إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج4

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
408 /
3

[تتمة الفصل في ذكر المفاضلة بين المصطفى و بين إبراهيم‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و من حديث محمد بن كعب القرظيّ قال:

بينا عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه في المسجد إذ مرّ رجل في مؤخر المسجد فقال رجل: يا أمير المؤمنين، تعرف هذا المار؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: هذا سواد بن قارب، و هو رجل من أهل اليمن له فيهم شرف و موضع، و هو الّذي أتاه رئيّه [ (1)] بظهور رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال [عمر] [ (2)]:

عليّ به، فدعي، فقال [ (3)]: أنت سواد بن قارب، قال: نعم، قال: فأنت [ (4)] الّذي أتاك رئيّك بظهور رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ قال: نعم، قال: فأنت على ما كنت عليه من كهانتك؟ فغضب غضبا شديدا و قال: يا أمير المؤمنين! ما استقبلني أحد [ (5)] بهذا منذ أسلمت، فقال عمر رضي اللَّه عنه: يا سبحان اللَّه! و اللَّه ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك، أخبرني بإتيانك [ (6)] رئيك بظهور رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: نعم.

يا أمير المؤمنين، بينا أنا ذات ليلة بين النائم و اليقظان، إذ أتانى رئيّي فضربني برجله و قال: قم يا سواد بن قارب، فافهم [ (7)] و اعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى اللَّه و إلى عبادته، ثم أنشأ يقول:

عجبت للجن و تجساسها [ (8)]* * * و شدها العيس [ (9)] بأحلاسها [ (10)]

تهوى إلى مكة تبغي الهدى‏* * * ما خير الجن كأنجاسها [ (11)]

____________

[ (1)] الرَّئّيّ و الرِّئّيّ: الجنّي يراه الإنسان، و قال اللحيانيّ: له رئيّ من الجن و رئيّ إذا كان يحبه و يؤالفه.

الليث: الرّئّي: جنّي يتعرض الرجل يريه كهانة و طبا. (لسان العرب): 14/ 297.

[ (2)] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم).

[ (3)] في (خ): «قال».

[ (4)] في (خ): «أنت».

[ (5)] كذا في (خ)، و في (دلائل أبي نعيم): «بهذا أحد».

[ (6)] في (خ): «بإتيان».

[ (7)] في (خ): «و افهم».

[ (8)] في (الفتح) 7/ 229: «و تحساسها»، بفتح المثناة و بمهملات، أي أنها فقدت أمرا، فشرعت تفتش عليه.

[ (9)] العيس: الإبل البيض، يخالط بياضها سواد خفيف.

[ (10)] الأحلاس: جمع حلس، و هو كل ما يوضع على ظهر الدابة.

[ (11)] في (فتح الباري): 7/ 229: «ما مؤمنوها مثل أرجاسها».

4

فارحل [ (1)] إلى الصفوة من هاشم‏* * * و اسم بعينيك إلى رأسها

قال: فلم أرفع بقوله رأسا و قلت: دعني أنام [ (2)]، فإنّي أمسيت ناعسا، فلما أن كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله و قال: أ لم أقل لك يا سواد بن قارب:

قم فافهم و اعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى اللَّه و إلى عبادته، ثم أنشأ الجنّي و هو يقول:

عجبت للجن و تطلابها* * * و شدّها العيس بأقتابها

تهوي إلى مكة تبغي الهدى‏* * * ما صادق الجن ككذّابها

فارحل إلى الصفوة من هاشم‏* * * ليس قداماها [ (3)] كأذنابها

قال: فلم أرفع بقوله رأسا، فلما كانت الليلة الثالثة أتاني و ضربني برجله و قال: أ لم أقل لك يا سواد بن قارب: افهم و اعقل إن كنت تعقل أنه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى اللَّه و إلى عبادته، ثم أنشد [ (4)] الجني يقول:

عجبت للجن و أخبارها* * * و شدها العيس بأكوارها [ (5)]

تهوي إلى مكة تبغي الهدى‏* * * ما مؤمنو [ (6)] الجن ككفارها

فادخل إلى الصفوة من هاشم‏* * * بين روابيها [ (7)] و أحجارها

فوقع في نفسي حب الإسلام، و رغبت فيه، فلما أصبحت شددت على راحلتي فانطلقت متوجها إلى مكة، فلما كنت ببعض الطريق أخبرت أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قد هاجر إلى المدينة، فأتيت المدينة فسألت عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقيل لي: في المسجد، فانتهيت إلى المسجد فعقلت ناقتي و إذا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و الناس حوله، فقلت: اسمع مقالتي يا رسول اللَّه، فقال أبو بكر رضي اللَّه عنه: ادنه ادنه، فلم يزل بي حتى صرت بين يديه فقال: هات، فأخبرني بإتيانك رئيّك، فقلت:

____________

[ (1)] في المرجع السابق: «فاسم».

[ (2)] في (خ): «أنم».

[ (3)] كذا في (خ)، و (دلائل أبي نعيم)، و في (الخصائص): «قدّامها».

[ (4)] في (دلائل أبي نعيم): «أنشأ».

[ (5)] أكوار: جمع كور، و هو ما يوضع على ظهر الدابة.

[ (6)] في (خ): «مؤمن»، و ما أثبتناه من «دلائل أبي نعيم»، و هو حق اللغة.

[ (7)] الروابي: جمع رابية، و الرابية، و الربوة، و الرباة: ما ارتفع من الأرض. (ترتيب القاموس):

2/ 298.

5

أتاني نجيي بعد هدء و رقدة* * * فلم أك [ (1)] قد تلوت بكاذب‏

ثلاث ليال قوله كلّ ليلة* * * أتاك رسول [ (2)] من لؤيّ بن غالب‏

فشمّرت من ذيل الازار و وسّطت‏* * * بي الذعلب الوجناء بين السباسب [ (3)]

فأشهد أن اللَّه لا ربّ غيره‏* * * و أنك مأمون على كل غائب‏

و أنك أدنى المرسلين وسيلة* * * إلى اللَّه يا ابن الأكرمين الأطايب‏

فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى‏* * * و إن كان فيما جاء شيب الذوائب [ (4)]

و كن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة* * * سواك بمغن عن سواد بن قارب [ (5)]

قال: ففرح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه بإسلامي فرحا شديدا حتى رئي في وجوههم.

قال: فوثب إليه عمر رضي اللَّه عنه فالتزمه و قال: قد كنت أحبّ أن أسمع هذا منك [ (6)].

و قد رواه عبيد اللَّه بن الوليد الوصافي عن أبي جعفر عن سواد بن قارب، و رواه الحسن ابن عمارة عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن عن سواد، و رواه أبو معمر عياد بن عبد الصمد

____________

[ (1)] في (خ): «و لم يك فيما قد تلوت»، و في (الاستيعاب): «و لم يك فيما قد بلوت».

[ (2)] في المرجع السابق: «أتاك نجيّ».

[ (3)] في المرجع السابق:

فرفعت أذيال الإزار و شمّرت‏* * * بي الفرس الوجناء حول السباسب‏

[ (4)] في المرجع السابق:

فمرنا بما يأتيك من وحي ربنا* * * و إن كان فيما جئت سيب الذوائب‏

[ (5)] في المرجع السابق:

«بمغن فتيلا عن سواد بن قارب».

شرح المفردات:

الذعلب الوجناء: الفرس القوية الشديدة.

السباسب: الأراضي الممتدة البعيدة، مفردها سبسب.

الذوائب: مفردها «ذؤابة»، و هي الناصية.

[ (6)] رواه أبو نعيم في (دلائل النبوة): 1/ 111- 114، حديث رقم (62)، ابن عبد البر في (الاستيعاب):

2/ 674، ترجمة رقم (1109) سواد بن قارب الدّوسيّ، الحاكم في (المستدرك): 3/ 704- 706، كتاب معرفة الصحابة، باب ذكر سواد بن قارب الأزدي رضي اللَّه تعالى عنه، حديث رقم (6558/ 2156)، و قال عنه الذهبي في (التخليص): «الإسناد منقطع»، الإمام البخاري في (الصحاح): كتاب مناقب الأنصار، باب (35)، إسلام عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه، حديث رقم (3866)، و شرحه ابن حجر في (الفتح): 7/ 227- 230، و البيهقي في (الدلائل):

2/ 243- 254.

6

عن سعيد بن جبير عن سواد.

و له من حديث علي بن حرب قال حدّثتا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن عبد اللَّه العماني [ (1)] قال: كان منا رجل [ (2)] يقال له: مازن بن الغضوبة [ (3)]، يسدن [ (4)] صنما بقرية يقال لها: (سمايا) من عمان، و كانت تعظمه بنو الصامت و بنو خطامة و مهرة، و هم أخوان [ (5)] مازن [لأمه زينب بنت عبد اللَّه ابن ربيعة بن حويص أحد بني نمران، قال مازن‏] [ (6)]: فعترنا ذات يوم عند الصّنم عتيرة- و هي الذبيحة- فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن! اسمع تسرّ، فظهر خير و بطن شر، بعث نبي من بني مضر [ (7)]، بدين اللَّه الكبر [ (8)]، فدع نحيتا [ (9)] من حجر، تسلم من حرّ سقر [ (10)].

قال: ففزعت لذلك، ثم عترنا بعد أيام عتيرة أخرى فسمعت صوتا من الصنم يقول: أقبل إليّ أقبل، تسمع ما لا تجهل، هذا نبي مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كي تعدل، عن حرّ نار تشعل، وقودها الجندل [ (11)].

قال مازن: فقلت: إن هذا لعجب، و إنه لخير يراد بي.

و قدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلنا: ما الخبر وراءك؟ قال: ظهر رجل يقال له: أحمد، يقول لمن أتاه: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ‏ فقلت: هذا نبأ ما سمعت،

____________

[ (1)] في (خ)، و (الخصائص): «العماني، و في (دلائل أبي نعيم): 1/ 114: «المعاني».

[ (2)] كذا في (خ)، و في المرجع السابق: «كان رجل منا».

[ (3)] في المرجع السابق: «الغضوب»، و في «الإصابة» و (مجمع الزوائد): «الغضوبة»، و في (الاستيعاب): «المغضوبة»، و هو مازن بن الغضوبة بن غراب بن بشر بن خطامة.

[ (4)] يسدن: يخدم.

[ (5)] في (خ): «أخوال»، و في (دلائل أبي نعيم): «أخوان».

[ (6)] ما بين الحاصرتين زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم).

[ (7)] في المرجع السابق: «من مضر».

[ (8)] في المرجع السابق: «الأكبر».

[ (9)] نحيت: بمعنى منحوت، كقتيل و مقتول.

[ (10)] سقر: من أسماء جهنم، قال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ المدثر: 26.

[ (11)] في (دلائل أبي نعيم): «بالجندل»، و الجندل: الحجر العظيم، إشارة إلى قوله تعالى: ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ التحريم: 6.

7

فَسِرْتُ [ (1)] إلى الصنم فكسرته جذاذا [ (2)]، و ركبت راحلتي حتى قدمت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فشرح لي الإسلام فأسلمت و قلت:

كسّرت باجر [ (3)] أجذاذا و كان لنا* * * ربا نطيف [ (4)] به ضلا بتضلال‏

بالهاشميّ هدانا من ضلالتنا* * * و لم يكن دينه منّى على بال‏

يا راكبا بلغنا عمرا، وإخوته [ (5)]* * * أني لمن قال: ربي باجر [ (6)]، قالي [ (7)]

يعني بعمرو: بني الصامت، و إخوته [ (5)]: بني خطامة.

فقلت: يا رسول اللَّه! إني امرؤ مولع بالطرب و بالهلوك [ (8)] من النساء و بشرب الخمر، فأتت [ (9)] علينا السنون فاذهبن بالأموال و أهزلن الذراري [و العيال‏] [ (10)].

و ليس لي ولد، فادع اللَّه أن يذهب عني ما أجد، و يأتينا بالحياء، و يهب لي ولدا.

فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

: اللَّهمّ أبدله بالطرب قراءة القرآن، و بالحرام الحلال، و بالإثم و بالعهر عفّة، و آته بالحياء، وهب له ولدا،

قال: فأذهب اللَّه عني ما أجد، و أخصبت عمان، و تزوجت أربع حرائر، [و حفظت شطر القرآن‏] [ (11)]، و وهب اللَّه لي حيّان بن مازن، و أنشأت أقول:

إليك رسول اللَّه خبّت مطيتي‏* * * تجوب الفيافي من عمان إلى العرج‏

____________

[ (1)] في (خ): «فثرت».

[ (2)] في (خ): «أجذاذا»، و ما أثبتناه من رواية أبي نعيم، و بها جاء التنزيل، قال تعالى: فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ‏ الأنبياء: 58. و الجذاذ و الأجذاذ بمعنى، و هي القطع الصغيرة.

[ (3)] باجر: اسم الصنم الّذي خرج منه الصوت.

[ (4)] لغة في «نطوف».

[ (5)] في (خ): «و إخوتها»، و التصويب من: (دلائل البيهقي)، (دلائل أبي نعيم).

[ (6)] في «دلائل البيهقي»: «ناجر».

[ (7)] قالي: تارك، قال تعالى: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏ الضحى: 3.

[ (8)] الهلوك من النساء: الساقطة منهن.

[ (9)] في (خ): «فأتت»، و في (الحّت): «و الرجال».

[ (10)] زيادة للسياق من (أبي نعيم)، و في (البيهقي): «و الرجال».

[ (11)] ما بين الحاصرتين في (خ)، و (أبي نعيم)، و ليست في (البيهقي).

8

لتشفع لي يا خير من وطئ الحصا* * * فيغفر لي ربي و أرجع بالفلج‏

إلى معشر خالفت في اللَّه دينهم‏* * * فلا رأيهم رأيي و لا شرجهم شرجي‏

و كنت امرأ بالعهر [ (1)] و الخمر مولعا* * * شبابي حتى آذن الجسم بالنهج‏

[فبدلني بالخمر خوفا و خشية* * * و بالعهر إحصانا فحصّن لي فرجي‏] [ (2)]

فأصبحت همّي في الجهاد و نيتي [ (3)]* * * فللّه ما صومي و للَّه ما حجّي [ (4)]

[قال مازن‏] [ (5)] فلما أتيت [ (6)] قومي أنّبوني و شتموني، و أمروا شاعرا [ (7)] لهم فهجاني، فقلت: إن رددت [ (8)] عليه فإنما أهجو نفسي [ (9)]، فرحلت عنهم فأتتني منهم أرفلة عظيمة، و كنت القيّم بأمورهم، فقالوا: يا ابن عم! عتبنا عليك أمرا و كرهنا ذلك، فإن أبيت فارجع فقم بأمورنا، و شأنك و ما تدين به، فرجعت معهم و قلت [ (10)]:

____________

[ (1)] في (البيهقي): «بالزّعب».

[ (2)] هذا البيت ساقط من (البيهقي) في سياق الأبيات، ثم استدركه بعد ذلك.

[ (3)] في (خ)، و (أبي نعيم): «نيتي»، و في (البيهقي): «نية».

[ (4)] بهذه الأبيات تنتهي رواية (أبي نعيم): 1/ 114- 117، حديث رقم (63)، قال الحافظ ابن حجر في (الإصابة) في ترجمة مازن بن الغضوبة: أخرجه الطبراني و الفاكهي في كتاب (مكة)، و البيهقي في (الدلائل)، و ابن السكن، و ابن قانع، كلهم من طريق هشام بن الكلبي عن أبيه قال:

حدثني عبد اللَّه العماني. و قال الهيثمي في (مجمع الزوائد): 8/ 248: رواه الطبراني من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، و كلاهما متروك.

[ (5)] من قوله: «قال مازن» حتى آخر هذا الأثر من (دلائل البيهقي) و (خ)، و ليس في (دلائل أبي نعيم).

[ (6)] في (دلائل البيهقي): «فلما رجعت إلى قومي».

[ (7)] في (دلائل البيهقي): «شاعرهم».

[ (8)] في (دلائل البيهقي): «إن هجوتهم».

[ (9)] في (دلائل البيهقي): «فتركتهم و أنشأت أقول:».

[ (10)] هذه الأبيات في (دلائل البيهقي) هكذا:

و شتمكم عندنا مرّ مذاقته‏* * * و شتمنا عندكم يا قومنا لئن‏

لا ينشب الدهر أن يثبت معايبكم‏* * * و كلكم أبدا في عيبنا فطن‏

قال أبو جعفر: إلى هنا حفظت و أخذته من أصل جدي، كأنه يريد الباقي:

فشاعرنا مفحم عنكم و شاعركم‏* * * في حربنا مبلغ في شتمنا لسن‏

ما في الصدور عليكم فاعلموا وغر* * * و في صدوركم البغضاء و الإحن‏

9

لبغضكم عندنا مرّ مذاقته‏* * * و بغضنا عندكم يا قومنا لئن‏

لا يفطن الدهر أن يثبت معايبكم‏* * * و كلكم حين بتنا عيبنا فطن‏

شاعرنا مفحم عنكم و شاعركم‏* * * في حربنا مبلغ في شتمنا لسن‏

ما في القلوب عليكم فاعلموا وغر* * * و في قلوبكم البغضاء و الإحن‏

قال مازن: فهداهم اللَّه بعد إلى الإسلام فأسلموا جميعا.

و له من حديث أبي محمد عبد اللَّه بن داود [و عن دلهاب‏] [ (1)] بن إسماعيل بن عبد اللَّه بن مسرع بن ياسر بن سويد قال: حدثنا أبي عن أبيه [دلهاب‏] [ (1)] عن أبيه إسماعيل، أن أباه عبد اللَّه حدثه عن أبيه مسرع، أن أباه ياسر بن سويد حدثه عن عمرو بن مرة الجهنيّ أنه كان يحدث قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية، فرأيت في المنام و أنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى أضاء إلى جبل يثرب و أشعر جهينة، فسمعت صوتا في النور و هو يقول:

____________

[ ()] و باقي الأثر كما في (دلائل البيهقي):

فحدثنا موادّنا من أهل عمان عن سلفهم أن مازنا لما تنحى عن قومه أتي موضعا فابتنى مسجدا يتعبد فيه، فهو لا يأتيه مظلوم يتعبد فيه ثلاثا، ثم يدعو محقا على من ظلمه، يعني إلا استجيب.

و في أصل السماع فيكاد أن يعافي من البرص، فالمسجد يدعى مبرصا إلى اليوم. قال أبو المنذر:

قال مازن: ثم إن القوم ندموا، و كنت القيّم بأمورهم، فقالوا: ما عسانا أن نصنع به، فجاءني في منهم أرفلة عظيمة فقالوا: يا ابن العم، عبنا عليك أمرا فنهيناك عنه، فإذ أبيت فنحن تاركوك، ارجع معنا، فرجعت معهم فأسلموا بعد كلهم.

قال البيهقي: و قد روي في معنى ما روينا عن مازن أخبار كثيره، منها حديث عمرو بن جبلة فيما سمع من جوف الصنم: «يا عصام يا عصام، جاء الإسلام و ذهبت الأصنام».

و منها حديث طارق من بني هند بن حرام: «يا طارق يا طارق، بعث النبي الصادق».

و منها حديث ابن دقشة فيما أخبر به رئيّه، فنظر إلى ذباب بن الحارث و قال: يا ذباب، اسمع العجب العجاب، بعث محمد بالكتاب، يدعو بمكة و لا يجاب».

و منها حديث عمرو بن مرة الغطفانيّ فيما رأى من النور الساطع في الكعبة في نومه، ثم ما سمع من الصوت: «أقبل حقّ فسطع، و دمّر باطل فانقمع».

و منها حديث العباس بن مرداس فيما سمع من الصوت.

و منها حديث خالد بن سطيح حين أتته تابعته فقالت: «جاء الحق القائم و الخير الدائم»، و غير ذلك مما يطول بسياق جميعه الكتاب، و باللَّه التوفيق (دلائل النبوة للبيهقي): 2/ 257- 259.

[ (1)] كذا في (خ)، و لم أجده فيما بين يدي من كتب الرجال.

10

انقشعت الظلماء* * * و سطع الضياء

و بعث خاتم الأنبياء

ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة و أبيض المدائن، فسمعت صوتا في النور و هو يقول:

ظهر الإسلام‏* * * و كسرت الأصنام‏

و وصلت الأرحام

فانتبهت فزعا فقلت لقومي: و اللَّه ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث، و أخبرتهم بما رأيت، فلما انتهينا إلى بلادنا

جاءنا رجل فقال: إن رجلا يقال له:

أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت، فقال: يا عمرو بن مرة! إني المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام، و آمرهم بحقن الدماء و صلة الأرحام، و عبادة اللَّه و رفض الأصنام، و حج البيت و صيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة، و من عصى فله النار، فآمن باللَّه يا عمرو بن مرة يؤمنك اللَّه من هول جهنم.

فقلت: أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أنك رسول اللَّه آمنت بكل ما جئت به من حلال و حرام، و أن أرغم ذلك كثيرا من الأقوام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به، و كان لنا صنم و كان أبي سادنا له، فقمت إليه فكسرته، ثم لحقت بالنبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا أقول:

شهدت بأنّ اللَّه حقّ و إنني‏* * * لآلهة الأحجار أول تارك‏

و شمّرت [ (1)] عن ساقي الإزار [ (2)] مهاجرا* * * إليك أجوب الوعث [ (3)] بعد الدكادك [ (4)]

لأصحب خير الناس نفسا و والدا* * * رسول مليك الناس فوق الحبائك [ (5)]

____________

[ (1)] في (خ): «فشمّرت».

[ (2)] في (خ): «إزارا».

[ (3)] في (خ): «أدب القور»، و أيضا في (اللسان): «أجوب القور».

[ (4)] الدكادك: جمع دكداك، و هو رمل ذو تراب يتلبد.

[ (5)] الحبائك: الطرق، واحدتها حبيكه، يعني بها السماوات، لأن فيها طرق النجوم، في (خ):

«الحبائك»، و تصويبات هذه الأبيات من (لسان العرب): 10/ 408، 426، (طبقات ابن سعد): 1/ 333- 334، (وفد جهينة).

11

فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): من حبابك يا عمرو بن مرة! فقلت: يا رسول اللَّه، بأبي أنت و أمي ابعثني على قومي لعل اللَّه أن يمن بي عليهم كما من بك عليّ.

فبعثني إليهم و قال: عليك بالرفق في القول السديد، و لا تكن فظا و لا متكبرا و لا حسودا،

فأتيت قومي فقلت فقلت لهم: يا بني رفاعة ثم يا بني جهينة، إني رسول رسول اللَّه إليكم أدعوكم إلى الجنة و أحذركم النار، و آمركم بحق الدماء و صلة الأرحام، و عبادة اللَّه و رفض الأصنام، و حج البيت و صيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة، و من عصى فله النار، يا معشر جهينة! إن اللَّه- و له الحمد- جعلكم خيار من أنتم منه، و بغّض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من الرفث، إنهم كانوا يجمعون بين الأختين، و يخلف الرجل منهم على امرأة أبيه التراث في الشهر الحرام، فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤيّ ابن غالب تنالوا شرف الدنيا و كبير الأجر في الآخرة، فسارعوا في ذلك تكن [ (1)] لكم فضيلة عند اللَّه.

فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال: يا عمرو بن مرة، أمرّ اللَّه عليك عيشك! أ تأمرنا أن نرفض آلهتنا و نفارق جماعتنا، و نخالف ديننا إلى ما يدعو إليه هذا القرشيّ من أهل تهامة؟ لا، و لا حبا و لا كرامة، ثم أنشأ الخبيث يقول:

إن ابن مرة قد أتى بمقالة* * * ليست مقالة من يريد صلاحا

إني لأحسب قوله و فعاله‏* * * يوما و إن طال الزمان رياحا

أ تسفّه الأشياخ ممن قد مضى؟* * * من رام ذلك لا أصاب و لاحا

فقال عمرو بن مرة: الكاذب مني و منك أمرّ اللَّه عيشته، و أبكم لسانه و أكمه بصره، قال عمرو بن مرة: و اللَّه ما مات حتى سقط فوه، و كان لا يجد طعم الطعام، و عمي و خرس، فخرج عمرو بن مرة و من أسلم من قومه حتى أتوا النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فرحب بهم و حياهم، و كتب لهم كتابا نسخته:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من اللَّه على لسان رسول اللَّه، بكتاب‏

____________

[ (1)] في (خ): «تكون».

12

صادق، و حق ناطق، مع عمرو بن مرة الجهنيّ لجهينة بن زيد: أن لكم بطون الأرض و سهولها، و تلاع الأودية و ظهورها، تزرعون نباته، و تشربون صافيه، على أن تقروا بالخمس، و تصلوا الصلوات الخمس، و في السعة و الضرعة شاتان إن اجتمعتا، و إن تفرقتا فشاة، ليس على أهل [المثير] [ (1)] صدقة، [و لا على الواردة لبقه‏] [ (2)]،

و شهد من حضر من المسلمين [ (3)] بكتاب قيس بن شمّاس. فذلك حيث يقول عمرو بن مرة:

أ لم تر أن اللَّه أظهر دينه‏* * * و بيّن برهان القرآن لعامر

كتاب من الرحمن نور لجمعنا* * * و أحلافنا في كل باد و حاضر

إلى خير من يمشي على الأرض كلها* * * و أفضلها عند اعتكار الضرائر [ (4)]

أطعنا رسول اللَّه لما تقطعت‏* * * بطون الأعادي بالظبا و الخواطر

فنحن قبيل قد بني المجد حولنا* * * إذا اختليت في الحرب هام الأكابر

بنو نغزيها بأيد طويلة* * * و بيض زلالا في أكف المغاور

ترى جولة الأنصار يحمي أميرهم‏* * * بسمر العوالي و الصفاح البواتر

إذا الحرب دارت عند كل عظيمة* * * و دارت رحاها بالليوث الهواجر

يبلج منه اللون و ازدان وجهه‏* * * كمثل ضياء البدر بين الزواهر

و له من حديث ابن خرّبوذ عن رجل من خثعم قال: كانت العرب لا تحرم حراما و لا تحل حلالا، و كانوا يعبدون الأوثان و يتحاكمون إليها، فبينا نحن ذات ليلة عند وثن لنا جلوس، و قد تقاضينا إليه في شي‏ء وقع بيننا [كاد] يفرق بيننا، إذ هتف هاتف يقول:

يا أيها الناس ذوو الأجسام‏* * * ما أنتم و طائش الأحلام‏

و مسندو الحكم إلى الأصنام‏* * * هذا نبي سيد الأنام‏

____________

[ (1)] في (خ): «الميرة».

[ (2)] في (خ): «ليس الوردة اللبقة».

[ (3)] كذا في (خ)، و في (مجموعة الوثائق السياسية): 156: «و اللَّه شهيد على ما بيننا و من حضر من المسلمين»، و باقي التصويبات منه.

[ (4)] الاعتكار: الازدحام و الكثرة، اعتكال الضرائر أي اختلاطها، و الضرائر: الأمور المختلفة، أي عند اختلاط الأمور، و يروى: «عند اعتكار الضرائر». (اللسان): 4/ 600.

13

أعدل ذي حكم من الحكام‏* * * يصدع بالنور و بالإسلام‏

و يمنع الناس عن الآثام‏* * * مستعلن في البلد الحرام‏

قال: ففزعنا و تفرقنا من عنده، و صار ذلك الشعر حديثا حتى بلغنا أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قد خرج بمكة ثم قدم المدينة ثم جئت و أسلمت [ (1)].

و من حديث الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: كنا جلوسا عند صنم ببوانة قبل أن يبعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بشهر و قد نحرنا جزرا، فإذا صائح يصيح من جوف واحدة منها يقول:

* اسمعوا إلى العجب* ذهب استراق السمع و ترمى الشّهب* لنبي بمكة اسمه أحمد و مهاجره إلى يثرب* قال: فأمسكنا و عجبنا، و خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

و له من حديث شهر بن حوشب، عن عبد اللَّه بن عباس، عن سعد بن عبادة رضي اللَّه عنه، قال: بعثني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى حضر موت في حاجة قبل الهجرة، حتى إذا كنت في بعض الطريق عرست ساعة من الليل، فسمعت هاتفا يقول:

أبا عمرو ناوبني [ (2)] السهود* * * و راح النوم و امتنع الهجود [ (3)]

لذكر عصابة سلفوا و بادوا* * * و كل الخلق قصرهم يبيد

تولوا واردين إلى المنايا* * * حياضا ليس سهلها الورود

مضت لسبيلهم و بقيت خلفا* * * وحيدا ليس يستغني وحيد

سدى لا أستطيع علاج أمر* * * إذا ما عولج الطفل الوليد

فلا يا ما بقيت إليّ أنا* * * و قد ماتت بمهلكها ثمود

و عاد و القرون بذي شعوب‏* * * سواء كلهم إرم حصيد

قال: ثم صاح به آخر: يا خرعب ذهب بك اللعب، إن أعجب العجب،

____________

[ (1)] أخرجه أبو نعيم في (الدلائل)، 1/ 117، حديث رقم (64)، و سبق الإشارة إليه و تصويب الأبيات.

[ (2)] تناوبنا الخطب و الأمر، نتناوبه: إذا قمنا به نوبة بعد نوبة، و المراد هنا كثرة السهر. (اللسان): 1/ 775.

[ (3)] الهجود: النوم. (اللسان): 3/ 431.

14

بين زهرة و يثرب، قال: و ما ذاك يا شاحب؟ قال: نبي السلام، بعث بخير الكلام، إلى جميع الأنام، فاخرج [ (1)] من البلد الحرام إلى نخيل و آطام.

قال: ما هذا النبي المرسل، و الكلام المنزل، و الآي المفصّل؟ قال: هذا رجل من لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، قال: هيهات، فات عن هذا سني، و ذهب عنه زمني، لقد رأيتني و النضر بن كنانة نرمي غرضا واحدا، و نشرب حلبا باردا، و لقد خرجت معه من دومة في غداة شيمة، و طلع مع الشمس و غرب معها، نروي ما نسمع و نثبت ما ينضر، فلئن كان هذا من ولده فلقد سلّ السيف و ذهب الحيف، و دحض الزنا و هلك الربا.

قال: فأخبرني ما تكون، قال: ذهبت الضراء و المجاعة، و الشدة و الشجاعة، إلا بقية من خزاعة، و ذهبت الضراء و البؤس، و الحلق المنفوس، إلا بقية في الخزرج و الأوس، و ذهبت الخيلاء و الفقر و النميمة و الغدر، إلا بقية في بني بكر، و ذهب الفعال المندم، و العمل المؤثم، إلا بقية في خثعم.

قال أخبرني ما يكون، قال: إذا غلت البرة، و كظمت الجرة، فاخرج من بلاد الهجرة، و إذا كف السلام و قطعت الأرحام، فاخرج من بلاد التهام.

قال أخبرني ما يكون، قال: لو لا أذن تسمع و عين تلمع، لأخبرتك بما تفزع، ثم صرصر و أضاء الفجر، فذهبت لأنظر، فإذا عصا و ثعبان ميتان، قال: فما علمت أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هاجر إلى المدينة إلا بهذا الحديث.

و في رواية عن سعد بن عبادة قال: لما بايعنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [بيعة] [ (2)] العقبة، خرجت إلى حضر موت لبعض الحاجة، فقضيت حاجتي ثم أقبلت حتى إذا كنت ببعض الطريق نمت، ففزعت من الليل بصائح يقول: أبا عمرو ناوبني السهود، فذكر مثله بطوله.

و له من حديث العطاف بن خالد الوابصي عن خالد بن سعيد عن أبيه‏

____________

[ (1)] كذا في (خ)، و لعلها: «يخرج»، إشارة إلى الهجرة من مكة إلى المدينة.

[ (2)] في (خ): «البيعة».

15

قال: سمعت تميم الداريّ يقول: كنت بالشام حين بعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فخرجت إلى بعض حاجتي فأدركني الليل فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة، فلما أخذت مضجعي إذا أنا بمناد ينادي لا أراه: عذ باللَّه فإن الجن لا تجير أحدا على اللَّه.

فقلت: أيم اللَّه يقول، فقال: قد خرج رسول الأميين رسول اللَّه و صلينا خلفه بالحجون، فأسلمنا و اتبعناه و ذهب كيد الجن، و رميت بالشهاب، فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين فأسلم.

قال: فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت راهبا و أخبرته الخبر فقال:

قد صدقوك، يخرج من الحرم [ (1)] و مهاجره الحرم [ (2)]، و هو خير الأنبياء، و لا تسبق إليه، قال: فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأسلمت.

و من حديث سعد [ (3)] بن عثمان بن سعيد الضمريّ عن أبيه قال: حدثني [أبي عن‏] [ (4)] خويلد الضمريّ قال: كنا عند صنم جلوسا إذ سمعنا من جوفه صائحا يصيح: ذهب استراق [السمع‏] [ (5)] بالشهب، لنبي بمكة اسمه أحمد، مهاجره إلى يثرب، يأمر بالصّلاة و الصيام، و البر و الصّلات للأرحام [ (6)]، فقمنا من عند الصنم فسألنا، فقالوا: خرج نبي بمكة اسمه أحمد [ (7)].

و من حديث الأصمعي قال: حدثني الوصافي عن منصور بن المعتمر عن قبيصة ابن عمرو بن إسحاق الخزاعي عن العباس بن مرداس السلمي قال: كان أول إسلامي أن مرداسا [أبي‏] [ (8)] لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم له يقال له: [ضمار] [ (8)]، فجعلته في بيت و جعلت آتيه كل يوم مرة، فلما ظهر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) [إذ] [ (8)] سمعت‏

____________

[ (1)] الحرم المكيّ.

[ (2)] الحرم المدني.

[ (3)] في (خ): «سعيد».

[ (4)] كذا في (خ)، و ليست في (دلائل أبي نعيم).

[ (5)] زيادة للسياق من (الخصائص).

[ (6)] في (دلائل أبي نعيم): «و البر و صلة الأرحام».

[ (7)] أخرجه أبو نعيم في (الدلائل): 1/ 117- 118، حديث رقم (65) و قال السيوطي في (الخصائص): 1/ 767: انفرد به أبو نعيم.

[ (8)] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم).

16

صوتا في جوف الليل راعني، فوثبت إلى [ضمار] [ (1)] مستغيثا، فإذا بالصوت من جوفه و هو يقول:

قل للقبيلة من سليم كلّها* * * هلك الأنيس و عاش أهل المسجد

أودي [ضمار] [ (1)] و كان يعبد مدة* * * قبل الكتاب إلى النبي محمد

إن الّذي ورث النبوة و الهدى‏* * * بعد ابن مريم من قريش مهتدى‏

فكتمته الناس، فلما رجع الناس من الأحزاب بينا أنا في إبلي بطرف العقيق من ذات عرق راقد، سمعت صوتا فإذا برجل على جناحي نعامة و هو يقول: النور الّذي وقع [ليلة الإثنين و] [ (2)] ليلة الثلاثاء، مع صاحب الناقة العضباء، في ديار إخوان بني العنقاء.

فأجابه هاتف عن شماله و هو يقول: بشر الجن و إبلاسها، إن وضعت المطيّ أحلاسها، و كلأت السماء أحراسها، [قال:] [ (2)] فوثبت مذعورا و علمت أن محمدا مرسل.

فركبت فرسي و سرت حتى انتهيت إليه فبايعته، ثم انصرفت إلى [ضمار] [ (1)] فأحرقته بالنار، ثم رجعت إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [فأنشدته شعرا أقول فيه‏] [ (3)]:

____________

[ (1)] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم).

[ (2)] في (خ) «ضماد»، و التصويب من (ترتيب القاموس): 3/ 37.

[ (3)] في (خ): «فأنشد شعرا فذكره» و ما أثبتناه من رواية أبي نعيم في (الدلائل)، و هذه الأبيات منه:

لعمرك إنّي يوم أجعل جاهلا* * * ضمارا لرب العالمين مشاركا

و تركي رسول اللَّه و الأوس حوله‏* * * أولئك أنصار له ما أولئكا

كتارك سهل الأرض و الحزن يبتغي‏* * * ليسلك في وعث الأمور المسالكا

فآمنت باللَّه الّذي أنا عبده‏* * * و خالفت من أمسى يريد المهالكا

و وجّهت وجهي نحو مكة قاصدا* * * أبايع نبي الأكرمين المباركا

نبيّ أتى بعد عيسى بناطق‏* * * من الحق فيه الفصل فيه كذلكا

أمين على الفرقان أول شافع‏* * * و أول مبعوث يجيب الملائكا

تلافي عرى الإسلام بعد انتقاضها* * * فأحكمها حتى أقام المناسكا

عنيتك يا خير البرية كلّها* * * توسطت في الفرعين و المجد مالكا

و أنت المصفّى من قريش إذا سمت‏* * * على ضمرها تبقي القرون المباركا

إذا انتسب الحيان كعب و مالك‏* * * وجدناك محضا و النساء العواركا

17

و من حديث الزهري عن عبد الرحمن بن أنيس السلمي، عن العباس بن مرداس قال: كان إسلام العباس بن مرداس أنه كان بغمرة في لقاح له نصف النهار، إذ طلعت عليه نعامة بيضاء مثل القطن، عليها راكب عليه ثياب بيض مثل القطن فقال:

يا عباس بن مرداس! أ لم تر أن السماء حفّت أحراسها، و أن الحرب جوعت أنفاسها، و أن الخيل وضعت أحلاسها، و أن الّذي جاء بالبر ولد يوم الاثنين في ليلة الثلاثاء، صاحب الناقة القصواء.

فخرجت مرعوبا قد راعني ما رأيت و سمعت، حتى جئت و ثنا لي يدعى الضماد، كنا نعبده و نكلّم من جوفه، فدخلت عليه و كنست ما حوله، ثم قمت فتمسّحت به و قبلته، فإذا صائح يصيح من جوفه: يا عباس بن مرداس!

قل للقبائل [ (1)] من سليم كلها* * * هلك الضمار [ (2)] و فاز أهل المسجد

هلك الضمار [ (2)] و كان يعبد مدة* * * قبل الصلاة [ (3)] على النبي محمد

إن الّذي ورث النبوة و الهدى‏* * * بعد ابن مريم من قريش مهتدى‏

قال: فخرجت مرعوبا حتى جئت قومي، فقصصت عليهم القصة و أخبرتهم الخبر، فخرجت في ثلاثمائة راكب من قومي إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فدخلنا المسجد،

فلما رآني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تبسم و قال: يا عباس بن مرداس! كيف كان إسلامك؟

____________

[ ()] (دلائل أبي نعيم): 1/ 118- 119، حديث رقم (66) قال في (الخصائص) 1/ 267:

أخرجه أيضا ابن جرير، و المعافي بن زكريا، و ابن الطراح في كتاب (الشواعر) بأسانيدهم، و قال في هامشه: «كذا في الأصل، و لعلّ الصواب العواتكا»، و نقول: أن العواتك و العوارك كل منهما تخدم المعنى، فإذا أراد الشاعر «العوارك» فمعناها النساء الشابات اللاتي في سنّ الحيض، قال في (ترتيب القاموس): 3/ 207: عركت المرأة عركا و عروكا: حاضت.

و إذا أراد «العواتك»، فالعواتك: في جدات النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) تسع: ثلاث من سليم: بنت هلال أم جدّ هاشم، و بنت مرّة بن هلال أم هاشم، و بنت الأوقص بن مرة بن هلال أم وهب بن عبد مناف.

و البواقي من غير بني سليم.

و العواتك من الصحابيات: عاتكة بن أسيد، و بنت خالد، و بنت زيد بن عمرو، و بنت عبد المطلب، و بنت عوف، و بنت نعيم، و بنت الوليد. (المرجع السابق): 3/ 150- 151.

[ (1)] كذا في (خ)، و (الخصائص)، و في (دلائل أبي نعيم): «للقبيلة».

[ (2)] في (خ): «الضماد» و صوابه في (القاموس): «ضمار».

[ (3)] في (دلائل أبي نعيم): «قبل الكتاب».

18

فقصصت عليه القصة فقال: صدقت، و سرّ بذلك، فأسلمت أنا و قومي.

و من حديث سعيد بن عمرو بن سعيد الهذالي عن أبيه عمرو بن سعيد، و كان شيخا كبيرا قد أدرك الجاهلية الأولى و الإسلام، قال: حضرت مع رجال من قومي صنما بسواع و قد سقنا إليه الذبائح، فكنت أول من قرّب إليه هدية سمينة، فذبحتها على الصنم، فسمعنا صوتا من جوفها: العجب كل العجب، خروج نبي من بني عبد المطلب، يحرم الزنا و يحرم الذبح للأصنام، و حرست السماء و رمينا بالشهب.

فتفرقنا فقدمنا مكة، فلم نجد أحدا يخبرنا بخروج محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى لقينا أبا بكر الصديق [و] [ (1)] عبد اللَّه بن عثمان رضي اللَّه عنهما فقلنا: يا أبا بكر! خرج أحد بمكة يدعو إلى اللَّه يقال له أحمد؟ فقال: و ما ذاك؟ فأخبرت أبا بكر الخبر فقال:

نعم، خرج محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، و هو رسول اللَّه، فدعانا أبو بكر إلى الإسلام، فقلنا: حتى ننظر ما يصنع قومنا، و ياليت كنا أسلمنا يومئذ.

و عن عبد اللَّه بن يزيد الهذلي، عن عبد اللَّه بن ساعدة الهذلي، عن أبيه قال:

كنا عند صنمنا بسواع، و قد جلبنا إليه غنما لنا مائتي شاة قد كان أصابها الجرب، فأدنيتها منه أطلب بركته، فسمعت مناديا من جوف الصنم ينادي: قد ذهب كيد الجن و رمينا بالشهب لنبي اسمه أحمد، فصرفت وجه غنمي منحدرا إلى أهلي، فلقيت رجلا فخبرني بظهور رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

و عن يحيى بن سليمان عن حكيم بن عطاء السلمي [ (2)] من بني سليم من ولد راشد بن عبد ربه عن أبيه عن جده [ (3)] راشد بن عبد ربه قال: كان الصنم الّذي يقال سواع بالمعلاة [ (4)] من رهاط [ (5)] تدين له هذيل و بنو ظفر من سليم، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية من سليم إلى سواع، قال راشد: فألفيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، و إذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب [من خروج نبي من بني عبد المطلب، يحرم الزنا و الربا، و الذبح للأصنام، و حرست‏

____________

[ (1)] زيادة للسياق.

[ (2)] في (خ): «الظفري».

[ (3)] في (خ): «جده عن راشد».

[ (4)] موضع قرب بدر.

[ (5)] موضع على ثلاثة أميال من مكة.

19

السماء و رمينا بالشهب، العجب كل العجب‏] [ (1)] ثم هتف صنم آخر من جوفه:

[ترك الضمار و كان يعبد] [ (1)] خرج أحمد، نبي يصلي الصلاة و يأمر بالزكاة و الصيام، و البر و الصّلات للأرحام [ (2)] ثم هتف من [ (3)] جوف صنم آخر هاتف:

إن الّذي ورث النبوة و الهدى‏* * * بعد ابن مريم من قريش مهتدى‏

نبيّ يخبر الناس بما سبق‏* * * و بما يكون في غد

قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر، و ثعلبان يلحسان ما حوله، و يأكلان ما يهدى إليه [ثم‏] [ (4)] يعرجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد بن عبد ربه:

أ ربّ يبول الثعلبان [ (5)] برأسه‏* * * لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب‏

و ذلك عند مخرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [و مهاجره‏] [ (6)] إلى المدينة و تسامع الناس به، فخرج راشد حتى أتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالمدينة [ (7)] و معه كلب له- و اسم راشد يومئذ (ظالم)، و اسم كله (راشد)-

فقال [له‏] [ (8)] رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

ما اسمك؟ قال: (ظالم) قال: فما اسم كلبك؟ قال: (راشد)، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اسمك راشد، و اسم كلبك ظالم؟ و ضحك النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم)، و بايع النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) و أقام معه، ثم طلب من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قطيعة برهاط، فأقطعه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بالمعلاة من رهاط شأو الفرس [ (9)] و رمية ثلاث مرات بحجر، و أعطاه أداوة [ (10)] مملوءة من ماء، و تفل فيها [رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (11)] و قال له: فرغها أعلى القطيعة و لا تمنع الناس فضولها،

ففعل، فجعل الماء معينا مجمّة [إلى اليوم‏] [ (11)]

____________

[ (1)] ما بين الحاصرتين تكملة من (دلائل أبي نعيم)، و هو سقط في (خ).

[ (2)] كذا في (خ)، و في المرجع السابق: «و صلة الأرحام».

[ (3)] كذا في (خ)، و في المرجع السابق: «في».

[ (4)] زيادة للسياق.

[ (5)] الثّعلبان: ذكر الثعلب، و الثعلب يطلق على الذكر و الأنثى، و الثّعلبان: مثنى ثعلب، و هو المراد هنا.

[ (6)] في (خ)، و (دلائل أبي نعيم): «و مجازه»، و لعل الصواب ما أثبتناه فهو أجود للسياق.

[ (7)] في المرجع السابق: «المدينة».

[ (8)] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (9)] شأو الفرس: الشوط منه.

[ (10)] إناء صغير يوضع فيه الماء.

[ (11)] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم).

20

فغرس عليها النخل و صارت رهاطا كلها تشرب منه و سماها الناس ماء الرسول، و أهل رهاط يغتسلون منها و يستشفون بها، و غدا راشد على [ (1)] سواع و كسّرة [ (2)].

و له من حديث إسماعيل بن عيّاش، عن يحيى بن أبي عمرو الشيبانيّ [ (3)] عن عبد اللَّه بن الديلميّ قال: أتى رجل عبد اللَّه بن عبّاس [ (4)] رضي اللَّه تعالى عنه فقال: بلغت أنك تذكر سطيحا [و] [ (5)] تزعم أن اللَّه خلقه [و] [ (5)] لم يخلق من ولد آدم شيئا يشبهه! قال: نعم، إن اللَّه خلق سطيحا الغسانيّ لحما على وضم- و الوضم: شرائح النخل [ (6)]- و كان يحمل على و ضمه فيؤتي به حيث يشاء، و لم يكن فيه عظم و لا عصب إلا الجمجمة و الكفان، و كان يطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب، فلم يكن فيه شي‏ء يتحرك إلا لسانه.

فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمه، فأتى به مكة، فخرج إليه أربعة من قريش: عبد شمس و هاشم ابنا عبد مناف بن قصيّ، و الأحوص بن فهر، و عقيل ابن أبي وقاص، انتموا إلى غير نسبهم [فقالوا] [ (7)]: نحن أناس من جمح، أتيناك [و قد] [ (8)] بلغنا قدومك، فرأينا أن [إتياننا] [ (9)] إياك حق لك، واجب علينا

____________

[ (1)] في المرجع السابق: «إلى سواع فكسّره».

[ (2)] (دلائل أبي نعيم): 1/ 120- 122، حديث رقم (68)، قال الدميري في (حياة الحيوان):

1/ 221: و أخرجه البغوي في (المعجم)، و ابن شاهين و غيرهما، و ذكره السيوطي في (الخصائص): 1/ 193، و ابن حجر في (الإصابة): 2/ 434، ترجمة راشد بن عبد ربه السلمي، رقم (2519) و فيه: و رواه أبو حاتم بسند له، و البيت عنده هكذا:

أ ربّ يبول الثعلبان برأسه‏* * * لقد هان من بالت عليه الثعالب‏

و (مجموعة الوثاق السياسية): 197، وثيقة رقم (213) لراشد السلمي: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) راشد بن عبد ربه السلمي، أعطاه: غلوتين بسهم و غلوة بحجر برهاط، فمن حاقه فلا حق له، و حقه حق، و كتب خالد بن سعيد».

[ (3)] كذا في (خ)، و (دلائل أبي نعيم)، و صوابه (السيباني) بالمهملة (الجرح و التعديل): 9/ 177، ترجمة رقم (735) بحي بن أبي عمرو السيباني أبو زرعة.

[ (4)] كذا في (خ) «عياش»، و التصويب من (دلائل أبي نعيم).

[ (5)] زيادة للسياق.

[ (6)] في (دلائل أبي نعيم): «شرائح من جريد النخل».

[ (7)] في (خ): «و قالوا»، و ما أثبتناه من (دلائل أبي نعيم).

[ (8)] زيادة للسياق.

[ (9)] كذا في (خ)، و في المرجع السابق: «زيارتنا».

21

و أهدى له عقيل صفيحة هندية [ (1)]، و صعدة [ (2)]، ردينية [ (3)] فوضعت على باب البيت الحرام لينظروا هل يراها سطيح أم لا.

فقال: يا عقيل، ناولني يدك، فناوله يده، فقال: يا عقيل! و العالم الخفيّة، و الغافر الخطيّه، و الذمّة الوفية، و الكعبة المبنيّة، إنك للجائي [ (4)] بالهديّة، الصفيحة الهنديّة، و الصعدة الردينيّة.

قالوا: صدقت يا سطيح، فقال: و الآتي بالفرح، و قوس قزح، و سائر القرّح [ (5)]، و اللطيم [ (6)] المنبطح [ (7)]، و النخل و الرطب و البلح، إن الغراب حيث مرّ سنح [ (8)]، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح، و أن نسبهم في قريش ذي البطح، قالوا: صدقت يا سطيح، نحن أهل البيت الحرام، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك، فأخبرنا عما يكون في زماننا هذا و ما يكون بعده، لعلّ [ (9)] أن يكون عندك في ذلك علم.

قال: الآن صدقتم، خذوا مني إلهام اللَّه إياي: أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء [ (10)] بصائركم و بصيرة العجم، لا علم عندكم و لا فهم، و ينشأ من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم، فيكسرون الصنم، و يبلعون الردم [ (11)]، و يقتلون العجم، يطلبون الغنم.

____________

[ (1)] الصفيحة: السيف العريض (لسان العرب): 2/ 513.

[ (2)] الصعدة: القناة المستقيمة (لسان العرب): 3/ 255.

[ (3)] ردينة: اسم امرأة، تنسب إليها الرماح (لسان العرب): 13/ 178.

[ (4)] في (خ): «للجائي»، و في (أبي نعيم): «الجائي».

[ (5)] القرّح: جمع قارح، و هي الناقة أول ما تحمل. (اللسان): 2/ 559.

[ (6)] اللطيم: صفة من صفات الخيل أو الإبل (المرجع السابق): 12/ 543.

[ (7)] المنبطح: الملقي على وجهه. (المرجع السابق): 2/ 412.

[ (8)] السانح: ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك، و البارح: ما أتاك من ذلك عن يسارك (المرجع السابق): 2/ 490.

[ (9)] في (خ): «بعد أن يكون».

[ (10)] كذا في (خ)، و (الخصائص، و في (أبي نعيم): «فتبينوا»

[ (11)] في (أبي نعيم): «يتبعون الردم»، و الردم: ما يسقط من الجدار إذا انهدم، و كل ما لفق بعضه ببعض فهو ردم. (اللسان): 12/ 236.

22

قالوا: يا سطيح! ممن يكون أولئك؟ قال [ (1)]: و البيت ذي الأركان، و الأمن و السكان، لينشؤن من عقبكم ولدان، يكسرون الأوثان، و ينكرون عبادة الشيطان، و يوحدون الرحمن، و ينشرون دين الدّيان، يشرفون البنيان، و يقتنون القيان.

قالوا: يا سطيح! من نسل من يكون أولئك؟ قال: و أشرف الأشراف، و المفضي للإسراف، و المزعزع الأحقاف، و المضعف للأضعاف، لينشؤن الآلاف من بني عبد شمس و عبد مناف، نشوا يكون فيهم اختلاف.

قالوا: يا سوأتاه يا سطيح مما تخبر من العلم بأمرهم؟ و من أي بلد يكون أولئك؟ قال: و الباقي الأبد، و البالغ الأمد، ليخرجن من ذا البلد، فتى يهدي إلى الرّشد، يرفض يغوث [ (2)] و الفند [ (3)]، يبرأ من عبادة الضدد [ (4)]، يعبد ربا انفرد، ثم يتوفاه [اللَّه‏] [ (5)] محمودا، من الأرض مفقودا، في السماء مشهودا [ (6)]، و ذكر باقية في القوم الذين يلون أمر الأمة المحمدية.

و من حديث ابن إسحاق قال: حدثني من أثق به من علمائنا، عن من حدثه من أهل اليمن [ (7)].

____________

[ (1)] في (أبي نعيم): «فقال لهم».

[ (2)] اسم صنم.

[ (3)] الفند: الكذب.

[ (4)] في (خ)، و (الخصائص)، بالصاد المهملة، و الضدد: من أسماء الحجر.

[ (5)] زيادة للسياق من (خ).

[ (6)] في (دلائل أبي نعيم)، بعد قوله «مشهودا» [ثم يلي أمره الصديق، إذا قضى صدق، و في رد الحقوق لا خرق و لا نزق، ثم يلي أمره الحنيف، مجرّب غطريف، و يترك القول العنيف، قد ضاف المضيف، و أكرم التحنيف، ثم يلي أمره داعيا لأمره مجربا، فيجتمع له جموعا و عصبا، فيقتلونه نقمة و غضبا، فيؤخذ الشيخ إربا، فيقوم به رجال خطباء، ثم يلي أمره الناصر، يخلط الرأي برأي الناكر، يظهر في الأرض الفساد، ثم يلي بعده ابنه، يأخذ جمعه و يقل حمده، و يأخذ المال و يأكله وحده، و يكنز المال لعقبه من بعده، ثم يلي من بعده عدة الملوك، لا شك، الدم فيهم مسفوك، و ذكر القصة].

(دلائل النبوة لأبي نعيم): 1/ 122- 125، حديث رقم (69)، أخرجه أيضا ابن عساكر، و السيوطي في (الخصائص): 1/ 73. قال محقق (الدلائل): و فيه سليمان بن عبد الرحمن، صدوق يخطئ، و آخر القصة يبدو فيها الوضع.

[ (7)] السّند في (دلائل أبي نعيم) هكذا: «حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن فارس قال: حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل قال: حدثني محمد بن إسحاق، و حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم القرشيّ قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن بن بشير الشيبانيّ عن محمد بن إسحاق قال: حدثني من أثق به من علمائنا، عمّن حدّثه من أهل اليمن ...».

23

أن ملكا من لخم [ (1)] من أهل الملك الأول القديم قبل حسّان ذي نواس، يقال له:

ربيعة بن نصر، رأى رؤيا فظع بها حين رآها، و هالته و أنكرها، و بعث إلى الحزاق [ (2)] من أهل الأرض، من كان في مملكته من الكهان و المنجمين و العرافين [ (3)]، فقال [ (4)] لهم: قد رأيت رؤيا فظعت بها و هالتني، فأخبروني عنها.

قالوا: أيها الملك اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم [ (5)]، فقال رجل منهم إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح و شقّ، فإنّهما يخبران عما أراد [الملك‏] [ (6)] من ذلك، فهما أعلم من ترى [ (7)]، و كان سطيح رجلا من غسّان- [و هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذؤيب بن عدي بن مازن‏] [ (8)]- و كان شق [رجلا] [ (8)]، من بجيلة، و قال سلمة بن الفضل في حديثه عن [ابن إسحاق‏] [ (8)]: يقال له: سطيح الذئبيّ لنسبته إلى الذئب بن عدي، و شقّ بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن نذير ابن قيس بن عبقر بن أنمار [ (9)].

فلما قالوا له ذلك بعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق- و لم يك في زمانهما مثلهما من الكهان- فلما قدم سطيح عليه [ (10)] قال له الملك: يا سطيح: إني قد

____________

[ (1)] لخم: اسمه مالك بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن غريب بن يزيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

و لخم و جذام قبيلتان من اليمن، ينسب إلى لخم خلق كثير. (اللباب في تهذيب الأنساب):

3/ 130.

[ (2)] في (دلائل أبي نعيم): «الحزأة»، و هم العالمون.

[ (3)] في (دلائل أبي نعيم): «العراف».

[ (4)] في (دلائل أبي نعيم): «و قال».

[ (5)] في (سيرة ابن هشام): «إلى خيركم عن تأويلها».

[ (6)] زيادة من المرجع السابق.

[ (7)] في المرجع السابق: «نراه».

[ (8)] زيادة من (خ).

[ (9)] في (سيرة ابن هشام): «ابن رهم بن أفرك بن قسر بن عبقر بن أنمار بن نزار، و أنمار أبو بجيلة و خثعم».

[ (10)] في (دلائل أبي نعيم): «فلما قدم سطيح عليه قبل شق دخل عليه، قال الملك ...»، و في (سيرة ابن هشام»: «فقدم عليه سطيح قبل شق فقال له: إني رأيت ...».

24

رأيت رؤيا هالتني و فظعت بها حين رأيتها، و إنك إن تصفها [لي‏] [ (1)] قبل أن أخبرك تصب تأويلها [ (2)].

قال: أفعل، رأيت حممة خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تعمة فأكلت منها كلّ ذات جمجمة [ (3)].

فقال الملك: و اللَّه ما أخطأت من رؤياي [ (4)] [و سمة] [ (5)]، فما عندك [من‏] [ (6)] تأويلها يا سطيح؟.

قال: أحلف بما بين الحرّبين من حنش، لينزلن أرضكم الحبش، و ليملكن ما بين أبين إلى جرشّ [ (7)].

قال له الملك: و أبيك يا سطيح، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى [ (8)] هو كائن يا سطيح؟ أ في زماننا هذا؟ أم بعده؟ قال [ (9)]: بعده بحين، خمسين إلى ستين أو سبعين تمضين من السنين [ (10)].

قال له الملك: أ قيقيم و يدوم سلطانهم أم ينقطع [ (11)]؟.

قال: ينقطع بسبع و سبعين من السنين [ (12)]، ثم يقتلون أجمعين، و يخرجون هاربين.

____________

[ (1)] زيادة من (خ).

[ (2)] في (سيرة ابن هشام): «فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها».

[ (3)] في (دلائل أبي نعيم): «كلّ ذات جمجمة من العشاء إلى العتمة، و نصب كلّ أفصح و أصحّ».

[ (4)] في (سيرة ابن هشام): «ما أخطأت منها شيئا».

[ (5)] كذا في (خ).

[ (6)] في (سيرة ابن هشام)، و (دلائل أبي نعيم): «في تأويلها».

[ (7)] أبين و جرش: بلدان في اليمن.

[ (8)] في المرجع السابق: «منى هو».

[ (9)] في (ابن هشام)، و في (دلائل أبي نعيم): «بل بعده بحين».

[ (10)] في (دلائل أبي نعيم): «أكثر من سنتين إلى سبعين سنة يمضين» و في (ابن هشام): «أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين».

[ (11)] في (ابن هشام): «أ فيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟»، و في (دلائل أبي نعيم): «أ فيقوم أو يدوم سلطانهم أم ينقطع»، و في (خ): «أ فيقيم».

[ (12)] في (ابن هشام): «لبضع و سبعين»، و في (دلائل أبي نعيم): «لبضع و ستين»، و ما أثبتناه من (خ).

25

قال له الملك: و من الّذي يقتلهم ويلي إخراجهم؟.

قال: يليه إرم ذي يزن [ (1)]، يخرج عليهم من عدن، و لا يبقى منهم أحد باليمن [ (2)]، قال له الملك: أ فيدوم ذلك من سلطانه أمن ينقطع؟

قال: بل ينقطع.

قال: و من يقطعه؟.

قال: نبي زكيّ، يأتيه الوحي من قبل [ (3)] اللَّه العلي.

قال: و ممن هذا النبي يا سطيح؟

قال: من [ (4)] ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر.

قال: و هل للدهر من آخر؟.

قال: نعم يوم يجمع اللَّه فيه الأولين و الآخرين، يشقى فيه المسيئون، و يسعد فيه المحسنون، قال: أحقّ ما تقول؟ قال: نعم، و الشفق و الغسق، و الفلق [إذا اتّسق‏] [ (5)]، إن ما أنبأتك لحق.

فلما فرغ خرج من عنده. و قدم شق [ (6)] فقال له الملك مثل ما قال لسطيح‏

____________

[ (1)] كذا في (خ)، و (ابن هشام)، و في (دلائل أبي نعيم): «إنه ابن ذي يزن»، و المعروف أنّ اسمه:

سيف بن ذي يزن، و لكن جعله «إرما»، إما لأن الارم هو العلم ممدحه بذلك، و إما شبهه بعاد إرم في عظم الخلقة.

[ (2)] كذا في (خ)، (ابن هشام)، و في (أبي نعيم): «في اليمن».

[ (3)] في (ابن هشام): «من قبل العلي».

[ (4)] كذا في (خ)، و (ابن هشام) و في (أبي نعيم): «لؤيّ بن غالب».

[ (5)] ما بين الحاصرتين في (خ) فقط.

[ (6)] سمي «شقّ» لأنه كان شق إنسان، له يد واحدة، و رجل واحدة، و عين واحدة. و ولد سطيح و شق في اليوم الّذي ماتت فيه «طريفة الكاهنة»، امرأة عمرو بن عامر، و هي بنت الخير الحميرية، و دعت بسطيح قبل أن تموت، فأتيت به، فتفلت في فيه، و أخبرت أنه سيخلفها في علمها و كهانتها، و دعت بشق، ففعلت به مثل ما فعلت بسطيح، ثم ماتت، و قبرها بالجحفة.

26

لينظر: أ يتفقان أم يختلفان؟

فقال شقّ: نعم أيها الملك، رأيت حممة [ (1)] خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة و أكمة، بأرض بهمة، فأكلت منها كل ذات نسمة صحيحة مسلمة.

ثم قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، و ليغلبن على كل طفلة البنان، و ليملكن ما بين أبين إلى نجران، فقال الملك: يا شق! و أبيك إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أ في زماني، [ (2)] أم بعده؟.

قال: بعده بزمان، يبيدهم عظيم ذو شان [ (3)]، فيذيقهم أشد الهوان.

قال له الملك: و من هذا [ (4)] العظيم الشان؟.

قال: غلام ليس بدنيّ و لا مدنّ، يخرج من بيت ذي يزن، قال: فهل يدوم سلطانهم أم ينقطع؟.

قال: لا بل ينقطع برسول يأتي بحقّ و عدل، و من أهل الدين و الفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل، قال: و ما يوم الفصل يا شقّ؟.

قال: يوم تجزى فيه الولاة و يدعى فيه من السماء دعوات، فيسمع الأحياء و الأموات، و يجتمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز و الخيرات.

قال له الملك: ما تقول يا شق؟ [قال:] [ (5)] و رب السماء و الأرض، و ما بينهما من رفع و خفض، إن ما أنبأتك لحق ما فيه أمض [ (6)]، فلما فرغ من مساءلتهما جهّز بنيه و أهل بيته إلى العراق، و كتب [لهما] [ (7)] إلى ملك فارس [ (8)]، و هو

____________

[ (1)] في (خ): «جمجمة».

[ (2)] في (خ)، و (ابن هشام): «زماني»، و في (أبي نعيم): «زماننا».

[ (3)] كذا في (خ)، و في (ابن هشام)، و (دلائل أبي نعيم): «ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان».

[ (4)] كذا في (خ) و (ابن هشام)، و في (أبي نعيم): «و من هو هذا».

[ (5)] زيادة للسياق من (أبي نعيم).

[ (6)] أمض: شك أو باطل.

[ (7)] زيادة للسياق من (أبي نعيم).

[ (8)] في (ابن هشام): «إلى ملك من ملوك فارس».

27

شابور [ (1)] فأسكنهم الحيرة [ (2)].

فمن بقية ولد ربيعة بن نضر: النعمان بن المنذر، فهو في نسب اليمن و علمهم:

النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر، [ذلك الملك‏] [ (3)].

و حدّث أبو علي قال: كان جنافر بن التوائم الحميري كاهنا، و كان قد أوتي بسطه في الجسم و سعة في المال، و كان عاتيا، فلما وفدت وفود اليمن على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و ظهر الإسلام، أغار على إبل لمسواد فاكتسحها، و خرج بأهله و لحق بالشجر فخالف جودان بن يحي الفرصمي، و كان سيدا منيعا، و ترك بواد من أودية الشجر مخصبا كثير الشجر من الأيك و العرين.

قال جنافر: و كان رئيّ في الجاهلية لا يكاد يتغيب عليّ، فلما شاع الإسلام فقدته مدة طويلة و ساءني ذلك، فبينا أنا ليلة بذلك الوادي إذ هوى هويّ العقاب، قال جنافر: فقلت: شصار! فقال: اسمع أقل، قلت: اسمع، فقال: عه تغنم، لكل مدة نهاية، و كل ذي أمد إلى غاية، فقلت: أجل، فقال: كل دولة إلى أجل، ثم يتاح لها حول، انتشحت النّحل و رجعت إلى حقائقها الملل، إنك بيحبر

____________

[ (1)] هو شابور بن خرزاد و هو في (ابن هشام): بالسين المهملة.

[ (2)] هذا الحديث ذكره كل من:

أبو نعيم في (دلائل النبوة): 1/ 125، حديث رقم (70).

ابن عساكر من طريق ابن إسحاق عن بعض أهل الرواية.

ابن إسحاق في السيرة، (ابن هشام): 1/ 124.

السيوطي في (الخصائص): 1/ 87.

أحمد بن حديدة الأنصاري في (المصباح المضي‏ء): 2/ 206.

ابن كثير في (البداية و النهاية): 2/ 329، و فيه: «و أخبار سطيح كثيرة، و قد جمعها غير واحد من أهل العلم، و المشهور أنه كان كاهنا، و قد أخبر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و عن نعته و مبعثه، و

روى لنا بإسناد اللَّه أعلم به أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) سئل عن سطيح فقال: «نبي ضيعه قومه».

قال الحافظ ابن كثير: أما هذا الحديث فلا أصل له في شي‏ء من كتب الإسلام المعهودة، و لم أره بإسناد أصلا!!.

ابن الأثير في (الكامل): 1/ 418.

ابن جرير الطبري في (التاريخ): 2/ 112.

[ (3)] زيادة في (خ).

28

موصول، و النصح لك مبذول، إني آنست بأرض الشام، نفرا من آل العذام، حكاما على الحكام، يتدبرون ذا رونق من الكلام، ليس بالشعر المؤلف، و لا السجع المتكلف، فأصغيت فزجرت، و عاودت فلطفت، فقلت: بم يهيمنون، و إلام يعتزون؟ قالوا: خطاب كبار، جاء من عند الملك الجبار، فاسمع يا شصار، عن أصدق الأخبار، و اسلك أوضح الآثار، تنج من أوار النار، فقلت: و ما هذا الكلام؟ قالوا: فرقان بين الكفر و الإيمان، رسول من مضر من أهل المدار، ابتعث فظهر. فجاء بقول قد بهر، و أوضح نهجا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر، و معاذ لمن ازدجر، ألّف بالآي الكبر، قلت: و من هذا المبعوث من مضر، قالوا: أحمد خير البشر، و إن خالفت أصليت سقر، فآمنت يا جنافر، و أقبلت إليك أبادر، فجانب كل نجس كافر، و شايع كل مؤمن ظاهر، و إلا فهو الفراق على تلاق، قلت: من أين أبغي هذا الدين؟ قال: من ذات الآخرين، و النفر الميامين، أهل الماء و الطين، قلت: أوضح، قال: الحق بيثرب ذات النخل، و الحرة ذات النعل، فهناك أهل الفضل، و الطول و البذل، ثم أملس عني فبت مذعورا أراعي الصباح، فلما برق لي النور، امتطيت راحلتي و أذنت أعبدي، و احتملت بأهلي حتى وردت الجوف، فرددت الإبل على أربابها، بحولها و سقائها، و أقبلت أريد صنعاء، فأصبت بها معاذ بن جبل رضي اللَّه تعالى عنه أميرا لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فبايعته على الإسلام، و علمني سورا من القرآن، فمن اللَّه عليّ بالهدى بعد الضلالة، و العلم بعد الجهالة [ (1)]، و قلت في ذلك:

أ لم تر أن اللَّه عاد بفضله‏* * * فأنقذ من لفح الرحيج جنافرا

و كشفه لي جحمتي عما هما* * * و أوضح لي نهجي و قد كان داثرا

دعاني شصار للتي لو رفضتها* * * لأصليت جمرا من لظى الهوف واهرا

فأصبحت و الإسلام حشو جوانحي‏* * * و جانبت من أمسى عن الحق بائرا

و كان مضلي من هديت برشده‏* * * فللّه مغو عاد بالرشد آمرا

نجوت بحمد اللَّه من كل قحمة* * * تورث هلكا يوم شايعت شاصرا

____________

[ (1)] لم أجد هذا الخبر فيما بين يدي من المراجع.

29

و قد أمنتني بعد ذاك بحائر* * * بما كنت أغشى المندبات بحائرا

فمن مبلغ فتيان قومي ألوكة* * * بأني من أقاتل من كان كافرا

عليكم سواء القصد لافلّ حدّكم‏* * * فقد أصبح الإسلام للكفر قاهرا

و يروى أن تيم اللات بن ثعلبة عمّر ستمائة سنة و أدرك عيسى (عليه السلام)، و آمن به و كان على دينه، و أنه صوّر محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) و كتب تحتها: منعت وجّ الحجاز و تهائم مكة و ديار ربيعة إلا من دولة اليتيم، فطوبى لمن أدركه و اتبعه، و تيم اللات هذا كان [محاربا] [ (1)] في حرب البسوس، و كان قائدهم، و كان أجمل الناس.

و قال الخرائطي في كتاب (الهواتف): أخبرنا عبيد بن محمد البلوي، حدثنا عمادة بن زيد، حدثني عبيد اللَّه بن العلاء، عن هشام بن عروة عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل و ورقة ابن نوفل يذكران [أنهما أتيا] [ (2)] النجاشي بعد رجوع أبرهة عن مكة.

قالا: فلما دخلنا عليه قال لنا: أصدقاني أيها القرشيان، هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه؟ قلنا: نعم.

قال: فهل لكما علم بما فعل؟ قلنا: تزوج امرأة اسمها آمنة و تركها حاملا و خرج.

قال: فهل تعلمان ولد له أم لا؟ قال ورقة: أخبرك أيها الملك أنه لما ولد له كنت عند صنم لنا نطيف به و نعبده، إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول:

ولد النبي فذلّت الأملاك‏* * * و نأى الضلال و أدبر الإشراك‏

ثم انتكس على رأسه، فقال زيد: عندي كخبره أيها الملك، قال: هات، قال: إني في هذه الليلة التي ذكر فيها حديثه، خرجت من عند أهلي و هم يذكرون حمل آمنة، حتى أتيت جبل أبي قبيس أريد الخلوة فيه لأمر رابني، إذ رأيت رجلا نزل من السماء له جناحان أخضران، فوقف عليه [ (3)] ثم أشرف على مكة و قال:

____________

[ (1)] هذه الكلمة مطموسة في (خ)، و لعل الصواب ما أثبتناه.

[ (2)] في (خ): «أنها أتت».

[ (3)] في (خ): «على».

30

ذل الشيطان، و بطلت الأوثان، و ولد الأمين.

قال النجاشي: إني أخبركما عما أصابني: إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبتي وقت خلوتي، إذ خرج عليّ من الأرض عنق و رأس و هو يقول: حل الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل، بحجارة من سجيل، هلك الأشرم، المعتدي المجرم، و ولد النبي الأمي، الحرمي المكيّ، من أجابه سعد، و من أتاه عند.

و قال عبد اللَّه البلوي: حدثنا عمارة، حدثنا عبيد اللَّه بن العلاء، حدثنا محمد ابن عكير [ (1)] عن سعيد بن جبير، أن رجلا من بني تميم يقال له: رافع بن عمير، كان أهدى [ (2)] الناس بطريق، و أسراهم بليل، و أهجمهم على هول، فكانت العرب تسميه: دعموص [ (3)] الرمل لهدايته و جرأته، فذكر عن بدء إسلامه قال: إني لأسير برمل عالج [ (4)] ذات ليلة، إذ غلبني النوم، فنزلت عن راحلتي و أنختها و توسدت ذراعها و قلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن، من أن أوذي أو أهاج.

فرأيت في النوم رجلا شابا يرصد ناقتي بحربة، يريد أن يضعها في نحرها، فانتبهت فزعا، فرأيت ناقتي تضطرب، و إذا برجل كالذي رأيت في منامي بيده حربة، و شيخ ممسك بيده بردة و هو يقول:

يا مالك بن مهلهل بن أثار* * * مهلا فدا لك مئزري و إزاري‏

عن ناقة الإنس لا تعرض لها* * * و اختر بها ما شئت من أثواري‏

____________

[ (1)] لم أجده فيمن روى عن سعيد بن جبير في (تهذيب التهذيب).

[ (2)] في (خ): «أهدا».

[ (3)] الدعموص: دويبة صغيرة تكون في مستنقع الماء، و قيل: هي دويبة تغوص في الماء، و الجمع الدعاميص و الدعامص. و الدعموص أيضا: الدّخال في الأمور، الزوّار للملوك. و دعيميص الرمل: اسم رجل كان داهيا يضرب به المثل، يقال: هو دعيميص هذا الأمر، أي عالم به. (اللسان): 7/ 36.

[ (4)] هو رملة بالبادية مسماة بهذا الاسم، قال أبو عبد اللَّه السكونيّ: عالج رمال بين فيد و القربات، ينزلها بنو بحتر من طيِّئ، و هي متصلة بالثعلبية عن طريق مكة، لا ماء بها، و لا يقدر أحد عليه فيه، و هو مسيرة أربع ليال، و فيه برك إذا سالت الأودية امتلأت، و عالج لها ذكر في شعر حسان بن ثابت بعد أحد، في غزوة بدر الآخرة يؤنب قريشا. (معجم البلدان): 4/ 78، (سيرة ابن هشام):

4/ 167.

31

و لقد بدا لي منك ما لم أجب‏* * * إلا دعيت قرابتي و ذماري‏

تسمو إليه بحربة مسمومة* * * تبا لفعلك يا أبا العفاري‏

لو لا الحياء و أن أهلك جيرة* * * لعلمت ما كشفت من أخباري‏

قال رافع: فأجابه الشاب:

أ أردت أن تعلو و تخفض ذكرنا* * * في غير مرزية أبا العيزار

ما كان فيكم سيد فيما مضى‏* * * إن الخيار همو بنو الأخيار

فاقصد لقصدك ما معيكم إنما* * * كان المجير مهلهل بن أثار

قال: فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش، فقال الشيخ للفتى:

قم يا ابن أخت فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الإنسي، فأخذ منها ثورا ثم انصرف، فالتفت إلى الشيخ فقال: يا هذا! إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله فقل: أعوذ برب محمد من هول هذا الوادي، و لا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها.

قال: فقلت: و من محمد؟ قال: نبي عربي لا شرقي و لا غربي، قلت: فأين مسكنه؟ قال: يثرب.

قال: فركبت راحلتي حتى دخلت المدينة، فنزلت على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فحدثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئا، و دعاني إلى الإسلام فأسلمت.

قال سعيد بن جبير فكنا نرى أنه هو الّذي أنزل اللَّه فيه: وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً [ (1)].

____________

[ (1)] الجن: 6، قوله تعالى: وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ‏، روى الجمهور أن الرجل كان إذا أراد المبيت أو الحلول في واد، نادى بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي، إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك، فيعتقد بذلك أن الجني الّذي بالوادي يمنعه و يحميه. فروي أن الجن كانت تقول عند ذلك:

لا نملك لكم و لا لأنفسنا من اللَّه شيئا.

قال مقاتل: أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن، ثم بنو حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب. و قال قتادة: فَزادُوهُمْ‏، أي الجن زادت الإنس مخافة أن يتخيلون لهم بمنتهى طاقتهم و يعوذونهم لما رأوا من خفة أحلامهم، فازدروهم و احتقروهم. و قال ابن جبير: رهقا: كفرا. (البحر المحيط):

10/ 295- 296 باختصار.

32

و ذكر ابن سعد في طبقاته عن الواقدي: حدثنا علي بن عيسى الحكمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: إنا ننتظر [ (1)] نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب، و لا أراني أدركه و أنا أؤمن به و أصدقه و أشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام، و سأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك، فقلت: هلم، قال: هو رجل ليس بالطويل و لا بالقصير، و لا بكثير الشعر و لا بقليله، و ليست تفارق عينه حمرة، و خاتم النبوة بين كتفيه، و اسمه أحمد، و هذه البلدة [ (2)] مولده و مبعثه، ثم يخرجه قومه منها [ (3)]، و يكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب، فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإنّي طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من أسلم [ (4)] من اليهود و النصارى و المجوس يقولون: هذا الدين وراءك، و ينعتونه بمثل نعتي [ (5)] لك و يقولون: لم يبق نبي غيره.

قال عامر بن ربيعة:

فلما أسلمت أخبرت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بقول [ (6)] زيد و أقرأته منه السلام، فردّ (عليه السلام) و رحّم عليه و قال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا [ (7)].

و قال أبو عمر بن عبد البر: روينا من حديث واثلة بن الأسقع قال: كان إسلام الحجاج بن علاط [السلمي ثم‏] [ (8)] البهزي أنه خرج في ركب من قومه إلى مكة، فلما جنّ عليه الليل و هو في واد مخوف [ (9)] قعد فقال له أصحابه: يا أبا كلاب! قم فخذ لنفسك و لأصحابك أمانا، فقام الحجاج بن علاط يطوف حولهم يكلؤهم و يقول:

____________

[ (1)] في (الطبقات): «أنا أنتظر».

[ (2)] في (ابن سعد): «و هذا البلد».

[ (3)] في (ابن سعد): «منه».

[ (4)] في (ابن سعد): «أسأل».

[ (5)] في (ابن سعد): «ما نعته».

[ (6)] في (ابن سعد): «قول».

[ (7)] (طبقات ابن سعد): 1/ 161- 162.

[ (8)] زيادة في النسب من (الاستيعاب).

[ (9)] في المرجع السابق: «وحش مخوف».

33

أعيذ نفسي و أعيذ صحبي‏* * * من كل جني بهذا النقب‏

حتى أؤوب سالما و ركبي

فسمع قائلا يقول: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ‏ [ (1)]، فلما قدموا مكة خبّر [ (2)] بذلك في نادي قريش فقالوا له: صبأت [ (3)] يا أبا كلاب، إن هذا [ (4)] مما يزعم محمد أنه أنزل عليه، قال: و اللَّه لقد سمعته و سمعه هؤلاء معي، ثم أسلم الحجاج فحسن إسلامه [ (5)] .. الحديث [ (6)].

____________

[ (1)] الرحمن: 33.

[ (2)] في المرجع السابق: «أخبر».

[ (3)] في المرجع السابق: «صبأت و اللَّه يا أبا كلاب».

[ (4)] في المرجع السابق: «فيما».

[ (5)] (الاستيعاب): 1/ 325- 326، ترجمة الحجاج بن علاط السلمي رقم (482).

[ (6)] قال أبو عمر بن عبد البر: و حديثه بذلك صحيح من رواية ثابت البناني و غيره عن أنس. (المرجع السابق).

34

فصل في ذكر ما كان من أعلام نبوة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) منذ حملت به أمه آمنة بنت وهب [ (1)] إلى أن بعثه اللَّه برسالته‏

اعلم أنه كان لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من أمارات النبوة آيات و أعلام يهتدى بها إلى ثبوت نبوته و صدق رسالته، قدمها اللَّه تعالى قبل بعثته برسالته ليكون دليلا واضحا و برهانا صحيحا لائحا على نبوته و تحقيق رسالته.

فمن ذلك: إخبار الحبر لعبد المطلب بأن في إحدى يديه ملكا و في الأخرى نبوة، و أن ذلك في بني زهرة، و أن عبد اللَّه بن عبد المطلب كان يرى بين عينيه نور النبوة، و أن أمة آمنة بنت وهب لما حملت به بشّرت بأنه خير البرية، و لما ضربها المخاض دنت منه نجوم السماء، و خرج منها لما وضعته نور أضاء له البيت، و انتشر حتى أضاءت له قصور الشام و غيرها، و طرحوا عليه بعد ولادته برمة فانفلقت، و ولد مختونا مسرورا، و فتحت لولادته أبواب السماء، و استبشرت الملائكة، و تطاولت الجبال و ارتفعت البحار، و قلّ الشيطان و مردته، و ألبست الشمس نورا عظيما، و نكست الأصنام و حجبت الكهان، و ارتجس إيوان كسرى، و سقطت منه أربع عشرة شرفة، و خمدت نار فارس، و غاضت بحيرة ساوي، و رأى المؤبذان‏

____________

[ (1)] هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.

و لا نعلم أنه كان لآمنة أخ فيكون خالا للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لكن بنو زهرة يقولون: نحن أخوال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، لأن آمنة منهم، كانت أفضل امرأة في قريش نسبا و موطنا، و يؤخذ من اللهجة التي كانت تتكلم بها السيدة آمنة أن أصلها من المدينة.

و كانت السيدة آمنة وفية لزوجها عبد اللَّه والد الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) بعد وفاته، فكانت تخرج في كل عام إلى المدينة تزور قبره، فلما أتى على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ست سنين خرجت زائرة لقبره و معها عبد المطلب و أم أيمن حاضنة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما صارت بالأبواء منصرفة إلى مكة ماتت بها. (معجم البلدان):

1/ 101، موضع رقم (152)، (الأبواء) و هي موضع بين مكة و المدينة، و هو إلى المدينة أقرب، (المعارف): 1/ 129، (أعلام النساء): 1/ 18.

35

أن إبلا تقود خيلا و انتشرت في بلاد فارس.

و ردّ اللَّه ببركته أصحاب الفيل عن مكة، و منعهم من تخريب البيت الحرام الّذي جعل اللَّه حجّه أحد أركان الإسلام، تحقيقا لشريعته، و تأييدا لدعوته، و ما ظهر لظئره حليمة من البركة حين أرضعته من إقبال لبنها، و كثرته بعد قلته، و حلبها اللبن من شاتها التي لم يكن بها قطرة لبن، و سبق أتانها حمر رفاقها بعد تخلفها عنهم لضعفها، و سمن أغنامها دون أغنام قومها، و شق صدره المقدس عندها، و معرفة اليهود له و هو طفل مع أمه بالمدينة، و توسم جده عبد المطلب فيه السيادة، و قول بني مدلج: إن قدمه أشبه بقدم إبراهيم الخليل، و معرفة أسقف نجران و هو غلام، و إخبار اليهودي أنه يخرج من صلب عبد المطلب نبي يقتل يهود، و ما كان عمه أبو طالب يرى من البركة منذ كفله، و تظليل الغمام له، و اعتراف بحيرا الراهب بنبوته، و إخبار نسطور بذلك.

36

و أما إخبار الحبر لعبد المطلب بأن في إحدى يديه ملكا و في الأخرى نبوة، و أن ذلك في بني زهرة

فخرج الحافظ أبو نعيم من حديث أبي عون [ (1)] مولى المسور بن مخرمة، عن المسور عن عبد اللَّه بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب رضي اللَّه تعالى عنهما قال: قال عبد المطلب: قدمت اليمن في رحلة الشتاء فنزلت على حبر من أحبار اليهود، فقال لي رجل من أهل الزبور- يعني من أهل الكتاب-: ممن الرجل؟

قلت: من قريش، قال: من أيهم؟ قلت: [من بني هاشم‏] [ (2)]، قال:

يا عبد المطلب! تأذن [ (3)] لي أن انظر إلى بعضك؟ قلت: نعم، ما لم يكن عورة، قال: ففتح أحد منخريّ ثم فتح الآخر فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكا و في الأخرى نبوّة، و إنا نجد ذلك في بني زهرة، فكيف ذلك؟ فقلت [ (4)] لا أدري، قال: هل لك من شاعة؟ قلت: و ما الشاعة؟ قال: الزوجة، قلت: أما اليوم فلا، قال: فإذا رجعت فتزوج منهم [ (5)]، فرجع عبد المطلب إلى مكة فتزوج بهالة [ (6)] بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، فولدت له حمزة و صفية، و تزوج‏

____________

[ (1)] سند هذا الحديث في (دلائل أبي نعيم): حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن عمر الخلال المكيّ قال: حدثنا محمد بن منصور الجواز قال: حدثنا يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك ابن حميد بن عبد الرحمن الزهري قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز قال: حدثنا عبد اللَّه ابن جعفر المخرميّ، عن أبي عون مولى المسور بن مخرمة، عن المسور عن ابن عباس عن أبيه العباس ابن عبد المطلب قال: ...

[ (2)] في (خ): «من أيهم شئت»، و ما أثبتناه من (دلائل أبي نعيم).

[ (3)] في المرجع السابق: «أ تأذن».

[ (4)] في المرجع السابق: «قلت».

[ (5)] في المرجع السابق: «فيهم».

[ (6)] في المرجع السابق: «هالة».

37

عبد اللَّه بن عبد المطلب آمنة بنت وهب فولدت له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و وهب و وهيب أخوان، فقالت قريش حين تزوج عبد اللَّه: فلج عبد اللَّه على أبيه [ (1)].

و رواه الزهري و عبد الرحمن بن حميد عن حميد بن عبد الرحمن عن أبيه، أن عبد المطلب ... فذكر نحوه.

____________

[ (1)] أخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة): 1/ 129- 130، حديث رقم (71)، و السيوطي في (الخصائص): 1/ 99، و ابن سعد في (الطبقات الكبرى): 1/ 86 لكن بسياقه أخرى ضمن قصة طويلة، و الحاكم في (المستدرك): 2/ 656، كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء و المرسلين، باب ذكر أخبار سيد المرسلين و خاتم النبيين، محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، المصطفى (صلوات اللَّه عليه و على آله الطاهرين) من وقت ولادته إلى وقت وفاته ما يصح منها على ما رسمنا في الكتاب لا على ما جرينا عليه من أخبار الأنبياء قبله إذ لم نجد السبيل إليها إلا على الشرط في أول الكتاب، حديث رقم (4176/ 186)، و قال الذهبي في (التلخيص): يعقوب و شيخه ضعيفان، (ميزان الاعتدال): 2/ 632، ترجمة رقم (5119) عبد العزيز بن عمران الزهري المدني، و هو عبد العزيز بن أبي ثابت، قال البخاري: لا يكتب حديثه، و قال النسائي و غيره: متروك، و قال عثمان بن سعيد:

قلت ليحيى: فابن أبي ثابت عبد العزيز بن عمران ما حاله؟ قال ليس بثقة، إنما كان صاحب شعر، و هو من ولد عبد الرحمن بن عوف.

و ابن كثير في (البداية و النهاية): 2/ 309، فصل تزويج عبد المطلب ابنه عبد اللَّه من آمنة بنت وهب الزهرية، و البيهقي في (دلائل النبوة): 1/ 106- 107.

38

و أما رؤية النور بين عيني عبد اللَّه بن عبد المطلب‏

فخرج أبو نعيم من حديث ابن شهاب [ (1)] عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة، و عامر بن سعد عن أبيه سعد، قال: أقبل عبد اللَّه بن عبد المطلب أبو رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و كان في بناء له و عليه أثر الطين و الغبار، فمرّ بامرأة من خثعم، و قال [ (2)] عامر بن سعد [ (3)] عن أبيه في حديثه فمرّ بليلى العدويّة، فلما رأته و رأت ما بين عينيه دعته إلى نفسها و قالت له: إن وقعت بي فلك مائة من الإبل، فقال لها [عبد اللَّه بن عبد المطلب‏] [ (4)]: حتى أغسل عني هذا الطين الّذي عليّ و أرجع إليك، فدخل على آمنة بنت وهب فواقعها فحملت برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الطيب المبارك، ثم رجع إلى الخثعمية، و قال عامر في حديثه إلى ليلى العدويّة فقال لها: هل لك فيما قلت؟ فقالت: لا [يا عبد اللَّه‏] [ (5)]، قال: و لم؟ قالت: لأنك مررت بي و بين عينيك نور، ثم رجعت إليّ و قد انتزعته آمنة بنت [ (6)] وهب منك. فولدت [ (7)] آمنة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

و له من حديث النضر بن سلمة [ (8)] قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز الزهري عن أبيه محمد عن أبيه عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت سعد ابن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه يقول: نحن أعظم خلق اللَّه بركة، و أكثر خلق‏

____________

[ (1)] السّند في (دلائل أبي نعيم): حدثنا عمر بن محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن السندي، حدثنا النضر بن مسلمة قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه قال: حدثني ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة و عامر بن سعد عن أبيه سعد قال ...

[ (2)] في المرجع السابق: «فقال».

[ (3)] في (خ): «سعيد».

[ (4)] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم).

[ (5)] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم).

[ (6)] في (دلائل أبي نعيم): «ابنة».

[ (7)] في (دلائل أبي نعيم): «فحملت آمنة برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

[ (8)] السند في (دلائل أبي نعيم): حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن عمر الخلال المكيّ قال:

حدثنا عبد العزيز بن عمران قال: حدثني محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه عن جده قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: ...

39

اللَّه ولدا، خرج عبد اللَّه بن عبد المطلب ذات يوم متخصّرا [ (1)] مترجلا حتى جلس في البطحاء، فنظرت إليه ليلى العدوية، فدعته إلى نفسها، فقال عبد اللَّه [بن عبد المطلب‏] [ (2)]: أرجع إليك، و دخل [عبد اللَّه‏] [ (2)] على آمنة [بنت وهب‏] [ (2)] فقال لها اخرجي فواقعها و خرج، فلما رأته ليلى قالت: ما فعلت؟ فقال [عبد اللَّه‏] [ (2)]: قد رجعت إليك، قالت [ليلى‏] [ (2)]: لقد دخلت بنور ما خرجت به، و لئن كنت ألممت بآمنة بنت وهب لتلدن ملكا [ (3)].

و له من حديث ابن جريج عن عطاء [ (4)] عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال:

لما خرج عبد المطلب بابنه ليزوجه مرّ به على كاهنة من أهل تبالة [ (5)] متهوّدة [ (6)] قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مرّ الخثعمية، فرأت نور النبوة في وجه عبد اللَّه، فقالت له: يا فتى! هل لك أن تقع عليّ الآن و أعطيك مائة من الإبل فقال [عبد اللَّه‏] [ (7)]:

أما الحرام فالممات دونه‏* * * و الحلّ لا حلّ فأستبينه‏

فكيف بالأمر الّذي تبغينه؟

ثم مضى مع أبيه فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عندها ثلاثا، ثم إن نفسه دعته إلى ما دعته [ (8)] إليه الخثعمية فأتاها فقالت: يا فتى! ما صنعت بعدي؟ قال: زوجني أبي آمنة بنت وهب و أقمت عندها ثلاثا، قالت:

____________

[ (1)] كذا في (خ)، و في (دلائل أبي نعيم): «متحضّرا»، و الحديث أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) 1/ 130، حديث رقم (72)، و السيوطي في (الخصائص): 1/ 100، عن أبي نعيم، و أخرج القصة ابن هشام في (السيرة): 1/ 291- 292.

[ (2)] زيادات للسياق و النسب من (دلائل أبي نعيم).

[ (3)] (دلائل أبي نعيم): 1/ 131، حديث رقم (73) و فيه عبد العزيز بن عمران، و هو متروك.

[ (4)] السند في (دلائل النبوة لأبي نعيم): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا محمد بن عمارة القرشيّ، قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عباس قال: ...

[ (5)] تبالة: بلد باليمن.

[ (6)] في (خ): «مشهورة»، و ما أثبتناه من (دلائل أبي نعيم).

[ (7)] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (8)] في (خ): «دعت».

40

إي و اللَّه ما أنا بصاحبة ريبة، و لكن رأيت في وجهك نورا و أردت أن يكون فيّ، و أبى اللَّه إلا أن يصيره حيث أحبّ، [ثم قالت فاطمة الخثعمية] [ (1)]:

و له من حديث داود بن أبي هند [ (2)] عن عكرمة قال: كانت امرأة من خثعم تعرض نفسها في [موسم الحج‏] [ (3)]، و كانت ذات جمال، و معها أدم تطوف به كأنها تبيعه، فأتت على عبد اللَّه بن عبد المطلب، فلما رأته أعجبها [ (4)] فقالت: إني و اللَّه ما أطوف لبيع [ (5)] الأدم، و ما بي إلى ثمنه من حاجه، و لكني إنما أتوسم الرجال [ (6)]، انظر هل أجد كفؤا، فإن كانت لك إليّ حاجة فقم، فقال لها:

مكانك [حتى‏] [ (7)] أرجع إليك، فانطلق إلى أهله [ (8)]، فبدا له [ (9)] فواقع أهله، فحملت بالنبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما رجع إليها قال: ألا أراك هاهنا؟ قالت: و من أنت [ (10)]؟ قال: أنا الّذي وعدتك، قالت لا: ما أنت هو، و لئن كنت ذاك [ (11)]

____________

[ (1)] في (خ): «و قالت شعرا فذكره»، قالت:

إني رأيت مخيلة لمعت‏* * * فتلألأت بحناتم القطر

فلمائها نور يضي‏ء له‏* * * ما حوله كإضاءة البدر

و رجوته فخرا أبوء به‏* * * ما كل قادح زنده يورى‏

للَّه ما زهرية سلبت‏* * * ثوبيك ما استلبت و ما تدري‏

و الحديث أخرجه أبو نعيم في (الدلائل): 1/ 131- 133، حديث رقم (74)، و ابن سعد في (الطبقات): 1/ 96- 97، و فيه صدر البيت الثالث هكذا:

فلمأتها نورا يضي‏ء به‏

و ما أثبتناه من (دلائل أبي نعيم)، و (طبقات ابن سعد).

[ (2)] السند في (دلائل البيهقي)، هكذا: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: حدثنا عبد الباقي بن قانع، قال: حدثنا عبد الوارث بن إبراهيم العسكري، قال: حدثنا مسدّد، قال: حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ...

[ (3)] في (خ): «موسم من المواسم»، و ما أثبتناه من (دلائل البيهقي).

[ (4)] كذا في (خ)، و في (دلائل البيهقي): «فأظن أنه أعجبها».

[ (5)] كذا في (خ)، و في (دلائل البيهقي): «ما أطوف بهذا الأدم و ما لي إلى ثمنها حاجة».

[ (6)] كذا في (خ)، و في (دلائل البيهقي): «و إنما أتوسم الرجل هل أجد كفؤا».

[ (7)] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (8)] كذا في (خ)، و في (دلائل البيهقي): «إلى رحلة».

[ (9)] كذا في (خ)، و في (دلائل البيهقي): «فبدأ فواقع أهله».

[ (10)] كذا في (خ)، و في (دلائل البيهقي): «فمن كنت؟».

[ (11)] كذا في (خ)، و في (دلائل البيهقي): «قال: الّذي واعدتك».

41

لقد رأيت بين عينيك نورا ما أراه الآن [ (1)].

و له من حديث ابن وهب [ (2)] قال: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهري قال: كان عبد اللَّه بن عبد المطلب أحسن رجل رئي قط، فخرج [ (3)] يوما على نساء قريش و هن مجتمعات، فقالت امرأة منهن: أيتكن تتزوج بهذا الفتى فتصطبّ النور الّذي أرى [ (4)] بين عينيه؟ فإنّي أرى بين عينيه نورا، فتزوجته آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة [ (5)]، فحملت بمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم) [ (6)].

و قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق [ (7)]: ثم انصرف عبد المطلب آخذا بيد عبد اللَّه، فمرّ به- فيما يزعمون- على امرأة من بني أسد بن عبد العزى بن قصي و هي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد اللَّه؟ فقال:

مع أبي، قالت: لك عندي من الإبل مثل الّذي نحرت عنك وقع عليّ الآن، فقال لها: إن معي أبي [الآن‏] [ (8)]، لا أستطيع خلافه و لا فراقه، و لا أريد أن أعصيه شيئا.

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 1/ 107- 108.

[ (2)] السند في (دلائل أبي نعيم) هكذا: حدثنا محمد بن أحمد بن سليمان، قال حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري، قال: ...

[ (3)] كذا في (خ) و في (أبي نعيم): «خرج».

[ (4)] في (أبي نعيم): «النور الّذي بين عينيه».

[ (5)] كذا في (خ)، و في (أبي نعيم): «بن زهرة فجأة فحملت».

[ (6)] (دلائل النبوة لأبي نعيم): 1/ 133، حديث رقم (75)، و هو حديث مرسل، أخرجه أيضا السيوطي في (الخصائص): 1/ 104 قال الشيخ أبو نعيم (رحمه اللَّه): ففي ابتغاء اليهود و اليهودية وضع هذا النور الّذي انتقل إلى آمنة بنت وهب فيها، و ذكرهم بني زهرة، و أن هذا الأمر لا يكون فيهم، دلالة واضحة على تقديم الخبر و البشارة بذلك في الكتب السالفة، و ما يكون من أمر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و بعثته، كل ذلك آيات واضحة، و براهين صحيحة لائحة، على نبوته و بعثته (صلى اللَّه عليه و سلم). (المرجع السابق): 1/ 133.

[ (7)] السند في (دلائل البيهقي) هكذا: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: ...، و في (سيرة ابن هشام) بغير سند، و في (تاريخ الطبري) بغير سند، بل قال: «فمر به فيما يزعمون على امرأة من بني أسد» و كذلك قال (البيهقي و المقريزي).

[ (8)] زيادة للسياق من (دلائل البيهقي).

42

فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة- و وهب يومئذ سيد بني زهرة نسبا و شرفا- فزوجه آمنة بنت وهب، و هي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا و موضعا [ (1)].

قال: و ذكروا أنه دخل عليها حين أملكها [ (2)] مكانه، فوقع عليها فحملت برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

قال: ثم خرج من عندها حتى أتى المرأة التي قالت له ما قالت- و هي أخت ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزى- و هي في مجلسها، فجلس إليها و قال: مالك لا تعرضين عليّ اليوم مثل الّذي عرضت أمس؟.

قالت [ (3)]: فارقك [ (4)] النور الّذي كان فيك، فليس لي بك اليوم حاجة، و كانت فيما زعموا تسمع من أخيها ورقة ابن نوفل- و كان قد تنصّر و اتّبع الكتب- يقول: إنه لكائن في هذه الأمة نبي من بني إسماعيل [ (5)]، فقالت في ذلك شعرا فذكره [ (6)]، و اسمها أم قتّال بنت نوفل بن أسد.

____________

[ (1)] [و هي لبرّة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصيّ. و أم برة: أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصيّ. و أم حبيب بنت أسد: لبرّة بنت عوف بن عبيد بن عدي بن عدي بن كعب ابن لؤيّ بن غالب بن فهر] ما بين الحاصرتين زيادة من (دلائل البيهقي)، و (ابن هشام)، و (تاريخ الطبري).

[ (2)] كذا في (خ)، و في (الطبري)، و (ابن هشام)، و في (البيهقي): «ملكها».

[ (3)] كذا في (خ)، و (ابن هشام)، و في (الطبري)، و (البيهقي): «فقالت».

[ (4)] في (البيهقي): «قد فارقك».

[ (5)] (دلائل البيهقي): 1/ 102- 104، باب تزوج عبد اللَّه بن عبد المطلب: أبي النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بآمنة بنت وهب، و حملها برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و وضعها إياه، (سيرة ابن هشام). 1/ 292 باب ذكر المرأة المتعرضة لنكاح عبد اللَّه بن عبد المطلب، (تاريخ الطبري): 2/ 243- 244.

[ (6)] هذا الشعر ذكره البيهقي في (الدلائل)، حيث قالت أم قتّال بنت نوفل بن أسد:

الآن و قد ضيّعت ما كنت قادرا* * * عليه و فارقك الّذي كان جاءك‏

غدوت عليّ حافلا قد بذلته‏* * * هناك لغيري فالحقنّ بشانكا

و لا تحسبنّي اليوم خلوا و ليتني‏* * * أصبت جنينا منك يا عبد داركا

و لكن ذاكم صار في آل زهرة* * * به يدعم اللَّه البرية ناسكا

و قالت أيضا:

عليك بآل زهرة حيث كانوا* * * و آمنة التي حملت غلاما

43

____________

[ ()]

ترى المهديّ حين ترى عليه‏* * * و نورا قد تقدّمه إماما

و قالت أيضا:

فكل الخلق يرجوه جميعا* * * يسود الناس مهتديا إماما

برأه اللَّه من نور صفاء* * * فأذهب نوره عنا الظلاما

و ذلك صنع ربك إذ حباه‏* * * إذا ما سار يوما أو أقاما

فيهدي أهل مكة بعد كفر* * * و يفرض بعد ذلكم الصّياما

قال البيهقي: قلت: و هذا الشي‏ء قد سمعته من أخيها في صفة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و يحتمل أن كانت أيضا امرأة عبد اللَّه مع آمنة.

قال الدكتور عبد المعطي قلعجي محقق (دلائل البيهقي) تعليقا على هذا الخبر: خبر غريب موضوع، لا سند له، و لا منطق يؤيده، و يناقض الأحاديث الصحيحة، تناقلته كتب السيرة بما دسّه عليها أعداء الإسلام، من يهود، و سبيئة، و شانئين، و منافقين.

1- فرغم ما عرف عن تمسك المؤرخين بالسند، و أن كل الأخبار الصحيحة وردت بالسند القوي المتواتر، فهذا الخبر ليس له سند، فلا هو بمتصل، و لا بمرفوع، لا، بل نقله (الطبري):

2/ 243، [ابن هشام: 1/ 291]، [البيهقي: 1/ 102]، [المقريزي في النسخة (خ) من إمتاع الأسماع‏]، [بقولهم جميعا]: «فيما يزعمون».

2- إن متنه و ما تضمنه من حكاية المرأة التي عرضت الزنا على عبد اللَّه و هو حديث عهد بزواج، تناقض الأحاديث الصحيحة، من طهارة و شرف نسب الأنبياء، و أن هذه الطهارة، و هذا الشرف من دلائل نبوتهم،

قال (صلى اللَّه عليه و سلم): «إن اللَّه اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، و اصطفى من بني كنانة قريشا، و اصطفى من قريش بني هاشم، و اصطفاني من بني هاشم».

و هذا الحديث في الترمذي و مسند أحمد،

و أن اللَّه طهره من عهر الجاهلية و أرجاسها، و والده عبد اللَّه كان صورة طبق الأصل من عبد المطلب، و لو أمهله الزمن لتولى مناصب الشرف التي كانت بيد عبد المطلب، و كان شعاره الّذي التزمه طيلة حياته:

أما الحرام فالممات دونه‏

رجل هذا شأنه، هل نطمئن إلى هذه الروايات المزعومة، و أنه بعد أن دخل بزوجته آمنة، عاد فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت فقال لها: «مالك لا تعرضين عليّ اليوم ما كنت عرضت عليّ بالأمس؟»!!.

3- تخبطت الروايات في اسم المرأة، فهي مرة امرأة من خثعم، و مرة أم قتال أخت ورقة ابن نوفل، و مرة هي ليلى العدوية، و مرة كاهنة من أهل قبالة متهوّدة، و مرة أنه كان متزوجا بامرأة أخرى غير آمنة ... إلخ هذا التخبط الدال على الكذب، و لما ذا اختار الرواة أخت ورقة ابن نوفل، أو امرأة كانت قد قرأت الكتب؟!.

4- إننا إذا نظرنا إلى الشعر الوارد في هذا الخبر على لسان المرأة، لوجدناه شعرا ركيكا، مزيفا، مصنوعا، ملفقا، مضطرب القافية، محشورة الكلمات فيه بشكل مصطنع واضح الدلالة على تلفيقه، و بهذا كله يسقط هذا الخبر الواهي، و يدل على هذا قول ابن إسحاق، و الطبري،

44

قال ابن إسحاق [ (1)]: حدثني والدي إسحاق بن يسار قال: حدثت أنه كان لعبد اللَّه بن عبد المطلب امرأة مع آمنة بنت وهب [بن عبد مناف‏] [ (2)]، فمر بامرأته [تلك‏] [ (3)] و قد أصابه أثر من طين عمل به، فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت من أثر الطين.

فدخل فغسل عنه أثر الطين، ثم دخل عامدا إلى آمنة، ثم دعته صاحبته التي كانت أرادته إلى نفسها، فأبى [ (4)] للذي صنعت به أول مرة، فدخل على آمنة فأصابها ثم خرج، فدعاها إلى نفسه فقالت: لا حاجة لي بك، مررت بي و بين عينيك غرّة فرجوت أن أصيبها، فدخلت على آمنة فذهبت بها منك.

قال ابن إسحاق: فحدثت أن امرأته تلك كانت تقول: لمرّ بي و إن بين عينيه لنورا مثل الغرّة، و دعوته له رجاء أن يكون لي، فدخل على آمنة فأصابها فحملت برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [ (5)].

____________

[ ()] [و البيهقي‏]، و [المقريزي‏]، و غيرهم ممن نقلوا الخبر- فيما يزعمون- و هم زعم باطل. (دلائل البيهقي) 1/ 104- 105 «هامش».

[ (1)] السند في (دلائل البيهقي): و أخبرنا أبو عبيد اللَّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني والدي: إسحاق بن يسار، قال: ...

[ (2)] زيادة للنسب من (البيهقي).

[ (3)] زيادة للسياق من (البيهقي).

[ (4)] في (خ): «فأبا» و التصويب من (البيهقي).

[ (5)] (دلائل النبوة للبيهقي): 1/ 105- 106، (سيرة ابن هشام): 1/ 292، قصة حمل آمنة برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، (تاريخ الطبري): 2/ 244.

45

و أما إخبار آمنة بأنها قد حملت بخير البرية و سيّد الأمة

فخرج أبو نعيم من حديث النضر بن سلمة، حدثنا أبو غزيّة محمد بن موسى [الأنصاري‏] [ (1)] عن أبي عثمان سعيد بن زيد [الأنصاري‏] [ (1)] عن ابن بريدة عن أبيه بريدة قال: رأت آمنة بنت وهب أم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في منامها، فقيل لها: إنك قد حملت بخير البرية و سيد العالمين، فإذا ولدته فسميه أحمد و محمدا، و علقي عليه هذه، قال: فانتبهت و عند رأسها صحيفة من ذهب مكتوب فيها [ (2)]: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل خلق زائد، من قائم أو قاعد، عن السبيل حائد [ (3)]، على الفساد جاهد، من نافث أو عاقد، و كل جن [ (4)] مارد، يأخذ بالمراصد، في طرق الموارد، أنهاهم عنه باللَّه الأعلى، و أحوطه [منهم‏] [ (5)] باليد العليا، و الكف الّذي لا يرى [ (6)]، يد اللَّه فوق أيديهم، و حجاب اللَّه دون عاديهم، لا تطردوه و لا تضروه [ (7)]، في مقعد و لا منام، و لا مسير و لا مقام، أول الليالي و آخر الأيام [أربع مرات بهذا] [ (8)].

[قال سعيد بن زيد الأنصاري: فلقيت بريدة بن سفيان الأسلمي، فذكرت له هذا الحديث الّذي حدثنا ابن بريدة عن أبيه، فقال بريدة بن سفيان: حدثنيه بريدة بهذا، و حدثني محمد بن كعب عن ابن عباس بهذا] [ (9)].

____________

[ (1)] زيادة للنسب من (أبي نعيم).

[ (2)] في (خ): «فيها هذه».

[ (3)] في (خ)، و (المواهب): حائد، و في (أبي نعيم): «عاند».

[ (4)] كذا في (خ)، و في (المواهب)، و (أبي نعيم): «خلق مارد».

[ (5)] زيادة للسياق من (أبي نعيم).

[ (6)] في (خ): «الّذي يدني»، و ما أثبتناه من (أبي نعيم).

[ (7)] كذا في (خ)، و في (أبي نعيم): «لا يطردونه و لا يضرونه».

[ (8)] زيادة للسياق من (أبي نعيم).

[ (9)] ما بين الحاصرتين من (خ)، و غير موجود في رواية أبي نعيم، و هذا الحديث ذكره أبو نعيم في (دلائل النبوة): 1/ 136، حديث رقم (78) و قد انفرد به أبو نعيم، و فيه أبو غزية محمد بن موسى الأنصاري، و هو ضعيف كما في (ميزان الاعتدال): 4/ 49، ترجمة رقم (8222)،

46

و قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: و كانت آمنة بنت وهب أم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تحدث أنها أتيت حين حملت بمحمد (صلى اللَّه عليه و سلم) فقيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع على الأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، من كل بر عاهد، و كل عبد رائد، يذود عني ذائد، فإنه عند الحميد الماجد، حتى أراه قد أتى المشاهد.

و قال: فإن آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدا، فإن اسمه في التوراة و الإنجيل أحمد، يحمده أهل السماء و الأرض، و اسمه في الفرقان محمد، فسمته بذلك.

فلما وضعته بعثت إلى عبد المطلب جاريتها، و قد كان هلك أبوه عبد اللَّه و هي حبلى، و يقال: إن عبد اللَّه هلك و النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ابن ثمانية و عشرين شهرا [فاللَّه أعلم أي ذلك كان‏] [ (1)].

فقالت: قد ولد لك الليلة غلام فانظر إليه، فلما جاءها خبرته خبره و حدثته بما رأت حين حملت به و ما قيل لها فيه و ما أمرت أن تسميه.

فأخذه عبد المطلب فأدخله على هبل في جوف الكعبة، فقام عبد المطلب يدعو اللَّه و يتشكّر للَّه [عزّ و جلّ‏] [ (2)] الّذي أعطاه إياه، فقال:

الحمد للَّه الّذي أعطاني‏* * * هذا الغلام الطيب الأردان [ (3)]

قد ساد في المهد على الغلمان‏* * * أعيذه باللَّه [ (4)] ذي الأركان‏

____________

[ ()] قال البخاري: عنده مناكر، و قال ابن حبان كان يسرق الحديث، و يروي عن الثقات الموضوعات، و قال أبو حاتم: ضعيف، و وثّقه الحاكم. مات سنة سبع و مائتين.

و من قوله: «أعيذه بالواحد ... إلى آخر الأبيات» كما في (المواهب) أو إلى قوله: «طرق الموارد» كما في (خ)، قال عنه الحافظ عبد الرحيم العراقي: هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير، و جعلها من حديث ابن عباس، و لا أصل لها، قال الشامي: و سنده واه جدا، و إنما ذكرته لأنبه عليه لشهرته في كتب المواليد. (المواهب اللدنية) 1/ 120- 121.

[ (1)] زيادة للسياق من (دلائل البيهقي).

[ (2)] زيادة للسياق من (دلائل البيهقي).

[ (3)] الأردان: جمع ردن، و هو أصل الكم، و ذلك كناية عن العفة و الطهارة.

[ (4)] في (البداية و النهاية): «بالبيت ذي الأركان»، و في (خ)، و (صفة الصفوة)، و (ابن سعد): «باللَّه ذي الأركان».

47

حتى يكون بلغة الفتيان‏* * * حتى أراه بالغ البنيان‏

أعيذه من كل ذي شنئان [ (1)]* * * من حاسد من مضطرب العنان‏

ذي همدة ليس له عينان‏* * * حتى أراه رافع اللسان‏

أنت الّذي سميت في الفرقان‏* * * في كتب ثابتة المثاني‏

أحمد مكتوب على اللسان [ (2)]

[و يقال: إنه أتاها في منامها حين مرّ بها من حملها ثلاثة أشهر].

و خرج أبو نعيم من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن سعيد بن عمرو الأنصاري عن أبيه عن كعب الأحبار في صفة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال ابن عباس: و كان من دلالات حمل محمد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة و قالت:

حمل برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و رب الكعبة، و هو أمان الدنيا و سراج أهلها.

و لم يبق كاهنة في قريش و لا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها، و انتزع علم الكهانة منها، و لم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، و الملك مخرسا لا ينطق يومه ذلك، و مرت وحش المشرق إلى وحش المغرب بالبشارات، و كذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضا في كل شهر من شهوره نداء [ (3)] في الأرض و نداء [ (3)] في السماء أن أبشروا فقد آن لأبي القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا.

قال: و بقي في بطن أمة تسعة أشهر كملا لا تشكو وجعا و لا ريحا و لا مغصا و لا ما يعرض للنساء من أداء الحمل.

و هلك أبوه عبد اللَّه و هو في بطن أمة فقالت الملائكة: إلهنا و سيدنا! بقي‏

____________

[ (1)] الشنآن: البغض.

[ (2)] وردت هذه الأبيات بسياقات مختلفة، في بعضها تقديم و تأخير، و زيادة و نقصان، و ما أثبتناه ما رواه ابن كثير في (البداية و النهاية)، فهو أتم الروايات و أصحها، و الخبر ورد في: (دلائل البيهقي):

1/ 111- 112، و (صفة الصفوة): 1/ 25- 26، و (سيرة ابن هشام): 1/ 296، و (طبقات ابن سعد): 1/ 103، و (البداية و النهاية): 2/ 224، راجع (امتاع الأسماع):

1/ 8، بتحقيقنا.

[ (3)] في (خ): «نداء»، و التصويب من (المواهب اللدنية).

48

نبيك هذا يتيما، فقال اللَّه للملائكة: أنا له وليّ و حافظ و نصير، و تباركوا بمولده، فمولده ميمون مبارك، و فتح اللَّه تعالى لمولده أبواب السماء و جنانه.

فكانت آمنة تحدث عن نفسها و تقول: أتاني آت حين مرّ بي من حمله ستة أشهر، فوكزني برجله في المنام و قال لي: يا آمنة، إنك قد حملت بخير العالمين طرّا، فإذا ولدتيه فسميه محمدا، و اكتمي شأنك.

قال: فكانت تحدث عن نفاسها و تقول: لقد أخذني ما يأخذ النساء و لم يعلم بي أحد من القوم، ذكر و لا أنثى، و إني لوحيدة في المنزل- و عبد المطلب في طوافه- قالت: فسمعت رجّة شديدة و أمرا عظيما فهالني، و ذلك يوم الاثنين فرأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي، فذهب عني كل رعب و كل فزع و وجع كنت أجد.

ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا- و كنت عطشى- فتناولتها فشربتها، فأضاء مني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طولا [ (1)]، كأنهن من بنات عبد مناف يحدقن بي، فبينا أنا أعجب و أقول: وا غوثاه، من أين علمن بي هؤلاء، و اشتد الأمر و أنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم و أهول، فإذا أنا بديباج قد مدّ بين السماء و الأرض و إذا قائل يقول: خذوه عن أعين الناس.

قالت: و رأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة، و أنا أرشح عرقا كالجمان، أطيب ريحا من المسك الأذفر و أقول: يا ليت عبد المطلب قد دخل عليّ و عبد المطلب نائي.

قالت: فرأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي، مناقيرها من الزمرد و أجنحتها من اليواقيت، فكشف اللَّه لي عن بصري، فأبصرت ساعتي تلك مشارق الأرض و مغاربها، و رأيت ثلاثة أعلام مضروبات:

علما في المشرق و علما في المغرب و علما على ظهر الكعبة، فأخذني المخاض و اشتد بي الأمر جدا، فكنت كأني مستندة إلى أركان النساء، و كثرن عليّ حتى لا أرى‏

____________

[ (1)] في (خ): «الطول»، و ما أثبتناه من (المواهب اللدنية).

49

معي في البيت أحدا و أنا لا أرى شيئا، فولدت محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم).

فلما خرج من بطني نظرت إليه فإذا أنا به ساجدا قد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته، فغيب عن وجهي، فسمعت مناديا ينادي و يقول: طوفوا بمحمد شرق الأرض و غربها، و أدخلوه البحار كلها ليعرفوه باسمه و نعته و صورته، و يعلمون أنه سمي الماحي لا يبقى شي‏ء من الشرك إلا محي به في زمنه.

ثم تجلت عنه في أسرع وقت، فإذا به مدرج في ثوب صوف أبيض، أشد بياضا من اللبن، و تحته حبرة خضراء، قد قبض محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض، و إذا قائل يقول: قبض محمد على مفاتيح النصر و مفاتيح الريح و مفاتيح النبوة.

ثم أقبلت سحابة أخرى أعظم من الأولى و نور، يسمع منها صهيل الخيل و خفقان الأجنحة من كل مكان، و كلام الرجال، حتى غشيته فغيب عني أطول و أكثر من المرة الأولى، فسمعت مناديا ينادي [و] يقول: طوفوا بمحمد الشرق و الغرب على مواليد النبيين، و اعرضوه على كل روحاني من الجن و الإنس و الطير و السباع، و أعطوه صفاء آدم، ورقة نوح، و خلة إبراهيم، و لسان إسماعيل، و صبر يعقوب، و جمال يوسف، و صوت داود، [و صبر أيوب‏]، و زهد يحى، و كرم عيسى، و اعمروه في أخلاق الأنبياء.

ثم تجلت عنه في أسرع من طرف العين، فإذا به قد قبض على حريرة خضراء، مطوية طيا شديدا، ينبع من تلك الحريرة ماء معين، و إذا قائل يقول: بخ بخ، قبض محمد على الدنيا كلها، لم يبق خلق من أهلها إلا دخل في قبضته طائعا بإذن اللَّه تعالى، و لا قوة إلا باللَّه.

قالت آمنة: فبينا أنا أتعجب و إذا بثلاثة نفر- ظننت بأن الشمس تطلع من خلال وجوههم- في يد أحدهم إبريق من فضة، و في ذلك الإبريق ريح المسك، و في يد الثاني طست من زمرد أخضر، عليها أربعة نواحي كل ناحية من نواحيها لؤلؤة بيضاء، و إذا قائل يقول: هذه الدنيا شرقها و غربها و برها و بحرها، فاقبض‏

50

يا حبيب اللَّه على [أية] ناحية شئت.

قالت: فدرت لأنظر أين قبض من الطست، فإذا هو قد قبض على وسطها، فسمعت القائل يقول: قبض على الكعبة و رب الكعبة، أما إن اللَّه قد جعلها له قبلة و مسكنا مباركا، و رأيت في يد الثالث حريرة بيضاء مطوية طيا شديدا فنشرها، فأخرج منها خاتما تحار أبصار الناظرين دونه، ثم حمل ابني فناوله صاحب الطست و أنا انظر إليه، فغسله بذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ختما واحدا و لفه في الحريرة، و استدار عليه خطا من المسك الأذفر، ثم حمله فأدخله بين أجنحته ساعة.

قال ابن عباس: كان ذلك رضوان خازن الجنان، و قال في أذنه كلاما كثيرا لم أفهمه، و قبل بين عينيه و قال: أبشر يا محمد، فما بقي لنبي علم إلا أعطيته، فأنت أكثرهم علما و أشجعهم قلبا، معك مفاتيح النصر، و قد ألبست الخوف و الرعب، و لا يسمع أحد بذكرك إلا و جل في فؤاده، و خاف قلبه، و إن لم يرك يا حبيب اللَّه.

قالت: ثم رأيت رجلا قد أقبل نحوه حتى وضع فاه على فيه، فجعل يزقه كما تزق الحمامة فرخها، فكنت انظر إلى ابني يشير بإصبعه يقول: زدني زدني، فزقه ساعة ثم قال: أبشر يا حبيبي، فما بقي لنبي حلم إلا و قد أوتيته.

ثم احتمله فغيبه عني، فجزع فؤادي و ذهل قلبي، فقلت: ويح لقريش و الويح لها! ماتت كلها، أنا في ليلتي و في ولادتي، أرى ما أرى، و يصنع بي ما يصنع و لا يقربني أحد من قومي، إن هذا لهو أعجب العجب.

قالت: فبينا أنا كذلك إذ أنا به قد ردّ عليّ كالبدر، و ريحه يسطح كالمسك و هو يقول: خذيه، فقد طافوا به الشرق و الغرب على مواليد الأنبياء أجمعين، و الساعة كان عند أبيه آدم فضمه إليه، و قبله بين عينيه، و قال: أبشر حبيبي، فأنت سيد الأولين و الآخرين، و مضى، و جعل يلتفت و يقول: أبشر يا عزّ الدنيا و شرف الآخرة، فقد استمسكت بالعروة الوثقى، فمن قال بمقالتك و شهد بشهادتك حشر غدا يوم القيامة تحت لوائك و في زمرتك، و ناولنيه و مضى، و لم‏

51

أره بعد تلك المرة.

قال كاتبة: هكذا أورد الحافظ أبو نعيم هذا الحديث، و أن الوضع يلوح عليه [ (1)]!

____________

[ (1)] و أورده القسطلاني في (المواهب) تحت عنوان: «حديث شديد الضعف في حمله (صلى اللَّه عليه و سلم)»، و تحت عنوان: «أحاديث مطعون فيها و منكره في الموالد». (المواهب اللدنية): 1/ 121، 124- 126، و قال في آخره: و رواه أبو نعيم عن ابن عباس، و فيه نكارة.

52

و أما دنوّ النجوم منها عند ولادته و خروج النور منها

فخرج الحافظ أبو نعيم [ (1)] و أبو بكر البيهقي [ (2)] من حديث يعقوب بن محمد الزهري قال: حدثني عبد العزيز بن عمران، قال: حدثني عبد العزيز بن عمر ابن عبد الرحمن بن عوف قال: أخبرني عبد اللَّه بن عثمان بن أبي سليمان عن ابن أبي سويد الثقفي عن عثمان بن أبي العاص قال: أخبرتني أمي أنها حضرت آمنة أم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لما ضربها المخاض، [قالت‏] [ (3)]: فجعلت انظر إلى النجوم [تدلى‏] [ (3)] حتى قلت: لتقعن عليّ، فلما وضعت خرج منها نور أضاء له البيت و الدار، حتى جعلت لا أرى إلا [نورا] [ (3)].

قال كاتبه: سند هذا الحديث واه جدا، فيعقوب [ (4)] و إن كان حافظا فقد

____________

[ (1)] سند (أبي نعيم): حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عمر الخلّال المكيّ، قال: حدثنا محمد بن منصور قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، قال: حدثني عبد العزيز بن عمران، قال:

حدثني عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: أخبرني عبد اللَّه بن عثمان بن أبي سليمان، عن أبي سويد الثقفي، عن عثمان بن أبي العاص، قال: ...

[ (2)] و سند (البيهقي): أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الحافظ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو بشر مبشر بن الحسن، قال: حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، قال: حدثنا عبد اللَّه بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن أبي سويد الثقفي، عن عثمان بن أبي العاص، قال: ....

[ (3)] زيادات للسياق من (أبي نعيم)، و أما رواية (البيهقي):

حدثتني أمي: أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ليلة ولدته. قالت: فما شي‏ء انظر إليه في البيت إلا نور، و إني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول ليقعنّ عليّ.

و الحديث ذكره أبو نعيم في (دلائل النبوة): 1/ 135، حديث رقم (76)، و البيهقي في (دلائل النبوة): 1/ 111، رواه الهيثمي في (مجمع الزوائد): 8/ 220، و قال: رواه الطبراني، و فيه عبد العزيز بن عمران و هو متروك، و السيوطي في (الخصائص): 1/ 113.

[ (4)] يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني نزيل بغداد. قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه ليس بشي‏ء، ليس يسوى شيئا. و قال أحمد بن سنان القطان عن ابن معين: ما حدثكم عن الثقات فاكتبوه، و ما لا يعرف من الشيوخ فدعوه. و قال‏