلت: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ‏ إلى‏ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ [ (3)].

ذكر الاختلاف في شق [ (4)] صدر [ (5)] رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، متى كان و أين وقع؟

اعلم أن شق صدر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و غسل قلبه و حشوه بالإيمان و الحكمة،

____________

[ (1)]

في الحديث رقم (255): «جالسا على كرسي بين السماء و الأرض. و في الحديث رقم (258): «فإذا هو جالس على عرش بين السماء و الأرض». (المرجع السابق).

[ (2)] في الحديث رقم (4)- كتاب بدء الوحي: «جالس على كرسيّ بين السماء و الأرض» (فتح الباري): 1/ 37.

[ (3)] (المستدرك): 2/ 576، كتاب التفسير، باب (96) تفسير سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏، حديث رقم (3953/ 1091)، و قال في آخره: (فإذا ابن عيينة لم يسمعه من الزهري).

و حديث رقم (3954/ 1092)، و قال في آخره: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه).

[ (4)] الشّق: الخرم الواسع في شي‏ء، يقال: شقّه نصفين. قوله تعالى: وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ [1/ القمر]، كان انشقاقه في زمن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قيل: انشقاق يعرض فيه حين تقرب القيامة، و قيل معناه: وضح الأمر. و الشّقّة: القطعة المنشقّة كالنصف. و الشّق- بالكسر- المشقّة و الانكسار الّذي يلحق النفس و البدن، و ذلك كاستعارة الانكسار لها، قال تعالى: لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ‏ [الآية 6/ النحل‏].

و الشّقّة: الناحية التي تلحقك المشقة في الوصول إليها قال تعالى: وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ [الآية 42/ التوبة]، و الشّقاق: المخالفة، قال تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما [الآية 35/ النساء]، و كونك في شقّ غير شقّ صاحبك، أو من شقّ العصا بينك و بينه.

و قوله تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ [الآية 13/ الأنفال‏]، أي صار في شقّ غير شقّ أوليائه، و فلان شقّ نفسي، و شقيق نفسي، أي كأنه شقّ مني لمشابهة بعضنا بعضا، (البصائر):

3/ 330- 331.

[ (5)] الصدر: الجارحة، و الجمع: صدور، ثم استعير لمقدم الشي‏ء، مثل صدر القناة، و صدر

33

قال اللَّه تعالى: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏ [ (1)]، قال إبراهيم بن طهمان: سألت سعيدا عن قوله تعالى: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏ قال: فحدثني عن قتادة عن أنس بن مالك أنه قد شق بطنه- يعني النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- من عند بطنه إلى صدره، فاستخرج قلبه فغسل في طست من ذهب ثم ملي‏ء إيمانا و حكمة ثم أعيد مكانه، قد روى من وجوه باختلاف الأماكن و الأيام، فروى أن ذلك وقع و هو مسترضع في بني سعد كما تقدم ذكره عند ذكر حليمة في فصل أمهاته من الرضاعة، و قيل وقع ذلك في موضع آخر في زمان آخر، فروى أنه أعيد له شرح الصدر بعد أن تم له عشر سنين.

و قد أخرج في الصحيحين أنه شق صدره ليلة المعراج، و

خرج الحافظ أبو نعيم من حديث معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبيّ بن كعب قال حدثني أبي عن أبيه عن جده أبيّ بن كعب‏

أن أبا هريرة سأل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- و كان حريّا [ (2)] أن يسأله عن الّذي لا يسأله غيره- فقال: يا رسول اللَّه! ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة؟ فقال [ (3)]: إذا سألتني إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حجج، إذا

____________

[ ()] السهم. و سهم مصدّر: غليظ الصدر، و أخذ الأمر بصدره: بأوله. و الأمور بصدورها، و هؤلاء صدرة القوم: مقدّموهم. و صدّر فلان فتصدّر: قدّم فتقدّم، و صدره: أصاب صدره، و منه رجل مصدور: يشتكي صدره، فإذا عدّي «صدر» بعن اقتضى الانصراف، نحو صدرت الإبل عن الماء صدرا.

و المصدر يقال في مصدر صدر عن الماء، و لموضع الصدر، و لزمانه، و قد يقال في عرف النحاة للفظ الّذي روعي فيه صدور الفعل الماضي و المستقبل عنه. و قال بعض العلماء: حيثما ذكر اللَّه القلب فإشارة إلى العقل و العلم، نحو قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ‏ [36/ ق‏]، و حيثما ذكر الصدر، فإشارة إلى ذلك و إلى سائر القوى: من الشهوة، و الهوى و الغضب، و نحوها.

و قوله تعالى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي‏ [25/ طه‏]، سؤال لإصلاح قواه، و كذا قوله:

وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ‏ [14/ التوبة]، إشارة إلى اشتفائهم، و قوله: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [46/ الحج‏]، أي العقول التي هي مندسّة فيما بين سائر القوى. (المرجع السابق): 392، 393.

[ (1)] أول سورة الشرح.

[ (2)] كذا في (خ)، و في (دلائل البيهقي): «حريصا».

[ (3)] كذا في (خ)، و في (دلائل البيهقي): «إذ».

34

أنا برجلين فوق رأسي، يقول أحدهما لصاحبه: أ هو هو؟ قال: نعم، [قال‏] [ (1)]:

فأخذاني فلصقاني بحلاوة القفا، ثم شقا بطني، [و كان‏] [ (2)] جبريل يختلف بالماء في طست من ذهب، و كان ميكائيل يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدري [فيما أرى‏] [ (3)] مفلوقا لا أجد له وجعا ثم قال: اشقق قلبه، فشق قلبي، فقال أخرج الحسد و الغل [ (4)] منه، فأخرج شبه العلقة فنبذ به [ (5)] ثم قال: أدخل الرأفة و الرحمة قلبه [ (6)]، فأدخل شيئا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورا كان معه فذرّ عليه ثم نقر إبهامي ثم قال: أغد، فرجعت بما لم أغد به من رحمتي على الصغير و رقتي على الكبير.

قال: أبو نعيم: و هذا الحديث مما تفرد به معاذ ابن محمد [عن آبائه‏] [ (7)]، و تفرد بذكر السن الّذي شق فيه عن قلبه و الّذي رواه عبد اللَّه بن جعفر عن حليمة السعدية و عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن عتبة ابن عبد، اتفقا على أنه كان مسترضعا في بني سعد، فأما رواية أبي ذر، فرواه الزهري عن أنس عنه، قال كاتبه: معاذ مما يروى عن أبيه و عن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، و أبي الزبير المكيّ و جماعة، و يروى عنه معاوية بن صالح الحضرميّ و عبد اللَّه بن لهيعة، و محمد بن عمر الواقدي و آخرون، ذكره ابن حبان في الثقات.

و في أفراد مسلم من حديث شيبان بن فروخ قال: حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أتاه جبريل و هو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة ثم قال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده إلى‏

____________

[ (1)] زيادة من (خ).

[ (2)] كذا في (خ)، و في (دلائل أبي نعيم): «فكان».

[ (3)] زيادة من المرجع السابق.

[ (4)] في (المرجع السابق): «الغل و الحسد».

[ (5)] في (المرجع السابق): «فنبذه».

[ (6)] في (المرجع السابق): «في قلبه».

[ (7)] زيادة من (خ).

35

مكانه، و جاء الغلمان يسعون إلى أمه- يعني ظئره [ (1)]- فقالوا: إن محمدا قد قتل! فاستقبلوه و هو منتقع اللون، قال أنس: و قد كنت [أرى‏] [ (2)] أثر المخيط في صدره (صلى اللَّه عليه و سلم) [ (3)].

قال البيهقي: و هو موافق لما هو معروف عند أهل المغازي- يعني وقوع ذلك- و هو مسترضع في بني سعد، و سيأتي في الإسراء

حديث مسلم [ (4)] من طريق سليمان بن المغيرة قال: حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

أتيت فانطلقوا بي إلى زمزم فشرح عن صدري ثم غسل بماء زمزم ثم أنزلت،

و حديث البخاري من طريق سليمان عن شريك بن عبد اللَّه عن أنس، و حديث البخاري‏

____________

[ (1)] الظئر: المرضع أو الأم من الرضاعة.

[ (2)] زيادة للسياق.

[ (3)] الحديث الأول في (دلائل أبي نعيم)، 1/ 219- 220، رقم (166) رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد (المسند)، و رجاله ثقات، وثقهم ابن حبان.

و الحديث الثاني في (المرجع السابق) 1/ 221، رقم (168)، أخرجه مسلم في صحيحه بسنده و متنه في كتاب الإيمان باب الإسراء، حديث رقم (261)، و البيهقي في (الدلائل) 2/ 5، باب ما جاء في شق صدر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و استخراج حظ الشيطان من قلبه سوى ما مضى في باب ذكر رضاعه، (مسند أحمد): 3/ 617، حديث رقم (12097).

[ (4)]

قوله (صلى اللَّه عليه و سلم): «فشرح عن صدري ثم غسل بماء زمزم ثم أنزلت»،

معنى شرح شق،

و قوله (صلى اللَّه عليه و سلم): «ثم أنزلت»،

هو بإسكان اللام و ضم التاء، هكذا ضبطناه، و كذا هو في جميع الأصول و النسخ، و كذا نقله القاضي عياض (رحمه اللَّه) عن جميع الروايات، و في معناه خفاء و اختلاف، قال القاضي:

قال الوقشيّ: هذا و هم من الرواة، و صوابه: تركت، فتصحّف، قال القاضي: فسألت عنه ابن سراج فقال: أنزلت في اللغة بمعنى تركت صحيح، و ليس فيه تصحيف. قال القاضي: و ظهر لي أنه صحيح بالمعنى المعروف في أنزلت، فهو ضدّ رفعت، لأنه قال: انطلقوا بي إلى زمزم ثم أنزلت، أي ثم صرفت إلى موضعي الّذي حملت منه، قال: و لم أزل أبحث عنه حتى وقعت على الجلاء فيه من رواية الحافظ أبي بكر البرقاني، و أنه طرف حديث، و تمامه: «ثم أنزلت على طست من ذهب مملوءة حكمة و إيمانا» هكذا بفتح اللام و إسكان التاء، و كذلك ضبطناه في الجمع بين الصحيحين للحميدي، و حكى الحميدي هذه الزيادة المذكورة عن رواية البرقاني و زاد عليها، و قال: أخرج البرقاني بإسناد (مسلم)، و أشار الحميدي إلى أن رواية (مسلم) ناقصة و أن تمامها ما زاده البرقاني، و اللَّه تعالى أعلم. (مسلم بشرح النووي): 2/ 573، حديث رقم (260)، كتاب الإيمان باب (74).

36

و مسلم عن طريق همام عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة [ (1)]، و فيها شق صدره ليلة الإسراء.

و خرج الحافظ أبو نعيم من حديث يونس عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

فرج سقف بيتي و أنا بمكة فنزل جبريل فعرج صدري حتى غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة و إيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه.

و لأبي داود الطيالسي من حديث عمار بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة ابن الزبير عن أبي ذر الغفاريّ رضي اللَّه عنه قال:

قلت يا رسول اللَّه! كيف علمت أنك نبي؟ و بما علمت حتى استيقنت؟ قال: يا أبا ذر، أتاني آتيان و أنا ببطحاء مكة، فوقع أحدهما بالأرض [ (2)] و الآخر بين السماء و الأرض، فقال أحدهما للآخر [ (3)]: أ هو هو [ (4)]؟ فقال: فزنه برجل، [فوزنني برجل‏] [ (5)] فرجحته، ثم قال [ (6)]: زنه بعشرة، فوزنني بعشرة فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة، فوزنني بمائة فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف، فوزنني [بألف‏] [ (7)] فرجحتهم، ثم جعلوا يتساقطون [ (8)] على [ (9)] كفة الميزان، ثم قال أحدهما لصاحبه:

____________

[ (1)] حديث مالك بن صعصعة: ذكره (البخاري) في كتاب مناقب الأنصار، باب (42)، حديث رقم (3887). و ذكره (مسلم في كتاب الإيمان، باب (74)، حديث رقم (264). و مالك ابن صعصعة هو مالك بن صعصعة بن وهب بن عدي بن مالك الأنصاري، من بني النجار، ليس له في البخاري و لا في غيره سوى هذا الحديث، و لا يعرف من روى عنه إلا أنس بن مالك. (فتح الباري): 7/ 258.

[ (2)] في (دلائل أبي نعيم): «و كان الآخر بين السماء و الأرض».

[ (3)] في (دلائل أبي نعيم): «فقال أحدهما لصاحبه».

[ (4)] في (دلائل أبي نعيم): «أ هو هو؟، قال: هو هو نعم».

[ (5)] ما بين الحاصرتين زيادة للبيان من المرجع السابق.

[ (6)] في المرجع السابق: «قال فزنه بعشرة».

[ (7)] ما بين الحاصرتين زيادة للبيان من المرجع السابق.

[ (8)] في المرجع السابق: «ثم جعلوا يتساقطون عليّ».

[ (9)] في المرجع السابق: «في كفة الميزان».

37

شقّ بطنه، فشقّ بطني فأخرج قلبي، فأخرج منه مغمز الشيطان، و علق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، و اغسل قلبه [ (1)] غسل الملأ، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه فخاط بطني و جعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن و وليّا عني و كأني أعاين [الأمر] [ (2)] معاينة [ (3)].

و في رواية:

لو وزنته بأمته لرجحهم، و قال: و اغسل قلبه غسل الماء، ثم أتيت بسكينة و هرهرة [ (4)] بيضاء فأدخلت قلبي.

و لأبي نعيم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

أتيت في أهلي فأتى بي إلى زمزم، فشرح عن صدري ثم غسل بماء زمزم ثم نزلت طست من ذهب قد ملئت إيمانا و حكمة، فحشى بها صدري،

قال أنس:

فكأني انظر و النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يرى الأثر في صدره [ (5)].

____________

[ (1)] في (خ): «و اغسل بطنه».

[ (2)] في (دلائل أبي نعيم): «أعاين معاينة»، و ما بين الحاصرتين من (خ).

[ (3)] الحديث في (دلائل أبي نعيم): 1/ 221، حديث رقم (167).

[ (4)] تقول: «سمعت له هرهرة أي صوتا عند الحلب» (لسان العرب): 5/ 262 و لم أدر معناها في سياق هذه العبارة من الحديث.

[ (5)] الحديث رقم (168) في (دلائل أبي نعيم): 1/ 221، 222: حدثني عمر بن حمدان قال:

حدثنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا هدبة و شيبان قالا: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا ثابت عن أنس رضي اللَّه عنه، أن جبريل (عليه السلام) أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق بطنه، فاستخرجه، ثم استخرج من قلبه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل القلب في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه. قال أنس: فلقد رأيت أثر المخيط في صدره (صلى اللَّه عليه و سلم).

و حادث شق الصدر ورد في كتب السيرة باتفاق، فهو في (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان):

1/ 236، كتاب الإسراء، ذكر وصف الإسراء برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من بيت المقدس، حديث رقم (48)، قال محقق (الإحسان) نقلا عن الحافظ ابن حجر في (الفتح): «و جميع ما ورد من شقّ الصدر، و استخراج القلب، و غير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحيته القدرة، فلا يستحيل شي‏ء من ذلك. قال القرطبي في (المفهم):

لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء، لأن رواته ثقات مشاهير، ثم ذكر نحو ما تقدم»، و في (المستدرك): 2/ 673، كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء و المرسلين، حديث رقم (4430/ 240)، قال في التلخيص: على شرط مسلم، و في (مسند أحمد): 3/ 571، حديث رقم (11812)، و في (طبقات ابن سعد): 1/ 112، و في (البداية و النهاية): 2/ 335- 337،

38

و قد ذكر بعضهم أن اللَّه تعالى خلق في قلوب البشر علقة قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فأزيلت هذه العلقة من قلب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلم يبق فيه مكان قابل لأن يلقي فيه الشيطان شيئا.

____________

[ ()] و في (سيرة ابن هشام: 1/ 301.

و قد تكرر هذا الحادث مرتين بعد طفولته المبكرة، فكانت المرة الثانية لما كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ابن عشر سنين، و المرة الثالثة لما جاوز (صلى اللَّه عليه و سلم) الخمسين من عمره. و قصة شق الصدر هذه تشير إلى تعهد اللَّه تعالى نبيّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن مزالق الطبع الإنساني، و وساوس الشيطان، و هو حصانة للرسول الكريم التي أضفاها اللَّه عليه، فإن اللَّه تعالى قد شاءت إرادته أزلا، أن يكون محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) خاتم المرسلين، أراد سبحانه أن يجعل منه المثل الكامل، للإنسان الكامل، الّذي يسير نحو الكمال بطهارة القلب، و صفاء النفس.

و لما شبّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، كانت مكة تعجّ بمختلف أنواع اللهو و الفساد، و الملاذ الشهوانية الدنسة، كانت حانات الخمر منتشرة، و بيوت الريبة عليها علامات تعرف بها، مع كثرة الماجنات و الراقصات، و غير ذلك من أمور الجاهلية التي كانت تعج بها مكة في ذلك المجتمع الجاهلي، و تتوجها عبادة الأصنام و الأوثان، و اللَّه تبارك و تعالى برّأ رسوله (صلى اللَّه عليه و سلم)، و اختاره من أكرم معادن الإنسانية، ثم اختاره لحمل أكمل رسالات السماء إلى أمم الأرض، و تشهد الأثار على ما حباه ربه من العصمة، فمن ذلك ما سبق أن أوردناه بتمامه مع شرحه من‏

قوله (صلى اللَّه عليه و سلم): «ما همت بشي‏ء من أمر الجاهلية إلا مرتين، كلتاهما عصمني اللَّه تعالى فيها»،

و قوله (صلى اللَّه عليه و سلم) فيما رواه ابن عباس رضي اللَّه عنهما ما حدثته

به أم أيمن رضي اللَّه عنها: «كانت بوانة صنما تحضره قريش لتعظمه.

.. إلخ».

و لا يطمئن بعض الجاهلين، و معهم المستشرقين، إلى حادثة شق الصدر، و استخراجه، و معالجته، سواء التي حدثت للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هو عند حليمة السعدية، أو ما ورد من شق الصدر، و استخراج القلب في معجزة الإسراء و المعراج.

و ابن حبان- منذ أكثر من ألف سنة- يناقش الموضوع، و يعتبره من معجزات النبوة، و يقول:

«كان ذلك له فضيلة فضّل بها على غيره، و إنه من معجزات النبوة، إذ البشر إذا شقّ عن موضع القلب منهم، ثم استخرج قلوبهم ماتوا»، فهذا فعلا كان في عصر ابن حبان، المتوفى سنة (354) هجرية، لا بل هو إلى عهد قريب جدا.

و تقدّم العلم، و الطب، و الجراحة، و التخدير، و العمليات الجراحية صارت تجرى في غرف معقمة، و بوسائل مختلفة، و تقنية ماهرة، فأمكن للجراحين اليوم من إجراء مختلف أنواع العلميات الجراحية، في كل موضع من مواضع الجسم، الهدف منها استئصال الداء و طرحه، حيث لم تعد تنفع الوسائل الطبية، حتى أمكن الآن استخراج القلب، و ليس فقط معالجته، لا بل استبدال قلب سليم من إنسان مات حديثا، بالقلب التالف، أو حتى قلب صناعي، ثم تخاط طبقات الجسم و تعاد، فلا يموت المريض! و هذا أصبح في استطاعة الإنسان.

أ فما استطاعة الإنسان، لا يستطيعه اللَّه الّذي يقول للشي‏ء كُنْ فَيَكُونُ‏؟.

39

ذكر مجي‏ء جبريل (عليه السلام) إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في الصورة التي خلقه اللَّه تعالى عليها

خرج الحافظ أبو نعيم من حديث أيوب بن فرقد عن الأعمش عن عبد اللَّه ابن عبد اللَّه الرازيّ عن سعيد بن جبير عن أنس رضي اللَّه عنه قال:

قال ورقة ابن نوفل لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا محمد! كيف يأتيك الوحي؟ يعني جبريل (عليه السلام)؟ فقال: يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ، و باطن قدميه أخضر [ (1)].

و في حديث سليمان: سألت زر بن حبيش عن قول اللَّه تعالى: لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏ قال زر: قال عبد اللَّه: لقد رأى جبريل له ستمائة جناح.

و في رواية زرّ عن عبد اللَّه‏ ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ [ (2)]، قال رأى جبريل له ستمائة جناح.

و في رواية:

سأل زر بن حبيش عن قول اللَّه عز و جل:

فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏

[ (3)] قال: قال عبد اللَّه: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): رأيت جبريل (عليه السلام) له ستمائة جناح [ (4)].

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 1/ 222 حديث رقم (169) و قال في سنده «حدثنا عبد اللَّه بن محمد ابن جعفر قال: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن رستة، و محمد بن نصير قالا: حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثنا أيوب بن فرقد ...».

[ (2)] الآية: 11/ النجم.

[ (3)] الآية: 9/ النجم.

[ (4)] وردت أحاديث هذا الباب بسياقات مختلفة، في بعضها تقديم و تأخير، و في بعضها زيادة و نقصان، و كلها صحيحة إن شاء اللَّه تعالى، فمنها ما أخرجه (البخاري) في، باب‏ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ حيث الوتر من القوس، حديث رقم (4856): حدثنا أبو النعمان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الشيبانيّ قال: سمعت رزّا «عن عبد اللَّه‏ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏* فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ قال: حدّثنا ابن مسعود أنه رأى جبريل له ستمائة جناح».

هكذا أورده، و المراد بقوله: «عن عبد اللَّه، و هو ابن مسعود أنه قال في تفسير هاتين الآيتين ما سأذكره، ثم استأنف قال: «حدثنا ابن مسعود» و ليس المراد أن ابن مسعود حدّث عبد اللَّه كما هو ظاهر السياق، بل عبد اللَّه هو ابن مسعود، و أخرجه في [الحديث الّذي يليه‏] من وجه آخر عن الشيبانيّ فقال: سألت زرّا عن قوله فذكره. و لا إشكال في سياقه، و قد أخرجه أبو نعيم في (المستخرج)، من طريق سليمان بن داود الهاشمي، عن عبد الواحد بن زياد، عن الشيبانيّ‏

40

و لأبي يعلى الموصلي من حديث يحيى بن حماد بن سلمة، حدثنا عاصم عن زر عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

رأيت جبريل عند السدرة و له ستمائة جناح ينتشر من ريشه تهاويل الدر و الياقوت‏

، قال أبو نعيم: رواه عن عاصم مثله مرفوعا زائدة و حسين بن واقد. و رواه شريك و غيره موقوفا على عبد اللَّه.

و قال أبو وائل عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

أتاني جبريل في خضر معلقا به الدرّ،

و زاد عاصم:

و له ستمائة جناح [ (1)].

و خرج أبو نعيم من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني و آدم عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن عبد اللَّه‏ وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏ [ (2)] قال: رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل في صورته عند السدرة له ستمائة جناح، جناح منها سد الأفق تتناثر من أجنحته التهاويل الدر و الياقوت ما لا يعلمه إلا اللَّه [ (3)].

____________

[ ()] قال: «سألت زر بن حبيش عن قول اللَّه: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏، فقال: قال عبد اللَّه، قال رسول اللَّه» فذكره. (فتح الباري): 8/ 784، 785، كتاب التفسير، سورة (53).

[ (1)] هذا الحديث أخرجه (البخاري) في كتاب التفسير، باب‏ فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏، الحديث رقم (4857): حدثنا طلق بن غنام، حدثنا زائدة عن الشيبانيّ قال: «سألت زرّا عن قوله تعالى:

فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ قال: أخبرنا عبد اللَّه أنه محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) رأى جبريل له ستمائة جناح.

قوله: «أنه محمد»، الضمير للعبد المذكور في قوله تعالى: إِلى‏ عَبْدِهِ‏ و وقع عند أبي ذر «أن محمدا رأى جبريل» و هذا أوضح في المراد، و الحاصل أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى أن الّذي رآه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) هو جبريل، كما ذهبت إلى ذلك عائشة، و التقدير على رأيه فأوحى، أي جبريل، إلى عبده، أي عبد اللَّه محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، لأنه يرى أنه الّذي دنا فتدلى هو جبريل، و أنه هو الّذي أوحى إلى محمد. و كلام أكثر المفسرين من السلف يدل على أن الّذي أوحى هو اللَّه، أوحى إلى عبده محمد، و منهم من قال: إلى جبريل.

قوله: «له ستمائة جناح»: زاد عاصم عن زرّ في هذا الحديث «يتناثر من ريشه التهاويل من الدرّ و الياقوت». أخرجه النسائي و ابن مروديه، و لفظ النسائي: «يتناثر منها تهاويل الدر و الياقوت».

(المرجع السابق). و نحوه في كتاب بدء الخلق، باب (7) حديث رقم (3232). (المرجع السابق): 6/ 385.

[ (2)] الآية: 14/ النجم.

[ (3)] أخرج البخاري نحوه في كتاب التفسير، باب‏ لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏، حديث رقم (4858): حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، «عن عبد اللَّه ابن مسعود رضي اللَّه عنه‏ لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏ قال: رأى رفرفا أخضر قد

41

____________

[ ()] سدّ الأفق».

قوله: «رأى رفرفا أخضر قد سدّ الأفق»، هذا ظاهره يغاير التفسير السابق أنه رأى جبريل، و لكن يوضح المراد، أخرجه النسائي و الحاكم، عن طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: أبصر نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل (عليه السلام) على رفرف قد ملأ ما بين السماء و الأرض» فيجتمع من الحديثين أن الموصوف جبريل، و الصفة التي كان عليها.

و قد وقع في رواية محمد بن فضيل عند الإسماعيلي، و في رواية ابن عيينة عن النسائي، كلاهما عن الشيبانيّ عن زرّ عن عبد اللَّه، أنه رأى جبريل له ستمائة جناح قد سدّ الأفق، و المراد أن الّذي سدّ الأفق الرفرف الّذي فيه جبريل، فنسب جبريل إلى سد الأفق مجازا.

و في رواية أحمد و الترمذي، و صححها من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود رأى جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء و الأرض، و بهذه الرواية يعرف المراد بالرفرف و أنه حلة، و يؤيده قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى‏ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَ عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ‏ [الآية 76/ الرحمن‏]، و أصل الرفرف ما كان من الديباج، رقيقا حسن الصنعة، ثم اشتهر استعماله في الستر، و كل ما فضل من شي‏ء فعطف و ثنى فهو رفرف. و يقال: رفرف الطائر بجناحه إذا بسطهما، و قال بعض الشّراح:

يحتمل أن يكون جبريل بسط أجنحته فصارت تشبه الرفرف، كذا قال، و الرواية التي أوردتها توضح المراد. (فتح الباري): 8/ 786، 787.

و من أحاديث الباب ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب (77) معنى قول اللَّه عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏، و هل رأى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ربه ليلة الإسراء، حديث رقم 287 (177): «حدثني زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود عن الشعبي، عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على اللَّه الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) رأى ربه فقد أعظم على اللَّه الفرية، قال: و كنت متكئا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني و لا تعجليني، أ لم يقل اللَّه عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ‏، وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين: رأيته منهبطا من السماء، سادّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض، فقالت: أو لم تسمع أن اللَّه يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟ أو لم تسمع أن اللَّه يقول: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ‏؟ قالت: و من زعم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كتم شيئا من كتاب اللَّه فقد أعظم على اللَّه الفرية، و اللَّه يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ‏؟ قالت:

و من زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على اللَّه الفرية، و اللَّه يقول: لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ‏. (مسلم بشرح النووي): 3/ 10- 12.

و أخرج ابن حبان في صحيحه، باب: ذكر رؤية المصطفى (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل بأجنحته، حديث رقم (6427) أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحيّ، حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن الشيبانيّ، قال:

«سألت زرّ بن حبيش عن هذه الآية: لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏ [18/ النجم‏] قال:

قال عبد اللَّه: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح». و قال في هامشه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. و الشيبانيّ: هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان. (الإحسان): 14/ 336.

42

و من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد اللَّه في قوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ قال: رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل في حلتي رفرف قد سد ما بين السماء و الأرض [ (1)].

و من حديث قيس بن وهب عن مرة عن عبد اللَّه: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً قال:

رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل معلقا رجليه بالسدرة، عليهما الدر كأنه قطر المطر على البقل.

و من حديث سفيان عن الأعمش عن أبي الضحى عن علقمة عن عبد اللَّه‏ وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ‏، قال: جبريل في رفرف خضر قد سد الأفق [ (2)].

____________

[ (1)] و نحوه في (صحيح ابن حبان) في باب ذكر خبر أوهم من لم يحكم صناعة العلم أنه مضادّ للخبر الّذي ذكرناه، حديث رقم (59): أخبرنا محمد بن صالح بن ذريح بعكبرا، حدثنا مسروق ابن المرزبان، حدثنا ابن أبي زائدة، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد:

«عن ابن مسعود في قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ قال: رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل في حلة من ياقوت- و في رواية غير المؤلف-: في حلة من رفرف، قد ملأ ما بين السماء و الأرض.

قال أبو حاتم: قد أمر اللَّه تعالى جبريل ليلة الإسراء أن يعلّم محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) ما يجب أن يعلمه كما قال:

عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏* وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏ يريد به جبريل‏ ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى‏ يريد به جبريل‏ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ يريد به جبريل‏ فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ بجبريل‏ ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ يريد به ربه بقلبه في ذلك الموضع الشريف، و رأى جبريل في حلة من ياقوت قد ملأ ما بين السماء و الأرض على ما في خبر ابن مسعود الّذي ذكرناه. (الإحسان):

1/ 255- 257.

و أخرجه الإمام أحمد بنحوه فقال: حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد اللَّه، في قوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏ قال: رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل في حلة من رفرف، قد ملأ ما بين السماء و الأرض. (مسند أحمد): 1/ 651، حديث رقم (3732).

[ (2)] الحاكم في (المستدرك): 2/ 509، كتاب التفسير، تفسير سورة النجم، حديث رقم (3746/ 883): «أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق، أنبأنا يحيى ابن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه في قوله عزّ و جلّ: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏، قال: رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل في حلة رفرف قد ملأ ما بين السماء و الأرض» و قال في آخره: صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه.

و (الفردوس بمأثور الخطاب): 2/ 256، 257، حديث رقم (3192) عن ابن مسعود «رأيت جبريل واقفا على السدرة له ستمائة جناح تسد أجنحته ما بين المشرق و المغرب.

43

و من حديث عثمان، حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي اللَّه عنها قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

رأيت جبريل منهبطا قد ملأ ما بين السماء إلى الأرض عليه ثياب سندس معلق به الدر و الياقوت [ (1)].

و من حديث مسلمة بن أبي الأشعث عن أبي صالح عن أبي سلمة عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لجبريل: وددت أن أراك في صورتك، قال: أ تحب ذلك؟ قلت: نعم، قال: موعدك كذا و كذا من الليل في بقيع الغرقد،

فلقيه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لموعده، فنشر جناحا من أجنحته فسد أفق السماء حتى ما يرى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من السماء شيئا، و أحب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) عند ذلك [ (2)].

و للإمام أحمد من حديث أبي بكر بن عياش عن إدريس بن وهب بن منبه عن أبيه وهب عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال: سأل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل أن يراه في صوره، فقال: ادع ربك، فدعا ربه فطلع عليه سواد من قبل المشرق فجعل يرتفع فينتشر، فلما رآه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صعق، فنعشه فمسح البزاق عن فمه [ (3)].

____________

[ (1)] (المسند): 1/ 652، حديث رقم (3740): حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا حجاج، حدثنا شريك عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه قال: «رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل في صورته، و له ستمائة جناح، كل جناح منها قد سدّ الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل و الدر و الياقوت ما اللَّه به عليم»،

و 1/ 680، حديث رقم (3905): حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن

عاصم بن بهدلة، عن زر، عن ابن مسعود: «أنه قال في هذه الآية:

وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏، قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): رأيت جبريل عند سدرة المنتهى، عليه ستمائة جناح، ينشر من ريشه التهاويل، الدر و الياقوت».

[ (2)] (الحبائك في الملائك للسيوطي): 16.

[ (3)] (المسند): 1/ 530، حديث رقم (2959): حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن إدريس بن منبه، عن أبيه وهب بن منبه، عن ابن عباس قال:

«سأل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) جبريل أن يراه في صورته؟ فقال: ادع ربك، قال: فدعا ربه، قال: فطلع عليه سواد من قبل المشرق، قال: فجعل يرتفع و ينتشر، قال: فلما رآه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) صعق، فأتاه، فنعشه، و مسح البزاق عن شدقيه».

44

و لابن حبان من حديث صفوان بن عمرو عن شريح بن عبد اللَّه قال:

لما صعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى السماء فأوحى اللَّه إلى عبده ما أوحى، خرّ جبريل ساجدا حتى قضى اللَّه إلى عبده ما قضى، ثم رفع رأسه فرأيته في خلقه الّذي خلق عليه، منظوم بالزبرجد، و اللؤلؤ و الياقوت، فخيّل إليّ أنّ ماء عينيه قد سد الأفق، و كنت لا أراه قبل ذلك إلا على صورة مختلفة، و أكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي، و كنت أحيانا لا أراه قبل ذلك إلا كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال [ (1)].

قال أبو نعيم: و الروايات تتسع في ترائي جبريل (عليه السلام) للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) في صور مختلفة، و وجه ذلك: أن يكون لجبريل ضروب من الصور، فكل مرة يتراءى فيها للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) يثبت اللَّه قلب رسوله لرؤيته فيها بقوة يجددها اللَّه له، و كل حالة إبقاء اللَّه تعالى رسوله على جبلته، و لا يحدث له فيها قوة، يضعف (صلى اللَّه عليه و سلم) عن رؤيته، فيصعق (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى ثبته اللَّه تعالى.

____________

[ (1)] صفوان بن عمر بن هرم السكسكيّ له في صحيح ابن حبان أحد عشر حديثا لم أجد من بينها هذا الحديث. (الإحسان): 18/ 156 (فهرس الرواة).

45

ذكر كيفية إلقاء الوحي إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

خرج البخاري من حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي اللَّه عنها

أن الحرث بن هشام سأل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللَّه، كيف كان يأتيك الوحي؟ فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، و هو أشده عليّ فينفصم عني و قد وعيت عنه ما قال، و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول.

قالت عائشة رضي اللَّه عنها: و لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد و إن جبينه ليتفصد عرقا.

و خرجه النسائي أيضا، و خرجه البخاري و مسلم من حديث على بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة

أن الحرث بن هشام سأل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كيف يأتيك الوحي؟ قال: كل ذلك، يأتيني أحيانا مثل صلصلة الجرس فيفصم عني و قد وعيت ما قال و هو أشده عليّ، و يتمثل لي الملك أحيانا رجلا فيكلمني فأعي ما يقول.

ذكره البخاري في كتاب بدء الخلق، و خرجه النسائي عن سفيان عن هشام و قال فيه:

و أحيانا يأتيني في مثل صورة الفتى فينبذه إليّ [ (1)].

و خرجه مسلم من حديث أبي أسامة و محمد بن بشر عن هشام‏

و لفظه: أن الحرث بن هشام سأل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): كيف كان يأتيك [ (2)] الوحي؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس و هو أشدّ عليّ، ثم يفصم عني و قد وعيته، و أحيانا ملك في مثل صورة الرجال، فأعى ما يقول.

____________

[ (1)] في (خ) «فينبذه مسلم إليّ» و ما أثبتناه من (سنن النّسائي) ج 2 ص 147.

[ (2)] قوله: «كيف يأتيك الوحي» ظاهره أن السؤال عن كيفية الوحي نفسه لا عن كيفية الملك الحامل له، و يدل عليه أول الجواب، لكن آخر الجواب يميل إلى أن المقصود بيان كيفية الملك الحامل، فيقال:

يلزم من كون الملك في صورة الإنسان كون الوحي في صورة مفهوم متبين أول الوهلة، فالنظر إلى هذا اللازم صار بيانا لكيفية الوحي، فلذلك قوبل بصلصلة الجرس، و يحتمل أن المراد السؤال عن كيفية الحامل، أي كيف يأتيك حامل الوحي. و قوله: «في مثل صلصلة الجرس» يأتيني في صوت متدارك لا يدرك في أول الوهلة كصوت الجرس، أي يجي‏ء في صورة و هيئة لها مثل هذا الصوت،

46

و لمسلم من حديث أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: إن كان لينزل على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الغداة الباردة ثم تفيض جبهته عرقا.

و له من حديث قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد اللَّه عن عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا أنزل عليه كرب لذلك و تربد وجهه، و في لفظ: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا أنزل عليه الوحي نكس رأسه، و نكس أصحابه رءوسهم، فلما أتلى [ (1)] عنه رفع رأسه.

و في رواية لغير مسلم:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا أنزل عليه الوحي عرفنا ذلك فيه و غمض عينيه و تربد وجهه، فنزل عليه فأمسكنا عنه، فلما سرى عنه قال:

خذوهن اقتلوهن [ (2)].

و لعبد الرزاق من حديث يونس بن يزيد الأشهلي عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه يقول: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا نزل عليه الوحي نسمع عنه دويا كدويّ النحل.

____________

[ ()] فنبه بالصوت غير المعهود على أنه يجي‏ء في هيئة غير معهودة، فلذا قابله بقوله: «في مثل صورة الفتى»، و على الوجهين فصلصلة الجرس مثال لصوت الوحي، و الصلصلة- بصادين مهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة- صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، و الجرس- بفتحتين- الجلجل الّذي يعلق في رءوس الدواب، وجه الشبه هو أنه صوت متدارك لا يدرك في أول الوهلة. و قوله:

«فيفصم» يضرب أي فيقطع عني حامل الوحي الوحي، قوله: «و قد وعيت عنه» أي حفظت عنه، أي أجده في قلبي مكشوفا متبينا بلا التباس و لا إشكال، فوله: «فينبذه»- كيضرب- أي يلقيه إليّ في صوت إنسان. و اللَّه تعالى أعلم (سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي و حاشية الإمام السندي) ج 2 ص 146، 147.

[ (1)] قوله: «أتلى عنه» هكذا هو في معظم نسخ بلادنا، أتلى بهمزة و مثناة فوق ساكنة و لام و ياء، و معناه:

ارتفع الوحي، هكذا فسّره صاحب (التحرير) و غيره، و وقع في بعض النسخ: «أجلى» بالجيم، و في رواية ابن ماهان «انجلى»، و معناها: أزيل عنه و زال عنه، و في رواية (البخاري): «انجلى»، و اللَّه أعلم. (مسلم بشرح النووي) ج 15 ص 89.

[ (2)] في حدّ الزنا.

47

و خرجه الترمذي من حديث عبد الرزاق بهذا السند

و لفظه: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل [ (1)]، فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسرى عنه فاستقبل القبلة و رفع يديه و قال: اللَّهمّ زدنا و لا تنقصنا، و أكرمنا و لا تهنا، و أعطنا و لا تحرمنا، و آثرنا و لا تؤثر علينا، و أرضنا و ارض عنا، ثم قال: أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏

[ (2)] حتى ختم عشر آيات.

قال الترمذي: سمعت إسحاق بن منصور يقول: رواه أحمد بن حنبل و علي بن المديني و إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن يونس بن سليمان عن يونس بن يزيد عن الزهري هذا الحديث نحوه، و من سمع من عبد الرزاق فربما قال لهم: إنما تذكرون فيه عن يونس بن يزيد، و بعضهم لا يذكر فيه عن يونس بن يزيد، و من ذكر فيه عن يونس بن يزيد فهو أصح، و كذا عبد الرزاق ربما ذكر في هذا الحديث يونس بن يزيد، و ربما لم يذكره و هو عندنا أصح.

و خرجه أيضا عنه ابن حميد، و خرجه الحاكم و قال: الإسناد صحيح.

و في حديث قصة الإفك قالت عائشة: فو اللَّه ما رام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق و هو في يوم شات من ثقل الّذي ينزل عليه، قالت: فلما سرّى عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سرّي عنه و هو يضحك [ (3)].

و لأبي بكر بن أبي شيبة من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة ابن وقاص، حدثتني عائشة رضي اللَّه عنها قالت: شخص رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بصره إلى السقف، و كان إذا نزل عليه وجد ثقلا، قال اللَّه تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [ (4)].

____________

[ (1)] في (خ): «سمع عليه وجهه كدوي النحل»، و ما أثبتناه من (مسند أحمد) ج 1 ص 34.

[ (2)] من أول سورة المؤمنون.

[ (3)] (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي) عند تفسيره لسورة النور.

[ (4)] سورة المزمل الآية/ 5.

48

و للإمام أحمد من حديث صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سهل بن سعد قال: سمعت زيد بن ثابت يقول: كان إذا نزل الوحي على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثقل لذلك و تحدر جبينه عرقا كأنه الجمان، و إن كان في البرد.

و له من حديث معمر عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت قال:

كنت أكتب لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: اكتب‏

لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏

...

وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

[ (1)]، فجاء ابن أم مكتوم فقال: يا رسول اللَّه، إني أحب الجهاد، و لكن بي من الزّمانة [ (2)] ما ترى، قال زيد: فثقلت فخذ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم قال: اكتب‏

لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏

[ (3)].

و لأبي نعيم من حديث ابن لهيعة قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن عمرو ابن الوليد عن عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنه قال:

قلت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هل تحس بالوحي؟ قال: نعم أسمع صلاصل ثم أسبت عند ذلك، و ما من مرة يوحى إليّ إلا ظننت أن نفسي تقبض منه.

و لأبي نعيم من حديث عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم بن كليب قال:

حدثني أبي عن خالد الفلتان بن عاصم قال: كنا عند النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنزل عليه، و كان إذا أنزل عليه دام بصره مفتوحة عيناه، و فرغ سمعه و قلبه لما يأتيه من اللَّه عز و جل.

و له من حديث أبي عون عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا نزل عليه الوحي صدع فغلف رأسه بالحناء.

و له لأحمد بن حنبل من حديث سفيان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: كنت آخذة بزمام ناقة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حين نزلت المائدة، فكاد

____________

[ (1)] سورة النساء الآية/ 95.

[ (2)] الزّمانة: العاهة (ترتيب القاموس) ج 2 ص 477.

[ (3)] أخرجه أيضا: أبو نعيم في (دلائل النبوة) ج 1 ص 73.

49

أن ينكسر عضدها من ثقل المائدة [ (1)].

و خرج الإمام أحمد من حديث ابن لهيعة، حدثنا حيي عن عبد اللَّه أن أبا عبد الرحمن الجبليّ حدثه قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو [ (2)] يقول: أنزلت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سورة المائدة و هو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها [ (3)].

و للبخاريّ و مسلم من حديث همام قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح قال:

حدثني صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه‏

أن رجلا أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو بالجعرانة [ (4)] و عليه جبة و عليه أثر الخلوق [ (5)]- أو قال: أثر صفرة- فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: فأنزل اللَّه على النبي الوحي [(صلوات اللَّه و سلامه عليهما)] [ (6)] فستر بثوب، [و كان يعلى يقول‏] [ (7)]: وددت أن أرى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد أنزل [ (8)] اللَّه عليه الوحي، فقال عمر رضي اللَّه عنه: أ يسرك أن ترى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

____________

[ (1)] قال الإمام الحافظ عماد الدين، أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشيّ الدمشقيّ في تقدمته لسورة المائدة:

«قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية شيبان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: إني لآخذه بزمام العضباء ناقة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، إذ نزلت عليه المائدة كلها، و كادت من ثقلها تدق عضد الناقة».

«و روى ابن مردويه، من حديث صباح بن سهل، عن عاصم الأحول قال: حدثتني أم عمرو عن عمها، أنه كان في مسير مع رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه و آله و سلم، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عنق الراحلة من ثقلها».

«و قال أحمد أيضا: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حييّ بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: أنزلت على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم سورة المائدة، و هو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها. تفرد به أحمد». (تفسير القرآن العظيم لابن كثير): 2/ 3.

[ (2)] في (خ): «عمر»، و التصويب من المرجع السابق و المرجع التالي.

[ (3)] (مسند أحمد): 2/ 368، مسند عبد اللَّه بن عمرو، حديث رقم (6605).

[ (4)] الجعرانة: ماء بين الطائف و مكة، و هي إلى مكة أقرب، و العراقيون يشدّدون راءها و يكسرون عينها، أما الحجازيون، فإنّهم يسكنون عينها و يخفّفون راءها. (معجم ما استعجم) 2/ 384.

[ (5)] الخلوق: بفتح الخاء المعجمة، نوع من الطيب مركب فيه زعفران.

[ (6)] زيادة في (خ).

[ (7)] كذا في (دلائل أبي نعيم): 1/ 225، حديث رقم (176).

[ (8)] في (المرجع السابق): «و قد نزل».

50

و قد أنزل [ (1)] عليه اللَّه الوحي؟ قلت: نعم، فرفع عمر طرف الثوب، فنظرت إليه له [ (2)] غطيط، قال: و أحسب [ (3)] قال: كغطيط البكر، قال: فلما سرى عنه قال: أين السائل عن العمرة؟ اخلع الجبة و اغسل [ (4)] أثر الخلوق و أنق [ (5)] الصفرة، و اصنع في عمرتك كما [ (6)] تصنع في حجك [ (7)]

و قال مسلم:

اغسل عنك أثر الصفرة أو قال: أثر الخلوق، و اخلع عنك جبتك، و اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك [ (8)]

. و خرجاه من طرق مطولا و مختصرا [ (9)].

____________

[ (1)] في (المرجع السابق): «و قد نزل».

[ (2)] في (المرجع السابق): «و له».

[ (3)] في (المرجع السابق): «قال همام: أحسبه».

[ (4)] في (المرجع السابق): «و اغسل عنك».

[ (5)] في (المرجع السابق): «أو الصفرة».

[ (6)] في (المرجع السابق): «ما صنعت».

[ (7)]

الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب العمرة، باب (10) ما يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج، حديث رقم (1789)، و رواه بسياقة أخرى في كتاب الحج، باب (17) غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب،

حديث رقم (1536): قال أبو عاصم: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلي أخبره‏ «أن يعلى قال لعمر رضي اللَّه عنه: أرني النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حين يوحي إليه. قال فبينما النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بالجعرانة- و معه نفر من أصحابه- جاءه رجل فقال: يا رسول اللَّه، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة و هو متضمّخ بطيب؟ فسكت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ساعة، فجاءه الوحي، فأشار عمر رضي اللَّه عنه إلى يعلى، فجاء يعلى- و على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثوب قد أظلّ به- فأدخل رأسه، فإذا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) محمرّ الوجه و هو يغط، ثم سرّي عنه فقال: أين الّذي سأل عن العمرة؟ فأتي برجل فقال: اغسل الطيب الّذي بك ثلاث مرات، و انزع عنك الجبة، و اصنع في عمرتك كما تصنع في حجّتك».

قلت لعطاء: أراد الإنقاء حسن أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم».

قوله: «يغطّ»- بفتح أوله و كسر المعجمة و تشديد الطاء المهملة- أي ينفخ، و الغطيط: صوت النفس المتردد من النائم أو المغمى، و سبب ذلك شدة ثقل الوحي، و كان سبب إدخال يعلى رأسه عليه في تلك الحال، أنه كان يحب لو رآه في حالة نزول الوحي. (فتح الباري): 3/ 503.

[ (8)] (صحيح مسلم): كتاب الحج، باب (1)، ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، و ما لا يباح، و بيان تحريم الطيب عليه، حديث رقم (6- (1180).

[ (9)] فمما أخرجه (البخاري): كتاب جزاء الصيد، باب (19)، إذا أحرم جاهلا و عليه قميص، حديث رقم (1847)، و في كتاب فضائل القرآن، باب (2)، نزل القرآن بلسان قريش و العرب، قُرْآناً عَرَبِيًّا بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏، حديث رقم (4985)، و في كتاب المغازي، باب (57)، غزوة الطائف في شوال سنة ثمان- قال موسى بن عقبة- حديث رقم (4329).

و مما أخرجه (مسلم): كتاب الحج، باب (1)، ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، و ما لا يباح، و بيان تحريم الطيب عليه، حديث رقم (6- (1180)، (7)، (8)، (9)، (10)، و قال فيه:

«خمّره عمر بالثوب»، أي غطّاه، و أما إدخال يعلى رأسه، و رؤيته النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في تلك الحال، و إذن عمر له في ذلك، فكله محمول على أنهم علموا من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه لا يكره الاطلاع عليه في ذلك الوقت و تلك الحال، لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حالة الوحي الكريم، و اللَّه تعالى أعلم.

51

و خرج الإمام أحمد من حديث أبي الزناد عن خارجة بن زيد قال: قال زيد ابن ثابت:

إني قاعد إلى جنب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذ أوحي إليه، قال: و غشيته السكينة [و] [ (1)] وقع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة، [قال زيد] [ (1)]:

فلا و اللَّه ما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم سرى عنه فقال: أكتب يا زيد [ (2)].

و روى الحسين بن إسماعيل المحاملي من حديث أبي الزياد عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت قال: كان إذا أنزل على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) السورة الشديدة أخذه من الشدة و الكرب على قدر شدة السورة، و إذا أنزل عليه السورة اللينة أخذ [ (3)] به من ذلك على قدر لينها.

و لابن سعد من حديث صالح بن محمد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي أروى الدوسيّ قال: رأيت الوحي ينزل على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و إنه على راحلته فترغو و تقبل يديها حتى أظن أن ذراعها تنفصم فربما بركت و ربما قامت موئدة يديها حتى يسرى عنه مثل الوحي، و إنه ليتحدر مثل الجمان [ (4)].

و خرج الحاكم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن عبد اللَّه بن رباح الأنصاري عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا أوحي إليه لم يستطع أحد منا يرفع طرف إليه حتى ينقضي الوحي. قال هذا حديث صحيح‏

____________

[ (1)] زيادة من (مسند أحمد).

[ (2)]

(مسند أحمد): 6/ 245، حديث رقم (21156)، و تمام لفظه: «فأخذت كتفا، فقال:

أكتب‏ لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ ... وَ الْمُجاهِدُونَ‏ الآية كلها إلى قوله: أَجْراً عَظِيماً، فكتبت ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم- و كان رجلا أعمى- فقام حين سمع فضيلة المجاهدين، قال: يا رسول اللَّه، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو أعمى و أشباه ذلك؟ قال زيد:

فو اللَّه ما مضى كلامه، أو ما هو إلا أن قضي كلامه، غشيت النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) السكينة فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى ثم سرّى عنه. فقال: اقرأ، فقرأت عليه:

لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ ... وَ الْمُجاهِدُونَ‏، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.

قال زيد: فألحقتها، فو اللَّه لكأنّي انظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف».

[ (3)] في (خ): «أخذا».

[ (4)] (طبقات ابن سعد): 1/ 197، باب ذكر شدة نزول الوحي على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم).

52

على شرط مسلم [ (1)]. [و لم يخرجاه‏] [ (2)].

و له من حديث معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كان إذا أوحي إليه و هو على ناقته وضعت جرانها فلم تستطع أن تتحرك، و تلت قول اللَّه عزّ و جلّ: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا قال: هذا حديث صحيح الإسناد [ (3)]، [و لم يخرجاه‏] [ (2)] و اللَّه الموفق بمنه و كرمه و حسن توفيقه.

____________

[ (1)] (المستدرك): 2/ 242، حديث رقم (2880/ 9).

[ (2)] زيادة من المرجع السابق.

[ (3)] (المستدرك): 2/ 548، حديث رقم (3865/ 1002).