باب الحوائج الإمام موسى الكاظم(ع)

- أ. د. حسين الحاج حسن المزيد...
336 /
3

بين يدي الكتاب‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

اقتضت حكمته جلّ جلاله اصطفاء و تشريف آل محمد (عليهم السّلام)، و رفع منزلتهم، كما اقتضت حكمته جلّ جلاله اصطفاء آل إبراهيم و آل عمران‏ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ [آل عمران/ 34].

لقد أنزل اللّه سبحانه و تعالى آيات كثيرة في فضل آل محمد (عليهم السّلام)، يكفي منها قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [الشورى/ 33].

لهذا كان الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يشيد بأهل بيته (عليهم السّلام) في كل ناد و محفل، فمرّة يشبّههم بسفينة نوح «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا و من تخلّف عنها غرق» (1).

و شبّههم بباب حطة «مثل أهل بيتي مثل باب حطّة في بني إسرائيل، من دخله غفر له» (2).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إني مخلّف فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، ما

____________

(1) إحياء الميت بفضائل أهل البيت/ الحديث الرابع و العشرون، ذكره عن طرق كثيرة.

(2) إحياء الميت بفضائل أهل البيت/ الحديث السابع و العشرون.

4

إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا» (1).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «النجوم أمان لأهل السماء، و أهل بيتي أمان لأمتي» (2).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «حبّي و حب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن، أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، و عند القبر، و عند النشور، و عند الكتاب، و عند الحساب، و عند الصراط، و عند الميزان» (3).

و أخرج الطبراني في الأوسط عن الحسن بن علي رضي اللّه عنهما قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «الزموا مودّتنا أهل البيت، فإنّه من لقي اللّه و هو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، و الذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله إلّا بمعرفة حقّنا» (4).

كما أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حذّر من بغضهم، قال: من أبغضنا أهل البيت بعثه اللّه يهوديّا قيل: يا رسول اللّه و إن شهد الشهادتين؟

قال: نعم، إنّما احتجب بهاتين الكلمتين عن سفك دمه‏ (5).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لو أنّ رجلا صلّى و صفّ قدميه بين الركن و المقام، و لقي اللّه ببغضكم أهل البيت دخل النار» (6).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لو أنّ عبدا عبد اللّه بين الصفا و المروة ألف عام، ثم ألف عام، ثم ألف عام، حتّى يصير كالشن البالي، ثم لم يدرك محبّتنا، كبّه اللّه على منخريه في النار، ثم تلا: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (7).

____________

(1) قال الشيخ المظفّر في كتابه الثقلان: إن طرق هذا الحديث بلغت مائتين و خمسين طريقا؛ من هنا يعلم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يكرس على مسامع المسلمين في كلّ مناسبة، طالبا من الأمّة التمسّك بهما.

(2) إحياء الميت بفضائل أهل البيت/ الحديث الحادي و العشرون، و أيضا في مستدرك الصحيحين: 3/ 457. و كنز العمال: 6/ 216. و مجمع الزوائد: 9/ 174.

(3) روضة الواعظين: 2/ 271.

(4) إحياء الميت بفضائل أهل البيت/ الحديث الثامن عشر.

(5) عقاب الأعمال: 204.

(6) أمالي الشيخ الطوسي: 73.

(7) مجمع البيان: 9- 10، 29.

5

إلى أحاديث كثيرة ذكرها علماء الحديث في كتبهم.

و أنت أعزّك اللّه يكفيك من هذا أنّ اللّه جلّ جلاله فرض على المصلّين ذكرهم في صلاتهم، فتقول في التشهّد: اللهمّ صلّ على محمد و آل محمد.

و إلى هذا يشير الإمام الشافعي:

يا آل بيت رسول اللّه حبّكم* * * فرض من اللّه في القرآن أنزله‏

يكفيكم من عظيم الفخر أنّكم* * * من لم يصلّ عليكم لا صلاة له‏ (1)

و من هذا المنطلق الولائي جاءت المباراة الكتابية عن آل البيت (عليهم السّلام)؛ بدأت بأمير المؤمنين (عليه السّلام)، و وصلت الى الإمام موسى بن جعفر (عليهما السّلام)- الإمام السابع من أئمة آل البيت (عليهم السّلام)- و في كثير من هذه المباريات كان الدكتور حسين الحاج حسن مشاركا فيها، و في كتبه مسحة ولاء يحسّها القارئ، و هذا هو المتعيّن على من له المقدرة على الكتابة و التأليف.

و نسأله تعالى أن يأخذ بأيدينا الى ما يحب و يرضى إنه سميع مجيب.

بيروت 9/ 9/ 1999

علي محمد علي دخيّل‏

____________

(1) ديوان الإمام الشافعي: 72.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الاهداء

أيها الإمام العظيم الذي بعثت روح الجهاد في الأجيال.

أيها الإمام الكريم يا من تستحق كل الكلمات المخضبة بالخير و الحق، و العابقة بأريج العطاء.

يا إمامي أبا عبد اللّه الصادق نفسي لك فداء، روحي لك فداء تقبل مني هذا المجهود المتواضع الذي تشرفت فيه بالبحث عن سيرة ولدك الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) وصيك و خليفتك الذي قضى رهين السجون، و حليف الآلام تقيا ورعا زاهدا عابدا، فتفضل عليّ بالقبول علّه يكون ذخرا لي يوم الوفادة على اللّه.

المؤلف‏

د. حسين ابراهيم الحاج حسن شمسطار 21 كانون أول 1997 الموافق 21 شعبان 1418

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

[مقدمة]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1).

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏ (2).

و جاء في الحديث الشريف: «أيها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي و قد قدمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا إني مخلف فيكم كتاب ربي عز و جل و عترتي أهل بيتي، ثم أخذ بيد علي فقال: هذا علي مع القرآن، و القرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض فأسألهما عما خلفت فيهما».

كما روي عنه قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): اللهم إنك تعلم ان هؤلاء أهل بيتي و أكرم الناس عليّ، فاحب من يحبهم و أبغض من يبغضهم و وال من والاهم، و عاد من عاداهم، و أهن من أهانهم، و اجعلهم مطهرين من كل رجس، معصومين من كل ذنب و أيدهم بروح القدس يا رب العالمين».

وردت هذه الأحاديث في صحيح مسلم ج 7 ص 22، و سنن الترمذي ج 2 ص 307 و سنن الدارمي ج 2 ص 432 و مسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 14 و 17 و 26 و 59 كما رواها جماعة من أكابر العلماء يقرب عددهم من المائتين.

____________

(1) سورة الأحزاب، الآية 33.

(2) سورة آل عمران، الآية 134.

10

كلمة شكر و تقدير

إنها المباراة العظيمة التي تقام كل عام في مهرجان عظيم لإمام عظيم من أئمة أهل البيت (عليهم السّلام)، أضاء الدنيا بنمير علومه و عطر المجتمع بأريج أخلاقه، و بعث في ضمير الأمة الاسلامية الجهاد، الأمثل في حلمه و صبره على ما صادف من خطوب جسام من حكام لئام.

تعد هذه المباراة من أفضل الأعمال الفكرية و العلمية و الأدبية التي تقام على صعيد العالم العربي من إحياء التراث الاسلامي الخالد، كما تدل دلالة واضحة على تعلّق الأمة الاسلامية بعظمائها العظام، و رجالاتها الكرام. إنّ إحياء ذكرى عظمائنا أمر ضروري من أعمالنا و خاصة في هذه الأيام الصعبة التي تحاك فيها المؤامرات علينا من الغزو الفكري و الثقافي من قبل أعداء الأمة الاسلامية المستكبرين من أجل قطع الأواصر التي تشدنا إلى تراثنا الإسلامي العريق، و عقيدتنا الاسلامية السمحاء. تعد هذه المباراة الهامة لقاء أخويا كريما تتآلف فيه قلوب أبناء هذه الأمة العربية الخالدة الذين يعشقون محبة أهل البيت على اختلاف مذاهبهم و مناطقهم، فتتعانق الأقلام الملتزمة لتبديد سحب الطمس و التزييف التي مورست و ما زالت تمارس لاقصاء رسالة الاسلام عن واقع الحياة، لكن المتآمرين قد فشلوا في إطفاء نور اللّه الذي يبقى مشرقا منورا بهمة علمائنا الأبرار، فلهم منّي أفضل الشكر و التقدير.

11

كما تعد هذه المباراة الكريمة مناسبة خيّرة للحوار و المناقشة و تلاقح الأفكار و تبادل الآراء لاختيار خلاصة جهود المشاركين من أجل البحث الأمثل لتعريف الأمة بالمزيد من عظمائها، العلماء الأفذاذ الذين سطروا في التاريخ العربي الاسلامي أنصع الصفحات الدالة على سعة أفقهم العلمي، و جهادهم الحضاري، في صيانة الرسالة الاسلامية السامية. ذلك هو:

الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام) الذي أكمل المسيرة العلوية بهمم أبية، مدافعا عن رسالة جده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و مناضلا عن المستضعفين من أبناء أمته بمواقفه التاريخية المشهودة، و تصديه لمناظرة الفرق الضالة عن الحق، مجاهدا صابرا لما لاقى من مؤامرات أموية و عباسية، و عالما متألقا بما خلف من تراث حضاري غزير في مختلف مجالات العلم و المعرفة.

فتحية شكر و تقدير لكل من ساهم بهذه الدراسات القيّمة و البحوث العلمية الفاضلة في سبيل الإفادة و التنوير و إحياء القضايا الكبرى في المجتمع الإنساني.

و لا أرى أية قيمة لرسالة أو أطروحة ما لم تكن في خدمة قضية إنسانية في مجتمع إنساني. و لا يطيب قلم باحث أو كاتب ما لم يعالج قضية كبرى يتبناها و يعيش أهدافها الشاهدة على صحتها؛ لأن القضايا الجليلة هي الشعاع الذي يستضي‏ء به فكرنا، و الدافع لأشواقنا و المحيي لوجداننا و عقيدتنا.

إن جهودكم المشكورة التي وجهت الدعوة العامة لتقديم مباراة جديدة عن الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) شبيهة هي بالدراسات الناجحة التي قدمت عن الأئمة المعصومين السابقين- و التي كان لي الشرف بالمشاركة فيها- أمانة صعبة حملوها على عاتقهم و أدوها بأمانة جميعهم (عليهم السّلام).

و من أجل هذه الأمانة العظيمة شهر الإمام علي (عليه السّلام) سيفه ذا الفقار في وجه المنحرفين عن الخط الإسلامي، و غمد الإمام الحسن (عليه السّلام) حسامه، حقنا للدماء، و صونا لوحدة المسلمين.

و من أجل القضية نفسها سار الإمام الحسين (عليه السّلام) من مكة الى كربلاء لابسا

12

عباءة جده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) التي ما طاب له إلا أن يصبغها بدماء وريده الشريف من أجل مصلحة الأمة الإسلامية، سار و قلبه يطفح بعزيمة الإيمان، و العزيمة تشع كضوء يتماوج بألف لون و لون، ثم رفع بصره إلى فوق فإذا بسمة عريضة من الفم الملائكي و كأنها تقول له: سر في درب الشوق فأنت محاط بالعناية الإلهية (1).

و من أجلها أيضا ناضل الإمام الباقر (عليه السّلام) و استشهد بعد أن ساهم ببناء المدرسة الكبرى التي نهض بها ولده الإمام الصادق (عليه السّلام) الذي نعيش مع علمه و فكره و منهجه في هذه الأيام المباركة و نستلهم من جهوده النضالية، و سيرته المثالية، و أخلاقه المحمديّة.

و من أجل القضية نفسها كافح الإمام الكاظم (عليه السّلام) فقام بعد أبيه (عليه السّلام) بإدارة شئون المدرسة التي خرّجت ألمع كوكبة من كواكب العلماء الجهابذة.

و صبر على الأحداث الجسام، و المحن الشاقة التي لاقاها من طغاة عصره لعنهم اللّه.

لقد كانت القضية واحدة، و المسئولية واحدة، و الهدف واحدا، و لكن التعبير جاء مع كل إمام من كواكب الإسلام المشرقة بلون ميّزه عن الآخر و ذلك حسب الظروف السياسية و الاجتماعية المحدقة به. فشكرا جزيلا لجهودكم المباركة التي حرّكت في نفسي شوقا ساميا ألمظ به طعما لذيذا من لقاح العنفوان و الكرامة تحيا بهما كل النفوس التي تأبى الذل و الهوان، و ترغب في صون الكرامة الإنسانية، و الرسالة الإسلامية على مدى الزمان.

آجركم اللّه و أمدكم بثوب العافية و طول العمر.

حسين إبراهيم الحاج حسن‏

____________

(1) الرسالية في الثورة الحسينية، للمؤلف.

13

تمهيد

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مهما تحلّى الباحث باطلاع واسع في علم النفس، و مهما أوتي من براعة في علم الاجتماع يسمح له تحليل الواقع النفسي، و إعطاء صورة حيّة عن تركيب الشخصية الإنسانية و عناصر سلوكها و امكاناتها، فإنّه مهما بلغ من التفوّق في هذا المجال فلا يستطيع أن يلم الماما شاملا بواقع أئمة أهل البيت (عليهم السّلام)، و يكشف عن جوهر حياتهم، و أبعاد نزعاتهم، بما لهم من ظواهر ذاتية و ابداعات فردية.

و الواقع أن ما أثر عنهم من صفات مميّزة، و نزعات فذّة في سلوكهم الشخصي و الاجتماعي يجعلهم في أعلى مراتب الإنسانية. و هذه الظاهرة تجدها متمثّلة في سلوكهم النبيل الذي بلغوا به أعلى درجات الانسانية هذه الظاهرة من نزعات الإمام موسى (عليه السّلام) و هي الصبر على المحن و الخطوب المبرحة و المستمرة التي لاقاها من طغاة عصره، فقد أمعنوا في اضطهاده و التنكيل به، فاعتقله هارون الرشيد و زجه في ظلمات السجون زمنا طويلا، ثم حجبه عن جميع الناس و لم يسمح لأحد بمقابلته، و مع هذا كله، لم يأثر عنه أنه أبدى أي تذمّر أو سأم أو شكوى، و إنما حسب ذلك من ضروب النعم التي تستحق الشكر للّه لتفرغه لعبادته، و انقطاعه لطاعته، فكان و هو في السجن يقضي نهاره صائما، و ليله قائما. و هو جذلان بهذه المناجاة، و بهذا الاتصال الروحي باللّه العزيز الرحيم و هذا ما أجمع عليه المترجمون فقالوا انه كان من أعظم الناس عبادة، و أكثرهم طاعة للّه، حتى أصبح له ثفنات كثفنات البعير من كثرة السجود، كما كانت لجده الإمام السجاد من‏

14

قبل فلقب بذي الثفنات، و قد أدلى الفضل بن الربيع بحديث له عن عبادته (عليه السّلام) حينما كان سجينا في داره.

فما ذا نستطيع تعليل هذا الصبر؟ لم يكن سوى الايمان العميق باللّه تعالى، و التجرد من هذه الدنيا الفانية، و الاقبال على الدار الآخرة. حتى أن هارون الظالم بهر بما رآه من تقوى الإمام و كثرة عبادته، و تحمّله هذه الخطوب الثقيلة بصبر و هدوء. فقال متعجبا:

«إنه من رهبان بني هاشم»!!

و لما كان مسجونا (عليه السّلام) في بيت السندي بن شاهك و كل أوقاته عبادة و سجود، كانت عائلة السندي تطل عليه فترى هذه السيرة الزكيّة التي تحاكي سيرة الأنبياء، مما دفع شقيقة السندي إلى اعتناق فكرة الإمامة، و حفيد السندي من أعلام الشيعة في عصره إنها سيرة نبوية عريقة تملك القلوب و المشاعر، مترعة بجميع معاني النبل و الزهد و السمو و الاقبال على اللّه تعالى.

و هناك صفة أخرى من صفات شخصيته الكريمة، و هي الصمود في وجه الظلم و الطغيان، و انطلاقه في ميادين الجهاد المقدّس؛ فقد حمل لواء المعارضة على حكام عصره الطغاة الذين استباحوا جميع حرمات اللّه، و استبدوا بأرزاق الأمة و حقوقها الشرعية، و استهابوا بكرامة الإسلام، فبنوا حكمهم على الظلم و الجور و الاستبداد و ارغام الناس على ما يكرهون .. و من ثم كانت محنة أهل البيت (عليهم السّلام) الشاقة جدا فإنّهم بحكم موقعهم و دورهم القيادي الشرعي للأمة مسئولون عن رعايتها و صيانتها و انقاذها مما ألمّ بها من المحن الثقيلة، و الخطوب الجسام، فأعلنوا معارضتهم الايجابية تارة، و السلبية أخرى السياسية ملوك عصرهم، فذاقوا من جراء ذلك جميع ألوان الظلم و القهر و الاضطهاد، حتى انتهت حياتهم الكريمة ما بين مسموم و مسجون و مقتول، كل ذلك من أجل مصلحة المسلمين و إصلاح أمة جدهم الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و الانطلاق بالحكام إلى سياسة العدل الخالص، و تطبيق أحكام القرآن الكريم على واقع الحياة.

و قد تجلّى ذلك الصمود الفذ عند الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) باصراره البالغ على شجب سياسة هارون الرشيد، و عدم الاعتراف بشرعية خلافته، فأصرّ

15

على هذا الموقف الشريف حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في السجن، فلم يصانع، و لم يدار أحدا منهم، و لو سايرهم لأغدقوا عليه الأموال الطائلة ليسكتوا صوت الحق في صدره؛ لكنه آثر رضى اللّه و طاعته على كل شي‏ء، و أبى إلا أن يساير موكب الحق، و لا يشذ عما جاء به الإسلام من مقارعة الظلم، و مقاومة أئمة الجور و الطغيان مهما كلّف الثمن.

و قد حاول يحيى البرمكي (رئيس حكومة هارون) أن يتوسّط في أمر اطلاق سراح الإمام من السجن، شرط أن يعتذر لهارون و يطلب منه العفو حتّى يخلّي سبيله، فأصرّ الإمام (عليه السّلام) على الامتناع و عدم الاستجابة له.

هذا ما تميز به موقف الإمام (عليه السّلام) بالشدّة و الصمود مع هارون و غيره من ملوك عصره، و هو موقف أبيه و جده من قبله الأئمة المعصومين الذين عبّر عن موقفهم سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السّلام) فقال:

«إني لم أخرج أشرا و لا بطرا، و انما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي».

و هناك ظاهرة أخرى من ظواهر شخصيته الكريمة، و هي السخاء فقد اتفق المؤرخون أنه كان أندى الناس كفّا، يشعر مع المحتاجين، و يعطي المعوزين، و يصل المحرومين في غلس الليل البهيم، حتى لا يعرفه أحد، و يكون عطاؤه في سبيل اللّه، و كانت تضرب بصرره المثل.

فكان الناس يقولون: «عجبا لمن جاءته صرار موسى و هو يشتكي الفقر» أنفق جميع ما يملكه على الضعفاء و المنكوبين، و أنقذ الكثيرين منهم من مرارة الفقر و الحرمان.

و الإمام الكاظم (عليه السّلام) دائرة معارف كاملة، فقد أجمع الرواة انه كان يملك طاقات هائلة من العلم، و مخزونا فكريا غنيا جدا بمختلف المعارف. يقصده العلماء و الرواة من كل حدب و صوب لينهلوا من نمير علمه، و كان لا يفتي بحادثة إلّا بادروا إلى تسجيلها و تدوينها، فرووا عنه مختلف العلوم و الأبحاث، و بصورة خاصة فيما يتعلّق بالتشريع الاسلامي.

«فقد زوّدهم بطاقات ندية منه، و يعتبر في هذا المجال أوّل من فتق باب الحلال و الحرام من أئمة أهل البيت (عليهم السّلام)» (1).

____________

(1) الفقه الاسلامي في مدخل نظام المعاملات ص 160.

16

و ما يجدر ذكره ما قام به الإمام الكاظم (عليه السّلام) بعد أبيه الإمام الصادق (عليه السّلام) من إدارة شئون جامعته العلمية التي تعتبر أول مؤسسة ثقافية في الاسلام، و أوّل معهد تخرجت منه كوكبة من كبار العلماء، في طليعتهم أئمة المذاهب الاسلامية.

فالإمام الشافعي يعتقد أن حبهم و سلوك منهجهم العدل .. و هم حبل اللّه المتين الذي ينير الطريق للمتمسك بهم إلى رضوان اللّه عز و جل و هو يرجو أن يظفره حبهم فقال:

آل النبي ذريعتي* * * و هم إليه وسيلتي‏

أرجو بهم أعطى غدا* * * بيدي اليمين صحيفتي‏

و الإمام أحمد بن حنبل سأله عبد اللّه ابنه عن التفضيل بين الخلفاء الراشدين فقال: أبو بكر، و عمر، و عثمان، ثم سكت. فسأله عبد اللّه: يا أبت!! أين علي بن أبي طالب؟ قال: «هو من أهل البيت لا يقاس به هؤلاء» (1).

أما عن فلسفة الحكم عند الأمويين و عند العباسيين فكانت تهدف إلى الأثرة و الاستغلال و إشباع الرغبات في الجاه و السلطان، و لم يؤثر عنهم أنهم قاموا بعمل ايجابي في صالح المجتمع الاسلامي، أو ساهموا في بناء الحركة الفكرية و الاجتماعية على ضوء ما يهدف إليه الاسلام في بعث التطور الثقافي و الإداري و الاقتصادي لجميع شعوب الأرض. ففي هذا الجو السياسي و الاجتماعي الصعب تميز موقف الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) بالشدة و الصرامة في شجب الظلم، و قول كلمة الحق، فكان من الأئمة اللامعين في علمه و عمله على نشر الثقافة الاسلامية، و ابراز الواقع على حقيقته.

يضاف إلى قدراته الفذة التي لا تحصى: حلمه و علمه و كظمه الغيظ و قد أجمع المؤرخون أنه كان يقابل الاساءة بالإحسان، و الذنب بالعفو، شأنه شأن جدّه الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قد قابل جميع ما لاقاه من أذى و ظلم من الحاقدين عليه بالصبر و الصفح الجميل حتى لقب بالكاظم، و كان ذلك من أشهر ألقابه.

و هكذا إذا استعرضنا مقوّمات الإمام (عليه السّلام) الفذة و كل ما أثر عنه في ميادين السلوك و الأخلاق، فانا نجده حافلا بكل معاني الانسانية، و مقوّمات بناء الأمة الاسلامية، التي عسى أن ألمّ ببعض جوانبها المشرقة و الخيرة و المعطاء.

____________

(1) ينابيع المودة ج 2/ 78.

17

الوليد المبارك‏

عاش الإمام الصادق (عليه السّلام) مع زوجته حميدة (1) حياة بيتية هادئة حافلة بالمودّة و المسرّات. و في فترات تلك المدة السعيدة عرض لها حمل و سافر الإمام أبو عبد اللّه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، فحمل زوجته معه للاطمئنان على صحتها في تلك الفترة. و بعد الانتهاء من مراسم الحج قفلوا راجعين إلى المدينة المنورة، فلما انتهوا إلى الأبواء (2) أحست حميدة بالطلق، فأرسلت خلف الإمام (عليه السّلام) تخبره بالأمر، و كان عند ذلك يتناول طعام الغذاء مع جماعة من أصحابه، فلما وافاه النبأ السعيد قام مبادرا إليها، فلم يلبث قليلا حتى وضعت حميدة سيّدا من سادات المسلمين، و إماما من أئمة أهل البيت (عليه السّلام).

إنه يوم سعيد، يوم مشرق أشرقت به الدنيا بهذا المولود المبارك فكان بارا بالناس، عاطفا على الفقراء منهم، لكنه كان أكثرهم عناء و أكثرهم محنة في سبيل اللّه.

بادر الإمام الصادق (عليه السّلام) فتناول وليده الذي يأمل به أملا باسما فأجرى عليه‏

____________

(1) حميدة: و قيل ان اسمها نباته النفحات العنبرية ص 15 مخطوط بمكتبة الإمام كاشف الغطاء العامة، طبع مؤخرا.

(2) الأبواء: قرية من اعمال الفرع بالمدينة، و به قبر الزاكية آمنة بنت وهب أم النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). و قال ثابت اللغوي سميت الأبواء لتبوء السيول بها. راجع معجم البلدان ج 1 ص 92.

18

مراسم الولادة الشرعيّة، فأذّن في أذنه اليمنى، و أقام في اليسرى، و ما زالت هذه الطريقة تحتذى عند جميع المسلمين المؤمنين.

لقد كانت أول كلمة طيّبة قرعت سمعه كلمة التوحيد التي تتضمن الإيمان بكل ما له من معنى.

عاد الإمام الصادق إلى أصحابه و البسمة تعلو ثغره، فبادره أصحابه قائلين:

سرّك اللّه، و جعلنا فداك، يا سيدنا ما فعلت حميدة؟» فبشّرهم بمولوده المبارك قائلا لهم: «لقد وهب اللّه لي غلاما، و هو خير من برأ اللّه».

أجل انه من أئمة أهل البيت المعصومين، و خير من برأ اللّه علما و تقوى و صلاحا في الدين، و هذا ما أحاط به الإمام الصادق أصحابه علما بأنه الإمام الذي فرض اللّه طاعته على عباده قائلا لهم:

«فدونكم، فو اللّه هو صاحبكم» (1).

و كانت ولادته في الأبواء سنة 128 ه و قيل سنة 129 ه (2) و ذلك في أيام حكم عبد الملك بن مروان.

و قال الطبرسي (رحمه اللّه): ولد أبو الحسن موسى (عليه السّلام) بالابواء، منزل بين مكة و المدينة لسبع خلون من صفر سنة ثمان و عشرين و مائة (3).

تكريم الوليد:

بعد فترة وجيزة ارتحل أبو عبد اللّه عن الأبواء متجها إلى يثرب و فور وصوله مدّ المائدة، و أطعم الناس ثلاثة أيام تكريما لوليده المبارك (الكاظم) (4) و بدأت وفود من شيعته تتوافد عليه لتهنئته بمولوده، و تشاركه في فرحته الكبرى.

____________

(1) بحار الأنوار ج 11 ص 230 دلائل الامامة.

(2) الطبقات الكبرى ج 1 ص 33، و تهذيب التهذيب ج 10 ص 34، و كشف الغمة ج 3 ص 2، و المناقب ج 4 ص 323.

(3) أعلام الورى ص 286.

(4) أعيان الشيعة ج 4، ص 9.

19

طفولته زاكية مميّزة:

تدرّج الإمام موسى بن جعفر في طفولة زاكية مميّزة، فتربّى في حجر الإسلام، و رضع من ثدي الإيمان، و تغذى من عطف أبيه الإمام الصادق، حيث أغدق عليه أشعة من روحه الطاهرة و أرشده الى عادات الأئمة الشريفة و سلوكهم النيّر، فالتقت في سنّه المبكر جميع عناصر التربية الإسلامية السليمة، حتى أحرز في صغره جميع أنواع التهذيب و الكمال و الأخلاق الحميدة، و من شبّ على شي‏ء شاب عليه. هذه الطفولة المميزة استقبلها الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) و هو ناعم البال بحفاوة و تكريم خاص؛ فأبوه أغدق عليه عطفا مستفيضا، و حمل له من الحب ما لا يحمله لغيره، حيث قدّمه على بقية ولده، فاندفع قائلا: «الحمد للّه الذي جعلك خلفا من الآباء، و سرورا من الأبناء، و عوضا عن الأصدقاء» (1) و نتيجة هذا الحب الأبوي المميز أخذت جماهير المسلمين تقابل الإمام موسى بالعناية و التكريم، و جماهير الشيعة بصورة خاصة، لأنّهم يعتقدون أن مقام الإمامة كمقام النبوة، بعيدا عن المحاباة، سوى ما يتصل بتأييد الفضيلة و الإشادة بالإيمان، و على ضوء ذلك أعلن الإمام الصادق حبّه الكبير و مودته الوثيقة لولده الحبيب لأنه رأى فيه ملامح صادقة عنه، و مواهب مبكرة، و عبقرية خاصة، تؤهله لمنصب الإمامة على أمّة جده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

أوصافه:

وصف رواة الأثر ملامح صورة الإمام موسى بن جعفر فقالوا: كان أسمر اللون‏ (2)، و قالوا: كان ربع القامة، كثّ اللحية، حسن الوجه، نحيف الجسم‏ (3).

أما عن صفاته الخلقية: فهو ابن الأوصياء، حاكى في هيبته و وقاره هيبة الأنبياء، فما رآه أحد إلّا هابه و أكبره لجلالة قدره، و سموّ مكانته، و حسن سيرته، و كريم أخلاقه.

____________

(1) الفصول المهمة ص 112.

(2) الفصول المهمة ص 112.

(3) أعيان الشيعة ج 4، ص 9.

20

و مرّة التقى به شاعر البلاط العباسي أبو نواس فانبهر بأنواره فانطلق يصوّر هيبته و وقاره بأبيات قال فيها:

إذا أبصرتك العين من غير ريبة* * * و عارض فيك الشك أثبتك القلب‏ (1)

و لو أن ركبا أمموك لقادهم* * * نسيمك حتى يستدل بك الركب‏

جعلتك حسبي في أموري كلها* * * و ما خاب من أضحى و أنت له حسب‏

و لا يخفى ان هذه الأبيات كانت يقظة من يقظات الضمير، و نسمة علوية من نسيمات الروح، ذلك أن أبا نواس الذي كان يعيش على موائد بني العباس، و الذي قضى معظم أيام حياته في اللهو و المجون، قد انبرى الى هذا المديح العاطر في الوقت الذي كان يمدح أهل البيت ينال عقوبة كبرى قد تؤدي به الى الموت! لكن مثالية الإمام و واقعيته التي لا ندّ لها في عصره، قد سيطرت على روح الشاعر العباسي و أنسته النتائج.

كنيته و ألقابه:

كان يكنّى بعدة أسماء أشهرها: أبو الحسن، قال الشيخ المفيد: كان يكنّى أبا إبراهيم، و أبا الحسن، و أبا علي، و يعرف بالعبد الصالح‏ (2) .. و قال ابن الصباغ المالكي: أما كنيته فأبو الحسن، و ألقابه كثيرة أشهرها: الكاظم، ثم الصابر، و الصالح، و الأمين‏ (3)، و ألقابه تدل على مظاهر شخصيته، و دلائل عظمته، و هي عديدة منها: الزاهر، لأنه زهر بأخلاقه الشريفة، و كرمه الموروث عن جدّه الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

قال ابن شهرآشوب عند ذكره لألقابه: «.. و الزاهر و سمي بذلك لأنه زهر بأخلاقه الشريفة و كرمه المضي‏ء التام» (4).

____________

(1) المناقب ج 4، ص 318.

(2) الإرشاد ص 270.

(3) الفصول المهمة ص 214.

(4) المناقب ج 2، ص 212.

21

و الكاظم: لقب بذلك لما كظمه عما فعل به الظالمون من التنكيل و الإرهاق ... و يقول ابن الأثير «إنه عرف بهذا اللقب لصبره و دماثة خلقه، و مقابلته الشرّ بالإحسان» (1).

و الصابر: لأنه صبر على الخطوب و الآلام التي تلقاها من حكام الجور و الطغاة، الذين قابلوه بجميع ألوان الإساءة و المكروه‏ (2).

و السيّد: لأنه من سادات المسلمين، و إمام من أئمتهم.

و الوفيّ: لأنه أوفى إنسان في عصره، فقد كان وفيّا بارّا بإخوانه و شيعته، و بارّا حتى بأعدائه و الحاقدين عليه.

ذو النفس الزكية: لقّب بهذا اللقب اللطيف لصفاء ذاته، و نقاوة سريرته البعيدة كل البعد عن سفاسف المادة، و مآثم الحياة، نفس أبيّة زكيّة، طاهرة، كريمة، سمت و علت حتى قلّ نظيرها.

باب الحوائج: هذا اللقب كان من أشهر ألقابه ذكرا، و أكثره شيوعا، انتشر بين العام و الخاص، حتى أنه ما أصاب أحدهم مكروه إلّا فرّج اللّه عنه بذكره الإمام الكاظم، و ما استجار بضريحه أحد إلا قضيت حوائجه، و رجع مثلوج القلب، مستريح الضمير مما ألمّ به من طوارق الزمن التي لا بدّ منها.

و قد آمن بذلك جمهور المسلمين على اختلاف مذاهبهم.

يقول أبو علي الخلال شيخ الحنابلة و عميدهم الروحي: «ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر إلا سهّل اللّه تعالى لي ما أحبّ» (3).

و قال الإمام الشافعي: «قبر موسى الكاظم الترياق المجرّب» (4).

كان الإمام موسى الكاظم في حياته ملجأ لعموم المسلمين، كما كان كذلك‏

____________

(1) نفس المصدر ص 212، و مختصر تاريخ العرب ص 209.

(2) الفصول المهمة ص 214.

(3) تاريخ بغداد ج 1 ص 120.

(4) تحفة العالم: 2/ 22.

22

بعد موته حصنا منيعا لمن استجار به من عموم المسلمين، لأن اللّه سبحانه و تعالى عزّ اسمه منحه حوائج المسلمين المستجيرين بضريحه الطاهر في بغداد.

و قد روى الخطيب البغدادي قضية كان فيها شاهد عيان‏ (1)، عند ما شاهد امرأة مذهولة، مذعورة، فقدت رشدها لكثرة ما نزل بها من الهموم، لأنها أخبرت أن ولدها قد ارتكب جريمة، و ألقت عليه السلطة القبض و أودعته في السجن ينتظر الحكم القاسي و الظالم. فأخذت تهرول نحو ضريح الإمام مستجيرة به، فرآها بعض الأوغاد، الذي لا يخلو الزمان منهم، فقال لها: إلى أين؟

- إلى موسى بن جعفر، فإنّه قد حبس ابني.

فقال لها بسخرية و استهزاء: «إنه قد مات في الحبس».

فاندفعت تقول بحرارة بعد أن لوّع قلبها بقوله:

«اللهمّ بحق المقتول في الحبس أن تريني القدرة»

فاستجاب اللّه دعاءها، و أطلق سراح ابنها، و أودع ابن المستهزئ بها في ظلمات السجن بجرم ذلك الشخص.

فاللّه سبحانه و تعالى القادر العليم و القاهر العظيم قد أراها القدرة لها و لغيرها، كما أظهر كرامة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة و السلام، فما خاب من دعاهم، و ما فشل من استجار بهم. ثم يروي الخطيب البغدادي عن محنة ألمّت به فاستجار بالإمام موسى و كشف عنه الهمّ و الغمّ. فيقول: «و أنا شخصيّا قد ألمّت بي محنة من محن الدنيا كادت أن تطوي حياتي، ففزعت إلى ضريح موسى بن جعفر بنيّة صادقة، ففرّج اللّه عنّي، و كشف ما ألمّ بي.

و لا يشكّ في هذه الظاهرة التي اختصّ بها الإمام إلا من ارتاب في دينه و إسلامه.

لقد آمن جميع المسلمين الأبرار بالأئمة الأطهار منذ فجر التاريخ و لم يزالوا

____________

(1) المصدر نفسه.

23

يعتقدون اعتقادا راسخا في أن أهل البيت (عليهم السّلام) لهم المقام الكريم عند اللّه، و انه يستدفع بهم البلاء، و تستمطر بهم السماء.

روى الكليني عن محمد بن جعفر الكوفي، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: تقول ببغداد: «السلام عليك يا وليّ اللّه، السلام عليك يا حجة اللّه، السلام عليك يا نور اللّه في ظلمات الأرض، السلام عليك يا من بدا للّه في شأنه، أتيتك عارفا بحقك معاديا لأعدائك فاشفع لي عند ربّك» و ادع اللّه و سل حاجتك، قال: و تسلّم بهذا على أبي جعفر (عليه السّلام)(1).

و لا ننسى قصيدة الفرزدق العصماء التي ندرّسها لطلّابنا في المدارس و الجامعات التي مدح بها الإمام زين العابدين و قال فيها:

من معشر حبهم دين و بغضهم* * * كفر و قربهم منجى و معتصم‏

يستدفع السوء و البلوى بحبهم* * * و يستزاد به الاحسان و النعم‏

فاللّه عزّ و جلّ منح أهل البيت جميل ألطافه، و خصّهم بالمزيد من كراماته، أحياء و أمواتا.

و نذكر هنا كوكبة من الشعراء و الأدباء قد أثقلت كواهلهم كوارث الدهر ففزعوا الى ضريح الإمام متوسلين به الى اللّه تعالى في رفع محنهم، و كشف ما ألمّ بهم من المكروه، ففرّج اللّه عنهم و لو أردنا أن نذكر ما أثر عنهم في ذلك لبلغ مجلدا ضخما.

لكنا نذكر بعضا منهم الحاج محمد جواد البغدادي الذي سعى الى ضريح الإمام في حاجة يطلب قضاءها فقال:

يا سمي الكليم جئتك أسعى* * * نحو مغناك قاصدا من بلادي‏

ليس تقضى لنا الحوائج إلا* * * عند باب الرجاء جد الجواد (2)

____________

(1) الكافي ج 4، ص 578.

(2) باقر شريف القرشي حياة الإمام موسى بن جعفر ج 1 ص 52 عن ديوان السيد مهدي آل بحر العلوم مخطوط بمكتبة العلامة السيد صادق آل بحر العلوم.

24

فجاء عباس البغدادي و خمسها بقوله:

لم تزل للأنام تحسن صنعا* * * و تجير الذي أتاك و ترعى‏

و إذا ضاق الفضا بي ذرعا* * * يا سمي الكليم جئتك أسعى‏

و الهوى مركبي و حبّك زادي‏أنت غيث للمجدبين و لو لا

فيض جدواكم الوجود اضمحلا

قسما بالذي تعالى و جلا* * * ليس تقضى لنا الحوائج إلا

عند باب الرجاء جد الجواد

و ممن نظم في ذلك الشاعر المرحوم السيد عبد الباقي العمري فقال:

لذ و استجر متوسلا* * * إن ضاق أمرك أو تعسّر

بأبي الرضا جد الجوا* * * د محمد موسى بن جعفر (1)

نقش خاتمه:

يدل نقش خاتمه على مدى تعلّقه باللّه عزّ و جلّ، و مدى انقطاعه إليه سبحانه و تعالى فكان: «الملك للّه وحده».

و يا ليت مجتمع عصره و مجتمع عصرنا اليوم يعقلون هذا الشعار، و يعملون به، لزال الطمع و الجشع و حب التملك لهذه الدنيا الفانية، و لضعف وهج الأنانية، و وهنت جاذبيتها في نفوسهم.

أبناؤه:

شجرة طيّبة أصلها ثابت و فرعها في السماء، أنجب الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) ذرية طاهرة من نسل طيّب، فكانوا من خيرة أبناء المسلمين في عصره يتصفون بالتقوى و الورع و الخير و الصلاح و الابتعاد عن مآثم الحياة و أباطيلها.

لقد أنشأهم الإمام نشأة دينية خالصة، و وجّههم وجهة صحيحة سليمة،

____________

(1) المصدر نفسه.

25

و سكب في نفوسهم الإيمان باللّه، و التفاني في سبيل العقيدة، و العمل على قول كلمة الحق، و القيام بها مهما كلّف الثمن. قال ابن الصباغ: «إن لكل واحد من أولاد أبي الحسن موسى (عليه السّلام) فضلا مشهودا» (1).

اختلف النسابون في عدد أولاد الإمام موسى الكاظم اختلافا كثيرا منهم من قال: ثلاثة و ثلاثون الذكور منهم 16 و الإناث 17.

و منهم من قال: سبعة و ثلاثون الذكور 18 و الإناث 19.

و منهم من قال: ثمانية و ثلاثون الذكور 20 و الإناث 18 (2).

و قال الطبرسي: كان له سبعة و ثلاثون ولدا ذكرا و أنثى: علي بن موسى الرضا (عليه السّلام)، و إبراهيم و العباس و القاسم من أمهات متعددة.

و أحمد، و محمد، و حمزة من أم واحدة.

و إسماعيل، و جعفر، و هارون، و الحسن من أم واحدة.

و عبد اللّه، و إسحاق، و عبيد اللّه، و زيد، و الحسن، و الفضل، و سليمان من أمهات متعددة.

و فاطمة الكبرى، و فاطمة الصغرى، و رقية، و حكيمة، و أم أبيها، و رقية الصغرى، و كلثم، و أم جعفر، و لبانة، و زينب، و خديجة و علية، و آمنة، و حسنة، و بريهة، و عائشة، و أم سلمة، و ميمونة، و أم كلثوم من أمهات متعددة.

و كان أحمد بن موسى كريما ورعا و كان الإمام يحبّه فوهب له ضيعته المعروفة باليسيرية، و يقال أنه أعتق ألف مملوك.

و كان محمد بن موسى (عليهما السّلام) شجاعا كريما، و تقلّد الإمرة على اليمن في عهد المأمون من قبل محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام) الذي بايعه أبو السرايا في الكوفة و مضى إليها ففتحها و أقام بها مدة

____________

(1) الفصول المهمة ص 256.

(2) راجع الفصول المهمة ص 256 و كشف الغمة ص 243، و تذكرة الخواص ص 84.

26

إلى أن كان من أمر أبي السرايا ما كان، و أخذ الأمان من المأمون.

و لكل واحد من أبناء أبي الحسن موسى (عليه السّلام) فضل و منقبة و كان الرضا مشهورا بالتقدم و نباهة القدر، و عظم الشأن، و جلالة المقام بين الخاص و العام‏ (1).

إخوانه (عليهم السّلام):

لقد ذكرت عن إخوانه (عليه السّلام) في كتاب «الإمام الصادق عطرة النبوة و منهج حياة» في باب أولاد الإمام الصادق، و لكن سوف نورد باختصار عنهم حتى لا يخلو هذا الكتاب من ذكرهم العطر.

1- إسماعيل بن جعفر (عليه السّلام): كان أكبر أولاده، و كان الإمام الصادق يحبّه حبا جمّا. قال الشيخ المفيد: انه مات في حياة أبيه بالعريض، و حمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتى دفن بالبقيع؛ روي أن أبا عبد اللّه حزن عليه حزنا شديدا، و أمر بوضع سريره على الأرض عدة مرات قبل دفنه، و كان يكشف عن وجهه و ينظر إليه، يريد بذلك تحقيق أمر وفاته عند الظانين خلافته له من بعده، و إزالة الشبهة عنهم في حياته‏ (2).

2- عبد اللّه بن جعفر (عليه السّلام): كان أكبر إخوانه بعد إسماعيل.

3- علي بن جعفر (عليه السّلام): هو المحدث المشهور صاحب المسائل، عن أخيه موسى (عليه السّلام)، عاش دهرا طويلا حتى أدرك الإمام الجواد (عليه السّلام).

قال الشيخ أبو جعفر الطوسي (رضوان اللّه عليه): علي بن جعفر أخو موسى بن جعفر بن محمد (عليهم السّلام)، جليل القدر، ثقة، له كتاب المناسك و مسائل لأخيه موسى الكاظم بن جعفر (عليهما السّلام) سأله عنها (3).

4- إسحاق بن جعفر (عليه السّلام): الملقب بالمؤتمن، زوج السيّدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن السبط (عليه السّلام) صاحبة الروضة المشهورة بالقاهرة

____________

(1) أعلام الورى ص 301.

(2) الإرشاد ص 267.

(3) الفهرست ص 113.

27

المعروفة بالست نفيسة؛ سافر مع زوجته الى مصر و أقام بالفسطاط.

قال الشيخ المفيد: كان إسحاق بن جعفر من أهل الفضل و الصلاح و الورع و الاجتهاد، قد روى عنه الناس الحديث و الآثار و كان ابن كاسب يقول إذا حدث عنه: حدّثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر و كان إسحاق يقول بإمامة أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام)(1).

5- عباس بن جعفر: قال الشيخ المفيد: كان العباس بن جعفر (رحمه اللّه) فاضلا نبيلا (2).

6- محمد بن جعفر (عليه السّلام): من الزهّاد و العبّاد، كان يسكن مكة و يروي بها الأحاديث، و في أيام ظهور الفتنة بين الأمين و المأمون خرج في مكة و ادعى الخلافة، أرسل إليه المأمون جيشا بإمارة الجلودي، فلما وصل جيش المأمون مكة خلع نفسه و بايع المأمون. ثم سافر الى خراسان و أقام بمرو، و لما وصل المأمون جرجان قتله بالسم و كان قبره معروفا بجرجان في القرن الرابع الهجري.

بوابه:

هو محمد بن الفضل، و في المناقب: المفضل بن عمر.

شاعره:

السيد الحميري.

ملوك عصره:

1- المنصور 754 م- 775 م.

2- المهدي: 775 م- 785 م.

3- الهادي: 785 م- 786 م.

4- هارون الرشيد: 786 م- 809 م.

مدة إمامته:

خمس و ثلاثون سنة.

____________

(1) الإرشاد ص 469.

(2) المصدر نفسه.

28

النص عليه بالامامة:

أجمعت الروايات بالنص عليه بالامامة من اللّه تعالى، كخبر اللوح، و ان الامام لا يكون إلا الأفضل في العلم و الزهد و العمل، و أنه معصوم كعصمة الأنبياء (عليهم السّلام).

و النصوص المروية على إمامته عن أبيه أبي عبد اللّه الصادق (عليه السّلام) قد رواها شيوخ أصحاب أبي عبد اللّه و خاصته، و ثقاته الفقهاء الصالحون (رضوان اللّه عليهم).

قال محمد بن الوليد: سمعت علي بن جعفر بن محمد الصادق (عليه السّلام) يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد (عليه السّلام) يقول لجماعة من خاصته، و أصحابه:

استوصوا بابني موسى خيرا، فإنه أفضل ولدي، و من أخلّفه من بعدي، و هو القائم مقامي، و الحجّة للّه تعالى على كافة خلقه من بعدي‏ (1).

و روى منصور بن حازم، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) بأبي أنت و أمي، إن الأنفس يغدى عليها و يراح، فإذا كان ذلك فمن؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): إذا كان ذلك فهو صاحبكم و ضرب على منكب أبي الحسن الأيمن، و هو فيما أعلم يومئذ خماسي، و عبد اللّه بن جعفر جالس معنا» (2).

و قال سليمان بن خالد: دعا أبو عبد اللّه أبا الحسن يوما، و نحن عنده، فقال لنا: عليكم بهذا، فهو و اللّه صاحبكم بعدي‏ (3).

و من الغريب ما يدعيه غير الشيعة من ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مات و لم يوص إلى أحد من بعده يقوم مقامه و يسد فراغه، فترك الأمة من بعده بلا إمام يدير أمرها، و يجمع شملها، و يرشد ضالها، و يقيم لها الحدود، و يقوّم الاعوجاج، و يوضح السنن. و قد أجمعت الأمة على أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يستخلف على المدينة إذا أراد سفرا، و لا يرسل جيشا حتى يعيّن له قائدا، و ربما عيّن لجيوشه أكثر من قائد (4).

____________

(1) الارشاد ص 310.

(2) نفسه ص 270.

(3) أعيان الشيعة ج 3، ص 13.

(4) أئمتنا لعلي محمد علي دخيل الذي يروي ان في حرب مؤتة أقر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جعفر بن أبي-

29

و لو أنصف الناس الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لاكتفوا بنص الغدير وحده- دون غيره من النصوص الكثيرة- فقد شهد جل المسلمين بيعة يوم الغدير، و شاهدوا بأم أعينهم المراسم التي أجراها الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في ذلك اليوم، و ما نزل من القرآن الكريم.

و من العجيب أيضا أن تنسى الأمة بعد وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ذلك اليوم و العهد قريب، و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بعد لما يقبر، و الشهود حضور.

و كيفما كان فالامام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وحده المنصوص عليه بالخلافة من قبل الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كذلك أولاده عليهم أزكى الصلاة و أفضل السلام.

و قد التزم الأئمة (عليهم السّلام) في نص بعضهم على بعض، السابق على اللاحق و الوالد على ولده، إقامة للحجة، و إعذارا للأمة (1).

هارون الرشيد يعترف بامامة الكاظم (عليه السّلام):

قال المأمون: كنت أجرأ ولد أبي عليه، و كان المأمون متعجبا من إكبار أبيه لموسى بن جعفر و تقديره له. قال: قلت لأبي: يا أمير المؤمنين، من هذا الرجل الذي أعظمته و أجللته، و قمت من مجلسك إليه فاستقبلته و أقعدته في صدر المجلس، و جلست دونه؟ ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟

قال: هذا إمام الناس، و حجة اللّه على خلقه، و خليفته على عباده فقلت: يا أمير المؤمنين، أو ليست هذه الصفات كلها لك و فيك؟

فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر و الغلبة و القهر، و موسى بن جعفر إمام حق، و اللّه يا بني إنه لأحق بمقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مني و من الخلق جميعا، و اللّه لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، فإن الملك عقيم‏ (2).

____________

- طالب، و زيد بن حارثة، و عبد اللّه بن رواحة و جعل القيادة لجعفر فإن أصيب فلزيد، فإن أصيب فلعبد اللّه.

(1) نفس المصدر 1/ 10.

(2) قادتنا كيف نعرفهم ج 6، ص 305 عن عيون أخبار الرضا ج 1 ص 91.

30

مناقبه و فضائله (عليه السّلام):

مناقب الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) بحر زاخر لا يمكن حصره أو الخوض فيه إلى النهاية، لكننا سوف نذكر بعض هذه المناقب الكريمة على سبيل الذكر لا الحصر؛ من هنا كان قول محمد بن صلحة:

«أما مناقبه فكثيرة، و لو لم يكن منها إلا العناية الربانية لكفاه ذلك منقبة» (1).

1- العلم:

فقد روى عنه العلماء أكثر فنون العلم من علم الدين و غيره مما ملأ بطون الكتب، و ألّفوا في ذلك المؤلفات الكثيرة المروية عنهم بالأسانيد المتصلة.

جاء في تحف العقول عن الحسن بن علي بن شعبة قال أبو حنيفة (2):

حججت في أيام أبي عبد اللّه الصادق (عليه السّلام) فلما أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز انتظر إذنه إذ خرج صبي فقلت: يا غلام ممن المعصية؟ فقال:

ان السيئات لا تخلو من احدى ثلاث:

أ- اما ان تكون من اللّه و ليست منه فلا ينبغي للرب أن يعذب العبد على ما لا يرتكب.

ب- و اما ان تكون منه و من العبد و ليست كذلك فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف.

ج- و إما أن تكون من العبد و هي منه، فان عفا فكرمه وجوده، و إن عاقب فبذنب العبد و جريرته.

قال أبو حنيفة فانصرفت و لم ألق أبا عبد اللّه، و استغنيت بما سمعت.

قال الشيخ المفيد في الارشاد عن أبي الحسن موسى (عليه السّلام): أكثر الناس في‏

____________

(1) مطالب السئول ص 225.

(2) راجع في رحاب أئمة أهل البيت ج 2، ص 84.

31

الرواية عنه، و كان أفقه أهل زمانه و أحفظهم لكتاب اللّه، و أحسنهم صوتا بتلاوة القرآن.

و قال علي بن شعبة الحراني في تحف العقول: سأل رجل موسى بن جعفر عن الجواد فقال: إن كنت تسأل عن المخلوقين فان الجواد الذي يؤدي ما افترض اللّه عليه و البخيل من بخل بما افترض اللّه، و إن كنت تعني الخالق، فهو الجواد إن أعطى، و هو الجواد إن منع، أعطاك لأنه إن أعطاك ما ليس لك و ان منعك منعك ما ليس لك.

2- الحلم:

جاء في مقاتل الطالبيين قال أبو الفرج بسنده عن يحيى بن الحسن: كان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث إليه بصرّة دنانير و كانت صراره ما بين الثلاثمائة إلى المائتين إلى المائة دينار. و كانت صرار موسى مثلا شائعا بين الناس.

و جاء في الارشاد للشيخ المفيد: أخبرني الشريف أبو محمد الحسن بن محمد عن جده عن غير واحد من أصحابه و مشايخه أن رجلا من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذيه و يشتم عليا. فقال له بعض أصحابه: دعنا نقتله.

فنهاهم عن ذلك أشد النهي و زجرهم أشد الزجر. و سأل عن العمري فذكر له انه يزرع بناحية من نواحي المدينة، فركب إليه في مزرعته فوجده فيها، فدخل المزرعة بحماره فصاح به العمري لا تطأ زرعنا! فتوطأه بالحمار حتى وصل إليه فنزل فجلس عنده، و ضاحكه و قال له: كم غرمت في زرعك؟ قال له: مائة دينار. قال الإمام:

فكم ترجو أن تصيب؟ قال: أنا لا أعلم الغيب. قال: إنما قلت لك كم ترجو إن يجيئك فيه؟ قال: أرجو أن يجيئني مائتا دينار فأعطاه الإمام (عليه السّلام) ثلاثمائة دينار.

و قال: هذا زرعك على حاله فقام العمري و قبل رأسه و انصرف. فراح إلى المسجد فوجد العمري جالسا، فلما نظر إليه قال: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته. فوثب أصحابه فقالوا له: ما قصتك؟ قال كنت تقول خلاف هذا فخاصمهم و شاتمهم و جعل يدعو لابي الحسن موسى كلما دخل و خرج، فقال أبو الحسن موسى‏

32

لحاشيته الذين أرادوا قتل العمري: أيما كان خيرا ما أردتم أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار.

3- التواضع و مكارم الأخلاق:

مر برجل من أهل السواد دميم المنظر، فسلّم عليه، و نزل عنده و حادثه طويلا، ثم عرض عليه نفسه في القيام بحاجة إن عرضت له فقيل له: يا ابن رسول اللّه أ تنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجه و هو إليك أحوج؟ فقال (عليه السّلام): عبد من عبيد اللّه، و أخ في كتاب اللّه، و جار في بلاد اللّه، يجمعنا و إياه خير الآباء آدم، و أفضل الأديان الإسلام، و لعل الدهر يرد من حاجتنا إليه فيرانا بعد الزهو عليه متواضعين بين يديه، ثم قال:

نواصل من لا يستحق وصالنا* * * مخافة أن نبقى بغير صديق‏ (1)

و روي عن الحسن بن علي بن حمزة عن أبيه قال: رأيت أبا الحسن يعمل في أرض و قد استنقعت قدماه في العرق.

فقلت جعلت فداك، أين الرجال؟!

قال: يا علي قد عمل باليد من هو خير مني في أرضه و من أبي.

فقلت: و من هو؟

فقال؛ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أمير المؤمنين (عليه السّلام) و آبائي كلهم كانوا قد عملوا بأيديهم، و هو من عمل النبيين و المرسلين و الأوصياء و الصالحين‏ (2).

4- عبادته (عليه السّلام):

لقد شهدت له ألقابه على حسن عبادته، و شدة خوفه من اللّه تعالى، فمن زين المجتهدين، إلى العبد الصالح، و النفس الزكيّة، و الصابر، إلى غير ذلك من الألقاب المشيرة إلى صفاته الموقرة، و عبادته المتواصلة؛ و لم يحدثنا التاريخ عن مسجون غير الإمام موسى بن جعفر كان يشكر اللّه تعالى على ما أتاح له من نعمة

____________

(1) تحف العقول ص 305.

(2) بحار الأنوار ج 11، ص 266.

33

التفرغ للعبادة بين جدران السجن، و يحسب ذلك نعمة، وجب بها عليه الشكر.

قال ابن الصباغ المالكي: إن شخصا من بعض العيون التي كانت عليه في السجن، رفع إلى عيسى بن جعفر أنه سمعه يقول؛ في دعائه: «اللهم إنك تعلم أني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك و قد فعلت، فلك الحمد» (1).

و عن أبي حنيفة انه دخل على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال: رأيت ابنك موسى يصلي و الناس يمرون بين يديه.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): ادعوا لي موسى، فدعوه، فقال له في ذلك. فقال:

نعم يا أبه، إن الذي كنت أصلّي إليه كان أقرب إليّ منهم، يقول اللّه تعالى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ فضمه أبو عبد اللّه إلى نفسه ثم قال: بأبي أنت و أمي يا مودع الأسرار (2).

و جاء في كشف الغمة: كان يبكي من خشية اللّه حتى تخضل لحيته بالدموع و كان إذا قرأ القرآن يحزن و يبكي و يبكي السامعون لتلاوته‏ (3). و لكثرة سجوده كان له غلام يقص اللحم من جبينه، و عرنين أنفه، فقد نظم بعض الشعراء ذلك بقوله:

طالت لطول سجود منه ثفنته* * * فقرحت جبهة منه و عرنينا

رأى فراغته في السجن منيته* * * و نعمة شكر الباري بها حينا (4)

5- كرمه و صدقاته:

من أبرز خصائص أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) البر و الاحسان إلى الناس كافة، و بصورة خاصة الطبقة الضعيفة، فكانوا يخصّونهم بجزيل فضلهم، و نبل عطاياهم، حتى كان من منهجهم في الليالي المظلمة هو التطواف على بيوت الفقراء و المساكين بالأغذية و المال و هم لا يعرفونهم.

قال ابن الصباغ المالكي: كان موسى الكاظم (عليه السّلام) أعبد أهل زمانه،

____________

(1) الفصول المهمة ص 222.

(2) المناقب ج 2، ص 372.

(3) كشف الغمة ص 247.

(4) حياة الإمام موسى بن جعفر.

34

و أعلمهم و أسخاهم كفا و أكرمهم نفسا و كان يتفقد فقراء المدينة و يحمل إليهم الدراهم و الدنانير إلى بيوتهم و النفقات، و لا يعلمون من أي جهة وصلهم ذلك، و لم يعلموا بذلك إلا بعد موته‏ (1).

و قال محمد بن عبد اللّه البكري: قدمت المدينة أطلب دينا فأعياني، فقلت لو ذهبت إلى أبي الحسن موسى فشكوت إليه، فأتيته في ضيعته، فذكرت له قضيّتي، فدخل و لم يقم إلّا يسيرا حتى خرج إلي، فقال لغلامه: اذهب، ثم مدّ يده إليّ فرفع إليّ صرة فيها ثلاثمائة دينار، فركبت دابتي و انصرفت‏ (2).

كما رووا عن عيسى بن محمد بن مغيث القرطبي قال: زرعت بطّيخا و قثاء و قرعا في موضع بالجوانية، على بئر يقال لها (أم عظام) فلما قرب الخير، و استوى الزرع بغتني الجراد فاتى على الزرع كله، و كنت غرمت على الزرع و في ثمن جملين مائة و عشرين دينارا، فبينما أنا جالس إذ طلع موسى بن جعفر بن محمد، فسلّم ثم قال: أي شي‏ء حالك؟ فقلت: أصبحت كالصريم، بغتني الجراد فأكل زرعي.

قال (عليه السّلام) و كم غرمت فيه؟ فقلت: مائة و عشرين دينارا مع ثمن الجملين.

فقال (عليه السّلام): يا عرفة زن لأبي المغيث مائة و خمسين دينارا، فربحك ثلاثون دينارا و الجملان. فقلت يا مبارك ادخل و ادع لي فيها بالبركة. فدخل و دعا، و حدثني عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: تمسّكوا ببقايا المصائب؛ ثم علقت عليه الجملين و سقيت، فجعل اللّه فيها البركة و زكت، فبعث منها بعشرة آلاف‏ (3).

و قال علي بن عيسى الأربلي‏ (4):

«مناقب الكاظم و فضائله و معجزاته الظاهرة، و دلائله و صفاته الباهرة تشهد انه افترع قبة الشرف و علاها، و سما إلى أوج المزايا فبلغ أعلاها، و ذللت له كواهل السيادة فركبها و امتطاها، و حكم في غنائم المجد فاختار صفاياها و اصطفاها.

____________

(1) الفصول المهمة ص 219.

(2) أعيان الشيعة ج 3 ص 42 و تاريخ بغداد ج 13، ص 28.

(3) كشف الغمة ص 243 و تاريخ بغداد ج 13، ص 29.

(4) كشف الغمة ج 2، ص 253.

35

طالت أصوله، فسمت إلى أعلى رتب الجلال، و سمت فروعه فعلت إلى حيث لا تنال، يأتيه المجد من كل أطرافه، و يكاد الشرف يقطر من أعطافه.

فكان كما قال الشاعر:

أتاه المجد من هنا و هنا* * * و كان له كمجتمع السيول‏

السحاب الماطر قطرة من كرمه، و العباب الزاخر نغبة من نغبه، و اللباب الفاخر من عد من عبيده و خدمه، كأن الشعرى علّقت في يمينه و لا كرامة للشعرى العبور، و كأن الرياض أشبهت خلائقه و لا نعمى لعين الروض الممطور.

و هو (عليه السّلام) غرة في وجه الزمان و ما الغرر و الحجول، و هو أضوأ من الشمس و القمر، و هذا جهد من يقول: بل هو و اللّه أعلى مكانة من الأوصاف و أسمى، و أشرف عرفا من هذه النعوت و أنمى، فكيف تبلغ المدائح كنه مقداره، أو ترتقي همة البليغ إلى نعت فخاره، أو تجري جياد الأقلام في جلباب صفاته، أو يسري خيال الأوهام في ذكر حالاته؟

كاظم الغيظ، و صائم القيظ، عنصره كريم، و مجده حادث و قديم، و هو بكل ما يوصف به زعيم، الآباء عظام، و الأبناء كرام، و الدين متين، و الحق ظاهر مبين، و الكاظم في أمر اللّه قوي أمين، و جوهر فضله غال ثمين و واصفه لا يكذب و لا يمين، قد تلقى راية الإمامة باليمين، فسما (عليه السّلام) إلى الخيرات منقطع القرين، و أنا أحلف على ذلك فيه و في آبائه و أبنائه (عليهم السّلام) باليمين.

كم له من فضيلة جليلة، و منقبة بعلو شأنه كفيلة، و هي و إن بلغت الغاية بالنسبة إليه قليلة، و مهما عد من المزايا و المفاخر فهي فيهم صادقة، و في غيرهم مستحيلة. إليهم ينسب العظماء، و عنهم يأخذ العلماء، و منهم يتعلم الكرماء، و هم الهداة إلى اللّه فبهداهم اقتده و هم الأدلاء على اللّه فلا تحل عنهم و لا تنشده، و هم الأمناء على أسرار الغيب، و هم المطهرون من الرجس و العيب، و هم النجوم الزواهر في الظلام، و هم الشموس المشرقة في الأيام، و هم الذين أوضحوا شعائر الإسلام و عرفوا الحلال من الحرام، من تلق منهم تقل لاقيت سيدا، و متى عددت منهم واحدا كان بكل الكمالات منفردا، و من قصدت منهم حمدت قصدك مقصدا،

36

و رأيت من لا يمنعه جوده اليوم أن يجود غدا، و متى عدت إليه عاد كما بدا، المائدة و الانعام يشهدان بحالهم، و المائدة و الأنعام يخبران بنوالهم، فلهم كرم الأبوة و النبوة، و هم معادن الفتوة و المروة، و السماح في طبائعهم غريزة، و المكارم لهم شنشنة و نحيزة، و الأقوال في مدحهم و إن طالت وجيزة، بحور علم لا تنزف، و أقمار عز لا تخسف و شموس مجد لا تكسف. مدح أحدهم يصدق على الجميع و هم متعادلون في الفخار فكلهم شريف رفيع. بذوا الأمثال بطريفهم و تالدهم و لا مثيل، و نالوا النجوم بمفاخرهم و محامدهم فانقطع دون شأوهم العديل و لا عديل.

فمن الذي ينتهي في السير إلى أمدهم و قد سد دونه السبيل، أمن لهم يوم كيومهم أو غد كغدهم، و لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم (صلّى اللّه عليه و آله) صلاة نامية الأمداد، باقية على الآباد مدخرة ليوم المعاد، إنه كريم جواد (1).

كل ما صدر عن الأئمة المعصومين (عليهم السّلام) من وصايا و رسائل و خطب و شعر كان في سبيل الدعوة الاسلامية و الحث على طاعة اللّه تعالى و الدعوة الى التحلّي بمكارم الأخلاق و التمسك بالفضائل. فكانوا (عليهم السّلام) يعملون على تثقيف الأمة الإسلامية و تعليمها و توعيتها، و يبذلون أقصى الجهود في تقويمها و هدايتها الى الطريق السليم.

و موضوع الشعر كان ينشد عند عامة الناس في التشبيب و اللهو و المجون، أما أهل البيت فكانوا ينظمونه في الدعوة الى الخير و العقيدة الإسلامية، و الأخلاق، و التحلّي بالفضائل النبيلة. و هذه هي الفوارق التي تميزهم عن غيرهم من الشعراء الآخرين.

جاء في البحار أنه دخل (عليه السّلام) و هو طفل على أبيه الإمام الصادق (عليه السّلام) و بيده لوح فقال له أبوه يا بني أكتب ما سأمليه عليك:

تنح عن القبيح و لا ترده.

ثم قال: اجزه.

فقال (عليه السّلام): و من أوليته حسنا فزده.

____________

(1) كشف الغمة ج 2، ص 246.

37

فتابع الإمام الصادق القول:

ستلقى من عدوك كل كيد.

فقال الإمام الطفل (عليه السّلام): إذا كان العدو فلا تكده.

فقال: «ذرية بعضها من بعض» (1).

و قال (عليه السّلام) أيضا في أفعال العباد:

لم تخل أفعالنا التي نذم بها* * * احدى ثلاث حين نبديها

إما تفرّد بارينا بصنعتها* * * فيسقط اللوم عنا حين نأتيها

أو كان يشركنا فيها فيلحقه* * * ما كان يلحقنا من لائم فيها

أو لم يكن لإلهي في جنايتها* * * ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها (2)

و قال (عليه السّلام) في اللجوء الى اللّه:

أنت ربي إذ ظمئت إلى الماء* * * و قوتي إذا أردت الطعاما (3)

و الإمام الكاظم لم يكن شاعرا محترفا بل كان نظمه للشعر قليلا جدا. ذكر الشيخ المفيد أبياتا له تلاها الإمام الرضا (عليه السّلام) على المأمون و نسبها (عليه السّلام) إلى أبيه:

كن للمكاره بالعزاء مدافعا* * * فلعل يوما لا ترى ما تكره‏

فلربما استتر الفتى فتنافست* * * فيه العيون و انه لمموه‏

و لربما ابتسم الوقور من الأذى* * * و ضميره من حره يتأوّه‏ (4)

كان (عليه السّلام) يعلم كل شي‏ء يدور حوله و لكن عيون المراقبين تترصده دائما فلم يكن له إلا أن يموه ما يقول حذرا فيبتسم من الأذى المحدق به و ضميره من حره يتأوه في صدره. و ذكر ذو النون المصري أنه اجتاز أثناء سياحته على قرية تسمى‏

____________

(1) البحار ج 11 ص 264 و البحار ج 11 ص 147.

(2) البحار ج 11 ص 285.

(3) تذكرة الخواص ص 196.

(4) الأمالي: ص 150.

38

بتدمر فرأى جدارا قد كتبت عليه هذه الأبيات:

أنا ابن منى و المشعرين و زمزم* * * و مكة و البيت العتيق المعظم‏

و جدّي النبي المصطفى و أبي الذي* * * ولايته فرض على كل مسلم‏

و أمي البتول المستضاء بنورها* * * إذا ما عددناها عديلة مريم‏

و سبطا رسول اللّه عمي و والدي* * * و أولاده الأطهار تسعة أنجم‏

متى تتعلق منهم بحبل ولاية* * * تفز يوم يجزى الفائزون و تنعم‏

أئمة هذا الخلق بعد نبيهم* * * فإن كنت لم تعلم بذلك فاعلم‏

أنا العلوي الفاطمي الذي ارتمى* * * به الخوف و الأيام بالمرء ترتمي‏

فالمحت بالدار التي أنا كاتب* * * عليها بشعري فاقرأ إن شئت و المم‏

و سلم لأمر اللّه في كل حالة* * * فليس أخو الإسلام من لم يسلم‏

قال ذو النون فعلمت انه علوي قد تخفى عن السلطة في خلافة هارون، و احتمل المجلسي ان تكون هذه الأبيات للإمام الكاظم (عليه السّلام) ذهب إلى ذلك المكان و كتبها لإتمام الحجة على أعدائه‏ (1).

و ما نراه ان الإمام (عليه السّلام) لم يتخف و لم يتهرّب من السلطة في يوم من الأيام بل كان في يثرب مقيما ينكر على هارون و على غيره من ملوك عصره بكل جرأة و إقدام، و هذا الذي أوصل به الى السجن.

ما قاله العلماء و العظماء في فضائله‏

أجمع المسلمون على اختلاف مذاهبهم على أفضلية أئمة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة و أزكى السلام، و أعلميتهم، و رفعة منزلتهم، و سموّ مقامهم و قرب مكانتهم من الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كما تنافسوا في ذكر الكتابة عنهم و بيان سيرهم، و ذكر أحاديث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيهم.

و لا غرو في ذلك بعد أن قرنهم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالقرآن الكريم- كما في حديث الثقلين- و وصفهم بسفينة نوح التي من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق‏

____________

(1) الأمالي: ص 150.

39

و هوى ... إلى كثير من الأحاديث التي له (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في بيان فضلهم، و التنويه بسموّ مقامهم.

1- قال هارون الرشيد لابنه المأمون: «هذا إمام الناس، و حجّة اللّه على خلقه، و خليفته على عباده» (1).

2- و قال أحمد بن يوسف الدمشقي القرماني:

هو الإمام الكبير القدر، الأوحد، الحجة، الساهر ليله قائما، القاطع نهاره صائما، المسمى لفرط حلمه و تجاوزه عن المعتدين (كاظما) و هو المعروف عند أهل العراق ب (باب الحوائج) لأنه ما خاب المتوسل به في قضاء حاجة قط ... له كرامات ظاهرة، و مناقب باهرة، انتزع قمة الشرف و علاها، و سما الى أوج المزايا فبلغ علاها ... (2).

3- و قال عبد اللّه بن أسعد اليانعي:

الإمام موسى كان صالحا عابدا، جوادا حليما، كبير القدر، و هو أحد الأئمة الاثني عشر المعصومين في اعتقاد الإمامية، و كان يدعى بالعبد الصالح لعبادته و اجتهاده، و كان سخيا كريما، كان يبلغه عن الرجل ما يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار (3).

4- و قال خير الدين الزركلي:

موسى بن جعفر الصادق بن الباقر، أبو الحسن، سابع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، كان من سادات بني هاشم، و من أعبد أهل زمانه و أحد كبار العلماء الأجواد ...» (4).

5- و قال محمد بن علي بن شهرآشوب:

«و كان الإمام أجلّ الناس شأنا، و أعلاهم في الدين مكانا، و أسخاهم بنانا،

____________

(1) أعيان الشيعة ج 3 ص 71.

(2) أئمتنا ج 1 ص 66- 67.

(3) مرآة الجنان ج 1 ص 394.

(4) الأعلام ج 3 ص 108.

40

و أفصحهم لسانا، و أشجعهم جنانا، قد خصّ بشرف الولاية، و حاز إرث النبوة، و تبوأ محل الخلافة، سليل النبوة، و عقيد الخلافة» (1).

6- و قال أحمد بن حجر الهيثمي:

و موسى الكاظم، هو وارث أبيه علما و معرفة و كمالا و فضلا سمّي الكاظم لكثرة تجاوزه و حلمه، و كان معروفا عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند اللّه، و كان أعبد أهل زمانه، و أعلمهم و أسخاهم‏ (2).

7- و قال الدكتور محمد يوسف موسى:

«و نستطيع أن نذكر أن أول من كتب في الفقه هو الإمام موسى الكاظم الذي مات سجينا عام 183 ه و كان ما كتبه إجابة عن مسائل وجّهت إليه تحت اسم (الحلال و الحرام) (3).

8- و قال علي بن عيسى الأربلي:

«مناقب الكاظم (عليه السّلام) و فضائله و معجزاته الظاهرة، و دلائله و صفاته الباهرة، و مخاتله تشهد أنه افترع قمة الشرف و علاها و سما إلى أوج المزايا فبلغ أعلاها، و ذللت له كواهل السيادة فركبها و امتطاها و حكم في غنائم المجد فاختار صفاياها و اصطفاها:

تركت و الحسن تأخذه* * * تصطفي منه و تنتجب‏

فانتقت منه أحاسنه* * * و استزادت فضل ما تهب‏ (4)

9- و قال الشيخ سليمان المعروف بخواجة كلان:

«موسى الكاظم هو وارث أبيه جعفر بن محمد، علما و معرفة و كمالا و فضلا، سمّي الكاظم لكثرة تجاوزه و حلمه، و كان عند أهل العراق معروفا بباب‏

____________

(1) المناقب ج 2 ص 383.

(2) الصواعق المحرقة ص 121.

(3) حياة الإمام موسى بن جعفر ج 1 ص 175.

(4) كشف الغمة ص 255.

41

قضاء الحوائج، و كان أعبد أهل زمانه و أعلمهم و أسخاهم» (1).

10- و قال النسابة أحمد بن علي:

«كان موسى الكاظم عظيم الفضل، رابط الجأش، واسع العطاء، لقّب بالكاظم لكظمه الغيظ، و حلمه، و كان يخرج في الليل و في كمه صرر من الدراهم فيعطي من لقيه و من أراد برّه، و كان يضرب المثل بصرّة موسى و كان أهله يقولون:

عجبا لمن جاءته صرّة موسى فشكا القلّة» (2).

هذه بعض الآراء الموجزة التي دوّنها كبار العلماء و التي تحمل طابع الإكبار و التقدير للإمام، و هذه الصفات التي اتّصف بها هي السرّ في عظمته، و السرّ في إجماع العلماء على إكباره، و إجماع المسلمين على محبّته. و سوف نوجزها بما يلي:

1- أحلم الناس و أكظمهم للغيظ، يقابل الجاني عليه بالإحسان إليه.

2- أعلم أهل زمانه، و أفقههم، يحل مشاكلهم و يساعدهم في قضاء حاجاتهم.

3- أعبد أهل زمانه اجتهد في العبادة الى حد لا يجاريه أحد.

4- كان من أجود الناس و أسخاهم و أنداهم كفّا، يعطي بيمينه و لا تعرف به شماله، حتى أصبح يضرب به المثل فقالوا: (مثل صرر موسى).

5- انه من أفصح الناس و أبلغهم، ورث الفصاحة من آبائه و أجداده.

6- هو باب الحوائج عند اللّه، قد خصّه تعالى بهذه الكرامة و منهجه بهذا اللطف، فضمن لمن توسّل به أن يقضي حاجته و لا يرجع من عنده إلا و هو مثلوج الفؤاد ناعم البال.

7- أوصل الناس لأهله و رحمه.

8- حافل بالتواضع و الورع و الزهد و دماثة الخلق.

9- إمام معصوم من أئمة المسلمين و من حجج اللّه على خلقه.

____________

(1) ينابيع المودة ص 362.

(2) حياة الإمام موسى بن جعفر ج 1 ص 175.

42

هكذا كان الإمام الكاظم الإمام السابع من الأئمة الاثني عشر المعصومين يعالج بروحه الفوّاحة بالإيمان و التقوى النفوس المريضة التي اترعت بالآفات الاجتماعية و الأنانية.

أدعيته (عليه السّلام):

تميّز أئمة أهل البيت (عليه السّلام) بمحاسن كثيرة لم يشاركهم فيها غيرهم من الناس، و امتازوا بمكارم اختصوا بها وحدهم من بين الأمة.

و الدعاء أحد هذه المميّزات الكثيرة، فقد ورد لكل إمام منهم (عليهم السّلام) أدعية كثيرة جمعها علماؤنا الأبرار (رضوان اللّه عليهم) فبلغت مئات المصنفات. فهم أول من أرشدوا الناس على الطريقة المثلى التي يجب أن يسلكها العبد في خطابه مع اللّه سبحانه و تعالى، و ما ينبغي أني كون عليه من التوسل و الانقطاع للمولى جلّ شأنه.

و الإمام الكاظم انقطع الى اللّه فكان في جميع أوقاته يلهج بذكر اللّه تعالى و يدعوه دعاء المنيبين.

فائدة الدعاء:

أما عن فائدة الدعاء فقد تحدث عنها بقوله: «عليكم بالدعاء، فإن الدعاء للّه و الطلب الى اللّه يردّ البلاء و قد قدّر و قضي و لم يبق إلا إمضاؤه، فإذا دعي اللّه عز و جلّ و سئل صرف البلاء».

ثم قال في موضع آخر:

«ما من بلاء يقع على عبد مؤمن فيلهمه اللّه عز و جلّ الدعاء إلا كان كشف ذلك البلاء و شيكا، و ما من بلاء يقع على عبد مؤمن فيمسك عن الدعاء إلا كان ذلك البلاء طويلا، فإذا نزل البلاء فعليكم بالدعاء و التضرّع إلى اللّه عزّ و جلّ» (1).

نعود لنذكر بعض أدعيته (عليه السّلام):

من دعاء له (عليه السّلام) في القنوت:

«يا مفزع الفازع، و مأمن الهالع، و مطمع الطامع، و ملجأ الضارع، يا غوث‏

____________

(1) أصول الكافي ج 2 ص 553.

43

اللهفان، و مأوى الحيوان، و مروي الظمآن، و مشبع الجوعان، و كاسي العريان، و حاضر كل مكان، بلا درك و لا عيان، و لا صفة و لا بطان، عجزت الأفهام، و ضلّت الأوهام عن موافقة صفة دابة من الهوام، فضلا عن الأجرام العظام، مما أنشأت حجابا لعظمتك، و أنّى يتغلغل إلى ما وراء ذلك بما لا يرام.

تقدّست يا قدّوس عن الظنون و الحدوس، و أنت الملك القدوس بارئ الأجسام و النفوس، و منخر العظام و مميت الأنام، و معيدها بعد الفناء و التطميس، أسألك يا ذا القدرة و العلاء، و العز و الثناء، أن تصلي على محمد و آله أولي النهى، و المحل الأوفى، و المقام الأعلى، و أن تعجل ما قد تأجل، و تقدم ما تأخر، و تأتي بما قد أوجبت إثباته، و تقرّب ما قد تأخر في النفوس الحصرة أوانه، و تكشف البأس و سوء البأس، و عوارض الوسواس الخناس في صدور الناس، و تكفينا ما قد رهقنا، و تصرف عنا ما قدر ركبنا، و تبادر اصطلام الظالمين، و نصر المؤمنين و الادالة من المعاندين، آمين ربّ العالمين» (1).

و من دعاء له (عليه السّلام):

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. اللهمّ اعطني الهدى و ثبّتني عليه، و احشرني عليه آمنا أمن من لا خوف عليه و لا حزن و لا جزع إنك أهل التقوى و أهل المغفرة» (2)

و من دعاء له (عليه السّلام) لوفاء الدين:

«اللهمّ اردد على جميع خلقك مظالمهم التي قبلي صغيرها و كبيرها في يسر منك و عافية، و ما لم تبلغه قوتي، و لم تسعه ذات يدي، و لم يقو عليه بدني و يقيني و نفسي، فأدّه عنّي من جزيل ما عندك من فضلك، ثم لا تخلف عليّ منه شيئا تقضيه من حسناتي يا أرحم الراحمين، أشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، و أشهد أن محمد عبده و رسوله» (3).

____________

(1) مهج الدعوات ص 54.

(2) نفسه ص 33.

(3) أصول الكافي ص 562.

44

و من دعاء له (عليه السّلام):

«يا سابق كل فوت، يا سامعا لكل صوت قوي أو خفي، يا محيي النفوس بعد الموت، لا تغشاك الظلمات الحندسية، و لا تشابه عليك اللغات المختلفة، و لا يشغلك شي‏ء عن شي‏ء، يا من لا يشغله دعوة داع دعاه من السماء، يا من له عند كل شي‏ء من خلقه سمع سامع، و بصر نافذ، يا من لا تغلظه كثرة المسائل و لا يبره إلحاح الملحّين، يا حيّ حين لا حيّ في ديمومة ملكه و بقائه، يا من سكن العلى، و احتجب عن خلقه بنوره، يا من أشرقت لنوره دجا الظلم، أسألك باسمك الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي هو من جميع أركانك، صلّ على محمد و أهل بيته» ثم يسأل حاجته‏ (1).

و من دعاء له (عليه السّلام):

«توكّلت على الحيّ الذي لا يموت، و تحصّنت بذي العزة و الجبروت، و استعنت بذي الكبرياء و الملكوت. مولاي استسلمت إليك فلا تسلمني، و توكّلت عليك فلا تخذلني، و لجأت إلى ظلّك البسيط فلا تطرحني، أنت المطلب، و إليك المهرب، تعلم ما أخفي و ما أعلن و تعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، فامسك عنّي اللّهمّ أيدي الظالمين من الجنّ و الإنس أجمعين، و اشفني يا أرحم الراحمين» (2).

و من دعاء له عند الحاجة:

«يا اللّه، أسألك بحق من حقّه عليك عظيم أن تصلّي على محمد و آل محمد و أن ترزقني العمل بما علّمتني من معرفة حقك، و أن تبسط عليّ ما حظرت من رزقك» (3).

و من أدعيته دعاء على ظالم له:

و هذا دعاء طويل نقدم نصه الكامل ليتضح منه ما قاساه الإمام (عليه السّلام) من طواغيت زمانه، و قد دعاه في قنوته على بعض ظالميه من ملوك بني العباس المعاصرين له الذين جرّعوه أنواع الغصص و الآلام فقال (عليه السّلام):

____________

(1) بحار الأنوار ج 11 ص 239.

(2) أئمتنا ج 2 ص 56.

(3) أصول الكافي ج 2 ص 553.

45

اللهمّ، إني و فلان ابن فلان، عبدان من عبيدك، نواصينا بيدك تعلم مستقرنا و مستودعنا و منقلبنا، و مثوانا، و سرّنا، و علانيتنا، تطلع على نياتنا، و تحيط بضمائرنا، علمك بما نبديه كعلمك بما نخفيه و معرفتك بما نبطنه كمعرفتك بما نعلنه، و لا ينطوي عندك شي‏ء من أمورنا، و لا ينسر دونك حال من أحوالنا، و لا لنا منك معقل يحصننا، و لا حرز يحرزنا، و لا مهرب لنا نفوتك به، و لا تمنع الظالم منك حصونه، و لا يجاهدك عنه جنوده، و لا يغالبك مغالب بمنعه، أنت مدركه أينما سلك، و قادر عليه أينما لجأ، فمعاذ المظلوم منّا بك و توكّل المقهور منّا عليك، و رجوعه إليك، يستغيث بك إذا خذله المغيث، و يستصرخك إذا قعد عنه النصير، و يلوذ بك إذا نفته الأقنية، و يطرق بابك إذا أغلقت عنه الأبواب المرتجة و يصل إليك إذا احتجبت عنه الملوك الغفلة، تعلم ما حلّ به من قبل أن يشكوه إليك، و تعرف ما يصلحه قبل أن يدعوك له، فلك الحمد بصيرا عليما لطيفا.

اللّهمّ، و انه قد كان في سابق علمك، و محكم قضائك، و جاري قدرك، و نافذ أمرك، و ماضي مشيئتك في خلقك أجمعين، شقيّهم و سعيدهم، و برّهم و فاجرهم، ان جعلت «لفلان ابن فلان» عليّ قدرة فظلمني بها و بغى عليّ بمكانها، و استطال و تعزز بسلطانه الذي خوّلته إياه، و تجبّر و افتخر بعلوّ حاله الذي نولته، و غرّة املاؤك، و أطغاه حلمك عنه، فقصدني بمكروه عجزت عن الصبر عليه، و تعمّدني بشرّ ضعفت عن احتماله و لم أقدر على الاستنصاف منه لضعفي، و لا على الانتصار لقلّتي فوكلت أمره إليك، و توكّلت في شأنه عليك، و توعّدته بعقوبتك، و حذّرته ببطشك، و خوّفته بنقمتك، فظنّ أن حلمك عنه من ضعف، و حسب أن إملاءك له من عجز، و لم تنهه واحدة عن أخرى و لا انزجر عن ثانية بأولى، لكنّه تمادى في غيّه، و تتابع في ظلمه، و لجّ في عدوانه، و استشرى في طغيانه، جرأة عليك يا سيدي و مولاي، و تعرّضا لسخطك الذي لا تحبسه عن الباغين، فها أنا يا سيدي مستضام تحت سلطانه مستذل بفنائه، مبغيّ عليّ، و جل خائف، مروع مقهور قد قلّ صبري، و ضاقت حيلتي، و تغلّقت عليّ المذاهب إلّا إليك، و انسدّت عنّي الجهات إلّا جهتك، و التبست عليّ أموري في دفع مكروهه، و اشتبهت عليّ الآراء في إزالة ظلمه، و خذلني من استنصرته من خلقك، و أسلمني من تعلّقت به من عبادك‏

46

فاستشرت نصحي فأشار عليّ بالرغبة إليك، و استرشدت دليلي فلم يدلّني إلّا إليك، فرجعت إليك يا مولاي صاغرا راغما مستكينا عالما أنه لا فرج لي إلّا عندك، و لا خلاص لي إلّا بك انتجز وعدك في نصرتي و إجابة دعائي، لأنّ قولك الحق الذي لا يردّ و لا يبدّل، و قد قلت تباركت و تعاليت، مَن‏ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏ و قلت جلّ ثناؤك، و تقدّست أسماؤك: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ فأنا فاعل ما أمرتني به لا منّا عليك، و كيف أمنّ به و أنت دللتني عليه، فاستجب لي كما وعدتني يا من لا يخلف الميعاد، و إني لأعلم يا سيدي ان لك يوما تنتقم فيه من الظالم للمظلوم، و أتيقن أن لك وقتا تأخذ فيه من الغاصب للمغصوب لأنه لا يسبقك معاند، و لا يخرج من قبضتك منابذ، و لا تخاف فوت فائت، و لكن جزعي و هلعي لا يبلغان الصبر على أناتك، و انتظار حلمك، فقدرتك يا سيدي فوق كل قدرة، و سلطانك غالب كل سلطان، و معاد كلّ أحد إليك و إن أمهلته، و رجوع كل ظالم إليك و ان انظرته، و قد أضرني- يا سيدي- حلمك عن (فلان) و طول أناتك له، و إمهالك إياه، و يكاد القنوط أن يستولي عليّ لو لا الثقة بك، و اليقين بوعدك، فإن كان في قضائك النافذ، و قدرتك الماضية انه ينيب، أو يتوب، أو يرجع عن ظلمي، و يكفّ عن مكروهي، و ينتقل عن عظيم ما ركب منّي، فصلّ على محمد و آله، و أوقع ذلك فيقلبه قبل إزالة نعمتك التي أنعمت بها عليه، و تكدير معروفك الذي صنعته إليه، و إن كان علمك به غير ذلك من مقامه على ظلمي، فإنّي أسألك يا ناصر المظلومين المبغي عليهم إجابة دعوتي، فصلّ على محمد و آله و خذه من مأمنه أخذ عزيز مقتدر، و أفجأه في غفلته مفاجأة مليك منتصر، و اسلبه نعمته و سلطانه، و افضض عنه جموعه و أعوانه، و مزّق ملكه كل ممزّق، و فرّق أنصاره كل مفرق، و اعزله من نعمتك التي لم يقابلها بالشكر و الإحسان، و انزع عنه سربال عزّك الذي لم يجازه بالإحسان، و اقصمه يا قاصم الجبابرة، و اهلك يا مهلك القرون الخالية، و ابره يا مبير الأمم الظالمة، و اخذله يا خاذل الفرق الباغية، و ابتر عمره، و ابتز ملكه، و اعف أثره، و اقطع خبره، و اطف ناره، و اظلم دياره، و كوّر شمسه، و ازهق نفسه، و اهشم سوقه، وجب سنامه، و ارغم أنفه، و عجل حتفه، و لا تدع له جنة إلا هلكتها، و لا دعامة إلا قصمتها، و لا كلمة مجتمعة إلا فرّقتها، و لا قائمة علو إلّا وضعتها و لا ركنا إلّا

47

وهنته، و لا سببا إلّا قطعته، و أرنا أنصاره و جنوده عبيدا بعد العزّة، و اجعلهم متفرّقين بعد اجتماع الكلمة و مقنعي الرءوس بعد الظهور على الأمة، و اشف بزوال أمره القلوب الوجلة، و الأفئدة اللهيفة، و الأمّة المتحيّرة، و البريّة الضائعة، و اظهر بزواله الحدود المعطّلة، و السنن الداثرة، و الأحكام المهملة و المعالم المتغيّرة، و الآيات المحرّفة، و المدارس المهجورة، و المحاريب المجفوّة، و المشاهد المهدومة، و اشبع به الخماص السابغة، و ارو به اللهوات اللاغبة، و الأكباد الضامية، و أرح به الأقدام المتعبة و اطرقه ببليّة لا أخت لها، و بساعة لا مثوى فيها، و بنكبة لا انتعاش معها، و بعثرة لا إقالة منها، و أبح حريمه، و نغّص نعيمه، و أره بطشتك الكبرى، و نقمتك المثلى، و قدرتك التي هي فوق قدرته، و سلطانك الذي هو أعز من سلطانه، و أغلبه لي بقوّتك القوية، و محالك الشديد، و امنعني منه بمنعك، و ابتله بفقر لا يجبره، و بسوء لا يستره، و كله إلى نفسه فيما تريد، انك فعال لما تريد، و ابره من حولك و قوتك، و كله إلى حوله و قوّته، و أزل مكره بمكرك، و ادفع مشيئته بمشيئتك، و اسقم جسده، و ايتم ولده، و نقّص أجله، و خيّب أمله، و أزل دولته، و أطل عولته، و اجعل شغله في بدنه، و لا تفكّه من حزنه و صيّر كيده في ضلال، و أمره إلى زوال و نعمته إلى انتقال وجده في سفال، و سلطانه في اضمحلال، و عاقبته إلى شر مآل، و أمته بغيظه إن أمتّه، و ابقه بحسرته ان ابقيته، وقني شره و همزه و لمزه و سطوته و عدواته، و المحه لمحة تدمر بها عليه، فإنّك أشد بأسا و أشد تنكيلا ..» (1).

استجابة دعاء الإمام الكاظم (عليه السّلام)

عاش أهل البيت (عليهم السّلام) مظلومين مضطهدين طيلة الحكم الأموي الغاشم و لما انتقل الحكم إلى العباسيين باسم العلويين حسب الناس أن الحكم العباسي سوف يخفف عنهم الوطأة، و يرفع عنهم الحيف.

و لما جاءت رايات أبي مسلم الخراساني بانتصار العلويين، و للأخذ بثأرهم و ظلامتهم، أصبح الأمر معكوسا، فإذا بالعباسيين يظلمون و ينكّلون بأئمة أهل البيت، و يتتبعونهم قتلا و سجنا و تشريدا حتى كانت مدة ملكهم أشد قسوة من بني‏

____________

(1) مهج الدعوات ص 67.

48

أمية. فقال أحد الشعراء:

تاللّه ما فعلت علوج أمية* * * معشار ما فعلت بنو العباس‏

و قال آخر:

يا ليت ظلم بني أمية دام لنا* * * و ليت عدل بني العباس في النار

و لم يلجأ أئمة أهل البيت إلى الدعاء على ظالميهم إلا عند ما يبلغ الظلم منتهاه، و الجور غايته، و يطفح الكيل ...

و جاء في كتاب عيسى بن جعفر للرشيد: «لقد طال أمر موسى بن جعفر و مقامه في حبسي، و قد اختبرت حاله و وضعت عليه العيون طوال هذه المدة، فما وجدته يفتر عن العبادة، و وضعت من يسمع منه ما يقوله في دعائه، فما دعا عليك و لا عليّ، و لا ذكرنا بسوء و ما يدعو لنفسه إلّا بالمغفرة و الرحمة ..» (1).

إذا عرفنا هذا منه (صلوات اللّه و سلامه عليه)، نقدر شدة الظروف التي مرّت عليه فاضطرته للدعاء على ظالميه.

و سوف نذكر بعض ما ورد من استجابة دعائه (عليه السّلام):

1- قال عبد اللّه بن صالح: حدثنا صاحب الفضل بن الربيع قال: كنت ذات ليلة في فراشي، مع بعض جواري، فلما كان في نصف الليل سمعت حركة باب المقصورة، فراعني ذلك، فقالت الجارية: لعلّ هذا من الهواء، فلم يمض إلا يسير حتى رأيت باب البيت الذي كنت فيه قد فتح و إذا مسرور الكبير قد دخل عليّ، فقال: أجب الرشيد، و لم يسلّم عليّ، فيئست من نفسي، و قلت: هذا مسرور، و يدخل بلا إذن و لم يسلّم، ما هو إلّا القتل؛ فقالت الجارية لما رأت تحيّري: ثق باللّه عزّ و جلّ و انهض، فنهضت و لبست ثيابي، و خرجت معه حتى أتيت الدار، فسلمت على أمير المؤمنين و هو في مرقده، فرد علي السلام فسقطت.

فقال: تداخلك رعب!

قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

فتركني ساعة حتى سكنت ثم قال: صر إلى حبسنا فاخرج موسى بن جعفر بن‏

____________

(1) أعيان الشيعة ج 3، ص 61.

49

محمد، و ادفع إليه ثلاثين ألف درهم، و اخلع عليه خمس خلع، و احمله على ثلاثة مراكب، و خيره بين المقام معنا أو الرحيل عنا إلى أي بلاد أحب.

فقلت له: يا أمير المؤمنين: تأمر بإطلاق موسى بن جعفر؟!

قال: نعم. فكررت ثلاث مرات.

فقال: نعم، ويلك! أ تريد أن انكث العهد؟!

فقلت: يا أمير المؤمنين: و ما العهد؟!

قال: بينا أنا في مرقدي هذا إذ ساورني أسد، ما رأيت من الأسود أعظم منه، فقعد على صدري و قبض على حلقي، و قال لي: حبست موسى بن جعفر ظالما له.

فقلت: و أنا أطلقه، و أهب له، و أخلع عليه، فأخذ عليّ عهد اللّه عزّ و جلّ و ميثاقه و قام عن صدري و قد كادت نفسي أن تخرج فقال: فخرجت من عنده و وافيت موسى بن جعفر (عليه السّلام) و هو في حبسه، فرأيته قائما يصلّي، فجلست حتى سلّم، ثم أبلغته سلام أمير المؤمنين و أعلمته بالذي أمرني به في أمره، و إني قد احضرت ما وصله به.

فقال: إن كنت أمرت بشي‏ء غير هذا فافعله.

فقلت: لا و حق جدك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما أمرت إلا بهذا.

فقال: لا حاجة لي في الخلع و الحملان و المال إذا كانت فيه حقوق الأمة.

فقلت: ناشدتك اللّه أن لا تردّه فيغتاظ.

فقال: اعمل به ما أحببت.

و أخذت بيده (عليه السّلام) و أخرجته من السجن، ثم قلت له: يا ابن رسول اللّه أخبرني ما السبب الذي نلت به هذه الكرامة من هذا الرجل فقد وجب حقّي عليك لبشارتي إيّاك، و لما أجراه اللّه تعالى من هذا الأمر؟

فقال (عليه السّلام): رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ليلة الأربعاء في النوم فقال لي: يا موسى أنت محبوس مظلوم.

فقلت: نعم يا رسول اللّه محبوس مظلوم.

50

فكرّر علي ثلاثا، ثم قال: «لعله فتنة لكم و متاع إلى حين».

أصبح غدا صائما، و اتبعه بصيام الخميس و الجمعة، فإذا كان وقت الافطار فصل اثنتي عشرة ركعة، تقرأ في كل ركعة: الحمد و اثنتي عشرة: قل هو اللّه أحد.

فإذا صليت منها أربع ركعات فاسجد، ثم قال: «يا سابق الفوت، يا سامع كل صوت و يا محي العظام و هي رميم بعد الموت، أسألك باسمك العظيم الأعظم أن تصلي على محمد عبدك و رسولك، و على أهل بيته الطاهرين و ان تعجل لي الفرج مما أنا فيه». ففعلت فكان الذي رأيت‏ (1).

2- و نقل صاحب كتاب نثر الدرر: ان موسى بن جعفر الكاظم ذكر له، أن الهادي قد هم بك، قال لأهل بيته و من يليه: ما تشيرون به عليّ من الرأي؟

فقالوا: نرى أن تتباعد عنه، و أن تغيب شخصك عنه، فانه لا يؤمن عليك من شره. فتبسم ثم قال:

زعمت سخينة ان ستغلب ربها و ليغلبن مغالب الغلاب‏

ثم رفع يده إلى السماء فقال:

«إلهي كم من عدو شحذ لي ظبة مديته، و أرهف لي شبا حدّه، و داف لي قواتل سمومه، و لم تنم عني عين حراسته، فلما رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح، و عجزي عن ملمّات الحوائج، صرفت ذلك عني بحولك و قوتك لا بحولي و قوتي، و ألقيته في الحفيرة التي احتفرها لي خائبا مما أمله في دنياه، متباعدا عما يرجوه في أخراه فلك الحمد على قدر ما عممتني فيه نعمك، و ما توليتني من جودك و كرمك.

اللهم فخذه بقوتك، و افلل حده عني بقدرتك، و اجعل له شغلا فيما يليه، و عجزا به عما ينويه. اللّهمّ و اعدني عليه عدوة حاضرة تكون من غيظي شفاء، و من حنقي عليه وفاء، و صل اللهم دعائي بالاجابة، و انظم شكايتي بالتغيير، و عرفه عما قليل ما وعدت به من الاجابة لعبيدك المضطرين إنك ذو الفضل العظيم، و المن الجسيم».

ثم إن أهل بيته انصرفوا عنه، فلما كان بعد مدة يسيرة اجتمعوا لقراءة الكتاب الوارد على موسى الكاظم بموت الهادي، و في ذلك يقول بعضهم:

____________

(1) أئمتنا ج 2 ص 59- 61.

51

و سارية لم تسر في الأرض تبغي* * * محلا و لم يقطع بها الأرض قاطع‏

3- و روى الكليني عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير قال: حدثني أبو جعفر الشامي قال: حدثني رجل بالشام يقال له: هلقام قال: أتيت أبا ابراهيم (عليه السّلام) فقلت له: جعلت فداك علمني دعاء جامعا للدنيا و الآخرة و أوجز، فقال: قل في دبر الفجر إلى أن تطلع الشمس: «سبحان اللّه العظيم و بحمده أستغفر اللّه و أسأله من فضله».

قال هلقام: لقد كنت من أسوإ أهل بيتي حالا فما علمت حتى أتاني ميراث من قبل رجل ما ظننت أن بيني و بينه قرابة و إني اليوم من أيسر أهل بيتي و ما ذلك إلا بما علمني مولاي العبد الصالح (عليه السّلام)» (1).

4- و من دعائه (عليه السّلام) عند ما كان محبوسا يقلب خديه على التراب:

«يا مذل كل جبار و معزّ كل ذليل و حقك بلغ مجهودي، فصلّ على محمد و آل محمد و فرّج عني» (2).

5- و قال داود بن زربي:

سمعت أبا الحسن الأول (عليه السّلام) يقول: اللهم إني أسألك العافية، و أسألك جميل العافية، و أسألك شكر العافية، و أسألك شكر شكر العافية.

و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يدعو و يقول: أسألك تمام العافية ثم قال: تمام العافية الفوز بالجنة، و النجاة من النار» (3).

و لا ريب أن الدعاء من قلب العبد الصالح المؤمن، التقي، الورع يستجاب من اللّه العزيز القدير. و جاء ذلك في القرآن الكريم:

وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ (4).

____________

(1) الكافي ج 2 ص 550.

(2) بحار الأنوار 94/ 313.

(3) المصدر نفسه 95/ 362.

(4) سورة غافر، الآية 60.

52

أدعية الأسبوع‏

روى الشيخ الطوسي، (قدس اللّه سره)، باسناده عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السّلام):

دعاء يوم الجمعة

مرحبا بخلق اللّه الجديد و بكما من كاتبين و شاهدين أكتبا:

بسم اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أن الاسلام كما وصف، و الدين كما شرع، و ان الكتاب كما أنزل، و القول كما حدث، و ان اللّه هو الحق المبين، و صلوات اللّه و بركاته و شرائف تحياته و سلامه على محمد و آله؛ أصبحت في أمان اللّه الذي لا يستباح، و في ذمة اللّه التي لا تخفر و في جوار اللّه الذي لا يضام، و كنفه الذي لا يرام، و جار اللّه آمن محفوظ، ما شاء اللّه، كل نعمة فمن اللّه اللّه، ما شاء اللّه، لا يأتي الخير إلّا اللّه ما شاء اللّه، نعم القادر اللّه ما شاء اللّه، توكّلت على اللّه، أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد يحي و يميت و هو حي لا يموت بيده الخير و هو على كل شي‏ء قدير، اللهم اغفر لي كل ذنب يحبس رزقي، و يحجب مسألتي، أو يقصر بي عن بلوغ مسألتي، أو يصد بوجهك الكريم عني.

اللهم اغفر لي، و ارزقني، و ارحمني، و اجبرني، و عافني، و اعف عنّي، و ارفعني، و اهدني، و انصرني، و الق قلبي الصبر و النصر يا مالك الملك، فإنّه لا يملك ذلك غيرك. اللهم و ما كتبت عليّ من خير فوفّقني و اهدني له، و منّ عليّ به، و أعني و ثبّتني عليه، و اجعله أحب إليّ من غيره، و أثر عندي مما سواه، و زدني من‏