إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج5

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
405 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

فصل جامع في معجزات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على سبيل التفصيل‏

[ (1)]

أولا: إبطال الكهانة

[ (1)]] فأما إبطال اللَّه تعالى الكهانة بمبعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، حتى انقطعت بعد ما كانت ظاهرة موجودة، قال ابن سيده: كهن له يكهن، و كهن كهانة، و تكهن تكهينا و تكهّنا: قضى له بالغيب، و رجل كاهن من قوم كهنة و كهان، و حرفته الكهانة.

و اعلم أن الكهانة من خواص النفس الإنسانية، و ذلك أن للنفس الإنسانية استعداد للانسلاخ عن البشرية إلى الروحانية التي فوقها، و أعلا هذا الانسلاخ صنف الأنبياء، فإنّهم فطروا على ذلك، فيحصل لهم من غير اكتساب و لا استعانة بشي‏ء من المدارك، و لا من التصورات، و لا من الأفعال البدنية، و لا بأمر من الأمور، إنما هو انسلاخ من البشرية إلى [الملائكية] [ (2)] بالفطرة الإلهية في لحظة أقرب من لمح البصر، فاقتضت القسمة العقلية حركتها الفكرية بالإرادة، عند ما يتبعها النزوع لذلك، و هي ناقصة عن إدراك الأنبياء بالجبلة، و عند ما يعوقها العجز عن ذلك، فإنّها تتشبث بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة تنظر فيها، كالأجسام الشفافة، و عظام الحيوان، و تتكلم بالسجع، أو ترى ما ينسلخ من طير أو حيوان، فلا تزال تستعين بذلك في الانسلاخ الّذي تقصده، فيكون كالمشيع له ..، و هذه القوة التي في هذا الصنف مبدأ لذلك الإرادي، هي الكهانة.

و لما كانت هذه النفوس مفطورة على النقص و القصور عن الكمال، كان إدراكها في الجزئيات أكثر من الكليات، و صارت متشبثة بها، غافلة عن الكليات، و لذلك تكون القوة المتخيلة فيهم في غاية القوة، لأنها آلة الجزئيات فتنفذ فيها نفوذا

____________

[ (1)] هذه العناوين ليست في (خ).

[ (2)] زيادة للسياق.

4

تاما، إما في النوم أو في اليقظة، و تكون عندها أبدا حاضرة تحضرها المتخيلة حضورا يكون لها كالمرآة ينظر فيها دائما، و لا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات، لأن ما يوحى إليه من الشياطين.

و أرفع أحوال الكهان من يستعين بالكلام المسجوع الموزون، ليشتغل به عن الحواس، و يقوى على ذلك الاتصال الناقص، فيهجس في قلبه عن تلك الحركة، و الّذي يشيعها من ذلك الأجنبي ما يقذفه على لسانه، فربما صدق و وافق الحق، و ربما كذب، لأنه يتمم نقصه بأمر أجنبي عن ذاته المدركة، و مباين لها غير ملائم، فيعرض له الصدق و الكذب جميعا، و يكون غير موثوق به جميعا، و ربما فزع إلى الظنون و التخمينات، حرصا منه على الظفر بالإدراك، و تمويها على السائلين له.

و أصحاب السجع أخف من سائر المعينات من المرئيات و المسموعات، فإن خفة المعين تدل على قرب ذلك الاتصال و الإدراك، كما أن البعد فيه عجز ما، و إذا تقرر ذلك فنقول: قال اللَّه جل جلاله: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً* وَ أَنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً* وَ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً* وَ أَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً* وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً* وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً* وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً* وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً* وَ أَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [ (1)].

[و معنى‏] هذه الآيات: قل يا محمد لأمتك: أوحى اللَّه إليّ على لسان جبريل، أنه استمع إليّ نفر من الجن- و النفر: الرهط كالحليل ما بين ثلاثة إلى عشرة- فقالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، أي في فصاحته، و قيل عجبا في بلاغة مواعظه، و قيل: عجبا في عظيم بركته، و قيل: قرآنا عزيزا لا يوجد مثله، يهدي‏

____________

[ (1)] الجن: 1- 10.

5

إلى الرشد، أي إلى مراشد الأمور، و قيل: إلى معرفة اللَّه، فآمنا به أي فاهتدينا به، و صدقنا أنه الّذي من عند اللَّه، و لن نشرك بربنا أحدا، أي لا نرجع إلى إبليس و لا نطيعه، لأنه الّذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر [لما] [ (1)] رمى الجن بالشهب.

و قيل: لا نتخذ مع اللَّه إلها آخر لأنه المنفرد بالربوبية، وَ أَنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا، أي عظمته و جلاله. قاله عكرمة و مجاهد و قتادة، و عن مجاهد أيضا ذكره.

و قال أنس بن مالك و الحسن و عكرمة أيضا عنهم. و قال أبو عبيد: أي ذي الغناء منك الغنى. و قال ابن عباس: قدرته. و قال الضحاك: فعله. و قال القرطبي و الضحاك أيضا: آلاؤه و نعمه على خلقه. و قال أبو عبيد و الأخفش: ملكه و سلطانه. و قال السّدي: أمره. و قال سعيد بن جبير: وَ أَنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا أي تعالى ربنا. و قيل غير ذلك.

و معنى الآية: و أنه تعالى جلال ربنا أن يتخذ صاحبة أو ولدا للاستئناس بهما أو الحاجة إليهما، فإن الرب يتعالى عن ذلك، كما يتعالى عن الأنداد و النظراء وَ أَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا أي إبليس. قاله مجاهد و ابن جريج و قتادة. و رواه أبو بردة ابن أبي موسى عن [أبيه‏] [ (1)]، عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قيل: سفيهنا: المشركون من الجن، و الشّطط و الاشتطاط: الغلو في الكفر. و قيل: الجور. و قيل: هو الكذب‏ وَ أَنَّا ظَنَنَّا أي حسبنا أن لن تقول الإنس و الجن على اللَّه كذبا، فلذلك صدقناهم أن للَّه صاحبة و ولدا، حتى سمعنا القرآن و تبينا به الحق، وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ‏ أي أن [الرجل‏] [ (1)] كان إذا نزل بواد قال:

أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، و كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء اللَّه بالإسلام تعوذوا باللَّه و تركوهم، فَزادُوهُمْ رَهَقاً أي إثما، وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً أي ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث اللَّه رسولا إلى خلقه، يقيم به الحجة عليهم، و كان هذا هو توكيد الحجة على قريش، أي إذا آمن هؤلاء الجن بمحمد فأنتم أحق بذلك، وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ أي طلبنا خبرها كما جرت عادتنا، فوجدناها قد ملئت حرسا

____________

[ (1)] زيادة للسياق.

6

شديدا أي حفظة، يعني الملائكة، و شهبا جمع شهاب، و هو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عند استراق السمع، و شديدا: من نعت الحرس، أي ملئت ملائكة شدادا، وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ أي من السماء، مقاعد أي مواضع يقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء، يعني أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة، فحرسها اللَّه حين بعث رسوله محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) بالشهب المحرقة، فقالت الجن حينئذ: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً، يعني بالشهاب: الكوكب المحرق.

و قيل لم يكن انقضاض الكواكب إلا بعد مبعث النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هو آية من آياته، و أنه كان من مبعثه أن رأت قريش النجوم يرمى بها في السماع عشرين يوما، و قد اختلف السلف: هل كانت الشياطين تقذف قبل المبعث؟ أو كان ذلك أمرا حدث لمبعث النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ و قيل: كان ذلك قبل المبعث، و إنما زادت بمبعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إنذارا بحاله، و هو معنى قوله تعالى: [مُلِئَتْ‏] [ (1)] أي زيد في حرسها، و هو قول الأكثرين، وَ أَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ‏ أي هذا الحرس الّذي حرست به لشر أريد بأهل الأرض أم أراد بهذا ربهم بهم رشدا؟

أي خيرا.

أخرج البخاري في التفسير من حديث سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة رضي اللَّه عنه قال: إن نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: إذا قضى اللَّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ما ذا قال ربكم؟ قال للذي قال: الحق و هو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، و مسترق السمع هكذا بعضه [ (2)] فوق بعض، و وصف سفيان بكفه فحرفها و بدّد بين أصابعه، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، و ربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أ ليس قد قال يوم كذا و كذا و كذا و كذا؟ فيصدق بتلك الكلمة

____________

[ (1)] زيادة للسياق و البيان.

[ (2)] في (خ): «بعضهم».

7

التي سمع [ (1)] من السماء [ (2)].

و قال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ* وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ* لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى‏ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ* دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ* إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ‏ [ (3)] و قال: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ‏ [ (4)]، و قال: وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ* وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ* إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ‏ [ (5)].

و خرج عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن يحيى بن عروة بن الزبير عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: قلت:

يا رسول اللَّه! إن الكهان قد كانوا يحدثوننا بالشي‏ء فنجده [ (6)] حقا، قال: تلك الكلمة الحق [ (7)] يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه و يزيد [ (8)] فيها أكثر من مائة كذبة.

خرجه مسلم [ (9)] عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق، و خرجه البخاري [ (10)] من وجه آخر عن معمر.

وقال الأوزاعي: حدثني ابن شهاب عن علي بن حسين، عن عباس رضي اللَّه عنه قال: حدثني رجال من الأنصار

أنهم بيناهم جلوس مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذ رمي بنجم فاستنار، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ما كنتم تقولون في الجاهلية إذ

____________

[ (1)] (خ): «سمعت».

[ (2)] (فتح الباري): 8/ 689- 690، كتاب التفسير، باب (1) حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، حديث رقم (4800).

[ (3)] الصافات: 6- 10.

[ (4)] الملك: 5.

[ (5)] الحجر: 16- 18.

[ (6)] (خ): «فيكون» و هي رواية البخاري.

[ (7)] (خ): «من الحق» و هي رواية البخاري.

[ (8)] في (خ): «فيزيد» و هي رواية البخاري.

[ (9)] (مسلم بشرح النووي): 14/ 475، كتاب السلام، باب (35) تحريم الكهانة و إتيان الكهان، حديث رقم (2228).

[ (10)] (فتح الباري): 10/ 266، كتاب الطب، باب (46) الكهانة، حديث رقم (5762).

8

رمي بمثل هذا؟ قالوا: اللَّه و رسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، و مات الليلة رجل عظيم، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): فإنّها [ (1)] لا يرمي بها لموت أحد و لا لحياته، و لكن ربنا عز و جل [ (2)] إذا قضى أمرا سبحت [ (3)] حملة العرش، ثم سبحت [ (3)] أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا، ثم يقول الذين يلون حملة العرش [لحملة العرش:] [ (4)] ما ذا قال ربكم، [فيخبرونهم ما ذا قال‏] [ (4)] فيستخبر أهل السموات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا، فيخطف الجن السمع فيلقونه إلى أوليائهم و يرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو الحق، و لكنهم يقرفون فيه و يزيدون.

و في رواية يونس بن يزيد عن الزهري: و لكنهم يرقون فيه و يزيدون. أخرجه مسلم من حديث الوليد بن مسلم عن الأوزاعي [ (5)].

و رواه محمد بن إسحاق عن الزهري عن علي بن الحسين عن علي، عن عبد اللَّه بن عباس عن نفر من الأنصار

، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لهم: ما كنتم تقولون في هذا النجم الّذي يرمي به؟ قالوا: يا رسول اللَّه كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك ملّك ملك، ولد مولود مات مولود، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليس ذلك لذلك، و لكن اللَّه تبارك و تعالى، كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعه حملة العرش فسبحوا، فسبح من تحتهم لتسبيحهم، فسبح من تحت ذلك، و لا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحوا.

ثم يقول بعضهم لبعض: مم سبحتهم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم، فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا؟ فيقولون مثل ذلك حتى‏

____________

[ (1)] في (خ): «فإنّه».

[ (2)] كذا في (خ)، و في (مسلم): «و لكن ربنا تبارك و تعالى اسمه».

[ (3)] كذا في (خ)، و في (مسلم): «سبّح».

[ (4)] زيادة للسياق و البيان.

[ (5)] (مسلم بشرح النووي): 14/ 476- 477، كتاب السلام، باب (35) تحريم الكهانة و إتيان الكهان، حديث رقم (2229) و أخرجه الترمذي في صحيحه، في تفسير سورة سبإ، و الإمام أحمد في (المسند): 1/ 360، حديث رقم (1886).

9

ينتهوا إلى حملة العرش، فيقولون لهم: مم سبحتم؟ فيقولون: قضى اللَّه في خلقه كذا و كذا- للأمر الّذي كان- فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثوا به فيسترقه الشياطين بالسمع على توهم و اختلاف، ثم يأتوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثوهم فيخطئوا و يصيبوا، فيتحدث به الكهان فيصيبوا بعضا و يخطئوا بعضا، ثم إن اللَّه حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم و لا كهانة [ (1)].

قال ابن إسحاق: و حدثني عمرو بن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن ابن لبينة، عن علي بن الحسين، بمثل حديث شهاب عنه، و قد روى هذا الحديث [عبد] الرزاق عن معمر عن الزهري و قال في آخره: قال: فقلت للزهري:

أو كان يرمى به في الجاهلية؟ فقال: نعم، قلت: يقول اللَّه تعالى: وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً، قال: غلّظت و اشتد أمرها حين بعث النبي (صلى اللَّه عليه و سلم).

قال البيهقي: و هذا يوافق ظاهر الكتاب لأنه قال خبرا عن الجن: وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً، فأخبرت الجن أنه زيد في حراس السماء و شهبها، حتى امتلأت منها، و في ذلك دليل على أنه كان قبل ذلك فيها حراس و شهب معدة معهم، و الشهاب في (لسان العرب) [ (2)] النار المتوقدة.

ثم ذكر الحديث البخاري و مسلم و الترمذي، من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على الجن و لا رآهم [ (3)]، انطلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق‏

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 2/ 235- 236، باب بيان الوجه الّذي كان يخرج قول الكهان عليه حقا، ثم بيان أن ذلك انقطع بظهور نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) أو انقطع أكثره.

[ (2)] (لسان العرب): 1/ 510.

[ (3)] قال النووي: لكن ابن مسعود أثبت أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قرأ على الجن: فكأن ذلك كان مقدما على نفي ابن عباس، و قد أشار إلى ذلك مسلم، فأخرج في (الصحيح) في كتاب الصلاة، حديث رقم (450) عقب حديث ابن عباس‏

هذا حديث ابن مسعود عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: أتاني داعي الجن فانطلقت معه فقرأت عليه القرآن.

قال الحافظ: و يمكن الجمع بالتعدد. قال العلماء هما قضيتان، و حديث ابن عباس في أول الأمر، و أول النبوة، ثم أتوا و سمعوا قُلْ أُوحِيَ‏.

10

عكاظ، و قد حيل بين الشياطين و بين خبر السماء، و أرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا و بين خبر السماء، و أرسلت علينا الشهب، فقال: ما حال بيننا و بين خبر السماء إلا من [شي‏ء] [ (1)] حدث، فاضربوا مشارق الأرض، و مغاربها، فانظروا ما هذا الّذي حال بينكم و بين خبر السماء، قال: فانطلقوا يضربون مشارق الأرض و مغاربها يبتغون ما هذا الّذي حال بينهم و بين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو بنخلة، عامدا إلى سوق عكاظ و هو يصلي بأصحابه صلاة الصبح، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا و اللَّه الّذي حال بينكم و بين خبر السماء، قال: فهنا لك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً، فأنزل اللَّه على نبيه:

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ‏ [ (2)]، [و إنما أوحي إليه قول الجن‏] [ (3)]. هذه سياقة الترمذي، و قال: حسن صحيح. قال البيهقي: فقد ذكرنا أن ذلك في أول ما علموا به.

و أما قولهم حيل بيننا و بين خبر السماء، فإنما أرادوا بما زيد في الحرّاس و الشهب، و استدل لذلك بحديث يونس بن بكير، عن يونس بن عمرو عن أبيه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنّ الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الكلمة من الوحي فيهبطون بها إلى الأرض، فيزيدون معها تسعا، فيجد أهل الأرض تلك الكلمة حقا و التسع باطلا، فلم يزالوا بذلك حتى بعث اللَّه‏

____________

[ (1)] زيادة للسياق من (جامع الأصول).

[ (2)] الجن: 1- 2.

[ (3)] قال الحافظ: هذه الزيادة من كلام ابن عباس، كأنه يقرر فيه ما ذهب إليه أولا: أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يجتمع بهم، و إنما أوحى اللَّه إليه بأنهم استمعوا، و مثله قوله تعالى: وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا [الأحقاف: 49]، و لكن لا يلزم من عدم ذكر اجتماعه بهم حين استمعوا، أن لا يكون اجتمع بهم بعد ذلك.

و هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة الجن، و في صفة الصلاة، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر، و مسلم في الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح و الترمذي في التفسير، باب: و من سورة الجن، و البيهقي في (دلائل النبوة): 2/ 225- 226، 239، و الإمام أحمد في (المسند): 1/ 417، حديث رقم (2271)، من مسند عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه تعالى عنه.

11

محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)، فمنعوا تلك المقاعد، فذكروا ذلك لإبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث، فبعثهم فوجدوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يتلو القرآن بين جبلي نخل، قالوا:

هذا و اللَّه الحدث، و إنهم ليرمون، فإذا توارى النجم عنكم فقد أدركه لا يخطئ أبدا و لكنه لا يقتله، يحرق وجهه، جنبه، يده [ (1)].

و خرجه الترمذي من حديث إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره بمعناه ثم قال: هذا حديث حسن صحيح [ (2)].

و استدل البيهقي أيضا بحديث آدم بن أبي إياس قال: حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ‏ [ (3)]، قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، و كان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة عل الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ما ذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، و هو العلي الكبير، ثم يقول: يكون العام كذا، و يكون [كذا] [ (4)]، فتسمعه الجن فيخبرون الكهنة به، و الكهنة [يقولون للناس‏] [ (5)]:

يكون كذا [و] [ (4)] كذا فيجدونه كذلك، فلما بعث اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) دحروا، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، و صاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، و صاحب الغنم شاة، حتى أسرعوا في أمواله، فقالت ثقيف- و كانت أعقل العرب-: أيها الناس، أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، و إن هذا ليس بانتثار أ لستم ترون معالمكم من النجوم كما هي؟ و الشمس و القمر و الليل و النهار، قال:

فقال إبليس: لقد حدث اليوم في الأرض حدث، فأتوني من تربة كل أرض،

____________

[ (1)] (دلائل النبوة للبيهقي): 2/ 239- 240، و قال في هامشه: أخرجه أحمد في (المسند)، و نقله ابن كثير في (البداية و النهاية).

[ (2)] (سنن الترمذي): 5/ 398، كتاب تفسير القرآن، حديث رقم (3324)، و أخرجه أيضا النسائي في (الكبرى)، في التفسير.

[ (3)] سبأ: 33.

[ (4)] زيادة للسياق من (البيهقي).

[ (5)] زيادة للبيان.

12

فأتوه بها، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة قال: من هاهنا جاء الحدث، فنصتوا فإذا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قد بعث [ (1)].

و قال محمد بن إسحاق: و أما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع، إذ كانت و هي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، و كان الكاهن و الكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لا تلقي العرب لذلك فيه بالا حتى بعثه اللَّه، و وقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها، فلما تقارب أمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و حضر مبعثه حجبت الشياطين عن السمع، و حيل بينها و بين المقاعد التي كانت تقعد لاستراق السمع فيها، فرموا بالنجوم، فعرفت الجن أن ذلك لأمر حدث من أمر اللَّه في العباد، يقول اللَّه تعالى لنبيه- حين بعثه و هو يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن السمع فعرفوا ما عرفوا و ما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا- قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ... فذكر الآيات، فلما سمعت الجن القرآن عرفت أنها منعت من السمع قبل ذلك، لئلا يشكل الوحي بشي‏ء من خبر السماء فيلبس على أهل الأرض ما جاءهم من اللَّه فيه لوقوع الحجة و قطع التهمة، فآمنوا و صدقوا، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، قالوا: يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ‏ [ (2)] الآية.

قال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدّث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمي بها هذا الحي من ثقيف، و أنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية- أحد بني علاج- قال: و كان أدهى العرب و أمكرها رأيا، فقالوا له: يا عمرو! أ لم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم؟ قال: بلى، فانظروا، فإن كانت معالم النجوم التي [يهتدى‏] [ (3)] بها في البر و البحر، و تعرف بها الأنواء من الصيف و الشتاء لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يرمى بها، فهو و اللَّه طيّ الدنيا و هلاكها، و هلاك هذا الخلق الّذي فيها،

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 2/ 240- 241.

[ (2)] الأحقاف: 30.

[ (3)] زيادة للسياق.

13

و إن كانت نجوما غيرها و هي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراد اللَّه به الخلق [ (1)].

و خرج البيهقي من طريق سعيد بن منصور قال: حدثنا خالد عن حصين عن عامر الشعبي قال: كانت النجوم لا ترمى حتى بعث اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم)، فرمي بها فسيبوا أنعامهم، و أعتقوا رقيقهم، فقال عبد يا ليل: انظروا، فإن كانت النجوم التي تعرف فهي عند فناء الناس، و إن كانت لا تعرف فهو من أمر حدث، فنظروا فإذا هي لا تعرف، قال: فأمسكوا و لم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم خروج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) [ (2)].

و خرّج من حديث عطية بن سعد العوفيّ، عن ابن عباس قال: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى و محمد، و كانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث اللَّه محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) حرست السماء حرسا شديدا، و رجمت الشياطين فأنكروا ذلك و قالوا: لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [ (3)].

فقال إبليس لقد حدث في الأرض حدث [ (4)]، و اجتمعت إليه الجن فقال:

تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الخبر الّذي حدث في السماء؟.

و كان أول بعث بعث ركب أهل نصيبين، و هم أشراف الجن و سادتهم، فبعثهم إلى تهامة، و اندفعوا حتى بلغوا الوادي- وادي نخلة- فوجدوا نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة، فاستمعوا، فلما سمعوه يتلو القرآن قالوا: أنصتوا- و لم يكن نبي اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) علم أنهم استمعوا إليه و هو يقرأ القرآن- فلما قضى، يقول:

ما فرغ من الصلاة ولّوا إلى قومهم منذرين، يقول: مؤمنين [ (4)].

و قال عكرمة (رحمه اللَّه): و السورة التي كان يقرأها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ...، قال البيهقي: فهذا يوافق الحديث الثابت عن أبي اليسر عن‏

____________

[ (1)] (المرجع السابق).

[ (2)] (دلائل البيهقي): 2/ 241.

[ (3)] الجن: 10.

[ (4)] (دلائل البيهقي): 2/ 241- 242.

14

سعيد بن جبير، عن ابن عباس، إلا أن فيه زيادة ينفرد بها عطية العوفيّ، و هي قوله: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى و محمد.

و روى ذلك عن غير ابن عباس، و يحتمل أن يكون المراد بذلك أنها لم تكن تحرس الحراسة الشديدة حتى بعث نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم)، فملئت حرسا شديدا و شهبا [ (1)].

و قال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه، و كانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بعث (صلى اللَّه عليه و سلم) منعت من ذلك أصلا، و على هذا وجدنا الشعر القديم قاله بشر بن أبي حازم- و هو جاهلي-:

و العير يرهقها الغبار و حجبها* * * ينقضّ خلفهما كانقضاض الكوكب‏

و قال أويس بن حجر- و هو جاهلي-:

فانقض كالدرى يتبعه‏* * * نقع بنور يخالطه طيبا

و قال عوف بن الجزع- و هو جاهلي-:

يرد علينا العير من دون الغدا* * * و النور كالدري يتبعه الدم‏

و في أيدي الناس كتب من كتب الأعاجم و سيرهم تنبئ عن انقضاض النجوم في كل عصر و كل زمان.

و قال السهيليّ: و إن وجد اليوم كاهن و لا يدفع ذلك بما أخبره اللَّه تعالى من طرد الشياطين عن استراق السمع، فإن التغليظ و التشديد كان في زمن النبوة، ثم بقيت منه- أعني استراق السمع- بقايا يسيرة، بدليل وجودهم على الندور في بعض الأزمنة و في بعض البلاد.

و قد سئل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن الكهان فقال:

ليسوا بشي‏ء، فقيل: إنهم يتكلمون بالكلمة فيكون كما قالوا: فقال: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة- بالدال- و الزجاجة بالزاي أولى لما ثبت في الصحيح: فيقرها في أذن وليه‏

____________

[ (1)] المرجع السابق: 242.

15

كما تقر القارورة،

و معنى يقرها، يصيبها و يفرغها. قال الراجز:

لا تقرعن في أذني بعدها* * * ما يستقر فأريك فقدها

و في تفسير ابن سلام عن ابن عباس قال: إذا رأى الشهاب الجنّيّ لم يخطئه و يحرق ما أصاب و لا يقتله. و عن الحسن: يقتله في أسرع من طرفة العين.

قال: و الّذي انقطع اليوم و إلى يوم القيامة: أن تدرك الشياطين ما كانت تدركه في الجاهلية الجهلاء، و عند تمكنها من سماع أخبار السماء، و ما يوجد اليوم من كلام الجن على ألسنة المجانين، إنما هو خبر منهم عما يرونه في الأرض مما لا نراه نحن، كسرقة سارق أو خبيئة في مكان خفي أو نحو ذلك، و إن أخبر أنما سيكون، كان [تخرصا] [ (1)] و تظنينا، فيصيبون قليلا و يخطئون كثيرا.

و ذلك القليل الّذي يصيبون فيه هو مما تتكلم به الملائكة في العنان، كما في حديث البخاري، فيطردون بالنجوم، فيضيفون إلى الكلمة الواحدة أكثر من مائة كذبة،- كما قال (صلى اللَّه عليه و سلم) في الحديث-.

فإن قيل: قد كان صاف بن صياد، و كان يتكهن و يدعي النبوة، و خبأ له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) خبيئا فعلمه، و هو الدخان، فقال: الدّخ، فأين انقطاع الكهانة في ذلك الزمان؟ قلنا: عن هذا جوابان.

أحدهما: ذكره الخطابي في أعلام الحديث، قال: الدخ نبات يكون بين النخل، و خبّأ له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ‏ [ (2)]، فعلى هذا لم يصب ما خبّأ له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم).

الثاني: أن شيطانه كان يأتيه بخبر السماء لمكان القذف و الرجم، فإن كان أراد بالدخ الدخان، فليس هذا من أخبار السماء، إذ يمكن أن يكون قرب من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حين ذكر الآية سرا، فسمع منها ذكر الدخان بقوة جعلت في أسماعهم‏

____________

[ (1)] زيادة للسياق.

[ (2)] الدخان: 10.

16

ليست لنا، فألقى الكلمة على لسان صاف وحدها، إذ لم يمكن للجني سماع سائر الآية، و لذلك قال له (صلى اللَّه عليه و سلم): اخسأ فلن تعدو قدرك، أي لن تعدو منزلتك من العجز عن علم الغيب، و إنما الّذي يمكن في حقه هذا القدر دون مزيد عليه. على هذا فسره الخطابي.

17

ثانيا: انشقاق القمر]

و أما انشقاق القمر، فإنه أول آيات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هو غيظ لأهل الإلحاد، قال اللَّه تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ* وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [ (1)].

خرج عبد الرزاق من حديث ابن عيينة و محمد بن أبي نجيح عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه قال: رأيت القمر منشقا شقتين مرتين بمكة قبل مخرج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، شقة على أبي قيس و شقة على السويداء، فقالوا سحر القمر، فنزلت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ، يقول: كما رأيتم القمر منشقا فإن الّذي أخبركم عن اقتراب الساعة حق.

و قال وهب بن جرير عن شعبة عن الأعمش، عن مجاهد عن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما

في قوله عزّ و جل:

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ

، قال:

قد كان ذلك على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، انشق فلقتين: فلقة من دون الجبل، و فلقة من خلف الجبل، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ اشهد.

و قال هشيم: أخبرنا حصين عن جبير بن محمود بن جبير بن مطعم، عن أبيه عن جده في قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ، قال: انشق القمر و نحن بمكة على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و حديث انشقاق القمر رواه جماعة من الصحابة [منهم‏]: عبد اللَّه بن مسعود، و عبد اللَّه بن عمر، و حذيفة رضي اللَّه عنهم، و على هذا جميع أئمة التفسير إلا ما روى عثمان بن عطية عن أبيه أنه قال: معناه:

سينشق القمر، و هو قول الحسن، و أهل العلم بالحديث و التفسير جميعهم على‏

____________

[ (1)] القمر: 1- 2.

18

خلافه.

و حكى النقاش عن بعضهم أنه قال: انشقاقه: كسوفه على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هذا خلاف لما في التنزيل، و لما جاءت به الأحاديث الصحيحة، و لو كان كسوفا لما قالت قريش: هذا سحر.

و الأحاديث الصحيحة الثابتة بنقل الثقات ناطقة بأن هذه الآية قد مضت، و يؤيد ذلك قوله تعالى. وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ، فأتى بلفظ ماض، و حمل الماضي على المستقبل يحتاج إلى قرينة و دليل، فإنه لا يعدل عن ظاهر النص إلا بدليل.

و في قوله تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [ (1)] دليل على أن انشقاق القمر وقع في هذه الدار، لأن انشقاقه في الآخرة لا يكون آية و معجزة للعباد، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، و لو كان قوله: انْشَقَ‏، بمعنى سينشق، لكان معنى اقتربت: ستقترب، و إنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر، لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و نبوته و زمانه من علامات اقتراب الساعة، و لا مدفع بعد ظاهر القرآن و ثبوت الأحاديث بكونه و حصوله.

فإن قيل: لو انشق القمر لتواتر الخبر به، قلنا: هذه آية لتسليه، و لم تكن في مجلس غاص بأهله، بل جرى مع طائفة في جنح ليل و معظم الناس نيام، و الّذي شاهده من مشركي قريش عدد يمكن تواطؤهم مع كتمانه، أو أنهم اعتقدوا أنه تخييل، و معظم الخلق في ذلك الوقت كانوا نياما، و القمر قد يعارضه غيم في بعض البلدان و لا يرى و هو في تلك الحالة، يرى في موضع آخر، كما يكون السحاب المطبق و المطر الوابل في بلد في يوم واحد، و في ساعة واحدة، و لا يكون في بلد آخر.

قيل: هذا مما لا يلزم فيه نقل التواتر، و لا تقضي العادة و العرف فيه بوجوب التواتر، فهو كغيره من المعجزات ما عدا القرآن، ثم رب شي‏ء ينتقل تواتره مدة ثم يندرس، و مع ذلك فقد روى هذه الآية من الصحابة الأعلام جماعة تقدم ذكرهم، و رواه عن كل واحد منهم عدد كثير.

____________

[ (1)] القمر: 3.

19

و قد جاء القرآن الكريم بأن عيسى (عليه السلام) تكلم في المهد، و النصارى تنكر ذلك، فإذا قيل لنا: لو كان هذا حقا لتواتر الخبر به، قلنا: عدم التواتر في انشقاق القمر مثل ذلك، و معنى اقتربت: دنت، و الساعة: القيامة. قال الفراء:

فيه تقديم و تأخير تقديره: انشق القمر و اقتربت الساعة. و قرأ بعضهم: اقتربت الساعة و قد انشق القمر، و هذا يؤيد قول الجمهور.

خرج البخاري في التفسير من حديث سعيد و سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال:

انشق القمر على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فرقتين، فرقة فوق الجبل و فرقة دونه، فقال رسول اللَّه: اشهدوا [ (1)].

و خرج مسلم من حديث شعبة عن الأعمش بهذا السند و لفظه:

انشق القمر على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلقتين فستر الجبل فلقة، [و كانت‏] [ (2)] [فلقة] [ (3)] فوق الجبل، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ اشهد [ (4)].

و خرجه من طرق، و في بعضها فقال: [اشهد] [ (3)] و اشهدوا، و في بعضها

عن عبد اللَّه بن مسعود قال:

بينما نحن مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل و فلقة دونه، فقال لنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اشهدوا [ (5)].

و خرجه البخاري و لفظه: عن عبد اللَّه قال‏

انشق القمر و نحن مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمنى، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) اشهدوا.

و خرج البخاري و مسلم من حديث سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد اللَّه قال:

انشق القمر على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بشقتين، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اشهدوا. ذكره‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 8/ 794، كتاب التفسير باب (1) وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ* وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا، حديث رقم (4864).

[ (2)] في (خ): «و صارت».

[ (3)] زيادة للسياق من (صحيح مسلم).

[ (4)] (مسلم بشرح النووي): 17/ 150، كتاب صفة المنافقين و أحكامهم، باب (8) انشقاق القمر، حديث رقم (45).

[ (5)] المرجع السابق، حديث رقم (44).

20

البخاري في المناقب [ (1)]، و ذكره في التفسير أيضا، و لفظه: عن عبد اللَّه، انشق القمر و نحن مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فصار فرقتين فقال لنا اشهدوا [ (2)].

و خرج الحاكم هذا الحديث من طريق عبد الرزاق قال: حدثنا ابن عيينة، و محمد ابن مسلم، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: رأيت القمر منشقا بشقين مرتين في مكة قبل مخرج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، شقة على أبي قبيس، و شقة على السويداء فقالوا: سحر القمر فنزلت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ، يقول: كما رأيتم القمر منشقا فإن الّذي أخبرتكم عن اقتراب الساعة حق. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه بهذه السياقة، إنما اتفقا على حديث أبي معمر عن عبد اللَّه مختصرا [ (3)].

و خرج أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق، عن عبد اللَّه قال:

انشق القمر على عهد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، قال:

انتظروا ما يأتيكم به السّفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال:

فجاء السّفار فقالوا كذلك.

و رواه هشيم عن مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد اللَّه قال: انشق القمر و نحن بمكة فقالت كفار قريش: سحر سحركم ابن أبي كبشة، فانظروا إلى السّفار يأتوكم، فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق، قال: فما قدم عليهم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبروهم أنهم رأوا مثل ما رأوا.

و رواه عمرو بن أبي قبيس عن مغيرة مثله، و خرجه الحسن بن علي بن الوليد.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 6/ 5783، كتاب المناقب، باب (27) سؤال المشركين أن يريهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) آية فأراهم انشقاق القمر، حديث رقم (3636)، (3637)، (3638).

[ (2)] المرجع السابق: 8/ 794، كتاب التفسير، حديث رقم (4865).

[ (3)] (المستدرك): 2/ 512، كتاب التفسير، باب (54) تفسير سورة القمر، حديث رقم (3756/ 893)، و زاد في آخره: و هذا حديث لا نستغني فيه عن متابعة الصحابة بعض لبعض، لمغايظة أهل الإلحاد، فإنه أول آيات الشريعة، فنظرت فإذا في الباب مما لم يخرجاه: عن عبد اللَّه ابن عباس، و عبد اللَّه بن عمرو، و جبير بن مطعم، رضي اللَّه تعالى عنهم، و لم يخرجاه منها إلا من حديث أنس.

21

الفسوي فقال: حدثنا سعيد بن سليم، [حدثنا] هشيم عن مغيرة، عن الشعبي عن مسروق، عن عبد اللَّه قال: انشق القمر فرقتين و نحن بمكة، فقال كفار قريش:

هذا سحر سحركم ابن أبي كبشة، انظروا إلى السفّار، فإن كانوا قد رأوا ما رأيتم و إلا فإنه سحر سحركم، قال: فسئل السفار- و قدموا من غير وجه- فقالوا:

قد رأينا ما رأيتم.

و قال محمد بن إسحاق الثقفي: حدثنا قتيبة، أخبرنا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: خمس قد مضين: الدخان، و اللزام [ (1)]، و الروم، و البطشة الكبرى، و انشقاق القمر.

و عن مسلم بن صبيح قال: سمعت مسروقا يقول: سمعت عبد اللَّه يقول:

خمس قد مضين: القمر، و البطشة، و الروم، و الدخان و اللزام [ (2)].

و قال أسباط بن نصر عن سماك، عن إبراهيم عن الأسود، عن عبد اللَّه قال:

رأيت الجبل من فرج القمر حين انشق القمر.

و قال محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب، عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عبد اللَّه قال: انشق القمر فأبصرت الجبل بين فرجتي القمر [ (3)].

و خرجه الحاكم بهذا السند، و لفظه: عبد اللَّه في قوله عزّ و جلّ: وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ، قال: رأيت القمر و قد انشق، فأبصرت الجبل من بين فرجتي القمر [ (3)]، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه [بهذه السياقة و] [ (4)] بهذا اللفظ.

____________

[ (1)] اللزام: العذاب اللازم. (لسان العرب): 12/ 541، قال تعالى: وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى‏ و قال تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً [طه: 129، الفرقان: 77].

[ (2)] (الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف) 3/ 148، حديث رقم (384)، (الكشاف للزمخشري): 3/ 430، عند تفسير سورة الدخان. و سياق بداية الفقرة مضطرب و قد صوبناه.

[ (3)] (المستدرك): 2/ 512، تفسير سورة القمر، حديث رقم (3756/ 893).

[ (4)] زيادة للسياق من المرجع السابق.

22

و قال المنصور بن المعتمر، عن يزيد بن وهب، عن عبد اللَّه بن مسعود قال:

رأيت القمر و اللَّه منشقا فلقتين بينهما حراء.

و قال الليث بن سعد: حدثنا هشام بن سعيد، عن عتبة بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن مسعود قال: انشق القمر و نحن بمكة، فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الّذي [بمنى‏] و نحن بمكة [ (1)].

و خرج البخاري في التفسير من حديث يونس بن محمد قال: حدثنا شيبان عن قتادة، عن أنس رضي اللَّه عنه: سأل أهل مكة أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر [ (2)].

و خرجه مسلم بهذا السند، و لفظه: عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر [ (3)].

و خرجه في البعث، و خرجه في التفسير من حديث شعبة عن قتادة، عن أنس ابن مالك قال: انشق القمر فرقتين [ (4)].

و خرجه مسلم عن شعبة بمثله، و في حديث أبي داود: انشق القمر على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [ (5)].

و خرج البخاري في المناقب [ (6)] و في التفسير [ (7)]، من حديث بكر بن مضر

____________

[ (1)] قال الحاكم في (المستدرك): 2/ 513: هذه الشواهد لحديث عبد اللَّه بن مسعود كلها صحيحة على شرط الشيخين و لم يخرجاه.

[ (2)] (فتح الباري): 8/ 794، حديث رقم (4867) في تفسير سورة القمر.

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): 17/ 151، كتاب صفات المنافقين و أحكامهم، باب (8) انشقاق القمر، حديث رقم (2802).

[ (4)] (فتح الباري): 8/ 794، حديث رقم (4868).

[ (5)] (مسلم بشرح النووي): 17/ 151، كتاب صفات المنافقين و أحكامهم، باب (8) انشقاق القمر، حديث رقم (47) من أحاديث الباب.

[ (6)] (فتح الباري): 6/ 783، كتاب المناقب، باب (27) سؤال المشركين أن يريهم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) آية، فأراهم انشقاق القمر، حديث رقم (3638).

[ (7)] (فتح الباري): 8/ 794، كتاب التفسير، حديث رقم (4866) تفسير سورة القمر.

23

قال: حدثنا جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عن عبيد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال: إن القمر انشق في زمان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و خرجه مسلم بهذا السند و قال: على زمان رسول اللَّه [ (1)].

و لأبي نعيم من حديث موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس، و عن مقاتل عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، منهم الوليد بن المغيرة، و أبو جهل بن هشام، و العاصي بن وائل، و العاصي بن هشام، و الأسود بن عبد يغوث، و الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، و زمعة بن الأسود، و النضر بن الحارث، و نظراؤهم كثير،

فقالوا للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم): إن كنت صادقا فشقّ القمر فرقتين: نصفا على أبي قبيس [ (2)]، و نصفا على قعيقعان [ (3)]، فقال لهم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): إن فعلت تؤمنوا؟ قالوا: نعم، و كانت ليلة بدر، فسأل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اللَّه عز و جل أن يعطيه ما سألوا، فأمسى القمر قد مثل نصفا على أبي قبيس، و نصفا على قعيقعان، و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ينادي: يا أبا سلمة بن عبد الأسد، و الأرقم بن أبي الأرقم، اشهدوا [ (4)]!!.

و له من حديث إسماعيل بن أبي زياد، عن ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس قال: انتهى أهل مكة إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول اللَّه؟ فهبط جبريل (عليه السلام) فقال: يا محمد! قل لأهل مكة أن يحتفلوا هذه الليلة، فسيروا آية إن انتفعوا بها، فأخبرهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمقالة جبريل (عليه السلام)، فخرجوا ليلة أربعة عشر، فانشق القمر نصفين، نصفا على الصفا و نصفا على المروة، فنظروا ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثم أعادوا النظر، ثم مسحوا

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 17/ 151، كتاب صفات المنافقين و أحكامهم، باب (8) انشقاق القمر، حديث رقم (2803).

[ (2)] أبو قبيس: جبل بمكة.

[ (3)] قعيقعان: جبل بالأهواز.

[ (4)] (دلائل أبي نعيم): 1/ 279- 280، فصل فأما انشقاق القمر فكان بمكة لما افتتح المشركون أن يريهم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، حديث رقم (209). و لم أجده عند غير أبي نعيم، و قال الحافظ في الفتح:

إسناده ضعيف.

24

أعينهم، ثم نظروا، فقالوا: يا محمد! ما هذا إلا سحر ذاهب، فأنزل اللَّه تعالى:

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ.

و له من حديث الزبير بن عدي، عن الضحاك عن ابن عباس قال: جاءت أحبار اليهود إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالوا: أرنا آية حتى نؤمن، فسأل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ربه عز و جل أن يريهم آية، فأراهم القمر قد انشق فصار قمرين، أحدهما على الصفا و الآخر على المروة، قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليهما، ثم غاب القمر فقالوا:

هذا سحر مستمر [ (1)].

و عن داود بن أبي هند عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ قال: قد مضى كان قبل الهجرة انشق حتى رآه الناس شقين [ (2)].

و خرج الترمذي من حديث شعبة عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال:

انفلق القمر على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

اشهدوا.

و قال: هذا حديث حسن صحيح. و ذكره في كتاب الفتن، و ذكره أيضا في التفسير بهذا اللفظ و هذا الإسناد و قال: هذا حديث حسن صحيح [ (3)].

و ذكر بعده من حديث سليمان بن كثير عن حصين، عن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه قال: انشق القمر على عهد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى صار فرقتين على هذا الجبل و على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقال بعضهم: لئن كان سحرنا ما كان يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال أبو عيسى: و قد روى بعضهم‏

____________

[ (1)] (دلائل أبي نعيم): 1/ 280، حديث رقم (210)، و لم أجده عند غير أبي نعيم، و فيه بشر ابن الحسين، و هو متروك.

[ (2)] في المرجع السابق عن عبد اللَّه بن مسعود: انشق القمر فرأيته فرقتين حديث رقم (207)، قال الحافظ في الفتح: أخرجه الطبراني.

[ (3)] (سنن الترمذي): 4/ 414، كتاب الفتن، باب (20) ما جاء في انشقاق القمر، حديث رقم (2182)، و في آخره: قال أبو عيسى: و في الباب عن ابن مسعود، و أنس، و جبير بن مطعم، و هذا حديث حسن صحيح.

25

هذا الحديث عن جبير بن مطعم نحوه [ (1)].

و خرج أبو نعيم من حديث سفيان الثوري و سفيان بن عيينة، و عبد الحميد ابن الحسن الهلالي، و خالد بن عبد اللَّه، و همام بن يحيى، و عبد الرحمن بن محمد المحاربي قالوا- كلهم عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال-:

خطبنا حذيفة بن اليمان رضي اللَّه عنه بالمدائن، فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال:

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ، ألا و إن الساعة قد اقتربت، ألا و إن القمر قد انشق، ألا و إن الدنيا قد أدنت بفراق، ألا و إن اليوم المضمار و غدا السباق، فلما كانت الجمعة الثانية، انطلقت مع أبي إلى الجمعة، فحمد اللَّه و قال مثله و زاد:

إلا و إن السابق من سبق إلى الجنة. و رواه حماد بن زيد عن عطاء مثله.

و له من حديث وهب عن جرير قال: حدثنا شعبة، أخبرنا الأعمش عن مجاهد، عن عبد اللَّه بن عمرو

في قوله:

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ

، قال:

كان ذلك على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلقتين، فلقة دون الجبل، و فلقة وراء الجبل، و قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اشهدوا [ (2)].

____________

[ (1)] (سنن الترمذي): 5/ 370، كتاب التفسير، باب (54) و من سورة القمر، حديث ابن مسعود رقم (3285)، (3287)، حديث أنس رقم (3286)، و حديث ابن عمر رقم (3288)، و حديث جبير بن مطعم رقم (3289)، و قال أبو عيسى في آخره: و قد روى بعضهم هذا الحديث عن حصين، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه عن جده جبير بن مطعم نحوه.

[ (2)] (الصحيح المسند من دلائل النبوة): 182، فصل (15) و من دلائل النبوة انشقاق القمر.

26

[ثالثا: رد الشمس بعد غروبها]

و أما رد الشمس بعد غروبها بدعاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقد روى من حديث أبي هريرة، و أسماء بنت عميس، و جابر بن عبد اللَّه، و علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنهم [ (1)].

____________

[ (1)] (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 185، (مشكل الآثار): 4/ 388- 389.

* و فيه ما يدل على التغليظ في فوت العصر، فوقى اللَّه عليا ذلك بدعاء النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) لطاعته و كرامته لديه.

* و فيه لعلى المقدار الجليل و الرتبة الرفيعة.

* و فيه إباحة النوم بعد العصر، و إن كان مكروها عن بعضهم بما

روى عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): «من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه»،

لأن هذا منقطع، و حديث أسماء متصل، و يمكن التوفيق بأن نفس النوم بعد العصر مذموم، و أما نوم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كان لأجل وحي يوحى إليه، و ليس غيره كمثله فيه.

و الّذي يؤيد الكراهة قول عمرو بن العاص: النوم منه خرق، و منه خلق، و منه حمق، يعني الضحى، و القائلة، و عند حضور الصلوات، و لأن بعد العصر يكون انتشار الجن، و في الرقدة يكون الغفلة.

و عن عثمان: الصبحة تمنع الرزق. و عن ابن الزبير أن الأرض تعجّ إلى ربها من نومة العلماء بالضحى، مخافة الغفلة عليهم، فندب اجتناب ما فيه الخوف، و اللَّه أعلم. (المرجع السابق).

قال بعض المحققين: هذا الحديث ليس بصحيح، و إن أوهم تخريج القاضي عياض له في (الشفاء) عن الطحاوي في (مشكل الآثار) من طريقين، فقد ذكره ابن الجوزي في (الموضوعات):

1/ 355- 357، و قال إنه موضوع بلا شك، و في سنده أحمد بن داود و هو متروك الحديث كذاب، كما قال الدار الدّارقطنيّ. و قال ابن حبان: كان يضع الحديث.

قال ابن الجوزي: و قد روى هذا الحديث ابن شاهين، فذكره ثم قال: و هذا حديث باطل، قال:

و من تغفل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة، و لم يلمح عدم الفائدة فيها، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء، و رجوع الشمس لا يعيدها أداء.

و قد أفرد ابن تيمية تصنيفا مفردا في الرد على الروافض، ذكر فيه الحديث بطرقه و رجاله، و أنه موضوع، و العجب من القاضي عياض مع جلالة قدرة، و علو خطره في علوم الحديث، كيف سكت عنه موهما صحته، ناقلا ثبوته، موثقا رجاله. و قال أحمد: لا أصل له، و تبعه ابن‏

27

فأما حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه:

فمن طريق يحيى بن يزيد بن عبد الملك، عن أبيه عن داود بن فراهيج عن أبي هريرة، و عن عمارة بن فيروز، عن أبي هريرة،

أنّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنزل عليه حين انصرف من العصر- و علي بن أبي طالب قريب منه، و لم يكن علي أدرك الصلاة- فاقترب عليّ إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلم يسرّ عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى غابت الشمس، فالتفت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: من هذا؟ فقال:

عليّ يا رسول اللَّه، أنا لم أصل العصر و قد غابت الشمس! فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

اللَّهمّ اردد الشمس على عليّ، فرجعت الشمس لموضعها الّذي كانت فيه حتى صلى علي رضي اللَّه عنه، و بعض أصحابه يمينا و شمالا يقولون: صل يا عليّ، فإنّ رحمك و قرابتك من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لن تغني عنك من اللَّه شيئا، فأخبر عليّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بذلك، فخرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من بين ظهرانيّ الناس فقال: من آذى ذوي رحم الرجل و قرابته فقد آذاه- مرارا يقولها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- و من آذاني فقد آذى اللَّه عز و جل.

و أما حديث أسماء بنت عميس رضي اللَّه عنها فله طرق:

أحدها:

من طريق أحمد بن الوليد بن برد الأنطاكي، حدثنا محمد بن إسماعيل ابن أبي فديك قال: حدثني محمد بن موسى عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن جدتها أسماء ابنة عميس،

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صلى الظهر بالصهباء ثم أنفذ عليا في حاجة، فرجع و قد صلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) العصر، فوضع رأسه في حجر علي فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ إن عبدك عليا احتسب بنفسه على نبيه، فردّ عليه شرقها، قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال و على الأرض، فقام على فتوضأ و صلى العصر ثم غابت الشمس، و ذلك في الصهباء في غزوة خيبر.

____________

[ ()] الجوزي فأورده في الموضوعات.

و لكن قد صححه الطحاوي و القاضي عياض، و أخرجه ابن مندة و ابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، و ابن مردويه من حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه.

و رواه الطبراني في معجمه الكبير بإسناد حسن، كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب، عن أسماء بنت عميس (المواهب اللدنية) 2/ 528- 530 مختصرا.

28

[و ثانيها]:

من طريق أحمد بن صالح قال: حدثنا ابن أبي فديك قال: أخبرني محمد بن موسى، عن عون بن محمد، عن أمه أمّ جعفر، عن أسماء ابنة عميس،

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صلى الظهر بالصهباء، ثم أرسل عليا في حاجة، فرجع و قد صلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) العصر، فوضع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) رأسه في حجر علي فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ إن عبدك عليا احتسب بنفسه على نبيه، فردّ عليه شرقها، قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال و على الأرض فقام علي و توضأ، فصلى العصر ثم غابت،

و ذلك بالصهباء في غزوة خيبر، قال أحمد بن صالح: هذه دعوة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فلا تستكثر، و هي فضيلة لعلي رضي اللَّه عنه.

[و] ثالثها:

من طريق عبد الرحمن بن شريك، حدثنا أبي حدثنا عروة بن عبد اللَّه بن قشيرة قال:

دخلت على فاطمة ابنة علي الأكبر- و هي عجوز كبيرة- فرأيت في عنقها خرزات، و في يدها مسكين غليظين، فقلت: ما هذا؟ فقالت:

إنا معشر النساء نكره أن نتشبه بالرجال، و قالت: حدثتني أسماء ابنة عميس أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أوحي إليه فستره عليّ بثوبه حتى غابت الشمس، فلما سرّي عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: يا علي! صليت العصر؟ قال: لا، قال: اللَّهمّ رد الشمس على عليّ، قالت: فرجعت الشمس حتى رأيتها في نصف الحجرة. أو قالت: نصف حجرتي.

[و] رابعها:

من طريق فضيل بن مرزوي عن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، عن فاطمة ابنة الحسن، عن أسماء ابنة عميس قالت:

كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يوحى إليه و رأسه في حجر علي فلم [يصل‏] العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لعليّ: صليت؟ قال: لا، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ إنه في طاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.

و قال فضيل، عن إبراهيم ابن الحسن عن فاطمة عن أسماء:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا نزل عليه الوحي يكاد [يغشى‏] عليه، فأنزل عليه يوما و رأسه في حجر علي حتى غابت الشمس، فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) رأسه و هو في حجر علي فقال‏

29

له: صليت العصر يا عليّ؟ قال: لا يا رسول اللَّه، فدعى اللَّه فردّ عليه الشمس حتى صلى العصر، قالت: فرأيت الشمس بعد ما غربت حين ردّت حتى صلى العصر.

[و] خامسها:

من طريق صبّاح [ (1)] المري، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن دينار، عن عبد اللَّه بن الحسن عن أمه فاطمة ابنة حسين، عن أسماء ابنة عميس قالت:

اشتغل عليّ مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في قسمة الغنائم يوم خيبر حتى غابت الشمس، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا عليّ! هل صليت العصر؟ قال: لا يا رسول اللَّه، قال: فتوضأ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و جلس في المسجد، فتكلم بكلمتين أو ثلاثة كأنها من كلام الحبش، فارتجعت الشمس كهيئتها في العصر، فقام عليّ فتوضأ و صلى العصر، ثم تكلم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بمثل ما تكلم به قبل ذلك، فرجعت إلى مغربها، فسمعت لها صريرا كالمنشار في الخشبة، و طلعت الكواكب.

و قال صبّاح أيضا: عن عبد اللَّه بن الحسن بن جعفر، عن حسين المبتول عن فاطمة بنت على، عن أم الحسن بنت علي، عن أسماء بنت عميس قالت:

لما كان يوم خيبر شغل عليّ بما كان من قسمة الغنائم حتى غابت الشمس أو كادت، فسأل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) عليا: هل صليت العصر؟ قال: لا، فدعا اللَّه عزّ و جل فارتفعت حتى توسطت المسجد فصلى عليّ، فلما صلى غابت. قالت: فسمعت لها صريرا كصرير المنشار في الخشب.

و قال صبّاح [ (1)]: عن أبي سلمة مولى آل عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، عن محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ، عن أمه أم جعفر بنت محمد، عن جدتها أسماء بنت عميس، قالت:

كانوا أقبلوا من ضيعة لهم حتى نزلوا إلى جبل، فقامت أسماء تصلي، فلما فرغت من صلاتها قالت: يا باي يا باي، قلت: يا جدة! لم تقولي يا باي و ليس عندك أحد؟ قالت يا بنية ذكرت عليا، قلت: يا جدة، ما ذكرت من عليّ؟ مرتين أهلك فوجدت في نفسي إن ذكرت عليا و تركت أبي، قالت: شي‏ء

____________

[ (1)] لم أقف له على ذكر في كتب الرجال.

30

كان من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو في هذا المكان و معه علي، إذ أغمي عليه فوضع رأسه في حجر عليّ، فلم يزل كذلك حتى غابت الشمس، ثم إن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أفاق، فقعد فقال: يا علي! هل صليت؟ قال: لا، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اللَّهمّ إن عليا كان في طاعتك و طاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، قالت: فخرجت من تحت هذا الجبل كأنما خرجت من تحت سحابة، فقام علي فصلى، فلما فرغ آبت مكانها.

قال: فخرجت فلقيت أبا جعفر فذكرت ذلك له فقال: أنت سمعت هذا من أم جعفر؟ قلت نعم، فأخذ بيدي حتى استأذن عليها فقال: حدثيني الحديث الّذي حدثت هذا، فحدثته فخرج و هو مستبشر.

و أما حديث جابر: فمن طريق الوليد بن عبد الواحد، حدثنا معقل بن عبيد اللَّه عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللَّه، أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أمر الشمس أن تتأخر ساعة من النهار فتأخرت ساعة من النهار.

و أما حديث علي:

فمن طريق يحيى بن عبد اللَّه بن حسين بن حسن بن عليّ ابن أبي طالب قال:

لما كنا بخيبر شهر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في قتال المشركين، فلما كان من الغد و كان مع صلاة العصر حمية، و لم أصل صلاة العصر، فوضع رأسه في حجري فنام فاستثقل، قال: فلم ينتبه حتى غربت الشمس، فلما استيقظ مع غروب الشمس قلت: يا رسول اللَّه! ما صليت صلاة العصر كراهية أن أوقظك من نومك، فرفع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يده إلى اللَّه عزّ و جل ثم قال: اللَّهمّ إن عبدك تصدق بنفسه على نبيك، فاردد عليه شروقها، قال: فرأيتها على الحال في وقت العصر بيضاء نقية، حتى قمت ثم توضأت ثم صليت ثم غابت.

و قال إسحاق بن إبراهيم التيمي: حدثنا محل الضّبي عن إبراهيم النخعي، عن علقمة عن أبي ذر رضي اللَّه عنه قال: قال عليّ رضي اللَّه عنه يوم الشورى:

أنشدتكم اللَّه هل فيكم من رفعت الشمس عندي حين نام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و جعل رأسه في حجري حتى غابت الشمس، فانتبه فقال: يا عليّ! صليت العصر؟

قلت: اللَّهمّ لا، فقال: اللَّهمّ ارددها عليه، فإنه كان في طاعتك و طاعة رسولك.

و أما ردها حين تبين لمكذبيه صدقه، فخرج البيهقي من طريق يونس بن بكير،

31

عن أسباط بن نصر الهمدانيّ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال: لما أسري برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أخبر قومه بالرفقة و العلامة في العير قالوا: فمتى تجي‏ء؟ قال:

يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون و قد ولى النهار و لم تجي‏ء، فدعا النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فزيد له في النهار ساعة و حبست عليه الشمس.

فلم تردّ على أحد إلا على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [يومئذ] [ (1)] و على يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم، و يدخل السبت، و لا يحل له قتالهم فيه، فدعا اللَّه فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم [ (2)].

قال الحاكم أبو عبد اللَّه الحافظ النيسابورىّ في كتاب (الجامع لذكر أئمة الأمصار المزكين لرواة الأخبار): قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي، حدثنا عبد اللَّه بن الحسين بن موسى، حدثنا عبد اللَّه بن علي المديني‏

____________

[ (1)] زيادة للسياق من (سنن البيهقي).

[ (2)] قال الحافظ ابن كثير: فيه أن هذا كان من خصائص يوشع، فيدل على ضعف الحديث الّذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى عليّ بن أبي طالب، و قد صححه أحمد بن صالح المصري، و لكنه منكر، ليس في شي‏ء من الصحاح و الحسان، و هو مما تتوافر الدواعي على نقله، و تفردت بنقله امرأة من أهل البيت، مجهولة لا يعرف حالها. (المواهب اللدنية): 2/ 530. و أخرجه البيهقي في (دلائل النبوة): 2/ 404، (السيرة الشامية): 3/ 133.

و يحتمل الجمع: بأن المعنى لم تحبس الشمس على أحد من الأنبياء غيري إلا ليوشع. و كذا روى حبس الشمس لنبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) أيضا يوم الخندق، حين شغل عن صلاة العصر، فيكون حبس الشمس مخصوصا بنبينا و بيوشع، كما ذكره القاضي عياض في (الإكمال)، و عزاه (لمشكل الآثار)، و نقله النووي في (شرح مسلم) في باب حل الغنائم عن القاضي عياض، و كذا الحافظ ابن حجر في باب الأذان، في (تخريج أحاديث الرافعي)، و مغلطاي في (الزهر الباسم)، و أقروه.

و ذكر البغوي في تفسيره: أنها حبست لسليمان (عليه السلام) أيضا لقوله: رُدُّوها عَلَيَ‏ [ص: 33]، و نوزع فيه بعدم ذكر الشمس في الآية، فالمراد: الصافنات الجياد. و اللَّه تعالى أعلم.

قال القاضي عياض: و اختلف في حبس الشمس المذكور هنا:

* فقيل: ردت على أدراجها.

* و قيل: وقفت و لم ترد.

* و قيل: بطء حركتها، قال: و كل ذلك من معجزات النبوة. (المواهب اللدنية):

2/ 530- 531.

32

قال: سمعت أبي يقول: خمسة أحاديث يروونها و لا أصل لها عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، حديث: لو صدق السائل ما أفلح من ردّه [ (1)]، و حديث: لا وجع إلا وجع العين و لا غم إلا غم الدّين [ (2)]، و حديث: إن الشمس طلعت على عليّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه [ (3)]، و حديث:

أنه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

أنا أكرم على اللَّه من أن يدعني تحت الأرض مائتي عام [ (4)]،

و حديث: أفطر الحاجم و المحجوم [ (5)] ...

____________

[ (1)] روى كما قال ابن عبد البر في (الاستذكار): من جهة جعفر بن محمد عن أبيه، عن جده مرفوعا، و من جهة يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة رفعه أيضا: «لو لا أن السؤال يكذبون ما أفلح من ردهم». و حديث عائشة عند القضاعي بلفظ: «ما قدس»، قال ابن عبد البر: و أسانيدها ليست بالقوية، و سبقه ابن المديني فأدرجه في خمسة أحاديث. قال إنه لا أصل لها، و كذا رواه العقيلي في (الضعفاء) من حديث عائشة و ابن عمر، و قال: إنه لا يصح في هذا الباب شي‏ء. و عند الطبراني بسند ضعيف أيضا، من حديث أبي أمامة مرفوعا: «لو لا أن السائلين يكذبون ما أفلح من ردهم»، (المقاصد الحسنة): 547، (الفوائد المجموعة): 64، حديث رقم (13)، (الأسرار المرفوعة): 289، حديث رقم (378)، (الموضوعات لابن الجوزي): 355، باب فضائل عليّ (عليه السلام).

[ (2)] البيهقي في (شعب الإيمان)، و الطبراني في (الصغير)، من حديث سهل بن قرين عن أبيه، حدثنا ابن أبي ذئب، عن خالد بن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رفعه به.

و قال البيهقي: أنه منكر، و قرين- و هو بفتح القاف أو ضمها- منكر الحديث كذبه الأزدي، و أبوه لا شي‏ء، (المقاصد الحسنة): 728، حديث رقم (1316)، (كشف الخفا): 2/ 240، ترجمه سهل بن قرين رقم (3591)، (الموضوعات لابن الجوزي): 2/ 244، باب تعظيم أمر الدين، (الأسرار المرفوعة): 386، حديث رقم (597).

[ (3)] قال الإمام أحمد: لا أصل له، و قال ابن الجوزي: موضوع، لكن خطّئوه، و من ثم قال السيوطي:

أخرجه ابن مندة و ابن شاهين، عن أسماء بنت عميس، و ابن مندة و ابن مردويه عن أبي هريرة، و إسنادهما حسن، و صححه الطحاوي و القاضي عياض. قال القاري: و لعل المنفي ردها بأمر على و المثبت بدعاء النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، (كشف الخفا): 1/ 220، حديث رقم (670)، (الموضوعات لابن الجوزي): 1/ 355- 356، (الأسرار المرفوعة): 121، حديث رقم (77)، (الفوائد المجموعة): 350، حديث رقم (53).

[ (4)] (كشف الخفا): 1/ 200، حديث رقم (608)، قال الصّغاني: موضوع، و لفظه: «أنا أكرم على اللَّه من أن يتركني في التراب ألف عام».

[ (5)]

يروى كما علقه البخاري بصيغة التمريض عن الحسن: عن غير واحد مرفوعا، ثم قال: و قال لي عياش:

حدثنا عبد الأعلى، حدثنا يونس، عن الحسن مثله، فقيل له: عن النبي (صلى اللَّه عليه و

سلم)؟ قال: نعم ثم قال:

اللَّه أعلم.

و هذا بعينه قد رواه في تاريخه، و من جهته البيهقي في سننه فقال: حدثني عياش ... و ذكره،

33

[إنهما كانا يغتابان‏] [ (1)].

____________

[ ()] و به يستدل على أن البخاري إذا قال: قال لي، يكون محمولا على السماع.

و للبيهقي أيضا، و كذا النسائي، من حديث علي بن المديني، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، عن غير واحد من أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال- و ذكره.

قال على بن المديني: رواه يونس عن الحسن، عن أبي هريرة، و رواه قتادة، عن الحسن، عن ثوبان، و رواه عطاء بن السائب، عن الحسن، عن معقل بن يسار، و رواه مطر، عن الحسن، عن علي.

قال البيهقي: و رواه أشعث عن الحسن عن أسامة.

و قال الحافظ ابن حجر: و رواه قتادة أيضا، عن الحسن، عن علي، أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه، و رواه أبو حرّة، عن الحسن، عن غير واحد من الصحابة، و رواه أبو داود، و النسائي، و ابن ماجة، و آخرون، كالحارث من حديث ثوبان و شداد مرفوعا في حديث.

و قال أحمد و البخاري: إنه عن ثوبان أصح. و صححه عن شداد إسحاق بن راهويه، و صححهما معا البخاري متبعا لابن المديني، و رواه الترمذي عن رافع بن خديج، و رواه غيرهم عن آخرين.

و تأوله بعض العلماء المرخصين في الحجامة على أن معناه: إن تعرضا للإفطار أما المحجوم فللضعف، و أما الحاجم فلأنه لا يأمن من أن يصل إلى جوفه شي‏ء بالمص: و لكن جزم الشافعيّ في (الأم) بأنه منسوخ. (المقاصد الحسنة): 131، حديث رقم (139)، (فتح الباري):

4/ 217- 218، كتاب الصوم، باب (32) الحجامة و القي‏ء للصائم، (سنن الدارميّ):

2/ 14، باب الحجامة تفطر الصائم، (تلخيص الحبير): 2/ 205، باب ذكر الإشارة إلى طرق حديث أفطر الحاجم و المحجوم، (كشف الخفا): 1/ 156، حديث رقم (461)، (الأم للشافعي): 2/ 93، (سنن أبي داود): 2/ 770، كتاب الصوم، باب (28) في الصائم يحتجم، (صحيح سنن ابن ماجة): 1/ 281، باب (18)، حديث رقم (1361)، (1362)، (1363)، (صحيح سنن الترمذي): 1/ 234، باب (59) كراهية الحجامة للصائم، حديث رقم (621)، (سنن البيهقي): 4/ 264، كتاب الصوم باب الحديث الّذي روى في الحجامة. (المستدرك): 1/ 428- 429، حديث رقم (1561/ 30)، (1562/ 31) (1563/ 32)، (1564/ 33)، (1565/ 34)، (1566/ 35)، (1567/ 36).

[ (1)] ما بين الحاصرتين زيادة من (خ) و ليست في باقي المراجع.

34

[رابعا: انقياد الشجر]

و أما انقياد الشجر،

فخرج مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب ابن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال:

خرجت أنا و أبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فذكر الحديث [ (1)] إلى أن قال: عن جابر بن عبد اللَّه، و سرنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقضي حاجته، فاتبعته بأداوة من ماء، فنظر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان [ (2)] بشاطئ الوادي، فانطلق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى إحداهما [ (3)]، فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي عليّ بإذن اللَّه، فانقادت معه [كالبعير المخشوش الّذي يصانع قائدة، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي عليّ بإذن اللَّه فانقادت معه كذلك‏] [ (4)] حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما، لأم بينهما- يعني جمعهما- فقال: التئما عليّ بإذن اللَّه فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحسّ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بقربي فيبتعد، فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفته، فإذا أنا برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مقبلا

____________

[ (1)] قال ابن الأثير الجزريّ: هذا حديث عبادة بن الوليد عن أبي اليسر و جابر: قد مرّ أوله في كتاب «الدّين و القرض» من حرف الدال، و بعضه في كتاب «فضيلة المسجد»، و بعضه في كتاب «السّب و اللعن»، و بعضه في كتاب «الصلاة»، لأن كل واحد من أحاديثه حديث منفرد مستقل بنفسه، و قد جاءت في بعض الصحاح متفرقة، قد ذكرناها كذلك، و سردها مسلم حديثا واحدا، و أوردها الحميدي في مسند أبي اليسر، و كان معظم معاني الحديث يتضمن ذكر المعجزات، فأوردناه بطوله في هذا الباب لئلا يخلو الكتاب من ذكر الحديث مسرودا على حالته و إن كان قد جاء مفرقا في أبوابه.

(جامع الأصول): 11/ 384.

[ (2)] في (خ): «و إذا بشجرتين»، و ما أثبتناه من رواية مسلم.

[ (3)] كذا في (خ)، و في رواية مسلم: «إلى إحداهما»، و كلاهما صحيح.

[ (4)] ما بين الحاضرتين سقط في (خ)، و أثبتناه من رواية مسلم.

35

و إذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وقف وقفة فقال برأسه هكذا- و أشار أبو إسماعيل برأسه يمينا و شمالا- ثم أقبل، فلما انتهى إليّ قال: يا جابر، هل رأيت مقامي؟ قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا فأقبل بهما، حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك و غصنا عن يسارك، قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته و حسرته فانذلق لي، فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أرسلت غصنا عن يميني و غصنا عن يساري، ثم لحقت فقلت: قد فعلت يا رسول اللَّه نعم ذاك، قال: إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفّه عنهما ما دام الغصنان رطبين [ (1)].

و ذكر الحديث.

و خرج البيهقي و غيره من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان بالحجون و هو كئيب [حزين‏] [ (2)] لما آذاه المشركون، فقال:

اللَّهمّ أرني اليوم آية لا أبالي من كذبني بعدها، قال: فأمر فنادى شجرة من قبل عقبه أهل المدينة، فأقبلت تخد الأرض حتى انتهت إليه [فسلمت عليه‏] [ (3)]، قال: ثم أمرها فرجعت إلى موضعها، فقال: ما أبالي من كذبني بعد هذا من قومي [ (4)].

و في رواية: فنادى شجرة من جانب الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا حتى وقفت بين يديه [ (5)].

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 18/ 351- 352، كتاب الزهد و الرقاق، باب (18) حديث جابر الطويل، و قصة أبي اليسر، (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 1/ 196- 197، (دلائل أبي نعيم): 2/ 392، حديث رقم (296).

[ (2)] في (خ): «كان على الحجون كثيبا، و ما أثبتناه من رواية أبي نعيم في (دلائل النبوة).

[ (3)] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (4)] (دلائل أبي نعيم): 2/ 389- 390، حديث رقم (290)، (الخصائص الكبرى):

1/ 302، و الحجون: موضع بأعلى مكة، (دلائل البيهقي): 6/ 13.

[ (5)] (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 1/ 198.

36

ومن حديث أبي معاوية عن الأعمش، عن أبي سفيان عن أنس بن مالك قال:

جاء جبريل (عليه السلام) إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)- و هو خارج من مكة قد خضبه أهل مكة بالدماء- فقال: مالك؟ قال: خضبني هؤلاء بالدماء، و فعلوا و فعلوا، قال: تريد أن أريك آية؟ قال: نعم، قال: ادع تلك الشجرة، فدعاها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فجاءت تخط الأرض حتى قامت بين يديه، قال: مرها فلترجع، قال: فارجعي إلى مكانك فرجعت إلى مكانها، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): حسبي [ (1)].

و من حديث يونس بن بكير عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال:

خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى شعاب مكة- و قد دخله من الغم ما شاء اللَّه من تكذيب قومه إياه- فقال: رب أرني ما أطمئن إليه و يذهب عني هذا الغم، فأوحى اللَّه إليه:

أدع أي أغصان هذه الشجرة شئت، فدعى غصنا فانتزع من مكانه، ثم خدّ في الأرض حتى جاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ارجع إلى مكانك، فرجع الغصن فخدّ في الأرض حتى استوى كما كان، فحمد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و طابت نفسه و رجع، و قد كان قال المشركون: أ تضلل [ (2)] آباءك و أجدادك يا محمد؟

فأنزل اللَّه عزّ و جل:

أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ‏

، إلى قوله.

وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ‏

[ (3)].

قال البيهقي: و هذا المرسل لما تقدم من الموصول شاهد، و قد سخر اللَّه تعالى الشجرة لنبينا (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى جعلها آية لنبوته لمن طلب منه آية، و شهدت له الشجرة بالنّبوّة في بعض الرواية.

فذكر من طريق محمد بن فضيل عن أبي حبان عن عطاء، عن ابن عمر رضي اللَّه عنه قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر، فأقبل أعرابي فلما دنا منه‏

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 2/ 154، باب مبتدإ البعث و التنزيل، و ما ظهر عند ذلك من تسليم الحجر و الشجر، و تصديق ورقة ابن نوفل إياه، (سنن الدارميّ): 1/ 12- 13، باب كيف كان أول شأن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، (المواهب اللدنية): 2/ 539، (مسند أحمد): 3/ 555- 556، حديث رقم (11702).

[ (2)] كذا في (خ)، و في (دلائل البيهقي): «أ فضّلت».

[ (3)] الزمر: 164، و الحديث أخرجه البيهقي في (دلائل النبوة): 6/ 14.

37

قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أين تريد؟ قال: إلى أهلي، قال: هل لك إلى خير؟ قال:

ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هي على شاطئ الوادي، فأقبلت تخدّ الأرض خدّا، فقامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت له كما قال ثم رجعت إلى منبتها، و رجع الأعرابي إلى قومه فقال: إن يتبعوني آتيك بهم، و إلا رجعت إليك فكنت معك [ (1)].

و خرجه أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، عن محمد بن طريف قال:

حدثنا محمد بن فضيل بنحو ما أخرجه البيهقي.

و خرج البيهقي من حديث شريك عن سماك عن أبي ظبيان، عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال:

جاء أعرابي إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: بم أعرف أنك رسول اللَّه؟

قال أ رأيت لو دعوت هذه العذق من هذه النخلة، فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض، ثم جعل ينقر حتى أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم قال له: ارجع، فرجع حتى عاد إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و آمن [ (2)].

[و] رواه البخاري في (التاريخ) عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني قال:

أخبرني شريك فذكره.

و خرج البيهقي من حديث أبي معاوية عن الأعمش، عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال:

أتى النبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) رجل من بني عامر فقال: إني من أطب الناس، فإن كان بك جنون داويتك! فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): أ تحب أن أريك آية؟ قال: نعم، قال:

فادع ذاك العذق، فدعاه، فجاء ينقر على ذنبه حتى قام بين يديه، ثم قال: ارجع، فرجع، فقال: يا بني عامر! ما رأيت أسحر من هذا [ (3)].

وله من حديث الأعمش، عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال:

جاء رجل من‏

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 6/ 14- 15.

[ (2)] (دلائل البيهقي): 6/ 15، (المستدرك): 2/ 620 و قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه، حديث رقم (4237/ 247).

[ (3)] (دلائل البيهقي): 6/ 15- 16.

38

بني عامر إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: إن عندي طبا و علما فما تشتكي؟ هل يريبك من نفسك شي‏ء؟ إلى من تدعو؟ قال: أدعو إلى اللَّه عزّ و جل و الإسلام، قال: إنك لتقول قولا، فهل لك من آية؟ قال: نعم إن شئت أريتك آية- و بين يديه شجرة- فقال لغصن منها: تعال يا غصن، فانقطع الغصن من الشجرة ثم أقبل ينقر حتى قام بين يديه، فقال: ارجع إلى مكانك فرجع، قال العامري: يا آل عامر بن صعصعة، لا [ألومك‏] [ (1)] على شي‏ء قلته أبدا [ (2)].

و من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس قال:

جاء رجل إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: ما هذا الّذي يقول أصحابك؟ قال:- و حول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أعذاق- قال: فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): هل لك أن أريك آية؟ قال:

فدعا عذاقا منها فأقبل يخد الأرض و يسجد، و يرفع رأسه حتى وقف بين يديه، ثم أمره فرجع، قال: فخرج العامري و هو يقول: يا آل عامر بن صعصعة! و اللَّه لا أكذبه بشي‏ء يقوله أبدا [ (3)].

قال البيهقي: كذا قال سالم بن أبي الجعد، و ذكر في هذه الرواية تصديق الرجل إياه، كما هو في رواية سماك، و يحتمل أنه توهمه سحرا ثم علم أنه ليس بساحر، فآمن و صدّق، و روى في ذلك عن بريدة، عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) [ (4)].

و خرج البيهقي من حديث يونس بن بكير، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر قال:

خرجت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر، و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه [أحد] [ (1)] فنزلنا منزلا بفلاة من الأرض ليس فيها علم و لا شجر، فقال لي: يا جابر خذ الإداوة و انطلق بنا، فملأت الإداوة ماء فمشينا حتى لا نكاد نرى.

فإذا شجرتان بينهما أذرع، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يا جابر، انطلق فقل لهذه الشجرة: يقول لك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ألحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما،

____________

[ (1)] زيادة للسياق من (دلائل البيهقي).

[ (2)] (دلائل البيهقي): 6/ 16.

[ (3)] (دلائل البيهقي): 6/ 17.

[ (4)] المرجع السابق.

39

ففعلت، فرجعت حتى لحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما حتى قضى حاجته.

ثم رجعنا [ (1)] [فركبنا رواحلنا فسرنا كأنما علينا الطير يظلّنا، فإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و معها صبي تحمله، فقالت يا رسول اللَّه! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات لا يدعه، فوقف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتناوله، فجعله بينه و بين مقدمة الرحل، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اخسأ عدوّ اللَّه! أنا رسول اللَّه، قال: فأعاد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذلك ثلاث مرات، ثم ناولها إياه، فلما رجعنا فكنا بذلك الماء، عرضت لنا المرأة معها كبشان تقودهما و الصبي تحمله، فقالت:

يا رسول اللَّه، اقبل مني هديتي، فو الّذي بعثك بالحق إن عاد إليه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): خذوا أحدهما و ردوا الآخر] [ (2)] و خرجه أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ [ (3)].

و خرج البيهقي من حديث زمعة بن صالح [عن زياد] [ (4)]، عن أبي الزبير، أنه سمع يونس بن خبّاب الكوفي يحدث أنه سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه‏

عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه كان في سفر إلى مكة، فذهب إلى الغائط فكان يبعد حتى لا يراه أحد، قال: فلم يجد شيئا يتوارى به، فبصر بشجرتين، فذكر قصة الشجرتين و قصة الجمل بنحو من حديث جابر، و حديث جابر أصح، قال البيهقي: و هذه الرواية ينفرد به زمعة بن صالح عن زياد، أظنه ابن سعد عن أبي الزبير [ (5)].

و له من حديث يونس بن بكير، عن الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن يعلي ابن مرة عن أبيه قال:

سافرت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سفرا، فرأيت أشياء عجبا، نزلنا منزلا فقال: انطلق إلى هاتين الأشاءتين فقل: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لكما

____________

[ (1)] في (خ): «ثم رجعنا»، و ما أثبتناه من (دلائل البيهقي).

[ (2)] ما بين الحاصرتين تكملة الحديث من المرجع السابق.

[ (3)] (سنن الدارميّ): 1/ 10- 11، و قال فيه: ثم رجعتا إلى مكانهما فركبنا رواحلنا فسرنا ... إلخ الحديث.

[ (4)] زيادة للسياق من (دلائل البيهقي).

[ (5)] (دلائل البيهقي): 6/ 20.

40

أن تجتمعا، فانطلقت فقلت لهما ذلك، و انتزعت كل واحدة منهما من أصلها، فنزلت كل واحدة إلى صاحبتها فالتقتا جميعا، فقضى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حاجته من ورائها ثم قال: انطلق فقل لهما: فلتعد كل واحدة إلى مكانها، فأتيتهما فقلت لهما ذلك، فنزلت كل واحدة حتى عادت إلى مكانها.

و أتته امرأة فقالت: إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين يأخذه في كل يوم مرتين، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أدنيه، فأدنته منه، فتفل في فيه و قال: اخرج عدوّ اللَّه، أنا رسول اللَّه، ثم قال لها: إذا رجعنا فأعلمينا ما صنع، فلما رجع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) استقبلته [ (1)] و معها كبشان و أقط و سمن فقال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): خذ هذا الكبش فأخذ منه ما أراد، فقالت: و الّذي أكرمك، ما رأينا به شيئا منذ فارقتنا.

ثم أتاه بعير فقام بين يديه فرأى عينيه تدمعان، فبعث إلى أصحابه فقال:

ما لبعيركم هذا يشكوكم؟ فقالوا: كنا نعمل عليه فلما كبر و ذهب عمله تواعدنا لننحره غدا، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): فلا تنحروه و اجعلوه في الإبل يكون فيها [ (2)].

و خرج من حديث وكيع عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن [يعلي‏] ابن مرة عن أبيه قال: رأيت من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاثة أشياء: فذكر الحديث بمعنى رواية يونس، إلا أنه زاد: خذ أحد الكبشين ورد الآخر، و خذ السمن و الأقط.

مرة بن يعلي هو مرة بن أبي مرة الثقفي، و قيل: فيه عن يعلي نفسه أنه قال:

رأيت ...

فذكر من طريق وكيع عن الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن يعلي بن مرة قال:

رأيت من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) عجبا: خرجت معه في سفر فنزلنا منزلا، فأتته امرأة بصبي لها به لمم، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): اخرج عدو اللَّه أنا رسول اللَّه، قال:

[فبرأ] [ (3)]، فلما رجعنا جاءت أم الغلام بكبشين و شي‏ء من أقط و سمن، فقال‏

____________

[ (1)] في المرجع السابق: «فاستقبله و معه»، و ما أثبتناه من (خ).

[ (2)] (دلائل البيهقي): 6/ 20- 21.

[ (3)] زيادة للسياق من المرجع السابق.

41

النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): يا يعلي، خذ أحد الكبشين ورد عليها الآخر، و خذ السمن و الأقط، قال: ففعلت [ (1)].

هذا أصح، و الأول وهم. قاله البخاري، يعني روايته عن أبيه وهم، إنما هو عن يعلي نفسه، و هم في وكيع مرة، و رواه على الصحة مرة. قال البيهقي:

و قد وافقه فيما زعم البخاري أنه و هم يونس بن بكير، فيحتمل أن يكون الوهم من الأعمش و اللَّه أعلم.

وخرج من حديث شريك عن عمر بن عبد اللَّه بن يعلي بن مرة عن أبيه، عن جده قال: رأيت من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي: كنت معه في طريق مكة ... الحديث. قال: و رواه عطاء بن السائب عن عبد اللَّه بن حفص، عن يعلي بن مرة الثقفي قال:

ثلاثة أشياء رأيتها من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينا نحن نسير معه ...، فذكر قصة البعير و قال: ثم سرنا حتى نزلنا منزلا، فنام النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له فقال: هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلم على رسول اللَّه فأذن لها [ (2)]، ثم ذكر قصة المرأة.

و خرج الإمام أحمد هذا الحديث من طريق عبد الرزّاق قال: أخبرنا معمر عن عطاء .. فذكره [ (1)]. قال البيهقي: الرواية الأولى عن يعلي بن مرة في أمر الشجرتين أصح لموافقتها رواية جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، إلا أن يكون أمر الشجرة في هذه.

الرواية حكاية عن واقعة أخرى [ (3)].

و خرج من حديث معاوية بن يحيى الصدفي قال: أخبرني الزهري عن خارجة ابن زيد، قال: قال أسامة بن زيد:

خرجنا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى الحجة التي حجها، حتى إذا كنا ببطن الروحاء ...، فذكر قصة المرأة بزيادة ثم قال: يا أسيم،

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 6/ 21- 22، (مسند أحمد): 5/ 182 حديث رقم (17113).

[ (2)] (دلائل البيهقي): 6/ 23- 24، (المواهب اللدنية): 2/ 540- 541، (دلائل أبي نعيم):

2/ 391، حديث رقم (293)، (مسند أحمد): 5/ 183، حديث رقم (17115).

[ (3)] (دلائل البيهقي): 6/ 24.

42

انظر هل ترى من خمر لمخرج رسول اللَّه؟ فقلت: يا رسول اللَّه، قد دحس الناس الوادي فما فيه موضع، فقال: انظر هل ترى من نخل أو حجارة؟ فقلت:

يا رسول اللَّه قد رأيت نخلات متفرقات و رجما من حجارة، قال: انطلق إلى النخلات فقل لهن: إن رسول اللَّه يأمر كن أن تدانين لمخرج رسول اللَّه، و قل للحجارة مثل ذلك، قال: فأتيتهن فقلت ذاك لهن، فو الّذي بعثه [ (1)] بالحق نبيا، لقد جعلت انظر الى النخلات يخددن الأرض خدا حتى اجتمعن، و انظر إلى الحجارة يتقافزن حتى صرن رجما خلف النخلات، فأتيته فقلت ذاك له، قال:

خذ الإداوة و انطلق، فلما قضى حاجته و انصرف قال: يا أسيم، عد إلى النخلات و الحجارة فقل لهن: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يأمركن أن ترجعن إلى مواضعكن [ (2)].

و خرج أبو نعيم من حديث حيان بن علي، عن صالح بن حيّان عن ابن بريدة عن أبيه قال:

جاء أعرابي إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللَّه! قد أسلمت فأرني شيئا أزدد به يقينا، قال: ما الّذي تريد؟ قال: ادع تلك الشجرة فلتأتك، قال:

اذهب فادعها، فأتاها الأعرابي فقال: أجيبي رسول اللَّه قال فمالت على جانب من جوانبها فقطعت عروقها، ثم مالت على الجانب الآخر فقطعت عروقها، ثم أتت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فقال الأعرابي: حسبي حسبي، فقال لها النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): ارجعي فرجعت فجلست على عروقها [و فروعها] [ (3)].

____________

[ (1)] في المرجع السابق: «بعثك».

[ (2)] (دلائل البيهقي): 6/ 25- 26، (دلائل أبي نعيم): 2/ 393- 394، حديث رقم (298)، (المطالب العالية): 4/ 8- 10، حديث رقم (3830)، (الخصائص الكبرى):

2/ 302.

[ (3)] (دلائل أبي نعيم): 2/ 390، حديث رقم (291)، و صالح بن حيان ضعيف، و ما بين الحاصرتين زيادة من المرجع السابق، و زاد بعدها:

فقال الأعرابي: ائذن لي يا رسول اللَّه أن أقبل رأسك و رجليك، ففعل، ثم قال: ائذن لي أن أسجد لك، قال: لا يسجد أحد لأحد، و لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها،

(المستدرك): 4/ 190، حديث رقم (7326/ 87)، و قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، و قال الذهبي في (التلخيص): بل واه، و في إسناده صالح بن حيان: متروك.

43

و روى يحيى بن أبي عمرو [السيباني‏] [ (1)] قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه قال: قال لي مسروق:

أخبرني أبوك أن شجرة أنذرت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بالجن [ (2)].

____________

[ (1)] تصويب للنسب من (تهذيب التهذيب): 11/ 228، ترجمة رقم (425).

[ (2)] (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 1/ 197.

لكن قال ابن أبي حاتم في (علل الحديث): 2/ 392- 393 حديث رقم (2687):

سمعت أبي رضي اللَّه عنه ذكر حديثا رواه ابن فضيل عن أبي حيان، عن عطاء عن ابن عمر قال: كنا مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في سفر، فأقبل أعرابي، فقال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): هل لك إلى خير من الذهاب؟

قال: نعم، قال: تشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، و أني رسول اللَّه، قال الأعرابي فمن يشهد لك؟ قال هذه الشجرة ...

الحديث، قال أبي: و قد حدثنا على الطنافسىّ و عبد المؤمن بن علي، عن ابن فضيل هكذا، و أنا أنكر هذا، لأن أبا حيان لم يسمع من عطاء، و لم يرو عنه، و ليس هذا الحديث من حديث عطاء، قلت: من تراه؟ قال: لحديث أبي جناد أشبه.

* و للَّه درّ الإمام الأبوصيريّ حيث قال:

جاءت لدعوته الأشجار ساجدة* * * تمشي إليه على ساق بلا قدم‏

فكأنما سطرت سطرا لما كتبت‏* * * فروعها من بديع الخط في اللقم‏

و اللقم: بفتح اللام و القاف: أوسط الطريق. فشبّه أثار مشي الشجر لما جاءت إليه (صلى اللَّه عليه و سلم) بكتابة كانت أوقعها على نسبة معلومة، في أسطر منظومة. و إذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى تخر ساجدة بين يديه، فنحن أولى بالمبادرة لامتثال ما دعا إليه، زاده اللَّه شرفا لديه. و تأمل قول الأعرابي: «ائذن لي أن أسجد لك» لما رأى من سجود الشجرة، فرأى أنه أحرى بذلك حتى أعلمه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن ذلك لا يكون إلا للَّه، فحق على كل مؤمن أن يلازم السجود للرب المعبود، و يقوم على ساق العبوديّة، و إن لم يكن له قدم كما قامت الشجرة. (بردة المديح للإمام الأبوصيري)، (حاشية الباجوري على متن البردة)، المواهب اللدنية): 2/ 541- 542.

44

[خامسا: انقلاب العود و القضيب سيفا جيدا]

و أما انقلاب العود و القضيب سيفا جيدا: قال الواقدي: فحدثني عمر بن عثمان الحجني عن أبيه عن عمته قالت: [قال‏] عكّاشة بن محصن: انقطع سيفي في يوم بدر، فأعطاني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عودا فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت به حتى هزم اللَّه المشركين، فلم يزل عنده حتى هلك [ (1)].

و قال يونس عن ابن إسحاق في تسمية من شهد بدرا، قال:

و عكاشة بن محصن و هو الّذي قاتل بسيفه يوم بدر حتى انقطع في يده، فأتى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأعطاه جذلا [ (2)] من حطب فقال: قاتل بهذا يا عكّاشة، فلما أخذه من يد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هزّه فعاد سيفا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح اللَّه على رسوله، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى قتل- يعني في قتال أهل الردة- و هو عنده، فكان ذلك، السيف يسمى العون [ (3)].

قال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد، عن داود بن الحصين، عن رجال من بني الأشهل عدة، قالوا:

انكسر سيف سلمة بن سالم بن حربش يوم بدر، فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب [ (4)]، فقال: اضرب به، فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد [ (5)].

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 1/ 93.

[ (2)] الجذل: أصل الشجرة.

[ (3)] (سيرة ابن هشام): 3/ 185، (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 1/ 219.

[ (4)] ابن طاب: ضرب من الرطب.

[ (5)] (مغازي الواقدي): 1/ 93- 94.

45

و قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي قال:

أخبرنا أشياخنا أن عبد اللَّه بن جحش [ (1)] جاء إلى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم أحد و قد ذهب سيفه، فأعطاه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) عسيبا من نخل، فرجع في يده سيفا [ (2)].

____________

[ (1)] في (خ): «جحيش»، و صوبناه من (الشفا).

[ (2)] (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 1/ 219.

46

[سادسا: حنين الجذع‏]

و أما حنين الجذع: فإنه من الآيات المشهورة، و الأعلام الثابتة، التي نقلها خلف الأمة عن سلفها،

خرج البخاري من حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه جابر بن عبد اللَّه الأنصاري رضي اللَّه عنه،

أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول اللَّه! ألا تجعل لك شيئا تقعد عليه؟ فإن لي غلاما نجارا، قال: إن شئت، قال:

فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) على المنبر الّذي صنع، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى أخذها، فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الّذي يسكّت حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر.

ذكره في كتاب البيوع في باب النجار [ (1)].

و خرج في باب علامات النبوة من حديث يحيى بن سعيد قال: أخبرني حفص ابن عبيد اللَّه بن أنس بن مالك أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه، سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاء النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فوضع يده عليها فسكت. و ذكره في الجمعة في باب الخطبة على المنبر [ (2)].

قال البيهقي: و لهذا الحديث طرق، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكر من طريق الشافعيّ (رحمه اللَّه)، قال: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال:

____________

[ (1)] (فتح الباري): 4/ 400، كتاب البيوع، باب (32) النجار، حديث رقم (2095)، (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 1/ 199.

[ (2)] (فتح الباري): 2/ 504- 505، كتاب الجمعة، باب (26) الخطبة على المنبر، حديث رقم (918)، (فتح الباري): 6/ 746، كتاب المناقب، باب (25) علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3584)، (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 1/ 199.

47

أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و اعتنقها فسكنت [ (1)].

و له من حديث آدم بن أبي إياس قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق الهمذاني عن سعد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا خطب أسند ظهره إلى خشبة، فلما صنع له المنبر فقدته الخشبة فحنت حنين الناقة الخلوج إلى ولدها، فأتاها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فوضع يده عليها فسكنت [ (2)].

و من طريق الأعمش عن أبي صالح، عن جابر قال: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب إلى جذع، فلما جعل له المنبر خطب عليه حنت الخشبة حنين الناقة الخلوج [ (3)]، فاحتضنها فسكنت [ (4)].

و من طريق أبي عوانة عن الأعمش، عن أبي صالح عن جابر عن أبي إسحاق عن ابن أبي كرب عن جابر قال: كانت خشبة في المسجد فكان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب عليها فقلنا له: لو جعلنا لك مثل العريش فقمت عليه، ففعل، فحنت الخشبة كما تحن الناقة، فأتاها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاحتضنها و وضع يده عليها [ (5)].

و من حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن جابر قال: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يقوم إلى جذع نخلة فيخطب قبل أن يوضع المنبر، فلما وضع المنبر صعد

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 2/ 561، (سنن البيهقي): 3/ 195 باب مقام الإمام في الخطبة.

[ (2)] (دلائل البيهقي): 2/ 560، (فتح الباري): 2/ 504- 505، حديث رقم (918) من كتاب الجمعة، باب (26) الخطبة على المنبر.

[ (3)] ناقة خلوج: جذب عنها ولدها بذبح أو موت، فحنت إليه، و قلّ لذلك لبنها، و قد يكون في غير الناقة، و في ذلك ذهاب إلى قوله تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى‏ وَ ما هُمْ بِسُكارى‏ وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج‏]، لسان العرب): 2/ 256.

[ (4)] (دلائل البيهقي): 2/ 562.

[ (5)] (دلائل البيهقي): 2/ 562، و قال في هامشه: هذا الخبر رواه الطبراني في (الكبير).

48

رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [عليه‏] فحنّ ذلك الجذع حتى سمعنا حنينه، قال: فأتاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فوضع يده عليه فسكن [ (1)].

و من حديث يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن جابر مثله، غير أنه قال:

فحنّ حنين العشار [ (2)].

و خرج البخاري من حديث يحيى بن كثير أبي غسان، حدثنا أبو حفص عمر ابن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء، قال: سمعت نافعا عن ابن عمر قال: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه [ (2)].

و قال عبد الحميد: أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا معاذ بن العلاء عن نافع بهذا، و رواه أبو عاصم أيمن بن أبي داود عن نافع عن ابن عمر عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم).

و خرج أبو بكر بن أبي شيبة من حديث حماد بن أبي سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما،

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع حتى أتاه فاحتضنه فسكن. قال:

لو لم احتضنه لحن إلى يوم القيامة [ (3)].

و خرج البيهقي من حديث سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد بن قيس، عن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يقوم يوم الجمعة إذا خطب إلى خشبة ذات فرضتين، أراها من دوم كانت في مصلاه فكان يتكى‏ء إليها، فقال له أصحابه: يا رسول اللَّه! إن الناس قد كثروا فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت يراك الناس، فقال: ما شئتم، قال سهل: و لم يكن بالمدينة إلا

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 2/ 556.

[ (2)] (دلائل البيهقي): 2/ 557، و رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، عن محمد بن المثنى، عن أبي غسان يحيى بن كثير.، و بهذا الإسناد أخرجه الترمذي في صلاة الجمعة، باب ما جاء في الخطبة على المنبر، حديث رقم (918)، (فتح الباري):

2/ 504- 505.

[ (3)] (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 1/ 199.

49

نجار واحد، قال: فذهبت أنا و ذلك النجار إلى الغابة فقطعنا هذا المنبر من أثلة، قال: فقام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فحنت الخشبة فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): ألا تعجبون من هذه الخشبة؟ فأقبل الناس عليها فرقّوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم، فنزل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأتاها فوضع يده عليها فسكنت، فأمر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بها فدفنت تحت منبره أو جعلت في السقف [ (1)].

و من حديث عكرمة بن عمار قال: حدثني إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقوم مسندا ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يوم الجمعة، فخطب الناس فجاءه روميّ فقال:

يا رسول اللَّه! ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع له منبرا درجتين و يقعد على الثالثة، فلما قعد على المنبر خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد بخوراه، فنزل إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فالتزمه فسكن، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): و الّذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لما زال كذا إلى يوم القيامة حزنا على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم أمر به فدفن [ (2)].

ومن حديث ابن المبارك قال: حدثنا مبارك بن فضالة قال: حدثني الحسن عن أنس بن مالك‏

، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يخطب يوم الجمعة و يسند ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا، فسوي له منبرا إنما كانت له عتبتين، فتحول من الخشبة إلى المنبر، قال: فحنت و اللَّه الخشبة حنين الواله [ (2)]، قال أنيس: و أنا في المسجد أسمع ذلك، قال: فو اللَّه ما زالت تحن حتى نزل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من المنبر فمشى إليها فاحتضنها فسكنت،

فبكى الحسن و قال: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) شوقا إليه! أ فليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه [ (3)]؟

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 6/ 559- 560.

[ (2)] في (خ) «حنين الوالدة»، و ما أثبتناه من (دلائل البيهقي).

[ (3)] (دلائل البيهقي): 2/ 559، (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 1/ 200.

50

و من حديث إسحاق الأزرق، عن شريك بن عبد اللَّه، عن عمار الدهني، [ (1)] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة رضي اللَّه عنها قالت:

كان لرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) خشبة يستند إليها إذا خطب، فصنع له كرسي أو منبر، فلما فقدته خارت كما يخور الثور حتى سمعها أهل المسجد، فأتاها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فاحتضنها فسكنت [ (2)].

و خرج أبو محمد الدارميّ قال: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد اللَّه بن عمرو عن عبد اللَّه بن محمد عن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، يصلي [ (3)]، إلى جذع [و يخطب عليه إذا كان المسجد عريشا] [ (4)]، فقال [له‏] رجل [ (4)] من أصحابه [ (5)]: ألا نجعل لك عريشا [ (6)] تقوم‏

____________

[ (1)] في (خ): «الذهبي» و لعله تصحيف و ما أثبتناه من (دلائل البيهقي)، و (تهذيب التهذيب):

7/ 355.

[ (2)] (دلائل البيهقي): 2/ 563 ثم قال: هذه الأحاديث التي ذكرناها في أمر الحنانة كلها صحيحة، و أمر الحنانة من الأمور الظاهرة، و الأعلام النيرة، التي أخذها الخلف عن السلف، و رواية الأحاديث فيه كالتكليف، و الحمد للَّه على الإسلام و السنة، و به العياذ و العصمة.

ثم قال محققه: أحاديث حنين الجذع: رويت عن أنس، و جابر، و سهل بن سعد في البخاري، و حديث أبي بن كعب أخرجه ابن ماجة، و عبد اللَّه بن أحمد في زياداته على المسند، و حديثا ابن عباس و أم سلمة: أخرجهما الطبراني في (الكبير).

و قد روى أحاديث حنين الجذع أيضا البيهقي في (السنن الكبرى)، و أبو نعيم في (الدلائل:

بأسانيده عن جابر، و عن أبيّ بن كعب، و عن سهل بن سعد، و عن أبي سعيد الخدريّ و عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها.

و في الباب أحاديث كثيرة، و صحح كثير من العلماء بالسنة أن حديث حنين الجذع من الأحاديث المتواترة، لوروده عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة، تفيد القطع بوقوع ذلك.

و قال الحافظ ابن حجر: حنين الجذع و انشقاق القمر، نقل كل منهما نقلا مستفيضا، يفيد القطع عند من يطلع على طرق ذلك من أئمة الحديث دون غيرهم، ممن لا ممارسة له في ذلك. (دلائل البيهقي): 2/ 563.

[ (3)] في (خ): «يخطب» و صوبناه من (سنن الدارميّ).

[ (4)] زيادة للسياق المرجع السابق.

[ (5)] في (خ): «من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)»، و ما أثبتناه من المرجع السابق.

[ (6)] في (خ): «هل لك أن نجعل لك منبرا» و ما أثبتناه من المرجع السابق.

51

عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس و تسمع من خطبتك؟ قال: نعم، قال: فصنع له ثلاث درجات [هن اللواتي على المنبر] [ (1)]،

فلما صنع المنبر و وضع في موضعه، و أراد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يقوم على المنبر [مرّ عليه فلما جاوزه‏] [ (2)]، خار [ (3)] حتى تصدع و انشق، فنزل [ (4)] رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان [ (5)] عنده في داره حتى بلي و أكلته الأرضة و عاد رفاتا [ (6)].

و من حديث صالح بن حيان قال: حدثني ابن بريدة عن أبيه قال: قال: كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا خطب قام فأطال القيام، فكان يشق عليه قيامه، فأتي بجذع نخلة فحفر له و أقيم إلى جنبه [قائما للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (7)]، فكان إذا خطب فطال القيام عليه استند إليه فاتكأ عليه، فبصر به رجل كان ورد المدينة [فرآه قائما إلى جنب ذلك الجذع‏] [ (7)] فقال لمن يليه من الناس: لو أعلم أن محمدا يحمدني في شي‏ء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء، و إن شاء قام.

فبلغ ذلك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: ائتوني به، فأتوه به فأمره أن يصنع له هذه المراقي [الثلاث أو الأربع هي الآن في منبر المدينة] [ (7)]، فوجد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في ذلك راحة، فلما فارق النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الجذع و عمد إلى هذه التي صنعت له [ (8)]، جزع الجذع فحن كما تحن الناقة حين فارقه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فزعم ابن بريدة عن أبيه أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) حين سمع حنين الجذع رجع إليه فوضع يده عليه و قال: اختر أن أغرسك في المكان الّذي كنت فيه فتكون كما كنت، و إن شئت [أن‏] [ (7)] أغرسك في‏

____________

[ (1)] في (خ): «و تسمعهم خطبتك» و ما أثبتناه من المرجع السابق.

[ (2)] زيادة للسياق من (سنن الدارميّ).

[ (3)] خرج منه صوت كصوت الثور.

[ (4)] كذا في (خ)، و في المرجع السابق: «فرجع إليه».

[ (5)] كذا في (خ)، و في المرجع السابق: «فلم يزل عنده».

[ (6)] (مسند الدارميّ): 1/ 17- 18، باختلاف يسير.

[ (7)] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (8)] في (خ): «إلى الّذي صنع له»، و ما أثبتناه من المرجع السابق.

52

الجنة فتشرب من أنهارها و عيونها فيحسن نبتك و تثمر فيأكل كل أولياء اللَّه من ثمرك فعلت، فزعم أنه سمع من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو يقول له: نعم قد فعلت مرتين، فسئل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: اختار أن أغرسه في الجنة [ (1)].

و قال البغوي و عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثنا عيسى بن سالم أبو سعيد الشاشي، حدثنا عبيد اللَّه بن عمر- يعني الرقي عن وهب عن عبد اللَّه بن محمد ابن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال:

كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يصلي إلى جذع [و كان المسجد عريشا] [ (2)]، فقال رجال من أصحابه: ألا نجعل شيئا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس و تسمع خطبتك؟ فقال: نعم، فصنع له ثلاث درجات فقام عليها كما كان يقوم، فصغى [ (3)] إليه الجذع فقال له: اسكن، ثم [ (4)] قال لأصحابه: [هذا الجذع حنّ إليّ، فقال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اسكن‏] [ (5)] إن تشأ غرستك [ (6)] في الجنة فيأكل منك الصالحون، و إن تشأ أعيدك [ (7)] رطبا كما كنت، فاختار الآخرة على الدنيا،

فلما قبض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دفع إلى أبيّ فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة [ (8)].

قال البيهقي (رحمه اللَّه): هذه الأحاديث التي ذكرناها في أمر الحنانة كلها صحيحة، و أمر الحنانة من الأمور الظاهرة، و الأعلام النيرة التي أخذها الخلف عن السلف، و رواية الأحاديث فيه كالتكليف، و الحمد للَّه على الإسلام و السنة، و به العياذ و العصمة [ (9)].

____________

[ (1)] (سنن الدارميّ): 1/ 16.

[ (2)] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (3)] في (خ): «فأصغى»، و ما أثبتناه من (المسند).

[ (4)] في (خ): «ثم التفت فقال»، و ما أثبتناه من (المسند).

[ (5)] زيادة للسياق من (المسند).

[ (6)] في (خ): «أن أغرسك» و ما أثبتناه من (المسند).

[ (7)] في (خ): «أن أعيدك» و ما أثبتناه من (المسند).

[ (8)] (مسند أحمد): 6/ 167، حديث رقم (20751)، و رقم (20741)، (20745)، من حديث الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه.

[ (9)] (دلائل البيهقي): 2/ 563.