إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج13

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
391 /
3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

و أما إنذاره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بغلبة المسلمين على الأعمال الدنيوية

خرّج ابن يونس من طريق ابن وهب قال: حدثني عمرو بن الحارث و ابن لهيعة عن بكر بن سوادة أن موسى بن الشعب حدثهم أن الوليد بن عتبة حدثه أنه انطلق هو و أبيض [رجل من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)‏] [ (1)] إلى رجل يعوده قال: فدخلت المسجد، فرأيت الناس يصلون، فقلت: الحمد للَّه، جمع اللَّه بالإسلام بين الأحمر، و الأبيض، و الأسود، فقال: الأبيض و الأسود فقال الأبيض: بصلاتكم و تجلسون مجالسكم و هو معكم في سوادكم، و لكل أمة منكم نصيب.

قال المؤلف: مثل هذا لا يقال بالرأي، و إنما يعلم بخبر الصادق و المصدوق، فيحمل على السماع، و يفسره ما خرجه ابن يونس من طريق ابن وهب، قال: حدثني موسى بن أبي الغافقي، عن سليط بن معية، عن أبيه أنه كان مع تبيع بن عامر الكلاعي بالإسكندرية مقفله من رءوس فقال: يا معشر العرب إذا اعتدت مسلمة الأرض على أربعة آباء فعليكم بالهرب قالوا: يا أبا عطيف إلى أين الهرب؟ قال: إلى الآخرة، فإن مسلمة الأرض سيغلبون على الدنيا و أعمالها.

و ذكر ابن يونس أن معاوية بن خديج وفد على معاوية بن أبي سفيان فجعل يسأله عن أهل مصر و يخبره عنهم، فقال معاوية بن خديج: إني وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف، فثلث ناس، و ثلث أشبه بالناس، و ثلث لا ناس فقال ابن خديج: فسر لنا يا أمير المؤمنين هذا، قال: أما الثلث الذين هم الناس العرب، و الثلث الذين يشبهون الناس الموالي، و الثلث الذين هم لا ناس فالمسالمة.

قال المؤلف: قد ظهر مصداق ما يقدم من غلبة المسلمة فإن الشرق بات إنما يليه حقطاي، و هم تيمور، و هم حديثو عهد بالإسلام، و المغرب بأيدي البربر، و لمصر و الشام الجراكسة، و قد حكموا بأرض مصر القبط، و أنه ليذكر فيما أراه و أسمعه قول ابن بسام:

____________

[ (1)] هو أبيض بن حمال.

4

إذا حكم النصارى إلى الفروج* * * و باهت بالخيول و السروج‏

و زالت دولة الأحرار طرا* * * و صار الملك في ولد العلوج‏

فقل للأعور و الدجال هذا* * * أوانك إن عزمت على الخروج‏

و أما إنذاره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بفتنة السفياني من الشام‏

فخرّج الحاكم [ (1)] من طريق نعيم بن حماد، عن يحيى بن سعيد عن الوليد ابن عياش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال ابن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

- قال لنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أحذركم سبع فتن تكون بعدي، فتنة تقبل من المدينة، و فتنة بمكة، و فتنة تقبل من اليمن، و فتنة تقبل من الشام، و فتنة تقبل من المشرق، و فتنة تقبل من المغرب، و فتنة من بطن الشام و هي السفياني.

قال: فقال ابن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: منكم من يدرك أولها، و من هذه الأمة من يدرك آخرها، قال الوليد بن عياش: فكانت فتنة المدينة من قبل طلحة و الزبير- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- و فتنة مكة فتنة عبد اللَّه بن الزبير- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و فتنة الشام من قبل بني أمية، و فتنة المشرق من قبل هؤلاء.

قال الحاكم- (رحمه اللَّه)-: هذا حديث صحيح الإسناد و اللَّه أعلم.

____________

[ (1)] (المستدرك): 4/ 515، كتاب الفتن و الملاحم باب (50)، حديث رقم (8447)، و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص) هذا من أو أيد نعيم مهدي.

5

و أما تأويله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رؤيا زرارة فوقع كما قال‏

فقال محمد بن سعد:

زرارة بن قيس بن الحارث بن عداء بن الحارث بن عوف بن جشم بن كعب بن قيس بن سعد بن مالك بن النخع، وفد إلي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في وفد النخع، و هم مائتا رجل و كانوا آخر وفد قدموا من اليمن، فقدموا لنصف من المحرم سنة إحدى عشرة و هم مائتا رجل فنزلوا دار رملة بنت الحارث، ثم جاءوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مقرين بالإسلام، و قد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن [ (1)] فقال رجل منهم يقال له زرارة: يا رسول اللَّه، إني رأيت في سفري هذا عجبا فقال له: و ما رأيت؟ قال: رأيت أتانا خلقها في أهلي ولدت جديا أسفع أحوى، و أريت النعمان بن المنذر عليه قرطان، و دملجان، و مسكتان، قال: ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه و بهجته.

قال: يا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و رأيت عجوزا خرجت من الأرض! قال: تلك بقية الدنيا، قال: و أريت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني و بين ابن لي يقال له: عمرو، و هي تقول: لظى لظى بصير و أعمى، أطعموني أكلكم و ما لكم، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): تلك فتنة تكون في آخر الزمان، قال: يا رسول اللَّه و ما الفتنة؟ قال: يقتل الناس إمامهم، و يشتجرون اشتجار أطباق الرأس، و خالف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بين أصابعه، يحسب المسي‏ء فيها أنه محسن، و يكون دم المؤمن أحل من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، و إن مت أنت أدركها ابنك، فقال: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن لا أدركها فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

اللَّهمّ لا تدركها، فمات،

و بقي عمرو بن زرارة و كان أول خلق اللَّه خلع عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- بالكوفة و بايع عليا- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

____________

[ (1)] إلى هنا آخر القصة في (طبقات ابن سعد): 1/ 346، و باقي القصة في (الإصابة):

2/ 560- 561، و ترجمة رقم (2797).

6

فصل في ذكر خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) التي لم يشركه فيها غيره‏

اعلم أنه يقال: خصه بالشي‏ء يخصه خصا و خصوصا و خصصه و اختصه أفرده به دون غيره، و الاسم الخصوصية، و الخصية، و الخاصة، و الخصيصي، و هي تمد و تقصر، و فعلت به خصية، و خاصة، و خصوصية، و الخاصة من تخصه لنفسك، و الخصتان كالخاصة، و خاصّه بكذا أعطاه شيئا كثيرا. قاله أبو الحسن على بن سيده في (المحكم) [ (1)].

اعلم أن أصحابنا- (رحمهم اللَّه)- قد أكثروا من ذكر هذا الفصل في أوائل كتب النكاح من مصنفاتهم، تأسيا، بالإمام أبي عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعيّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فإنه ذكر طرفا من ذلك هنالك فقال:

إن اللَّه- تعالى- لما خص به رسوله من وجد و أبان بينه و بين خلقه، بينما فرض عليهم من طاعته افترض علينا أشياء خففها عن خلقه، ليزيده بها إن شاء اللَّه حظها على خلقه زيادة في كرامته، و تنبيها لفضيلته (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال: اقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي- (رحمه اللَّه تعالى)- بعد إيراده هذا في كتاب (الحاوي): هذا فصل نقله المزني مع بقية الباب من أحكام القرآن للشافعي، فأنكر بعض المعترضين عليه إيراد ذلك في مختصره، لسقوط التكليف عنا فيما خص به الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، من تخفيف و تغليظ، و لوفاة زوجاته المخصوصات بالأحكام، فلم يكن فيه إلا التشاغل بما يلزم، عما يجب و يلزم، فصوب أصحابنا ما أورده المزني على هذا المعترض بما ذكروه من غرض المزني من وجهين:

أحدهما: أنه قدم مناكح النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تبركا بها، و التبرك في المناكح مقصود كالتبرك بالخطب.

____________

[ (1)] كذا قاله ابن منظور في (اللسان): 7/ 24- 25، نقلا عن (المحكم) لابن سيده.

7

و الثاني: أن يسبق العلم بأن الأمة لا تساوى نبيها (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مناكحه، و إن كانت تساويه في غيرها من الأحكام، حتى لا يقدم أحد على ما خطر عليه اقتداء به انتهى.

و قد حكى الصيمري عن أبي علي بن خيران أنه منع من الكلام في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أحكام النكاح و كذا في الإمامة، كما حكاه الماورديّ، و أطلق في (الروضة) [ (1)] الحكاية، عن الصيمريّ عنه، و وجهه أن ذلك قد انقضى، فلا عمل يتعلق به، فلا معنى للكلام فيه، و إنما يسوغ الاجتهاد في النوازل التي تقع، أو نتوقع، و مال إلى هذا الشيخ أبو حامد الغزالي و نسبه إلى المحققين تبعا لإمامه، فقال: و ليس يسوغ إثبات خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالأقيسة التي تناط بها الأحكام العامة في الناس، و لكن الوجه ما جاء به الشرع من غير مزيد عليه.

قال إمام الحرمين: قال المحققون: و ذكر الخلاف في مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا تعلق به حكم ناجز، تمس الحاجة إليه، و إنما يجزي الخلاف فيما [لا] [ (2)] نجد بدا من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها في ذلك، و الأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، ما لم ينقل فيه فالخلاف فيه هجوم على غيب من غير فائدة.

قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بعد حكاية ذلك: و هذا غريب بلبح، و قال: إنه قد انقضى فلا عمل يتعلق به، و ليس فيه من دقيق العلم ما يقع به التدريب، فلا وجه لتضييع الزمان برجم الظنون فيه، و أما الجمهور فإنّهم جوّزوا ذلك لما فيه من العلم.

و قال الثوري: وجه الصواب الجزم بجواز ذلك بل باستحبابه، و لو قيل بوجوبه لم يكن بعيدا أن لم يمنع منه إجماع، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتا في الصحيح فيعمل به أخذا بأصل الناس، فوجب بيانها لتعرف،

____________

[ (1)] (روضة الطالبين): 5/ 362، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره.

[ (2)] زيادة للسياق من (المرجع السابق).

8

و لا يشاركه فيها أحد، و أي فائدة أعظم من هذه؟ و أما ما يقع في أثناء الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم فقليل جدا، لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدرب، و معرفة الأدلة، و تحقيق الشي‏ء على ما هو عليه.

و قال ابن الرفعة في (المطلب): قد يقال بالتوسط، فيتكلم فيما جرى في الصدر الأول من ذلك دون ما لم يجز منه، قال: و كلام الوسيط يرشد إليه، و أما جمهور الأصحاب فلم يعرجوا على ما ذكره ابن جبران و إمام الحرمين، بل ذكروا ذلك مستقصيا لزيادة العلم، لا سيما الإمام أبو العباس أحمد بن أحمد ابن القاضي الطبريّ صاحب كتاب (التلخيص). و قد جاء في السنة ما بينه، و هو

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عام الفتح:

إن اللَّه أذن لرسوله و لم يأذن لكم، و إنما أذن لي ساعة من نهار،

و قد رتب الحافظ أبو بكر البيهقيّ كلامه في ذلك في (سننه الكبير) [ (1)]

و لكن فرعوا كثيرا من ذلك على أحاديث فيها نظر، سيرد ذكرها إن شاء اللَّه- تعالى-، و قد رتبوا الكلام فيها على أربعه أنحاء:

الأول: ما وجب عليه دون غيره.

الثاني: ما حرم عليه دون غيره.

الثالث: ما أبيح له دون غيره.

الرابع: ما اختص به من الفضائل دون غيره.

فذكروا في كل منها أحكام النكاح و غيرها و رتبها بعضهم على قسمين:

أحدهما: ما اختص به عن سائر إخوانه من الأنبياء (صلوات اللَّه عليه و عليهم أجمعين).

الثاني: ما اختص به من الأحكام دون أمته.

____________

[ (1)] (سنن البيهقيّ): 7/ 36، كتاب النكاح.

9

النوع الأول: في الواجبات و الحكمة في اختصاصه (عليه السلام) عن ازدياده الدرجات‏

لما خرّج البخاريّ في كتاب (الرقاق) من- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- ترفعه و ما تقرب إلي عبدي بشي‏ء أحب إلى من ما افترضته عليه الحديث ...، و ذكر الرافعي منه عبارة و لم يسنده، و علم اللَّه أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أقوم بها، و أصبر عليها من غيره، قال إمام الحرمين: قال بعض علمائنا: الفريضة يزيد ثوابها على ثواب النافلة سبعين درجة، و استأنس بما خرجه ابن خزيمة في (صحيحه) و علق القول بصحته فقال: إن صح الحديث.

و خرّجه البيهقيّ [ (1)] في (شعب الإيمان) من حديث سلمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال في رمضان:

من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، و من أدى فريضة فيما كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، فقال: النفل فيه كالفرض في غيره، و قال:

الفرض بسبعين فرضا في غيره‏

فأشعر هذا بأن الفرض يزيد على النفل بسبعين درجة من طريق النحويّ. هذا كلام إمام الحرمين في (النهاية).

و تعقب بأنه لا يلزم و ما ذكر، لأن هذه خصوصية لشهر رمضان لا يلزم منها أن كل فرض مفعول في غيره يزيد ثوابه على ثواب النافلة بسبعين درجة، و هذا النوع ينقسم إلى متعلق بالنكاح، و إلى غيره. و في القسم الثاني مسائل:

____________

[ (1)] (شعب الإيمان): 3/ 305، باب (23) في الصيام، فضائل شهر رمضان حديث رقم (6308) باختلاف يسير في اللفظ، و عزاه السيوطي إلى ابن خزيمة و قال: ان صح الخبر، و المصنف و الأصبهاني في (الراغب) عن سلمان، و قال الحافظ ابن حجر في (أطرافه):

مداره على عليّ بن زيد بن جدعان و هو ضعيف و يوسف بن زياد الراويّ عنه ضعيف جدا، و تابعه إياس بن عبد الغفار عن علي بن زيد عند البيهقي في (الشعب) قال ابن حجر: و اياس ما عرفته. (صحيح ابن خزيمة): 3/ 191- 192 باب (8) فضائل شهر رمضان إن صح الخبر حديث رقم (1887).

10

المسألة الأولى: صلاة الضحى‏

المسألة الثانية: صلاة الأضحى‏

المسألة الثالثة: صلاة الوتر

و استدل أصحابنا لذلك بما خرّجه الإمام أحمد في (مسندة) [ (1)] و البيهقيّ في (سننه) [ (2)] من حديث أبي جناب الكلبي و اسمه يحيى بن أبي حبة عن عكرمة عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

ثلاث هنّ على فرائض و هي لكم تطوع: النحر و الوتر و ركعتا الضحى.

و خرجه الدار الدّارقطنيّ و قال: ركعتا الفجر بدل الضحى [ (3)].

و خرّجه الحافظ أبو حامد بن عدي [ (4)] و لفظه:

ثلاث عليّ فريضة و لكم تطوع: الوتر و الأضحى و ركعتا الفجر.

و خرجه الحاكم في (المستدرك) [ (5)] شاهدا بلفظ

ثلاث هي على فريضة و لكم تطوع: النحر و الوتر و ركعتا الفجر.

و مدار هذا الحديث على أبي جناب‏

____________

[ (1)] (مسند أحمد): 1/ 383، حديث رقم (2015)، من مسند عبد اللَّه بن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (2)] (سنن البيهقيّ): 2/ 468، كتاب الصلاة، باب ذكر البيان أن لا فرض في اليوم و الليلة من الصلوات أكثر من خمس صلوات، و أن الوتر تطوع، ثم قال: أبو جناب الكلبيّ اسمه يحيى ابن أبي حية، ضعيف، و كان يزيد بن هارون يصدقه و يرميه بالتدليس.

و له أيضا في (المرجع السابق): 9/ 264، كتاب الضحايا، باب الأضحية سنة، نحب لزومها، و نكره تركها.

[ (3)] (سنن الدار الدّارقطنيّ): 2/ 21، من حديث ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (4)] (الكامل لابن عدي): 7/ 213، من حديث ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (5)]

(المستدرك): 1/ 441- 442، كتاب الوتر، حديث رقم (1119)، قال الحاكم: الأصل في هذا حديث الإيمان، و سؤال الأعرابيّ النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن الصلوات الخمس، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع.

و من حديث سعيد بن يسار، عن ابن عمر في الوتر على‏

11

يحيى بن أبي حية الكلبي الكوفيّ قال يحيى القطان: لو استحللت، أن أروى عن جناب لرويت حديث عليّ في تكبيرات العيدين.

و قال أبو نعيم: أبو جباب يدلس، و قال البخاريّ: كان يحيى القطان يضعفه، يقول: مات سنة خمسين و مائة. و قال السعديّ: يضعف حديثه، و قال ابن المثنى: ما سمعت يحيى و لا عبد الرحمن تحدثا عن ابن حبان بشي‏ء.

و قال ابن معين: ليس به بأس إلا أنه كان يدلس، مرة قال: هو صدوق، و قال الدارميّ: هو ضعيف، و قال الفلاس: متروك الحديث، و قال النسائيّ:

ضعيف، و قال ابن عديّ: هو من جمله المتشيعين بالكوفة.

و قد اختلف كلام ابن حبان فيه، فذكره في (ثقاته) (و ضعفائه)، و قال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير.

و قال البيهقيّ في (خلافياته): أبو جناب هذا ليس بالقوى. و قال في (سننه): ضعيف. و قال ابن الصلاح: هذا حديث غير ثابت، ضعفه البيهقي في (خلافياته)، فظهر من كلام الأئمة أن أبا جناب هذا ضعيف مدلّس و قد عنعن [ (1)].

و لهذا الحديث طريق ثان من حديث جابر الجعفيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا: أمرت بركعتي الفجر و الوتر و ليس عليكم. رواه البزار:

و جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث بن الجعفيّ الكوفيّ أبو عبد اللَّه.

و خرّجه الإمام أحمد و لم يذكر لفظة «عليكم» و قال بدلها: «و لم تكتب»، و

في رواية له:

«أمرت بركعتي الضحى و لم تؤمروا بها، و أمرت بالضحى و لم تكتب عليكم» [ (2)].

____________

[ ()] الراحلة، و قد اتفق الشيخان على إخراجهما في (الصحيح). و قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص): ما تكلم الحاكم عليه، و هو غريب منكر، و يحيى ضعفه النسائيّ و الدار الدّارقطنيّ.

[ (1)] له ترجمة في: (الثقات): 7/ 597، (المغني في الضعفاء): 2/ 733- 734، ترجمة رقم (6954).

[ (2)] (مسند أحمد): 1/ 387، حديث رقم (2082)، من مسند عبد اللَّه بن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

12

و قيل أبو يزيد و قيل أبو محمد يروى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الشعبي، و مجاهد و أبي الضحى، و عكرمة، و طائفة، و يروى عنه شعبة و السفيانان، و إسرائيل، و شريك، و أبو عوانة، و خلق، و كان من كبار علماء الشيعة. قال سلام بن أبي مطيع: حدثنا جابر الجعفيّ: عندي خمسون ألف باب من العلم ما حدثت به أحد فذكرت لأيوب ذلك فقال: أما الآن فهو كذاب.

و قال إسماعيل بن أبي خالد: قال الشعبي: يا جابر، ما تموت حتى تكذب على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قال إسماعيل: مضت الأيام و الليالي حتى أتهم بالكذب، و قال أبو حنيفة- (رحمه اللَّه)-: ما رأيت فيمن رأيت أفضل من عطاء، و لا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشي‏ء قط من رآني إلا جاءني فيه بحديث، و زعم أن عنده كذا و كذا ألف حديث عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، لم يظهرها.

و قال جرير عن ثعلبة: أردت جابر الجعفي فقال لي: كتب ابن أبي سليم لا تأته فإنه كذاب، و قال النسائي: جابر الجعفي متروك الحديث، قال جرير:

أدركت جابر الجعفي و طلب الحديث و توصي فلم أستحل أن أسمع منه حديثا، قال زائدة: كان كذابا يؤمن بالرجعة. و قال ابن معين: و كان جابر الجعفي كذابا لا يكتب حديثه و لا كرامة، ليس بشي‏ء.

قال أبو الأحوص: كنت إذا مررت بجابر الجعفي سألت ربي العافية، و كلام الأئمة فيه كثير، قد أورده ابن عدي، و له أيضا طريق ثالث‏

من حديث و ضاح بن يحيى عن مندل بن علي العتري، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا:

ثلاث على فريضة و هن لكم تطوع الوتر، و ركعتا الفجر، و ركعتا الضحى،

و يترك أسوأ حالا ممن تقدم. و له أحاديث أفراد و غرائب، ضعفه يحيى و وقع فيه شريك، و قال السعدي: واهي الحديث، و قال النسائيّ: ضعيف، و قال ابن حبان: لا يحتج بالوضّاح، كان يروى عن الثقات الأحاديث المقلوبة التي كأنها معمولة، و ضعفه ابن الجوزي في (علله) و قال:

هذا حديث لا يصح، و قال في (الأعلام): إنه حديث لا يثبت. فتبين من هذا ضعف الحديث من جميع طرقه.

13

و مع ذلك ففي ثبوت خصوصية هذه الثلاثة برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نظر، فإن الّذي ينفي و لا يعدل قد جاء ما يعارض هذا الحديث، و ما

أخرجه الدار الدّارقطنيّ [ (1)] من حديث قتادة عن أنس مرفوعا:

أمرت بالوتر و الأضحى، و لم يعزم عليّ.

و رواه ابن شاهين في (ناسخه و منسوخه) و قال:

و لم يعرض عليّ‏

و لكنه حديث ضعيف أيضا فيه عبد اللَّه بن مجرد العامريّ الجزريّ، قاضي الجزيرة لأبي جعفر المنصور، يروى عن نافع، و الزهريّ، و قتادة، و الحكم بن عيينة، و جماعة، و يروى عنه بقية، و أبو يوسف القاضي، و عبد الرزاق، و أبو نعيم و جماعة، و هو ضعيف بإجماعهم. قال ابن معين: ضعيف، و مره قال: ليس بتفة، و قال السعدي: هالك، و قال الفلاس: متروك الحديث، و قال البخاريّ:

منكر الحديث، و قال ابن عديّ: و رواياته عمن يرويه غير محفوظه، و ذكر ابن شاهين في (الناسخ و المنسوخ) حديث ابن عباس المتقدم من طريق الوضاح، و حديث أنس هذا، ثم قال: الحديث الأول أقرب إلى الصواب من الثاني، لأن فيه عبد اللَّه بن مجرد و ليس بمرض عندهم، و قال: و لا أعلم الناتج منهما لصاحبه قال: و لكن الّذي عندي يشبه ان يكون حديث عبد اللَّه بن مجرد على ما فيه ناسخا للأول، لأنه ليس يثبت أن هذه الصلوات فرض و هذا كله كلام عجيب، فلا ناسخ و لا منسوخ، لأن النسخ أيضا يصار إليه عند تعارض الأدلة الصحيحة، و لا معارضة، إذا تم هاهنا أمور:

أحدها: ما حكاه بعض الأصحاب عن أبي العباس الروياني أن الأضحية و الوتر لم تجبا عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد شهد للوتر فقط ما

ثبت في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن عمر

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يوتر على البعير،

و هذا من حجتنا على الحنفية في عدم وجوبه، لأنه لو كان واجبا لما فعله على الراحلة، فدل على أنه سنة في حقه شأن المندوب، لكن قال النوويّ في (شرح المهذب):

إنه كان من خصائصه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جواز هذا الواجب الخاص به على الراحلة.

____________

[ (1)] (سنن الدار الدّارقطنيّ): 2/ 21.

14

و قال العوفيّ المالكي: فعل الوتر في السفر على الراحلة، و الوتر لم يكن واجبا عليه إلا في الحضر، صرح به في (شرح المحصول) و (شرح التنقيح) و عز الدين في (القواعد).

و قال الشيخ تقيّ الدين بن الصلاح: تردد الأصحاب في وجوب الضحى و الأضحى و الوتر عليه، مع أن مسند الحديث الّذي ذكرنا ضعّفه، و لو تمكنوا فقطعوا بوجوب السؤال عليه، و تردد في الأمور الثلاثة لكان أقرب، و يكون مستند التردد فيها أن ضعفه من جهة، و لو أنه ابن جناب الكلبيّ، و في ضعفه خلاف بين أئمة الحديث، و قد وثقه بعضهم، و اللَّه أعلم بأنها الضحى.

و خرّج البخاري [ (1)] من حديث مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: إن كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليدع العمل و هو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.

و خرّجه أبو دواد [ (2)] من حديث و ما يسبح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يسبحه الضحى قط و إني لأسبحها. ذكره في باب تحريض النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على صلاة الليل و النوافل من غير إيجاب.

و خرّجه في باب من لم يصلّ الضحى و رآه واسعا، من حديث ابن ذؤيب عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: ما رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سبّح سبحة الضحى و إني لأسبحها [ (3)].

____________

[ (1)] (فتح الباري): 3/ 12، كتاب التهجد، باب (15) تحريض النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على صلاة الليل و النوافل من غير إيجاب، و طرق النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاطمة و عليا- (عليهما السلام)- ليلة للصلاة، حديث رقم (1128).

[ (2)] (سنن أبي داود): 2/ 64، كتاب الصلاة، باب (301) صلاة الضحى، حديث رقم (1293).

[ (3)] (فتح الباري): 3/ 71، كتاب التهجد، باب (32) من لم يصلّ الضحى و رآه واسعا، حديث رقم (1177).

قال الحافظ في (الفتح): حديث عائشة يدل على ضعف ما روى عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه، و عدها لذلك جماعة من العلماء من خصائصه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لم يثبت في‏

15

و خرّجه مسلم من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أنها قالت: ما رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلى بسبحة الضحى قط و إني لأسبحها و إن كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليدع العمل و هو يجب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.

و خرّجه أبو داود [ (1)] من حديث مالك بهذا الإسناد كما قال البخاريّ.

و خرّج مسلم [ (2)] من حديث سعيد الجريريّ، عن عبد اللَّه بن شفيق قال:

قلت لعائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- هل كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجي‏ء من مغيبه.

____________

[ ()] ذلك خبر صحيح، و قول الماوردي في (الحاوي): إنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات، يعكر عليه ما رواه مسلم من حديث أم هانئ: أنه لم يصلها قبل و لا بعد.

و لا يقال: إن نفى أم هانئ لذلك يلزم منه العدم، لأنا نقول: يحتاج من أثبته إلى دليل، و لو وجد لم يكن حجة، لأن عائشة ذكرت أنه كان إذا عمل عملا أثبته، فلا يستلزم المواظبة على هذا الوجوب عليه.

ثم قال الحافظ: و من فوائد ركعتي الضحى أنها تجزئ عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم، و هي ثلاثمائة و ستون مفصلا، كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر، و قال فيه: و يجزئ عن ذلك ركعتا الضحى. و حكى شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين في (شرح الترمذيّ): أنه اشتهر بين العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى، فصار كثير من الناس يتركونها أصلا لذلك، و ليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الكثير، لا سيما ما وقع في حديث أبي ذر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-. (فتح الباري).

[ (1)] سبق تخريجه.

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 5/ 237، كتاب صلاة المسافرين و قصرها، باب (13) استحباب صلاة الضحى، و أن أقلها ركعتان، و أكملها ثمان ركعات، و أوسطها أربع ركعات أو ست، و الحث على المحافظة عليها، حديث رقم (717).

16

و خرّج الترمذيّ [ (1)] من حديث عطية العوفيّ [ (2)] عن أبي سعيد الخدريّ قال:

كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، و يدعها حتى نقول:

لا يصليها، ثم قال: حسن غريب.

____________

[ ()] قال الإمام النووي: هذه الأحاديث كلها متفقة لا اختلاف بينها عند أهل التحقيق، و حاصلها أن الضحى سنة مؤكدة، و أن أقلها ركعتان، و أكملها ثمان ركعات، و بينهما أربع أو ست، كلاهما أكمل من ركعتين و دون ثمان.

و أما الجمع بين حديثي عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- في نفي صلاته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الضحى و إثباتها، فهو أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يصليها بعض الأوقات لفضلها، و يتركها في بعض خشية أن تفرض كما ذكرته عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-. و يتأول قولها: «ما كان يصليها إلا أن يجئ من مغيبه» على أن معناه ما رأيته، كما قالت في الرواية الثانية: «ما رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي سبحة الضحى» و سببه أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات، فإنه قد يكون في ذلك مسافرا، و قد يكون حاضرا، و لكنه في المسجد أو في موضع آخر، و إذا كان عند نسائه، فإنما كان لها يوم من تسعة، فيصح قولها: ما رأيته يصليها، و تكون قد علمت بخبره أو خبر غيره، أنه صلاها، أو يقال:

قولها: «ما كان يصليها»، أي ما يداوم عليها، فيكون نفيا للمداومة، لا لأصلها، و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم.

و أما ما صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى: «هي بدعة»، فمحمول على أن صلاتها في المسجد، و التظاهر بها كما كانوا يفعلونه بدعة، لأن أصلها في البيوت و نحوها مذموم. أو يقال: قوله: «بدعة» أي المواظبة عليها لأن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يواظب عليها خشية أن تفرض، و هذا في حقه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد ثبت استحباب المحافظة في حقنا بحديث أبي الدرداء و أبي ذر، أو يقال:

إن ابن عمر لم يبلغه فعل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الضحى، و أمره بها، و كيف كان؟ فجمهور العلماء على استحباب الضحى، و إنما نقل التوقف فيها عن ابن مسعود، و ابن عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-، و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم. (شرح النووي).

[ (1)] (سنن الترمذي): 2/ 342، كتاب أبواب الصلاة، باب (346) ما جاء في صلاة الضحى، حديث رقم (477)، و قال: هذا حديث حسن غريب و أخرجه الطمام أحمد في (المسند) برقم (11172)، (11332)، من طريق فضيل ابن مرزوق.

[ (2)] هو عطية بن سعد بن جنادة- بضم الجيم و تخفيف النون- و عطية هذا قد تكلموا فيه كثيرا، و هو صدوق، و في حفظه شي‏ء، و عندي أن حديثه لا يقل عن درجة الحسن، و قد حسّن له الترمذيّ كثيرا، كما في هذا الحديث. (هامش سنن الترمذيّ).

17

و هذا الحديث ظاهره مقتضى عدم الوجوب، و كذا حديث عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- فلو كانت واجبة في حقه لكان مداومته عليها أشهر من أن تخفى.

و نقل النووي في (شرح المهذب) أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان لا يداوم على صلاة الضحى مخافة أن تفرض على الأمة فيعجزوا عنها، و كان ينفلها في بعض الأوقات، و ذكر في (الروضة) أنها واجبة عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و ذكر الماوردي أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما صلاها يوم الفتح واظب عليها إلى أن مات، و فيه نظر، ففي البخاري [ (1)] و مسلم [ (2)] من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي الضحى إلا أم هانئ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- فإنّها حدثت أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل و صلى ثماني ركعات ما رأيته صلى صلاة قط أخف منها، غير أنه كان يتم الركوع و السجود.

و خرّجه الترمذي [ (3)] و قال: فسبح ثماني ركعات.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 3/ 66، كتاب التهجد، باب (31) صلاة الضحى في السفر، حديث رقم (1176).

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 5/ 238- 339، كتاب صلاة المسافرين و قصرها، باب (13) استحباب صلاة الضحى، و أن أقلها ركعتان و أكملها ثمان ركعات، و أوسطها أربع ركعات أو ست، و الحث على المحافظة عليها، حديث رقم (80).

[ (3)] (سنن الترمذيّ): 2/ 338، كتاب أبواب الصلاة، باب (346) ما جاء في صلاة الضحى، حديث رقم (474)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، و كأنّ أحمد رأى أصح شي‏ء في هذا الباب حديث أم هانئ، و اختلفوا في نعيم، فقال بعضهم: «نعيم بن خمّار»، و قال‏

18

و خرّج البخاريّ في باب صلاة الضحى في الحضر [ (1)]، من حديث شعبة، عن أنس بن سيرين، قال: سمعت أنس بن مالك [الأنصاري‏] قال: قال رجل من الأنصار- و كان ضخما- للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إني لا أستطيع الصلاة معك، فصنع للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) طعاما فدعاه إلى بيته و نضح له طرف حصير بماء، فصلى عليه ركعتين و قال: فلان بن فلان بن الجارود لأنس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: أ كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي الضحى؟ فقال: ما رأيته صلى غير ذلك اليوم.

فلذلك اختلف الناس في صلاة الضحى، فذهبت طائفة من السلف إلى حديث عائشة المتقدم و لم يروا صلاة الضحى، حكاه ابن بطال، و أبعد بعضهم فقال: إنها بدعة كما يحكى عن ابن عمر.

خرّج البخاريّ [ (2)] من حديث مسدد قال: حدثنا يحيى عن شعبة، عن توبة، عن مورّق قال: قلت لابن عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-:

أ تصلي الضحى؟ قال: لا، قلت فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قال لا إخاله.

و خرّج الفرياني من حديث سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: صلاة الضحى في السفر بدعة.

____________

[ ()] بعضهم: «ابن همّار»، و قال بعضهم: «نعيم بن هبّار»، و قال بعضهم: «ابن همام»، و الصحيح: «ابن همّار»، و أبو نعيم و هم فيه فقال: «ابن حماز»، و أخطأ فيه، ثم ترك فقال:

«نعيم عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)». قال أبو عيسى: و أخبرني بذلك عبد بن حميد عن أبي نعيم.

[ (1)] (فتح الباري): 3/ 72، كتاب التهجد، باب (33) صلاة الضحى في الحضر، حديث رقم (1179).

قوله: «يصلي الضحى» قال ابن رشيد: هذا يدل على أن ذلك كان كالمتعارف عندهم، و إلا فصلاته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في بيت الأنصاري، و إن كانت في وقت صلاة الضحى، و لا يلزم نسبتها لصلاة الضحى، قال الحافظ: إلا أنا قدمنا أن القصة لعتبان بن مالك، و قد تقدم في صدر الباب أن عتبان سماها صلاة الضحى، فاستقام مراد المصنف، و تقييده ذلك بالحضر ظاهر لكونه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلى في بيته.

[ (2)] (المرجع السابق)، باب (31) صلاة الضحى في السفر، حديث رقم (1175).

19

و ذكر عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن إسماعيل، عن الشعبي، قال سمعت ابن عمر يقول: ما صليت الضحى منذ أسلمت. و قال طاووس: أول من صلاها الأعراب.

و روى عثمان: و ما أحد يسبحها، و ما أحدث الناس شيئا أحب إليّ منها.

و حكى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، عن جماعة استحباب فعلها، و هو رواية عن أحمد.

و خرّج الفريابي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كانوا يكرهون أن يديموا صلاة الضحى كهيئة المكتوبة، كانوا يصلون و يدعون، و ذهبت طائفة إلى أنها إنما تفعل بسبب، و إن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنما فعلها لأجل الفتح، و قال أبو عمر بن عبد البر: و أما قول عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-: ما سبح رسول اللَّه سبحة الضحى قط، فما قلت لك إن من علم السنن علما خاصا يوجد عند بعض أهل العلم دون بعض، و ليس أحد من الصحابة إلا و قد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، إلا خاصة ممتنعة، و هذا ما لا يجهله إلا من لا عناية له بالعلم، و إنما حصل المتأخرون على علم داخله فليسوا في الحفظ كالمتقدمين، و إن كانوا قد حصل في كتب المقل منهم علم جماعة من العلماء، و اللَّه ينور بالعلم قلب من يشاء.

و قد روى عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أثار كثيرة حسان في صلاة الضحى منها حديث أم هانئ،

فذكره من حديث أم هانئ بنت أبي طالب، و من حديث ابن طهمان، عن أبي الزبير، عن عكرمة بن خالد، عن أم هانئ، و ذكره من حديث أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت:

قدم [ (1)] رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الفتح- فتح مكة- فنزل بأعلى مكة، فصلى ثماني ركعات فقلت: يا رسول اللَّه! ما هذه الصلاة؟ قال: الضحى.

قال أبو عمر الأسدي: إن أم هانئ قد علمت من صلاة الضحى ما لم تعلم عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، من الأمور ما يقضي و عليه المداد، و هو الأصل.

____________

[ (1)] (مسند أحمد): 7/ 478، حديث رقم (26347- 26348). باختلاف في اللفظ.

20

و قد روى إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عن أم هانئ قالت:

لما كان يوم الفتح اغتسل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فصلى ثماني ركعات فلم ير أحد صلاهن بعد، فهذه أم هانئ لم تعلم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلاهن بعد.

و ذكر من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، قال:

ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم فتح مكة اغتسل في بيتها و صلى ثماني ركعات فلم يره أحد صلاها من بعد، و ابن ليلى من كبار التابعين.

و ذكر من حديث إسحاق بن راشد عن الزهريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه ابن الحارث، عن أبيه قال: سمعته يقول: سألت و حرصت على أحد يحدثني أنه رآه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلى الضحى، فلم أجد غير أم هانئ، حدثتني أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دخل عليها يوم فتح مكة، فأمر بماء فوضع له، فاغتسل ثم صلى في بيتها ثماني ركعات، تقول أم هانئ: لا أدري أ قيامه أطول أم ركوعه؟ و لا أدري أ ركوعه أطول أم سجوده؟ غير أن ذلك مقارب يشبه بعضه بعضا.

و رواه ابن عيينة، و عبد الكريم بن أبي أمية و يزيد بن أبي زياد عن عبد اللَّه بن الحارث قال: سألت عن صلاة الضحى في إمارة عثمان و أصحاب رسول اللَّه متوافرون، فلم أجد أحدا أثبت لي صلاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الضحى إلا أم هانئ، و ذكر الحديث.

قال: فهذه الآثار كلها حجة لعائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، في قولها [ (1)]: ما سبح رسول اللَّه سبحة الضحى قط، لأن كثيرا من الصحابة قد شركها في علم ذلك، و مما يؤيد ذلك أيضا حديث سماك، قلت لجابر بن سمرة:

أ كنت [ (2)] تجالس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قال: نعم كثيرا، فكان لا يقوم من مصلاه الّذي صلى فيه الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 3/ 71، كتاب التهجد، باب (32) من لم يصل الضحى و رآه واسعا، حديث رقم (1177).

[ (2)] (سبق تخريجه).

21

و هذا حديث صحيح،

رواه الترمذيّ و جماعة عن سماك، و ذكر حديث عمر بن ذر، قال: سمعت مجاهد يقول:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي الضحى ركعتين و أربعا أو ستا. هذا حديث مرسل.

و ذكر حديث أحمد بن عبد اللَّه بن صالح، قال: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهريّ، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلى في بيته بسبحة الضحى فقاموا وراءه فصلوا [ (1)]

قال: و هذا حديث إنما حدث به عثمان بن عمر بن فارس، أو يونس بن يزيد على المعنى بتأويل تأوله، و إنما الحديث على حسب ما رواه مالك و غيره عن ابن شهاب.

قال: و الدليل على أنه لا يعرف في هذا الحديث ذكر صلاة الضحى، إنكار ابن شهاب لصلاة الضحى، فقد كان الزهريّ يعتنى بحديث عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- هذا، و يقول: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يصل الضحى قط، قال: و إنما كان أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلونها بالهواجر، أو قال: بالهجير، و لم يكن عبد الرحمن بن عوف، و عبد اللَّه بن مسعود، و عبد اللَّه بن عمر، يصلون الضحى و لا يعرفونها.

قال الواقدي: عن عائشة في صلاة الضحى حديث منكر، رواه معمر عن قتادة عن معاذة العدوية، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: سألت عائشة كم كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي الضحى؟ قالت: أربع ركعات و يزيد ما يشاء، و هذا عندي غير صحيح، و هو مردود بحديث ابن شهاب المذكور في هذا الباب. قال مؤلفه: و قد خرّج مسلم هذا الحديث من طريق يزيد الرشاقي، قال: حدثتني معاذة أنها سألت عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-: كم‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 3/ 72، كتاب التهجد، باب (33) صلاة الضحى في الحضر، قاله عتبان بن مالك عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حديث رقم (1179).

22

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي الضحى؟ فقالت: أربع ركعات و يزيد ما يشاء [ (1)]، و في لفظ: و يزيد ما يشاء.

و خرّجه من حديث معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة بهذا الإسناد مثله [ (2)] فهو إذا حديث صحيح، و نحوه حمله حينئذ على أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصليها كذلك إذا صلاها، و قد قدم من مغيبه، جمعا بين الحديثين و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم.

و خرّجه البيهقي [ (3)] من حديث على بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سلمة بن رجاء عن الشعثاء امرأة من بنى أسد، قال:

دخلت على عبد اللَّه بن أبي أوفى فرأيته صلى الضحى ركعتين، فقالت له امرأته: إنك صليت ركعتين! فقال: رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلى الضحى ركعتين حين بشر بالفتح، و حين جي‏ء برأس أبي جهل.

ثالثها: هل كان الواجب عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا قلنا به أقل الضحى أو أكثرها؟

ففي رواية لأحمد:

أمرت بركعتي الضحى، و لم تؤمروا بها؟.

رابعها: هل كان الواجب عليه في الوتر أكثره أو أقله؟.

خامسها: الأضحية في الحديث السالف و كلام أصحابنا المراد به الضحى كما قاله ابن الصلاح.

و قال ابن سيده: و ضحى بالشاة: ذبحها ضحى النحر، هذا هو الأصل، و قد تستعمل التضحية في جميع أوقات أيام النحر، و الضحية ما ضحيت به، و هي الأضحى و جمعها أضاحي، يذكر و يؤنث، و قال يعقوب: سمى اليوم أضحى بجمع الأضحاء التي الشاة، و الأضحية، كالضحية. انتهى.

____________

[ (1)] (مسند أحمد): 7/ 173، حديث رقم (24368)، (مسلم بشرح النووي): 5/ 238، كتاب صلاة المسافرين و قصرها، باب (13) استحباب صلاة الضحى، الحديث الّذي يلي الحديث رقم (79). كلاهما بدون رقم.

[ (2)] راجع التعليق السابق.

[ (3)] (دلائل البيهقيّ): 3/ 89، باب إجابة اللَّه عز و جل دعوة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على كل من كان يؤذيه بمكة من كفار قريش حتى قتلوا مع إخوانهم من الكفرة ببدر.

23

فإذا يقال: أضحى في الواحد و الجمع، و يقال أيضا: و ضحايا، و أضحية، و أضاحىّ و بالتشديد.

و هذا التقرير قد يفهم منه أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان الواجب عليه ضحايا في كل سنة، و تقل الإشادة به إلى وجوب ذلك في العوام.

و في قوله- تعالى-: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ‏ [ (1)] دليل على وجوب الأضحية على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأن الإشارة في قوله- تعالى-: وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ‏ إلى ما سبق من الصلاة، و النسك، و الأضحية من النسك، فاقتضت الآية أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يؤديها، و الأمر على الوجوب فهو خاص به، لا يتعدى إلى الأمة، و هذا أقعد من الاستدلال بالآية على وجوب الأضحية على الأمة فتأمله.

و قد خرّج البخاريّ [ (2)] من حديث شعبة قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، سمعت أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يضحى بكبشين و أنا أضحي بكبشين.

و له من حديث شعبة حدثنا قتادة عن أنس، قال: ضحى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بكبشين أملحين فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما يسمي و يكبر فذبحهما بيده [ (3)].

و خرّجه مسلم [ (4)]، و لفظه: ضحى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده و سمى و كبر و وضع رجله على صفاحهما.

و خرّج النسائي [ (5)] من حديث حفص عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: ضحى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بكبش أقرن فحيل يمشي في سواد، و يأكل في سواد، و ينظر في سواد.

____________

[ (1)] الأنعام: 162.

[ (2)] (فتح الباري): 10/ 22، كتاب الأضاحي، باب (9) من ذبح الأضاحي بيده، حديث رقم (5553).

[ (3)] المرجع السابق: حديث رقم (5558).

[ (4)] (مسلم بشرح النووي): 13/ 35، كتاب الأضاحي باب (3) استحباب الضحية، و ذبحها مباشرة بلا توكيل و التسمية و التكبير، حديث رقم (1966).

[ (5)] (سنن النسائي): 7/ 252، كتاب الضحايا، باب (43) حديث رقم (4402).

24

و خرّجه الترمذيّ بهذا الإسناد مثله، و قال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حفص بن غياث.

و خرّجه أبو داود [ (1)] من حديث حفص و لفظه: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يضحى بكبش أقرن فحيل، ينظر في سواد، و يأكل في سواد.

و خرّج أبو بكر البزار من حديث أبي عامر، قال: حدثنا زهير بن محمد عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن على بن حسين عن أبي رافع مولى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا ضحى اشترى كبشين، سمينين، أقرنين، أملحين، فإذا صلى و خطب أتى بأحدهما و هو في مصلاه فذبحه، ثم يقول: اللَّهمّ هذا عن أمتي جميعا، من شهد لك بالتوحيد، و شهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه و يقول: هذا عن محمد و آل محمد فيطعمهما جميعا المساكين، و يأكل هو و أهله ... الحديث.

سادسها: أن الآمديّ و ابن الحاجب، عدّا ركعتي الفجر من خصائصه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لا خلاف كما في ذلك، و يشهد ما في حديث ابن عباس المتقدم، إلا أنه ضعيف.

____________

[ (1)] (عون المعبود بشرح سنن أبي داود): 4/ 352، كتاب الضحايا، باب (4) ما يستحب من الضحايا، حديث رقم (2793).

(فحيل) بوزن كريم. قال الخطابي: هو الكريم المختار للفحولة، و أما الفحل فهو عام في الذكورة منها، و قالوا: في ذكورة النخل فحال فرقا بينه و بين سائر الفحول من الحيوان. انتهى.

قال في (النيل): فيه أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ضحى بالفحيل كما ضحى بالخصي «ينظر في سواد إلخ»

معناه أن ما حول عينيه و قوائمه و فمه أسود.

25

المسألة الرابعة: التهجد كان واجبا عليه‏

فقال القفال: هو ما يصلى بالليل و إن قل، قال اللَّه- تعالى-: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ‏ [ (1)] أو زيادة على ثواب الفرائض بخلاف تهجد غيره، فإنه جائز للنقصان المتطرق إلى الفرائض، و هو (صلّى اللَّه عليه و سلّم) معصوم من تطرق الخلل إلى مفروضاته، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر. حكاه إمام الحرمين.

و ذكر البغويّ في (تفسيره) نحوه، و قال الحسن و غيره: ليس لأحد نافلة.

إلا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأن فرائضه كاملة، و أما غيره فلا يخلو عن نقص، فنوافله تكمل فرائضه، و أسنده البيهقيّ في (دلائل النبوة) عن مجاهد و كذا ابن المنذر في (تفسيره)، و حكى ابن المنذر أيضا عن الضحاك نحوه، و ذكره سليمان بن حبان، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، و ذكر محمد بن نصر المروزي، عن أبي إسحاق أنه- تعالى- قال: نافِلَةً لَكَ‏ قال: ليس هي نافلة لأحد إلا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و عن مجاهد قال: النافلة للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهو له نافلة، من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل له و زيادة، فالناس يعملون ما سوى المكتوبات لذنوبهم في كفارتها، فليس للناس نوافل و إنما هي للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة.

و عن الحسن: لا تكون نافلة الليل إلا للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و عن قتادة: نافِلَةً لَكَ‏ قال: تطوعا و فضيلة لك.

و خرّج من طريق وكيع: يعنى‏ وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ‏ قال محمد بن نصر: قد سمى ابن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- التطوع نوافل من الناس كلهم، لم يخص بذلك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دون غيره، و هذا المعروف في اللغة، أن كل تطوع نافلة من الناس كلهم.

و استدل الرافعي و غيره بحديث عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

____________

[ (1)] الإسراء: 79.

26

قال:

ثلاث هن على فرض، و هن لكم سنة: الوتر، و السواك، و قيام الليل [ (1)].

و هو حديث ضعيف، أخرجه البيهقي في (السنن) و (الخلافيات) من حديث موسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

ثلاث هن عليّ فرض و هن لكم سنّة: الوتر، و السواك، و قيام الليل.

و موسى هذا هو موسى ابن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني أبو محمد المفسّر. قال ابن عدي: منكر الحديث، و قد يقبل بابن جريح، عن عطاء، عن ابن عياش، و هذه الأحاديث بواطيل.

و قال البيهقيّ: موسى هذا ضعيف جدا و لم يثبت في هذا إسناد.

و قال الشيخ أبو حامد: إن الشافعيّ نص على أنه نسخ وجوب قيام الليل في حقه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، كما نسخ في حق الأمة فإنه كان واجبا في ابتداء الإسلام على الأمة كافة.

قال ابن الصلاح، و النووي في (الروضة): و هذا هو الصحيح تشهد له الأحاديث.

قال مؤلفه: قال الشافعيّ: سمعت من أثق خبره و عمله، يذكر أن اللَّه- عز و جل- أنزل فرضا في الصلاة، ثم نسخه بفرض غيره، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس، قال: كأنه يعنى قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا* نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ‏ [ (2)]، ثم نسخه في [آخر] السورة بقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ‏ [ (3)] فينسخ قيام الليل، أو نصفه، أو أقل، أو أكثر بما تقدم.

قال: و يقال: نسخ ما وصفت في المزمل بقول اللَّه- تعالى-: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً

____________

[ (1)] (سبق تخريجه). و موسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني منكر الحديث، ترجمته في (الكامل في ضعفاء الرجال): 6/ 349، ترجمة رقم (210/ 1831).

[ (2)] المزمل: 1- 4.

[ (3)] المزمل: 20.

27

وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ‏ [ (1)] فأعلمه أن صلاة الليل نافلة لا فريضة، و الفرائض فيما ذكر من ليل و نهار، و قال: ففرائض الصلوات خمس، و ما سواها تطوع. انتهى، فهذا ما أشار إليه الشيخ أبو حامد من نصّ الشافعيّ.

و قال محمد بن نصير المروزي في كتاب (قيام الليل) و قد حكاها عن الشافعيّ: فذهب الشافعيّ في الحكاية التي حكاها و غيره، إلى أن اللَّه- تعالى- افترض قيام الليل في أول سورة المزمل على المقادير التي ذكرها، ثم نسخ ذلك في آخر السورة، و أوجب قراءة ما تيسر في قيام الليل فرضا، ثم نسخ فرض قراءة ما تيسر بالصلوات الخمس.

____________

[ (1)] الإسراء: 78- 79.

28

و أما سائر الأخبار التي ذكرناها عن عائشة رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها و ابن عباس و غيرهما فإنّها دلت على أن آخر السورة نسخ أولها فصار قيام الليل تطوعا بعد فرضيته بنزول آخر السورة

فذهبوا إلى أن قوله- تعالى-: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ‏ [ (1)] اختيار لا إيجاب فرض. قال محمد بن نصر: و هذا أولى القولين عندي بالصواب، و كيف يجوز أن تكون الصلوات الخمس مفروضات في أول الإسلام، و النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمكة، فرضت عليه ليلة أسرى به، و الأخبار التي ذكرناها تدل على أن قوله- تعالى-: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ‏ إنما نزل بالمدينة، و نفس الآية تدل على ذلك؟

قوله: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏ [ (2)] و القتال في سبيل اللَّه إنما كان بالمدينة، و كذلك قوله- تعالى-: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ* و الزكاة إنما فرضت بالمدينة.

و في حديث جابر: أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعثهم في الجيش و قد كان كتب عليهم قيام الليل، و بعثه الجيوش لم يكن إلا بعد قدوم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة، قال- تعالى-:

ما تَيَسَّرَ*، يدل على أنه ندب و اختيار و ليس بفرض. انتهى.

قال مؤلفه: و قال عمر بن نصر: لم يخف على الشافعيّ شي‏ء مما قلت، و إنما أرادوا- و اللَّه أعلم- أن هذه الآية نسخت بنزولها قيام الليل، أو بقول اللَّه- تعالى- فيها: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ‏، فتأمله تجده كذلك.

____________

[ (1)] المزمل: 20.

[ (2)] المزمل: 20.

29

و خرّج مسلم [ (1)] من حديث سعيد، عن قتادة، عن زرارة،

أن سعيد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل اللَّه فقدم المدينة، فأراد أن يبيع عقارا بها، فيجعله في السلاح و الكراع، و يجاهد الروم حتى يموت، فلما قدم المدينة أتى أناسا من أهل المدينة، فنهوه عن ذلك، و أخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فنهاهم نبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال: أ ليس لكم فيّ أسوة؟.

فلما حدثوه بذلك راجع امرأته و قد كان طلقها، و أشهد على رجعتها، فأتى ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فسأله عن وتر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال ابن عباس: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟

قال: من؟ قال: عائشة، فأتها فاسألها، ثم ائتني فأخبرني بردها عليك، فانطلقت إليها فأتيت على حكيم بن أفلح فاستخلفته إليها، فقال: ما أنا بمقاربها لأني نهيتها إلى أن تقول في هاتين الشعبتين شيئا، فأبت فيهما إلا مضيا.

قال: فأقسمت عليه، فجاء، فانطلقنا إلى عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، فأستأذنا عليها، فأذنت لنا، فدخلنا عليها، فقالت: أ حكيم؟

فعرفته، فقال: نعم، فقالت: من معك؟ قال: سعد بن هشام، ثم قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر، فترحمت عليه، و قالت: خيرا، قال قتادة: و كان أصيب يوم أحد، فقلت: [يا] أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قالت: أ لست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان القرآن، فهممت أن أقوم و لا أسأل أحدا عن شي‏ء من أمره [ (2)]، ثم بدا لي، فقلت:

أنبئيني عن قيام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقالت: أ لست تقرأ: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ‏ [ (3)]؟

قلت: بلى، قالت: فإن اللَّه- عز و جل- افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه حولا، و أمسك اللَّه- عز و جل- خاتمتها

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 6/ 271- 273، كتاب صلاة المسافرين و قصرها، باب (28) جامع صلاة الليل، و من نام عنه أو مرض، حديث رقم (139).

[ (2)] كذا في (الأصل)، و في (صحيح مسلم): «عن شي‏ء حتى أموت».

[ (3)] المزمل: 1.

30

اثنى عشر شهرا في السماء، حتى أنزل اللَّه [عز و جل‏] في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة.

قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قالت: كنا نعد له سواكه و طهوره، فيبعثه اللَّه ما يشاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، و يتوضأ، و يصلي تسع ركعات، لا يجلس إلا في الثامنة، فيذكر اللَّه، و يحمده، و يدعوه، ثم ينهض و لا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر اللَّه- عز و جل- و يحمده، و يدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلى ركعتين بعد ما يسلم و هو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن نبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أخذ اللحم، أوتر بسبع، و صنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بني، و كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، و كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، و لا أعلم نبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قرأ القرآن كله في ليلة، و لا صلى ليلة إلى الصبح، و لا صام شهرا كاملا غير رمضان.

قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت، لو كنت أقربها أو أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني به، قال: قلت: لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها.

و خرّجه أيضا من حديث هشام، عن أبيه، عن قتادة، من حديث معمر عن قتادة، و أخرجه النسائي [ (1)] من حديث سعيد عن قتادة مختصرا.

و خرّج أبو داود [ (2)] من طريق يزيد النحويّ عن عكرمة، عن ابن عباس، قال في المزمل: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ‏ [ (3)] نسختها الآية التي فيها: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ‏ [ (4)] و ناشئة الليل:

____________

[ (1)] (سبق تخريجه).

[ (2)] قال المنذري: صح من حديث عائشة أنها قالت: «و أمسك اللَّه خاتمتها- تريد سورة المزمل- أثنى عشر شهرا في السماء. (هامش سنن أبي داود).

[ (3)] المزمل: 2، 3.

[ (4)] المزمل: 20.

31

أوله، كانت صلاتهم أول الليل، يقول: هو أجدر أن تحصوا ما فرض اللَّه عليكم من قيامكم، و ذلك أن الإنسان إذا نام لا يدري متى يستيقظ.

و قوله- تعالى-: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [ (1)] هو أجدر أن يفقه القول، و قوله- تعالى-: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [ (2)] يقول فراغا طويلا.

و خرّج من طريق وكيع [ (3)]، عن مسعود، عن سماك الخثعميّ عن ابن عباس، قال: لما نزلت أول المزمل، كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، و كان بين أولها و آخرها سنة. ترجم عليه باب نسخ قيام الليل و التيسير فيه.

و ذهب بعضهم إلى أن الناسخ قوله- تعالى-: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ‏ و قوله- تعالى-: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ‏ الآية، و أن ذلك ناسخ لقيام الليل في حق الأمة فقط، و في هذا نظر، فإن الخطاب في أول السورة للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قد شركته الأمة في ذلك، فالخطاب في آخرها يتوجه لمن يتوجه إليه الخطاب في أولها، و قد قيل: إنّ المنسوخ من قيام الليل ما كان مقدرا، و أما الواجب فهو باق لقوله- تعالى-: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ‏ و هذا بناء على أن المراد بالقراءة الصلاة، فسماها- تعالى- ببعض أجزائها، فتكون الآية كقوله- تعالى-: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏ إذ لا بد من الهدى، فكذلك لا بد من صلاة الليل.

و حديث عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، المخرج في (الصحيحين) [ (4)]

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه، قالت‏

____________

[ (1)] المزمل: 2.

[ (2)] المزمل: 7.

[ (3)] (سنن أبي داود): 2/ 72، كتاب الصلاة، أبواب قيام الليل، باب (306) نسخ قيام الليل و التيسير فيه، حديث رقم (1305)، (تفسير ابن كثير): 4/ 465، سورة المزمل.

[ (4)] (فتح الباري): 3/ 18، كتاب التهجد، باب (6) قيام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الليل، و قالت عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-: كان يقوم حتى تفطر قدماه.

32

____________

[ ()] و الفطور: الشقوق، انفطرت: انشقت، حديث رقم (1130)، و من كان في بلية ففرضه الصبر و الشكر، و أما الصبر فواضح، و أما الشكر فالقيام بحق اللَّه- تعالى- عليه في تلك البلية، فإن للَّه على العبد عبودية في البلاء كما له عليه عبودية في النعماء.

ثم الصبر على ثلاثة أقسام: صبر المعصية فلا يرتكبها، و صبر على الطاعة حتى يؤديها، و صبر على البلية فلا يشكو ربه فيها. و المرء لا بد له من واحدة من هذه الثلاث، فالصبر لازم له أبدا لا خروج له عنه، و الصبر سبب في حصول كل كمال، و إلى ذلك‏

أشار (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بقوله في الحديث الأول: «إن الصبر خير ما أعطيه العبد».

و قال بعضهم: الصبر تارة يكون للَّه، و تارة يكون باللَّه، فالأول: الصابر لأمر اللَّه طلبا لمرضاته، فيصير على الطاعة، و يصير على المعصية، و الثاني: المفوض للَّه بأن يبرأ من الحول و القوة، و يضيف ذلك إلى ربه.

و زاد بعضهم: الصبر على اللَّه، و هو الرضا بالمقدور، فالصبر للَّه يتعلق بإلهيته و محبته، و الصبر به يتعلق بمشيئته و إرادته، و الثالث: يرجع إلى القسمين الأولين عند التحقيق، فإنه لا يخرج عن الصبر على أحكامه الدينية، و هي أوامره و نواهيه، و الصبر على ابتلائه و هو أحكامه الكونية. و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم. (فتح الباري).

و أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين و أحكامهم، باب (18) إكثار الأعمال و الاجتهاد في العبادة، حديث رقم (79)، (80)، (81). قال القاضي: الشكر معرفة إحسان المحسن و التحدث به، و سميت المجازاة على فعل الجميل شكرا لأنها تتضمن الثناء عليه، و شكر العبد للَّه- تعالى- اعترافه بنعمه، و ثناؤه عليه، و تمام مواظبته على طاعته.

و أما شكر اللَّه- تعالى- أفعال عباده فمجازاته إياهم عليها، و تضعيف ثوابها، و ثناؤه بما أنعم به عليهم، فهو المعطي و المثنى سبحانه، و الشكور من أسمائه مواظبته- سبحانه و تعالى- بهذا المعنى، و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم. (شرح النووي).

و أخرجه الإمام أحمد في (المسند): 7/ 167، حديث رقم (24323)، من حديث السيدة عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- (5)، (6) راجع التعليق السابق. و فيه مشروعية الصلاة للشكر، و فيه أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، كما قال- تعالى-: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً قال القرطبي: ظن من سأله عن سبب تحمله المشقة في العبادة أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنما يعبد اللَّه خوفا من الذنوب، و طلبا للمغفرة و الرحمة، فمن تحقق أنه غفر له لا يحتاج إلى‏

33

عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-: يا رسول اللَّه! أ تصنع هذا و قد غفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ فقال: يا عائشة! أ فلا أكون عبدا شكورا؟.

و أخرجه مسلم من طريق ابن وهب عن صخر، عن أبي قسيط، عن عروة و أخرجاه من وجه آخر عن المغيرة بن شعبة

،

و هو من جملة ما يدل على عدم وجوب قيام الليل عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و قال ابن عبد البر في كتاب (التمهيد): و أوجب بعض التابعين قيام الليل فرضا، و لو كان كقدر حلب شاة، و هو عبيدة السلماني، و هو قول شاذ متروك لإجماع العلماء على أن قيام الليل منسوخ عن الناس بقوله- عز و جل-:

____________

[ ()] ذلك، فأفادهم أن هناك طريقا آخر للعبادة، و هو الشكر على المغفرة و إيصال النعمة لم لا يستحق عليه فيها شيئا، فيتعين كثرة الشكر على ذلك.

و الشكر: الاعتراف بالنعمة و القيام بالخدمة، فمن كثر ذلك منه سمي شكورا، و من ثم قال- سبحانه و تعالى-: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ و فيه ما كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عليه من الاجتهاد في العبادة و الخشية من ربه.

قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة اللَّه- تعالى- عليهم، و أنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره، مع أن حقوق اللَّه أعظم من أن يقوم بها العباد. و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم.

و قيل: أخرج البخاري هذا الحديث لينبه على أن قيام جميع الليل غير مكروه، و لا تعارضه الأحاديث الآتية بخلافه، لأنه يجمع بينها بأنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يكن يداوم على قيام جميع الليل، بل كان يقوم و ينام، كما أخبر عن نفسه، و أخبرت عنه عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

و أخرجه البخاريّ أيضا في كتاب التفسير، باب (2) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً حديث رقم (4836)، (4837)، و في كتاب الرقاق، باب (20) الصبر على محارم اللَّه‏ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏، حديث رقم (6471).

قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): و وجه مناسبته للترجمة أن الشكر واجب، و ترك الواجب حرام، و في شغل النفس بفعل الواجب صبر عن فعل الحرام، و الحاصل أن الشكر يتضمن الصبر على الطاعة و الصبر عن المعصية.

34

عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ‏ ... فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ‏ و الفرائض لا تثبت إلا بتقدير و تحصيل.

و ذكر محمد بن نصر المروزي في كتاب (قيام الليل) بسنده إلى أبي رجاء، قلت للحسن: ما تقول في رجل حدثنا القرآن كله عن ظهر قلب، و لا يقول به، إنما يصلي المكتوبة؟ فقال: لعن اللَّه ذاك إنما [القيام‏] للقرآن، قلت:

قال اللَّه تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ‏ قال: نعم و لو خمسين آية، و نقل أبو محمد بن حزم في (المحلى) [ (1)] أن الخمسين [آية] تقول: إن الوتر فرض و إن تهجد الليل فرض.

____________

[ (1)] (المحلى): 2/ 93، كتاب الصلاة، مسألة رقم (292)، قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم الأحول، عن أبي مجاز، أن أبا موسى الأشعري كان بين مكة و المدينة، فصلى العشاء ركعتين، ثم قام فصلى ركعة أوترها، و قرأ فيها بمائة آية من سورة النساء، و قال: ما ألوت أن وضعت قدمي حيث وضع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أن أقرأ ما قرأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

35

تنبيهات‏

الأول: أن قبل قوله- تعالى-: وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ‏ [ (1)] يقتضي أن التهجد غير واجب عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإن النافلة غير الواجب. قال ابن سيده:

العطية عن بدء، و النفل ما يفعله الإنسان مما لا يجب عليه. وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ‏ قلنا بها أن النافلة فيها بمعنى الزيادة.

و منه قوله- تعالى-: وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً [ (2)]، وَ كُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا [ (3)] أن إسحاق و يعقوب زيادة، لأن إبراهيم (عليه السلام) لما سأل اللَّه- سبحانه- ولدا بقوله: هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ‏ [ (4)] استحباب دعاءه و وهب له إسحاق، و زاده يعقوب بن إسحاق، من غير زيادة، فكان يعقوب نافلة لإبراهيم، عند الولد، قال ابن سيده: النافلة ولد، و هو من ذلك يعني من العطية امتدادا، فإذا تقرر أن النافلة الزيادة، و لا يأتونكم منا غير واجبة.

و خرّج مسلم من طريق أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل المزني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: هو خليل على جابر بن عبد اللَّه ... فذكر حديث جابر الطويل في الحج إلى أن قال جابر عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

لقد صلى بنا المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين، و لم يسبح بينها شيئا، ثم اضطجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى طلع الفجر فصلى حين تبين له الصبح. الحديث،

و هذا يدل على عدم وجوب الوتر و التهجد لأن الظاهر أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يفعلها تلك الليلة.

و قد يجاب عن التهجد بأنه لعله إذ ذاك صار منسوخا في هذا الحديث و على ما جزم به الدارميّ.

____________

[ (1)] الاسراء: 79.

[ (2)] الأنبياء: 72.

[ (3)] مريم: 49.

[ (4)] الصافات: 100.

36

و الّذي نص عليه الشافعيّ في (الأم) و غيره: أن السنة ترك التنفل بعد العشاء. كما يسن تركه بعد المغرب، و صرح به الماوردي، و القاضي حسين، و غيرهما، و أبعد البحلي فقال: إنه يأتي بسنة المغرب بعد العشاء ثم بسنة العشاء، ثم بالوتر، و هو مصادم للنص.

الثاني: قال الرافعيّ: مقتضى الحديث المروي عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- الّذي سلف، و كلام الأئمة هنا كون الوتر غير التهجد المأمور به، و ذلك مخالف لما مرّ في باب صلاة التطوع أنه يشبه أن يكون الوتر هو التهجد، و يعتضد به الوجه المذكور هناك عن رواية الروياني. قال و كان التغاير أظهر، و كذا قال في (تذييله على الشرح): من أنه الأظهر و تبعه صاحب (الحاوي).

لكن خرّج البخاريّ [ (1)] و مسلم [ (2)] و أبو داود [ (3)] و الترمذي [ (4)] من حديث مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه سأل‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 3/ 41، كتاب التهجد، باب (16) قيام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالليل في رمضان و غيره، حديث رقم (1147)، و ذكره في كتاب صلاة التراويح، باب (1) فضل من قام في رمضان، حديث رقم (2013)، و في كتاب المناقب، باب (24) كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تنام عينه و لا ينام قلبه، رواه سعيد بن ميناء، عن جابر، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 5/ 263، كتاب صلاة المسافرين و قصرها، باب (17) صلاة الليل و عدد ركعات النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الليل، و أن الوتر ركعة، و أن الركعة صلاة صحيحة، حديث رقم (738).

قوله: «إن عيني تنامان و لا ينام قلبي»

هذا من خصائص الأنبياء- (صلوات اللَّه و سلامه عليهم)-. و سبق في حديث نومه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الوادي، فلم يعلم بفوات وقت الصبح حتى طلعت الشمس، و أن طلوع الفجر و الشمس متعلق بالعين لا بالقلب. و أما أمر الحدث و نحوه فمتعلق بالقلب، و أنه قيل أنه في وقت ينام قلبه، و في وقت لا ينام، فصادف الوادي نومه. و الصواب الأول. (شرح النووي).

[ (3)] (سنن أبي داود): 2/ 86- 87، كتاب الصلاة، باب (316) في صلاة الليل، حديث رقم (1341).

37

عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، كيف كانت صلاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في رمضان؟ قالت: ما كان يزيد في رمضان و لا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسل عن حسنهنّ و طولهنّ، ثم يصلى ثلاثا، قالت عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-: فقلت: يا رسول اللَّه أ تنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عينيّ تنامان و لا ينام قلبي. و هذا يدل على أن التهجد هو غير الوتر.

و ما خرّجه مسلم [ (1)] و أبو داود [ (2)] و الترمذي [ (3)] و النسائي [ (4)] من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: كان‏

____________

[ ()] (4) (سنن الترمذي): 2/ 302- 303، أبواب الصلاة، باب (325) ما جاء في وصف صلاة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالليل، حديث رقم (439)، و قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 5/ 262، كتاب صلاة المسافرين و قصرها، باب (17) صلاة الليل و عدد ركعات النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الليل، و أن الوتر ركعة، و أن الركعة صلاة صحيحة، حديث رقم (737).

قال القاضي: قال العلماء: في هذه الأحاديث أخبار كل واحد من ابن العباس، و زيد، و عائشة، بما شاهد، و أما الاختلاف في حديث عائشة: فقيل: هو منها، و قيل: من الرواة عنها، فيحتمل أن إخبارها بأحد عشرة هو الأغلب، و باقي رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرا في بعض الأوقات، فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر، و أقله سبع، و ذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه، بطول قراءة، كما جاء في حديث حذيفة و ابن مسعود، أو لنوم، أو عذر أو مرض، أو غيره في بعض الأوقات عند كبر السن، كما قالت: فلما أسن صلى سبع ركعات، أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل، كما رواه زيد بن خالد، و روتها عائشة بعدها، هذا في مسلم، و تعد ركعتي الفجر تارة، و تحذفهما تارة، أو تعد إحداهما، و قد تكون عدت راتبة العشاء مع ذلك تارة، و حذفتها تارة.

قال القاضي: و لا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه و لا ينقص منه، و أن صلاة الليل من الطاعات، التي كلما زاد فيها زاد الأجر، و إنما الخلاف في فعل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما اختاره لنفسه، و اللَّه- تعالى- أعلم.

38

رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شي‏ء إلا في آخرها. يقابل الحديث الأول، و الّذي يلزم من كلامهم أن يكون كل وتر تهجدا، مأمورا به.

و لفظ الشافعيّ- (رحمه اللَّه)-: و أوكد النوافل الوتر و يشبه أن يكون صلاة التهجد، و الظاهر أن الوتر و التهجد يفرقان، فالوتر لا يعتبر في حقيقته أن يكون بعد النوم، بخلاف التهجد.

قال ابن سيده: هجد يهجد هجودا، و أهجد نام، و الهاجد و الهجود المصلي بالليل، و الجمع هجود و هجد. قال: و تهجد القوم، و استيقظوا للصلاة أو لغيرها، و قال الأزهري: المتهجد القائم لصلاة الليل من النوم، فكأنه قيل له متهجد لإلقائه الهجود عن نفسه، كما يقال للعابد: متحنث لإلقائه الحنث عن نفسه، فيمكن تأويل كلام الشافعيّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- على أن يقال: إن الّذي يتبع الوتر في التأكيد هو التهجد.

و ذكر محمد بن نصر المزروي، عن الحجاج بن عمر بن غزية الأنصاري أنه قال: يحسب أحدكم أنه إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح، أنه قد تهجد؟ إنما التهجد الصلاة بعد رقدة، ثم الصلاة بعد رقدة، ثم الصلاة بعد رقدة، ثم الصلاة بعد رقدة، قال: فتلك كانت صلاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

____________

[ ()] (2) (سنن أبي داود): 2/ 96، كتاب الصلاة، باب (316) في صلاة الليل، حديث رقم (1359).

[ (3)] (سنن الترمذيّ): 2/ 304، أبواب الصلاة، باب (326) بدون ترجمة، حديث رقم (442)، من حديث وكيع، عن شعبة، عن أبي جمرة الضبعيّ، عن ابن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-، و قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

[ (4)] (سنن النسائي): 3/ 266- 267، كتاب قيام الليل، باب (41) كيف الوتر بخمس، حديث رقم (1716)، و قد انفراد به النسائي.

39

المسألة الخامسة: صلاته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالليل‏

و كانت ثمانية أنواع:

النوع الأول: أن يصلي ثنتي عشرة ركعة يسلم في كل ركعتين، ثم يصلي ركعة واحدة، و يسلم.

و خرّج أبو داود [ (1)] من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، أن نبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين.

النوع الثاني: أن يصلي ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين، ثم يصلي خمس ركعات متصلات لا يجلس إلا في آخرهن [ (2)].

خرّج النسائي [ (3)] و غيره من طريق عبدة بن سليمان، قال: حدثنا هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر بينهن بخمس ركعات لا يجلس في شي‏ء من الخمس إلا في آخرهن، ثم يجلس و يسلم.

النوع الثالث:

أن يصلي عشر ركعات يسلم في آخر كل ركعتين، ثم يوتر بواحدة.

خرّج مسلم [ (4)] من طريق ابن وهب قال: أخبرني وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين‏

____________

[ (1)] (سنن أبي داود): 1/ 96- 97، كتاب الصلاة، باب (316) في صلاة الليل، حديث رقم (1360).

[ (2)] (المرجع السابق): حديث رقم (1358).

[ (3)] (سنن النسائي): 3/ 266- 267، كتاب قيام الليل، باب (41) كيف الوتر بخمس، حديث رقم (1716).

[ (4)] (مسلم بشرح النووي): 6/ 262، كتاب صلاة المسافرين و قصرها، باب (17) صلاة الليل و عدد ركعات النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الليل، و أن الوتر ركعة و أن الركعة صلاة صحيحة، حديث رقم (122).

40

- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي في ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء- و هي التي تدعو الناس العتمة- إلى الفجر، إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين، و يوتر لواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر و تبين له الفجر، و جاء المؤذن، قام، فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة.

النوع الرابع: أن يصلي ثماني ركعات لا يجلس في شي‏ء منهن جلوس تشهد إلا في آخرها، فإذا جلس في آخرهن و تشهد قام دون أن يسلم، فأتى بركعة واحدة، ثم يجلس و يتشهد و يسلم.

خرّج مسلم [ (1)] من حديث سعد بن هشام المتقدم، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- فيذكر اللَّه و يحمده، و يدعوه ثم ينهض و لا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد، فيذكر اللَّه- عز و جل-، و يحمده، و يدعوه، ثم ينهض، ثم يسلم. الحديث.

و خرّج النسائي [ (2)] من طريق حماد عن أبي حمزه، عن الحسن، عن سعد ابن هشام، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يوتر بتسع ركعات يقعد في الثامنة، ثم يقوم فيركع ركعة.

النوع الخامس: أن يصلي سبع ركعات لا يجلس و لا يتشهد إلا في آخر السادسة منهن، ثم يقوم دون تسليم، فيأتي بالسابعة، ثم يجلس و يتشهد و يسلم.

خرّج النسائي [ (3)] من طريق معاذ بن هشام الدستوائي، حدثنا أبي عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام بن عامر، عن عائشة- رضي‏

____________

[ (1)] سبق تخريجه.

[ (2)] (سنن النسائي): 3/ 67- 68، كتاب السهو، باب (67) أقل ما يجزئ من عمل الصلاة، حديث رقم (1314)، باب (43) كيف الوتر بتسع، حديث رقم (1719)، (1920)، و أخرجه ابن ماجة في إقامة الصلاة و السنة فيها، باب ما جاء في الوتر بثلاث و خمس و سبع و تسع، حديث رقم (1191).

[ (3)] (سنن النسائي): 3/ 67، كتاب قيام الليل، باب (42) كيف الوتر بسبع، حديث رقم (1718).

41

اللَّه تبارك و تعالى عنها- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما كبر و ضعف، أوتر بسبع ركعات لا يقعد إلا في السادسة، ثم ينهض، و لا يسلم، فيصلي السابعة، ثم يسلم تسليمة ... الحديث.

النوع السادس: أن يصلي سبع ركعات لا يجلس جلوس تشهد إلا في آخرهن، جلس و تشهد و سلم.

خرّج النسائي [ (1)] من طريق سعيد، حدثنا قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، أن عائشة أم المؤمنين- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: لما أسنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أخذه اللحم، صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن، ثم يصلي ركعتين بعد أن يسلم.

النوع السابع: أن يصلي خمس ركعات متصلات، لا يجلس و لا يتشهد إلا في آخرهن.

خرّج النسائي [ (2)] من حديث سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن.

النوع الثامن: أن يصلي ثلاث ركعات يجلس في الثانية، ثم يقوم دون أن يسلم، و يأتي بالثالثة، ثم يجلس، و يتشهد، و يسلم كصلاة المغرب.

خرّج النسائي [ (3)] من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن سعد بن هشام، أن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- حدثته أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان لا يسلم في ركعتي الوتر.

قال محمد بن نصر المروزي: فأما الوتر بثلاث ركعات فإنا لم نجد عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبرا ثابتا مفسرا أنه أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن كما وجدنا عنه أخبارا أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أوتر بثلاث، لا ذكر التسليم فيها.

فذكر من طريق يونس عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يوتر بثلاث،

____________

[ (1)] (المرجع السابق): باب (42) كيف الوتر بسبع، حديث رقم (1717).

[ (2)] (المرجع السابق): باب (41) كيف الوتر بخمس، حديث رقم (1713).

[ (3)] (المرجع السابق): باب (36) كيف الوتر بثلاث؟ حديث رقم (1697).

42

يقرأ في الأولى ب- سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى‏ [ (1)] و في الثانية قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ‏ [ (2)] و في الثالثة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ (3)].

قال مؤلفه: و ذكر في الباب عن عمران بن حصين و عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، و عبد الرحمن بن أبزى، و أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أسند ذلك محمد بن نصر عنهم من طريق عديدة، ثم قال:

فهذه أخبار منهم، تحتمل أن يكون النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد سلم في الركعتين من هذه التي روى أنه أوتر بها، جائز أن يقال لمن صلى عشر ركعات يسلم بين كل ركعتين: فلا نصلي عشر ركعات، و كذلك إن لم يسلم إلا في آخرهن، جاز أن يقال: يصلي عشر ركعات، و الأخبار المفسرة التي لا تحتمل إلا معنى واحدا أولى أن تتبع، و يحتج بها، غير أنا روينا عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه خيّر الموتر بين أن يوتر بخمس أو بثلاث، أو بواحدة.

و روينا عن بعض أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن، فالعمل بذلك جائز عندنا، و الاختيار ما بينا.

فأما الحديث الّذي حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان لا يسلم في ركعتي الوتر.

و في رواية قد أسندها أيضا: كان لا يسلم في الركعتين الأولين من الوتر قال: فهذا عندنا قد اختصره سعيد من الحديث الطويل الّذي ذكرناه، و لم يقل في هذا الحديث أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أوتر بثلاث لم يسلم في الركعتين الوتر، و صدق في ذلك الحديث، فكان يكون حجة لمن أوتر بثلاث بلا تسليمة في الركعتين، إنما قال: لم يسلم في ركعتي الوتر، و صدق في ذلك الحديث، أنه لم يسلم في‏

____________

[ (1)] الأعلى: 1.

[ (2)] الكافرون: 1.

[ (3)]

الإخلاص: 1، ثم زاد في آخره‏ «و يقنت قبل الركوع، فإذا فرغ قال عند فراغه: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، يطيل في آخرهن». المرجع السابق: باب (37) ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبيّ بن كعب في الوتر، حديث رقم (1698)، (1699)، (1700).

43

الركعتين، و لا في الست، و لم يجلس أيضا في الركعتين، كما لم يسلم فيهما، و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم.

و قال ابن عبد البر: و أهل العلم يقولون: إن الاضطراب عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- في أحاديثها في الحج، و أحاديثها في الرضاع، و أحاديثها في صلاة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالليل، و أحاديثها في قصر صلاة المسافر، و لم يأت ذلك إلا منها، لأن الذين يروون ذلك عنها حفاظ أثبات:

القاسم بن محمد، و عروة بن الزبير، و الأسود بن يزيد، و مسروق، و نظراؤهم، و قد أجمع العلماء على أن لا حد و لا شيئا مقدرا في صلاة الليل، و أنها نافلة، فمن شاء أطال فيها القيام، و قلت ركعاته، و من شاء أكثر الركوع و السجود، و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم.

44

المسألة السادسة: في السواك و كان واجبا عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على الصحيح‏

و استدل له بحديث عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- المتقدم، و قد تبين ضعفه لكن خرّج أبو داود [ (1)] و البيهقي [ (2)] في (سننهما)، و ابن خزيمة [ (3)] من حديث عبد اللَّه بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل، أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شقّ ذلك على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمرنا بالسواك لكل صلاة و وضع عنه الوضوء إلا من حدث.

____________

[ (1)] (سنن أبي داود): 1/ 41- 42، كتاب الطهارة، باب (25) السواك، حديث رقم (48)، ثم قال: فكان ابن عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- يرى أن به قوة، فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة. قال أبو داود: إبراهيم بن سعد رواه عن محمد بن إسحاق، قال:

عبيد اللَّه بن عبد اللَّه.

قال الخطّابيّ: يحتج بهذا الحديث من يرى أن المتيمم لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، و أن عليه أن يتيمم لكل صلاة فريضة.

قال: و ذلك لأن الطهارة بالماء كانت مفروضة عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لكل صلاة، و كان معلوما أن حكم التيمم الّذي جعل بدلا عنها مثلها في الوجوب، فلما وقع التخفيف بالعفو عن الأصل و لم يذكر سقوط التيمم، كان باقيا على حكمه الأول، و هو قول عليّ بن أبي طالب، و ابن عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-، و النخعيّ، و قتادة، و إليه ذهب مالك، و الشافعيّ، و أحمد، و إسحاق. (معالم السنن).

[ (2)]

(سنن البيهقيّ): 7/ 49، كتاب النكاح، باب ما روى عنه (صلّى اللَّه عليه و

سلّم) من قوله: «أمرت بالسواك حتى خفت أن يدردني»، يدردني أي يذهب بأسناني.

[ (3)] (صحيح ابن خزيمة): 1/ 71- 72، باب (106) الأمر بالسواك عند كل صلاة أمر ندب و فضيلة، لا أمر وجوب و فريضة، حديث رقم (138).

45

و أخرجه الحاكم [ (1)] في (مستدركه) و قال: حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرّجاه.

و قد اختلف في هذا الحديث على ابن إسحاق، فقيل: عنه عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، و قيل: عن محمد بن طلحة، عن محمد بن يحيى، عن بن إسحاق، فالظاهر من هذا الحديث أنه أوجب عليه السواك، و هو الصحيح عند الأصحاب قاله النووي: و مال إلى قوله ابن الصلاح، و يؤيده ما

خرّجه البيهقيّ [ (2)] من حديث أم سلمة مرفوعا:

ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت على أضراسي.

قال البخاريّ: هذا حديث حسن [ (3)].

قال عبد اللَّه بن وهب: حدثنا يحيى بن عبد اللَّه بن سالم، عن عمرو مولى المطلب، عن المطلب بن عبد اللَّه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

لقد لزمت السواك حتى تخوفت يتدردني.

رواه البيهقي [ (4)] و فيه انقطاع بين المطلب و عائشة.

و قال محمد بن يوسف الفريابي: قال ابن عيينة: سمعت أبا الحويرث الدرقي يذكر عن نافع بن جبير بن مطعم قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

لقد أمرت بالسواك حتى خفت أن يدردني.

هكذا ذكره مرسلا، و حدثنا إسرائيل، و حدثنا

____________

[ (1)] (المستدرك): 1/ 58، كتاب الطهارة، حديث رقم (556)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرّجاه، إنما اتفقا على حديث علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، و قال الحافظ الذهبي في (التلخيص): على شرط مسلم، و له شاهد في الكتابين من حديث بريدة.

[ (2)]

(سنن البيهقيّ): 7/ 49، كتاب النكاح، باب ما روى عنه من قوله: «أمرت بالسواك حتى خفت أن يدردني».

[ (3)] المرجع السابق.

[ (4)] (المرجع السابق): 7/ 50.

46

أبو إسحاق عن التميمي و اسمه أربدة قال: قلت لابن عباس: أ رأيت السواك؟

فقال: ما زال يذكر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى ظن أنه سينزل عليه فيه شي‏ء.

و خرّج الإمام أحمد [ (1)] من طريق ليث عن أبي بردة عن أبي المليح بن أسامة عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ.

و خرّجه الطبراني في (المعجم الكبير) من طريقين مدارهما على ليث بن أبي سليم بن زنيم أبي بكر القرشي مولاهم. ضعفه ابن معين و النسائي.

و خرّجه ابن ماجة [ (2)] من حديث أبي أمامة أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى خشيت أن يفرض عليّ و على أمتي، و لو لا خشيت أن أشق على أمتي لفرضته عليهم، و إني لأستاك حتى أني تخشيت أن يدرد مقادم فمي‏

إلا أن في سنده من تكلم فيه.

و خرّج الإمام أحمد [ (3)] من طريق شريك عن أبي إسحاق عن التميمي، عن ابن عباس قال: قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يكثر السواك حتى رأينا أو خشينا أنه ينزل عليه.

و خرّج الطبراني في (الأوسط) من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- بلفظ غير هذا.

و خرّج البزار من طريق عمران بن خالد الخياط، عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

أمرت بالسواك حتى خشيت ادرادا و حتى خشيت على أمتي و أسناني.

____________

[ (1)] (مسند أحمد): 4/ 544، حديث رقم (15577) من حديث واثلة بن الأسقع.

[ (2)] (سنن ابن ماجة): 1/ 106، كتاب الطهارة و سننها، باب (7) السواك، حديث رقم (289) باختلاف يسير في اللفظ.

[ (3)] (مسند أحمد): 1/ 469، حديث رقم (2568)، من مسند عبد اللَّه بن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-.

47

و استدل من رأى أن السواك لم يكن واجبا على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إنما كان مستحبا برواية

أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ،

و طرقها كلها معلولة فتأملها.

تنبيه‏

هل المراد بوجوب السواك في حقه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالنسبة إلى الصلاة المفروضة؟

أو في النافلة أيضا؟ أو في الأحوال التي أكدها في حقنا؟ أو ما هو أعم من ذلك؟ و ساق حديث عبد اللَّه بن حنظلة المتقدم أولا، يقول بوجوبه عليه مطلقا، و قال ابن الرفعة في (الكفاية): إنه لم يصح أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعل السواك إلا عند القيام إلى الصلاة، و عند تغيير الفم، ثم قال: فإن قلت: قد روى مسلم عن شريح بن هانئ سألت عائشة عن أي شي‏ء كان يبدأ به النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا دخل بيته؟ قالت:

بالسواك [ (1)] و لفظه كان يؤذن بالدوام، ثم أجاب يحتمل أن يكون فعل ذلك لأجل تغيير حصل في فمه، ثم استبعده بأن في رواية النسائي عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلي ركعتين، ثم ينصرف فيستاك.

____________

[ (1)] (جامع الأصول): 7/ 177، حديث رقم (5175)، و رواه أبو داود برقم (51)، (56)، (57) في الطهارة، باب في الرجل يستاك بسواك غيره، و باب السواك لمن قام الليل، و مسلم برقم (253) في الطهارة، باب السواك، و النسائي في الطهارة، باب السواك في كل حين.

48

المسألة السابعة: مشاورة ذوي الأحلام في الأمور

قال ابن سيده: و أشار عليه بأمر كذا، أمره به، و هي الشورى، و المشورة مفعلة، و لا تكون مفعولة لأنها مصدر، و المصادر لا تجي‏ء على مثال مفعول، و إن جاءت على مثال مفعول، و كذلك المشورة، و شاور مشاورة و شوارا، و استشاره طلب منه المشورة.

و قال الراغب [ (1)]: و المشاورة و استخراج صائب الرأي عن الغير، و اشتقاقه من شرت العسل و شورته إذا أظهرت ماله من الجري.

قلت اختلف في مشاورة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه، هل كانت واجبة عليه، أو مستحبة؟ فالصحيح عند أصحابنا أنها كانت واجبة عليه لقوله- تعالى-:

وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ (2)] و ظاهر الأمر الوجوب و ذهب قوم إلى أنها كانت مستحبة، و قاسوا ذلك على غيره، و قالوا: الأمر للاستحباب من أجل استمالة قلوب أصحابه و حكى ذلك ابن القشيري عن نص الشافعيّ- (رحمه اللَّه)-، و أنه جعله‏

كقوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

و البكر تستأمر تطبيبا لقلبها، إلا أنه واجب،

و هو قول الحسن، فإنه قال: قد [فعله حتى‏] يستن به من بعده.

و في رواية: لقد كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غنيا عن المشاورة، و لكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده.

و قال الشافعيّ- (رحمه اللَّه)-: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهريّ، قال: قال أبو هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: ما رأيت أحدا أكثر

____________

[ (1)] لفظ الراغب: التشاور، و المشاورة، و المشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، من قولهم: شرت العسل إذا اتخذته من موضعه، و استخرجته منه، قال- تعالى-:

وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، و الشورى: الأمر الّذي يتشاور فيه، قال- تعالى-: وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ‏. (المفردات في غريب القرآن): 270.

[ (2)] آل عمران: 159.

49

مشورة لأصحابه من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (1)]. و رواه الإمام أحمد و عبد الرزاق، و في (سنن البيهقيّ)، و في إسناده انقطاع.

و روى أبو عبد الرحمن السلمي، من طريق محمد بن يزيد بن عبادة بن كثير، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-، قال:

لما نزلت هذه الآية:

وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ

[ (2)]، قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن اللَّه و رسوله غنيان عنها، و لكن جعلها رحمة في أمتي، فمن شاور منهم لم يعدم رشدا، و من ترك المشورة منهم لم يعدم غيا،

فعلى هذا لا تبقى المشورة من الخصائص.

و قال الراغب: و قيل: كان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم، فأمر اللَّه رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمشاورة أصحابه لئلا يثقل عليهم استبداده بالرأي دونهم، قال- تعالى-: فَإِذا عَزَمْتَ‏ [ (3)] أي قطعت الرأي على شي‏ء بعد الشورى فتوكل على اللَّه في إمضاء أمرك و قرئ: فَإِذا عَزَمْتَ‏ [ (4)] بضم التاء أي عزمت لك على شي‏ء فتوكل عليّ و لا تشاور بعد ذلك أحدا، و العزم ثبات الرأي على الأمر، نحو اجتماع الرأي، و التوكل على اللَّه الثقة به، و الوقوف حيثما وقف، و نبه- تعالى- بقوله: فَبِما رَحْمَةٍ [ (5)] على نعمته علي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أولا، و على أمته ثانيا، و أمر بالعفو عن تقصيرهم فيما يلزمهم له، و أن يستغفر لهم من ذلك، ثم أمره بإجراء نفسه أحدهم في الرأي، الّذي هو خاص بالإنسان، و قال- تعالى-: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏ [ (6)] أي فإن قاربتهم هذه المقاربة فليكن اعتمادك على اللَّه [و توكلك عليه‏]، و مشاورته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأصحابه ليقتدي به غيره، و قيل: تطيبا لقلوبهم.

____________

[ (1)] سبق تخريجه.

[ (2)] آل عمران: 159.

[ (3)] آل عمران: 159.

[ (4)] آل عمران: 159.

[ (5)] آل عمران: 159.

[ (6)] آل عمران: 159.

50

و أما ما استشار فيه فهو الأمور الممكنات المتقاربة باختيار الفاعل‏

قال جامعه: قال الماورديّ: و اختلف فيما يشاور فيه، فقال قوم: في الحروب و مكايدة العدوّ خاصة، و قال آخرون: في أمور الدنيا دون الدين، و قال آخرون: في أمور الدين بينها لهم على علل الأحكام، و طريق الاجتهاد، و قال الثعلبي: اختلف في المعنى الّذي أمر اللَّه- تعالى- نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمشاورة لهم فيه، مع كمال عقله، و جزالة رأيه، و تتابع الوحي عليه، و وجوب طاعته على أمته، فيما أحبوا أو كرهوا.

فقيل: هو خاص في المعنى، و إن كان عاما في اللفظ، و معنى الآية:

و مشاورتهم فيما ليس عندك فيه من اللَّه- تعالى- عهد، يدل عليه قراءة ابن مسعود: «و شاورهم في بعض الأمر»، و قال ابن الكلبي: ناظرهم لقاء العدو، و مكايد الحروب عند الغزو، و قال الراغب: و أما القصد بالاستشارة فتارة لاستضاءة المستشير برأي المستشار، أو لئلا يلزم إن استبد فيتفق وقوعه بخلاف إيراده، و لهذا قيل: الاستشارة حصن من الندامة، و أمن من الملامة، و تارة طلبا لهداية المستشار، إما لأن يبين له خطأ رأيه إن كان له رأي خطأ في ذلك الأمر، و إما أن لا يعتقد هو أو غيره أن الاستبداد فضيلة فيستبد رأيه فيما ربما يؤدي إلى فساد، و إما لإكرامه و تعظيمه، فإذا تقرر هذا فأمور النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا تنفعك من أن يكون شيئا دنياويا، أو كان دينيا فمعلوم أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غير محتاج إلى الاستضاءة برأي غيره من البشر، لما أمده اللَّه- تعالى- به من النور الإلهي، و ما كان (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يستشيرهم في شي‏ء من أصول الشريعة، و لكن ربما كان يستشيرهم في بعض فروعها، التي هي مسائل الاجتهاد، نحو ما روي أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استشارهم في شعار يرفع للصلاة، و مثل ذلك تشريف لهم أولا، و تنبيه على أن ما سبيله الاجتهاد فحقه الاستعانة فيه بالآراء الكثيرة الصحيحة، لينقدح منها الصواب.

51

و أما ما كان من الأمور الدنياوية كالمساحة، و الكتاب، و الحساب‏

فمعلوم أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان مستعينا بغيره في كثير منها، بل صرح في ذلك بكونهم أعرف بها منه، فيما

روى‏

أنه لما ورد المدينة وجد أهلها يأبرون نخيلهم فقال: ما أرى أن ذلك ينفع فتركوه، فتبين نقص ثمارهم في تركه، فعاودوه، فقال: ما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به، و أنا أعلم بأمور آخرتكم [ (1)].

و اعترض العلامة شرف الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن محمد المرسي، على الراغب في هذا المثال، فقال: هذا الأمر من الأمور التي لا يستشار فيها، لأنها راجعة إلى ما أجرى اللَّه- تعالى- العادة فيها، فمن لم يعلم جري العادة في أن الثمار إذ لم تؤبر يسقط ثمرها، فإن الإبار لا ينفع، و من علم جري العادة فيها قال: إن ذلك نافع، و إذا كان كذلك فلا معنى للاستشارة في ذلك، و إنما (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما لم يعلم جري العادة في ذلك‏

قال:

ما أرى أن ذلك ينفع، ثم قال لهم: أنتم أعلم بأمر دنياكم،

قلت: و الراغب يبعد من الصواب، فإن منعه لهم من الثابت، إن لم يكن رأيا أشار به فإنه في معناه، بدليل أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رجع عن قوله الأول في المنع، و أقرهم على التأبير و لو لم يكن منعه لهم أشار به، لما رجع عنه.

قال الراغب: و على هذا ما يتعلق بأمر الحرب، مثل تهييجها تارة، و تليينها أخرى، و المن و الافتداء تارة [ (2)]، و لذلك لما هم (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمصالحة عيينة بن حصن على ثلث ثمار المدينة، قيل له: إن كان ذلك بوحي فسمعا و طاعة، و إن‏

____________

[ (1)] أبر النخل و الزرع يأبره و يأبره أبرا و إبارا و إبارة. و أبره أصلحه، و تأبير النخل تلقيحه، و يقال: نخلة مؤبرة مثل مأبورة، و الاسم منه الإبار على وزن الإزار. (لسان العرب):

4/ 4- 3 مختصرا.

[ (2)] إشارة إلى قوله- تعالى-: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ‏ [محمد: 4].

52

كان برأي رأيته فليس ذلك بصواب، فترك رأيه لرأيهم، فثبت أن ما يتعلق بالأمور الدنيوية، فحال الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و غيره فيه، سواء، و المشاورة فيه مستحسنة له و لغيره.

قال المرسي: الأمور الممكنة على ضربين، منها ما جعل اللَّه- تعالى- فيه عادة مطردة تنخرم، فهذا مما لا يستشار فيه، بل من علم العادة كان أعلم ممن لا يعلمها.

و الضرب الثاني: ما كانت العادة فيه أكثر، و رأيه فيها أصوب، ألا ترى أن من حاول التجارة علم وقت رخصها، و غلائها، و ما يصلح، فيستشار فيها لعلمه بالأكثر وقوعا من الصلاح فيها، و لهذا ينبغي أن يستشار أرباب كل فن في فنهم، و الاستشارة لا تعدو هذا، و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم.

قلت: صحيح ما أورده المرسيّ، و مع صحته فلا يمنع كون مصالحة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عيينة أو همّه بمصالحته، كان رأيا من عند نفسه، بحسب ما رآه من مصلحة الناس، و هو مأخوذ من المشورة، فكأنه أشاد بهذا، بل الحديث مصرح به فتأمله [ (1)].

____________

[ (1)] قال الحافظ ابن كثير: قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيرة بين مفاداة الأسير و المنّ عليه منسوخة بقوله- تعالى-: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ‏ رواه العوفيّ عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-، و قاله الضّحاك، و قتادة، و السديّ، و ابن جريح: و قال الآخرون- و هم الأكثرون-: ليست بمنسوخة.

ثم قال بعضهم: إنما الإمام مخير بين المن على الأسير و مفاداته فقط، و لا يجوز له قتله.

و قال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء، لحديث قتل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) النضر بن الحارث، و عقبة ابن أبي معيط من أسارى بدر، و قال ثمامة بن آثال لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين‏

قال له: «ما عندك يا ثمامة؟ فقال: إن تقتل، تقتل ذا دم، و إن تمنن على شاكر، و إن كنت تريد المال فاسأل تعط منه ما شئت.

و زاد الشافعيّ- رحمة اللَّه عليه- فقال: الإمام مخير بين قتله، أو المن عليه، أو مفاداته، أو استرقاقه أيضا. (تفسير ابن كثير): 4/ 186، سورة محمد.