البداية و النهاية - ج1

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
343 /
1

-

2

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

كلمة الناشر

المؤلف و الكتاب ابو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي ثم الدمشقيّ حافظ للحديث، مفسر، مؤرخ، فقيه، من أعلام المسلمين في القرن الثامن الهجريّ ولد سنة سبعمائة أو بعدها بيسير، في قرية من أعمال بصرى الشام، و انتقل إلى دمشق سنة 706 ه فنشأ بها و أخذ عن جماعة من شيوخها، و لازم الحافظ المزّي، محدّث الشام في عصره (654- 742 ه) و سمع عليه أكثر تصانيفه، و صاهره على ابنته، و صحب شيخ الإسلام ابن تيمية (661- 738 ه) و أخذ عنه و فتن بحبه و امتحن لسببه، توفي بدمشق، و دفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية، قال البدر العيني: «كان قدوة العلماء و الحفاظ، و عمدة أهل المعاني و الألفاظ، سمع و جمع و صنّف و درّس و حدّث و ألّف، و كان له اطلاع عظيم في الحديث و التفسير و التاريخ و اشتهر بالضبط و التحرير، و انتهى إليه علم التاريخ و الحديث و التفسير، و له مصنفات عديدة مفيدة» و قال تلميذه مؤرخ الإسلام شهاب الدين ابن حجّي: «و هو أحفظ من أدركناه بمتون الأحاديث و أعرفهم بجرحها و رجالها و صحيحها و سقيمها، و كان أقرانه و شيوخه يعترفون له بذلك». و ترجم له ابن حجر العسقلاني و قال: «كان كثير لاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، و انتفع بها الناس بعد وفاته».

3

آثاره: صنّف ابن كثير كتبا جليلة، منها «تفسير القرآن الكريم» عشرة أجزاء، قال صاحب كشف الظنون: «فسّر بالأحاديث و الآثار مسندة من أصحابها مع الكلام على ما يحتاج إليه جرحا و تعديلا»، و «جامع المسانيد» في ثماني مجلدات، و «التكميل في معرفة الثقات و الضعفاء و المجاهيل» خمس مجلدات في رجال الحديث، و «شرح صحيح البخاري» لم يكمله، و «الاجتهاد في طلب الجهاد»، و «مناقب الإمام الشافعيّ»، و «الباعث الحثيث إلى معرفة علوم الحديث»، و «طبقات الشافعية»، و «الفصول في سيرة الرسول»، و «البداية و النهاية» في التاريخ، و هو هذا الكتاب.

البداية و النهاية: هذا الكتاب من أهم المصادر التاريخية التي يعتمدها الباحثون في دراسة التاريخ القديم منذ بدء الخليقة حتى مبعث النبي العربيّ الكريم (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم في تاريخ الإسلام منذ قيام الدعوة الإسلامية حتى منتصف القرن الثامن الهجريّ، و هو في 14 مجلدا، على نسق «الكامل» لابن الأثير. قال في كشف الظنون:

«و هو كتاب مبسوط اعتمد في نقله على النص من الكتاب و السنّة في وقائع الألوف السالفة، و ميّز بين الصحيح و السقيم و الخبر الإسرائيلي و غيره، و رتب ما بعد الهجرة على السنوات الى آخر عصره» و اطلع ابن قاضي شهبة على أجزاء منه و قال: «و هو ممن جمع بين الحوادث و الوفيات، و أجود ما فيه السير النبويّة ..».

و «دار الفكر» التي أسهمت- منذ تأسيسها- بتزويد المكتبة العربية في العالمين العربيّ و الإسلامي بأنفس ما في تراث أمتنا من مؤلفات في مختلف العلوم و الفنون، يسعدها اليوم أن تقدّم هذه الموسوعة التاريخية الإسلامية في طبعة جديدة لتأخذ مكانها اللائق بها في المكتبات العربية، و لتكون فائدتها أعظم و أنفع، وفقنا اللَّه، و أخذ بيدنا لما فيه خير العرب و المسلمين.

دار الفكر

4

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏

[خطبة الكتاب‏]

الحمد للَّه الأول الآخر، الباطن الظاهر، الّذي هو بكل شي‏ء عليم، الأول فليس قبله شي‏ء، الآخر فليس بعده شي‏ء، الظاهر فليس فوقه شي‏ء الباطن، فليس دونه شي‏ء، الأزلي القديم الّذي لم يزل موجودا بصفات الكمال، و لا يزال دائما مستمرا باقيا سرمديا بلا انقضاء و لا انفصال و لا زوال.

يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، و عدد الرمال. و هو العلى الكبير المتعال، العلى العظيم الّذي خلق كل شي‏ء فقدره تقديرا.

و رفع السموات بغير عمد، و زينها بالكواكب الزاهرات، و جعل فيها سراجا و قمرا منيرا.

و سوى فوقهن سريرا، شرجعا [ (1)] عاليا منيفا متسعا مقبيا مستديرا- و هو العرش العظيم- له قوائم عظام، تحمله الملائكة الكرام، و تحفه الكروبيون عليهم الصلاة و السلام، و لهم زجل بالتقديس و التعظيم. و كذا أرجاء السموات مشحونة بالملائكة، و يفد منهم في كل يوم سبعون ألفا الى البيت المعمور بالسماء الرابعة لا يعودون اليه، آخر ما عليهم [ (2)] في تهليل و تحميد و تكبير و صلاة و تسليم.

و وضع الأرض للأنام على تيار الماء. و جعل فيها روسي من فوقها و بارك فيها و قدر فيها أقواتها

____________

[ (1)] الشرجع: هو العالي المنيف كما يأتى شرحه عن المؤلف نفسه.

[ (2)] (قوله آخر ما عليهم) خبر مبتدإ محذوف أي هذا آخر ما عليهم أي أن دخولهم البيت و عدم عودهم اليه بعد خروجهم منه آخر ما عليهم بالنسبة للبيت. (محمود الامام)

5

في أربعة أيام قبل خلق السماء، و أنبت فيها من كل زوجين اثنين، دلالة للالباء من جميع ما يحتاج العباد اليه في شتائهم و صيفهم، و لكل ما يحتاجون اليه و يملكونه من حيوان بهيم* و بدأ خلق الإنسان من طين، و جعل نسله من سلالة من ماء مهين، في قرار مكين. فجعله سميعا بصيرا، بعد ان لم يكن شيئا مذكورا. و شرفه بالعلم و التعليم. خلق بيده الكريمة آدم أبا البشر، و صور جثته و نفخ فيه من روحه و أسجد له ملائكته، و خلق منه زوجه حواء أم البشر فأنّس بها و حدته، و أسكنهما جنته، و أسبغ عليهما نعمته. ثم أهبطهما الى الأرض لما سبق في ذلك من حكمة الحكيم. و بث منهما رجالا كثيرا و نساء، و قسمهم بقدره العظيم ملوكا و رعاة، و فقراء و أغنياء، و أحرارا و عبيدا، و حرائر و إماء. و أسكنهم أرجاء الأرض، طولها و العرض، و جعلهم خلائف فيها يخلف البعض منهم البعض، الى يوم الحساب و العرض على العليم الحكيم. و سخر لهم الأنهار من سائر الأقطار، تشق الأقاليم الى الأمصار، ما بين صغار و كبار، على مقدار الحاجات و الأوطار، و أنبع لهم العيون و الآبار. و أرسل عليهم السحائب بالامطار، فأنبت لهم سائر صنوف الزرع و الثمار. و آتاهم من كل ما سألوه بلسان حالهم و قالهم: «و إن تعدوا نعمة اللَّه لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار»:

فسبحان الكريم العظيم الحليم* و كان من أعظم نعمه عليهم. و إحسانه اليهم، بعد أن خلقهم و رزقهم و يسر لهم السبيل و أنطقهم، أن أرسل رسله اليهم، و أنزل كتبه عليهم: مبينة حلاله و حرامه، و أخباره و أحكامه، و تفصيل كل شي‏ء في المبدإ و المعاد الى يوم القيامة* فالسعيد من قابل الاخبار بالتصديق و التسليم، و الأوامر بالانقياد و النواهي بالتعظيم. ففاز بالنعيم المقيم، و زحزح عن مقام المكذبين في الجحيم ذات الزقوم و الحميم، و العذاب الأليم* أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه يملأ أرجاء السموات و الأرضين، دائما أبد الآبدين، و دهر الداهرين، الى يوم الدين، في كل ساعة و آن و وقت و حين، كما ينبغي لجلاله العظيم، و سلطانه القديم و وجهه الكريم* و أشهد أن لا إله الا اللَّه وحده لا شريك له، و لا ولد له و لا والد له، و لا صاحبة له، و لا نظير و لا وزير له و لا مشير له، و لا عديد و لا نديد و لا قسيم* و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و حبيبه و خليله، المصطفى من خلاصة العرب العرباء من الصميم، خاتم الأنبياء، و صاحب الحوض الأكبر الرواء، صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، و حامل اللواء الّذي يبعثه اللَّه المقام المحمود الّذي يرغب اليه فيه الخلق كلهم حتى الخليل إبراهيم صلى اللَّه عليه و على سائر إخوانه من النبيين و المرسلين، و سلم و شرف و كرم أزكى صلاة و تسليم، و أعلى تشريف و تكريم. و رضى اللَّه عن جميع أصحابه الغرّ الكرام، السادة النجباء الأعلام، خلاصة العالم بعد الأنبياء. ما اختلط الظلام بالضياء، و أعلن الداعي بالنداء و ما نسخ النهار ظلام الليل البهيم*

6

سبب تأليف الكتاب و الطريقة التي اتبعها المؤلف فيه‏

(أما بعد) فهذا كتاب أذكر فيه بعون اللَّه و حسن توفيقه ما يسره اللَّه تعالى بحوله و قوته من ذكر مبدإ المخلوقات: من خلق العرش و الكرسي و السموات، و الأرضين و ما فيهن و ما بينهن من الملائكة و الجان و الشياطين، و كيفية خلق آدم (عليه السلام)، و قصص النبيين، و ما جرى مجرى ذلك الى أيام بنى إسرائيل و أيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة الى أيام نبينا محمد (صلوات اللَّه و سلامه عليه).

فنذكر سيرته كما ينبغي فتشفى الصدور و الغليل، و تزيح الداء عن العليل* ثم نذكر ما بعد ذلك الى زماننا، و نذكر الفتن و الملاحم و أشراط الساعة. ثم البعث و النشور و أهوال القيامة، ثم صفة ذلك و ما في ذلك اليوم، و ما يقع فيه من الأمور الهائلة. ثم صفة النار، ثم صفة الجنان و ما فيها من الخيرات الحسان، و غير ذلك و ما يتعلق به، و ما ورد في ذلك من الكتاب و السنة و الآثار و الأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء و ورثة الأنبياء، الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة و السلام.

و لسنا نذكر من الإسرائيليات الا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب اللَّه، و سنة رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و هو القسم الّذي لا يصدق و لا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج اليه و الاعتماد عليه.

و انما الاعتماد و الاستناد على كتاب اللَّه و سنة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ما صح نقله أو حسن و ما كان فيه ضعف نبينه. و باللَّه المستعان و عليه التكلان. و لا حول و لا قوة الا باللَّه العزيز الحكيم العلى العظيم* فقد قال اللَّه تعالى في كتابه‏ كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَ قَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً و قد قص اللَّه على نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبر ما مضى من خلق المخلوقات، و ذكر الأمم الماضين، و كيف فعل بأوليائه، و ما ذا أحل بأعدائه. و بين ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأمته بيانا شافيا، سنورد عند كل فصل ما وصل إلينا عنه، (صلوات اللَّه و سلامه عليه). من ذلك تلو الآيات الواردات [ (1)] في ذلك فأخبرنا بما نحتاج اليه من ذلك، و ترك ما لا فائدة فيه مما قد يتزاحم على علمه و يتراجم في فهمه طوائف من علماء أهل الكتاب مما لا فائدة فيه لكثير من الناس اليه [ (2)] و قد يستوعب نقله طائفة من علمائنا و لسنا نحذو حذوهم و لا ننحو نحوهم و لا نذكر منها الا القليل على سبيل الاختصار. و نبين ما فيه حق مما وافق ما عندنا، و ما خالفه فوقع فيه الإنكار* فاما الحديث الّذي‏

رواه البخاري (رحمه اللَّه) في صحيحه عن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«بلغوا عنى و لو آية، و حدثوا عن بنى إسرائيل و لا حرج، و حدثوا عنى و لا تكذبوا عليّ و من كذب عليّ متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار»

فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها

____________

[ (1)] أي بذكر الأحاديث عقب الآيات‏

[ (2)] قوله مما لا فائدة فيه لكثير من الناس اليه. كذا بالأصول و هو مكرر

7

عندنا. فليس عندنا ما يصدقها و لا ما يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار. و هذا هو الّذي نستعمله في كتابنا هذا* فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا اليه استغناء بما عندنا. و ما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، الا على سبيل الإنكار و الابطال* فإذا كان اللَّه، سبحانه و له الحمد، قد أغنانا برسولنا محمد، (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن سائر الشرائع، و بكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط و خلط، و كذب و وضع، و تحريف و تبديل، و بعد ذلك كله نسخ و تغيير* فالمحتاج اليه قد بينه لنا رسولنا، و شرحه و أوضحه. عرفه من عرفه، و جهله من جهله. كما

قال على بن أبي طالب‏

«كتاب اللَّه فيه خبر ما قبلكم و نبأ ما بعدكم، و حكم ما بينكم و هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه اللَّه، و من ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه»

و قال أبو ذر، رضى اللَّه عنه: «لقد توفى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما طائر يطير بجناحيه الا أذكرنا منه علما» و قال البخاري في كتاب بدء الخلق، و روى عن عيسى بن موسى غنجار عن رقية عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال «سمعت عمر بن الخطاب يقول قام فينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم. و أهل النار منازلهم» حفظ ذلك من حفظه و نسيه من نسيه» قال أبو مسعود الدمشقيّ في اطرافه هكذا قال البخاري، و انما رواه عيسى غنجار عن أبى حمزة عن رقية، و قال الامام أحمد بن حنبل (رحمه اللَّه) في مسندة: حدثنا أبو عاصم [ (1)] حدثنا عزرة بن ثابت، حدثنا علباء بن أحمر اليشكري:

حدثنا أبو زيد الأنصاري، قال قال: صلى بنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «صلاة الصبح، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى الظهر. ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان، و ما هو كائن فأعلمنا أحفظنا» انفرد بإخراجه مسلم فرواه في كتاب الفتن من صحيحه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي و حجاج بن الشاعر، جميعا عن أبى عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن عزرة عن علباء عن أبى زيد عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصاري رضى اللَّه عنه عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنحوه‏

____________

[ (1)] قوله أبو عاصم كذا في نسخة و في أخرى أبو عامر. و كلاهما راويان له فلذلك لم نرجح إحداهما على الأخرى محمود الامام‏

8

فصل‏

قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز «اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ» فكل ما سواه تعالى فهو مخلوق له، مربوب مدبّر، مكوّن بعد أن لم يكن محدث بعد عدمه. فالعرش الّذي هو سقف المخلوقات الى ما تحت الثرى، و ما بين ذلك من جامد و ناطق الجميع خلقه، و ملكه و عبيده و تحت قهره و قدرته، و تحت تصريفه و مشيئته‏ «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏. ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ. يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ، وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها، وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» و قد أجمع العلماء قاطبة لا يشك في ذلك مسلم أن اللَّه خلق السموات و الأرض، و ما بينهما في ستة أيام كما دل عليه القرآن الكريم. فاختلفوا في هذه الأيام أ هي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة مما تعدون؟ على قولين كما بينا ذلك في التفسير، و سنتعرض لإيراده في موضعه. و اختلفوا هل كان قبل خلق السموات و الأرض شي‏ء مخلوق قبلهما. فذهب طوائف من المتكلمين الى انه لم يكن قبلهما شي‏ء و أنهما خلقتا من العدم المحض. و قال آخرون بل كان قبل السموات و الأرض مخلوقات أخر لقوله‏ «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» الآية. و

في حديث عمران ابن حصين‏

كما سيأتي «كان اللَّه و لم يكن قبله شي‏ء و كان عرشه على الماء و كتب في الذكر كل شي‏ء ثم خلق السموات و الأرض»

و قال الامام أحمد بن حنبل حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو يعلى ابن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبى رزين لقيط بن عامر العقيلي أنه قال‏

«يا رسول اللَّه أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات و الأرض؟ قال كان في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء» و

رواه عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة به. و لفظه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ و باقيه سواء و أخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع و ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة و محمد بن الصباح ثلاثتهم عن يزيد بن هارون، و قال الترمذي حسن‏

.

و اختلف هؤلاء في أيها خلق أولا؟ فقال قائلون خلق القلم قبل هذه الأشياء كلها، و هذا هو اختيار ابن جرير، و ابن الجوزي، و غيرهما قال ابن جرير، و بعد القلم السحاب الرقيق. و احتجوا بالحديث الّذي‏

رواه الامام أحمد، و أبو داود و الترمذي عن عبادة بن الصامت رضى اللَّه عنه: قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«إن أول ما خلق اللَّه القلم. ثم قال له اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن الى يوم القيامة»

لفظ أحمد. و قال الترمذي حسن صحيح غريب. و الّذي عليه الجمهور فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهمدانيّ و غيره (أن العرش مخلوق قبل ذلك) و هذا هو الّذي رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس كما دل على ذلك‏

الحديث الّذي رواه‏

9

مسلم في صحيحه. حيث قال: حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب أخبرنى أبو هانئ الخولانيّ عن أبى عبد الرحمن الجيلي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول‏

«كتب اللَّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات و الأرض بخمسين ألف سنة، قال و عرشه على الماء.»

قالوا فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير. و قد دل هذا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش على القلم الّذي كتب به المقادير كما ذهب الى ذلك الجماهير. و يحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم. و يؤيد هذا ما

رواه البخاري عن عمران بن حصين: قال‏

قال أهل اليمن لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «جئناك لنتفقه في الدين و لنسألك عن أول هذا الأمر فقال كان اللَّه و لم يكن شي‏ء قبله و في رواية معه، و في رواية غيره «و كان عرشه على الماء. و كتب في الذكر كل شي‏ء و خلق السموات و الأرض» و في لفظ: ثم خلق السموات و الأرض.

فسألوه عن ابتداء خلق السموات و الأرض. و لهذا قالوا جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فأجابهم عما سألوا فقط. و لهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر به في حديث أبى رزين المتقدم. قال ابن جرير و قال آخرون «بل خلق اللَّه عز و جل الماء قبل العرش» رواه السدي عن أبي مالك و عن أبي صالح عن ابن عباس و عن مرة عن ابن مسعود و عن ناس من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قالوا «إن اللَّه كان عرشه على الماء، و لم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء» و حكى ابن جرير عن محمد بن إسحاق أنه قال «أول ما خلق اللَّه عز و جل النور و الظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما، و جعل النور نهارا مضيئا مبصرا» قال ابن جرير و قد قيل «ان الّذي خلق ربنا بعد القلم الكرسي. ثم خلق بعد الكرسي العرش. ثم خلق بعد ذلك الهواء و الظلمة. ثم خلق الماء فوضع عرشه على الماء» و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.

فصل فيما ورد في صفة خلق العرش و الكرسي.

قال اللَّه تعالى‏ «رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ» و قال تعالى‏ «فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» و قال اللَّه‏ «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» و قال‏ «وَ هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ» و قال تعالى‏ «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏» و قال‏ «ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ» في غير ما آية من القرآن، و قال تعالى‏ «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً»

10

و قال تعالى‏ «وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» و قال تعالى‏ «وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» و في الدعاء المروي في الصحيح في دعاء الكرب «لا إله إلا اللَّه العظيم الحليم. لا إله إلا اللَّه رب العرش الكريم. لا إله إلا اللَّه رب السموات و رب الأرض رب العرش الكريم». و

قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن خالد حدثني سماك بن حرب عن عبد اللَّه بن عميرة عن الأحنف ابن قيس عن عباس بن عبد المطلب قال‏

كنا جلوسا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أ تدرون ما هذا قال قلنا السحاب قال و المزن قال قلنا و المزن قال و العنان قال فسكتنا فقال هل تدرون كم بين السماء و الأرض قال قلنا اللَّه و رسوله أعلم. قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة و من كل سماء الى سماء مسيرة خمسمائة سنة، و كشف كل سماء [ (1)] مسيرة خمسمائة سنة و فوق السماء السابعة بحر بين أسفله و أعلاه كما بين السماء و الأرض. ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن و أظلافهن كما بين السماء و الأرض ثم على ظهورهم العرش بين أسفله و أعلاه كما بين السماء و الأرض و اللَّه فوق ذلك و ليس يخفى عليه من أعمال بنى آدم شي‏ء».

هذا لفظ الامام أحمد. و رواه أبو داود و ابن ماجة و الترمذي من حديث سماك باسناده نحوه. و قال الترمذي هذا حديث حسن، و روى شريك بعض هذا الحديث عن سماك و وقفه و

لفظ أبى داود

«و هل تدرون بعد ما بين السماء و الأرض؟ قالوا لا ندري» قال «بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتين أو ثلاثة و سبعون سنة»

و الباقي نحوه. و قال أبو داود حدثنا عبد الأعلى بن حماد و محمد بن المثنى و محمد بن بشار، و أحمد بن سعيد الرباطي قالوا حدثنا وهب بن جرير. قال أحمد كتبناه من نسخته و هذا لفظه.

قال حدثنا أبى قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عقبة عن جبير بن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن جده قال‏

أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أعرابي فقال يا رسول اللَّه جهدت الأنفس و جاعت العيال [ (2)] و نهكت الأموال و هلكت الأنعام.

فاستسق اللَّه لنا فانا نستشفع بك على اللَّه و نستشفع باللَّه عليك» قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ويحك أ تدري ما تقول» و سبح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال «ويحك إنه لا يستشفع باللَّه على أحد من خلقه شأن اللَّه أعظم من ذلك و يحك أ تدري ما اللَّه إن عرشه على سماواته لهكذا» و قال بأصابعه مثل القبة عليه و إنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب.

قال ابن بشار في‏

____________

[ (1)] (قوله و كشف كل سماء) بالشين المعجمة. و الّذي في مسند الامام أحمد المطبوع بمصر كيف بالياء التحية. و في العيني على البخاري منسوبا الى كتاب العرش لابن أبى شيبة. و كثف كل سماء بالثاء المثلثة. و هذا هو الصواب.

[ (2)] قوله و جاعت العيال هكذا في النسخ التي بأيدينا و في نسخة أبى داود التي بأيدينا و ضاعت العيال (محمود الامام).

11

حديثه «ان اللَّه فوق عرشه و عرشه فوق سماواته» و ساق الحديث. و قال عبد الأعلى و ابن المثنى و ابن بشار عن يعقوب بن عقبة و جبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، قال أبو داود و الحديث باسناد أحمد بن سعيد و هو الصحيح. وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين و على بن المديني و رواه جماعة منهم عن ابن إسحاق كما قال احمد أيضا، و كان سماع عبد الأعلى و ابن المثنى و ابن بشار في نسخة واحدة فيما بلغني. تفرد بإخراجها أبو داود، و قد صنف الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقيّ جزءا في الرد على هذا الحديث. سماه (ببيان الوهم و التخليط الواقع في حديث الأطيط) و استفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن بشار راويه. و ذكر كلام الناس فيه، و لكن قد روى هذا اللفظ من طريق أخرى عن غير محمد بن إسحاق،

فرواه عبد بن حميد و ابن جرير في تفسيريهما، و ابن أبى عاصم و الطبراني في كتابي السنة لهما، و البزار في مسندة و الحافظ الضياء المقدسي في مختارته من طريق أبى إسحاق السبيعي عن عبد اللَّه بن خليفة عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قال‏

«أتت امرأة الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالت ادع اللَّه أن يدخلني الجنة قال فعظم الرب تبارك و تعالى و قال «ان كرسيه وسع السموات و الأرض و إن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد من ثقله.

عبد اللَّه بن خليفة هذا ليس بذاك المشهور. و في سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه موقوفا و مرسلا، و منهم من يزيد فيه زيادة غريبة و اللَّه أعلم* و ثبت‏

في صحيح البخاري عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال‏

«إذا سألتم اللَّه الجنة فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة و أوسط الجنة و فوقه عرش الرحمن».

يروى و فوقه بالفتح على الظرفية، و بالضم. قال شيخنا الحافظ المزي و هو أحسن، أي و أعلاها عرش الرحمن. و قد جاء في بعض الآثار (أن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش و هو تسبيحه و تعظيمه) و ما ذاك الا لقربهم منه. و

في الصحيح أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ.

و ذكر الحافظ بن الحافظ محمد ابن عثمان بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش عن بعض السلف «أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة» و ذكرنا عند قوله تعالى‏ «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» أنه بعد ما بين العرش الى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة و اتساعه خمسون ألف سنة. و قد ذهب طائفة من أهل الكلام الى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة و لذا سموه الفلك التاسع و الفلك الأطلس و الأثير. و هذا ليس بجيد لانه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، و الفلك لا يكون له قوائم و لا يحمل، و أيضا فإنه فوق الجنة و الجنة فوق السموات و فيها مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء و الأرض فالبعد الّذي بينه و بين الكرسي ليس هو نسبة فلك الى فلك. و أيضا فان العرش في اللغة عبارة عن السرير

12

الّذي للملك كما قال تعالى‏ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ‏. و ليس هو فلكا و لا تفهم منه العرب ذلك. و القرآن انما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، و هو كالقبة على العالم و هو سقف المخلوقات.

قال اللَّه تعالى‏ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا و قد تقدم في حديث الأوعال أنهم ثمانية، و فوق ظهورهن العرش، و قال تعالى‏ وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ و قال شهر بن حوشب «حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون سبحانك اللَّهمّ و بحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك» و أربعة يقولون «سبحانك اللَّهمّ و بحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك» فأما الحديث الّذي‏

رواه الامام احمد حدثنا عبد اللَّه بن محمد هو أبو بكر ابن أبى شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عقبة عن عكرمة عن ابن عباس‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صدق أمية يعنى ابن أبى الصلت في بيتين من شعره فقال‏

رجل و ثور تحت رجل يمينه‏* * * و النسر للأخرى و ليث مرصد

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صدق. فقال‏

و الشمس تطلع كل آخر ليلة* * * حمراء مطلع لونها متورد

تأبى فلا تبدو لنا في رسلها* * * الا معذبة و الا تجلد

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «صدق»

فإنه حديث صحيح الاسناد رجاله ثقات. و هو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فيعارضه حديث الأوعال. اللَّهمّ الا أن يقال إن إثبات هؤلاء الأربعة على هذه الصفات لا ينفى ما عداهم. و اللَّه أعلم. و من شعر أمية بن أبى الصلت في العرش قوله‏

مجدوا اللَّه فهو للمجد أهل‏* * * ربنا في السماء أمسى كبيرا

بالبناء العالي الّذي بهر الناس‏* * * و سوى فوق السماء سريرا

شرجعا لا يناله بصر العين‏* * * ترى حوله الملائك صورا

صور جمع أصور و هو المائل العنق لنظره الى العلو [ (1)] و الشرجع هو العالي المنيف. و السرير هو العرش في اللغة. و من شعر عبد اللَّه بن رواحة رضى اللَّه عنه الّذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته‏

شهدت بان وعد اللَّه حق‏* * * و أن النار مثوى الكافرينا

و أن العرش فوق الماء طاف‏* * * و فوق العرش رب العالمينا

و تحمله ملائكة كرام‏* * * ملائكة الإله مسومينا

ذكره ابن عبد البر و غير واحد من الأئمة و

قال أبو داود حدثنا أحمد بن حفص بن عبد اللَّه حدثني أبى حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه‏

____________

[ (1)] قوله لنظره الى العلو كذا بالأصول. و الّذي في كتب اللغة لثقل حمله (محمود الامام).

13

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«اذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة اللَّه عز و جل من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه الى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. و

رواه ابن أبى عاصم [ (1)] و لفظه محقق الطير

[ (2)] مسيرة سبعمائة عام‏

و أما الكرسي‏

فروى ابن جرير من طريق جويبر و هو ضعيف عن الحسن البصري انه كان يقول الكرسي هو العرش و هذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه و عن غيره من الصحابة و التابعين أنه غيره و عن ابن عباس و سعيد بن جبير أنهما قالا في قوله تعالى‏ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ أي علمه و المحفوظ عن ابن عباس كما رواه الحاكم في مستدركه. و قال إنه على شرط الشيخين و لم يخرجاه من طريق سفيان الثوري عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال الكرسي موضع القدمين و العرش لا يقدر قدره الا اللَّه عز و جل. و قد رواه شجاع بن مخلد الفلاس في تفسيره عن أبى عاصم النبيل عن الثوري فجعله مرفوعا و الصواب أنه موقوف على ابن عباس و حكاه ابن جرير عن أبى موسى الأشعري و الضحاك بن مزاحم و إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير و مسلم البطين و قال السدي عن أبى مالك «الكرسي تحت العرش. و قال السدي السموات و الأرض في جوف الكرسي و الكرسي بين يدي العرش» و روى ابن جرير و ابن أبى حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه قال «لو أن السموات السبع و الأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن الى بعض ما كن في سعة الكرسي الا بمنزلة الحلقة في المفازة» و

قال ابن جرير حدثني يونس حدثنا ابن وهب قال قال ابن زيد حدثني أبى قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«ما السموات السبع في الكرسي الا كدراهم سبعة ألقيت في ترس»

قال و قال أبو ذر سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول‏

«ما الكرسي في العرش الا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض»

أول الحديث مرسل. و عن أبى ذر منقطع. و قد روى عنه من طريق أخرى موصولا

فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني أنبأنا عبد اللَّه ابن وهيب المغربي أنبأنا محمد بن أبى سرى العسقلاني أنبأنا محمد بن عبد اللَّه التميمي عن القاسم بن محمد الثقفي عن أبى إدريس الخولانيّ عن أبى ذر الغفاريّ‏

أنه سأل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن الكرسي فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «و الّذي نفسي بيده ما السموات السبع و الأرضون السبع عند الكرسي الا كحلقة ملقاة بأرض فلاة و إن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة

* و قال ابن جرير في تاريخه حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال‏

____________

[ (1)] و في نسخة ابن أبى حاتم.

[ (2)] (قوله محقق الطير) كذا بالأصول و لا ندري له معنى. و لعل الرواية مخفق الطير أو محلق الطير (محمود الامام)

14

سئل ابن عباس عن قوله عز و جل‏ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ على أي شي‏ء كان الماء قال على متن الريح قال و السموات و الأرضون و كل ما فيهن من شي‏ء تحيط بها البحار و يحيط بذلك كله الهيكل و يحيط بالهيكل فيما قيل الكرسي. و روى [ (1)] عن وهب ابن منبه نحوه. و فسر وهب الهيكل فقال شي‏ء من أطراف السموات يحدق بالأرضين و البحار كأطناب الفسطاط* و قد زعم بعض من ينتسب الى علم الهيئة أن الكرسي عبارة عن الفلك الثامن الّذي يسمونه فلك الكواكب الثوابت. و فيما زعموه نظر لأنه قد ثبت أنه أعظم من السموات السبع بشي‏ء كثير ورد الحديث المتقدم [ (2)] بان نسبتها اليه كنسبة حلقة ملقاة بأرض فلاة و هذا ليس نسبة فلك الى فلك. فان قال قائلهم فنحن نعترف بذلك و نسميه مع ذلك فلكا فنقول الكرسي ليس في اللغة عبارة عن الفلك و انما هو كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة اليه. و مثل هذا لا يكون فلكا. و زعم أن الكواكب الثوابت مرضعة فيه لا دليل لهم عليه.

هذا مع اختلافهم في ذلك أيضا كما هو مقرر في كتبهم و اللَّه أعلم‏

ذكر اللوح المحفوظ

قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا زياد بن عبد اللَّه عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن نبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«ان اللَّه خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور و كتابه نور للَّه فيه في كل يوم ستون و ثلاثمائة لحظة يخلق و يرزق و يميت و يحيى و يعز و يذل و يفعل ما يشاء»

و قال إسحاق بن بشر أخبرنى مقاتل و ابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال «إن في صدر اللوح لا إله الا اللَّه وحده دينه الإسلام و محمد عبده و رسوله. فمن آمن باللَّه و صدق بوعده [ (3)] و اتبع رسله أدخله الجنة» قال «و اللوح المحفوظ لوح من درة بيضاء. طوله ما بين السماء و الأرض، و عرضه ما بين المشرق و المغرب، و حافتاه الدر و الياقوت، و دفتاه ياقوتة حمراء، و قلمه نور، و كلامه معقود بالعرش، و أصله في حجر ملك» و قال أنس بن مالك، و غيره من السلف «اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل» و قال مقاتل هو عن يمين العرش*

____________

[ (1)] قوله و روى اى ابن جرير

[ (2)] (قوله ورد الحديث المتقدم) هكذا بالأصول و هو تعليل لما قبله فالصواب فقد ورد إلخ (محمود الامام)

[ (3)] قوله بوعده في نسخة موعده.

15

باب ما ورد في خلق السموات و الأرض و ما بينهما

قال اللَّه تعالى‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ‏ و قال تعالى‏ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏ في غير ما آية من القرآن و قد اختلف المفسرون في مقدار هذه الستة الأيام على قولين. فالجمهور على أنها كايامنا هذه. و عن ابن عباس، و مجاهد و الضحاك، و كعب الأحبار: ان كل يوم منها كالف سنة مما تعدون. رواهن ابن جرير، و ابن أبى حاتم. و اختار هذا القول الامام أحمد ابن حنبل في كتابه الّذي رد فيه على الجهمية، و ابن جرير و طائفة من المتأخرين و اللَّه أعلم. و سيأتي ما يدل على هذا القول. و روى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم، و غيره أن أسماء الأيام الستة «أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت» و حكى ابن جرير في أول الأيام ثلاثة أقوال، فروى عن محمد بن إسحاق أنه قال «يقول أهل التوراة ابتدأ اللَّه الخلق يوم الأحد، و يقول أهل الإنجيل: ابتدأ اللَّه الخلق يوم الاثنين، و نقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ابتدأ اللَّه الخلق يوم السبت» و هذا القول الّذي حكاه ابن إسحاق عن المسلمين مال اليه طائفة من الفقهاء من الشافعية، و غيرهم. و سيأتي فيه حديث أبى هريرة (خلق اللَّه التربة يوم السبت) و القول بانه الأحد رواه ابن جرير عن السدي عن أبى مالك، و أبى صالح عن ابن عباس، و عن مرة عن ابن مسعود، و عن جماعة من الصحابة و رواه أيضا عن عبد اللَّه ابن سلام، و اختاره ابن جرير. و هو نص التوراة، و مال اليه طائفة آخرون من الفقهاء. و هو أشبه بلفظ الأحد و لهذا كمل الخلق في ستة أيام فكان آخرهن الجمعة فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع و هو اليوم الّذي أضل اللَّه عنه أهل الكتاب قبلنا كما سيأتي بيانه ان شاء اللَّه. و قال تعالى‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ و قال تعالى‏ قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ، وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏ فهذا يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء لأنها كالأساس للبناء كما قال تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ قال تعالى‏ أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً الى ان قال‏ وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً و قال‏ أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا

16

مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ‏ أي فصلنا ما بين السماء و الأرض حتى هبت الرياح و نزلت الأمطار و جرت العيون، و الأنهار و انتعش الحيوان. ثم قال‏ وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ‏ أي عما خلق فيها من الكواكب الثوابت، و السيارات و النجوم الزاهرات و الاجرام النيرات، و ما في ذلك من الدلالات على حكمة خالق الأرض و السموات كما قال تعالى‏ وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‏ فأما قوله تعالى‏ أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها، وَ الْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ‏ فقد تمسك بعض الناس بهذه الآية على تقدم خلق السماء على خلق الأرض. فخالفوا صريح الآيتين المتقدمتين و لم يفهموا هذه الآية الكريمة فان مقتضى هذه الآية أن دحى الأرض و إخراج الماء و المرعى منها بالفعل بعد خلق السماء. و قد كان ذلك مقدرا فيها بالقوة كما قال تعالى‏ وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أي هيأ أماكن الزرع و مواضع العيون و الأنهار ثم لما أكمل خلق صورة العالم السفلى و العلويّ دحى الأرض فأخرج منها ما كان مودعا فيها فخرجت العيون و جرت الأنهار، و نبت الزرع و الثمار و لهذا فسر الدحى بإخراج الماء و المرعى منها و إرساء الجبال فقال‏ وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعاها و قوله‏ وَ الْجِبالَ أَرْساها أي قررها في أماكنها التي وضعها فيها و ثبتها و أكدها و أطدها و قوله‏ وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ، وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ، وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏ بأيد أي بقوة. و أنا لموسعون، و ذلك أن كل ما علا اتسع فكل سماء أعلى من التي تحتها فهي أوسع منها. و لهذا كان الكرسي أعلى من السموات. و هو أوسع منهن كلهن، و العرش أعظم من ذلك كله بكثير. و قوله بعد هذا وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها أي بسطناها و جعلناها مهدا أي قارة ساكنة غير مضطربة و لا مائدة بكم. و لهذا قال‏ فَنِعْمَ الْماهِدُونَ‏ و الواو لا تقتضي الترتيب في الوقوع. و إنما يقتضي الاخبار المطلق في اللغة و اللَّه أعلم* و

قال البخاري حدثنا عمر بن جعفر بن غياث حدثنا أبى حدثنا الأعمش حدثنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز أنه حدثه عن عمران بن حصين قال‏

«دخلت على النبي صلّى اللَّه و عليه و سلّم و عقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بنى تميم فقال أقبلوا البشرى يا بنى تميم» قالوا قد بشرتنا فأعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال «أقبلوا البشرى يا أهل اليمن ان لم يقبلها بنو تميم» قالوا قد قبلنا يا رسول اللَّه قالوا جئناك نسألك عن هذا الأمر. قال «كان اللَّه و لم يكن شي‏ء غيره و كان عرشه على الماء و كتب في الذكر كل شي‏ء و خلق السموات و الأرض» فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي تقطع دونها السراب فو اللَّه لوددت انى كنت تركتها»

هكذا رواه هاهنا و قد رواه في كتاب المغازي‏

17

و كتاب التوحيد و في بعض ألفاظه «ثم خلق السموات و الأرض» و هو لفظ النسائي أيضا.

و قال الامام أحمد بن حنبل حدثنا حجاج حدثني ابن جريج أخبرنى إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد اللَّه بن رافع مولى أم سلمة عن ابى هريرة قال‏

«أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيدي فقال خلق اللَّه التربة يوم السبت و خلق الجبال يوم الأحد و خلق الشجر يوم الاثنين و خلق المكروه يوم الثلاث و خلق النور يوم الأربعاء و بث الدواب يوم الخميس و خلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر خلق خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر الى الليل» و

هكذا رواه مسلم عن سريج بن يونس و هارون بن عبد اللَّه و النسائي عن هارون و يوسف بن سعيد ثلاثتهم عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور عن ابن جريج به مثله سواء

.

و قد رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن محمد ابن الصباح عن أبى عبيدة الحداد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح عن أبى هريرة

«ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخذ بيدي فقال يا أبا هريرة «ان اللَّه خلق السموات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، و خلق التربة يوم السبت» و ذكر تمامه بنحوه‏

فقد اختلف فيه على ابن جريج و قد تكلم في هذا الحديث على ابن المديني و البخاري و البيهقي و غيرهم من الحفاظ قال البخاري في التأريخ، و قال بعضهم عن كعب و هو أصح يعنى أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة و تلقاه من كعب الأحبار فإنهما كانا يصطحبان و يتجالسان للحديث، فهذا يحدثه عن صحفه، و هذا يحدثه بما يصدقه عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعا الى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و أكد رفعه بقوله «أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيدي» ثم في متنه غرابة شديدة. فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات، و فيه ذكر خلق الأرض و ما فيها في سبعة أيام. و هذا خلاف القرآن لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السموات في يومين من دخان. و هو بخار الماء الّذي ارتفع حين اضطرب الماء العظيم الّذي خلق من ربذة الأرض بالقدرة العظيمة البالغة كما قال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في خبر ذكره عن أبى مالك، و عن أبى صالح عن ابن عباس و عن مرة الهمدانيّ عن ابن مسعود، و عن ناس من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ‏ قال ان اللَّه‏ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ و لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء* ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين (الأحد و الاثنين) و خلق الأرض على حوت و هو النون الّذي قال اللَّه تعالى‏ ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ‏ و الحوت في الماء و الماء على صفات و الصفات على ظهر ملك و الملك على صخرة و الصخرة في الريح. و هي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء و لا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب‏

18

فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت. و خلق اللَّه يوم الثلاثاء الجبال و ما فيهن من المنافع، و خلق يوم الأربعاء الشجر و الماء و المدائن و العمران الخراب و فتق السماء و كانت رتقا فجعلها سبع سماوات في يومين الخميس و الجمعة. و انما سمى يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات و الأرض و أوحى في كل سماء أمرها. ثم قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة و البحار و جبال البرد و ما لا يعلمه غيره. ثم زين السماء بالكواكب فجعلها زينة و حفظا يحفظ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش. هذا الاسناد يذكر به السدي أشياء كثيرة فيها غرابة و كان كثير منها متلقى من الإسرائيليات. فان كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه بأشياء من علوم أهل الكتاب فيستمع له عمر تأليفا له، و تعجبا مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الّذي ورد به الشرع المطهر فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا، و لما جاء من الاذن في التحديث عن بنى إسرائيل لكن كثيرا ما يقع مما يرويه غلط كبير و خطأ كثير* و قد روى البخاري في صحيحه [ (1)] عن معاوية أنه كان يقول في كعب الأحبار (و إن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب) أي فيما ينقله لا أنه يتعمد ذلك و اللَّه أعلم* و نحن نورد ما نورده من الّذي يسوقه كثير من كبار الأئمة المتقدمين عنهم. ثم نتبع ذلك من الأحاديث بما يشهد له بالصحة أو يكذبه و يبقى الباقي مما لا يصدق و لا يكذب و به المستعان و عليه التكلان‏

قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبى زناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«لما قضى اللَّه الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش ان رحمتي غلبت غضبى» و كذا

رواه مسلم و النسائي عن قتيبة به.

ثم قال البخاري‏

باب ما جاء في سبع أرضين‏

و قوله تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ، وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً ثم‏

قال حدثنا على بن عبد اللَّه أخبرنا ابن علية عن على بن المبارك حدثنا يحيى بن أبى كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبى سلمة بن عبد الرحمن‏

و كانت بينه و بين ناس خصومة في أرض فدخل على عائشة فذكر لها ذلك. فقالت يا أبا سلمة

____________

[ (1)] من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن انه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة.

و ذكر كعب الأحبار فقال ان كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب و ان كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب انتهى (محمود الامام)

19

اجتنب الأرض فان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين» و

رواه أيضا في كتاب المظالم و مسلم من طرق عن يحيى بن كثير به* و رواه احمد من حديث محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة به، و رواه أيضا عن يونس عن ابان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن عائشة بمثله.

ثم قال البخاري حدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد اللَّه عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة الى سبع أرضين» و

رواه في المظالم أيضا عن مسلم بن إبراهيم عن عبد اللَّه هو ابن المبارك عن موسى بن عقبة به‏

و هو من افراده، و

ذكر البخاري هاهنا حديث محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه، قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات و الأرض السنة اثنى عشر شهرا» الحديث‏

و مراده و اللَّه أعلم تقرير قوله تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ أي في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثنى عشر مطابقة لعدة الشهور عند اللَّه في كتابه الأول فهذه مطابقة في الزمان كما أن تلك مطابقة في المكان. ثم‏

قال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل‏

أنه خاصمته أروى [ (1)] في حق زعمت أنه انتقصه لها الى مروان فقال سعيد رضى اللَّه عنه انا انتقص من حقها شيئا؟ أشهد لسمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول «من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين»

و رواه [ (2)] و

قال الامام أحمد حدثنا حسن و أبو سعيد مولى بنى هاشم حدثنا عبد اللَّه ابن لهيعة حدثنا عبد اللَّه ابن أبى جعفر عن أبى عبد الرحمن عن ابن مسعود قال‏

«قلت يا رسول اللَّه أي الظلم أعظم قال ذراع من الأرض ينتقصه المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الأرض يأخذها أحد الا طوقها يوم القيامة الى قعر الأرض، و لا يعلم قعرها الا الّذي خلقها» تفرد به أحمد، و هذا اسناد لا بأس به.

و قال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين» تفرد به من هذا الوجه و هو على شرط مسلم.

و قال أحمد حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني أبى عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

____________

[ (1)] أروى بفتح الهمزة و سكون الراء و فتح الواو مقصورا و هي بنت أبى أوس‏

[ (2)] (قوله و رواه) بياض بالأصول. و في البخاري عقب ما تقدم. قال ابن أبى الزناد عن هشام عن أبيه قال قال لي سعيد بن زيد (دخلت على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انتهى) و هذا تعليق من البخاري يبين لقاء عروة لسعيد و التصريح بسماعه منه الحديث المذكور فلعل المصنف يريد. و رواه البخاري أيضا معلقا أو نحوه (محمود الامام).

20

قال‏

«من اقتطع شبرا من الأرض بغير حقه طوقه الى سبع أرضين»

تفرد به أيضا و هو على شرط مسلم. و

قال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه عن أبى هريرة أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه طوقه من سبع أرضين» تفرد به أيضا

و قد رواه الطبراني من حديث معاوية بن قرة عن ابن عباس مرفوعا مثله‏

* فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين و المراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى و التي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهى الأمر الى السابعة و هي صماء لا جوف لها، و في وسطها المركز و هي نقطة مقدرة متوهمة.

و هو محط الأثقال، اليه ينتهى ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع. و اختلفوا هل هن متراكمات بلا تفاصل أو بين كل واحدة و التي تليها خلاء على قولين و هذا الخلاف جار في الأفلاك أيضا. و الظاهر ان بين كل واحدة و التي تليها خلاء على قولين. و هذا الخلاف جار في الأفلاك أيضا. و الظاهر أن بين كل واحدة منهن و بين الأخرى مسافة لظاهر قوله تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَ‏ الآية و

قال الامام أحمد حدثنا شريح حدثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة قال‏

«بينا نحن عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذ مرت سحابة فقال «أ تدرون ما هذه قلنا اللَّه و رسوله أعلم قال العنان و زوايا الأرض تسوقه الى من لا يشكرونه من عباده و لا يدعونه أ تدرون ما هذه فوقكم: قلنا اللَّه و رسوله أعلم قال الرفيع موج مكفوف و سقف محفوظ أ تدرون كم بينكم و بينها قلنا اللَّه و رسوله أعلم. قال مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال أ تدرون ما الّذي فوقها قلنا اللَّه و رسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سماوات* ثم قال أ تدرون ما فوق ذلك قلنا اللَّه و رسوله أعلم قال العرش أ تدرون كم بينه و بين السماء السابعة قلنا اللَّه و رسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام. ثم قال أ تدرون ما هذه تحتكم قلنا اللَّه و رسوله أعلم قال أرض أ تدرون ما تحتها قلنا اللَّه و رسوله أعلم قال أرض أخرى أ تدرون كم بينهما قلنا اللَّه و رسوله اعلم. قال مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبع أرضين ثم قال و أيم اللَّه لو دليتم أحدكم الى الأرض السفلى السابعة لهبط. ثم قرأ

هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏

و

رواه الترمذي عن عبد بن حميد، و غير واحد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة، قال حدث الحسن عن أبى هريرة

و ذكره الا انه ذكر أن بعد ما بين كل أرضين خمسمائة عام و ذكر في آخره كلمة [ (1)] ذكرناها عند تفسير هذه الآية من سورة الحديد ثم قال الترمذي هذا حديث غريب من هذا الوجه قال و يروى عن أيوب و يونس بن عبيد و على بن زيد

____________

[ (1)] (قوله كلمة) أي جملة. و نصها

و الّذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم رجلا بحبل الى الأرض السفلى لهبط على اللَّه. ثم قرأ هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ إلخ‏

(محمود الامام).

21

أنهم قالوا لم يسمع الحسن من أبى هريرة* و رواه ابو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم في تفسيره من حديث أبى جعفر الرازيّ عن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة فذكر مثل لفظ الترمذي سواء بدون زيادة في آخره و رواه ابن جرير في تفسيره عن بشر عن يزيد عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة مرسلا.

و قد يكون هذا أشبه و اللَّه أعلم. و رواه الحافظ أبو بكر البزار و البيهقي من حديث أبى ذر الغفاريّ عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لكن لا يصح اسناده و اللَّه أعلم* و قد تقدم عند صفة العرش من حديث الأوعال ما يخالف هذا في ارتفاع العرش عن السماء السابعة و ما يشهد له. و فيه و بعد ما بين كل سماءين خمسمائة عام، و كثفها أي سمكها خمسمائة عام* و أما ما ذهب اليه بعض المتكلمين على حديث (طوقه من سبع أرضين) انها سبعة أقاليم. فهو قول يخالف ظاهر الآية و الحديث الصحيح و صريح كثير من ألفاظه مما يعتمد من الحديث الّذي أوردناه من طريق الحسن عن أبى هريرة. ثم انه حمل الحديث و الآية على خلاف ظاهرهما بلا مستند و لا دليل و اللَّه أعلم. و هكذا ما يذكره كثير من أهل الكتاب و تلقاه عنهم طائفة من علمائنا من أن هذه الأرض من تراب و التي تحتها من حديد و الأخرى من حجارة من كبريت و الأخرى من كذا فكل هذا إذا لم يخبر به و يصح سنده الى معصوم فهو مردود على قائله. و هكذا الأثر المروي عن ابن عباس انه قال في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه حتى آدم كآدمكم و إبراهيم كابراهيمكم فهذا ذكره ابن جرير مختصرا و استقصاه البيهقي في الأسماء و الصفات و هو محمول ان صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس رضى اللَّه عنه عن الإسرائيليات و اللَّه أعلم* و

قال الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبى سليمان عن أنس بن مالك عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

لما خلق اللَّه الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب هل من خلقك شي‏ء أشد من الجبال قال نعم الحديد. قالت يا رب فهل من خلقك شي‏ء أشد من الحديد قال نعم النار. قالت يا رب فهل من خلقك شي‏ء أشد من النار قال نعم الريح. قالت يا رب فهل من خلقك شي‏ء أشد من الريح قال نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها من شماله تفرد به احمد*

و قد ذكر أصحاب الهيئة اعداد جبال الأرض في سائر بقاعها شرقا و غربا، و ذكروا طولها و بعد امتدادها و ارتفاعها و أوسعوا القول في ذلك بما يطول شرحه هنا. و قد قال اللَّه تعالى‏ وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ قال ابن عباس و غير واحد الجدد الطرائق و قال عكرمة و غيره الغرايب الجبال الطوال السود. و هذا هو الشاهد من الجبال في سائر الأرض تختلف باختلاف بقاعها و ألوانها. و قد ذكر اللَّه تعالى في كتابه الجودي على التعيين و هو جبل عظيم شرقى‏

22

جزيرة ابن عمر الى جانب دجلة. عند الموصل امتداده من الجنوب الى الشمال مسيرة ثلاثة أيام و ارتفاعه مسيرة نصف يوم و هو أخضر لأن فيه شجرا من البلوط و الى جانبه قرية يقال لها قرية الثمانين لسكنى الذين نجوا في السفينة مع نوح (عليه السلام) في موضعها فيما ذكره غير واحد من المفسرين و اللَّه أعلم.

فصل في البحار و الأنهار

قال اللَّه تعالى‏ وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏ و قال تعالى‏ وَ ما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَ حِجْراً مَحْجُوراً و قال تعالى‏ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ‏ فالمراد بالبحرين البحر الملح المر و هو الأجاج و البحر العذب هو هذه الأنهار السارحة بين أقطار الأمصار لمصالح العباد قاله ابن جريج و غير واحد من الأئمة. و قال تعالى‏ وَ مِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى‏ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَ إِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ و قال تعالى‏ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ فامتن تعالى على عباده بما خلق لهم من البحار و الأنهار فالبحر المحيط بسائر أرجاء الأرض و ما ينبت منه في جوانبها الجميع مالح الطعم مر و في هذا حكمة عظيمة لصحة الهواء إذ لو كان حلوا لأنتن الجو و فسد الهواء بسبب ما يموت فيه من الحيوانات فكان يؤدى الى تفانى بنى آدم و لكن اقتضت الحكمة البالغة أن يكون على هذه الصفة لهذه المصلحة.

و لهذا لما

سئل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن البحر قال هو الطهور ماؤه الحل ميتته‏

* و اما الأنهار فماؤها حلو عذب فرات سائغ شرابها لمن أراد ذلك. و جعلها جارية سارحة ينبعها

23

تعالى في أرض و يسوقها الى أخرى رزقا للعباد. و منها كبار و منها صغار بحسب الحاجة و المصلحة. و قد تكلم أصحاب علم الهيئة و التفسير على تعداد البحار و الأنهار الكبار و أصول منابعها و الى اين ينتهى سيرها بكلام فيه حكم و دلالات على قدرة الخالق تعالى، و أنه فاعل بالاختيار و الحكمة- و قوله تعالى‏ وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ فيه قولان أحدهما ان المراد به البحر الّذي تحت العرش المذكور في حديث الأوعال. و انه فوق السموات السبع بين أسفله و أعلاه كما بين سماء الى سماء، و هو الّذي ينزل منه المطر قبل البعث فتحيا منه الأجساد من قبورها. و هذا القول هو اختيار الربيع بن أنس. و الثاني أن البحر اسم جنس يعم سائر البحار التي في الأرض و هو قول الجمهور* و اختلفوا في معنى البحر المسجور فقيل المملوء و قيل يصير يوم القيامة نارا تؤجج فيحيط بأهل الموقف كما ذكرناه في التفسير عن على و ابن عباس و سعيد بن جبير و ابن مجاهد و غيرهم. و قيل المراد به الممنوع المكفوف المحروس عن أن يطغى فيغمر الأرض و من عليها فيغرقوا. رواه الوالبي عن ابن عباس و هو قول السدي و غيره و يؤيده الحديث الّذي‏

رواه الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال‏

«لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «ليس من ليلة الا و البحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن اللَّه عز و جل أن يتفصح عليهم فيكفه اللَّه عز و جل»

و رواه إسحاق بن راهويه عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب حدثني شيخ مرابط قال‏

«خرجت ليلة لمحرس لم يخرج أحد من المحرس غيري فأتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلى ان البحر يشرف يحاذي برءوس الجبال فعل ذلك مرارا و انا مستيقظ فلقيت أبا صالح فقال حدثنا عمر بن الخطاب ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «ما من ليلة الا و البحر يشرف ثلاث مرات يستأذن اللَّه أن يتفصح عليهم فيكفه اللَّه عز و جل‏

في اسناده رجل مبهم [ (1)] و اللَّه أعلم و هذا من نعمه تعالى على عباده ان كف شر البحر عن أن يطغى عليهم و سخره لهم يحمل مراكبهم ليبلغوا عليها الى الأقاليم النائية بالتجارات و غيرها و هداهم فيه بما خلقه في السماء و الأرض من النجوم و الجبال التي جعلها لهم علامات يهتدون بها في سيرهم و بما خلق لهم فيه من اللآلئ و الجواهر النفيسة العزيزة الحسنة الثمينة التي لا توجد الا فيه و بما خلق فيه من الدواب الغريبة و أحلها لهم حتى ميتتها كما قال تعالى‏ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ‏ و

قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«هو الطهور ماؤه الحل ميتته»

و في الحديث الآخر

«أحلت لنا ميتتان و دمان السمك و الجراد و الكبد و الطحال»

رواه أحمد و ابن ماجة

و في اسناده نظر*

____________

[ (1)] قوله مبهم و في نسخة متهم‏

24

و قد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة «وجدت في كتاب عن محمد بن معاوية البغدادي حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة رفعه قال «كلم اللَّه هذا البحر الغربي و كلم البحر الشرقي فقال للغربى انى حامل فيك عبادا من عبادي فكيف أنت صانع بهم قال أغرقهم. قال بأسك في نواحيك و حرمه الحلية و الصيد، و كلم هذا البحر الشرقي فقال انى حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم قال أحملهم على يدي، و أكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه الحلية و الصيد* ثم قال لا تعلم أحدا. ما رواه عن سهيل الا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمر و هو منكر الحديث. قال و قد رواه سهيل عن عبد الرحمن بن ابى عياش عن عبد اللَّه بن عمرو موقوفا. قلت الموقوف على عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أشبه فإنه قد كان وجد يوم اليرموك زاملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات منها المعروف و المشهور و المنكور و المردود. فأما المعروف فتفرد به عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها. قال فيه الامام أحمد ليس بشي‏ء و قد سمعته منه* ثم مزقت حديثه كان كذابا و أحاديثه مناكير* و كذا ضعفه بن معين و أبو زرعة و أبو حاتم و الجوزجاني و البخاري و أبو داود و النسائي و قال ابن عدي عامة أحاديثه مناكير و أفظعها حديث البحر* قال علماء التفسير المتكلمون على العروض و الاطوال و البحار و الأنهار و الجبال و المساحات و ما في الأرض من المدن و الخراب و العمارات و الأقاليم السبعة الحقيقية في اصطلاحهم و الأقاليم المتعددة العرفية و ما في البلدان و الأقاليم من الخواص و النباتات و ما يوجد في كل قطر من صنوف المعادن و التجارات قالوا الأرض مغمورة بالماء العظيم الا مقدار الربع منها و هو تسعون درجة و العناية الإلهية اقتضت انحسار الماء عن هذا القدر منها لتعيش الحيوانات عليها و تنبت الزرع و الثمار منها كما قال تعالى‏ وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَ الرَّيْحانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ‏ قالوا المعمور من هذا البادي منها قريب الثلثين منه أو أكثر قليلا. و هو خمس و تسعون درجة. قالوا فالبحر المحيط الغربي و يقال له أوقيانوس و هو الّذي يتاخم بلاد المغرب و فيه الجزائر الخالدات و بينها و بين ساحله عشر درج مسافة شهر تقريبا و هو بحر لا يمكن سلوكه و لا ركوبه لكثرة موجه و اختلاف ما فيه من الرياح و الأمواج و ليس فيه صيد و لا يستخرج منه شي‏ء و لا يسافر فيه لمتجر و لا لغيره و هو آخذ في ناحية الجنوب حتى يسامت الجبال القمر [ (1)] و يقال جبال القمر التي منها أصل منبع نيل مصر و يتجاوز خط الاستواء*

____________

[ (1)] ضبطه بعض أهل الجغرافية بفتح القاف و الميم. و الثقات منهم على انه بضم القاف و سكون الميم.

افاده العلامة المحقق الأستاذ احمد زكى باشا في طبعته لكتاب مسالك الابصار*

25

ثم يمتد شرقا و يصير جنوبي الأرض. و فيه هناك جزائر الزابج و على سواحله خراب كثير* ثم يمتد شرقا و شمالا حتى يتصل ببحر الصين و الهند* ثم يمتد شرقا حتى يسامت نهاية الأرض الشرقية المكشوفة. و هناك بلاد الصين. ثم ينعطف في شرق الصين الى جهة الشمال حتى يجاوز بلاد الصين و يسامت سد يأجوج و مأجوج. ثم ينعطف و يستدير على أراضى غير معلومة الأحوال* ثم يمتد مغربا في شمال الأرض و يسامت بلاد الروس و يتجاوزها و يعطف مغربا و جنوبا و يستدير على الأرض و يعود الى جهة الغرب و ينبثق من الغربي الى متن الأرض الزقاق الّذي ينتهى أقصاه الى اطراف الشام من الغرب* ثم يأخذ في بلاد الروم حتى يتصل بالقسطنطينية و غيرها من بلادهم و ينبعث من المحيط الشرقي بحار أخر فيها جزائر كثيرة، حتى إنه يقال ان في بحر الهند ألف جزيرة و سبعمائة جزيرة فيها مدن و عمارات سوى الجزائر العاطلة و يقال لها البحر الأخضر فشرقيه بحر الصين و غربيه بحر اليمن و شماله بحر الهند و جنوبيه غير معلوم* و ذكروا أن بين بحر الهند و بحر الصين جبالا فاصلة بينهما و فيها فجاج يسلك المراكب بينها يسيرها لهم الّذي خلقها كما جعل مثلها في البر أيضا قال اللَّه تعالى و جعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم و جعلنا فيها فجاجا سبلا لعلكم تهتدون و قد ذكر بطليموس أحد ملوك الهند في كتابه المسمى بالمجسطى الّذي عرب في زمان المأمون، و هو أصل هذه العلوم أن البحار المتفجرة من المحيط الغربي و الشرقي و الجنوبي و الشمالي كثيرة جدا. فمنها ما هو واحد، و لكن يسمى بحسب البلاد المتاخمة له. فمن ذلك بحر القلزم. و القلزم قرية على ساحله قريب من أيلة. و بحر فارس و بحر الخزر و بحر ورنك و بحر الروم و بحر بنطش و بحر الأزرق، مدينة على ساحله و هو بحر القرم أيضا و يتضايق حتى يصب في بحر الروم عند جنوبي القسطنطينية و هو خليج القسطنطينية، و لهذا تسرع المراكب في سيرها من القرم الى بحر الروم و تبطئ إذا جاءت من الاسكندرية الى القرم لاستقبالها جريان الماء. و هذا من العجائب في الدنيا فان كل ماء جار فهو حلو الا هذا و كل بحر راكد فهو ملح أجاج الا ما يذكر عن بحر الخزر و هو بحر جرجان و بحر طبرستان أن فيه قطعة كبيرة ماء حلوا فراتا على ما أخبر به المسافرون عنه.

قال أهل الهيئة و هو بحر مستدير الشكل الى الطول ما هو* و قيل إنه مثلث كالقلع و ليس هو متصلا بشي‏ء من البحر المحيط بل منفرد وحده، و طوله ثمانمائة ميل و عرضه ستمائة و قيل أكثر من ذلك و اللَّه أعلم.

و من ذلك البحر الّذي يخرج منه المد و الجزر عند البصرة و في بلاد المغرب نظيره أيضا يتزايد الماء من أول الشهر و لا يزال في زيادة الى تمام الليلة الرابعة عشر منه و هو المد* ثم يشرع في النقص و هو الجزر الى آخر الشهر* و قد ذكروا تحديد هذه البحار و مبتدأها و منتهاها و ذكروا ما في الأرض‏

26

من البحيرات المجتمعة من الأنهار و غيرها من السيول و هي البطائح* و ذكروا ما في الأرض من الأنهار المشهورة الكبار، و ذكروا ابتداءها و انتهاءها و لسنا بصدد بسط ذلك و التطويل فيه و انما نتكلم على ما يتعلق بالأنهار الوارد ذكرها في الحديث. و قد قال اللَّه تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ

ففي الصحيحين من طريق قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما ذكر سدرة المنتهى قال فإذا يخرج من أصلها نهران باطنان و نهران ظاهران. فاما الباطنان ففي الجنة و أما الظاهر ان فالنيل و الفرات‏

* و في لفظ في البخاري و عنصرهما أي مادتهما أو شكلهما و على صفتهما و نعتهما و ليس في الدنيا مما في الجنة الا سماوية [ (1)] و

في صحيح مسلم من حديث عبيد اللَّه بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«سيحان و جيحان و الفرات و النيل كل من أنهار الجنة»

و قال الامام احمد حدثنا ابن نمير و يزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال رسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«فجرت أربعة أنهار من الجنة الفرات و النيل و سيحان و جيحان»

و هذا اسناد صحيح على شرط مسلم. و كأن المراد و اللَّه أعلم من هذا ان هذه الأنهار تشبه انهار الجنة في صفائها و عذوبتها و جريانها و من جنس تلك في هذه الصفات و نحوها كما قال في الحديث الآخر الّذي‏

رواه الترمذي و صححه من طريق سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«العجوة من الجنة و فيها شفاء من السمّ»

اى تشبه ثمر الجنة لا أنها مجتناة من الجنة، فان الحس يشهد بخلاف ذلك فتعين أن المراد غيره و كذا

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«الحمى من فيح جهنم فأبرودها بالماء»

و كذا

قوله‏

«إذا اشتد الحمى فأبردوها بالماء فان شدة الحر من فيح جهنم»

* و هكذا هذه الأنهار أصل منبعها مشاهد من الأرض* أما النيل. و هو النهر الّذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته و لطافته و بعد مسراه فيما بين مبتدئه الى منتهاه فمبتداه من الجبال القمر [ (2)] أي البيض و منهم من يقول جبال القمر بالإضافة الى الكوكب و هي في غربي الأرض وراء خط الاستواء الى الجانب الجنوبي. و يقال انها حمر ينبع من بينها عيون* ثم يجتمع من عشر مسيلات متباعدة. ثم يجتمع كل خمسة منها في بحر. ثم يخرج منها أنهار ستة. ثم يجتمع كلها في بحيرة أخرى. ثم يخرج منها نهر واحد هو النيل فيمر على بلاد السودان‏

____________

[ (1)] كذا بالأصول‏

[ (2)] هذا يؤيد قول الثقات الّذي نقلناه عن الأستاذ زكى پاشا فيما تقدم.

27

لحبشه ثم على النوبة و مدينتها العظمى دمقلة [ (1)] ثم على أسوان ثم يفد على ديار مصر. و قد تحمل اليها من بلاد الحبشة زيادات أمطارها و اجترف من ترابها و هي محتاجة اليهما معا لان مطرها قليل لا يكفى زروعها و أشجارها. و تربتها رمال لا تنبت شيئا حتى يجي‏ء النيل بزيادته و طينه فينبت فيه ما يحتاجون اليه و هي من أحق الأراضي بدخولها في قوله تعالى‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ‏ ثم يجاوز النيل مصر قليلا فيفترق شطرين عند قرية على شاطئه يقال لها شطنوف فيمر الغربي على رشيد و يصب في البحر المالح* و اما الشرقي فتفترق أيضا عند جوجر فرقتين تمر الغربية منهما على دمياط من غربيها و يصب في البحر و الشرقية منهما تمر على أشمون [ (2)] طناح فيصب هناك في بحيرة شرقى دمياط. يقال لها بحيرة تنيس و بحيرة دمياط.

و هذا بعد عظيم فيما بين مبتدئه الى منتهاه. و لهذا كان ألطف المياه* قال ابن سينا له خصوصيات دون مياه سائر الأرض* فمنها انه أبعدها مسافة من مجراه الى أقصاه. و منها أنه يجرى على صخور و رمال ليس فيه خز و لا طحلب و لا أوحال و منها أنه لا يخضر فيه حجر و لا حصاة و ما ذاك الا لصحة مزاجه و حلاوته و لطافته. و منها ان زيادته في أيام نقصان سائر الأنهار. و نقصانه في أيام زيادتها و كثرتها و أما ما يذكره بعضهم من أن أصل منبع النيل من مكان مرتفع اطلع عليه بعض الناس فرأى هناك هولا عظيما و جواري حسانا و أشياء غريبة و أن الّذي اطلع على ذلك لا يمكنه الكلام بعد هذا فهو من خرافات المؤرخين و هذيانات الأفاكين* و قد قال عبد اللَّه بن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال «لما فتح عمرو بن عاص مصر أتى أهلها اليه حين دخل شهر بؤنة من أشهر العجم (القبطية) فقالوا (أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها فقال لهم و ما ذاك قالوا إذا كان لثنتى عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا الى جارية بكر بين أبويها فارضينا أبويها و جعلنا عليها من الحلي و الثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو ان هذا لا يكون في الإسلام و ان الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا بؤنة و النيل لا يجرى لا قليلا و لا كثيرا* و في رواية فأقاموا بؤنة و أبيب و مسرى و هو لا يجرى حتى هموا بالجلاء. فكتب عمرو الى عمر بن الخطاب بذلك فكتب اليه عمر إنك قد أصبت بالذي فعلت و انى قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي هذا فألقها في النيل فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها «من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين الى نيل مصر (أما بعد) فان كنت تجرى من قبلك فلا تجر و ان كان اللَّه الواحد القهار هو الّذي يجريك فنسأل اللَّه أن يجريك [ (3)] فالقى عمرو البطاقة في النيل فأصبح يوم السبت و قد أجرى اللَّه النيل ستة عشر ذراعا

____________

[ (1)] المعروفة الآن باسم دنقلة بطريق التحريف*

[ (2)] كذا بالأصول و في معجم البلدان (اشموم طناح).

[ (3)] قوله فالقى عمرو البطاقة في النيل إلخ الّذي في حسن المحاضرة للسيوطي فالقى عمر البطاقة في‏

28

في ليلة واحدة و قطع اللَّه تلك السنة عن أهل مصر الى اليوم* و أما الفرات فأصلها من شمالي أرزن الروم فتمر الى قرب ملطيه ثم تمر على شميشاط. ثم على البيرة قبليها ثم تشرق الى بالس [ (1)] و قلعة جعبر ثم الرقة ثم الى الرحبة شماليها ثم الى عانة ثم الى هيت ثم الى الكوفة ثم تخرج الى فضاء العراق و يصب في بطائح كبار اى بحيرات و ترد اليها و يخرج منها أنهار كبار معروفة و أما سيحان و يقال له سيحون أيضا فأوله من بلاد الروم و يجرى من الشمال و الغرب الى الجنوب و الشرق و هو غربي مجرى جيحان و دونه في القدر و هو ببلاد الأرض التي تعرف اليوم ببلاد سيس و قد كانت في أول الدولة الإسلامية في أيدي المسلمين* فلما تغلب الفاطميون على الديار المصرية و ملكوا الشام و أعمالها عجزوا عن صونها عن الأعداء فتغلب تقفور الأرمني على هذه البلاد أعنى بلاد سيس في حدود الثلاثمائة و الى يومنا هذا. و اللَّه المسئول عودها إلينا بحوله و قوته. ثم يجتمع سيحان و جيحان عند اذنه فيصيران نهرا واحدا. ثم يصبان في بحر الروم بين إياس و طرسوس* و أما جيحان و يقال له جيحون أيضا و تسميه العامة جاهان. و أصله في بلاد الروم و يسير في بلاد سيس من الشمال الى الجنوب و هو يقارب الفرات في القدر* ثم يجتمع هو و سيحان عند اذنة فيصيران نهرا واحدا* ثم يصبان في البحر عند اياس و طرسوس و اللَّه أعلم*

فصل‏

قال اللَّه تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ* وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَ أَنْهاراً وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ* وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى‏ بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ و قال تعالى‏ أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ و قال تعالى‏

____________

[ ()] النيل قبل يوم الصليب بيوم و قد تهيأ أهل مصر للجلاء و الخروج منها لانه لا يقوم بمصلحتهم فيها الا النيل فأصبحوا يوم الصليب و قد أجراه اللَّه ستة عشر ذراعا. و قد زال تلك السنة السوء عن أهل مصر انتهى‏

[ (1)] بلدة بين حلب و الرقة لها وقائع تاريخية مذكورة في معجم البلدان (محمود الامام)

29

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ فذكر تعالى ما خلق في الأرض من الجبال و الأشجار و الثمار و السهول و الاوعار و ما خلق من صنوف المخلوقات من الجمادات و الحيوانات في البراري و القفار و البر و البحار ما يدل على عظمته و قدرته و حكمته و رحمته بخلقه و ما سهل لكل دابة من الرزق الّذي هي محتاجة اليه في ليلها و نهارها و صيفها و شتائها و صباحها و مسائها كما قال تعالى‏ وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ‏ و قد

روى الحافظ أبو يعلى عن محمد بن المثنى عن عبيد بن واقد عن محمد بن عيسى بن كيسان عن محمد بن المنكدر عن جابر عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول‏

خلق اللَّه ألف امة منها ستمائة في البحر و أربعمائة في البر. و أول شي‏ء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه.

(عبيد بن واقد) أبو عباد البصري ضعفه أبو حاتم و قال بن عدي عامة ما يرويه لا يتابع عليه و شيخه أضعف منه. قال الفلاس و البخاري منكر الحديث، و قال أبو زرعة لا ينبغي أن يحدث عنه. و ضعفه ابن حبان و الدارقطنيّ و أنكر عليه ابن عدي هذا الحديث بعينه و غيره و اللَّه أعلم* و قال تعالى‏ وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ‏

* باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات و ما فيهن من الآيات‏

قد قدمنا ان خلق الأرض قبل خلق السماء كما قال تعالى‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ و قال تعالى‏ قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ* وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ* فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏ و قال تعالى‏ أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فان الدحى غير الخلق و هو بعد خلق السماء* و قال تعالى‏ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ* الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى‏ فِي خَلْقِ‏

30

الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ* وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ و قال تعالى‏ وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و قال تعالى‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً و قال تعالى‏ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً. وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً و قال تعالى‏ إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى‏ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ. إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ‏ و قال تعالى‏ وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ‏ و قال تعالى‏ وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ. وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏ و قال تعالى‏ فالِقُ الْإِصْباحِ وَ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ و قال تعالى‏ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ و الآيات في هذا كثيرة جدا و قد تكلمنا على كل منها في التفسير* و المقصود أنه تعالى يخبر عن خلق السموات و عظمة اتساعها و ارتفاعها و أنها في غاية الحسن و البهاء و الكمال و السناء كما قال تعالى‏ وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ‏ أي الخلق الحسن و قال تعالى‏ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ اى خاسئا عن ان يرى فيها نقصا أو خللا و هو حسير اى كليل ضعيف و لو نظر حتى يعى و يكل و يضعف لما اطلع على نقص فيها و لا عيب لانه تعالى قد أحكم خلقها و زين بالكواكب افقها كما قال‏ وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ‏ أي النجوم* و قيل محال الحرس التي يرمى منها بالشهب لمسترق السمع و لا منافاة بين القولين و قال تعالى‏ وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ‏ فذكر انه زين منظرها بالكواكب الثوابت و السيارات (الشمس و القمر و النجوم الزاهرات) و أنه صان حوزتها عن حلول‏

31

الشياطين بها و هذا زينة معنى* فقال و حفظناها من كل شيطان رجيم كما قال‏ إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى‏.

قال البخاري في كتاب بدء الخلق و قال قتادة وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ‏ خلق هذه النجوم الثلاث جعلها زينة للسماء و رجوما للشياطين و علامات يهتدى بها فمن تأول بغير ذلك فقد أخطأ و أضاع نصيبه و تكلف ما لا علم له به* و هذا الّذي قاله قتادة مصرح به في قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ‏ و قال تعالى‏ وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ فمن تكلف غير هذه الثلاث أي من علم أحكام ما تدل عليه حركاتها و مقارناتها في سيرها و أن ذلك يدل على حوادث أرضيه فقد أخطأ. و ذلك أن أكثر كلامهم في هذا الباب ليس فيه إلا حدس و ظنون كاذبة و دعاوى باطلة. و ذكر تعالى أنه‏ خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي واحدة فوق واحدة* و اختلف أصحاب الهيئة هل هن متراكمات أو متفاصلات بينهن خلاء على قولين. و الصحيح الثاني لما قدمنا من‏

حديث عبد اللَّه بن عميرة عن الأحنف عن العباس في حديث الأوعال أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

أ تدرون كم بين السماء و الأرض قلنا اللَّه و رسوله أعلم. قال بينهما مسيرة خمسمائة عام. و من كل سماء إلى سماء خمسمائة سنة و كثف كل سماء خمسمائة سنة*

الحديث بتمامه رواه احمد و أبو داود و ابن ماجة و الترمذي و حسنه‏

* و

في الصحيحين من حديث أنس في حديث الاسراء قال فيه‏

و وجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل هذا أبوك آدم فسلم عليه فرد (عليه السلام). و قال مرحبا و أهلا بابني نعم الابن أنت الى أن قال ثم عرج الى السماء الثانية* و كذا ذكر في الثالثة و الرابعة و الخامسة و السادسة و السابعة فدل على التفاصل بينها لقوله ثم عرج بنا حتى أتينا السماء الثانية فاستفتح فقيل من هذا الحديث‏

* و هذا يدل على ما قلناه و اللَّه أعلم.

و قد حكى ابن حزم و ابن المنير و أبو الفرج ابن الجوزي و غير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات كرة مستديرة* و استدل على ذلك بقوله‏ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏. قال الحسن يدورون، و قال ابن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل. قالوا و يدل على ذلك أن الشمس تغرب كل ليلة من المغرب ثم تطلع في آخرها من المشرق كما قال أمية ابن أبى الصلت.

و الشمس تطلع كل آخر ليلة* حمراء مطلع لونها متورد* تأبى فلا تبدو لنا في رسلها* الا معذبه و الا تجلد فاما الحديث الّذي‏

رواه البخاري حيث قال حدثنا محمد ابن يوسف حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن ابى ذر قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأبي ذر

حين غربت الشمس تدري أين تذهب قلت اللَّه و رسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها و يوشك أن تسجد فلا يقبل منها و تستأذن فلا يؤذن لها. يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك‏

32

قوله تعالى‏

وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏

هذا لفظه في بدء الخلق‏

و رواه في التفسير* و في التوحيد من حديث الأعمش أيضا و رواه مسلم في الايمان من طريق الأعمش و من طريق يونس بن عبيد و أبو داود من طريق الحكم بن عتبة كلهم عن إبراهيم بن يزيد بن شريك عن أبيه عن أبى ذر به نحوه.

و قال الترمذي حسن صحيح* إذا علم هذا فإنه حديث لا يعارض ما ذكرناه من استدارة الأفلاك التي هي السموات على أشهر القولين و لا يدل على كرية العرش كما زعمه زاعمون. قد أبطلنا قولهم فيما سلف و لا يدل على أنها تصعد الى فوق السموات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش بل هي تغرب عن أعيننا و هي مستمرة في فلكها الّذي هي فيه و هو الرابع فيما قاله غير واحد من علماء التفسير. و ليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس و هو الكسوفات ما يدل عليه و يقتضيه فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه و هو وقت نصف الليل مثلا في اعتدال الزمان بحيث يكون بين القطبين الجنوبي و الشمالي فإنها تكون أبعد ما يكون من العرش لانه مقبب من جهة وجه العالم و هذا محل سجودها كما يناسبها كما أنها أقرب ما تكون من العرش وقت الزوال من جهتنا فإذا كانت في محل سجودها استأذنت الرب جل جلاله في طلوعها من الشرق فيؤذن لها فتبدو من جهة الشرق و هي مع ذلك كارهة لعصاة بنى آدم أن تطلع عليهم و لهذا قال أمية تأبى فلا تبدو لنا في رسلها* الا معذبة و الا تجلد* فإذا كان الوقت الّذي يريد اللَّه طلوعها من جهة مغربها تسجد على عادتها و تستأذن في الطلوع من عادتها فلا يؤذن لها فجاء أنها تسجد أيضا ثم تستأذن فلا يؤذن لها ثم تسجد فلا يؤذن لها و تطول تلك الليلة كما ذكرنا في التفسير، فتقول يا رب ان الفجر قد اقترب و ان المدى بعيد فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا جميعا و ذلك حين لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا، و فسروا بذلك قوله تعالى‏ وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قيل لوقتها الّذي تؤمر فيه تطلع من مغربها* و قيل مستقرها موضعها الّذي تسجد فيه تحت العرش* و قيل منتهى سيرها و هو آخر الدنيا. و عن ابن عباس أنه قرأ و الشمس تجرى لا مستقر لها أي ليست تستقر فعلى هذا تسجد و هي سائرة. و لهذا قال تعالى‏ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ‏ أي لا تدرك الشمس القمر فتطلع في سلطانه و دولته و لا هو أيضا و لا الليل سابق النهار اى ليس سابقه بمسافة يتأخر ذاك عنه فيها بل إذا ذهب النهار جاء الليل في اثره متعقبا له كما قال في الآية الأخرى‏ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ‏ و قال تعالى‏ وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً أي يخلف هذا لهذا و هذا لهذا كما

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«إذا أقبل الليل من هاهنا و أدبر النهار من هاهنا و غربت‏

33

الشمس فقد أفطر الصائم»

فالزمان المحقق ينقسم الى ليل و نهار و ليس بينهما غيرهما* و لهذا قال تعالى‏ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى‏ فيولج من هذا في هذا، أي يأخذ من طول هذا في قصر هذا فيعتدلان كما في أول فصل الربيع يكون الليل قبل ذلك طويلا و النهار قصيرا فلا يزال الليل ينقص و النهار يتزايد حتى يعتدلا و هو أول الربيع* ثم يشرع النهار يطول و يتزايد و الليل يتناقص حتى يعتدلا أيضا في أول فصل الخريف* ثم يشرع الليل يطول و يقصر النهار الى آخر فصل الخريف* ثم يترجح النهار قليلا قليلا و يتناقص الليل شيئا فشيئا حتى يعتدلا في أول فصل الربيع كما قدمنا، و هكذا في كل عام. و لهذا قال تعالى‏ وَ لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أي هو المتصرف في ذلك كله الحاكم الّذي لا يخالف و لا يمانع و لهذا يقول في ثلاث آيات عند ذكر السموات و النجوم و الليل و النهار ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏ أي العزيز الّذي قد قهر كل شي‏ء و دان له كل شي‏ء فلا يمانع و لا يغالب العليم بكل شي‏ء فقدر كل شي‏ء تقديرا على نظام لا يختلف و لا يضطرب.

و قد ثبت‏

في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«قال اللَّه يؤذيني ابن آدم يسب الدهر و أنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل و النهار» و في رواية فانا الدهر أقلب ليله و نهاره‏

* قال العلماء كالشافعي و أبى عبيد القاسم بن سلام و غيرهما يسب الدهر أي يقول فعل بنا الدهر كذا يا خيبة الدهر، أيتم الأولاد، أرمل النساء. قال اللَّه تعالى (و أنا الدهر) أي انا الدهر الّذي يعنيه فإنه فاعل ذلك الّذي أسنده الى الدهر و الدهر مخلوق، و انما فعل هذا هو اللَّه فهو يسب فاعل ذلك و يعتقده الدهر. و اللَّه هو الفاعل لذلك الخالق لكل شي‏ء المتصرف في كل شي‏ء كما قال و أنا الدهر بيدي الأمر أقلب ليله و نهاره و كما قال تعالى‏ قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ* تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ و قال تعالى‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ. ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ. يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ‏ أي فاوت بين الشمس و القمر في نورهما و في شكلهما و في وقتهما و في سيرهما فجعل هذا ضياء و هو شعاع الشمس برهان ساطع وضوء باهر و القمر نورا أي أضعف من برهان الشمس و جعله مستفادا من ضوئها و قدره منازل أي يطلع أول ليلة من الشهر صغيرا ضئيلا قليل النور لقربه من الشمس و قلة مقابلته لها فبقدر مقابلته لها يكون نوره و لهذا في الليلة الثانية يكون أبعد منها بضعف ما كان في الليلة الأولى فيكون نوره بضعف النور أول ليلة* ثم كلما بعد ازداد نوره حتى يتكامل إبداره ليلة

34

مقابلته إياها من المشرق و ذلك ليلة أربع عشرة من الشهر* ثم يشرع في النقص لاقترابه اليها من الجهة الأخرى الى آخر الشهر فيستتر حتى يعود كما بدا في أول الشهر الثاني. فبه تعرف الشهور و بالشمس تعرف الليالي و الأيام و بذلك تعرف السنين و الأعوام و لهذا قال تعالى‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ‏ و قال تعالى‏ وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا و قال تعالى‏ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‏ و قد بسطنا القول على هذا كله في التفسير. فالكواكب التي في السماء منها سيارات و هي المتحيرة في اصطلاح علماء التفسير و هو علم غالبة صحيح بخلاف علم الأحكام فان غالبة باطل و دعوى ما لا دليل عليه و هي سبعة. القمر في سماء الدنيا و عطارد في الثانية و الزهرة في الثالثة و الشمس في الرابعة و المريخ في الخامسة و المشترى في السادسة و زحل في السابعة. و بقية الكواكب يسمونها الثوابت و هي عندهم في الفلك الثامن و هو الكرسي في اصطلاح كثير من المتأخرين. و قال آخرون بل الكواكب كلها في السماء الدنيا و لا مانع من كون بعضها فوق بعض* و قد يستدل على هذا بقوله تعالى‏ وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ* و بقوله‏ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏ فخص سماء الدنيا من بينهن بزينة الكواكب فان دل هذا على كونها مرصعة فيها فذاك و الا فلا مانع مما قاله الآخرون و اللَّه أعلم.

و عندهم أن الأفلاك السبعة بل الثمانية تدور بما فيها من الكواكب الثوابت و السيارات تدور على خلاف فلكه من المغرب الى المشرق. فالقمر يقطع فلكه في شهر و الشمس تقطع فلكها و هو الرابع في سنة. فإذا كان السيران ليس بينهما تفاوت و حركاتهما متقاربة كان قدر السماء الرابعة بقدر السماء الدنيا ثنتى عشرة مرة و زحل يقطع فلكه و هو السابع في ثلاثين سنة فعلى هذا يكون بقدر السماء الدنيا ثلاثمائة و ستين مرة* و قد تكلموا على مقادير أجرام هذه الكواكب و سيرها و حركاتها و توسعوا في هذه الأشياء حتى تعدوا الى علم الأحكام و ما يترتب على ذلك من الحوادث الأرضية و مما لا علم لكثير منهم به.

و قد كان اليونانيون الذين كانوا يسكنون الشام قبل زمن المسيح (عليه السلام) بدهور لهم في هذا كلام كثير يطول بسطه، و هم الذين بنوا مدينة دمشق و جعلوا لها أبوابا سبعة و جعلوا على رأس كل باب هيكلا على صفة الكواكب السبعة. يعبدون كل واحد في هيكله، و يدعونه بدعاء يأثره عنهم غير واحد من أهل التواريخ و غيرهم. و ذكره صاحب السر المكتوم في مخاطبة الشمس و القمر و النجوم‏

35

و غيره من علماء الحرنانيين [ (1)] (فلاسفة حران في قديم الزمان). و قد كانوا مشركين يعبدون الكواكب السبعة و هم طائفة من الصابئين* و لهذا قال اللَّه تعالى‏ وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏ و قال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان (عليه السلام) مخبرا عن بلقيس و جنودها ملكة سبإ في اليمن و ما والاها إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ. أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ‏ءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏ و قال تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ و قال تعالى‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ* وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَ الْمَلائِكَةُ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ‏ و قال تعالى‏تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً و الآيات في هذا كثيرة جدا و لما كان أشرف الأجرام المشاهدة في السموات و الأرض هي الكواكب و أشرفهن منظرا و أشرفهن معتبرا الشمس و القمر استدل الخليل على بطلان إلهية شي‏ء منهن. و ذلك في قوله تعالى‏ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى‏ كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ‏ أي الغائبين‏ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ فبين بطريق البرهان القطعي أن هذه الاجرام المشاهدات من الكواكب و القمر و الشمس لا يصلح شي‏ء منها للالهية لأنها كلها مخلوقة مربوبة مدبرة مسخرة في سيرها لا تحيد عما خلقت له و لا تزيغ عنه الا بتقدير متقن محرر لا تضطرب و لا تختلف*

____________

[ (1)] قال في معجم البلدان (حران) بتشديد الراء و آخره نون يجوز أن يكون (فعالا) من حرن الفرس إذا لم ينقد و يجوز أن يكون (فعلان) من الحر. يقال رجل حران أي عطشان و أصله من الحر و امرأة حرى و هو حران يران. و النسبة اليها حرنانى بعد الراء الساكنة نون على غير قياس كما قالوا مناني في النسبة الى مانى. و القياس مانوي و حرانى و العامة عليهما (محمود الامام).

36

و ذلك دليل على كونها مربوبة مصنوعة مسخرة مقهورة و لهذا قال تعالى‏ وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏ و ثبت‏

في الصحيحين في صلاة الكسوف من حديث ابن عمر و ابن عباس و عائشة و غيرهم من الصحابة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

في خطبته يومئذ إن الشمس و القمر آيتان من آيات اللَّه عز و جل و إنهما لا ينكسفان لموت أحد و لا لحياته».

و قال البخاري في بدء الخلق حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد اللَّه الداناج حدثني أبو سلمة عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

الشمس و القمر مكوران يوم القيامة انفرد به البخاري‏

* و قد

رواه الحافظ أبو بكر البزار بأبسط من هذا السياق، فقال حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد اللَّه الداناج سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد اللَّه القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة و جاء الحسن فجلس اليه فحدث قال حدثنا أبو هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

«إن الشمس و القمر ثوران في النار يوم القيامة فقال الحسن و ما دينهما فقال أحدثك عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و تقول و ما دينهما

ثم قال البزار لا يروى عن أبى هريرة الا من هذا الوجه و لم يرو عبد اللَّه الداناج عن ابى سلمة سوى هذا الحديث* و

روى الحافظ أبو يعلى الموصلي من طريق يزيد الرقاشيّ و هو ضعيف عن أنس قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

الشمس و القمر ثوران عقيران في النار.

و قال ابن ابى حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج و عمر بن عبد اللَّه الأزدي حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس‏ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ‏. قال يكور اللَّه الشمس و القمر و النجوم يوم القيامة في البحر و يبعث اللَّه ريحا دبورا فتضرمها نارا. فدلت هذه الآثار على أن الشمس و القمر من مخلوقات اللَّه خلقها اللَّه لما أراد* ثم يفعل فيها ما يشاء، و له الحجة الدافعة و الحكمة البالغة فلا يسأل عما يفعل لعلمه و حكمته و قدرته و مشيئته النافذة و حكمه الّذي لا يرد و لا يمانع و لا يغالب* و ما أحسن ما أورده الامام محمد بن إسحاق بن يسار في أول كتاب السيرة من الشعر لزيد بن عمرو بن نفيل في خلق السماء و الأرض و الشمس و القمر و غير ذلك* قال ابن هشام هي لامية ابن أبى الصلت‏

الى اللَّه اهدى مدحتي و ثنائيا* * * و قولا رضيا [ (1)] لا ينى الدهر باقيا

الى الملك الأعلى الّذي ليس فوقه‏* * * إله و لا رب يكون مدانيا

ألا ايها الإنسان إياك و الردى‏* * * فإنك لا تخفى من اللَّه خافيا

و إياك لا تجعل مع اللَّه غيره‏* * * فان سبيل الرشد أصبح باديا

____________

[ (1)] قوله رضيا نعت لقولا و في نسخة رصينا و الرصين الثابت (محمود الامام).

37

حنانيك إن الجن كانت رجاءهم‏* * * و أنت إلهي ربنا و رجائيا

رضيت بك اللَّهمّ ربا فلن أرى‏* * * أدين إلها غيرك اللَّه ثانيا

و أنت الّذي من فضل منّ و رحمة* * * بعثت الى موسى رسولا مناديا

فقلت له اذهب و هارون فادعوا* * * إلى اللَّه فرعون الّذي كان طاغيا

و قولا له أ أنت سويت هذه‏* * * بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا

و قولا له أ أنت رفعت هذه‏* * * بلا عمد ارفق إذا بك بانيا

و قولا له أنت سويت وسطها* * * منيرا إذا ما جنه الليل هاديا

و قولا له من يرسل الشمس غدوة* * * فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا

و قولا له من ينبت الحب في الثرى‏* * * فيصبح منه البقل يهتز رابيا

و يخرج منه حبه في رءوسه‏* * * و في ذاك آيات لمن كان واعيا

و أنت بفضل منك نجيت يونسا* * * و قد بات في أضعاف حوت لياليا

و إني لو سبحت باسمك ربنا* * * لاكثر الا ما غفرت خطائيا [ (1)]

فرب ألق سيبا و رحمة* * * على و بارك في بنىّ و ماليا

فإذا علم هذا فالكواكب التي في السماء من الثوابت و السيارات الجميع مخلوقة خلقها اللَّه تعالى كما قال‏ وَ أَوْحى‏ فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏ و أما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت و ماروت من أن الزهرة كانت امرأة فراوداها على نفسها فأبت الا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فرفعت كوكبا الى السماء فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين و إن كان قد أخرجه كعب الأحبار و تلقاه عنه طائفة من السلف فذكروه على سبيل الحكاية و التحديث عن بنى إسرائيل. و قد روى الامام احمد و ابن حبان في صحيحه في ذلك حديثا رواه احمد عن يحيى ابن بكير عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ذكر القصة بطولها* و فيه فمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها و ذكر القصة. و قد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن كعب‏

____________

[ (1)] قوله و أنى و لو سبحت إلخ معنى البيت انى لأكثر من هذا الدعاء الّذي هو باسمك ربنا الا ما غفرت إلخ. و ما بعد الا زائدة. و ان سبحت اعتراض بين اسم إن و خبرها كما تقول إني لأكثر من هذا الدعاء الّذي هو باسمك ربنا الا و اللَّه يغفر لي فعل كذا و التسبيح هنا بمعنى الصلاة اى لا اعتمد و ان صليت الأعلى دعائك و استغفارك من خطاياي (محمود الامام).

38

الأحبار به. و هذا أصح و أثبت. و قد روى الحاكم في مستدركه و ابن أبى حاتم في تفسيره عن ابن عباس فذكره و قال فيه و في ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب و ذكر تمامه* و هذا أحسن لفظ روى في هذه القصة و اللَّه أعلم* و هكذا الحديث الّذي‏

رواه الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي حدثنا يزيد ابن هارون حدثنا مبشر بن عبيد عن يزيد بن أسلم عن ابن عمر عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و حدثنا عمرو بن عيسى حدثنا عبد الأعلى حدثنا إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذكر سهيلا فقال كان عشارا ظلوما فمسخه اللَّه شهابا

ثم قال لم يروه عن زيد بن أسلم الا مبشر بن عبيد و هو ضعيف الحديث و لا عن عمرو بن دينار الا إبراهيم بن يزيد و هو لين الحديث* و انما ذكرناه على ما فيه من علة لأنا لم نحفظه الا من هذين الوجهين (قلت) أما مبشر بن عبيد القرشي فهو أبو حفص الحمصي و أصله من الكوفة. فقد ضعفه الجميع و قال فيه الامام أحمد و الدارقطنيّ كان يضع الحديث و يكذب و أما إبراهيم بن يزيد فهو الخوزي و هو ضعيف باتفاقهم* قال فيه احمد و النسائي متروك.

و قال ابن معين ليس بثقة و ليس بشي‏ء* و قال البخاري سكتوا عنه. و قال أبو حاتم و أبو زرعة منكر الحديث ضعيف الحديث. و مثل هذا الاسناد لا يثبت به شي‏ء بالكلية. و إذا أحسنا الظن قلنا هذا من أخبار بنى إسرائيل كما تقدم من رواية بن عمر عن كعب الأحبار. و يكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها و اللَّه أعلم*

الكلام على المجرة و قوس قزح‏

قال أبو القاسم الطبراني حدثنا على بن عبد العزيز حدثنا عارم ابو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أن هرقل كتب الى معاوية و قال إن كان بقي فيهم شي‏ء من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه. قال فكتب اليه يسأله عن المجرة و عن القوس و عن بقعة لم تصبها الشمس الا ساعة واجدة* قال فلما أتى معاوية الكتاب و الرسول قال إن هذا الشي‏ء ما كنت آبه له أن أسأل عنه الى يومى هذا من لهذا؟ قيل ابن عباس فطوى معاوية كتاب هرقل فبعث به الى ابن عباس فكتب اليه «أن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق. و المجرة باب السماء الّذي تنشق منه الأرض.

و أما البقعة التي لم تصبها الشمس الا ساعة من النهار فالبحر الّذي أفرج عن بنى إسرائيل و هذا اسناد صحيح الى ابن عباس رضى اللَّه عنه* فاما الحديث الّذي‏

رواه الطبراني حدثنا ابو الزنباع روح بن الفرج‏

39

حدثنا إبراهيم بن مخلد حدثنا الفضل بن المختار عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابن أبى يحيى [ (1)] عن مجاهد عن جابر بن عبد اللَّه قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«يا معاذ إني مرسلك الى قوم أهل كتاب فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل هي لعاب حية تحت العرش»

فإنه حديث منكر جدا بل الأشبه أنه موضوع و راويه الفضل بن المختار هذا أبو سهل البصري* ثم انتقل الى مصر قال فيه أبو حاتم الرازيّ هو مجهول حدث بالأباطيل. و قال الحافظ أبو الفتح الأزدي منكر الحديث جدا. و قال ابن عدي لا يتابع على أحاديثه لا متنا و لا اسنادا* و قال اللَّه تعالى‏ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَ يُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَ هُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ‏ و قال تعالى‏ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏ و

روى الإمام احمد عن يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن شيخ من بنى غفار قال سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول‏

إن اللَّه ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق و يضحك أحسن الضحك‏

و روى موسى بن عبيدة بن سعد بن إبراهيم أنه قال إن نطقه الرعد و ضحكه البرق. و قال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا هشام عن عبيد اللَّه الرازيّ عن محمد بن مسلم قال بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه وجه إنسان و وجه ثور و وجه نسر و وجه أسد فإذا مصع بذنبه فذاك البرق* و قد

روى الامام احمد و الترمذي و النسائي و البخاري في كتاب الأدب و الحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة حدثني ابن مطر عن سالم عن أبيه قال‏

كان رسول اللَّه إذا سمع الرعد و الصواعق قال اللهم لا تقتلنا بغضبك و لا تهلكنا بعذابك و عافنا قبل ذلك‏

* و

روى ابن جرير من حديث ليث عن رجل عن أبى هريرة رفعه‏

كان إذا سمع الرعد قال سبحان من يسبح الرعد بحمده‏

و عن على أنه كان يقول‏

سبحان من سبحت له‏

و كذا عن ابن عباس و الأسود بن يزيد و طاوس و غيرهم* و روى مالك عن عبد اللَّه ابن عمر أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث و قال سبحان من يسبح الرعد بحمده و الملائكة من خيفته و يقول (إن هذا و عيد شديد لأهل الأرض* و

روى الامام احمد عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

قال ربكم لو أن عبيدي أطاعونى لأسقيتهم المطر بالليل و أطلعت عليهم الشمس بالنهار و لما أسمعتهم صوت الرعد فاذكروا اللَّه فإنه لا يصيب ذاكرا

* و كل هذا مبسوط في التفسير و للَّه الحمد و المنة

*

____________

[ (1)] قوله ابن أبى يحى المعروف من شيوخه انه يحى بن يحى.

40

باب ذكر خلق الملائكة و صفاتهم (عليهم السلام)

قال اللَّه تعالى‏ وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ* وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ‏ و قال تعالى‏ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَ الْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ و قال تعالى‏ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏ و قال تعالى‏ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ‏* و قال‏ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ. عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ. وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا و قال تعالى‏ وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ‏ و قال تعالى‏ وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ و قال تعالى‏ وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ و قال تعالى‏ الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و قال تعالى‏ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا* الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَ كانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً و قال تعالى‏ وَ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى‏ رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى‏ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَ يَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً و قال تعالى‏ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ‏ و قال تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ و الآيات في ذكر الملائكة كثيرة جدا يصفهم تعالى بالقوة في العبادة و في الخلق و حسن المنظر و عظمة الأشكال و قوة الشكل في الصور المتعددة كما قال تعالى‏ وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِي‏ءَ بِهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ* وَ جاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ‏ الآيات فذكرنا في التفسير ما ذكره غير واحد من العلماء من أن الملائكة تبدو لهم في صورة شباب حسان امتحانا و اختبارا حتى قامت على قوم لوط الحجة و أخذهم اللَّه أخذ عزيز مقتدر* و كذلك كان جبريل يأتى الى‏

41

النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في صفات متعددة فتارة يأتى في صورة دحية بن خليفة الكلبي و تارة في صورة أعرابى و تارة في صورته التي خلق عليها. له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق و المغرب كما رآه على هذه الصفة مرتين. مرة منهبطا من السماء الى الأرض. و تارة عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى. و هو قوله تعالى‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى‏. وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى‏ أي جبريل كما ذكرناه عن غير واحد من الصحابة* منهم ابن مسعود و أبو هريرة و أبو ذر و عائشة فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏. فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏ أي الى عبد اللَّه محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم قال‏ وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى‏. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى‏. ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏ و قد ذكرنا في أحاديث الاسراء في سورة سبحان أن سدرة المنتهى في السماء السابعة* و في رواية في السادسة أي أصلها و فروعها في السابعة فلما غشيها من أمر اللَّه ما غشيها* قيل غشيها نور الرب جل جلاله* و قيل غشيها فراش من ذهب* و قيل غشيها ألوان متعددة كثيرة غير منحصرة* و قيل غشيها الملائكة مثل الغربان* و قيل غشيها من نور اللَّه تعالى فلا يستطيع أحد أن ينعتها* أي من حسنها و بهائها.

و لا منافاة بين هذه الأقوال إذ الجميع ممكن حصوله في حال واحدة* و ذكرنا

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

. ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كالقلال* و في رواية كقلال هجر و إذا ورقها كآذان الفيلة و إذا يخرج من أصلها نهران باطنان و نهران ظاهران.

فأما الباطنان ففي الجنة. و أما الظاهران فالنيل و الفرات* و تقدم الكلام على هذا في ذكر خلق الأرض و ما فيها من البحار و الأنهار* و فيه ثم رفع لي البيت المعمور و إذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف مالك ثم لا يعودون اليه آخر ما عليهم* و ذكر أنه وجد إبراهيم الخليل (عليه السلام) مستندا ظهره الى البيت المعمور. و ذكرنا وجه المناسبة في هذا أن البيت المعمور هو في السماء السابعة بمنزلة الكعبة في الأرض*

و قد روى سفيان الثوري و شعبة و أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة

أن ابن الكواء سأل على بن أبى طالب عن البيت المعمور فقال هو مسجد في السماء يقال له الضراح، و هو بحيال الكعبة من فوقها. حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلى فيه كل يوم سبعون الفا من الملائكة لا يعودون اليه أبدا* و

هكذا روى على بن ربيعة و أبو الطفيل عن على مثله‏

* و

قال الطبراني أنبانا الحسن بن علوية القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة حدثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

البيت المعمور في السماء يقال له الضراح و هو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يرونه قط فان له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة. يعنى في الأرض و

هكذا قال العوفيّ عن ابن عباس و مجاهد و عكرمة و الربيع بن أنس و السدي و غير واحد

* و

قال قتادة ذكر لنا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال‏

42

يوما لأصحابه هل تدرون ما البيت المعمور قالوا اللَّه و رسوله أعلم* قال قال مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم‏

* و زعم الضحاك أنه تعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الجن من قبيلة إبليس لعنه اللَّه كان يقول سدنته و خدامه منهم و اللَّه أعلم* و قال آخرون. في كل سماء بيت يعمره ملائكته بالعبادة فيه و يفدون اليه بالنوبة و البدل كما يعمر أهل الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام و الاعتمار في كل وقت و الطواف و الصلاة في كل آن* قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في أوائل كتابه المغازي* حدثنا أبو عبيد في حديث مجاهد «أن الحرم حرم مناه (يعنى قدره) من السموات السبع و الأرضين السبع و أنه رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت و في كل أرض بيت لو سقطت سقط بعضها على بعض» ثم روى مجاهد قال مناه أي مقابله و هو حرف مقصور. ثم قال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبى سليمان مؤذن الحجاج سمعت عبد اللَّه بن عمرو يقول «إن الحرم محرم في السموات السبع مقداره من الأرض- و إن بيت المقدس مقدس في السموات السبع مقداره من الأرض كما قال بعض الشعراء

إن الّذي سمك السماء بنى لها* * * بيتا دعائمه أشد و أطول‏

و اسم البيت الّذي في السماء بيت العزة* و اسم الملك الّذي هو مقدم الملائكة فيها إسماعيل* فعلى هذا يكون السبعون ألفا من الملائكة الذين يدخلون في كل يوم الى البيت المعمور ثم لا يعودون اليه.

آخر ما عليهم (أي لا يحصل لهم نوبة فيه إلى آخر الدهر) يكونون من سكان السماء السابعة وحدها.

و لهذا قال تعالى‏ وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ و

قال الامام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبى ذر قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«إني أرى ما لا ترون و أسمع ما لا تسمعون أطّت السماء و حق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرا و لما تلذذتم بالنساء على الفرشات و لخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى اللَّه عز و جل» فقال أبو ذر (و اللَّه لوددت أنى شجرة تعضد) و

رواه الترمذي و ابن ماجة من حديث إسرائيل فقال الترمذي حسن غريب و يروى عن أبى ذر موقوفا

* و

قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا حسين بن عرفة المصري حدثنا عروة بن عمران الرقى حدثنا عبيد اللَّه بن عمرو عن عبد الكريم ابن مالك عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد اللَّه قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

ما في السموات السبع موضع قدم و لا شبر و لا كف إلا و فيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لا نشرك بك شيئا

فدل هذان الحديثان على أنه ما من موضع في السموات السبع إلا و هو مشغول بالملائكة و هم في صنوف من العبادة. منهم من هو قائم أبدا. و منهم‏

43

من هو راكع أبدا و منهم من هو ساجد أبدا و منهم من هو في صنوف أخر و اللَّه أعلم بها. و هم دائمون في عبادتهم و تسبيحهم و أذكارهم و أعمالهم التي أمرهم اللَّه بها، و لهم منازل عند ربهم كما قال تعالى‏ وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ* وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ* وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ‏* و

قال (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربها* قالوا و كيف يصفون عند ربهم قال يكملون الصف الأول و يتراصون في الصف‏

* و

قال‏

فضلنا على الناس بثلاث* جعلت لنا الأرض مسجدا و تربتها لنا طهورا و جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة

و كذلك يأتون يوم القيامة بين يدي الرب جل جلاله صفوفا كما قال تعالى‏ وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا و يقفون صفوفا بين يدي ربهم عز و جل يوم القيامة كما قال تعالى‏ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً* و المراد بالروح هاهنا بنو آدم قاله ابن عباس و الحسن و قتادة* و قيل ضرب من الملائكة يشبهون بنى آدم في الشكل* قاله ابن عباس و مجاهد و أبو صالح و الأعمش* و قيل جبريل* قاله الشعبي و سعيد بن جبير و الضحاك* و قيل ملك يقال له الروح بقدر جميع المخلوقات* قال على بن أبى طلحة عن ابن عباس قوله يوم يقوم الروح قال هو ملك من أعظم الملائكة خلقا* و قال ابن جرير حدثني محمد بن خلف العسقلاني حدثنا داود ابن الجراح عن أبى حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال الروح في السماء الرابعة هو أعظم السموات و الجبال و من الملائكة يسبح كل يوم اثنى عشر ألف تسبيحة يخلق اللَّه من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يحيى يوم القيامة صفا وحده* و هذا غريب جدا* و

قال الطبراني حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكيم المصري حدثنا ابن وهب بن رزق أبو هبيرة حدثنا بشر بن بكر حدثنا الأوزاعي حدثني عطاء عن عبد اللَّه بن عباس قال سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول‏

«إن للَّه ملكا لو قيل له التقم السموات و الأرضين بلقمة واحدة لفعل. تسبيحه سبحانك حيث كنت»

و هذا أيضا حديث غريب جدا* و قد يكون موقوفا* و ذكرنا في صفة حملة العرش‏

عن جابر بن عبد اللَّه قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة اللَّه من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام»

رواه أبو داود و ابن أبى حاتم و لفظه مخفق الطير

سبعمائة عام‏

* و قد ورد في صفة جبريل (عليه السلام) أمر عظيم قال اللَّه تعالى‏ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏ قالوا كان من شدة قوته أنه رفع مدائن قوم لوط و كن سبعا بمن فيها من الأمم و كانوا قريبا من أربعمائة ألف و ما معهم من الدواب و الحيوانات و ما لتلك المدن من الأراضي و المعتملات و العمارات و غير ذلك* رفع ذلك كله على طرف جناحه حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب و صياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها فهذا هو شديد القوى. و قوله ذو مرة أي خلق حسن و بهاء و سناء كما قال في الآية الأخرى‏ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏ أي جبريل رسول من اللَّه كريم أي حسن المنظر

44

ذي قوة أي له قوة و بأس شديد عند ذي العرش مكين أي له مكانه و منزلة عالية رفيعة عند اللَّه ذي العرش المجيد مطاع ثم أي مطاع في الملأ الأعلى أمين أي ذي أمانة عظيمة و لهذا كان هو السفير بين اللَّه و بين أنبيائه (عليهم السلام) الّذي ينزل عليهم بالوحي. فيه الأخبار الصادقة و الشرائع العادلة* و قد كان يأتى الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ينزل عليه في صفات متعددة كما قدمنا. و قد رآه على صفته التي خلقه اللَّه عليها مرتين* له ستمائة جناح كما روى البخاري عن طلق بن غنام عن زائدة الشيباني قال سألت زرّا عن قوله فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى* قال حدثنا عبد اللَّه يعنى ابن مسعود أن محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رأى جبريل له ستمائة جناح* و قال الامام أحمد حدثنا يحيى ابن آدم حدثنا شريك عن جامع بن راشد عن أبى وائل عن عبد اللَّه قال رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جبريل في صورته و له ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق يسقط من جناحه التهاويل [ (1)] من الدر و الياقوت ما اللَّه به عليم. و

قال أحمد أيضا حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه الآية وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى‏ قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

رأيت جبريل و له ستمائة جناح ينتشر من ريشه التهاويل الدر و الياقوت‏

* و

قال أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثنا الحسين [ (2)] حدثني عاصم ابن بهدلة سمعت شقيق بن سلمة يقول سمعت ابن مسعود يقول قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و سلم‏

رأيت جبريل على السدرة المنتهى و له ستمائة جناح فسألت عاصما عن الأجنحة فأبى أن يخبرني قال فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق و المغرب* و هذه أسانيد جيدة قوية انفرد بها أحمد*

و قال أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني حسين حدثني حصين حدثني شقيق سمعت ابن مسعود قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

أتانى جبريل في خضر [ (3)] تعلق به الدر

* إسناده صحيح* و قال ابن جرير حدثنا ابن بزيع البغدادي قال حدثنا إسحاق بن منصور قال حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن عبد الرحمن ابن يزيد عن عبد اللَّه (ما كذب الفؤاد ما رأى) قال رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء و الأرض* إسناد جيد قوى* و

في الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق قال‏

كنت عند عائشة فقلت أ ليس اللَّه يقول «

وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ‏ وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏

» فقالت أنا أول هذه الأمة سأل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عنها فقال إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين‏

____________

[ (1)] قوله التهاويل أي الأشياء المختلفة الألوان و الرواية على ما في النهاية رأى جبريل ينتشر من جناحه الدر و التهاويل‏

[ (2)] قوله الحسين هو ابن واقد مولى عبد اللَّه بن عامر بن كريز أبو عبد اللَّه المروزي قاضيها انتهى‏

[ (3)] قوله في خضر بفتح فكسر لباس أخضر و الضمير في به لخضر محمود الامام.

45

رآه منهبطا من السماء إلى الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء و الأرض‏

* و

قال البخاري حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر (ح) و حدثني يحيى بن جعفر حدثنا وكيع عن عمر ابن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لجبريل‏

ألا تزورنا أكثر مما تزورنا قال فنزلت‏

وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا

الآية

* و روى البخاري من حديث الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس قال كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أجود الناس و كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل و كان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أجود بالخير من الريح المرسلة* و

قال البخاري [ (1)] حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب‏

أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئا فقال له عروة أما إن جبريل قد نزل فصلى أمام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال عمر أعلم ما تقول يا عروة قال سمعت بشير بن أبى مسعود يقول سمعت أبا مسعود يقول سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول نزل جبريل فأمنى فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلوات‏

* و من صفة إسرافيل (عليه السلام) و هو أحد حملة العرش و هو الّذي ينفخ في الصور بأمر ربه نفخات ثلاثة* أولاهن نفخة الفزع و الثانية نفخة الصعق و الثالثة نفخة البعث كما سيأتي بيانه في موضعه من كتابنا هذا بحول اللَّه و قوته و حسن توفيقه* و الصور قرن ينفخ فيه. كل دارة منه كما بين السماء و الأرض. و فيه موضع أرواح العباد حين يأمره اللَّه بالنفخ للبعث فإذا نفخ تخرج الأرواح تتوهج فيقول الرب جل جلاله و عزتي و جلالي لترجعن كل روح إلى البدن الّذي كانت تعمره في الدنيا فتدخل على الأجساد في قبورها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ فتحيى الأجساد و تنشق عنهم الأجداث فيخرجون منها سراعا إلى مقام المحشر كما سيأتي تفصيله في موضعه و لهذا

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«كيف أنعم و صاحب القرن قد التقم القرن و حنى جبهته و انتظر أن يؤذن له* قالوا كيف نقول يا رسول اللَّه قال قولوا

حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏

. على اللَّه توكلنا*

رواه أحمد و الترمذي من حديث عطية العوفيّ عن أبى سعيد الخدريّ‏

* و

قال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعد الطائي عن عطية العوفيّ عن أبى سعيد قال‏

ذكر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صاحب الصور فقال عن يمينه جبريل و عن يساره ميكائيل (عليهم السلام).

و قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ حدثنا محمد بن عمر أن ابن أبى ليلى حدثني عن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس* قال‏

بينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و معه جبريل بناحية إذا انشق أفق السماء فأقبل‏

____________

[ (1)] في كتاب بدء الخلق (محمود الامام).

46

إسرافيل يدنو من الأرض و يتمايل فإذا ملك قد مثل بين يدي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال يا محمد إن اللَّه يأمرك أن تختار بين نبي عبد أو ملك نبي قال فأشار جبريل إلى بيده (أن تواضع) فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبد نبي فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل؟ فقال هذا إسرافيل (عليه السلام) خلقه اللَّه يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه بينه و بين الرب سبعون نورا ما منها من نور يكاد يدنو منه إلا احترق بين يديه لوح فإذا أذن اللَّه في شي‏ء من السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فان كان من عملي أمرنى به و إن كان من عمل ميكائيل أمره به و إن كان من عمل ملك الموت أمره به* قلت يا جبريل و على أي شي‏ء أنت قال على الريح و الجنود* قلت و على أي شي‏ء ميكائيل قال على النبات و القطر قلت و على أي شي‏ء ملك الموت قال على قبض الأنفس و ما ظننت أنه نزل إلا لقيام الساعة و ما الّذي رأيت منى إلا خوفا من قيام الساعة* هذا حديث غريب من هذا الوجه‏

* و

في صحيح مسلم عن عائشة

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان إذا قام من الليل يصلى يقول اللَّهمّ رب جبريل و ميكائيل و إسرافيل فاطر السموات و الأرض عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم‏

* و في حديث الصور أن إسرافيل أول من يبعثه اللَّه بعد الصعق لينفخ في الصور* و ذكر محمد بن الحسن النقاش أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة فجوزي بولاية اللوح المحفوظ* حكاه أبو القاسم السهيليّ في كتابه (التعريف و الأعلام. بما أبهم في القرآن من الأعلام)* و قال تعالى‏ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ‏ عطفهما على الملائكة لشرفهما فجبريل ملك عظيم قد تقدم ذكره* و أما ميكائيل فموكل بالقطر و النبات و هو ذو مكانة من ربه عز و جل و من أشراف الملائكة المقربين* و قد

قال الامام أحمد حدثنا أبو اليمان حدثا ابن عباس عن عمارة بن غزنة الأنصاري أنه سمع حميد بن عبيد مولى بنى المعلى يقول سمعت ثابتا البناني يحدث عن أنس بن مالك عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال لجبريل‏

ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا قط فقال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار

* فهؤلاء الملائكة المصرح بذكرهم في القرآن و في الصحاح هم المذكورون‏

في الدعاء النبوي‏

«اللَّهمّ رب جبريل و ميكائيل و إسرافيل* فجبريل ينزل بالهدى على الرسل لتبليغ الأمم. و ميكائيل موكل بالقطر و النبات اللذين يخلق منهما الأرزاق في هذه الدار

* و له أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه. يصرفون الرياح و السحاب كما يشاء الرب جل جلاله.

و قد روينا

أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا و معها ملك يقررها في موضعها من الأرض «و إسرافيل موكل بالنفخ في الصور للقيام من القبور. و الحضور يوم البعث و النشور ليفوز الشكور. و يجازى الكفور. فذاك ذنبه مغفور. و سعيه مشكور* و هذا قد صار عمله كالهباء المنثور. و هو يدعو بالويل و الثبور «فجبريل (عليه السلام)

47

يحصل بما ينزل به الهدى* و ميكائيل يحصل بما هو موكل به الرزق. و إسرافيل يحصل بما هو موكل به النصر و الجزاء

* و أما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن و لا في الأحاديث الصحاح. و قد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل و اللَّه أعلم* و قد قال اللَّه تعالى‏ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى‏ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ‏ و له أعوان يستخرجون روح العبد من جثته حتى تبلغ الحلقوم فيتناولها ملك الموت بيده فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه فيلقوها في أكفان تليق بها كما قد بسط عند قوله‏ «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ» ثم يصعدون بها فان كانت صالحة فتحت لها أبواب السماء و إلا غلقت دونها و ألقى بها إلى الأرض قال اللَّه تعالى‏ وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ* ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ‏ و عن ابن عباس و مجاهد و غير واحد أنهم قالوا إن الأرض بين يدي ملك الموت مثل الطست يتناول منها حيث يشاء و قد ذكرنا أن ملائكة الموت يأتون الإنسان على حسب عمله إن كان مؤمنا أتاه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب طيبة الأرواح. و إن كان كافرا فبالضد من ذلك* عياذا باللَّه العظيم من ذلك* و قد

قال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا يحيى بن أبى يحيى المقري حدثنا عمرو بن شمر قال سمعت جعفر بن محمد قال سمعت أبى يقول‏

نظر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال ملك الموت يا محمد طب نفسا و قر عينا فانى بكل مؤمن رفيق* و اعلم أن ما في الأرض بيت مدر و لا شعر في بر و لا بحر إلا و أنا أتفحصهم في كل يوم خمس مرات حتى إني أعرف بصغيرهم و كبيرهم بأنفسهم و اللَّه يا محمد لو أنى أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون اللَّه هو الآمر بقبضها.

قال جعفر بن محمد أبى هو الصادق‏

بلغني بتفحصهم عند مواقيت الصلاة فإذا حضر عند الموت فإذا كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك و دفع عنه الشيطان و لقنه الملك (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه) في تلك الحال العظيمة.

هذا حديث مرسل و فيه نظر و ذكرنا

في حديث الصور من طريق إسماعيل بن رافع المدني القاصّ عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبى هريرة عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

(الحديث) بطوله. و فيه و يأمر اللَّه إسرافيل بنفخة الصعق فينفخ نفحة الصعق فيصعق أهل السموات و أهل الأرض إلا من شاء اللَّه فإذا هم قد خمدوا جاء ملك الموت إلى الجبار عز و جل فيقول يا رب قد مات أهل السموات و الأرض إلا من شئت* فيقول اللَّه و هو أعلم بمن بقي (فمن بقي) فيقول بقيت أنت الحي الّذي لا يموت و بقيت حملة عرشك و بقي جبريل و ميكائيل* فيقول ليمت جبريل و ميكائيل فينطق اللَّه العرش فيقول يا رب يموت جبريل‏

48

و ميكائيل فيقول اسكت فانى كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي فيموتان «ثم يأتى ملك الموت الى الجبار عز و جل فيقول يا رب قد مات جبريل و ميكائيل فيقول اللَّه و هو أعلم بمن بقي فمن بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الّذي لا يموت و بقيت حملة عرشك و بقيت أنا فيقول اللَّه لتمت حملة عرشي. فتموت.

و يأمر اللَّه العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتى ملك الموت فيقول يا رب قد مات حملت عرشك فيقول اللَّه و هو اعلم بمن بقي (فمن بقي) فيقول بقيت أنت الحي الّذي لا يموت و بقيت أنا فيقول اللَّه أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا اللَّه الواحد القهار الأحد الصمد الّذي‏

لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ

* كان آخرا كما كان أولا* و ذكر تمام الحديث بطوله‏

رواه الطبراني و ابن جرير و البيهقي و رواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب (الطوالات)

[ (1)] و عنده زيادة غريبة و هي قوله فيقول اللَّه له أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت موتا لا تحيى بعده أبداه و من الملائكة المنصوص على أسمائهم في القرآن هاروت و ماروت في قول جماعة كثيرة من السلف* و قد ورد في قصتهما و ما كان من أمرهما آثار كثيرة غالبها إسرائيليات* و روى الامام أحمد حديثا مرفوعا عن ابن عمر و صححه ابن حبان في تقاسيمه. و في صحته عندي نظر و الأشبه أنه موقوف على عبد اللَّه بن عمر و يكون مما تلقاه عن كعب الأحبار كما سيأتي بيانه و اللَّه أعلم* و فيه أنه تمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر* و عن على و ابن عباس و ابن عمر أيضا ان الزهرة كانت امرأة و أنهما لما طلبا منها ما ذكر أبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فارتفعت إلى السماء فصارت كوكبا* و روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال و في ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب. و هذا اللفظ أحسن ما ورد في شأن الزهرة* ثم قيل كان أمرهما و قصتهما في زمان إدريس* و قيل في زمان سليمان بن داود كما حررنا ذلك في التفسير* و بالجملة فهو خبر إسرائيلي مرجعه الى كعب الأحبار كما رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار بالقصة* و هذا أصح إسنادا و أثبت رجالا و اللَّه أعلم* ثم قد قيل إن المراد بقوله‏ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ‏ قبيلان من الجان قاله ابن حزم و هذا غريب و بعيد من اللفظ* و من الناس من قرأ و ما أنزل على الملكين بالكسر و يجعلهما علجين من أهل فارس. قاله الضحاك. و من الناس من يقول هما ملكان من السماء و لكن‏

____________

[ (1)] قال في كشف الظنون الطوالات للحافظ الكبير أبى موسى محمد بن أبى بكر عمر المديني المتوفى سنة 581 و هي في مجلدين. و فيها الواهي و الموضوع (محمود الامام)

49

سبق في قدر اللَّه لهما ما ذكره من أمرهما إن صح به الخبر و يكون حكمهما كحكم إبليس إن قيل إنه من الملائكة لكن الصحيح أنه من الجن كما سيأتي تقريره* و من الملائكة المسمين في الحديث منكر و نكير (عليهما السلام). و قد استفاض في الأحاديث ذكرهما في سؤال القبر. و قد أوردناها عند قوله تعالى‏ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ و هما فتانا القبر موكلان بسؤال الميت في قبره عن ربه و دينه و نبيه و يمتحنان البر و الفاجر و هما أزرقان افرقان لهما أنياب و أشكال مزعجة و أصوات مفزعة أجارنا اللَّه من عذاب القبر و ثبتنا بالقول الثابت آمين* و

قال البخاري حدثنا عبد اللَّه بن يوسف حدثنا ابن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب حدثني عروة أن عائشة زوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حدثته‏

أنها قالت للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد. قال لقد لقيت من قومك و كان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت و أنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا و أنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن اللَّه قد سمع قول قومك لك و ما ردوا به عليك و قد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم على ثم قال يا محمد فقال ذلك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بل أرجو أن يخرج اللَّه من أصلابهم من يعبد اللَّه وحده و لا يشرك به شيئا* و

رواه مسلم من حديث ابن وهب به‏

* فصل‏

ثم الملائكة (عليهم السلام) بالنسبة الى ما هيأهم اللَّه له أقسام* فمنهم حملة العرش كما تقدم ذكرهم و منهم الكروبيون الذين هم حول العرش و هم أشرف الملائكة مع حملة العرش. و هم الملائكة المقربون كما قال تعالى‏ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ‏ و منهم جبريل و ميكائيل (عليهما السلام). و قد ذكر اللَّه عنهم أنهم يستغفرون للمؤمنين بظهر الغيب كما قال تعالى‏ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ. وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏ و لما كانت سجاياهم هذه السجية الطاهرة كانوا يحبون من اتصف بهذه الصفة فثبت‏

في الحديث عن الصادق المصدوق أنه قال‏

«إذا دعا العبد لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين و لك بمثل‏

* و منهم سكان السموات السبع يعمرونها عبادة دائبة ليلا و نهارا صباحا و مساء كما قال‏ «يُسَبِّحُونَ‏

50

اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ‏* فمنهم الراكع دائما و القائم دائما و الساجد دائما* و منهم الذين يتعاقبون زمرة بعد زمرة الى البيت المعمور كل يوم سبعون الفا لا يعودون اليه آخر ما عليهم* و منهم الموكلون بالجنان و إعداد الكرامة لأهلها و تهيئة الضيافة لساكنيها من ملابس و مصاغ و مساكن و مآكل و مشارب و غير ذلك مما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر* و خازن الجنة ملك يقال له رضوان جاء مصرحا به في بعض الأحاديث* و منهم الموكلون بالنار و هم الزبانية* و مقدموهم تسعة عشر و خازنها مالك و هو مقدم على جميع الخزنة. و هم المذكورون في قوله تعالى‏ وَ قالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ‏ الآية. و قال تعالى‏ وَ نادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ. قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ‏ و قال تعالى‏ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ‏ و قال تعالى‏ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا* كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ* وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ و هم الموكلون بحفظ بنى آدم كما قال تعالى‏ سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ. وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ* لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ‏ قال الوالبي عن ابن عباس (له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من أمر اللَّه) و هي الملائكة و قال عكرمة عن ابن عباس يحفظونه من أمر اللَّه* قال ملائكة يحفظونه من بين يديه و من خلفه فإذا جاء قدر اللَّه خلوا عنه و قال مجاهد ما من عبد الا و ملك موكل بحفظه في نومه و يقظته من الجن و الانس و الهوام. و ليس شي‏ء يأتيه يريده الا قال وراءك الا شي‏ء يأذن اللَّه فيه فيصيبه. و قال أبو اسامة [ (1)] (ما من آدمي الا و معه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له. و

قال أبو مجاز

جاء رجل الى على فقال ان نفرا من مراد يريدون قتلك فقال ان مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه و بينه ان الأجل جنة حصينة.

و منهم الموكلون بحفظ أعمال العباد كما قال تعالى‏ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ. ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ و قال تعالى‏ وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ‏*

قال الحافظ أبو محمد

____________

[ (1)] و في نسخة أبو امامة