إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج8

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
395 /
3

[تتمة الفصل في طب رسول اللَّه‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

ليس فيما حرّم شفاء

خرّج مسلم من حديث شعبة، عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل، عن أبيه وائل الحضرميّ،

أن طارق بن سويد الجعفي، سأل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء، و لكنه داء [ (1)].

[أخرجه الترمذي من هذه الطريق و قال:

إنها ليست بدواء، و لكنها داء].

و قال: هذا حديث حسن صحيح [ (2)].

و خرّجه أبو داود، و لفظه: عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: ذكر طارق ابن سويد، أو سويد بن طارق،

سأل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) عن الخمر، فنهاه، ثم سأله فنهاه، فقال له: يا نبي اللَّه! إنها دواء، فقال: لا، و لكنها داء [ (3)].

و له من حديث إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن أبى عمران الأنصاري، عن أم الدرداء [عن أبى الدرداء] رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

إن اللَّه أنزل الداء و الدواء، و جعل لكل داء دواء، فتداووا، و لا

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 13/ 162- 163، كتاب الأشربة، باب (3) تحريم التداوي بالخمر و بيان أنها ليست بدواء، حديث رقم (1984)، قال الإمام النووي: هذا دليل على تحريم اتخاذ الخمر، و فيه التصريح بأنها ليست بدواء فيحرم التداوي بها لأنها ليست بدواء- فكأنه يتناولها بلا سبب، و هذا هو الصحيح عند أصحابنا، أنه يحرم التداوي بها، و كذا يحرم شربها للعطش، و أما إذا غصّ بلقمة، و لم يجد ما يسيغها به إلا خمرا، فيلزمه الإساغة بها، لأن حصول الشفاء بها حينئذ مقطوع به، بخلاف التداوي- و اللَّه تعالى أعلم، (شرح النووي).

[ (2)] (سنن الترمذي): 4/ 339، كتاب الطب، باب (8) ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر، حديث رقم (2046)، و ما بين الحاصرتين مستدرك من هامش الأصل (ج).

[ (3)] (سنن أبى داود): 4/ 304- 306، كتاب الطب، باب (11) في الأدوية المكروهة، حديث رقم (3873).

4

تداووا بحرام [ (1)].

السُّعوط [ (2)]

خرّج البخاري و مسلم من حديث عبد اللَّه بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس رضى اللَّه [عنهما] قال: إن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) احتجم، و أعطى الحجام أجره، و استعط. لفظهما فيه سواء [ (3)].

و للبخاريّ من حديث [ابن عيينة قال: سمعت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

____________

[ (1)] (المرجع السابق): حديث رقم (3874)، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.

و أخرجه ابن ماجة في (السنن): 2/ 1157، كتاب الطب، باب (27) النهى أن يتداوى بالخمر، حديث رقم (3500)، عن طارق بن سويد من غير شك، و لم يذكر أباه.

و أخرجه ابن أبى شيبة في (المصنف): 5/ 37، كتاب الطب، باب (12) في الخمر يتداوى به و

السّكر، حديث رقم (23481)، و فيه: «إنها داء و ليست بدواء».

و حديث رقم (23482)، و فيه: «إن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم».

و حديث رقم (23488) من حديث الزهري عن عائشة، و فيه‏ «من تداوى بالخمر فلا شفاه اللَّه».

[ (2)] السّعوط، و النّشوق و النشوع في الأنف، سعطه الدواء يسعطه و يسعطه سعطا، و الضم أعلى، و الصاد في كل ذلك لغة عن اللحياني. (لسان العرب): 7/ 314.

[ (3)] (فتح الباري): 10/ 182، كتاب الطب، باب (9) السعوط، حديث رقم (5691). قوله:

«، استعط» أي استعمل السعوط، و هو أن يستلقي على ظهره، و يجعل بين كتفيه ما يرفعهما لينحدر رأسه، و يقطر في أنفه ماء أو دهن فيه دواء مفرد أو مركب، ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس. (فتح الباري)، و أخرجه مسلم في السلام، حديث رقم (76).

و أخرجه كل من أبى داود في (السنن): 4/ 200، كتاب الطب- باب (8) في السعوط، حديث رقم (3867) مختصرا.

و الترمذي في (السنن): 4/ 430، كتاب الطب، باب (9) ما جاء في السعوط، حديث رقم (2047)، (2048) بسياقة أتم.

5

عليكم بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية: يستعط به العذرة، و يلدّ به من ذات الجنب [ (1)]،

و دخلت على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بابن لي لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء، فرشّ عليه [ (2)].

و في لفظ لهما: عن أم قيس قالت:

دخلت بابن لي على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و قد أعلقت عنه من العذرة، فقال: [علام‏] [ (3)] تدغرن أولاد كن بهذا العلاق؟

عليكنّ بهذا العود الهندي، فإن فيه سبعة أشفية، منها: ذات الجنب يسعط من العذرة، و يلدّ من ذات الجنب.

فسمعت الزهري يقول: بين لنا اثنين، و لم يبين لنا خمسة، [قال على بن المديني‏] [ (4)]: قلن لسفيان: فإن معمرا يقول: أعلقت عليه .. قال: لم يحفظ، إنما قال: أعلقت عنه، حفظته من في الزهري [ (4)].

و وصف سفيان: الغلام يحنك بالأصبع، و أدخل سفيان في حنكه، يعنى دفع حنكه بإصبعه، و لم يقل: أعلقوا عليه شيئا. ذكره البخاري في باب اللدود، و لم يذكر فيه دخولها عليه بالابن الّذي لم يأكل الطعام. و قد ذكره‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 10/ 183، كتاب الطب، باب (10) السعوط بالقسط الهندي و البحري، حديث رقم (5692).

[ (2)] (المرجع السابق): حديث رقم (5693)

[ (3)] زيادة للسياق من البخاري.

[ (4)] زيادة للسياق من (الأصلين).

(فتح الباري): 10/ 204- 205، كتاب الطب، باب (21) اللدود، حديث رقم (5713)، و تمامه: «و وصف سفيان الغلام يحنك بالإصبع، و أدخل سفيان من حنكه إنما رفع حنكه بإصبعه، و لم يقل أعلقوا عنه شيئا.

و أخرجه الإمام مسلم في كتاب السلام، باب (28) التداوي بالعود الهندي، و هو الكست، حديث رقم (87).

و اللّدود: هو الدواء الّذي يصب في أحد جانبي فم المريض.

6

في الّذي قبله، و الطريق واحدة، و كرره البخاري في مواضع [ (1)].

و أخرجه مسلم من طرق، في بعضها:

عليكن بهذا العود الهندي، يعنى الكست، يريد: القسط [ (2)]

، و لأبى بكر بن أبى شيبة، من حديث الأعمش، عن أبى سفيان، عن جابر رضى اللَّه عنه، قال:

دخل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) على أم سلمة، و عندها صبي [يندر] منخراه دما، فقال: ما هذا؟ قالوا: به العذرة، فقال: علام تدغرن أولادكن؟ إنما يكفى إحداكن أن تأخذ قسطا هنديا فتحه بماء سبع مرات، ثم توجره إياه، قال: ففعلوه، فبرأ [ (3)].

ذات الجنب [ (4)]

خرّج الترمذي من حديث معاذ بن هشام، قال: حدثني أبى، عن قتادة، عن أبى عبد اللَّه، عن زيد بن أرقم رضى اللَّه عنه، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان ينعت الزيت و الورس من ذات الجنب [قال قتادة: يلدّه و يلدّه من الجانب الّذي‏

____________

[ (1)] راجع التعليق السابق.

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 14/ 451، كتاب السلام، باب (28) التداوي بالعود الهندي، و هو الكست، حديث رقم (2214) مختصرا، و الحديث السابق سياقته أتم.

قال الإمام النووي: فمعنى تدغرن أولادكن أنها تغمز حلق الولد بإصبعها، فترفع ذلك الموضع و تكبسه.

و أما العلاق فيفتح العين، و هو مصدر أعلقت عنه، و معناه أزلت عنه العلوق، و هي الآفة و الداهية، و الإعلاق هو معالجة عذرة الصبى، و هي وجع حلقه.

[ (3)] (المصنف): 5/ 32، كتاب الطب، باب (4) ما رخص فيه من الأدوية، حديث رقم (23427).

[ (4)] ذات الجنب اسم يقع على الشوصة، و على السل، و على كل مرض يضجعه على جنبه، و يختلف الدواء فيها، و تفصيله آخره هذا الباب.

7

يشتكيه‏] [ (1)]. قال أبو عيسى: هذا حديث [حسن‏] [ (1)] صحيح، و أبو عبد اللَّه اسمه ميمون، هو شيخ بصرى [ (2)].

و من حديث شعبة، عن خالد الحذاء، أخبرنا ميمون أبو عبد اللَّه قال:

سمعت زيد بن أرقم قال: أمرنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري و الزيت [ (3)]، قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب‏

____________

[ (1)] زيادة للسياق من (سنن الترمذي).

[ (2)] (سنن الترمذي): 4/ 355، كتاب الطب، باب (28) ما جاء في دواء ذات الجنب، حديث رقم (2078).

[ (3)] (المرجع السابق): حديث رقم (2079)، و أخرجه النسائي في (الكبرى)، في الطب، و ابن ماجة في (السنن): 2/ 1148، كتاب الطب، باب (17) دواء ذات الجنب، حديث رقم (3467)، و حديث رقم (3468).

و أخرجه الحاكم في (المستدرك): 4/ 224- 225، كتاب الطب، حديث رقم (7443) و قال:

هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، و قال عنه الذهبي في (التلخيص): صحيح، و حديث رقم (7444)، و قد سكت عنه الذهبي في (التلخيص)، و حديث رقم (7445)، و قال عنه الذهبي في (التخليص): أسنده معمر عن الزهري، قلت: و ميمون أبو عبد اللَّه البصري ضعيف.

قال العلامة ابن القيم: و ذات الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي و غير حقيقي. فالحقيقي: ورم حار يعرض في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع.

و غير الحقيقي: أ لم يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية، تحتقن بين الصّفاقات، فتحدث وجعا قريبا من وجع ذات الجنب الحقيقي، إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود، و في الحقيقي ناخس.

قال صاحب (القانون): قد يعرض في الجنب، و الصّفاقات، و العضل التي في الصدر، و الأضلاع، و نواحيها أورام مؤذية جدا موجعة، تسمى شوصة و برساما، و ذات الجنب.

و قد تكون أيضا أو جاعا في هذه الأعضاء ليست من ورم، و لكن من رياح غليظة، فيظن أنها من هذه العلة، و لا تكون منها.

قال: و اعلم أن كلّ وجع في الجنب قد يسمى ذات الجنب اشتقاقا من مكان الألم، لأن معنى ذات الجنب: صاحبة الجنب، و الغرض به هاهنا وجع الجنب، فإذا عرض في الجنب ألم عن أي سبب كان نسب إليه، و عليه حمل كلام بقراط في قوله: إن أصحاب ذات الجنب ينتفعون بالحمام.

8

صحيح، [لا نعرفه إلا من حديث ميمون عن زيد بن أرقم. و قد روى زيد ابن أرقم عن ميمون غير واحد من هذا الحديث‏] [ (1)] و ذات الجنب: السل.

____________

[ ()] قيل: المراد به كل من به وجع جنب، أو وجع رئة من سوء مزاج، أو من أخلاط غليظة، أو لذاعة من غير ورم و لا حمى.

و يلزم ذات الجنب الحقيقي خمسة أعراض: و هي الحمى و السعال، و الوجع الناخس، و ضيق النفس، و النبض و المنشارى، [و هذا الوصف ينطبق على الوجع الصدرى، نتيجة التهابات الرئة، و يعالج الآن بالأدوية المضادة للميكروبات، مثل أقراص السلفا، و حقن البنسلين، قاله الدكتور الأزهري‏].

و العلاج الموجود في الحديث ليس هو لهذا القسم، لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة، فإن القسط البحري- و هو العود الهندي على ما جاء مفسرا في أحاديث أخر- صنف من القسط إذا دقّ ناعما، و خلط بالزيت المسخن، و دلك به مكان الريح المذكور أو لعق، كان دواء موافقا لذلك، نافعا له، محللا لمادته مذهبا لها، مقويا للأعضاء الباطنة، مفتحا للسّدد، و العود المذكور في منافعه كذلك.

قال المسبّحي عيسى بن يحيى الجرجاني أبو سهل [طبيب حكيم، توفى سنة (390) ه، و له من العمر (40) سنة]: العود حار يابس، قابض يحبس البطن، و يقوى الأعضاء الباطنة، و يطرد الريح، و يفتح السّدد، نافع من ذات الجنب، و يذهب فضل الرطوبة، و العود المذكور جيد للدماغ.

قال: و يجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقية أيضا إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية، لا سيما في وقت انحطاط العلة، و اللَّه تعالى أعلم. (زاد المعاد): 4/ 81- 83، فصل في هديه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في علاج ذات الجنب مختصرا.

[ (1)] زيادة للسياق من (سنن الترمذي).

9

الكحل‏

خرّج أبو داود من حديث زهير قال: أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضى اللَّه [عنهما] قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

البسوا من ثيابكم البياض، فإنّها خير ثيابكم، و كفنوا فيها موتاكم، و إن خير أكحالكم الأثمد، يجلو البصر، و ينبت الشعر [ (1)].

و خرّجه قاسم بن أصبغ، و ابن أيمن من حديث أبى عوانة، عن عبد الرحمن بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

خير أكحالكم الأثمد، فإنه يجلي البصر، و ينبت الشعر.

و للترمذي من حديث عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

إن خير ما تداويتم به اللدود، و السّعوط، و الحجامة، و المشي، و خير ما اكتحلتم به الأثمد، فإنه [يجلو] البصر، و ينبت الشعر،

و كان لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) مكحلة يكتحل بها عند النوم، ثلاثا في كل عين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، و هو حديث عباد

____________

[ (1)] (سنن أبى داود): 4/ 209- 210، كتاب الطب، باب (14) في الأمر بالكحل، حديث رقم (3878)، و أخرجه ابن ماجة في (السنن): 2/ 1156، كتاب الطب، باب (25) الكل بالإثمد، حديث رقم (3495)، و الإثمد هو الكحل الأسود، و يقال: إنه معرّب، قال ابن البيطار في (المنهاج): هو الكحل الأصفهاني، و يؤيده قول بعضهم: و معادنه بالشرق، و في (القاموس): حجر للكحل.

و أخرجه ابن أبى شيبة في (المصنف): 5/ 36، كتاب الطب، باب (10) في الإثمد، من أمر به عند

النوم، حديث رقم (23475): «عليكم بالإثمد عند النوم، فإنه يشدّ البصر، و ينبت الشعر».

و حديث رقم (23476): «خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر و ينبت الشعر».

10

ابن منصور [ (1)].

و خرّجه ابن أيمن بهذا السند، و لفظه: عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

نعم الكحل الأثمد، [يجلو] البصر، و ينبت الشعر.

قال: [و كانت‏] لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) مكحلة، فإذا أراد أن ينام، كحل في كل عين ثلاثا [ (2)].

قلت: و قد ذكر عباد بن منصور هذا، الحافظ أبو أحمد، عبد اللَّه بن عدىّ في كتابه (الكامل)، فيما لخصته منه، فقال: عباد بن منصور الناجي، أبو سلمة، بصرى، قاضى البصرة، قال ابن المديني: قلت ليحيى ابن معين: فعبّاد بن منصور، كان تغيّر؟ قال: لا أدرى، إلّا أنّا حين رأيناه كان لا يحفظ، و لم أر يحيى يرضاه. و قال معاذ بن معاذ: كان قدريا [ (3)].

و قال عباد بن معين: عباد بن منصور، و عباد بن كثير [ (4)]، و عباد بن راشد [ (5)]، ليس حديثهم بشي‏ء، و لكنه يكتب. و مرة قال: عباد بن منصور

____________

[ (1)] (سنن الترمذي): 4/ 206، كتاب اللباس، باب (23) في الاكتحال حديث رقم (1757) بسياقة أخرى مختصرة.

و أخرجه الترمذي في (الشمائل): 64، باب (7) ما جاء في كحل رسول اللَّه (صلّى اللَّه

عليه و سلم) عن جابر بن عبد اللَّه، حديث رقم (52): «عليكم بالإثمد عند النوم ..»،

و عن ابن عباس، حديث رقم (53): «إن خير أكحالكم الإثمد ..»،

و كلاهما حديث صحيح.

[ (2)]

أخرجه ابن أبى شيبة في (المصنف): 5/ 237 كتاب الطب، باب (11) كم يكتحل في كل عين، حديث

رقم (23477) عن أنس: «أنه كان يكتحل ثلاثة في كل عين»، و حديث رقم (23480)، عن ابن عباس قال: «كان للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) مكحلة يكتحل منها ثلاثا في كل عين».

[ (3)] (الكامل لابن عدىّ): 4/ 338- 340، ترجمة رقم (200/ 1167)، لينه بعضهم، و ضعّفه بعضهم، و قال بعضهم: لا بأس به.

[ (4)] (المرجع السابق): ترجمة رقم (198/ 1165) عباد بن كثير الثقفي البصري، ضعفه ابن معين، و قال: كان صالحا، و قال النسائي: متروك، و كذا قال غيرهما من شيوخ النقاد، و ترجمة رقم (199/ 1166) عباد بن كثير قيس الرمليّ، وثقه ابن معين، و ابن أبى شيبة، و قال البخاري: فيه نظر، و ضعفه أبو زرعة، و قال النسائي: ليس بثقة.

[ (5)] (المرجع السابق): ترجمة رقم (201/ 1168)، عباد بن راشد التميمي، مولاهم البصري، البزاز، ضعفوه، و قال الجوزجاني عن أحمد: شيخ صدوق ثقة.

11

ضعيف الحديث، و قال النسائي: ضعيف. قال ابن عدىّ: و هو في جملة من يكتب حديثه. انتهى.

[عبّاد هذا، ولى قضاء البصرة، أيام خرج إبراهيم بن عبد اللَّه بن حسن ابن حسن‏] [ (1)]، و قد حدث عن القاسم بن محمد، و عكرمة، و أبى رجاء العطاردي، و عطاء، و أيوب، و جماعة، و يحيى القطّان، و أبو داود، و روح بن عبادة، و خلق، و قال يحيى القطان: ثقة، لا ينبغي أن يترك حديثه لرأى أخطأ فيه- يعنى القدر- و قال أبو داود: ولى قضاء البصرة خمس مرات، و ليس بذاك، و قالوا: تغيّر، مات سنة اثنتين و مائة.

____________

[ (1)] زيادة للسياق من (المرجع السابق).

12

الحبة السوداء

خرّج البخاري [ (1)] و مسلم [ (2)]، من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن، و سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة رضى اللَّه عنه أخبرهما أنه سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

[إن‏] في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام،

قال ابن شهاب: و السام: الموت، و الحبة السوداء: الشّونيز. لم يقل مسلم: قال ابن شهاب.

و خرّجه النسائي و لفظه:

عليكم بهذه الحبة السوداء، فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام، و السام: الموت [ (3)].

و خرّج البخاري من حديث إسرائيل، عن منصور، عن خالد بن سعيد قال:

خرجنا و معنا غالب بن أبحر، فمرض في الطريق، فقدمنا المدينة و هو مريض، فعاده ابن أبى عتيق، فقال لنا: عليكم بهذه الحبيبة [السوداء] [ (4)]، فخذوا منها خمسا أو سبعا، فاسحقوها، ثم قطروها في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب و في هذا الجانب، فإن عائشة رضى اللَّه عنها حدثتني أنها سمعت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول: إن هذه الحبة السوداء، شفاء من كل داء، إلا من السام، قلت: و ما السام؟ قال: الموت [ (5)].

____________

[ (1)] (فتح الباري): 10/ 176، كتاب الطب، باب (7) الحبة السوداء، حديث رقم (5688).

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 14/ 452، كتاب السلام، باب (29) التداوي بالحبة السوداء، حديث رقم (2251).

[ (3)] لم أجده في (المجتبى)، و لعله في (الكبرى).

[ (4)] في (الأصلين): «السويداء» على التصغير.

[ (5)] (فتح الباري): 10/ 176، كتاب الطب، باب (7) الحبة السوداء، حديث رقم (5687).

قال العلامة ابن القيم: و الشونيز حار يابس في الثالثة، مذهب للنفخ، مخرج لحب القرع، نافع من البرص، و حمى الرّبع [هي التي تنوب كل رابع يوم‏]، و البلغمية، مفتح للسدد، و محلل للرياح،

13

____________

[ ()] مجفف لبلة المعدة و رطوبتها.

و إن دقّ و عجن بالعسل، و شرب بالماء الحار أذاب الحصاة التي تكون في الكليتين و المثانة، و يدرّ البول، و الحيض، و اللبن، إذا أديم. شربه أياما.

و إذا سخّن بالخل، و طلى على البطن، قتل حب القرع، فإن عجن بماء الحنظل الرطب، أو المطبوخ، كان فعله في إخراج الدود أقوى، و يجلو و يقطع، و يحلل، و يشفى من الزكام البارد إذا دقّ و صيّر في خرقه، و اشتمّ دائما، أذهبه.

و دهنه نافع لداء الحية، و من الثآليل و الخيلان [و هي الشامات و البثور السوداء ينبت حولها الشعر غالبا، و يغلب على شامة الخد، و قد ورد في صفة المسيح (عليه السّلام) أنه كان كثير خيلان الوجه‏].

و إذا شرب منه مثقال بماء نفع من البهر و ضيق النّفس، و الضّماد به ينفع من الصداع البارد، و إذا نقع منه سبع حبات عددا في لبن امرأة، و سعط به صاحب اليرقان، نفعه نفعا بليغا.

و إذا طبخ بخلّ، و تمضمض به، نفع من وجع الأسنان عن برد، و إذا استعط به مسحوقا، قلع البثور و الجرب المتقرح، و حلل الأورام البلغمية المزمنة، و الأورام الصلبة، و ينفع من اللّقوة إذا تسعّط بدهنه.

و إذا شرب منه مقدار نصف مثقال إلى مثقال، نفع من لسع الرّتيلاء [أنواع من الهوام، كالذباب و العنكبوت، و الجمع روتيلاوات‏]، و إن سحق ناعما و خلط بدهن الحبة الخضراء، و قطر منه في الأذن ثلاث قطرات نفع من البرد العارض فيها و الريح و السّدد.

و إن قلى، ثم دقّ ناعما، ثم نقع في زيت، و قطر في الأنف ثلاث قطرات أو أربع، نفع من الزكام العارض معه عطاس كثير.

و إذا أحرق و خلط بشمع مذاب بدهن السوسن، أو دهن الحناء، و طلى به القروح الخارجة من الساقين بعد غسلها بالخل، نفعها و أزال القروح.

و إذا سحق بخل، و طلى به البرص و البهق الأسود، و الحزاز الغليظ، نفعها و أبرأها. [الحزاز- بفتح الحاء-: داء يظهر في الجسد فينقشر و يتسع، و هو أيضا القشرة التي تتساقط من الرأس كالنخالة].

و إذا سحق ناعما، و استفّ منه كل يوم درهمين بماء بارد، من عضه كلب كلب قبل أن يفرغ من الماء، نفعه نفعا بليغا، و أمن على نفسه من الهلاك.

و إذا استعط بدهنه، نفع من الفالج و الكزاز، و قطع موادهما، و إذا دخّن به، طرد الهوام، [الكزّاز:

داء من شدة البرد، أو الرعدة منها].

و إذا أذيب الأنزروت بماء، و لطخ على داخل الحلقة، ثم ذر عليها الشونيز، كان من الذروات الجيدة العجيبة النفع من البواسير. (زاد المعاد): 4/ 298- 300.

14

السنا

خرّج الترمذي من حديث عبد الحميد بن جعفر قال: حدثني عتبة بن عبد اللَّه، عن أسماء بنت عميس [رضى اللَّه عنها قالت:]

إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) سألها: بم تستمشين؟ قالت: بالشّبرم، قال: حار، حار، و قال: ثم استمشيت بالسنا، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم): لو أن شيئا كان فيه شفاء من الموت لكان في السنا.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.

و خرّج الحاكم من حديث ابن جريج، عن سعيد بن عقبة الزرقيّ، عن رعة بن عبد اللَّه بن زياد، أن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه، حدّثه عن أسماء بنت عميس،

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) دخل عليها ذات يوم عندها شبرم تدقه، فقال: ما تصنعين بهذا؟ قالت: نسقيه فلانا؟ قالت: يشربه فلان، فقال: لو أن شيئا يدفع الموت، أو ينفع الموت، نفع السنا.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، و لم يخرجاه. و له شاهد من حديث البصريين، عن أسماء بنت عميس [رضى اللَّه عنها]، فذكر حديث عبد الحميد بن جعفر.

و للنّسائىّ من حديث محمد بن عمارة، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبى طلحة، عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

ثلاث فيهن شفاء من كل داء إلا السام: [السنا] و السنوت، قال محمد: و نسيت الثالثة، قالوا: يا رسول اللَّه! هذا السّنا قد عرفناه، فما السنوت؟ قال: لو شاء اللَّه لعرفكموه.

و السنوت [ (1)]: الرّب، و قيل: العسل، و قيل: الكمون‏

____________

[ (1)] قال العلّامة ابن القيم: و فيه سبعة أقوال، أحدهما: أنه العسل، الثاني: أنه ربّ عكّة السمن يخرج‏

15

يمانية، و قيل: هو نبت شبيه بالكمون، و قيل: الرّازيانج، و قيل: الشّبت [ (1)]، و قوله:

هم السّمن بالسّنوت لا السّمن فيهم‏* * * و هم يسقون جارهم أن يقرّدا

فسّره يعقوب بأنه الكمون، و فسّره ابن الأعرابي بأنه نبت شبيه بالكمون، و السّنوت: لغة فيه. ذكر ذلك ابن سيده [ (2)].

____________

[ ()] خططا سوداء على السمن، الثالث: أنه حبّ يشبه الكمون، و ليس بكمون، الرابع: الكمون الكرماني، الخامس أنه الشّبت، السادس: أنه التّمر، السابع: أنه الرّازيانج. (زاد المعاد): 4/ 320.

[ (1)] الشّبتّ: نبات من فضيلة الخيميات يشبه الشمر، و هو من التوابل.

[ (2)] راجع التعليق السابق و الّذي قبله.

16

التّلبينة [ (1)] و الحساء

خرّج البخاري و مسلم، من حديث عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضى اللَّه عنها

، أنها كانت إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النساء، ثم تفرقن إلا أهلها و خاصتها، أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت، ثم صنع ثريد، فصبّت التلبينة عليها، ثم قالت: كلن منها، فإنّي سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول: التلبينة مجمّة لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن.

ذكره البخاري في كتاب الأطعمة [ (2)]، و في الطب [ (3)]، و لفظه:

كانت تأمر بالتلبين للمريض و للمحزون على الهالك، و كانت تقول إني سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول: إن التلبينة تجمّ فؤاد المريض و تذهب ببعض الحزن.

____________

[ (1)] التّلبينة- بفتح المثناة، و سكون اللام، و كسر الموحدة، بعدها تحتانية ساكنة ثم نون-: طعام يتخذ من دقيق أو نخالة و ربما جعل فيها عسل، سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض و الرقة، و النافع منه ما كان رقيقا نضيحا لا غليظا نيئا. (فتح الباري).

[ (2)] (فتح الباري): 9/ 387، كتاب الأطعمة، باب (24) التلبينة، حديث رقم (5417).

قوله: «مجمة» بفتح الجيم و الميم الثقيلة أي مكان الاستراحة، و رويت بضم الميم، أي مريحة.

(المرجع السابق).

[ (3)] (فتح الباري): 10/ 179- 180، كتاب الطب، باب (8) التلبينة للمريض، حديث رقم (5689)، و حديث رقم (5690)، من حديث على بن مسهر، عن هشام عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها كانت تأمرنا بالتلبينة و تقول: هو البغيض النافع.

و البغيض: بوزن عظيم، من البغض، أي يبغضه المريض مع كونه ينفعه كسائر الأدوية.

قال الموفق البغدادي: إن شئت معرفة منافع التلبينة، فاعرف منافع ماء الشعير، و لا سيما إذا كان نخالة، فإنه يجلو، و ينفذ بسرعة، و يغذى غذاء لطيفا، و إذا شرب حارا كان أجلى و أقوى نفوذا، و أنمى للحرارة الغريزية.

17

و خرّج الترمذي من حديث محمد بن السائب بن بركة، عن أمه، عن عائشة قالت:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إذا أخذ أهله الوعك، أمر بالحساء فصنع، ثم أسرهم فحسوا منه، و كان يقول: إنه ليرتق [ (1)] فؤاد المريض، و يسرو [ (2)] عن فؤاد السقيم، كما تسرو إحداكن الوسخ بالماء عن وجهها [ (3)]

. هذا لفظ الترمذي.

و قال النسائي:

و فؤاد المريض، و قال: كما يسرو أحدكم الوسخ بالماء عن وجهه [ (4)].

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. و قد رواه ابن المبارك عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة [رضى اللَّه عنها]، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) [ (5)].

____________

[ ()] قال: و المراد بالفؤاد في الحديث رأس المعدة، فإن فؤاد الحزين يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه و على معدته خاصة لتقليل الغذاء، و الحساء يرطبها و يغذيها و يقويها، و يفعل مثل ذلك بفؤاد المريض.

لكن المريض كثيرا ما يجتمع في معدته خلط مرارى، أو بلغمى، أو صديدى، و هذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة.

قال: و سماه البغيض النافع، لأن المريض يعافه، و هو نافع له، قال: و لا شي‏ء أنفع من الحساء لمن يغلب عليه في غذائه الشعير، و أما من يغلب على غذائه الحنطة، فالأولى به في مرضه حساء الشعير.

(فتح الباري).

[ (1)] يرتق: يشد و يرخى، و المراد هنا الشد، لأن الحزن يرخى القلب.

[ (2)] يسرو: بمعنى يكشف و يجلو.

[ (3)] (سنن الترمذي): 4/ 336، كتاب الطب، باب (3) ما جاء ما يطعم المريض، حديث رقم (2039).

[ (4)] (النسائي في الكبرى): الطب، باب الدواء بالتلبينة.

[ (5)] ثم قال: حدثنا بذلك الحسين بن محمد، حدثنا به أبو إسحاق الطالقانيّ عن ابن المبارك.

و أخرجه ابن ماجة في (السنن): 2/ 1140، كتاب الطب، باب (5) التلبينة، حديث رقم (3445)، و

فيه: «إنه ليرتو فؤاد الحزين، و يسر عن فؤاد السقيم»،

و حديث رقم (3446) من حديث عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال النبي (صلّى اللَّه عليه

و سلم): «عليكم بالبغيض النافع التلبينة»

يعنى الحساء، قالت: و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إذا اشتكى أحد من أهله لم تزل البرمة على النار، حتى ينتهى أحد طرفيه، يعنى: يبرأ أو يموت.

18

____________

[ ()] و أخرجه ابن أبى شيبة في (المصنف) 5/ 38، كتاب الطب، باب (13) في التلبينة، حديث رقم (23491).

و أخرجه الحاكم في (المستدرك): 4/ 227، كتاب الطب، حديث رقم (7454)، و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): هكذا رواه المعافى بن سليمان عنه، و رواه زيد بن الحباب، عن فليح، عن أم مبشر بدل أم المنذر، قال: صحيح.

و حديث رقم (7455)، و قال في (التلخيص): أيمن هو ابن نايله، صحيح.

و أخرجه الإمام مسلم في كتاب السلام، باب (30) التلبينة مجمة لفؤاد المريض، حديث رقم (2216).

قال العلامة ابن القيم: التلبين: هو الحساء الرقيق الّذي هو في قوام اللبن- و من اشتق اسمه، قال الهروي: سميت تلبينة لشبهها باللبن، لبياضها ورقتها، و هذا الغذاء هو النافع للعليل، و هو الرقيق النضيح، لا الغليظ النيئ.

و إذا شئت أن تعرف فضل التلبينة، فاعرف فضل ماء الشعير، بل هي ماء الشعير لهم، فإنّها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته، و الفرق بينها و بين ماء الشعير أنه يطبخ صحاحا، و التلبينة تطبخ منه مطحونا، و هي أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن.

و قد تقدم أن للعادات تأثيرا في الانتفاع بالأدوية و الأغذية، و كانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونا لا صحاحا، و هو أكثر تغذية، و أقوى فعلا، و أعظم جلاء، و إنما اتخذه أطباء المدن منه صحاحا ليكون أرق و ألطف، فلا يشقل على طبيعة المريض، و هذا بحسب طبائع أهل المدن و رخاوتها، و ثقل ماء الشعير المطحون عليها.

و المقصود: أن ماء الشعير مطبوخا صحاحا ينفذ سريعا، و يجلو جلاء ظاهرا، و يغذى غذاء لطيفا، و إذا شرب حارا كان جلاؤه أقوى، و نفوذه أسرع، و إنماؤه للحرارة الغريزية أكثر، و تلميسه لسطوح المعدة أوفق.

و قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم): «فيها مجمّة لفؤاد المريض»، يروى بوجهين: بفتح الميم و الجيم، و بضم الميم و كسر الجيم، و الأول أشهر، و معناه: أنها مريحة له، أي تريحه و تسكنه من الإجمام و هو الراحة.

و قوله: «تذهب ببعض الحزن»، هذا- و اللَّه تعالى أعلم- لأن الغم و الحزن يبرّدان المزاج، و يضعفان الحرارة الغريزية، لميل الروح الحامل لها إلى جهة القلب الّذي هو منشؤها، و هذا الحساء يقوى الحرارة الغريزية بزيادته في مادتها، فتزيل أكثر ما عرض له من الغم و الحزن.

و قد يقال- و هو أقرب-: إنها تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة، فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية، و اللَّه تعالى أعلم .. (زاد المعاد): 4/ 120- 121.

19

اغتسال المريض‏

خرّج البخاري من حديث معمر و يونس، قال الزهري: أخبرنى عبيد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، أن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: لما ثقل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و اشتد وجعه، استأذن أزواجه في أن يمرّض في بيتي، فأذن له، فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض، بين عباس و آخر، قال عبيد اللَّه:

فأخبرت ابن عباس بما قالت عائشة [رضى اللَّه عنها] فقال: هل تدري من الرجل الآخر الّذي لم تسمّ عائشة؟ قلت: لا، قال: هو على بن أبى طالب [رضى اللَّه عنه‏]،

قالت عائشة [رضى اللَّه عنها]:

فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بعد ما دخل بيتها و اشتدّ وجعه: هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أو كيتهنّ، لعلى أعهد إلى الناس،

قالت: فأجلسناه في مخضب لحفصة، طفقنا نصبّ عليه من تلك القرب، حتى جعل يشير إلينا أن قد فعلتنّ، قالت: و خرج إلى الناس، فصلى بهم و خطبهم.

ذكره البخاري في الطب [ (1)]، و في آخر كتاب المغازي [ (2)]، و قال في آخره:

حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن .. الحديث بمثله. و ذكره في كتاب الطهارة [ (2)] و انتهى إلى قوله: ثم خرج إلى الناس و قال: حتى طفق يشير إلينا

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 8/ 178، كتاب المغازي، باب (84) مرض النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و وفاته، حديث رقم (4442).

[ (2)] (المرجع السابق): 1/ 400، كتاب الوضوء، باب (45) الغسل و الوضوء في المخضب و القدح و الحجارة، حديث رقم (198).

قوله: «لما ثقل (صلّى اللَّه عليه و سلم)» أي في وجعه. و في رواية معمر عن الزهري أن ذلك كان في بيت ميمونة رضى اللَّه عنها.

و اختلفوا في الرجلين فقيل: «على و العباس»، و قيل: «أسامة و الفضل»، و قيل: «الفضل‏

20

أن قد فعلتن، و خرّجه مسلم [ (1)]، و انتهى منه إلى قوله: هو عليّ.

____________

[ ()] و ثوبان»، و قيل «بريرة و نوبة»، و جمعوا بين هذه الروايات على تقدير ثبوتها بأن خروجه تعدد، فيتعدد من اتكأ عليه، و هو أولى من قول من قال: تناوبوا في صلاة واحدة.

قوله: «من سبع قرب»، قيل: الحكمة من هذا العدد أن له خاصيته في دفع ضرر السم و السحر، و تمسّك به بعض من أنكر نجاسة سؤر الكلب، و زعم أن الأمر بالغسل منه سبعا، إنما هو لدفع السمية التي في ريقة.

و قد ثبت حديث‏ «من تصبح بسبع تمرات من عجوة لم يضره ذلك اليوم سم و لا سحر»،

و للنسائى في قراءة الفاتحة على المصاب سبع مرات، و سنده صحيح، و في صحيح مسلم: القول لمن به وجع: «أعوذ بعزة اللَّه و قدرته من شر ما أجد و أحاذر سبع مرات»، و في النسائي: «من قال عند مريض لم يحضر أجله: أسأل اللَّه العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات» (فتح الباري) مختصرا.

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 4/ 379، كتاب الصلاة، باب (21) استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض و سفر و غيرهما من يصلى بالناس، و أن من صلّى خلف إمام جالس لعجزه عن القيام لزمه القيام إذا قدر عليه، و نسخ القعود خلف القاعد في حق من قدر على القيام، و حديث رقم (90)، و قال في آخره: قال عبيد اللَّه: فدخلت على عبد اللَّه بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)؟ قال: هات، فعرضت حديثها عليه، فما أنكر منه شيئا، غير أنه قال:

أسمّت لك الرجل الّذي كان مع العباس؟ قلت: لا، قال: هو على. و تكرر ذلك في آخر الحديث رقم (91)، (92)، باختلاف يسير في اللفظ.

و أخرجه البيهقي في (دلائل النبوة): 7/ 173- 174، باب ما جاء في استئذانه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أزواجه في أن يمرّض في بيت عائشة رضى اللَّه عنها، ثم ما جاء في اغتساله و خروجه إلى الناس، و صلاته بهم، و خطبته إياهم و نعيه نفسه إليهم، و إشارته إلى أمنّ الناس عليه في صحبته، و في ص 189- 191، باب ما جاء في آخر صلاة صلاها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بالناس، من أولها إلى آخرها.

و تفسير موقف السيدة عائشة رضى اللَّه عنها و تشددها في عدم ذكر الرجل الآخر، و هو الإمام على ابن أبى طالب (كرم اللَّه وجهه)، يكمن فيما نقله الدكتور عبد المعطى قلعجي محقق (دلائل النبوة للبيهقي)، حيث نقل من كتاب (عائشة و السياسة) للأستاذ سعيد الأفغاني [ص 76- 82] مختصرا:

«لنرجع ثلاثين سنة قبل أن بويع لعلى بالخلافة، فسنجد ثمة نقطة التحول التي فرضت على عائشة اتجاهها الّذي اتجهته مع على رضى اللَّه عنه و لم تستطع الإفلات منه، و لا من عاطفتها العنيفة التي لم تخفف تتابع الأيام و السنين من حدتها، فلنمعن في هذه الأمور التاليات:

1- لم تجتمع أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) على شي‏ء اجتماعهن على الغيرة الشديدة من السيدة عائشة رضى اللَّه عنها، لما خصها به النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) من محبة، إذ حلّت من قلبه المنزلة التي لا تسامى، و الغيرة بين‏

21

و خرّجه النسائي من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة [رضى اللَّه عنها]، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال في وجعه الّذي قبض فيه:

صبّوا عليّ سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلّى أعهد إلى الناس، فأجلسناه في مخضب لحفصة، فما زلنا نصب عليه، حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتنّ.

و خرّجه من طريق سويد بن نصر قال: أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك، عن معمر و يونس، ... كما تقدم أولا [ (1)].

____________

[ ()] الضرائر أمر فطري مألوف، قلّ أن تتنزه عنه امرأة، و كان عليّ و زوجه السيّدة فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، يحاولان حمله (صلّى اللَّه عليه و سلم) على التخفيف من حبه لعائشة، و يسفران لبقية أزواجه بما يرضيهن، و يغضب عائشة، و أظن أن مثل هذه السفارة مما لا تغفره أنثى البتة.

2- موقف على من عائشة في حادث الإفك.

3- إشارات عارضة استخرجتها من مواطنها، لأنها عظيمة الدلالة على رأى عائشة رضى اللَّه عنها في عليّ رضى اللَّه عنه، و عاطفتها نحوه.

الأولى:

فقد رواها عطاء بن يسار، قال: جاء رجل فوقع في عليّ و عمار رضى اللَّه عنهما عند عائشة فقالت: أما عليّ فلست قائلة لك فيه شيئا، و أما عمار رضى اللَّه عنه فإنّي سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول: لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشدهما. [أخرجه الإمام أحمد في (المسند): 7/ 163، حديث رقم (24299)].

الثانية: نبّه إليها داهية بنى هاشم: عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنه، روى عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها قالت: «لما اشتد بالرسول وجعه دعا نساءه فاستأذنهن أن يمرّض في بيتي. فأذن له، فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العباس، و رجل آخر تخط قدماه الأرض، عاصبا رأسه حتى دخل بيتي».

قال راوي الحديث: فحدّثت بهذا الحديث عبد اللَّه بن عباس فقال: هل تدري من الرجل الآخر؟

قلت: لا، قال: على بن أبى طالب، و لكنها لا تقدر على أن تذكره بخير و هي تستطيع.

حتى بعد انقضاء حرب الجمل، و انتهاء الأمر بينهما على خير و تبادل ثناء، لم يزل ما بنفسها نحوه، فقد ذكروا أنه لما انتهى إلى عائشة قتل عليّ، قالت متمثلة:

فألقت عصاها و استقر بها النوى‏* * * كما قرّ عينا بالإياب المسافر

[ (1)] (سنن النسائي): 4/ 435- 436، كتاب الإمامة، باب (40) الائتمام بالإمام يصلى قاعدا، حديث رقم (833) بسياقة أخرى، و لعلّ السياقة التي أوردها المقريزي من (الكبرى).

22

و للبخاريّ من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

الحمى من فيح جهنم، فأطفئوها بالماء. ذكره في كتاب الطب [ (1)]،

و خرّجه مسلم [ (2)]، و خرّجا من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه قال:

أخبرنى نافع، عن ابن عمر أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء [ (3)].

و في لفظ لمسلم:

إن شدة الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء [ (4)].

و لهما من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبيه، عن [عبد اللَّه بن رفاعة قال:] أخبرنى رافع بن خديج قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

الحمى من فيح جهنم، فأبردوها عنكم بالماء [ (5)].

ذكره البخاري في كتاب بدء الخلق [ (6)]، و خرّجه النسائي أيضا [ (7)].

و للترمذي من حديث روح بن عبادة قال: أخبرنا مرزوق أبو عبد اللَّه الشامي، أخبرنا سعيد- رجل من أهل الشام- أخبرنا ثوبان، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

إذا أصاب أحدكم الحمى، فإن الحمى قطعة من النار، فليطفئها

____________

[ (1)] (فتح الباري): 10/ 214، كتاب الطب، باب (28) الحمى من فيح جهنم، حديث رقم (5723).

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 14/ 447، كتاب السلام، باب (26) لكل داء دواء و استحباب التداوي، حديث رقم (79) عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما، حديث رقم (80) عن زيد عن أبيه عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما.

[ (3)] (المرجع السابق): حديث رقم (78).

[ (4)] (المرجع السابق): الحديث الّذي يلي الحديث السابق (بدون رقم)، و أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب (28) الحمى من فيح جهنم، حديث رقم (5725).

[ (5)] (مسلم بشرح النووي): 14/ 449، كتاب السلام، باب (26) لكل داء دواء و استحباب التداوي، حديث رقم (84) و فيه: «من فور جهنم».

[ (6)] (فتح الباري): 6/ 406- 407، كتاب بدء الخلق، باب (10) صفة النار و أنها مخلوقة، حديث رقم (3262)، (3263)، (3264)، من طرق و بسياقات مختلفة.

[ (7)] في الطب من (الكبرى).

23

عنه بالماء، فليستنقع نهرا جارا، ليستقبل جريه الماء، فيقول: بسم اللَّه، اللَّهمّ اشف عبدك، و صدّق رسولك، بعد صلاة الصبح، قبل طلوع الشمس، فليغتمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ في ثلاث فخمس، فإن لم يبرأ في خمس فسبع، فإن لم يبرأ في سبع فتسع، فإنّها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن اللَّه.

قال أبو عيسى هذا حديث غريب [ (1)].

و للحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس [رضى اللَّه عنه‏] أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

إذا حمّ أحدكم فليشن الماء البارد ثلاث ليال [من السحر]

قال: هذا حديث صحيح [ (2)].

____________

[ (1)] (سنن الترمذي): 4/ 357- 358، كتاب الطب، باب (33) بدون ترجمة، حديث رقم (2084).

[ (2)] (المستدرك): 4/ 223، كتاب الطب، حديث رقم (7438)، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق، منه، و قال في آخره: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، و لم يخرجاه، و إنما اتفقا على الأسانيد في أن الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء. و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): على شرط مسلم.

24

اجتناب المجذوم‏

[ (1)]

خرّج البخاري من حديث عفّان قال: [حدثني سليم بن حيّان‏]، حدثني سعيد بن ميناء [قال:] سمعت أبا هريرة رضى اللَّه عنه يقول: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

لا عدوى، و لا طيرة، و لا هامة، و لا صفر، و فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد [ (2)].

____________

[ (1)] الجذام- بضم الجيم و تخفيف المعجمة-: هو علة رديئة، تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله، فتفسد مزاج الأعضاء، و ربما أفسد في آخره إيصالها حتى يتآكل. قال ابن سيده: سمى بذلك لتجذّم الأصابع و تقطعها.

[ (2)] (فتح الباري): 10/ 195، كتاب الطب، باب (19) الجذام، حديث رقم (5707)، و «عفان» هو ابن مسلم الصفّار، و هو من شيوخ البخاري، لكن أكثر ما يخرّج عنه بواسطة، و هو من المعلقات التي لم يصلها في موضع آخر، و قد جزم أبو نعيم أنه أخرجه عنه بلا رواية، و على طريقة ابن الصلاح يكون موصولا، و قد وصله أبو نعيم من طريق أبى داود الطيالسي، و أبى قتيبة مسلم بن قتيبة، كلاهما عن سليم بن حيان، شيخ عفان فيه.

و أخرجه أيضا من طريق عمرو بن مرزوق، عن سليم، لكن موقوفا، و لم يستخرجه الإسماعيلي، و قد وصله ابن خزيمة أيضا.

قوله: «و فر من المجذوم كما تفر من الأسد»، لم أقف عليه من حديث أبى هريرة إلا من هذا الوجه، و من وجه آخر عند أبى نعيم في الطب، لكنه معلول. و أخرج ابن خزيمة في (كتاب التوكل) له شاهد من حديث عائشة، و لفظه: «لا عدوى، و إذا رأيت المجذوم ففر منه كما تفر من الأسد».

و أخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه، قال: «كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): إنا قد بايعناك فارجع»، حديث رقم (2231).

قال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم‏

عن جابر «أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) أكل مع مجذوم و قال: ثقة باللَّه و توكلا عليه».

قال: فذهب عمر رضى اللَّه عنه و جماعة من السلف إلى الأكل معه، و رأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ. و ممن قال بذلك: عيسى بن دينار من المالكية، قال: و الصحيح الّذي عليه الأكثر، و يتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، و حمل الأمر باجتنابه و الفرار منه على الاستحباب و الاحتياط، و الأكل معه على بيان الجواز.

25

____________

[ ()] هكذا اقتصر القاضي و من تبعه على حكاية هذين القولين، و حكى غيره قولا ثالثا و هو الترجيح، و قد سلكه فريقان:

أحدهما: سلك ترجيح الأخبار الدالة على نفى العدوي و تزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك، مثل حديث الباب، فأعلوه بالشذوذ و بأن عائشة أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها «أن امرأة سألتها عنه فقالت: ما قال ذلك، و لكنه قال: لا عدوى، و قال: فمن أعدى الأول؟ قالت: و كان لي مولى به هذا الداء، فكان يأكل في صحافي، و يشرب في أقداحى، و ينام على فراشي»، و بأن أبا هريرة تردد في هذا الحكم كما سيأتي بيانه، فيؤخذ الحكم من رواية غيره، و بأن الأخبار الواردة من رواية غيره في نفى العدوي كثيرة شهيرة، بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك، و مثل حديث «لا تديموا النظر إلى المجذومين»، و قد أخرجه ابن ماجة و سنده ضعيف، و مثل حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى رفعه: «كلم المجذوم و بينك و بينه قيد رمحين»، أخرجه أبو نعيم في الطب، و سنده واه، و مثل ما أخرجه الطبري من طريق معمر عن الزهري: «أن عمر رضى اللَّه عنه قالك لمعيقيب: اجلس منى قيد رمح»، و من طريق خارجة بن زيد، كان عمر رضى اللَّه عنه يقول نحوه، و هما أثران منقطعان، و أما حديث الشريد الّذي أخرجه مسلم فليس صريحا في أن ذلك بسبب الجذام، و الجواب عن ذلك: أن طريق الترجيح لا يصر إليها إلا مع تعذر الجمع، و هو ممكن، فهو أولى.

الفريق الثاني: سلكوا في الترجيح عكس ذلك المسلك، فردوا حديث لا عدوى بأن أبا هريرة رجع عنه، إما لشكه فيه، و إما لثبوت عكسه عنده، قالوا: و الأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج، و أكثر طرقا، فالمصير إليها أولى. قالوا:

و أما حديث جابر: «أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) أخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة و قال: كل ثقة باللَّه و توكلا عليه»

ففيه نظر، و قد أخرجه الترمذي، و بيّن الاختلاف فيه على راويه، و رجح وقفه على عمر رضى اللَّه عنه، و على تقدير ثبوته فليس فيه أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أكل معه، و إنما فيه أنه وضع يده في القصعة، و الجواب أن طريق الجمع أولى كما تقدم، و أيضا فحديث لا عدوى ثبت من غير طريق أبى هريرة فصح عن عائشة، و ابن عمر، و سعد بن أبى وقاص، و جابر، و غيرهم، فلا معنى لكونه معلولا، و اللَّه أعلم.

و في طريق الجمع مسالك أخر:

أحدها: نفى العدوي جملة و حمل الأمر بالفرار من المجذوم على رعاية خاطر المجذم، لأنه إذا رأى الصحيح البدن، السليم من الآفة، تعظم مصيبته، و تزداد حسرته، و نحوه حديث: «لا تديموا النظر إلى المجذومين»، فإنه محمول على هذا المعنى.

ثانيها: حمل الخطاب بالنفي و الإثبات على حالتين مختلفتين، فحيث جاء «لا عدوى» كان المخاطب بذلك من قوى يقينه و صحّ توكله، بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوي، كما يستطيع أن يدفع التّطيّر الّذي يقع في نفس كل أحد، لكن القوى اليقين لا يتأثر به، و على هذا يحمل حديث جابر في أكل المجذوم من القصعة.

26

____________

[ ()] ثالثها: قال القاضي أبو بكر الباقلاني: إثبات العدوي في الجذام و نحوه مخصوص من عموم نفى العدوي، قال: فيكون معنى قوله: «لا عدوى» أي إلا من الجذام و البرص و الجرب مثلا، قال: فكأنه قال: لا يعدى شي‏ء شيئا إلا ما تقدم تبيينى له أن فيه العدوي، و قد حكمي ذلك ابن بطال.

رابعها: أن الأمر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوي في شي‏ء، بل هو لأمر طبيعي، و هو انتقال الداء من جسد لجسد، بواسطة الملامسة، و المخالطة و شم الرائحة، و لذلك يقع في كثير من الأمراض في العادة انتقال الداء من المريض إلى الصحيح بكثرة المخالطة، و هذه طريقة ابن قتيبة فقال: المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته، و محادثته، و مضاجعته، و كذا يقع كثيرا بالمرأة من الرجل و عكسه، و ينزع الولد إليه، و لهذا يأمر الأطباء بترك مخالطة المجذوم، لا على طريق العدوي، بل على طريق التأثر بالرائحة، لأنها تسقم من واظب اشتمامها، قال: و من ذلك قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم): «لا يورد ممرض على مصح»، لأن الجرب الرطب قد يكون بالبعير، فإذا خالط الإبل أو حككها و أوى إلى مباركها، وصل إليها بالماء الّذي يسيل منه، و كذا بالنظر نحو ما به. قال: و أما قوله: «لا عدوى» فله معنى آخر، و هو أن يقع المرض بمكان كالطاعون فيفر منه مخافة أن يصيبه، لأن فيه نوعا من الفرار من قدر اللَّه.

خامسها: أن المراد بنفي العدوي أن شيئا لا يعدى بطبعه، نفيا لما كانت الجاهلية تعتقده أن الأمراض تعدى بطبعها، من غير إضافة إلى اللَّه تعالى، فأبطل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) اعتقادهم ذلك، و أكل مع المجذوم ليبين لهم أن اللَّه هو الّذي يمرض و يشفى، و نهاهم عن الدنو منه ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى اللَّه تعالى العادة بأنها تفضى إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، و في فعله إشارة إلى أنها لا تستقل، بل اللَّه هو الّذي إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثر شيئا، و إن شاء أبقاها فأثرت.

قال البيهقي- بعد أن أورد قول الشافعيّ رضى اللَّه عنه ما نصه-: الجذام و البرص يزعم أهل العلم بالطب و التجارب أنه يعدى الزوج كثيرا، و هو داء مانع للجماع، لا تكاد نفس أحد تطيب بمجامعة من هو به، و لا نفس امرأة أن يجامعها من هو به، و أما الولد فبين أنه إذا كان من ولده أجذم أو أبرص، أنه قلما يسلم، و إن سلم أدرك نسله.

سادسها: العمل بنفي العدوي أصلا و رأسا، و حمل الأمر بالمجانبة على حسم المادة و سد الذريعة، لئلا يحدث للمخالط بشي‏ء من ذلك، فيظن أنه بسبب المخالطة، فيثبت العدوي التي نفاها الشارع، و إلى هذا القول ذهب أبو عبيد و تبعه جماعة، فقال أبو عبيد: ليس في قوله: «لا يورد ممرض على مصح» إثبات العدوي، بل لأن الصحاح لو مرضت بتقدير اللَّه تعالى ربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوي، فيفتتن و يتشكك في ذلك، فأمر باجتنابه. قال: و كان بعض الناس يذهب إلى أن الأمر بالاجتناب إنما هو للمخافة على الصحيح من ذوات العاهة، قال: و هذا شر ما حمل عليه الحديث، لأن فيه إثبات العدوي التي نفاها الشرع، و لكن وجه الحديث عندي ما ذكرته.

قال الشيخ أبو محمد بن أبى جمرة: الأمر بالفرار من الأسد ليس للوجوب، بل للشفقة، لأنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان ينهى أمته عن كل ما فيه ضرر بأي وجه كان، و يدلهم على كل ما فيه خير.

27

و لعبد الرزاق من حديث معمر، عن أيوب و خالد، عن أبى قلابة، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال:

فرّوا من المجذوم فراركم من الأسد.

و في رواية له:

فروا من الأجذم كما تفرون من الأسد.

و لمسلم من حديث يعلى بن عطاء، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال:

كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، أنّا قد بايعناك، فارجع [ (1)]. و خرّجه النسائي.

و لأبى بكر بن أبى شيبة من حديث وكيع، عن عبد اللَّه بن سعيد، عن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن ابن عباس رضى اللَّه [عنهما]، قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

لا تدنوا النظر إلى المجذومين [ (2)].

و خرّجه أبو بشر الدولابي، من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن محمد بن عبد اللَّه، عن أمه فاطمة، عن ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] قال:

نهانا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أن نديم النظر إلى المجذومين، قال: لا تديموا إليهم‏

____________

[ ()] قال: و يمكن الجمع بين فعله و قوله بأن القول هو المشروع من أجل ضعف المخاطبين، و فعله حقيقة الإيمان، فمن فعل الأول أصاب السنة و هي أثر الحكمة، و من فعل الثاني كان أقوى يقينا، لأن الأشياء كلها لا تأثير لها إلا بمقتضى إرادة اللَّه تعالى و تقديره، كما قال تعالى: وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ‏، فمن كان قوى اليقين فله أن يتابعه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في فعله و لا يضره شي‏ء، و من وجد في نفسه ضعفا فليتبع أمره في الفرار، لئلا يدخل بفعله في إلقاء نفسه إلى التهلكة.

و استدل بالأمر بالفرار من المجذوم لإثبات الخيار للزوجين في فسخ النكاح، إذا وجده أحدهما بالآخر، و هو قول جمهور العلماء، و اختلف في أمة الأجذم: هل يجوز لها أن تمنع نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟ و اختلف العلماء في المجذومين إذا كثروا، هل يمنعون من المساجد و المجامع؟ و هل يتخذ لهم مكان منفرد عن الأصحاء؟ و لم يختلفوا في النادر أنه لا يمنع، و لا في شهود الجمعة (فتح الباري): 10/ 196- 200 مختصرا.

[ (1)] راجع التعليق السابق و التالي و الّذي بعده.

[ (2)] راجع التعليق السابق و التالي و الّذي بعده.

28

النظر [ (1)].

و لأبى داود من حديث يونس بن محمد، عن مفضل بن فضالة، عن حبيب بن الشهيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر [رضى اللَّه عنه‏]،

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أخذ بيد مجذوم، فوضعها معه في القصعة و قال: كل ثقة باللَّه [عزّ و جلّ‏] و توكلا عليه [ (2)].

و أخرجه الترمذي بهذا السند، و لفظه:

أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة [ثم‏] قال: كل بسم اللَّه، ثقة باللَّه و توكلا عليه [ (3)].

قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد، عن المفضل ابن فضالة.

____________

[ (1)] راجع التعليق السابق و التالي و الّذي بعده.

[ (2)] (سنن أبى داود): 4/ 239، كتاب الطب، باب (24) في الطيرة، حديث رقم (3925).

[ (3)] (سنن الترمذي): 4/ 234، كتاب الأطعمة، باب (19) ما جاء في الأكل مع المجذوم، حديث رقم (817).

و أخرجه ابن ماجة في (السنن): 2/ 1172، كتاب الطب، باب (44) الجذام، حديث رقم (3542)، و

حديث رقم (3543): أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال: «لا تديموا النظر إلى المجذومين»، و حديث رقم (3544): كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم): «ارجع فقد بايعناك».

قال الحافظ ابن حجر في خاتمة كتاب الطب: اشتمل كتاب الطب من الأحاديث المرفوعة على مائة حديث و ثمانية عشر حديثا، المعلق منها ثمانية عشر طريقا، و البقية موصولة، المكرر منها فيه و فيما مضى خمسة و ثمانون طريقا، و الخالص ثلاثة و ثلاثون، وافقه مسلم على تخريجها، سوى حديث أبى هريرة في نزول الداء و الشفاء، و حديث ابن عباس: الشفاء في ثلاث، و حديث عائشة في الحبة السوداء، و حديث أبى هريرة «فر من المجذوم»، و حديث أنس «رخص لأهل بيت في الرقية»، و حديث أنس «اشف و أنت الشافي»، و فيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ستة عشر أثرا، و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم بالصواب. (فتح الباري): 10/ 309 آخر كتاب الطب.

29

و المفضّل بن فضالة هذا: شيخ بصريّ [ (1)]، المفضّل بن فضالة: شيخ آخر مصرى [ (2)] أوثق من هذا و أشهر. و قد روى شعبة هذا الحديث عن حبيب ابن الشهيد عن ابن بريدة، أن ابن عمر أخذ بيد مجذوم، و حديث شعبة أثبت عندي و أصحّ. ذكره في الأطعمة [ (3)].

____________

[ (1)] هو المفضّل بن فضالة بن أبى أمية القرشيّ، أبو مالك البصري، أخو مبارك بن فضالة مولى آل الخطاب. قال الدوري عن ابن معين: ليس بذاك، و قال أبو حاتم: يكتب حديثه، و قال الآجري عن أبى داود: بلغني عن عليّ أنه قال: في حديثه نكارة، و قال الترمذي: شيخ بصرى، و المصري أوثق منه و أشهر. و قال النسائي ليس بالقوى، و ذكره ابن حبان في (الثقات): له في السنن حديثه عن حبيب عن ابن المندر، عن جابر: أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بيد مجذوم فوضعه معه في القصعة ... الحديث. و زعم بعضهم أنه أخو الفرج بن فضالة و ليس بشي‏ء. قال الحافظ ابن حجر: هذا قول ابن حبان. قال ابن عدي: لم أر له أنكر من هذا، يعنى حديث جابر. (تهذيب التهذيب): 10/ 244، ترجمة رقم (492) مختصرا.

[ (2)] هو المفضّل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة بن مزيد بن نوف الرعينيّ ثم القتباني أبو معاوية المصري قاضيها، قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، و قال الدوري عن ابن معين: رجل صدوق، و قال أبو زرعة: لا بأس به، و قال أبو حاتم و ابن خراش: صدوق في الحديث، و قال ابن يونس: ولى القضاء بمصر مرتين، و كان من أهل الفضل و الدين، ثقة في الحديث، من أهل الورع.

ذكره أحمد بن شعيب. يوما و أنا حاضر فأحسن الثناء عليه و وثقه، و قال: سمعت قتيبة بن سعيد يذكر عنه فضلا، و قال الآجري عن أبى داود: كان مجاب الدعوة.

ولد سنة سبع و مائة، و قال البخاري: مات في شوال سنة إحدى و ثمانين. قال الحافظ ابن حجر:

و ذكره ابن حبان في (الثقات)، و ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل مصر، و قال: كان منكر الحديث. قال عيسى بن حماد: كان مجاب الدعوة، طويل القيام مع ضعف بدنه. (المرجع السابق):

ترجمة رقم (493) مختصرا.

و ذكر أيضا: المفضّل بن فضالة بن المفضل بن فضالة حفيد الّذي قبله، روى عن أبيه عن جده، ذكره ابن حبان في (الثقات)، و ابن يونس في تاريخه و قال: مات سنة أثنيت و خمسين و مائتين (المرجع السابق): ترجمة رقم (494).

و ذكر أيضا: المفضّل بن فضالة النّسوى أبو الحسن، روى عن إبراهيم بن الهيثم البلدي، و عنه أبو أحمد بن عدي. هو و الّذي قبله متأخران، لا يشتبهان بمن قبلهم. (المرجع السابق): ترجمة رقم (495).

[ (3)] (سنن الترمذي): 4/ 234، عقب الحديث رقم (1817).

30

و ذكر الحاكم حديث يونس عن الفضل كما تقدم، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، و لم يخرجاه [ (1)].

____________

[ (1)] (المستدرك): 4/ 152، كتاب الأطعمة، حديث رقم (7196) و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): صحيح.

31

و أما عرق النَّسا

[ (1)]

فخرج الحاكم من حديث الوليد بن مسلم، حدثنا هشام بن حسان، [قال‏]: حدثني أنس بن سيرين [قال:] حدثني أنس بن مالك [رضى اللَّه عنه‏] قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم):

شفاء عرق النّسا: ألية شاة عربية تذاب، ثم تجزّأ ثلاثة أجزاء، فتشرب في ثلاثة أيام.

قال: هذا حديث صحيح [على شرط الشيخين و لم يخرجاه‏] و قد رواه المعتمر بن سليمان، عن هشام بن حسان، بزيادة في المتن [ (2)].

فذكره و لفظه:

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) وصف من عرق النسا ألية شاة عربىّ، ليست بصغيرة، و لا كبيرة، تذاب، ثم تقسم على ثلاثة أجزاء، فيشرب كل يوم جزء على ريق النفس.

قال أنس: و قد وصفت ذلك لثلاثمائة، كلهم يعافيه اللَّه تعالى [ (3)].

و قد رواه حبيب بن الشهيد، عن أنس بن سيرين، فذكره [ (4)]، ثم قال:

____________

[ (1)] عرق النّسا: وجع يبتدئ من مفصل الورك، و ينزل من خلف على الفخذ، و ربما على الكعب، و كلما طالت مدته، زاد نزوله، و تهزل معه الرجل و الفخذ. (زاد المعاد): 4/ 71- 72، فصل في هديه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في علاج عرق النّسا.

[ (2)] (المستدرك): 4/ 229، كتاب الطب، حديث رقم (7459)، و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): على شرط البخاري و مسلم.

[ (3)] (المرجع السابق): حديث رقم (7460).

[ (4)] (المرجع السابق): حديث رقم (7461).

و أخرجه ابن ماجة في (السنن): 2/ 1147، كتاب الطب، باب (14) دواء عرق النّساء، حديث رقم (3463)، و قال في الزوائد: إسناده صحيح و رجاله ثقات، و الألية: ما ركب العجز و تدلى من شحم و لحم.

و أخرجه الحاكم أيضا في (المستدرك): 4/ 452، كتاب الطب، حديث رقم (8247)،

32

____________

[ ()] من حديث هشام بن حسان، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) وصف لهم في عرق النسا أن يأخذوا إليه كبش ليس بعظيم و لا صغير فيداف، ثم يجزأ على ثلاثة أجزاء، فيشرب كل يوم جزءا، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، و قال الحافظ الذهبي في (التخليص): على شرط البخاري و مسلم.

قال العلامة ابن القيم: و هذا الحديث فيه معنى لغويّ، و معنى طبىّ، فأما المعنى اللغويّ: فدليل على جواز تسمية هذا المرض بعرق النّسا خلافا لمن منع هذه التسمية، و قال: النّسا هو العرق نفسه فيكون من باب إضافة الشي‏ء إلى نفسه، و هو ممتنع.

و جواب هذا القائل من وجهين، أحدهما: أن العرق أعم من النّسا، فهو من باب إضافة العام إلى الخاص، نحو: كل الدراهم أو بعضها.

الثاني: أن النسا: هو المرض الحالّ بالعرق، و الإضافة فيه من باب إضافة الشي‏ء إلى محله و موضعه.

قيل: و سمّى بذلك لأن ألمه ينسى ما سواه من و هذا العرق ممتد من مفصل الورك، و ينتهى إلى آخر القدم وراء الكعب من الجانب الوحشي، فيما بين عظم الساق و الوتر.

و أما المعنى الطبي: فقد تقدم أن كلام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) نوعان:

أحدهما: عام بحسب الأزمان، و الأماكن، و الأشخاص، و الأحوال.

و الثاني: خاص بحسب هذه الأمور أو بعضها، و هذا من هذا القسم، فإن هذا خطاب للعرب، و أهل الحجاز، و من جاورهم، و لا سيما أعراب البوادي، فإن هذا العلاج من أنفع العلاج لهم، فإن هذا المرض يحدث من يبس، و قد يحدث من مادة غليظة لزجة، فعلاجها بالإسهال، و الألية فيها الخاصيتان: الإنضاج، و التليين، ففيها الإنضاج و الإخراج.

و هذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين، و في تعيين الشاة الأعرابية لقلة فضولها، و صغر مقدارها، و لطف جوهرها، و خاصية مرعاها، لأنها ترعى أعشاب البرّ الحارة، كالشيح، و القيصوم، و نحوهما، و هذه النباتات إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها بعد أن يلطفها تغذية بها، و يكسبها مزاجا ألطف منها، و لا سيما الألية.

و ظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في اللحم، و لكن الخاصية التي في الألية من الإنضاج و التليين لا توجد في اللبن، و هذا كما تقدم أن أدوية غالب الأمم و البوادي هي الأدوية المفردة، و عليه أطباء الهند.

و أما الروم و اليونان فيعتنون بالمركّبة، و هم متفقون كلهم على أن من مهارة الطبيب أن يداوي بالغذاء، فإن عجز فبالمفرد، فإن عجز، فبما كان أقلّ تركيبا.

و قد تقدم أنّ غالب عادات العرب و أهل البوادي الأمراض البسيطة، فالأدوية البسيطة تناسبها،

33

هذه الأسانيد كلها صحيحة، و قد أعضله حماد بن سلمة عن أنس بن سيرين فقال: عن أخيه معبد، عن رجل من الأنصار، عن أبيه، و القول عندنا [فيه‏] قول المعتمر بن سليمان، و الوليد بن مسلم.

____________

[ ()] و هذا لبساطة أغذيتهم في الغالب. و أما الأمراض المركبة فغالبا ما تحدث عن تركيب الأغذية و تنوعها و اختلافها، فاختيرت لها الأدوية المركبة، و اللَّه تعالى أعلم. (زاد المعاد): 4/ 72- 73، فصل في هديه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في علاج عرق النّسا.

و قد أثبت محقق (زاد المعاد) تعريف الدكتور عادل الأزهري لعرق النّسا، حيث قال: هو مرض يصيب النساء و الرجال على السواء و آلامه مفرطة، تبتدئ غالبا في أسفل العمود الفقرى، و يمتد الألم إلى إحدى الأليتين، ثم إلى الجزء اخلفى من الفخذ، و أحيانا حتى الكعب، و ينتج غالبا من انفصال غضروفى بأسفل العمود الفقرى، أو التهاب روماتزمى بالعصب الإنسى، و علاجه الأساسي الراحة التامة على الظهر، لمدة خمسة عشر يوما على الأقل مع إعطاء مهدئات للألم مثل الأسبرين ... و الحجامات الجافة، و الكيّ أحيانا، يساعدان على علاجه. (زاد المعاد): 4/ 73 هامش.

34

و أما كثرة أمراضه (صلّى اللَّه عليه و سلم)

فخرج الحاكم من حديث إسرائيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال:

قلت لعائشة رضى اللَّه عنها: قد أخذت السّنن عن رسول اللَّه [(صلّى اللَّه عليه و سلم)‏]، و الشعر و العربية عن العرب، فعن من أخذت الطب؟ قالت: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان رجلا مسقاما، و كان أطباء العرب يأتونه فأتعلم منهم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد لم يخرج [ (1)].

و خرّجه ابن حيّان و لفظه: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان [سقيما] في آخر عمره فكانت تقدم عليه و فود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات، فكنت أعالجها، فمن ثمّ [ (2)].

و خرّجه الإمام أحمد من حديث أبى معاوية قال: أخبرنا هشام بن عروة قال: كان عروة يقول لعائشة رضى اللَّه عنها: يا أمتاه! لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة رسول اللَّه، و ابنة أبى بكر، و لا أعجب من علمك بالشعر و أيام النّاس، أقول: ابنة أبى بكر، و كان أعلم الناس، أو من أعلم الناس، و لكن أعجب من علمك بالطب، كيف هو؟ و من أين هو؟ أو ما هو؟ قال: فضربت على منكبه [و] قالت: أي عريّة، إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره، و كانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات، و كنت أعالجها له فمن ثمّ [ (2)].

____________

[ (1)] المستدرك): 4/ 218- 219، كتاب الطب، حديث رقم (7426)، قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): صحيح على شرط البخاري و مسلم.

[ (2)] (مسند أحمد): 7/ 99، حديث رقم (23859).

35

الحِنَّاء

[ (1)] قال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن خالد، حدثنا قائد مولى عبيد اللَّه ابن على بن أبى رافع، عن مولاه، عن [عمته‏] سلمى [ (2)]، قالت:

كنت أخدم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فما كانت تصيبه قرحة، و لا نكتة، إلا و أضع‏

____________

[ (1)] الحناء: بارد في الأولى، يابس في الثانية، و قوة شجر الحناء و أغصانها مركبة من قوة محللة، اكتسبتها من جوهر فيها مائي، حار باعتدال، و من قوة قابضة اكتسبتها من جوهر فيها أرضى بارد.

و من منافعه أنه محلّل نافع من حرق النار، و فيه قوة موافقة للعصب إذا ضمّد به، و ينفع إذا مضغ من قروح الفم و السّلاق- [بثر تخرج على أصل اللسان، و تقشر في أصول الأسنان‏]- العارض فيه، و يبرئ القلاع- [بثرات تكون في جلدة الفم أو اللسان‏]- الحادث في أفواه الصبيان، و الضماد به ينفع من الأورام الحرة الملتهبة، و يفعل في الجراحات فعل دم الأخوين [مادة تجلب من الهند بهذا الاسم»]، و إذا خلط نوره مع الشمع المصفى، و دهن الورد، ينفع من أوجاع الجنب.

و من خواصه: أنه إذا بدأ الجدرىّ يخرج بصبي، فخضبت أسافل رجليه بحناء، فإنه يؤمن على عينيه أن يخرج فيها شي‏ء منه، و هذا صحيح مجرّب لا شك فيه.

و إذا جعل نوره بين طىّ ثياب الصوف طيبها، و منع السوس عنها، و إذا نقع ورقه في ماء عذب يغمره، ثم عصر و شرب من صفوه أربعين يوما كل يوم عشرين درهما مع عشرة دراهم سكر، و يغذّى عليه بلحم الضأن الصغير، فإنه ينفع من ابتداء الجذام يخاصية فيه عجيبة.

و حكى أن رجلا تشقّقت أظافر أصابع يده، و أنه بذل لمن يبرئه مالا، فلم يجد، فوصفت له امرأة أن يشرب عشرة أيام حناء، فلم يقدم عليه، ثم نقعه بماء و شربه، فبرأ و رجعت أظافيره إلى حسنها.

و الحناء إذا ألزمت به الأظفار معجونا حسّنها و نفعها، و إذا عجن بالسمن و ضمّد به بقايا الأورام الحارة التي ترشح ماء أصفر، نفعها، و نفع من الجرب المتقرّح المزمن منفعة بليغة، و هو ينبت الشعر و يقويه، و يحسنه، و يقوى الرأس، و ينفع من النّفّاطات، و البثور العارضة في الساقين و الرجلين، و سائر البدن، (زاد المعاد): 4/ 89- 90.

[ (2)] سلمى: خادم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و هي مولاة صفية بنت عبد المطلب، و هي امرأة أبى رافع مولى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و أم بنيه، و هي التي قبلت إبراهيم بن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و كانت قابلة بنى‏

36

عليها الحناء [ (1)].

____________

[ ()]- فاطمة، و هي التي غسّلت فاطمة مع زوجها و مع أسماء بنت عميس، و شهدت سلمى هذه، خيبر مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم).

[ (1)]

(مسند أحمد): 7/ 616، حديث رقم (27070)، و لفظه: «ما سمعت أحدا قط يشكو إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) وجعا في رأسه إلا قال: احتجم، و لا وجعا في رجليه إلا قال: اخضبها بالحناء، و حديث رقم (27071) و لفظه: «ما اشتكى أحد إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) وجعا في رأسه إلا قال:

احتجم، و لا اشتكى إليه أحد وجعا في رجليه إلا قال: اخضب رجليك».

و أخرجه أبو داود في (السنن): 4/ 194- 195، كتاب الطب، باب (3) في الحجامة، حديث رقم (3858).

و أخرجه الترمذي في (السنن): 4/ 343، كتاب الطب، باب (13) ما جاء في التداوي بالحناء، حديث

رقم (2054)، و لفظه: «ما كان يكون برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قرحة، و لا نكبة إلا أمرنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أن أضع عليها الحناء»

[و القرحة بضم القاف و فتحها].

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث قائد، و روى بعضهم هذا الحديث عن فائد، و قال: عن عبيد اللَّه بن على عن جدته سلمى، و عبيد اللَّه بن على أصحّ، و يقال: سلمى.

حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا زيد بن حباب عن فائد مولى عبيد اللَّه بن على، عن مولاه عبيد اللَّه بن على، عن جدته، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) نحوه بمعناه.

و أخرجه ابن ماجة في (السنن): 2/ 1158، كتاب الطب، باب (29) الحناء، حديث رقم (3502)، و لفظه: كان لا يصيب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) قرحة و لا شوكة إلا وضع عليه الحناء».

هذا الحديث لم يحكم عليه الترمذي بشي‏ء من الصحة أو الحسن، أو الضعف، و الظاهر أنه حديث حسن، و اللَّه تعالى أعلم. (تحفة الأحوذي): 6/ 178- 179.

قوله في رواية أبى داود: «اخضبهما» زاد البخاري في (تاريخه) «بالحناء» قاله في (فتح الودود). و قال القاري: و الحديث بإطلاقه يشمل الرجال و النساء، لكن ينبغي للرجل أن يكتفى باختضاب كفوف الرّجل، و يجتنب صبغ الأظافر، احترازا من التشبه بالنساء ما أمكن.

قال المنذري: و الحديث أخرجه الترمذي و ابن ماجة مختصرا في الحناء، و قال الترمذي: حديث غريب إنما نعرفه من حديث فائد. هذا آخر كلامه.

و فائد هذا مولى عبيد اللَّه بن على بن أبى رافع، و قد وثقه ابن معين، و قال الإمام أحمد، و أبو حاتم الرازيّ: لا بأس به، و في إسناده عبيد اللَّه بن على بن أبى رافع، مولى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، قال ابن معين: لا بأس به، و قال أبو يحيى الرازيّ: لا يحتج بحديثه، هذا آخر كلامه.

37

____________

[ ()] و قد أخرجه الترمذي من حديث على بن عبيد اللَّه عن جدته، و قال: و عبيد اللَّه بن على أصحّ، و قال غيره: على بن عبيد اللَّه بن أبى رافع لا يعرف بحال، و لم يذكره أحد من الأئمة في كتاب، و ذكر بعده حديث عبيد اللَّه بن على بن أبى رافع هذا الّذي ذكرناه و قال: فانظر في اختلاف إسناده بغير لفظه، هل يجوز لمن يدعى السنة أو ينسب إلى العلم أن يحتجّ بهذا الحديث على هذا الحال، و يتخذه سنة و حجة في خضاب اليد و الرجل؟ (عون المعبود):

10/ 242.

38

الذريرة

[ (1)]

خرّج الحاكم من حديث ابن جريج قال: أخبرنى عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبى حسن، حدثتني مريم بنت إياس بن البكير [ (2)]، صاحب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، عن بعض أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و أظنها زينب،

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) دخل عليها فقال: عندك ذريرة؟ فقالت: نعم، فدعا بها، و وضعها على بثرة [ (3)] بين إصبعين من أصابع رجله و قال: اللَّهمّ مطفئ [الكير]، و مكبر الصغير، اطفها عنى، فطفيت [ (4)].

قال: هذا حديث صحيح [الإسناد و لم يخرجاه‏] [ (5)] [و خرّجه الإمام أحمد، من حديث ابن جريج به مثله‏] [ (6)].

____________

[ (1)] الذريرة: فتات من قصب الطيب الّذي يجاء به من بلد الهند، يشبه قصب النّشّاب، و في حديث عائشة رضى اللَّه عنها: طيبت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) لإحرامه بذريرة، قال: هو نوع من الطيب مجموع من أخلاط. (لسان العرب): 4/ 303- 304.

و قال العلامة ابن القيم: الذريرة دواء هندي يتخذ من قصب الذريرة، و هي حارة يابسة، تنفع من أورام المعدة، و الكبد، و الاستسقاء، و تقوى القلب لطيبها. (زاد المعاد): 4/ 113.

[ (2)] اختلف في صحبتها، و أبوها و أعمامها من كبار الصحابة، و لأخيها محمد رؤية.

[ (3)] البثرة: خرّاج صغير يكون عن مادة حارة تدفعها الطبيعة، فتسترق مكانا من الجسد تخرج منه، فهي محتاجة إلى ما ينضجها و يخرجها، و الذريرة أحد ما يفعل بها ذلك، فإن فيها إنضاجا، و إخراجا، مع طيب رائحتها، مع أن فيها تبريدا للنارية التي في تلك المادة، و كذلك قال صاحب (القانون): إنه لا أفضل لحرق النار من الذريرة بدهن الورد و الخل. (زاد المعاد): 4/ 113- 114.

[ (4)] (المستدرك): 4/ 230، كتاب الطب، حديث رقم (7463)، و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): صحيح.

[ (5)] زيادة للسياق من (المستدرك).

[ (6)] (مسند أحمد): 6/ 510، حديث رقم (22631).

و هذا الحديث حديث صحيح، أخرجه ابن السنى (640) ص 237، و وقع له في سنده و هم،-

39

____________

[ ()] و قال الحافظ في (أمالى الأذكار)، فيما نقله عنه ابن علان: حديث صحيح أخرجه النسائي في (اليوم و الليلة)، و هو حديث صحيح الإسناد كما قال أبو عبد اللَّه الحاكم، فإن رواته من رواة (الصحيحين)، إلا مريم بنت إياس بن البكير.

و في لفظه اختلاف يسير، ففي (المستدرك): «اللَّهمّ مطفئ الكير و مكبر الصغير اطفها عنى»، و في (مسند أحمد): بمثله، و في (زاد المعاد): «اللَّهمّ مصغّر الكبير و مكبّر الصغير صغّر ما بى»، و في (الأصلين): «مطفئ الكير» و اللَّه تعالى أعلم بالصواب.

40

و أمّا أنّه [(صلّى اللَّه عليه و سلم)‏] سحر

فخرج البخاري من حديث عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: سحر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) رجل من بنى زريق يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يخيّل إليه أنه يفعل الشي‏ء و ما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم- أو ذات ليلة- و هو عندي، دعا، و دعا، ثم قال: يا عائشة! أ شعرت أن اللَّه [عزّ و جلّ‏] أفتانى فيما استفتيته فيه، أتانى رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، و الآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال:

من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شي‏ء؟ قال: في مشط و مشاطة، و جف طلعة ذكر، قال: و أين هو؟ قال: في بئر ذروان، فأتاها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في ناس من أصحابه، فجاء فقال: يا عائشة! و اللَّه لكأن ماءها نقاعة الحناء، و لكأن نخلها رءوس الشياطين فقلت يا رسول اللَّه! أ فلا استخرجته؟ قال: لا، أما أنا فقد عافاني اللَّه، و كرهت أن أثير على الناس شرا، فأمرت بها فدفنت.

قال البخاري: تابعه أبو أسامة، و أبو ضمرة، و ابن أبى الزناد، عن هشام. و قال الليث و ابن عيينة، عن هشام: في مشط و مشاقة.

يقال: مشاطة: ما يخرج من الشعر إذا مشّط، و المشاقة: من مشاقة الكتان. ترجم عليه البخاري باب: السحر، و ذكره في بدء الخلق، في باب: صفة إبليس و جنوده [ (1)]. و في كتاب الدعاء [ (2)]، و في كتاب‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 6/ 412، كتاب بدء الخلق، باب (11) صفة إبليس و جنوده، حديث رقم (3268).

[ (2)] (المرجع السابق): 11/ 230، كتاب الدعوات، باب (57) تكرير الدعاء، حديث رقم (6391).

41

الأدب [ (1)]، بزيادة ألفاظ و نقص ألفاظ. و خرّجه مسلم من طرق، و خرّجه‏

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 10/ 587، كتاب الأدب، باب (56) قول اللَّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ و قوله: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏ و ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر، حديث رقم (6063).

قال القاضي عياض: فإن قلت: فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) سحر كما حدثنا الشيخ أبو محمد العتّابيّ بقراءتي عليه، قال: أخبرنا حاتم بن محمد، أخبرنا أبو الحسن على بن خلف، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا البخاري [بسنده‏] عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: «سحر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشي‏ء و ما فعله». و في رواية أخرى: «حتى كان يخيل إليه أنه كان يأتى النساء و لا يأتيهن».

و إذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور، فكيف حال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) في ذلك، و كيف جاز عليه، و هو معصوم؟

فاعلم- وفقنا اللَّه و إياك- أن هذا الحديث صحيح متفق عليه، و قد طعنت فيه الملحدة، و تذرعت به لسخف عقولها، و تلبيسها على أمثالها في التشكيك في الشرع.

و قد نزه اللَّه تعالى الشرع و النبي عما يدخل في أمره لبسا، و إنما السحر مرض من الأمراض، و عارض من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض، مما لا ينكر و لا يقدح في نبوته.

و أما ما ورد أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، كان يخيل إليه أنه فعل الشي‏ء و لا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شي‏ء من تبليغه، أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدليل و الإجماع على عصمته من هذا، و إنما هذا فيما يجوز طروؤه عليه في دنياه التي لم يبعث بسببها، و لا فصّل من أجلها، و هو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان. (الشفا): 2/ 160- 161.

و المشط: معروف، و المشاطة: هي الشعر الّذي يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه، و الجفّ:

وعاء طلع النخل، و هو الغشاء الّذي يكون عليه، و يطلق على الذكر و الأنثى، و لذا قيده في الحديث بقوله: «طلعة ذكر».

قال العلامة ابن القيم: و من أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية، و دفع تأثيرها يكون بما يعارضها و يقاومها من الأذكار، و الآيات، و الدعوات التي تبطل فعلها و تأثيرها، و كلما كانت أقوى و أشدّ، كانت أبلغ في النّشرة [ضرب من الرقية و العلاج، يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن، سميت نشرة، لأنه ينشّر بها عنه ما ضاره من الداء].

و ذلك بمنزلة التقاء جيشين، مع كل واحد منهما عدته و سلاحه، فأيهما غلب الآخر قهره، و كان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئا من اللَّه مغمورا بذكره، و له من التوجهات، و الدعوات، و الأذكار،

42

النسائي أيضا [ (1)].

و في جامع معمر بن راشد عن الزهري، قال: سحر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، [سنة] [ (2)]، يخيل إليه أنه يفعل الفعل و هو [(صلّى اللَّه عليه و سلم)‏] لا يفعله. [و قال ابن سعد: السّحر، سينه مثلثة، و الفتح أفصح‏] [ (3)] ((صلّى اللَّه عليه و سلم)).

[و قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني أبو مروان، عن إسحاق‏

____________

[ ()] و التعوذات، ورد لا يخلّ به، يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له، و من أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه.

و عند السحرة: أن سحرهم إنما يتم تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، و النفوس الشهوانية التي هي معلقة بالسفليات، و لهذا فإن غالب ما يؤثر في النساء، و الصبيان، و الجهال، و أهل البوادي، و من ضعف حظه من الدين، و التوكل، و التوحيد، و من لا نصيب له من الأوراد الإلهية، و الدعوات و التعوذات النبويّة، و بالجملة: فسلطان تأثيره في القلوب الضعيفة المنفعلة، التي يكون ميلها إلى السفليات. قالوا: و المسحور هو الّذي يعين على نفسه، فإنا نجد قلبه متعلقا كثير الالتفات إليه، فيتسلط على قلبه بما فيه من الميل و الالتفات.

و الأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لتسلطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، و بفراغها من القوة الإلهية، و عدم أخذها للعدة التي تحاربها بها، فتجدها فارغة لا عدة معها، و فيها ميل إلى ما يناسبها، فتتسلط عليها، و يتمكن تأثيرها فيها بالسحر و غيره. و اللَّه تعالى أعلم. (زاد المعاد): 4/ 126- 127.

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم): «فكرهت أن أثير على الناس شرّا»،

معناه أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) ترك استخراج السحر خشية أن يثور على الناس منه شرّ، فسلك مسلك العدل في أن لا يحصل لمن لم يتعاط السحر من أثر الضرر الناشئ عن السحر شرّ و سلك مسلك الإحسان في ترك عقوبة الجاني (فتح الباري): 10/ 588.

و أخرجه البخاري في (الطب) باب (47) السحر، حديث رقم (5763) و في باب (49) هل يستخرج السحر، حديث رقم (5765)، و أخرجه مختصرا في كتاب الجزية و الموادعة باب (14) هل يعفى عن الذّمىّ إذا سحر، حديث رقم (3175).

[ (1)] و أخرجه ابن أبى شيبة في (المصنف): 5/ 40، كتاب الطب، حديث رقم (23508) مختصرا، و حديث رقم (23509) كما ذكره المقريزي من رواية البخاري.

[ (2)] زيادة للسياق.

[ (3)] ما بين الحاصرتين سقط من النسخة (ج).

43

ابن عبد اللَّه، عن عمر بن الحكم قال: لما رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من الحديبيّة في ذي الحجة و دخل الحرم، جاءت رؤساء يهود الذين بقوا بالمدينة، ممن يظهر الإسلام، و هو منافق، إلى لبيد بن الأعصم اليهودي، و كان حليفا في بنى زريق، و كان ساحرا، قد علمت ذلك يهود، أنه أعلمهم بالسحر و بالسموم، فقالوا له: يا أبا الأعصم، أنت أسحر منّا، و قد سحرنا محمدا فسحره منا الرجال و النساء، فلم نصنع شيئا، و أنت ترى أثره فينا، و خلافه ديننا، و من قتل منا و أجلى، و نحن نجعل لك [على ذلك‏] جعلا على أن تسحره لنا سحرا ينكوه، فجعلوا له ثلاثة دنانير، على أن يسحر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (1)].

[فعمد إلى مشط، و ما يمشط [من الرأس‏] من الشعر، فعقد فيه عقدا، أو تفل فيه تفلا، و جعله في جب طلعة ذكر، ثم انتهى به حتى جعله تحت أرعوفة البئر، فوجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أمرا أنكره، حتى يخيل إليه أنه يفعل الشي‏ء و لا يفعله، و أنكر بصره حتى دله اللَّه عليه، فدعا جبير بن إياس الزّرقيّ، و قد شهد بدرا، فدله على موضع في بئر ذروان، تحت أرعوفة البئر، فخرج جبير حتى استخرجه ثم أرسل إلى لبيد بن الأعصم،

فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقد دلني اللَّه على سحرك، و أخبرنى ما صنعت، قال: حبّ الدنانير يا أبا القاسم‏] [ (1)].

[قال إسحاق بن عبد اللَّه: فأخبرت عبد الرحمن بن كعب بن مالك بهذا الحديث فقال: إنما سحره بنات أعصم- أخوات لبيد- و كنّ أسحر من لبيد و أخبث، و كان لبيد هو الّذي ذهب به، فأدخله تحت أرعوفة البئر، فلما عقدوا تلك العقد، أنكر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) تلك الساعة بصره، و دسّ بنات‏

____________

[ (1)] (طبقات ابن سعد): 2/ 197- 199، ذكر من قال: إن اليهود سحرت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.

44

أعصم إحداهن، فدخلت على عائشة رضى اللَّه عنها، فخبرتها عائشة، أو سمعت عائشة تذكر ما أنكر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) من بصره، ثم خرجت إلى أخواتها، و إلى لبيد، فأخبرتهم، فقالت إحداهن: إن يكن نبيا فسيخبر، و إن يكن غير ذلك، فسوف يدلّهه هذا السحر حتى يذهب عقله، فيكون بما نال من قومنا و أهل ديننا، فدله اللَّه عليه‏] [ (1)].

قال الحارث بن قيس: يا رسول اللَّه! ألا نهوّر البئر؟ فأعرض عنه [رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)‏] فهوّرها الحارث بن قيس و أصحابه، و كان يستعذب منها. قال:

و حفروا بئرا أخرى، فأعانهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في حفرها، حين هوّروا الأخرى التي سحر فيها، حتى أنبطوا ماءها، ثم تهوّرت بعد. و يقال: إن الّذي استخرج السحر بأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قيس بن محصن‏] [ (1)].

____________

[ (1)] (طبقات ابن سعد): 2/ 197- 199، ذكر من قال إن اليهود سحرت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه، و هذه الفقرات سقطت من النسخة (ج).

45

و أما أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) سمّ‏

فخرّج البخاري في الطب [ (1)]، و في الجزية و الموادعة [ (2)]، من حديث الليث قال: حدثني سعيد عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال:

لما فتحت خيبر، أهديت لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) شاة فيها سمّ، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): أجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود، فجمعوا له، فقال لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): إني سائلكم عن شي‏ء، فهل أنتم صادقىّ عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم [رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)‏]: من أبوكم؟ قالوا: أبونا فلان [فقال كذبتم، أبوكم فلان‏] فقالوا: صدقت و بررت، فقال: هل أنتم صادقىّ عن شي‏ء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، و إن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): من أهل النار؟

قالوا: نكون فيها يسيرا، ثم تخلفوننا فيها، فقال لهم: اخسئوا فيها، و اللَّه لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال لهم: هل أنتم صادقىّ عن شي‏ء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سمّا؟ قالوا: نعم، قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: إن كنت كاذبا، نستريح منك، و إن كنت نبيا، لم يضرك.

و للبخاريّ من حديث شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك [رضى اللَّه عنه قال:]

إن يهودية أتت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، بشاة مسمومة، فأكل‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 10/ 300، كتاب الطب، باب (55) ما يذكر في سمّ النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، حديث رقم (5777).

[ (2)] (المرجع السابق): 6/ 334، كتاب الجزية و الموادعة، باب (7)، إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟ حديث رقم (3169).

46

منها، فجي‏ء بها، [فقيل:] ألا نقتلها؟ قال: لا، [قال:] فما زلت أعرفها في لهوات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم).

ذكره البخاري في كتاب الهبة، في باب: قبول الهدية من المشركين [ (1)].

و لمسلم بهذا السند:

أن امرأة يهودية أتت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) بشاة مسمومة فأكل [منها]، فجي‏ء بها إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، فسألها عن ذلك فقالت:

أردت لأقتلك! قال: ما كان اللَّه ليسلطك على ذاك، أو قال: عليّ، قالوا:

ألا نقتلها؟ قال: لا،

قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) [ (2)].

و قال البخاري في آخر المغازي، في أول باب مرض النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلم) و وفاته:

____________

[ (1)] (فتح الباري): 5/ 287، كتاب الهبة و فضلها و التحريض عليها، باب (28) قبول الهدية من المشركين، حديث رقم (2617).

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 14/ 429، كتاب السلام، باب (18) السم، حديث رقم (2190)، «اللهوات»: جمع لهات- بفتح اللام- و هي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك، و قيل: اللحمات اللواتي في سقف أقضى الفم.

و قوله: «ما زلت أعرفها» أي العلامة، كأنه بقي للسم علامة و أثر من سواد أو غيره.

و قوله (صلّى اللَّه عليه و سلم): «ما كان اللَّه ليسلطك على ذاك. أو قال: عليّ»، فيه بيان عصمته (صلّى اللَّه عليه و سلم) من الناس كلهم، كما قال تعالى: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏ و هي معجزة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، في سلامته من السم المهلك لغيره، و في إعلام اللَّه تعالى له بأنها مسمومة، و كلام عضو منها له، فقد جاء في غير مسلم أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قال: إن الذراع تخبرني أنها مسمومة، و هي المرأة اليهودية الفاعلة للسم اسمها زينب بنت الحارث، أخت مرحب اليهودي، و هي امرأة سلام بن مشكم.

و قصة الشاة المسمومة رواها كل من:

ابن سعد في (الطبقات): 2/ 200- 203، ذكر ما سمّ به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم).

و الحافظ البيهقي في (دلائل النبوة): 7/ 172، باب ما جاء في إشارته إلى عائشة رضى اللَّه عنها في ابتداء مرضه بما يشبه النعي، ثم إخباره إياها بحضور أجله و ما في حديثها من أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) توفى شهيدا.

و أبو داود في (السنن): 4/ 647، كتاب الديات، باب (6) فيمن سقى رجلا سما أو أطعمه فمات، أ يقاد منه؟ حديث رقم (4508)، (4509)، (4510)، (4511)، (4512)، (4513)، (4514)، من طرق مختلفة، و بسياقات مختلفة، بعضها مختصرا و بعضها مطولا.

47

و قال يونس عن الزهرىّ: قال عروة: قالت عائشة [رضى اللَّه عنها]:

كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول في مرضه الّذي مات فيه: يا عائشة! ما [أزال‏] أجد ألم الطعام الّذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهرى من ذلك السم [ (1)].

____________

[ (1)] (فتح الباري): 8/ 165، كتاب المغازي، باب (84) مرض النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و وفاته، حديث رقم (4428). قوله: «ما أزال أجد ألم الطعام» أي أحسّ الألم في جوفي بسبب الطعام. و قال الداوديّ:

المراد أنه نقص من لذة ذوقه. و قوله: «أوان» بالفتح على الظرفية.

قال أهل اللغة: الأبهر عرق مستبطن متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه، و قال الخطّابى: يقال إن القلب متصل به (فتح الباري).

قال القاضي عياض: و اختلف [أهل‏] الآثار و العلماء: هل قتلها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) أم لا؟ فوقع في صحيح مسلم أنهم «قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا» و مثله عن أبى هريرة، و جابر، و عن جابر من رواية أبى سلمة أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قتلها، و في رواية ابن عباس أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور، و كان أكل منها فمات بها فقتلوها، و قال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) قتلها.

قال القاضي: و وجه الجمع بين هذه الروايات و الأقاويل، أنه لم يقتلها أولا حين أطلع على اسمها، و قيل له: فقال: لا.

فلما مات بشر بن البراء من ذلك [السم‏] سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصا، فيصحّ قوله: لم يقتلها أي في الحال، و يصحّ قولهم: قتلها، أي بعد ذلك، و اللَّه تعالى أعلم (مسلم بشرح النووي): 14/ 429- 430.

48

و أما أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) رقى‏

فخرّج مسلم من حديث ابن وهب قال: أخبرنى يونس عن ابن شهاب [قال‏]: أخبرنى نافع بن جبير بن مطعم، عن عثمان بن أبى العاص الثقفي،

أنه شكا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): ضع يدك على الّذي تألم من جسدك و قل: باسم اللَّه ثلاثا، و قل سبع مرات: أعوذ باللَّه و قدرته، من شر ما أجد و أحاذر [ (1)].

و خرّجه الترمذي من حديث مالك، عن يزيد بن [خصيفة]، عن عمر ابن عبد اللَّه بن كعب السلمي، أن نافع بن جبير بن معطم، أخبره عن عثمان بن أبى العاص أنه قال:

أتانى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) و بى وجع قد كاد يهلكني، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم): امسح بيمينك سبع مرات و قل: أعوذ بعزة اللَّه و قدرته من شرّ ما أجد، قال: ففعلت، فأذهب اللَّه ما كان بى، فلم أزل آمر به أهلي و غيرهم.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح [ (2)].

و خرّجه أبو داود بهذا الإسناد، أنه أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم)، قال عثمان: و بى وجع قد كان يهلكني .. الحديث [ (3)].

و خرّجه الحاكم من حديث المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن‏

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي) 14/ 439- 440، كتاب السلام، باب (24) استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، حديث رقم (67).

[ (2)] (سنن الترمذي): 4/ 355- 356، كتاب الطب، باب (29) بدون ترجمة، حديث رقم (2080).

[ (3)] (سنن أبى داود): 4/ 217- 218، كتاب الطب، باب (19) كيف الرقى؟ حديث رقم (3891).

49

ابن عباس [رضى اللَّه عنهما] قال:

كان النبي [(عليه السّلام)‏] إذا عاد المريض، جلس عند رأسه ثم قال سبع مرات: أسأل اللَّه العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، فإن كان في أجله تأخير عوفي من وجعه ذلك. قال:

هذا حديث صحيح [ (1)]، و ذكر له عدة طرق.

و خرّجه البخاري أيضا في الأدب المفرد به مثله.

و لأبى داود من حديث الليث، عن زياد بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبى الدرداء قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول:

من اشتكى منكم شيئا أو [اشتكاه‏] أخ له فليقل: ربّنا الّذي في السماء، تقدّس اسمك، أمرك في السماء و الأرض، [كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض‏]، اغفر لنا حوبنا و خطايانا، أنت ربّ الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، و شفاء من شفائك، على هذا الوجع، فيبرأ [ (2)].

____________

[ (1)]

(المستدرك): 4/ 461- 462، كتاب الرقى و التمائم، حديث رقم (8282)، و لفظه: «من عاد مريضا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل اللَّه العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك و يعافيك، إلا عافاه اللَّه من ذلك المرض»

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرجاه، بعد أن اتفقا على حديث المنهال بن عمرو بإسناده، كان يعوذ الحسن و الحسين.

و أخرج ابن ماجة في (السنن): 2/ 1163، كتاب الطب، باب (36) ما عوّذ به النبي

(صلّى اللَّه عليه و سلم) و ما عوّذ به، حديث رقم (3522)، و لفظه: «قدمت على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و بى وجع كاد يبطلني، فقال لي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم): اجعل يدك اليمنى عليه و قل: بسم اللَّه، أعوذ بعزة اللَّه و قدرته من شر ما أجد و أحاذر سبع مرات» فقلت ذلك، فشفاني اللَّه.

[ (2)] (سنن أبى داود): 4/ 218، كتاب الطب، باب (19) كيف الرقى، حديث رقم (3892)، الحوب: الإثم، و منه قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [النساء: 3] (معالم السنن)].

و أخرجه الإمام أحمد في (المسند): 7/ 34- 35، حديث رقم (23437) من مسند فضالة بن عبيد

الأنصاري، و لفظه، قال: «علمني النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) رقية أن أرقى بها من بدا لي، قال لي: قل ربنا اللَّه الّذي في السموات، تقدس اسمك، أمرك في السماء و الأرض، اللَّهمّ كما أمرك في السماء فاجعل‏

50

و للبخاريّ و مسلم و أبى داود، من حديث سفيان، حدثني عبد ربه بن سعيد بن عمرة، عن عائشة رضى اللَّه عنها [قالت‏] إن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان يقول للمريض:

بسم اللَّه تربة أرضنا، و ريقه بعضنا، يشفى سقيمنا.

اللفظ للبخاريّ و في لفظ له: قالت: كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول في الرقية:

تربة أرضنا، و ريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا.

ذكرهما في باب: رقية النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) [ (1)].

و لفظ مسلم: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان إذا اشتكى الإنسان الشي‏ء منه، أو كان به قرحة أو جرح، قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) بإصبعه هكذا، و وضع سفيان سبّابته بالأرض ثم رفعها، بسم اللَّه تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به سقيمنا، بإذن ربنا [ (2)]. و في لفظ: ليشفى [ (3)].

و لفظ أبى داود: قالت كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) يقول للإنسان إذا اشتكى:

يقول بريقه، ثم قال: به في التراب تربة أرضنا، بريقة بعضنا، ليشفى سقيمنا، بإذن ربنا [ (4)].

____________

[ ()] رحمتك علينا في الأرض، اللَّهمّ رب الطيبين اغفر لنا حوبنا و ذنوبنا و خطايانا، و نزل رحمة من رحمتك، و شفاء من شفائك على ما بفلان من شكوى، فيبرأ، قال: و قل ذلك ثلاثا ثم تعوذ بالمعوذتين ثلاث مرات».

[ (1)] (فتح الباري): 10/ 253، كتاب الطب، باب (38) رقية النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم)، حديث رقم (5745)، (5746).

[ (2)]، (3) (مسلم بشرح النووي): 14/ 434، كتاب السلام، باب (21)، استحباب الرقية من العين و النملة و الحمة و النظرة، حديث رقم (54).

[ (4)]

(سنن أبى داود): 4/ 219- 220، كتاب الطب، باب (كيف الرقى)، حديث رقم (3895)، و أخرجه ابن ماجة في (السنن): 2/ 1163، كتاب الطب، باب (36) ما عوذ به النبي (صلّى اللَّه

عليه و سلم) و ما عوذ به، حديث رقم (3521)، و لفظه: عن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان مما يقول للمريض ببزاقه إصبعه: «بسم اللَّه، تربة أرضنا، بريقه بعضنا، ليشفى سقيمنا بإذن ربنا».

أي كان يأخذ من ريقه على إصبعه شيئا ثم يضعها على التراب فيعلق به منه شي‏ء، فيمسح بها على الموضع الجريح، «تربة أرضنا» أي هذه تربة أرضنا «بريقة بعضنا» يدل على أنه كان يتفل عند الرقية.

51

و للبخاريّ من حديث سفيان، حدثني سليمان، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة رضى اللَّه عنها،

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان يعوّذ بعض أهله، يمسح بيده و يقول: اللَّهمّ ربّ الناس، اذهب الباس، و اشفه أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما.

ذكره في باب رقية النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) [ (1)].

و خرّجه الإمام أحمد بهذا السند، و لفظه:

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان يعود بعض أهله، يمسحه بيمينه فيقول: أذهب الباس ربّ الناس، و اشف إنك أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما.

و خرّجه مسلم عن الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق، عن عائشة [رضى اللَّه عنها] قالت:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إذا اشتكى [منا] [ (2)] إنسان مسحه بيمينه، ثم قال: أذهب الباس رب الناس، و اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما، فلما مرض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) [و ثقل‏] [ (3)] أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي، ثم قال: اللَّهمّ اغفر لي، و اجعلني مع الرفيق [الأعلى‏]،

[قالت:] فذهبت‏

____________

[ ()] قال النووي: معنى الحديث أنه (صلّى اللَّه عليه و سلم) أخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب، فعلق به شي‏ء منه، ثم يمسح الموضع العليل أو الجرح، قائلا الكلام المذكور في حالة المسح.

«ليشفى» على بناء المفعول .. متعلق بمحذوف أي قلنا هذا القول، أو صنعنا هذا الصنيع، ليشفى سقيمنا. «بإذن ربنا» متعلق بقوله: «ليشفى».

[ (1)] (فتح الباري): 10/ 253، كتاب الطب، باب (38) رقية النبي، حديث رقم (5743)، و أخرجه ابن ماجة في (السنن): 2/ 1163، كتاب الطب، باب (36) ما عوّذ به النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) و ما عوّذ به، حديث رقم (3520).

[ (2)]

(مسند أحمد): 7/ 68- 69، حديث رقم (23662)، من حديث السيدة عائشة رضى اللَّه عنها، ثم

قالت: «فلما ثقل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) في مرضه الّذي مات فيه، أخذت بيده فجعلت أمسحه بها و أقولها، قالت: فنزع يده منى ثم قال: رب اغفر لي و ألحقنى بالرفيق الأعلى- قال أبو معاوية- قالت:

فكان هذا آخر ما سمعت من كلامه- قال ابن جعفر- إن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان إذا عاد مريضا مسحه بيده و قال: اذهب البأس رب الناس».

[ (3)] زيادة للسياق من (صحيح مسلم).

52

انظر، فإذا هو قد قضى، (صلّى اللَّه عليه و سلم) [ (1)]

و للبخاريّ و مسلم من حديث النضر، عن هشام بن عروة [قال:] أخبرنى أبى عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان يرقى يقول:

امسح الباس ربّ الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت [ (2)].

و خرّجه الإمام أحمد من حديث يحى، عن هشام قال: حدثني أبى عن عائشة، رضى اللَّه عنها، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلم) كان يرقى:

امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا يكشف الكرب إلا أنت [ (3)].

و لمسلم من حديث عباد بن عباد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلم) إذا مرض أحد من أهله، نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الّذي مات فيه، جعلت أنفث عليه، و أمسحه بيد نفسه، لأنها كانت أعظم بركة من يدي [ (4)].

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 14/ 430، كتاب السلام، باب (19) استحباب رقية المريض، حديث رقم (46).

[ (2)] (فتح الباري): 10/ 253، كتاب الطب، باب (38) رقية النبي، حديث رقم (5744)، (مسلم بشرح النووي): 14/ 432، كتاب السلام، باب (19) استحباب رقية المريض، حديث رقم (49).

[ (3)] (مسند أحمد): 7/ 76، حديث رقم (23714) من حديث السيدة عائشة رضى اللَّه عنها.

[ (4)] (مسلم بشرح النووي): 14/ 432، كتاب السلام، باب (20) رقية المريض بالمعوذات و النفث، حديث رقم (50).

قوله: «نفث عليه بالمعوذات» هي بكسر الواو، و النفث: نفخ لطيف بلا ريق، فيه استحباب النفث في الرقية، و قد أجمعوا على جوازه، و استحبه الجمهور من الصحابة و التابعين و من بعدهم.

قال القاضي عياض: و أنكر جماعة النفث و التفل في الرقى، و أجازوا فيها النفخ بلا ريق، و هذا المذهب و الفرق إنما يجي‏ء على قول ضعيف، قيل: إن النفث معه ريق، قال: و قد اختلف العلماء في النفث و التفل، فقيل: هما بمعنى، و لا يكونان إلا بريق.