البداية و النهاية - ج3

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
347 /
1

-

2

[إسلام قبل الهجرة]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

باب كيفية بدء الوحي إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و ذكر أول شي‏ء أنزل عليه من القرآن العظيم‏

كان ذلك و له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من العمر أربعون سنة. و حكى ابن جرير عن ابن عباس و سعيد بن المسيب: أنه كان عمره إذ ذاك ثلاثا و أربعين سنة.

قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى اللَّه عنها. أنها قالت: أول ما بدئ به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، و كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب اليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- و هو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله و يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها

حتى جاءه الحق و هو في غار حراء. فجاءه الملك فقال اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني قعطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى. فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى. فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد. ثم أرسلنى فقال:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏

فرجع بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يرجف‏

3

فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد. فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة- و أخبرها الخبر- لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا و اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا.

إنك لتصل الرحم و تقوى الضيف، و تحمل الكل، و تكسب المعدوم، و تعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة. و كان امرأ قد تنصر في الجاهلية و كان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب. و كان شيخا كبيرا قد عمى. فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخى ما ذا ترى فأخبره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الّذي كان ينزل على موسى، ياليتنى فيها جذعا، ليتني أكون حيا، إذ يخرجك قومك. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أو مخرجيّ هم؟» فقال: نعم. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. و إن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفى و فتر الوحي [ (1)] فترة. حتى حزن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال فكلما أو في بذروة جبل لكي يلقى نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول اللَّه حقا فيسكن لذلك جأشه، و تقر نفسه. فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك. قال فإذا أوفى بذروة جبل تبدي له جبريل فقال له: مثل ذلك‏

هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري‏

قال ابن شهاب:

و أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال- و هو يحدث عن فترة الوحي- فقال في حديثه:

«بينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء و الأرض. فرعبت منه. فرجعت فقلت: زملوني، زملوني فأنزل اللَّه‏

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ، وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ

فحمى الوحي و تتابع»

ثم قال البخاري تابعه عبد اللَّه بن يوسف، و أبو صالح، يعنى عن الليث، و تابعه هلال بن داود عن الزهري. و قال يونس و معمر:- بوادره. و هذا الحديث قد رواه الامام البخاري (رحمه اللَّه) في كتابه في مواضع منه، و تكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحي استادا و متنا و للَّه الحمد و المنة.

و أخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به، و من طريق يونس و معمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما، و قد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم و رواياته و للَّه الحمد و انتهى سياقه الى قول ورقة: أنصرك نصرا مؤزرا.

____________

[ (1)] الى هنا رواية البخاري في صحيحه مع اختلاف في بعض الألفاظ لا تغير المعنى اهملنا التعرض اليها لئلا نشوش على المطالع.

4

فقول أم المؤمنين عائشة. أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، يقوى ما

ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمر الليثي أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

«فجاءني جبريل و أنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب. فقال: اقرأ، فقلت ما أقرأ؟ فغتني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى»

و ذكر نحو حديث عائشة سواء، فكان هذا كالتوطئة لما يأتى بعده من اليقظة، و قد جاء مصرّحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة.

و قد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: في كتابه دلائل النبوة حدثنا محمد بن احمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة حدثنا جناب بن الحارث حدثنا عبد اللَّه بن الأجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيس. قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي بعد و هذا من قبل علقمة بن قيس نفسه و هو كلام حسن يؤيده ما قبله و يؤيده ما بعده.

ذكر عمره عليه الصلاة و السلام وقت بعثته و تاريخها

قال الامام احمد حدثنا محمد بن أبى عدي عن داود بن أبى هند عن عامر الشّعبي أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نزلت عليه النبوة و هو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلّمه الكلمة و الشي‏ء، و لم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة عشرا بمكة و عشرا بالمدينة. فمات و هو ابن ثلاث و ستين سنة. فهذا اسناد صحيح إلى الشعبي و هو يقتضي أن إسرافيل قرن معه بعد الأربعين ثلاث سنين ثم جاءه جبريل.

و أما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فإنه قد قال: و حديث عائشة لا ينافي هذا فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا. ثم و كل به إسرافيل في تلك المدة التي كان يخلو فيها بحراء فكان يلقى اليه الكلمة بسرعة و لا يقيم معه تدريجا له و تمرينا إلى أن جاءه جبريل. فعلمه بعد ما غطّه ثلاث مرات، فحكت عائشة ما جرى له مع جبريل و لم تحك ما جرى له مع إسرافيل اختصارا للحديث، أو لم تكن وقفت على قصة إسرافيل.

و قال الامام احمد حدثنا يحيي بن هشام عن عكرمة عن ابن عباس أنزل على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو ابن ثلاث و أربعين فمكث بمكة عشرا و بالمدينة عشرا. و مات و هو ابن ثلاث و ستين، و هكذا روى يحيى بن سعيد و سعيد بن المسيب ثم روى احمد عن غندر و يزيد بن هارون كلاهما عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنزل عليه القرآن، و هو ابن أربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة و بالمدينة عشر سنين. و مات و هو ابن ثلاث و ستين سنة. و قال الامام‏

5

أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا عمار بن أبى عمار عن ابن عباس قال أقام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمكة خمس عشرة سنة سبع سنين يرى الضوء و يسمع الصوت و ثماني سنين يوحى اليه و أقام بالمدينة عشر سنين.

قال أبو شامة: و قد كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يرى عجائب قبل بعثته فمن ذلك ما

في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

«إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن»

انتهى كلامه.

و انما كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحب الخلاء و الانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان و السجود للأصنام، و قويت محبته للخلوة عند مقاربة ايحاء اللَّه اليه (صلوات اللَّه و سلامه عليه). و قد ذكر محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن عبد اللَّه بن ابى سفيان بن العلاء بن حارثة- قال: و كان واعية- عن بعض أهل العلم قال: و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسّك فيه. و كان من نسّك قريش في الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة. و هكذا روى عن وهب بن كيسان انه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد اللَّه بن الزبير مثل ذلك، و هذا يدل على أن هذا كان من عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة و لهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:

و ثور و من أرسى ثبيرا مكانه‏* * * وراق ليرقى في حراء و نازل‏

هكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيليّ و أبو شامة و شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي (رحمهم اللَّه)، و قد تصحف على بعض الرواة فقال فيه: وراق ليرقى في حر و نازل- و هذا ركيك و مخالف للصواب و اللَّه أعلم.

و حراء يقصر و يمدّ و يصرف و يمنع، و هو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة مشرفة على الكعبة منحنية و الغار في تلك الحنية و ما أحسن ما قال رؤبة بن العجاج‏

فلا و رب الآمنات القطّن‏* * * و ربّ ركن من حراء منحني‏

و قوله في الحديث: و التحنث التعبد، تفسير بالمعنى، و إلا فحقيقة التحنث من حنث البنية [ (1)] فيما قاله السهيليّ الدخول في الحنث و لكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشي‏ء كحنث أي خرج من الحنث و تحوب و تحرج و تأثم و تهجد هو ترك الهجود و هو النوم للصلاة و تنجس و تقذر أوردها أبو شامة. و قد سئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد. فقال: لا أعرف هذا انما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم (عليه السلام). قال ابن هشام: و العرب تقول التحنث‏

____________

[ (1)] كذا في الحلبية و في المصرية: الثنية و عبارة السهيليّ: و التحنث بالمثلثة بالثاء المثلثة.

6

و التحنف يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا جدف و جذف كما قال رؤبة:

لو كان أحجارى مع الأجذاف‏

يريد الأجداث. قال و حدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فمّ في موضع ثمّ. قلت: و من ذلك قول بعض المفسرين و فومها أن المراد ثومها.

و قد اختلف العلماء في تعبده (عليه السلام) قبل البعثة هل كان على شرع أم لا؟ و ما ذلك الشرع فقيل شرع نوح و قيل شرع إبراهيم. و هو الأشبه الأقوى. و قيل موسى، و قيل عيسى، و قيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه و عمل به، و لبسط هذه الأقوال و مناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه و اللَّه أعلم.

و قوله حتى فجئه الحق و هو بغار حراء أي جاء بغتة على غير موعد كما قال تعالى‏ وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى‏ إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏ الآية. و قد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة و هي‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏ و هي أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير و كما سيأتي أيضا في يوم الاثنين كما ثبت‏

في صحيح مسلّم عن أبى قتادة

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): سئل عن صوم يوم الاثنين؟

فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، و يوم انزل على فيه»

و قال ابن عباس: ولد نبيكم محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الاثنين، و نبئ يوم الاثنين. و هكذا قال عبيد بن عمير و أبو جعفر الباقر و غير واحد من العلماء:

انه عليه الصلاة و السلام أوحى اليه يوم الاثنين، و هذا ما لا خلاف فيه بينهم.

ثم قيل: كان ذلك في شهر ربيع الأول، كما تقدم عن ابن عباس و جابر أنه ولد (عليه السلام)، في الثاني عشر من ربيع الأول يوم الإثنين و فيه بعث و فيه عرج به إلى السماء، و المشهور انه بعث عليه الصلاة و السلام في شهر رمضان، كما نص على ذلك عبيد بن عمير، و محمد بن إسحاق و غيرهما.

قال ابن إسحاق مستدلا على ذلك بما قال اللَّه تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ‏ فقيل في عشره.

و روى الواقدي بسنده عن أبى جعفر الباقر أنه قال:

كان ابتداء الوحي إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان و قيل في الرابع و العشرين منه.

قال الامام احمد: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبى المليح عن واثلة بن الأسقع أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

«أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، و أنزلت التوراة لست مضين من رمضان، و الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، و أنزل القرآن لأربع و عشرين خلت من رمضان»

و روى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعا نحوه، و لهذا ذهب جماعة من الصحابة و التابعين، إلى أن ليلة القدر ليلة أربع و عشرين.

7

و أما

قول جبريل (اقرأ) فقال: «ما أنا بقارئ»

فالصحيح ان قوله «ما أنا بقارئ» نفى أي لست ممن يحسن القراءة. و ممن رجحه النووي و قبله الشيخ أبو شامة. و من قال إنها استفهامية فقوله بعيد لأن الباء لا تزاد في الإثبات. و يؤيد الأول‏

رواية أبى نعيم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه: فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- و هو خائف يرعد-

«ما قرأت كتابا قط و لا أحسنه و ما أكتب و ما أقرأ» فأخذه جبريل فغتّه غتا شديدا. ثم تركه فقال: له اقرأ. فقال محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ما أرى شيئا أقرأه، و ما أقرأ، و ما أكتب» يروى فغطني كما في الصحيحين و غتنى و يروى قد غتنى أي خنقني «حتى بلغ منى الجهد» يروى بضم الجيم و فتحها و بالنصب و بالرفع. و فعل به ذلك ثلاثا.

قال أبو سليمان الخطابي: و إنما فعل ذلك به ليبلو صبره و يحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، و لذلك كان يعتريه مثل حال المحموم و تأخذه الرحضاء أي البهر و العرق. و قال غيره: إنما فعل ذلك لأمور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى اليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس. كما قال تعالى‏ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا و لهذا كان عليه الصلاة و السلام إذا جاءه الوحي يحمر وجهه و يغطّ كما يغط البكر من الإبل و يتفصّد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد.

و قوله فرجع بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى خديجة يرجف فؤاده. و في رواية: بوادره، جمع بادرة قال أبو عبيدة: و هي لحمة بين المنكب و العنق. و قال غيره: هو عروق تضطرب عند الفزع و في بعض الروايات ترجف بآدله واحدتها بادلة. و قيل بادل. و هو ما بين العنق و الترقوة و قيل أصل الثدي.

و قيل لحم الثديين و قيل غير ذلك.

فقال: «زملوني زملوني» فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة: «ما لي؟ أي شي‏ء عرض لي؟» و أخبرها ما كان من الأمر. ثم قال: «لقد خشيت على نفسي»

و ذلك لأنه شاهد أمرا لم يعهده قبل ذلك، و لا كان في خلده. و لهذا قالت خديجة: ابشر، كلا و اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا. قيل من الخزي، و قيل من الحزن، و هذا لعلمها بما أجرى اللَّه به جميل العوائد في خلقه أن من كان متصفا بصفات الخير لا يخزي في الدنيا و لا في الآخرة ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة. فقالت: إنك لتصل الرحم و تصدق الحديث- و قد كان مشهورا بذلك (صلوات اللَّه و سلامه عليه) عند الموافق و المفارق- و تحمل الكلّ. أي عن غيرك تعطى صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤنة عياله- و تكسب المعدوم أي تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك. و يسمى الفقير معدوما لأن حياته ناقصة. فوجوده و عدمه سواء كما قال بعضهم:

ليس من مات فاستراح بميت‏* * * إنما الميت ميّت الأحياء

8

و قال أبو الحسن التهامي، فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم:

عدّ ذا الفقر ميّتا و كساه‏* * * كفنا باليا و مأواه قبرا

و قال الخطابي: الصواب (و تكسب المعدم) أي تبذل اليه أو يكون تلبس العدم بعطية مالا يعيش به. و اختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بالمعدوم هاهنا المال المعطى، أي يعطى المال لمن هو عادمه. و من قال إن المراد إنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير، فقد أبعد النجعة و أغرق في النزع و تكلف ما ليس له به علم، فان مثل هذا لا يمدح به غالبا، و قد ضعّف هذا القول عياض و النووي و غيرهما و اللَّه أعلم.

و تقرى الضيف- أي تكرمه في تقديم قراه، و إحسان مأواه. و تعين على نوائب الحق و يروى الخير، أي إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها، و قمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش، و قوله: ثم أخذته فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل. و كان شيخا كبيرا قد عمى. و قد قدّمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل (رحمه اللَّه). و انه كان ممن تنصّر في الجاهلية ففارقهم و ارتحل إلى الشام، هو و زيد بن عمرو و عثمان بن الحويرث، و عبيد اللَّه بن جحش فتنصّروا كلهم، لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق، إلّا زيد بن عمرو بن نفيل فإنه رأى فيه دخلا و تخبيطا و تبديلا و تحريفا و تأويلا. فأبت فطرته الدخول فيه أيضا، و بشروه الأحبار و الرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه و اقترب أوانه، فرجع يتطلب ذلك، و استمر على فطرته و توحيده. لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية. و أدركها ورقة بن نوفل و كان يتوسّمها في رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما قدمنا بما كانت خديجة تنعته له و تصفه له، و ما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة و ما ظهر عليه من الدلائل و الآيات، و لهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و جاءت به اليه فوقفت به عليه. و قالت: ابن عم اسمع من ابن أخيك، فلما قص عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبر ما رأى قال ورقة: سبّوح سبّوح، هذا الناموس الّذي أنزل على موسى، و لم يذكر عيسى و إن كان متأخرا بعد موسى، لأنه كانت شريعته متممة و مكملة لشريعة موسى (عليهما السلام)، و نسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء. كما قال‏ وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ‏. و قول ورقة هذا كما قالت الجن: يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى‏ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ‏. ثم‏

قال ورقة: يا ليتني فيها جذعا. أي ياليتنى أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان و العلم النافع و العمل الصالح، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك يعنى حتى أخرج معك و أنصرك؟ فعندها قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أو مخرجيّ هم؟»

قال السهيليّ و انما قال ذلك، لأن فراق الوطن شديد على النفوس، فقال: نعم! انه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، و إن‏

9

يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا أي أنصرك نصرا عزيزا أبدا. و

قوله‏

«ثم لم ينشب ورقة أن توفى»

أي توفى بعد هذه القصة بقليل (رحمه اللَّه) و رضى عنه، فان مثل هذا الّذي صدر عنه تصديق بما وجد و ايمان بما حصل من الوحي و نية صالحة للمستقبل.

و قد قال الامام احمد حدثنا حسن عن ابن لهيعة حدثني أبو الأسود عن عروة عن عائشة.

أن خديجة سألت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن ورقة بن نوفل فقال: «قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض».

و هذا اسناد حسن لكن رواه الزهري و هشام عن عروة مرسلا فاللَّه أعلم و

روى الحافظ أبو يعلى عن شريح بن يونس عن إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد اللَّه‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سئل عن ورقة بن نوفل فقال: «قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة و عليه السندس». و سئل عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال «يبعث يوم القيامة امة وحده». و سئل عن أبى طالب فقال: «أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها» و سئل عن خديجة لأنها ماتت قبل الفرائض و أحكام القرآن- فقال: «أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه و لا نصب»

اسناد حسن و لبعضه شواهد في الصحيح و اللَّه أعلم.

و قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. قالت قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

«لا تسبوا ورقة فانى رأيت له جنة أو جنتين» و

كذا رواه ابن عساكر من حديث أبى سعيد الأشج عن أبى معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة و هذا اسناد جيد. و روى مرسلا و هو أشبه.

و روى الحافظان البيهقي و أبو نعيم في كتابهما دلائل النبوة من حديث يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن عمرو بن شرحبيل أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لخديجة:

«انى إذا خلوت وحدي سمعت نداء، و قد خشيت و اللَّه أن يكون لهذا أمر». قالت: معاذ اللَّه ما كان ليفعل ذلك بك فو اللَّه إنك لتؤدي الأمانة، و تصل الرحم، و تصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر و ليس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم ذكرت له خديجة فقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخذ بيده أبو بكر. فقال: انطلق بنا إلى ورقة قال: «و من أخبرك؟» قال خديجة فانطلقا اليه فقصّا عليه. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأرض». فقال له لا تفعل. إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك ثم ائتني فأخبرني. فلما خلا ناداه يا محمد قل‏

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)

حتى بلغ‏

(وَ لَا الضَّالِّينَ)

قل لا إله إلا اللَّه. فأتى ورقة فذكر له ذلك، فقال له ورقة: ابشر ثم ابشر. فأنا اشهد

10

انك الّذي بشّر بك ابن مريم، و انك على مثل ناموس موسى، و انك نبي مرسل، و انك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا. و لئن أدركني ذلك لأجاهدنّ معك. فلما توفى. قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

«لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بى و صدقنى» يعنى ورقة. هذا لفظ البيهقي‏

و هو مرسل و فيه غرابة و هو كون الفاتحة أول ما نزل و قد قدمنا من شعره ما يدل على إضماره الايمان و عقده عليه و تأكده عنده، و ذلك حين أخبرته خديجة ما كان من امره مع غلامها ميسرة و كيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ. فقال ورقة في ذلك اشعارا قدمناها قبل هذا، منها قوله:

لججت و كنت في الذكرى لجوجا* * * لأمر طالما بعث النشيجا

و وصف من خديجة بعد وصف‏* * * فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطن المكتين على رجائي‏* * * حديثك أن أرى منه خروجا

بما خبرتنا من قول قس‏* * * من الرهبان اكره ان يعوجا

بأنّ محمدا سيسود قوما* * * و يخصم من يكون له حجيجا

و يظهر في البلاد ضياء نور* * * يقيم به البرية ان [ (1)] تعوجا

فيلقى من يحاربه خسارا* * * و يلقى من يسالمه فلوجا

فيا ليتى إذا ما كان ذاكم‏* * * شهدت و كنت أولهم ولوجا

و لو كان الّذي كرهت قريش‏* * * و لو عجت بمكتها عجيجا

أرجى بالذي كرهوا جميعا* * * إلى ذي العرش إذ سفلوا عروجا

فان يبقوا و ابق يكن أمورا* * * يضج الكافرون لها ضجيجا

و قال أيضا في قصيدته الأخرى:

و اخبار صدق خبرت عن محمد* * * يخبرها عنه إذا غاب ناصح‏

بان ابن عبد اللَّه احمد مرسل‏* * * إلى كل من ضمت عليه الأباطح‏

و ظني به ان سوف يبعث صادقا* * * كما أرسل العبدان هود و صالح‏

و موسى و إبراهيم حتى يرى له‏* * * بهاء و منشور من الحق [ (2)] واضح‏

و يتبعه حيّا لؤيّ بن غالب‏* * * شبابهم و الأشيبون الجحاجح‏

فان ابق حتى يدرك الناس دهره‏* * * فانى به مستبشر الود فارح‏

و إلا فانى يا خديجة فاعلمي‏* * * عن أرضك في الأرض العريضة سائح‏

____________

[ (1)] وردت في السيرة لابن هشام: أن تموجا. مع بعض اختلاف في بعض الألفاظ.

[ (2)] في الحلبية: من الذكر واضح. و القصيدة ذكرها السهيليّ و فيها طول.

11

و قال يونس من بكير عن ابن إسحاق قال ورقة:

فان يك حقا يا خديجة فاعلمي‏* * * حديثك إيانا فأحمد مرسل‏

و جبريل يأتيه و ميكال معهما* * * من اللَّه وحي يشرح الصدر منزل‏

يفوز به من فاز فيها بتوبة* * * و يشقى به العاني الغرير المضلل‏

فريقان منهم فرقة في جنانه‏* * * و اخرى بأحواز الجحيم تعلل‏

إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت‏* * * مقامع في هاماتهم ثم تشعل‏

فسبحان من يهوى الرياح بأمره‏* * * و من هو في الأيام ما شاء يفعل‏

و من عرشه فوق السموات كلها* * * و قضاؤه في خلقه لا تبدل‏

و قال ورقة أيضا:

يا للرجال و صرف الدهر و القدر* * * و ما لشي‏ء قضاه اللَّه من غير

حتى خديجة تدعوني لأخبرها* * * أمرا أراه سيأتي الناس من أخر

و خبرتني بأمر قد سمعت به‏* * * فيما مضى من قديم الدهر و العصر

بأنّ احمد يأتيه فيخبره‏* * * جبريل انك مبعوث إلى البشر

فقلت علّ الّذي ترجين ينجزه‏* * * لك الإله فرجي الخير و انتظري‏

و ارسليه إلينا كي نسائله‏* * * عن امره ما يرى في النوم و السهر

فقال حين أتانا منطقا عجبا* * * يقفّ منه اعالى الجلد و الشعر

إني رأيت أمين اللَّه واجهني‏* * * في صورة أكملت من أعظم الصور

ثم استمر فكاد الخوف يذعرنى‏* * * مما يسلّم من حولي من الشجر

فقلت ظني و ما أدرى أ يصدقنى‏* * * ان سوف يبعث يتلو منزل السور

و سوف يبليك ان أعلنت دعوتهم‏* * * من الجهاد بلا منّ و لا كدر

هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي من الدلائل و عندي في صحتها عن ورقة نظر و اللَّه أعلم.

و قال ابن إسحاق حدثني عبد الملك بن عبد اللَّه بن أبى سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي- و كان داعية- عن بعض أهل العلم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين أراد اللَّه كرامته و ابتدأه بالنّبوّة كان إذا خرج لحاجة أبعد حتى يحسر الثوب عنه و يفضي الى شعاب مكة و بطون أوديتها فلا يمر بحجر و لا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول اللَّه. قال فيلتفت حوله عن يمينه و عن شماله و خلفه فلا يرى إلا الشجر و الحجارة فمكث كذلك يرى و يسمع ما شاء اللَّه أن يمكث، ثم جاءه جبريل (عليه السلام) بما جاء من كرامة اللَّه و هو بحراء في رمضان‏

قال ابن إسحاق و حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال‏

12

سمعت عبد اللَّه بن الزبير و هو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا

يا عبيد كيف كان بدو ما ابتدئ به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من النبوة حين جاءه جبريل قال فقال عبيد و أنا حاضر- يحدث عبد اللَّه ابن الزبير و من عنده من الناس-: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يجاور في حراء في كل سنة شهرا يتحنث قال و كان ذلك مما يحبب به قريش في الجاهلية و التحنث التبرر فكان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللَّه من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الّذي أراد اللَّه به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها و ذلك الشهر رمضان خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره و معه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه اللَّه فيها برسالته و رحم العباد به جاءه جبريل بأمر اللَّه تعالى قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «فجاءني و أنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ؟ قلت ما اقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال اقرأ قلت ما أقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلنى، فقال اقرأ قلت ما اقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت به الموت ثم أرسلنى. فقال اقرأ قلت ما ذا اقرأ ما أقول ذلك إلا اقتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ‏

. قال فقرأتها ثم انتهى و انصرف عنى و هببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا. قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول اللَّه و أنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فأنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول اللَّه و أنا جبريل فوقفت انظر اليه فما أتقدم و ما أتأخر و جعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فما انظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامى و ما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبى فبلغوا مكة و رجعوا اليها و أنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عنى و انصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا اليها فقالت يا أبا القاسم أين كنت؟ فو اللَّه لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة و رجعوا الى ثم حدثتها بالذي رأيت. فقالت أبشر يا ابن العم و اثبت فو الّذي نفس خديجة بيده انى لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال ورقة: قدوس قدوس و الّذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الّذي كان يأتى موسى و أنه لنبي هذه الأمة، و قولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرته بقول ورقة فلما قضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جواره و انصرف صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل و هو يطوف‏

13

بالكعبة فقال يا ابن أخى أخبرنى بما رأيت و سمعت فأخبره فقال له ورقة و الّذي نفسي بيده انك لنبي هذه الأمة و لقد جاءك الناموس الأكبر الّذي جاء موسى، و لتكذبنه و لتؤذينه و لتخرجنه و لتقاتلنه، و لئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن اللَّه نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى منزله».

و هذا الّذي ذكره عبيد بن عمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة كما تقدم من قول عائشة رضى اللَّه عنها فكان لا يرى رؤيا الا جاءت مثل فلق الصبح. و يحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ و يحتمل أنه كان بعده بمدة و اللَّه أعلم.

و قال موسى بن عقبة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال و كان فيما بلغنا أول ما رأى يعنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن اللَّه تعالى أراه رؤيا في المنام فشق ذلك عليه فذكرها لامرأته خديجة فعصمها اللَّه عن التكذيب و شرح صدرها للتصديق فقالت أبشر فان اللَّه لم يصنع بك إلا خيرا ثم إنه خرج من عندها ثم رجع اليها فأخبرها أنه رأى بطنه شق ثم غسل و طهر ثم أعيد كما كان قالت هذا و اللَّه خير فأبشر ثم استعلن له جبريل و هو بأعلى مكة فأجلسه على مجلس كريم معجب كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول أجلسنى على بساط كهيئة الدرنوك فيه الياقوت و اللؤلؤ فبشره برسالة اللَّه عز و جل حتى اطمأن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له جبريل اقرأ فقال كيف اقرأ فقال: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ». قال و يزعم ناس أن «يا أيها المدثر» أول سورة نزلت عليه و اللَّه أعلم. قال فقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رسالة ربه و اتبع ما جاءه به جبريل من عند اللَّه فلما انصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمرّ على شجر و لا حجر إلا سلّم عليه فرجع إلى أهله مسرورا موقنا أنه قد رأى أمرا عظيما فلما دخل على خديجة قال أ رأيتك التي كنت حدّثتك أنى رأيته في المنام فإنه جبريل استعلن إليّ أرسله إليّ ربى عز و جل و أخبرها بالذي جاءه من اللَّه و ما سمع منه فقالت أبشر فو اللَّه لا يفعل اللَّه بك إلا خيرا و اقبل الّذي جاءك من أمر اللَّه فإنه حق و أبشر فإنك رسول اللَّه حقا. ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عداس فقالت له يا عداس أذكرك باللَّه إلا ما أخبرتنى هل عندك علم من جبريل فقال: قدوس قدوس ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان. فقالت: أخبرنى بعلمك فيه. قال فإنه أمين اللَّه بينه و بين النبيين و هو صاحب موسى و عيسى (عليهما السلام). فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل فذكرت له ما كان من أمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما ألقاه اليه جبريل. فقال لها ورقة: يا بنية أخى ما أدرى لعل صاحبك النبي الّذي ينتظر أهل الكتاب الّذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل، و أقسم باللَّه لئن كان إياه ثم‏

14

أظهر دعواه و أنا حىّ لأبلين اللَّه في طاعة رسوله و حسن مؤازرته للصبر و النصر. فمات ورقة (رحمه اللَّه). قال الزهري فكانت خديجة أول من آمن باللَّه و صدق رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال الحافظ البيهقي بعد إيراده ما ذكرناه و الّذي ذكر فيه من شق بطنه يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه يعنى شق بطنه عند حليمة و يحتمل أن يكون شق مرة أخرى ثم ثالثة حين عرج به إلى السماء و اللَّه أعلم.

و قد [ (1)] ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ورقة باسناده إلى سليمان بن طرخان التيمي. قال:

بلغنا أن اللَّه تعالى بعث محمدا رسولا على رأس خمسين سنة من بناء الكعبة و كان أول شي‏ء اختصه به من النبوة و الكرامة رؤيا كان يراها فقص ذلك على زوجته خديجة بنت خويلد فقالت له: ابشر فو اللَّه لا يفعل اللَّه بك إلا خيرا فبينما هو ذات يوم في حراء و كان يفر اليه من قومه إذ نزل عليه جبريل فدنا منه فخافه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مخافة شديدة فوضع جبريل يده على صدره و من خلفه بين كتفيه. فقال: اللَّهمّ احطط وزره، و اشرح صدره، و طهر قلبه، يا محمد ابشر! فإنك نبي هذه الأمة.

اقرأ فقال له نبي اللَّه: و هو خائف يرعد- ما قرأت كتابا قط و لا أحسنه و ما أكتب و ما أقرأ فأخذه جبريل فغته غتا شديدا ثم تركه ثم قال له اقرأ فأعاد عليه مثله فأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك فرأى فيه من صفائه و حسنه كهيئة اللؤلؤ و الياقوت و قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏ الآيات ثم قال له لا تخف يا محمد إنك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو خائف فأتاه جبريل من امامه و هو في صعرته فرأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمرا عظيما ملأ صدره فقال له جبريل لا تخف يا محمد جبريل رسول اللَّه جبريل رسول اللَّه الى أنبيائه و رسله فأيقن بكرامة اللَّه فإنك رسول اللَّه فرجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يمر على شجر و لا حجر الا هو ساجد يقول السلام عليك يا رسول اللَّه. فاطمأنت نفسه و عرف كرامة اللَّه إياه فلما انتهى إلى زوجته خديجة أبصرت ما بوجهه من تغير لونه فأفزعها ذلك، فقامت اليه فلما دنت منه جعلت تمسح عن وجهه و تقول لعلك لبعض ما كنت ترى و تسمع قبل اليوم فقال يا خديجة أ رأيت الّذي كنت أرى في المنام و الصوت الّذي كنت اسمع في اليقظة و أهال منه فإنه جبريل قد استعلن لي و كلمني و اقرأنى كلاما فزعت منه ثم عاد الى فأخبرني انى نبي هذه الأمة فأقبلت راجعا فأقبلت على شجر و حجارة فقلن السلام عليك يا رسول اللَّه. فقالت خديجة: ابشر فو اللَّه لقد كنت اعلم ان اللَّه لن يفعل بك الا خيرا و اشهد انك نبي هذه الأمة الّذي تنتظره اليهود قد أخبرني به ناصح غلامي و بحيرى الراهب و أمرني ان أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة. فلم تزل برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى طعم و شرب و ضحك ثم خرجت إلى الراهب و كان قريبا من مكة فلما دنت منه و عرفها.

____________

[ (1)] من هنا الى و قال البيهقي حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ ساقط من النسخة المصرية.

15

قال: مالك يا سيدة نساء قريش؟ فقالت: أقبلت إليك لتخبرني عن جبريل فقال سبحان اللَّه ربنا القدوس ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد التي يعبد أهلها الأوثان جبريل أمين اللَّه و رسوله الى أنبيائه و رسله و هو صاحب موسى و عيسى، فعرفت كرامة اللَّه لمحمد ثم أتت عبدا لعتبة بن ربيعة يقال له عداس فسألته فأخبرها بمثل ما أخبرها به الراهب و أزيد. قال: جبريل كان مع موسى حين أغرق اللَّه فرعون و قومه، و كان معه حين كلمه اللَّه على الطور، و هو صاحب عيسى بن مريم الّذي أيده اللَّه به. ثم قامت من عنده فاتت ورقة بن نوفل فسألته عن جبريل فقال لها مثل ذلك ثم سألها ما الخبر فأحلفته أن يكتم ما تقول له فحلف لها فقالت له إن ابن عبد اللَّه ذكر لي و هو صادق أحلق باللَّه ما كذب و لا كذب أنه نزل عليه جبريل بحراء و أنه أخبره أنه نبي هذه الأمة و أقرأه آيات أرسل بها. قال: فذعر ورقة لذلك و قال لئن كان جبريل قد استقرت قدماه على الأرض لقد نزل على خير أهل الأرض و ما نزل إلا على نبي و هو صاحب الأنبياء و الرسل يرسله اللَّه إليهم و قد صدقتك عنه فأرسلي إلى ابن عبد اللَّه أسأله و أسمع من قوله و أحدثه فانى أخاف أن يكون غير جبريل فان بعض الشياطين يتشبه به ليضل به بعض بنى آدم و يفسدهم حتى يصير الرجل بعد العقل الرضى مدلها مجنونا. فقامت من عنده و هي واثقة باللَّه أن لا يفعل بصاحبها إلا خيرا فرجعت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرته بما قال ورقة فانزل اللَّه تعالى: ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ‏ الآيات. فقال لها: كلا و اللَّه إنه لجبريل فقالت له أحب أن تأتيه فتخبره لعل اللَّه أن يهديه فجاءه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له ورقة هذا الّذي جاءك جاءك في نور أو ظلمة فأخبره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن صفة جبريل و ما رآه من عظمته و ما أوحاه اليه. فقال ورقة: أشهد أن هذا جبريل و أن هذا كلام اللَّه فقد أمرك بشي‏ء تبلغه قومك و انه لأمر نبوة فان أدرك زمانك أتبعك ثم قال أبشر ابن عبد المطلب بما بشرك اللَّه به. قال: و ذاع قول ورقة و تصديقه لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فشق ذلك على الملأ من قومه قال و فتر الوحي. فقالوا: لو كان من عند اللَّه لتتابع و لكن اللَّه قلاه فانزل اللَّه و الضحى و أ لم نشرح بكمالهما.

و قال البيهقي حدثنا أبو عبد اللَّه الحافظ حدثنا أبو العباس حدثنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن إسحاق حدثني إسماعيل بن أبى حكيم مولى آل الزبير أنه حدثه عن خديجة بنت خويلد

أنها قالت لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيما بينه مما أكرمه اللَّه به من نبوته: يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الّذي يأتيك إذا جاءك. فقال نعم! فقالت: إذا جاءك فأخبرني. فبينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عندها إذا جاء جبريل فرآه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقال: يا خديجة! هذا جبريل فقالت! أ تراه الآن قال نعم! قالت فاجلس إلى شقي الأيمن فتحول فجلس فقالت أ تراه الآن قال نعم! قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها فقالت هل تراه الآن قال نعم! فتحسرت رأسها فشالت‏

16

خمارها و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس في حجرها فقالت هل تراه الآن قال لا قالت ما هذا بشيطان ان هذا لملك يا ابن عم فاثبت و أبشر ثم آمنت به و شهدت أن ما جاء به هو الحق.

قال ابن إسحاق فحدثت عبد اللَّه بن حسن هذا الحديث فقال قد سمعت أمى فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة

إلا أنى سمعتها تقول أدخلت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بينها و بين درعها فذهب عندك ذلك جبريل (عليه السلام). قال: البيهقي و هذا شي‏ء كان من خديجة تصنعه تستثبت به الأمر احتياطا لدينها و تصديقا. فاما النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقد كان وثق بما قال له جبريل و أراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى، و ما كان من تسليم الشجر و الحجر عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تسليما.

و قد قال مسلّم في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن بكير حدثنا إبراهيم بن طهمان حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة رضى اللَّه عنه. أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

«إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن بعث إني لأعرفه الآن».

و قال أبو داود الطيالسي حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

«إن بمكة لحجرا كان يسلم على ليالي بعثت إني لأعرفه إذا مررت عليه».

و روى البيهقي من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن عباد بن عبد اللَّه عن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه. قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر و لا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول اللَّه. و في رواية لقد رأيتني أدخل معه الوادي فلا يمر بحجر و لا شجر إلا قال السلام عليكم يا رسول اللَّه و أنا أسمعه.

فصل‏

قال البخاري في روايته المتقدمة ثم فتر الوحي حتى حزن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال فكلما أو في بذروة جبل لكي يلقى نفسه تبدي له جبريل فقال يا محمد انك رسول اللَّه حقا فيسكن لذلك جأشه و تقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدي له جبريل فقال له مثل ذلك. و في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال سمعت أبا سلمة عبد الرحمن يحدث عن جابر بن عبد اللَّه قال سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحدث عن فترة الوحي قال: فبينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى قبل السماء فإذا الملك الّذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء فجثيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني فانزل اللَّه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ قال ثم حمى الوحي و تتابع فهذا كان أول ما نزل من القرآن‏

17

بعد فترة الوحي لا مطلقا، ذاك قوله‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏ و قد ثبت عن جابر أن أول ما نزل‏ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ و اللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه فان في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجي‏ء الملك الّذي عرفه ثانيا بما عرفه به أولا اليه. ثم قوله: يحدث عن فترة الوحي دليل على تقدم الوحي على هذا الإيحاء و اللَّه أعلم. و قد ثبت في الصحيحين من حديث على بن المبارك و عند مسلم و الأوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبى كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن أي القرآن أنزل قبل.

فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت و اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏ فقال سألت جابر بن عبد اللَّه أي القرآن أنزل قبل فقال‏ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت و اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ‏ فقال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إني جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت بين يدي و خلفي و عن يميني و عن شمالي فلم أر شيئا ثم نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني رعدة- أو قال وحشة- فأتيت خديجة فأمرتهم فدثروني فانزل اللَّه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ حتى بلغ‏ وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ- و قال في رواية- فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء و الأرض فجثيت منه» و هذا صريح في تقدم إتيانه اليه و انزاله الوحي من اللَّه عليه كما ذكرناه و اللَّه أعلم. و منهم زعم أن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة وَ الضُّحى‏ وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى‏ ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏ إلى آخرها. قاله محمد بن إسحاق. و قال بعض القراء: و لهذا كبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أولها فرحا و هو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي الصحيح من أن أول القرآن نزولا بعد فترة الوحي: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ و لكن نزلت سورة و الضحى بعد فترة أخرى كانت ليالي يسيرة كما ثبت في الصحيحين و غيرهما من حديث الأسود بن قيس عن جندب بن عبد اللَّه البجلي قال: اشتكى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا فقالت امرأة ما أرى شيطانك الا تركك فانزل اللَّه‏ وَ الضُّحى‏ وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى‏ ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى‏ و بهذا الأمر حصل الإرسال إلى الناس و بالأول حصلت النبوة. و قد قال بعضهم كانت مدة الفترة قريبا من سنتين أو سنتين و نصفا، و الظاهر و اللَّه أعلم أنها المدة التي اقترن معه ميكائيل كما قال الشعبي و غيره، و لا ينفى هذا تقدم ايحاء جبريل اليه أولا اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏ ثم اقترن به جبريل بعد نزول‏ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ و ثم حمى الوحي بعد هذا و تتابع- أي تدارك شيئا بعد شي‏ء- و قام حينئذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الرسالة أتم القيام و شمر عن ساق العزم و دعا إلى اللَّه القريب و البعيد، و الأحرار و العبيد، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، و استمر على مخالفته و عصيانه كل جبار عنيد، فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، و من الغلمان على بن أبى طالب، و من النساء خديجة بنت خويلد زوجته (عليه السلام)، و من الموالي مولاه زيد بن حارثة الكلبي رضى‏

18

اللَّه عنهم و أرضاهم. و تقدم الكلام على ايمان ورقة بن نوفل بما وجد من الوحي و مات في الفترة رضى اللَّه عنه.

فصل‏

في منع الجان و مردة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن لئلا يختطف أحدهم منه و لو حرفا واحدا فيلقيه على لسان وليه فيلتبس الأمر و يختلط الحق فكان من رحمة اللَّه و فضله و لطفه بخلقه أن حجهم عن السماء كما قال اللَّه تعالى إخبارا عنهم في قوله: وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً. وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً، وَ أَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً. و قال تعالى: وَ ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَ ما يَنْبَغِي لَهُمْ وَ ما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ‏. قال الحافظ أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد- و هو الطبراني- حدثنا عبد اللَّه بن محمد ابن سعيد بن أبى مريم حدثنا محمد بن يوسف الفريابي حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس. قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعا فاما الكلمة فتكون حقا و أما ما زادوا فتكون باطلا، فلما بعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس و لم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس هذا لأمر قد حدث في الأرض فبعث جنوده فوجدوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قائما يصلّى بين جبلين فاتوه فأخبروه فقال هذا الأمر الّذي قد حدث في الأرض. و قال أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: انطلق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه عامدين الى سوق عكاظ و قد حيل بين الشياطين و بين خبر السماء و أرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم؟ قالوا حيل بيننا و بين خبر السماء و أرسلت علينا الشهب فقالوا ما ذاك إلا من شي‏ء حدث فاضربوا مشارق الأرض و مغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة و هو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ و هو يصلّى بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا هذا الّذي حال بيننا و بين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً فأوحى اللَّه إلى نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ‏ الآية. أخرجاه في الصحيحين و قال أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: إنه لم تكن قبيلة من الجن إلا و لهم مقاعد للسمع فإذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتا كصوت الحديدة ألقيتها على الصفا، قال فإذا سمعت الملائكة خروا سجدا فلم يرفعوا رءوسهم‏

19

حتى ينزل فإذا نزل قال بعضهم لبعض: ما ذا قال ربكم؟ فان كان مما يكون في السماء قالوا الحق و هو العلى الكبير، و إن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب أو موت أو شي‏ء مما يكون في الأرض تكلموا به فقالوا يكون كذا و كذا فتسمعه الشياطين فينزلونه على أوليائهم فلما بعث النبي محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دحروا بالنجوم فكان أول من علم بها ثقيف فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح كل يوم شاة و ذا الإبل فينحر كل يوم بعيرا فأسرع الناس في أموالهم فقال بعضهم لبعض لا تفعلوا فان كانت النجوم التي يهتدون بها و إلا فإنه لأمر حدث فنظروا فإذا النجوم التي يهتدى بها كما هي لم يزل منها شي‏ء فكفوا و صرف اللَّه الجن فسمعوا القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا و انطلقت الشياطين إلى إبليس فأخبروه. فقال: هذا حدث حدث في الأرض فأتونى من كل أرض بتربة فأتوه بتربة تهامة فقال هاهنا الحدث. و رواه البيهقي و الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب. و قال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن عمر بن عبدان العبسيّ عن كعب قال لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فرمى بها فرأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم و يعتقون أرقّاءهم يظنون أنه الفناء، فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف ففعلت ثقيف مثل ذلك فبلغ عبد ياليل بن عمرو ما صنعت ثقيف. قال: و لم فعلتم ما أرى؟ قالوا رمى بالنجوم فرأيناها تهافت من السماء فقال إن افادة المال بعد ذهابه شديد فلا تعجلوا و انظروا فان تكن نجوما تعرف فهو عندنا من فناء الناس و إن كانت نجوما لا تعرف فهو لأمر قد حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال الأمر فيه مهلة بعد هذا عند ظهور نبي. فلما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم عليهم أبو سفيان بن حرب إلى أمواله فجاء عبد ياليل فذاكره أمر النجوم فقال أبو سفيان:

ظهر محمد بن عبد اللَّه يدعى أنه نبي مرسل فقال عبد ياليل فعند ذلك رمى بها. و قال سعيد بن منصور عن خالد بن حصين عن عامر الشعبي. قال: كانت النجوم لا يرمى بها حتى بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسيبوا أنعامهم و أعتقوا رقيقهم. فقال عبد يا ليل: انظروا فان كانت النجوم التي تعرف فهو عند فناء الناس و إن كانت لا تعرف فهو لأمر قد حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف. قال: فامسكوا فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم خروج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و روى البيهقي و الحاكم من طريق العوفيّ عن ابن عباس. قال: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى و محمد (صلوات اللَّه عليهما و سلامه).

فلعل مراد من نفى ذلك انها لم تكن تحرس حراسة شديدة و يجب حمل ذلك على هذا لما ثبت في الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن على بن الحسين عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما بينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس إذ رمى بنجم فاستنار فقال: «ما كنتم تقولون إذا رمى بهذا؟» قال كنا نقول مات عظيم، و ولد عظيم فقال: «لا و لكن». فذكر الحديث كما تقدم عند خلق‏

20

السماء و ما فيها من الكواكب في أول بدء الخلق و اللَّه الحمد.

و قد ذكر ابن إسحاق في السيرة قصة رمى النجوم و ذكر عن كبير ثقيف أنه قال لهم في النظر في النجوم: إن كانت أعلام السماء أو غيرها و لكن سماه عمرو بن أمية فاللَّه أعلم. و قال السدي لم تكن السماء تحرس الا أن يكون في الأرض نبي أو دين للَّه ظاهر و كانت الشياطين قبل محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد اتخذت المقاعد في سماء الدنيا يستمعون ما يحدث في السماء من أمر فلما بعث اللَّه محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نبيا رجموا ليلة من الليالي، ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا: هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء و اختلاف الشهب فجعلوا يعتقون أرقّاءهم، و يسيبون مواشيهم. فقال لهم عبد ياليل بن عمرو ابن عمير: و يحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم و انظروا الى معالم النجوم فان رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء و إنما هو من ابن أبى كبشة، و إن أنتم لم تروها فقد أهلك أهل السماء فنظروا فرأوها فكفوا عن أموالهم و فزعت الشياطين في تلك الليلة فاتوا إبليس فقال ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب فاتوه فشم فقال صاحبكم بمكة فبعث سبعة نفر من جن نصيبين فقدموا مكة فوجدوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلا كلهم تصيبه ثم أسلموا فانزل اللَّه أمرهم على نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن ابن أبى حكيم- يعنى إسحاق- عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة قال: لما بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أصبح كل صنم منكسا فاتت الشياطين فقالوا له ما على الأرض من صنم إلّا و قد أصبح منكسا، قال هذا نبي قد بعث فالتمسوه في قرى الأرياف فالتمسوه فقالوا لم نجده فقال أنا صاحبه فخرج يلتمسه فنودي عليك بجنبة الباب- يعنى مكة- فالتمسه بها فوجده بها عند قرن الثعالب فخرج إلى الشياطين فقال: إني قد وجدته معه جبريل فما عندكم؟ قالوا: نزين الشهوات في عين أصحابه و نحببها اليهم قال فلا آسى إذا. و قال الواقدي حدثني طلحة بن عمرو عن ابن أبى مليكة عن عبد اللَّه بن عمرو قال لما كان اليوم الّذي تنبأ فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منعت الشياطين من السماء و رموا بالشهب فجاءوا إلى إبليس فذكروا ذلك له فقال: أمر قد حدث هذا نبي قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مخرج بنى إسرائيل قال فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا ليس بها أحد فقال إبليس أنا صاحبه فخرج في طلبه بمكة فإذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحراء منحدرا معه جبريل فرجع إلى أصحابه فقال قد بعث احمد و معه جبريل فما عندكم؟ قالوا: الدنيا نحببها إلى الناس قال فذاك إذا. قال الواقدي: و حدثني طلحة ابن عمرو عن عطاء عن ابن عباس. قال: كانت الشياطين يستمعون الوحي فلما بعث محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منعوا فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: لقد حدث أمر فرقى فوق أبى قبيس- و هو أول جبل وضع على وجه الأرض- فرأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلّى خلف المقام. فقال: اذهب فاكسر عنقه. فجاء يخطر

21

و جبريل عنده، فركضه جبريل ركضة طرحه في كذا و كذا فولى الشيطان هاربا. ثم رواه الواقدي و أبو احمد الزبيري كلاهما عن رباح بن أبى معروف عن قيس بن سعد عن مجاهد فذكر مثل هذا و قال فركضه برجله فرماه بعدن.

فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

قد تقدم كيفية ما جاءه جبريل في أول مرة، و ثانى مرة أيضا و قال مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها. إن الحارث بن هشام سأل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال: يا رسول اللَّه كيف يأتيك الوحي؟ فقال: «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس- و هو أشده عليّ- فيفصم عنى و قد وعيت ما قال، و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا يكلمني فأعي ما يقول». قالت عائشة رضى اللَّه عنها: و لقد رأيته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه و أن جبينه ليتفصد عرقا أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به. و رواه الامام أحمد عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة به نحوه. و كذا رواه عبدة بن سليمان و أنس بن عياض عن هشام بن عروة، و قد رواه أيوب السختياني عن هشام عن أبيه عن الحارث بن هشام أنه قال سألت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلت كيف يأتيك الوحي؟ فذكره، و لم يذكر عائشة. و في حديث الافك قالت عائشة: فو اللَّه ما رام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه. فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه كان يتحدر منه مثل الجمان من العرق، و هو في يوم شات من ثقل الوحي الّذي نزل عليه.

و قال الإمام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنى يونس بن سليم قال املى على يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة بن عبد الرحمن بن عبد القاري سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، و ذكر تمام الحديث في نزول (قد أفلح المؤمنون) و كذا رواه الترمذي و النسائي من حديث عبد الرزاق، ثم قال النسائي: منكر لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم، و لا نعرفه. و في صحيح مسلم و غيره من حديث الحسن عن حطان ابن عبد اللَّه الرقاشيّ عن عبادة بن الصامت. قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا نزل عليه الوحي كربه ذلك و تربّد وجهه- و في رواية و غمض عينيه- و كنا نعرف ذلك منه. و في الصحيحين حديث زيد ابن ثابت حين نزلت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) فلما شكى ابن أم مكتوم ضرارته نزلت (غير أولى الضرر). قال و كانت فخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على فخذي و أنا أكتب فلما نزل الوحي كادت فخذه ترض فخذي. و في صحيح مسلم من حديث همام بن يحيى عن عطاء عن يعلى بن أمية. قال قال‏

22

لي عمر: أ يسرك أن تنظر إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يوحى اليه؟ فرفع طرف الثوب عن وجهه و هو يوحى اليه بالجعرانة، فإذا هو محمر الوجه، و هو يغط كما يغط البكر. و ثبت في الصحيحين من حديث عائشة لما نزل الحجاب، و أن سودة خرجت بعد ذلك إلى المناصع ليلا، فقال عمر: قد عرفناك يا سودة. فرجعت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسألته و هو جالس يتعشى و العرق في يده، فأوحى اللَّه اليه و العرق في يده، ثم رفع رأسه فقال: «إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن». فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه إحساسه بالكلية، بدليل أنه جالس و لم يسقط العرق أيضا من يده صلوات اللَّه و سلامه دائما عليه. و قال أبو داود الطيالسي حدثنا عباد بن منصور حدثنا عكرمة عن ابن عباس. قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك جسده و وجهه و أمسك عن أصحابه و لم يكلمه أحد منهم. و في مسند أحمد و غيره من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد ابن أبى حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد اللَّه بن عمرو قلت يا رسول اللَّه هل تحس بالوحي؟ قال «نعم اسمع صلاصل ثم أثبت عند ذلك، و ما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسي تفيظ منه».

و قال أبو يعلى الموصلي حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عاصم بن كليب حدثنا أبى عن خاله العليان بن عاصم. قال: كنا عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنزل عليه، و كان إذا أنزل عليه دام بصره و عيناه مفتوحة، و فرغ سمعه و قلبه لما يأتيه من اللَّه عز و جل. و روى أبو نعيم من حديث قتيبة حدثنا على بن غراب عن الأحوص بن حكيم عن أبى عوانة عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة. قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا نزل عليه الوحي صدع و غلف رأسه بالحناء. هذا حديث غريب جدا. و قال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية سنان عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد. قالت: إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، إذ نزلت عليه المائدة كلها، و كادت من ثقلها تدق عضد الناقة. و قد رواه أبو نعيم من حديث الثوري عن ليث بن أبى سليم به. و قال الامام احمد أيضا حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني جبر بن عبد اللَّه عن أبى عبد الرحمن الحبلى عن عبد اللَّه بن عمرو قال: أنزلت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سورة المائدة و هو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها. و روى ابن مردويه من حديث صباح ابن سهل عن عاصم الأحوال حدثتني أم عمرو عن عمها انه كان في مسير مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عنق الراحلة من ثقلها. و هذا غريب من هذا الوجه. ثم قد ثبت في الصحيحين نزول سورة الفتح على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرجعه من الحديبيّة، و هو على راحلته، فكان يكون تارة و تارة بحسب الحال و اللَّه أعلم. و قد ذكرنا أنواع الوحي إليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أول شرح البخاري و ما ذكره الحليمي و غيره من الأئمة رضى اللَّه عنهم.

23

فصل‏

قال اللَّه تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏ و قال تعالى: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و كان هذا في الابتداء، كان (عليه السلام) من شدة حرصه على اخذه من الملك ما يوحى اليه عن اللَّه عز و جل ليساوقه في التلاوة، فأمره اللَّه تعالى ان ينصت لذلك حتى يفرغ من الوحي، و تكفل له ان يجمعه في صدره، و ان ييسر عليه تلاوته و تبليغه، و ان يبينه له، و يفسره و يوضحه و يوقفه على المراد منه. و لهذا قال: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و قال‏ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ‏ اى في صدرك‏ وَ قُرْآنَهُ‏ أي و أن تقرأه‏ (فَإِذا قَرَأْناهُ) أي تلاه عليك الملك‏ (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) أي فاستمع له و تدبره‏ (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) و هو نظير قوله‏ (وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً). و في الصحيحين من حديث موسى بن ابى عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه، فانزل اللَّه‏ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ‏ قال جمعه في صدرك ثم تقرأه‏ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ‏ فاستمع له و أنصت‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏ قال فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده اللَّه عز و جل.

فصل‏

قال ابن إسحاق: ثم تتابع الوحي إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو مصدق بما جاءه منه، قد قبله بقبوله و تحمل منه ما حمله- على رضا العباد و سخطهم- و للنبوة أثقال و مؤنة لا يحملها و لا يستضلع بها إلا أهل القوة و العزم من الرسل، بعون اللَّه و توفيقه لما يلقون من الناس، و ما يرد عليهم مما جاءوا به عن اللَّه عز و جل فمضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ما أمر اللَّه، على ما يلقى من قومه من الخلاف و الّذي.

قال ابن إسحاق: و آمنت خديجة بنت خويلد و صدقت بما جاءه من اللَّه و وازرته على أمره، و كانت أول من آمن باللَّه و رسوله و صدقت بما جاء منه فخفف اللَّه بذلك عن رسوله، لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه، و تكذيب له فيحزنه ذلك، إلا فرج اللَّه عنه بها إذا رجع إليها تثبته و تخفف عنه، و تصدقه و تهون عليه أمر الناس، رضى اللَّه عنها و أرضاها.

قال ابن إسحاق: و حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللَّه بن جعفر. قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

«أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه و لا نصب».

و هذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث هشام، قال ابن هشام: القصب هاهنا اللؤلؤ المجوف.

24

قال ابن إسحاق: و جعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يذكر جميع ما أنعم اللَّه به عليه و على العباد من النبوة سرا إلى من يطمئن اليه من أهله. و قال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت خديجة أول من آمن باللَّه و صدق رسوله، قبل أن تفرض الصلاة.

قلت: يعنى الصلوات الخمس ليلة الاسراء. فأما أصل الصلاة فقد وجب في حياة خديجة رضى اللَّه عنها كما سنبينه.

و قال ابن إسحاق: و كانت خديجة أول من آمن باللَّه و رسوله، و صدق بما جاء به. ثم ان جبريل أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين افترضت عليه الصلاة فهمز له، بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت له عين من ماء زمزم، فتوضأ جبريل و محمد (عليهما السلام)، ثم صلّى ركعتين و سجد أربع سجدات، ثم رجع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد أقر اللَّه عينه، و طابت نفسه، و جاءه ما يحب من اللَّه، فأخذ يد خديجة حتى أتى بها الى العين، فتوضأ كما توضأ جبريل، ثم ركع ركعتين و أربع سجدات، ثم كان هو و خديجة يصليان سرا.

قلت: صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين، فبين له أوقات الصلوات الخمس، أولها و آخرها، فان ذلك كان بعد فرضيتها ليلة الاسراء، و سيأتي بيان ذلك إن شاء اللَّه و به الثقة، و عليه التكلان.

فصل في ذكر أول من أسلم، ثم ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة و غيرهم‏

قال ابن إسحاق:

ثم إن على بن ابى طالب رضى اللَّه عنه جاء بعد ذلك بيوم و هما يصليان. فقال على يا محمد ما هذا؟ قال دين اللَّه الّذي اصطفى لنفسه، و بعث به رسله، فأدعوك إلى اللَّه وحده لا شريك له، و إلى عبادته. و أن تكفر باللات و العزى. فقال على: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب. فكره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يفشي عليه سره قبل ان يستعلن امره. فقال له: يا على إذ لم تسلم [ (1)] فأكتم. فمكث عليّ تلك الليلة، ثم إن اللَّه أوقع في قلب على الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى جاءه فقال ما ذا عرضت على يا محمد؟ فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «تشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له و تكفر باللات و العزى، و تبرأ من الأنداد» ففعل عليّ و أسلم، و مكث يأتيه على خوف من ابى طالب و كتم على إسلامه و لم يظهره، و أسلم ابن حارثة- يعنى زيدا- فمكثا قريبا من شهر يختلف على إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كان‏

____________

[ (1)] في المصرية. إذ لم تسمع فأكتم‏

25

مما أنعم اللَّه به على عليّ أنه كان في حجر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل الإسلام.

قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبى نجيح عن مجاهد. قال:

و كان مما أنعم اللَّه به على عليّ أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، و كان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعمه العباس- و كان من أيسر بنى هاشم- «يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال، و قد أصاب الناس ما ترى من هذه الازمة، فانطلق حتى نخفف عنه من عياله» فاخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عليا فضمه اليه، فلم يزل مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى بعثه اللَّه نبيا، فاتبعه عليّ و آمن به و صدقه.

و قال يونس بن بكير عن محمد ابن إسحاق حدثني يحيى بن أبى الأشعث الكندي- من أهل الكوفة- حدثني إسماعيل بن أبى إياس بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف- و كان عفيف أخا الأشعث بن قيس لأمه- أنه. قال:

كنت امرأ تاجرا فقدمت منى أيام الحج، و كان العباس بن عبد المطلب امرأ تاجرا، فأتيته ابتاع منه و أبيعه، قال فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء فقام يصلّى تجاه الكعبة ثم خرجت امرأة فقامت تصلّى، و خرج غلام فقام يصلّى معه. فقلت: يا عباس ما هذا الدين؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو فقال: هذا محمد بن عبد اللَّه يزعم أن اللَّه أرسله، و أن كنوز كسرى و قيصر ستفتح عليه، و هذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، و هذا الغلام ابن عمه على بن أبى طالب آمن به. قال عفيف فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثانيا. و تابعه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق، و قال:

في الحديث: إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى السماء فلما رآها قد مالت قام يصلّى. ثم ذكر قيام خديجة وراءه. و قال ابن جرير حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد ابن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف. قال: جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس و حلقت في السماء و أنا انظر إلى الكعبة، أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام و المرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام و المرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه، فقلت يا عباس أمر عظيم! فقال أمر عظيم. فقال أ تدري من هذا؟ فقلت لا، فقال هذا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب ابن أخى، أ تدري من الغلام؟ قلت لا. قال هذا على ابن أبى طالب- رضى اللَّه عنه- أ تدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت لا، قال هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخى. و هذا حدثني أن ربك رب السماء و الأرض أمره بهذا الّذي تراهم عليه، و ايم اللَّه ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة. و قال ابن جرير حدثني ابن حميد حدثنا عيسى بن سوادة بن ابى الجعد حدثنا محمد بن المنكدر و ربيعة بن أبى عبد الرحمن و أبو حازم و الكلبي. قالوا: على أول من أسلم. قال الكلبي: أسلم و هو ابن تسع سنين. و حدثنا

26

ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن إسحاق. قال: أول ذكر آمن برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و صلّى معه و صدقه على بن أبى طالب، و هو ابن عشر سنين و كان في حجر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل الإسلام. قال الواقدي أخبرنا إبراهيم عن نافع عن ابن أبى نجيح عن مجاهد. قال: أسلم عليّ و هو ابن عشر سنين. قال الواقدي: و اجمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعد ما تنبأ رسول اللَّه بسنة. و قال محمد بن كعب: أول من أسلم من هذه الأمة خديجة و أول رجلين أسلما أبو بكر و على، و أسلم عليّ قبل أبى بكر، و كان على يكتم إيمانه خوفا من أبيه، حتى لقيه أبوه قال أسلمت؟ قال نعم! قال وازر ابن عمك و انصره. قال و كان أبو بكر الصديق أول من أظهر الإسلام. و روى ابن جرير في تاريخه من حديث شعبة عن أبى بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس. قال: أول من صلّى عليّ. و حدثنا عبد الحميد بن يحيى حدثنا شريك عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن جابر. قال: بعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الاثنين و صلّى عليّ يوم الثلاثاء. و روى من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى حمزة- رجل من الأنصار- سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بن أبى طالب قال فذكرته للنخعى فأنكره. و قال: أبو بكر أول من أسلم. ثم‏

قال حدثنا عبيد اللَّه بن موسى حدثنا العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد اللَّه سمعت عليا يقول:

أنا عبد اللَّه و أخو رسوله و أنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي الا كاذب مفتر، صليت قبل الناس بسبع سنين. و

هكذا رواه ابن ماجة عن محمد بن إسماعيل الرازيّ عن عبيد اللَّه بن موسى الفهميّ- و هو شيعي من رجال الصحيح- عن العلاء بن صالح الأزدي الكوفي- وثقوه‏

،

و لكن قال أبو حاتم: كان من عتق الشيعة- و قال على بن المديني روى أحاديث مناكير و المنهال بن عمرو ثقة. و أما شيخه عباد بن عبد اللَّه- و هو الأسدي الكوفي. فقد قال فيه على بن المديني هو ضعيف الحديث، و قال البخاري فيه نظر. و ذكره ابن حبان في الثقات، و هذا الحديث منكر بكل حال، و لا يقوله على رضى اللَّه عنه، و كيف يمكن أن يصلّى قبل الناس بسبع سنين؟ هذا لا يتصور أصلا و اللَّه أعلم. و قال آخرون: أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصديق، و الجمع بين الأقوال كلها أن خديجة أول من أسلم من النساء و ظاهر السياقات- و قيل الرجال أيضا- و أول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، و أول من أسلم من الغلمان على بن أبى طالب. فإنه كان صغيرا دون البلوغ على المشهور، و هؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت.

و أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، و إسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم إذ كان صدرا معظما، و رئيسا في قريش مكرما، و صاحب مال، و داعية إلى الإسلام. و كان محببا متألفا يبذل المال في طاعة اللَّه و رسوله كما سيأتي تفصيله.

قال يونس عن ابن إسحاق‏

ثم إن أبا بكر الصديق لقي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: أحق ما تقول قريش يا محمد؟ من تركك آلهتنا، و تسفيهك‏

27

عقولنا، و تكفيرك آبائنا؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «بلى إني رسول اللَّه و نبيه، بعثني لا بلغ رسالته و أدعوك إلى اللَّه بالحق فو اللَّه إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى اللَّه وحده لا شريك له، و لا تعبد غيره و الموالاة على طاعته» و قرأ عليه القرآن، فلم يقر و لم ينكر. فأسلم و كفر بالأصنام، و خلع الأنداد و أقر بحق الإسلام، و رجع أبو بكر و هو مؤمن مصدق.

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الحصين التميمي أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

«ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة و تردد و نظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته، و لا تردد فيه»

عكم- أي تلبث- و هذا الّذي ذكره ابن إسحاق في قوله فلم يقرو لم ينكر، منكر فان ابن إسحاق و غيره ذكروا أنه كان صاحب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل البعثة، و كان يعلم من صدقه و أمانته و حسن سجيته و كرم أخلاقه، ما يمنعه من الكذب على الخلق. فكيف يكذب على اللَّه؟ و لهذا بمجرد ما ذكر له إن اللَّه أرسله بادر إلى تصديقه و لم يتلعثم، و لا عكم و قد ذكرنا كيفية إسلامه في كتابنا الّذي أفردناه في سيرته و أوردنا فضائله و شمائله و اتبعنا ذلك بسيرة الفاروق أيضا و أوردنا ما رواه كل منهما عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الأحاديث، و ما روى عنه من الآثار و الأحكام و الفتاوى، فبلغ ذلك ثلاث مجلدات و للَّه الحمد و المنة. و قد ثبت‏

في صحيح البخاري عن أبى الدرداء في حديث ما كان بين أبى بكر و عمر رضى اللَّه عنهما من الخصومة و فيه. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

«إن اللَّه بعثني إليكم فقلتم كذبت، و قال أبو بكر صدق. و واساني بنفسه و ماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي» مرتين.

فما أوذى بعدها، و هذا كالنص على أنه أول من أسلم رضى اللَّه عنه و قد روى الترمذي و ابن حبان من حديث شعبة عن سعيد الجريريّ عن أبى نضرة عن أبى سعيد.

قال قال أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه: أ لست أحق الناس بها، أ لست أول من أسلم، أ لست صاحب كذا؟ و روى ابن عساكر من طريق بهلول بن عبيد حدثنا أبو إسحاق السبيعي عن الحارث سمعت عليا يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق، و أول من صلّى مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الرجال على بن أبى طالب. و قال شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى حمزة عن زيد بن أرقم قال: أول من صلّى مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أبو بكر الصديق. رواه احمد و الترمذي و النسائي من حديث شعبة و قال الترمذي حسن صحيح. و قد تقدم رواية ابن جرير لهذا الحديث من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبى حمزة عن زيد بن أرقم قال: أول من أسلم على بن أبى طالب، قال عمرو بن مرة فذكرته لإبراهيم النخعي فأنكره و قال أول من أسلم أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه. و روى الواقدي بأسانيده عن أبى أروى الدوسيّ و أبى مسلم بن عبد الرحمن في جماعة من السلف أول من أسلم أبو بكر الصديق. و قال يعقوب بن سفيان حدثنا أبو بكر الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن مغول‏

28

عن رجل قال سئل ابن عباس من أول من آمن؟ فقال: أبو بكر الصديق، أما سمعت قول حسان:

إذا تذكرت شجوا من أخى ثقة* * * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أوفاها و أعدلها* * * بعد النبي و أولاها بما حملا

و التالي الثاني المحمود مشهده‏* * * و أول الناس منهم صدق الرسلا

عاش حميدا لأمر اللَّه متبعا* * * بأمر صاحبه الماضي و ما انتقلا

و قد رواه أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا شيخ لنا عن مجالد عن عامر قال سألت ابن عباس- أو- سئل ابن عباس- أي الناس أول إسلاما؟ قال: أما سمعت قول حسان بن ثابت فذكره و هكذا رواه الهيثم بن عدي عن مجالد عن عامر الشعبي سألت ابن عباس فذكره. و قال أبو القاسم البغوي حدثني سريج بن يونس حدثنا يوسف بن الماجشون قال أدركت مشيختنا منهم محمد بن المنكدر، و ربيعة بن أبى عبد الرحمن، و صالح بن كيسان، و عثمان بن محمد، لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه.

قلت: و هكذا قال إبراهيم النخعي و محمد بن كعب و محمد بن سيرين و سعد بن إبراهيم و هو المشهور عن جمهور أهل السنة. و روى ابن عساكر عن سعد بن أبى وقاص و محمد بن الحنفية أنهما قالا: لم يكن أولهم إسلاما، و لكن كان أفضلهم إسلاما. قال سعد: و قد آمن قبله خمسة. و ثبت في صحيح البخاري من حديث همام بن الحارث عن عمار بن ياسر. قال: رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما معه إلا خمسة أعبد، و امرأتان، و أبو بكر. و روى الامام احمد و ابن ماجة من حديث عاصم بن أبى النجود عن زر عن ابن مسعود. قال: أول من أظهر الإسلام سبعة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و أبو بكر، و عمار، و أمه سمية، و صهيب، و بلال، و المقداد. فاما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فمنعه اللَّه بعمه، و أما أبو بكر منعه اللَّه بقومه، و أما سائرهم فأخذهم المشركون فالبسوهم أدرع الحديد و صهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا و قد واتاهم على ما أرادوا، الا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، و هان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة و هو يقول أحد أحد. و هكذا رواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا. فاما ما رواه ابن جرير قائلا أخبرنا ابن حميد حدثنا كنانة بن حبلة [ (1)] عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج عن قتادة عن سالم بن أبى الجعد عن محمد بن سعد بن أبى وقاص.

قال قلت لأبي أ كان أبو بكر أولكم إسلاما قال: لا! و لقد أسلم قبله أكثر من خمسين و لكن كان أفضلنا إسلاما. فإنه حديث منكر اسنادا و متنا. قال ابن جرير و قال آخرون: كان أول من أسلم زيد ابن حارثة، ثم روى من طريق الواقدي عن ابن أبى ذئب، سألت الزهري من أول من أسلم من النساء؟ قال خديجة. قلت فمن الرجال، قال زيد بن حارثة. و كذا قال عروة و سليمان بن ياسر و غير

____________

[ (1)] في الأصلين حبلة بالمهملة و في ابن جرير جبلة بالجيم.

29

واحد أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة. و قد أجاب أبو حنيفة رضى اللَّه عنه بالجمع بين هذه الأقوال بان أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، و من النساء خديجة، و من الموالي زيد بن حارثة، و من الغلمان على بن أبى طالب رضى اللَّه عنهم أجمعين.

قال محمد بن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر و أظهر إسلامه دعا إلى اللَّه عز و جل، و كان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محبا سهلا، و كان أنسب قريش لقريش، و أعلم قريش بما كان فيها من خير و شر.

و كان رجلا تاجرا ذا خلق و معروف، و كان رجال قومه يأتونه و يألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه و تجارته و حسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه و يجلس اليه فأسلم على يديه فيما بلغني الزبير بن العوام، و عثمان بن عفان، و طلحة بن عبيد اللَّه، و سعد بن أبى وقاص و عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنهم، فانطلقوا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و معهم أبو بكر. فعرض عليهم الإسلام و قرأ عليهم القرآن و أنبأهم بحق الإسلام فآمنوا، و كان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإسلام صدقوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و آمنوا بما جاء من عند اللَّه. و قال محمد بن عمر الواقدي حدثني الضحاك ابن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبي عن إبراهيم بن محمد بن أبى طلحة. قال قال طلحة بن عبيد اللَّه حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل الموسم أ فيهم رجل من أهل الحرم؟

قال طلحة قلت نعم أنا، فقال هل ظهر احمد بعد؟ قلت و من أحمد؟ قال ابن عبد اللَّه بن عبد المطلب هذا شهره الّذي يخرج فيه، و هو آخر الأنبياء مخرجه من الحرم، و مهاجره إلى نخل و حرة و سباخ، فإياك أن تسبق اليه. قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت هل كان من حديث؟ قالوا نعم محمد بن عبد اللَّه الأمين قد تنبأ، و قد اتبعه أبو بكر بن أبى قحافة. قال فخرجت حتى قدمت على أبى بكر، فقلت اتبعت هذا الرجل؟ قال نعم فانطلق اليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق، فأخبره طلحة بما قال الراهب. فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأسلم طلحة، و أخبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بما قال الراهب فسر بذلك. فلما أسلم أبو بكر و طلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية- و كان يدعى أسد قريش- فشدهما في حبل واحد و لم بمنعهما بنو تيم فلذلك سمى أبو بكر و طلحة القرينين. و

قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

«اللَّهمّ اكفنا شر ابن العدوية»

رواه البيهقي‏

.

و قال الحافظ أبو الحسن خيثمة بن سليمان الاطرابلسى حدثنا عبيد اللَّه بن محمد بن عبد العزيز العمرى قاضى المصيصة حدثنا أبو بكر عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن إسحاق بن محمد ابن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد اللَّه حدثني أبى عبيد اللَّه حدثني عبيد اللَّه [بن محمد] بن عمران ابن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال حدثني أبى محمد بن عمران عن القاسم بن محمد بن أبى بكر عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت:

خرج أبو بكر يريد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كان له صديقا في الجاهلية، فلقيه فقال‏

30

يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك و اتهموك بالعيب لآبائها و أمهاتها. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

«إني رسول اللَّه أدعوك إلى اللَّه» فلما فرغ كلامه أسلم أبو بكر

فانطلق عنه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما بين الاخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبى بكر، و مضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان و طلحة ابن عبيد اللَّه و الزبير بن العوام و سعد بن أبى وقاص فأسلموا، ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون و أبى عبيدة بن الجراح و عبد الرحمن بن عوف و أبى سلمة بن عبد الأسد و الأرقم بن أبى الأرقم فأسلموا رضى اللَّه عنهم.

قال عبد اللَّه بن محمد فحدثني أبى محمد بن عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة.

قالت:

لما اجتمع أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كانوا ثمانية و ثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الظهور فقال: «يا أبا بكر إنا قليل»

فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و تفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، و قام أبو بكر في الناس خطيبا و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس فكان أول خطيب دعا الى اللَّه و إلى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ثار المشركون على أبى بكر و على المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا و وطئ أبو بكر و ضرب ضربا شديدا و دنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين و يحرفهما لوجهه، و نزا على بطن أبى بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه و جاء بنو تيم يتعادون فاجلت المشركين عن أبى بكر و حملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله و لا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد و قالوا و اللَّه لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبى بكر فجعل أبو قحافة و بنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فمسوا منه بألسنتهم و عذلوه، ثم قاموا و قالوا لامه أم الخير انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه فلما خلت به الحت عليه و جعل يقول: ما فعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقالت و اللَّه ما لي علم بصاحبك، فقال اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد اللَّه؟ فقالت ما أعرف أبا بكر و لا محمد بن عبد اللَّه و إن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك قالت نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا، فدنت أم جميل و أعلنت بالصياح و قالت و اللَّه إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق و كفر، و إني لأرجو أن ينتقم اللَّه لك منهم. قال فما فعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قالت هذه أمك تسمع، قال فلا شي‏ء عليك منها، قالت سالم صالح. قال أين هو؟ قالت في دار ابن الأرقم، قال فان للَّه على أن لا أذوق طعاما و لا أشرب شرابا أو آتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فامهلتا حتى إذا هدأت الرجل و سكن الناس، خرجتا به يتكى‏ء عليهما حتى أدخلتاه على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال فأكب عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقبله و أكب عليه المسلمون، و رق له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رقة شديدة. فقال أبو بكر بابي و أمى يا رسول اللَّه ليس بى بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، و هذه أمى برة بولدها، و أنت مبارك‏

31

فادعها إلى اللَّه و ادع اللَّه لها عسى اللَّه أن يستنقذها بك من النار. قال فدعا لها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و دعاها إلى اللَّه فأسلمت، و أقاموا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الدار شهرا و هم تسعة و ثلاثون رجلا، و قد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر، و دعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعمر بن الخطاب- أو لأبى جهل بن هشام-

فأصبح عمر و كانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس، فكبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أهل البيت تكبيرة سمعت بأعلى مكة، و خرج أبو الأرقم- و هو أعمى كافر- و هو يقول:

اللَّهمّ اغفر لبني عبيد الأرقم فإنه كفر، فقام عمر فقال يا رسول اللَّه على ما نخفي ديننا و نحن على الحق و يظهر دينهم و هم على الباطل؟ قال: «يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا» فقال عمر: فو الّذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم مر بقريش و هي تنتظره،

فقال أبو جهل بن هشام: يزعم فلان أنك صبوت؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله. فوثب المشركون اليه، و وثب على عتبة فبرك عليه و جعل يضربه، و أدخل إصبعه في عينيه، فجعل عتبة يصيح فتنحى الناس فقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه، حتى أعجز الناس. و اتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الايمان، ثم انصرف إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو ظاهر عليهم. قال ما عليك بابي و أمى و اللَّه ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر الا أظهرت فيه الايمان غير هائب و لا خائف، فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خرج عمر أمامه و حمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت و صلّى الظهر مؤمنا، ثم انصرف الى دار الأرقم و معه عمر، ثم انصرف عمر وحده، ثم انصرف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و الصحيح أن عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة و ذلك في السنة السادسة من البعثة كما سيأتي في موضعه إن شاء اللَّه. و قد استقصينا كيفية إسلام أبى بكر و عمر رضى اللَّه عنهما في كتاب سيرتهما على انفرادها، و بسطنا القول هنالك و للَّه الحمد. و

ثبت في صحيح مسلم من حديث أبى أمامة عن عمرو ابن عبسة السلمي رضى اللَّه عنه قال:

أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أول ما بعث و هو بمكة، و هو حينئذ مستخفى، فقلت ما أنت؟ قال أنا نبي، فقلت و ما النبي؟ قال رسول اللَّه، قلت اللَّه أرسلك؟ قال نعم قلت بما أرسلك؟ قال بان تعبد اللَّه وحده لا شريك له و تكسر الأصنام، و توصل الأرحام. قال قلت نعم ما أرسلك به فمن تبعك على هذا؟ قال حر و عبد- يعنى أبا بكر و بلالا- قال فكان عمرو يقول: لقد رأيتني و أنا ربع الإسلام. قال فأسلمت، قلت فاتبعك يا رسول اللَّه، قال لا و لكن الحق بقومك، فإذا أخبرت أنى قد خرجت فاتبعنى.

و يقال إن معنى قوله (عليه السلام) حر و عبد اسم جنس و تفسير ذلك بابي بكر و بلال فقط فيه نظر، فإنه قد كان جماعة قد أسلموا قبل عمرو بن عبسة و قد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا فلعله أخبر أنه ربع الإسلام بحسب علمه فان‏

32

المؤمنين كانوا إذا ذاك يستسرون بإسلامهم لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم دع الأجانب دع أهل البادية من الاعراب و اللَّه أعلم. و في صحيح البخاري من طريق أبى أسامة عن هاشم بن هاشم عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمت فيه، و لقد مكثت سبعة أيام و إني لثلث الإسلام. أما قوله ما أسلم أحد في اليوم الّذي أسلمت فيه فسهل، و يروى إلا في اليوم الّذي أسلمت فيه و هو مشكل، إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالإسلام. و قد علم أن الصديق و عليا و خديجة و زيد بن حارثة أسلموا قبله، كما قد حكى الإجماع على تقدم إسلام هؤلاء غير واحد، منهم ابن الأثير. و نص أبو حنيفة رضى اللَّه عنه على أن كلا من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه و اللَّه أعلم. و أما قوله و لقد مكثت سبعة أيام و إني لثلث الإسلام فمشكل و ما أدرى على ما ذا يوضع عليه إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه و اللَّه اعلم. و

قال أبو داود الطيالسي حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد اللَّه- و هو ابن مسعود- قال:

كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبى معيط بمكة. فأتى عليّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ابو بكر- و قد فرا من المشركين- فقال- أو فقالا- عندك يا غلام لبن تسقينا؟ قلت إني مؤتمن، و لست بساقيكما فقال هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت نعم! فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر و أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الضرع و دعا فحفل الضرع، و أتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثم شرب هو و أبو بكر ثم سقياني ثم قال للضرع اقلص فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلت علمني من هذا القول الطيب- يعنى القرآن- فقال: «إنك غلام معلم» فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد.

و

هكذا رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة به. و رواه الحسن بن عرفة عن أبى بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجودبه‏

.

و قال البيهقي أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ حدثنا أبو عبد اللَّه بن بطة الأصبهاني حدثنا الحسن بن الجهم حدثنا الحسين بن الفرج حدثنا محمد بن عمر حدثني جعفر ابن محمد بن خالد بن الزبير عن أبيه- أو عن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان-. قال:

كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديما و كان أول اخوته أسلم. و كان بدء إسلامه أنه رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار، فذكر من سعتها ما اللَّه أعلم به. و يرى في النوم كأن آت أتاه يدفعه فيها و يرى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) آخذا بحقويه لا يقع، ففزع من نومه فقال احلف باللَّه ان هذه لرؤيا حق، فلقى ابا بكر بن ابى قحافة فذكر ذلك له، فقال أريد بك خير هذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاتبعه فإنك ستتبعه و تدخل معه في الإسلام، و الإسلام يحجزك ان تدخل فيها و أبوك واقع فيها فلقى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو باجياد، فقال يا رسول اللَّه يا محمد إلى ما تدعو؟ قال: «أدعوك إلى اللَّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، و تخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع، و لا يضر، و لا يبصر، و لا ينفع، و لا

33

يدرى من عبده ممن لا يعبده». قال خالد: فانى أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أنك رسول اللَّه.

فسر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بإسلامه، و تغيب خالد و علم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه فأتى به. فأنبه و ضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه. و قال: و اللَّه لأمنعنك القوت: فقال خالد إن منعتني فان اللَّه يرزقني ما اعيش به، و انصرف إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فكان يكرمه و يكون معه.

ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب عم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رضى اللَّه عنه‏

قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني رجل ممن أسلم- و كان واعية- ان أبا جهل اعترض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عند الصفا فآذاه و شتمه و نال منه ما يكره من العيب لدينه، فذكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب، فاقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجه منها شجة منكرة، و قامت رجال من قريش من بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا ابا جهل منه. و قالوا ما نراك يا حمزة إلا قد صبوت؟ قال حمزة و من يمنعني و قد استبان لي منه ما اشهد أنه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنّ الّذي يقول حق، فو اللَّه لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فانى و اللَّه لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد عز و امتنع فكفوا عما كانوا يتناولون منه. و قال حمزة في ذلك شعرا [ (1)].

قال ابن إسحاق: ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ و تركت دين آبائك، للموت خير لك مما صنعت. فاقبل حمزة على نفسه و قال ما صنعت اللَّهمّ إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، و إلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقال: يا ابن أخى إني قد وقعت في أمر و لا أعرف المخرج منه، و اقامة مثلي على ما لا أدرى ما هو أرشد أم هو غى شديد؟ فحدثني حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخى أن تحدثني، فاقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذكره و وعظه، و خوفه و بشره، فالقى اللَّه في قلبه الايمان بما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقال: أشهد أنك الصادق شهادة الصدق، فأظهر يا ابن أخى دينك فو اللَّه ما أحب أن لي ما أظلته السماء، و أنى على ديني الأول. فكان حمزة ممن أعز اللَّه به الدين. و هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير به.

____________

[ (1)] لم يذكر المؤلف شعر حمزة و ذكر السهيليّ في الروض الأنف قطعة له مطلعها:

حمدت اللَّه حين هدى فؤادي‏* * * الى الإسلام و الدين الحنيف.

إلخ‏

34

ذكر إسلام أبى ذر رضى اللَّه عنه‏

قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب الحافظ حدثنا الحسين بن محمد بن زياد حدثنا عبد اللَّه بن الرومي حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار عن أبى زميل سماك بن الوليد عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبى ذر. قال: كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر و أنا الرابع، أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، فرأيت الاستبشار في وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). هذا سياق مختصر و

قال البخاري إسلام أبى ذر: حدثنا عمرو بن عباس حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن المثنى عن أبى حمزة عن ابن عباس. قال‏

لما بلغ أبا ذر مبعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الّذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء. فاسمع من قوله ثم ائتني فانطلق الآخر حتى قدمه و سمع من كلامه، ثم رجع إلى أبى ذر فقال له رأيته يأمر بمكارم الأخلاق و كلاما ما هو بالشعر. فقال ما شفيتني مما أردت. فتزود و حمل شنة فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لا يعرفه و كره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل اضطجع فرآه عليّ فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه و لم يسأل واحد منهما صاحبه عن شي‏ء حتى أصبح، ثم احتمل قربته و زاده إلى المسجد و ظل ذلك اليوم و لا يراه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه فمر به عليّ فقال أما آن للرجل يعلم منزله فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شي‏ء حتى إذا كان يوم الثالث فعاد على مثل ذلك فأقام معه فقال ألا تحدثني بالذي أقدمك؟ قال إن أعطيتنى عهدا و ميثاقا لترشدنى فعلت، ففعل فأخبره. قال فإنه حق و أنه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإذا أصبحت فاتبعنى فانى إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنى أريق الماء، و إن مضيت فاتبعنى حتى تدخل مدخلي، ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و دخل معه، فسمع من قوله و أسلم مكانه. فقال له النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري» فقال و الّذي بعثك بالحق لأصرخنّ بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته اشهد ان لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، ثم قام فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه فقال ويلكم أ لستم تعلمون أنه من غفار، و أن طريق تجارتكم إلى الشام. فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه و ثار و اليه فأكب العباس عليه هذا لفظ البخاري.

و قد جاء إسلامه مبسوطا في صحيح مسلم و غيره فقال الامام احمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن عبد اللَّه ابن الصامت قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار- و كان يحلون الشهر الحرام- أنا و أخى أنيس و أمنا

35

فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال و ذي هيئة فأكرمنا خالنا و أحسن إلينا، فحسدنا قومه فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك اليهم أنيس، فجاء خالنا فنثى ما قيل له [ (1)] فقلت له أمّا ما مضى من معروفك فقد كدرته، و لا جماع لنا فيما بعد. قال: فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها و تغطى خالنا بثوبه و جعل يبكى قال فانطلقنا حتى نزلنا حضرة مكة، قال فنافر أنيس عن صرمتنا و عن مثلها فأتيا الكاهن فخير أنيسا. فأتانا بصرمتنا و مثلها، و قد صليت يا بن أخى قبل أن القى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثلاث سنين، قال قلت لمن؟ قال للَّه، قلت فأين توجه؟ قال حيث وجهني اللَّه. قال و أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألفيت كأنى خفاء [ (2)] حتى تعلونى الشمس قال فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فألقنى حتى آتيك قال فانطلق فراث عليّ، ثم أتانى فقلت ما حبسك؟ قال لقيت رجلا يزعم أن اللَّه أرسله على دينك، قال فقلت ما يقول الناس له؟ قال يقولوا إنه شاعر و ساحر، و كان أنيس شاعرا. قال فقال لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم. و قد وضعت قوله على إقراء الشعر فو اللَّه ما يلتئم لسان أحد أنه شعر، و و اللَّه إنه لصادق و إنهم لكاذبون. قال: فقلت له هل أنت كافىّ حتى انطلق؟ قال نعم! و كن من أهل مكة على حذر فإنهم قد شنعوا له و تجهموا له. قال فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت أين هذا الرجل الّذي يدعونه الصابئ؟ قال فاشار إلى فمال أهل الوادي على بكل مدرة و عظم حتى خررت مغشيا على، ثم ارتفعت حين ارتفعت كأنى نصب أحمر، فأتيت زمزم فشربت من مائها و غسلت عنى الدم و دخلت بين الكعبة و أستارها، فلبثت به يا بن أخى ثلاثين من يوم و ليلة ما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني و ما وجدت على كبدي سخفة جوع قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان و ضرب اللَّه على أشحمة أهل مكة فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فاتتا عليّ و هما يدعوان إساف و نائلة. فقلت:

انكحوا أحدهما الآخر فما ثناهما ذلك، فقلت وهن مثل الخشبة غير أنى لم أركن. قال: فانطلقتا يولولان و يقولان لو كان هاهنا أحد من أنفارنا، قال فاستقبلهما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر و هما هابطان من الجبل فقال ما لكما؟ فقالتا الصابئ بين الكعبة و أستارها قالا ما قال لكما؟ قالتا قال لنا كلمة تملأ الفم،

قال‏

و جاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هو و صاحبه حتى استلم الحجر و طاف بالبيت، ثم صلّى. قال فأتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الإسلام. فقال: «عليك السلام و رحمة اللَّه من أنت؟» قال قلت من غفار، قال فأهوى بيده فوضعها على جبهته قال فقلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفار، قال فأردت أن آخذ بيده فقذفني صاحبه و كان أعلم به منى، قال منى كنت هاهنا؟ قال قلت‏

____________

[ (1)] في النهاية: من حديث أبى ذر فجاء خالنا فنثى علينا الّذي قيل له أي أظهره علينا و حدثنا به.

[ (2)] في النهاية و في حديث أبى ذر. سقطت كأنى خفا، الخفاء الكساء.

36

كنت هاهنا منذ ثلاثين من بين ليلة و يوم. قال: فمن كان يطعمك؟ قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، و ما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إنها مباركة، إنها طعام طعم» قال فقال أبو بكر ائذن لي يا رسول اللَّه في طعامه الليلة قال ففعل قال فانطلق النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و انطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، قال فكان ذلك أول طعام أكلته بها. فلبثت ما لبثت. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل و لا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عنى قومك لعل اللَّه ينفعهم بك و يأجرك فيهم؟». قال فانطلقت حتى أتيت أخى أنيسا، قال فقال لي ما صنعت؟ قال قلت صنعت أنى أسلمت و صدقت، قال فما بى رغبة عن دينك فانى قد أسلمت و صدقت، ثم أتينا أمنا فقالت ما بى رغبة عن دينكما فانى قد أسلمت و صدقت، فتحملنا حتى أتينا قومنا غفار، قال فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة، و كان يؤمهم خفاف بن إيماء بن رخصة الغفاريّ و كان سيدهم يومئذ. و قال: بقيتهم إذا قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أسلمنا، قال فقدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأسلم بقيتهم قال و جاءت أسلم فقالوا يا رسول اللَّه إخواننا نسلم على الّذي أسلموا عليه، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «غفار غفر اللَّه لها، و أسلم سالمها اللَّه». و

رواه مسلم عن هدبة بن خالد عن سليمان بن المغيرة به نحوه‏

و قد روى قصة إسلامه على وجه آخر و فيه زيادات غريبة فاللَّه أعلم. و تقدم ذكر إسلام سلمان الفارسي في كتاب البشارات بمبعثه عليه الصلاة و السلام.

ذكر إسلام ضماد

روى مسلم و البيهقي من حديث داود بن أبى هند عن عمرو بن سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال:

قدم ضماد مكة و هو رجل من أزدشنوءة، و كان يرقى من هذه الرياح، فسمع سفهاء من سفه مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال أين هذا الرجل لعل اللَّه أن يشفيه على يدي؟ فلقيت محمدا فقلت إني أرقى من هذه الرياح، و أن اللَّه يشفى على يدي من شاء فهلم. فقال محمد: «ان الحمد للَّه نحمده و نستعينه، و من يهده اللَّه فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ثلاث مرات».

فقال و اللَّه لقد سمعت قول لكهنة، و قول السحرة. و قول الشعراء فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات فهلم يدك أبايعك على الإسلام. فبايعه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له و على قومك فقال و على قومي. فبعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جيشا فمروا بقوم ضماد. فقال صاحب الجيش للسرية هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئا؟ فقال رجل منهم أصبت منهم مطهرة. فقال ردها عليهم فإنهم قوم ضماد. و في رواية فقال له ضماد: أعد على كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس البحر.

37

و قد ذكر أبو نعيم في دلائل النبوة السلام من أسلّم من الأعيان فصلا طويلا، و استقصى ذلك استقصاء حسنا (رحمه اللَّه) و أثابه. و قد سرد ابن إسحاق أسماء من أسلم قديما من الصحابة رضى اللَّه عنهم. قال: ثم أسلم أبو عبيدة، و أبو سلمة، و الأرقم بن أبى الأرقم، و عثمان بن مظعون، و عبيدة بن الحارث، و سعيد بن زيد، و امرأته فاطمة بنت الخطاب، و أسماء بنت أبى بكر، و عائشة بنت أبى بكر- و هي صغيرة- و قدامة بن مظعون، و عبد اللَّه بن مظعون، و خباب بن الأرت، و عمير بن أبى وقاص، و عبد اللَّه بن مسعود، و مسعود بن القاري، و سليط بن عمرو، و عياش بن أبى ربيعة، و امرأته أسماء بنت سلمة [ (1)] بن مخرمة التيمي، و خنيس بن حذافة، و عامر بن ربيعة، و عبد اللَّه بن جحش، و أبو أحمد بن جحش، و جعفر بن أبى طالب، و امرأته أسماء بنت عميس، و حاطب بن الحارث، و امرأته فكيهة ابنة يسار [ (2)]، و معمر بن الحارث بن معمر الجمحيّ، و السائب بن عثمان بن مظعون، و المطلب بن أزهر بن عبد مناف [ (3)]. و امرأته رملة بنت أبى عوف بن صبيرة بن سعيد بن سهم، و النحام و اسمه نعيم بن عبد اللَّه بن أسيد، و عامر بن فهيرة مولى أبى بكر، و خالد بن سعيد، و أمينة ابنة خلف بن سعد بن عامر بن بياضة بن خزاعة، و حاطب بن عمرو بن عبد شمس، و أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، و واقد بن عبد اللَّه بن عرين بن ثعلبة التميمي حليف بنى عدي، و خالد ابن البكير، و عامر بن البكير، و عاقل بن البكير، و إياس بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة من بنى سعد بن ليث، و كان اسم عاقل غافلا فسماه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عاقلا، و هم حلفاء بنى عدي ابن كعب، و عمار بن ياسر، و صهيب بن سنان. ثم دخل الناس أرسالا من الرجال و النساء حتى فشا أمر الإسلام بمكة و تحدث به.

قال ابن إسحاق: ثم أمر اللَّه رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد ثلاث سنين من البعثة بان يصدع بما أمر، و أن يصبر على أذى المشركين. قال و كان أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا صلوا ذهبوا في الشعاب و استخفوا بصلاتهم من قومهم. فبينا سعد بن أبى وقاص في نفر يصلون بشعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم و عابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه، فكان أول دم أهريق في الإسلام. و روى الأموي في مغازيه من طريق الوقاصى عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه. فذكر القصة بطولها و فيه أن المشجوج هو عبد اللَّه بن خطل لعنه اللَّه‏

.

____________

[ (1)] في السيرة لابن هشام: أسماء بنت سلامة بن مخرمة التميمية.

[ (2)] كذا في الأصلين. و في ابن هشام: حاطب بن الحارث و امرأته فاطمة بنت المجلل. و اخوه خطاب بن الحارث و امرأته فكيهة إلخ.

[ (3)] و فيها: ابن عبد عوف مكان: مناف.

38

باب أمر اللَّه رسوله عليه الصلاة و السلام بإبلاغ الرسالة

إلى الخاص و العام، و أمره له بالصبر و الاحتمال و الاعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم، و إرسال الرسول الأعظم اليهم و ذكر ما لقي من الاذية منهم هو و أصحابه رضى اللَّه عنهم قال اللَّه تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏. و قال تعالى: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ‏ و قال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ أي أن الّذي فرض عليك و أوجب عليك بتبليغ القرآن لرادك إلى دار الآخرة و هي المعاد، فيسألك عن ذلك كما قال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ‏ و الآيات و الأحاديث في هذا كثيرة جدا. و قد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير، و بسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏. و أوردنا أحاديث جمة في ذلك، فمن ذلك.

قال الامام أحمد: حدثنا عبد اللَّه ابن نمير عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:

لما أنزل اللَّه‏

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏

أتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الصفا فصعد عليه ثم نادى: «يا صباحاه» فاجتمع الناس اليه بين رجل يجبئ اليه و بين رجل يبعث رسوله. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «يا بنى عبد المطلب يا بنى فهر، يا بنى كعب أ رأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟» قالوا نعم! قال: «فانى نذير لكم بين يدي عذاب شديد»

فقال أبو لهب- لعنه اللَّه- تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ و أنزل اللَّه عز و جل‏ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ‏ و أخرجاه من حديث الأعمش به نحوه. و

قال احمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة حدثنا عبد المطلب بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبى هريرة. قال:

لما نزلت هذه الآية

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏

دعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قريشا فعم و خص. فقال: «يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من النار، فانى و اللَّه لا أملك لكم من اللَّه شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلائها»

و رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، و أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب و أبى سلمة عن أبى هريرة، و له طرق أخر عن أبى هريرة في مسند أحمد و غيره‏

.

و قال احمد أيضا حدثنا وكيع بن هشام عن أبيه عن عائشة

39

رضى اللَّه عنها. قالت:

لما نزل‏

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏

. قام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بنى عبد المطلب لا أملك لكم من اللَّه شيئا، سلوني من مالي ما شئتم».

و رواه مسلم أيضا

.

و قال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أخبرنا محمد بن عبد الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال فحدثني من سمع عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل- و استكتمنى اسمه- عن ابن عباس عن على بن أبى طالب. قال:

لما نزلت هذه الآية على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏

. قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «عرفت انى إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت. فجاءني جبريل (عليه السلام) فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار». قال فدعاني فقال «يا على إن اللَّه قد أمرنى أن أنذر عشيرتي الأقربين فاصنع لنا يا عليّ شاة على صاع من طعام، و أعدّ لنا عس لبن، ثم اجمع لي بنى عبد المطلب» ففعلت فاجتمعوا له يومئذ و هم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون فيهم أعمامه أبو طالب، و حمزة و العباس، و أبو لهب الكافر الخبيث. فقدمت اليهم تلك الجفنة، فاخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منها حذية فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها و قال: «كلوا بسم اللَّه» فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى إلا آثار أصابعهم، و اللَّه إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «اسقهم يا على» فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا و ايم اللَّه إن كان الرجل ليشرب مثله. فلما أراد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه اللَّه فقال لهدّ ما سحركم صاحبكم، فتفرقوا و لم يكلمهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فلما كان من الغد قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «عدلنا مثل الّذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام و الشراب، فان هذا الرجل قد بدر الى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» ففعلت ثم جمعتهم له و صنع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه و ايم اللَّه إن كان الرجل ليأكل مثلها. ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اسقهم يا على، فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا و ايم اللَّه إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول اللَّه أن يكلمهم، بدره أبو لهب لعنه اللَّه إلى الكلام فقال: لهدّ ما سحركم صاحبكم؟ فتفرقوا و لم يكلمهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فلما كان من الغد قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «يا على عد لنا بمثل الّذي كنت صنعت بالأمس من الطعام و الشراب فان هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم» ففعلت ثم جمعتهم له. فصنع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا، و ايم اللَّه إن كان الرجل ليأكل مثلها و ليشرب مثلها. ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «يا بنى عبد المطلب إني و اللَّه ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بافضل من ما جئتكم به إني قد جئتكم بأمر الدنيا و الآخرة» هكذا

40

رواه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمه عن عبد اللَّه بن الحارث به. و قد رواه أبو جعفر بن جرير عن محمد بن حميد الرازيّ عن سلمة بن الفضل الأبرش عن محمد بن إسحاق عن عبد الغفار أبو مريم بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد اللَّه بن الحارث عن ابن عباس عن على فذكر مثله. و زاد بعد قوله: «و إني قد جثتكم بخير الدنيا و الآخرة، و قد أمرنى اللَّه أن أدعوكم اليه، فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر على أن يكون أخى» و كذا و كذا. قال فأحجم القوم عنها جميعا، و قلت و لأني لأحدثهم سنا و أرمصهم عينا، و أعظمهم بطنا، و أخمشهم ساقا، أنا يا نبي اللَّه أكون وزيرك عليه فاخذ برقبتي فقال: «إن هذا أخى و كذا و كذا فاسمعوا له و أطيعوا».

قال فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع! تفرد به عبد الغفار ابن القاسم أبو مريم و هو كذاب شيعي اتهمه على بن المديني و غيره بوضع الحديث. و ضعفه الباقون.

و لكن‏

روى ابن أبى حاتم في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي عن عبد اللَّه ابن عبد القدوس عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد اللَّه بن الحارث. قال قال على:

لما نزلت هذه الآية

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏

. قال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام، و إناء لبنا، و أدع لي بنى هاشم فدعوتهم و إنهم يومئذ لاربعون غير رجل، أو أربعون و رجل فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال: و بدرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الكلام. فقال: «أيكم يقضى عنى ديني و يكون خليفتي في أهلي؟» قال فسكتوا و سكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال و سكت أنا لسن العباس. ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول اللَّه، قال أنت؟ قال و إني يومئذ لاسوأهم هيئة، و إني لاعمش العينين، ضخم البطن، خمش الساقين.

و هذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها فاللَّه أعلم. و قد روى الامام احمد في مسندة من حديث عباد بن عبد اللَّه الأسدي و ربيعة بن ناجذ عن على نحو ما تقدم- أو كالشاهد له- و اللَّه أعلم. و معنى قوله في هذا

الحديث:

من يقضى عنى ديني و يكون خليفتي في أهلي‏

يعنى إذا مت، و كأنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب [ (1)] أن يقتلوه، فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله، و يقضى عنه، و قد أمنه اللَّه من ذلك في قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏ الآية و المقصود أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استمر يدعو إلى اللَّه تعالى ليلا و نهارا، و سرا و جهارا، لا يصرفه عن ذلك صارف و لا يرده عن ذلك راد، و لا يصده عنه ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم، و مجامعهم و محافلهم و في المواسم، و مواقف الحج. يدعو من لقيه من حر و عبد و ضعيف و قوى، و غنى و فقير،

____________

[ (1)] في المصرية: بإبلاغ مشركي العرب رسالة اللَّه.

41

جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء. و تسلط عليه و على من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية و الفعلية، و كان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب- و اسمه عبد العزى بن عبد المطلب- و امرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبى سفيان و خالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحب خلق اللَّه اليه طبعا و كان يحنو عليه و يحسن اليه، و يدافع عنه و يحامى، و يخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم و على خلتهم، إلا أن اللَّه تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا. و كان استمراره على دين قومه من حكمة اللَّه تعالى، و مما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة و لا كلمة، و لا كانوا يهابونه و يحترمونه. و لاجترءوا عليه، و لمدوا أيديهم و ألسنتهم بالسوء اليه، و ربك يخلق ما يشاء و يختار. و قد قسم خلقه أنواعا و أجناسا، فهذان العمان كافران أبو طالب و أبو لهب. و لكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار، و ذلك في الدرك الأسفل من النار، و أنزل اللَّه فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر، و تقرأ في المواعظ و الخطب. تتضمن أنه‏ سَيَصْلى‏ ناراً ذاتَ لَهَبٍ، وَ امْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ‏.

قال الامام احمد حدثنا إبراهيم بن أبى العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه. قال أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد من بنى الديل- و كان جاهليا فأسلم- قال:

رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الجاهلية في سوق ذي المجاز و هو يقول:

«يا أيها الناس قولوا لا إله إلا اللَّه تفلحوا» و الناس مجتمعون عليه، و وراءه رجل وضي‏ء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب ثم‏

رواه هو و البيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد بنحوه‏

.

و قال البيهقي أيضا حدثنا أبو طاهر الفقيه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان حدثنا أبو الأزهر حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري حدثنا محمد بن عمر عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الديليّ. قال:

رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى اللَّه، و وراءه رجل أحول تقد وجنتاه و هو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم و دين آبائكم. قلت من هذا؟ قيل هذا أبو لهب. ثم رواه من طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة. قال رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بسوق ذي المجاز و هو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا اللَّه تفلحوا» و إذا رجل خلفه يسفى عليه التراب، و إذا هو أبو جهل، و إذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات و العزى كذا قال أبو جهل،

و الظاهر أنه أبو لهب، و سنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته و ذلك بعد وقعة بدر إن شاء اللَّه تعالى.

و أما أبو طالب فكان في غاية الشفقة و الحنو الطبيعي كما سيظهر من صنائعه، و سجاياه، و اعتماده‏

42

فيما يحامى به عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه رضى اللَّه عنهم،

قال يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى عن عبد اللَّه بن موسى بن طلحة أخبرنى عقيل بن أبى طالب. قال‏

جاءت قريش الى أبى طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا و مسجدنا فانهه عنا. فقال يا عقيل انطلق فأتنى بمحمد، فانطلقت اليه فاستخرجته من كنس- أو قال خنس- يقول بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال إن بنى عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم و مسجدهم، فانته عن أذاهم فحلق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ببصره إلى السماء. فقال: «ترون هذه الشمس؟» قالوا نعم! قال:

«فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة». فقال أبو طالب: و اللَّه ما كذب ابن أخى قط فارجعوا.

رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير. و رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عنه به- و هذا لفظه-.

ثم روى البيهقي من طريق يونس عن ابن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث.

أن قريشا حين قالت لأبى طالب هذه المقالة بعث إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقال له: يا ابن أخى إن قومك قد جاءوني و قالوا كذا و كذا، فابق عليّ و على نفسك و لا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا و لا أنت. فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك. فظن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن قد بدا لعمه فيه، و انه خاذله و مسلمه، و ضعف عن القيام معه. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «يا عم لو وضعت الشمس في يميني و القمر في يسارى ما تركت هذا الأمر حتى يظهره اللَّه أو أهلك في طلبه» ثم استعبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فبكى، فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا ابن أخى فاقبل عليه، فقال أمض على أمرك و افعل ما أحببت، فو اللَّه لا أسلمك لشي‏ء أبدا.

قال ابن إسحاق ثم قال أبو طالب في ذلك:

و اللَّه لن يصلوا إليك بجمعهم‏* * * حتى أوسد في التراب دفينا

فامضى لأمرك ما عليك غضاضة* * * أبشر و قر بذاك منك عيونا

و دعوتني و علمت أنك ناصحي‏* * * فلقد صدقت و كنت قدم أمينا

و عرضت دينا قد عرفت بأنه‏* * * من خير أديان البرية دينا

لو لا الملامة أو حذاري سبة* * * لوجدتني سمحا بذاك مبينا

ثم قال البيهقي و ذكر ابن إسحاق لأبى طالب في ذلك أشعارا، و في ذلك دلالة على أنّ اللَّه تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، و قد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه.

و قال يونس بن بكير: حدثني محمد بن إسحاق حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضعا و أربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة و بين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما قام رسول اللَّه قال أبو جهل بن هشام: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا،

43

و شتم آبائنا و تسفيه أحلامنا، و سب آلهتنا و انى أعاهد اللَّه لأجلس له غدا بحجر فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أبو جهل لعنه اللَّه أخذ حجرا ثم جلس لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينتظره، و غدا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما كان يغدو، و كان قبلته الشام.

فكان إذا صلّى صلّى بين الركنين الأسود و اليماني، و جعل الكعبة بينه و بين الشام. فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلّى، و قد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، و قامت اليه رجال من قريش. فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم؟

فقال قمت اليه لأفعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل و اللَّه ما رأيت مثل هامته، و لا قصرته [ (1)]، و لا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلنى.

قال ابن إسحاق:

فذكر لي أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

«ذلك جبريل، و لو دنا منه لأخذه».

و قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ أخبرنى أبو النضر الفقيه حدثنا عثمان الدارميّ حدثنا عبد اللَّه بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد اللَّه ابن أبى فروة عن أبان بن صالح عن على بن عبد اللَّه بن عباس عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب. قال:

كنت يوما في المسجد فاقبل أبو جهل- لعنه اللَّه- فقال: إن للَّه على إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبى جهل، فخرج غضبانا حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط. فقلت هذا يوم شر، فاتزرت ثم اتبعته فدخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقرأ

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ‏

فلما بلغ شأن أبى جهل‏

كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏

فقال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد؟ فقال أبو جهل ألا ترون ما أرى؟ و اللَّه لقد سد أفق السماء على فلما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) آخر السورة سجد.

و قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الكريم عن عكرمة قال قال ابن عباس:

قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلّى عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا». و

رواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق به.

قال داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس. قال، مر أبو جهل بالنبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يصلّى. فقال: أ لم أنهك أن تصلّى يا محمد؟

لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى، فانتهره النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقال جبريل: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ و اللَّه لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب. رواه أحمد و الترمذي و صححه النسائي من طريق داود به. و

قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد حدثنا فرات عن عبد الكريم عن‏

____________

[ (1)] قصرته: أي عنقه و أصل رقبته.

44

عكرمة عن ابن عباس. قال‏

قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا عند الكعبة يصلّى لأتيته حتى أطأ عنقه، قال فقال: «لو فعل لاخذته الزبانية عيانا».

و قال أبو جعفر بن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا يونس بن أبى إسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس. قال قال: أبو جهل لئن عاد محمد يصلّى عند المقام لأقتلنه، فانزل اللَّه تعالى‏ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ‏ حتى بلغ من الآية لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ. فجاء النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلّى فقيل ما يمنعك؟ قال: قد اسود ما بيني و بينه من الكتائب. قال ابن عباس: و اللَّه لو تحرك لاخذته الملائكة و الناس ينظرون اليه. و

قال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه عن نعيم بن أبى هند عن أبى حازم عن أبى هريرة. قال‏

قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم! قال فقال و اللات و العزى لئن رأيته يصلّى كذلك لأطأن على رقبته، و لأعفرن وجهه بالتراب. فأتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يصلّى ليطأ على رقبته. قال فما فجئهم منه إلا و هو ينكص على عقبيه، و يتقى بيديه، قال فقيل له ما لك؟ قال ابن بيني و بينه خندقا من نار و هو لا و أجنحة.

قال فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوا عضوا». قال و أنزل اللَّه تعالى- لا أدرى في حديث أبى هريرة أم لا-

كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏

الى آخر السورة

و قد رواه احمد و مسلم و النسائي و ابن أبى حاتم و البيهقي من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به. و

قال الامام احمد حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد اللَّه. قال:

ما رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلّى و رهط من قريش جلوس، و سلا جزور قريب منه. فقالوا: من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره؟ فقال عقبة ابن أبى معيط أنا، فأخذه فألقاه على ظهره. فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره.

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «اللَّهمّ عليك بهذا الملأ من قريش، اللَّهمّ عليك بعتبة بن ربيعة، اللَّهمّ عليك بشيبة بن ربيعة، اللَّهمّ عليك بابي جهل بن هشام، اللَّهمّ عليك بعقبة بن أبى معيط، اللَّهمّ عليك بابي بن خلف- أو أمية بن خلف-» شعبة الشاك قال عبد اللَّه: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبى- أو أمية بن خلف- فإنه كان رجلا ضخما فتقطع. و قد

رواه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه و مسلم من طرق عن ابن إسحاق به.

و الصواب أمية بن خلف فإنه الّذي قتل يوم بدر، و أخوه أبى إنما قتل يوم أحد كما سيأتي بيانه- و السلا هو الّذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة. و في بعض ألفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا حتى جعل بعضهم يميل على بعض، أي يميل هذا على هذا من شدة الضحك لعنهم اللَّه. و فيه أن فاطمة لما ألقته عنه أقبلت عليهم فسبتهم، و أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم، فلما

45

رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، و خافوا دعوته، و أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا على الملأ منهم جملة و عين في دعائه سبعة. وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم: وهم عتبة، و أخوه شيبة ابنا ربيعة، و الوليد بن عتبة، و أبو جهل بن هشام، و عقبة بن أبى معيط، و أمية بن خلف. قال ابن إسحاق: و نسيت السابع. قلت: و هو عمارة بن الوليد وقع تسميته في صحيح البخاري.

قصة الإراشي [ (1)]

قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثنا عبد الملك بن أبى سفيان الثقفي. قال:

قدم رجل من إراش بإبل له الى مكة فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها. فاقبل الإراشي حتى وقف على نادي قريش و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس في ناحية المسجد. فقال: يا معشر قريش من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام فانى غريب و ابن سبيل، و قد غلبني على حقي؟ فقال أهل المجلس ترى ذلك- يهزون به [ (2)] إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما يعلمون ما بينه و بين أبى جهل من العداوة، اذهب اليه فهو يعديك عليه [ (3)]. فاقبل الإراشي حتى وقف على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذكر ذلك له، فقام معه. فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ما يصنع؟ فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى جاءه فضرب عليه بابه. فقال: من هذا؟ قال محمد فاخرج! فخرج اليه و ما في وجهه قطرة دم، و قد انتقع لونه. فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال لا تبرح حتى أعطيه الّذي له. قال فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه اليه، ثم انصرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال للاراشى الحق لشأنك. فاقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه اللَّه خيرا، فقد أخذت الّذي لي، و جاء الرجل الّذي بعثوا معه فقالوا ويحك ما ذا رأيت؟ قال عجبا من العجب، و اللَّه ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج و ما معه روحه فقال: أعط هذا الرجل حقه. فقال: نعم! لا تبرح حتى أخرج اليه حقه، فدخل فأخرج اليه حقه فأعطاه. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له ويلك ما لك فو اللَّه ما رأينا مثل ما صنعت؟ فقال:

ويحكم و اللَّه ما هو إلا أن ضرب على بابي و سمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت اليه و إن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته، و لا قصرته و لا أنيابه لفحل قط، فو اللَّه لو أبيت لأكلني.

فصل‏

و قال البخاري حدثنا عياش بن الوليد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي عن يحيى بن أبى‏

____________

[ (1)] الإراشي نسبة الى إراش بالكسر و الشين معجمة موضع حكاه ياقوت.

[ (2)] هذا نص الحلبية بالزاي المعجمة و في المصرية: و هم يهرون به بالراء المهملة.

[ (3)] في الأصلين: يؤديك عليه.

46

كثير عن محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير. سألت ابن العاص فقلت: أخبرنى باشد شي‏ء صنعه المشركون برسول اللَّه؟ قال: بينما النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلى في حجر الكعبة، إذ أقبل عليه عقبة ابن أبى معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقا شديدا، فاقبل أبو بكر رضى اللَّه عنه حتى أخذ بمنكبه و دفعه عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال: (أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ) الآية. تابعه ابن إسحاق قال أخبرنى يحيى بن عروة عن أبيه قال قلت لعبد اللَّه بن عمرو. و قال عبدة عن هشام عن أبيه قال قيل لعمرو بن العاص. و قال محمد بن عمرو عن أبى سلمة حدثني عمرو ابن العاص. قال البيهقي و كذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة. انفرد به البخاري. و قد رواه في أماكن من صحيحه و صرح في بعضها بعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، و هو أشبه لرواية عروة عنه، و كونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة. و قد

روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق. حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة. قال‏

قلت لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيما كانت تظهره من عداوته؟ فقال: لقد رأيتهم و قد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا و شتم آباءنا، و عاب ديننا، و فرق جماعاتنا، و سب آلهتنا، و صرنا منه على أمر عظيم- أو كما قال- قال فبينما هم في ذلك طلع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاقبل يمشى حتى أستلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها. فقال: «أ تسمعون يا معشر قريش؟ أما و الّذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح» [ (1)]. فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا و كأنما على رأسه طائر وقع حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه حتى إنه ليقول انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول. فانصرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر و أنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم و ما بلغكم عنه. حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم على ذلك طلع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فوثبوا اليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الّذي تقول كذا و كذا؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم و دينهم، فيقول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «نعم أنا الّذي أقول ذلك» و لقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه، و قام أبو بكر ينكى دونه و يقول: ويلكم‏

(أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)

ثم انصرفوا عنه. فان ذلك لأكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط.

____________

[ (1)] في الحلبية: بالدبح مهملة و في ابن هشام: بالذبيح.

47

فصل‏

في تأليب الملأ من قريش على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه و اجتماعهم بعمه أبى طالب القائم في منعه و نصرته و حرصهم عليه أن يسلمه اليهم فأبى عليهم ذلك بحول اللَّه و قوته.

قال الامام احمد حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

: «لقد أوذيت في اللَّه و ما يؤذى أحد، و أخفت في اللَّه و ما يخاف أحد و لقد أتت على ثلاثون من بين يوم و ليلة و ما لي و لبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يوارى إبط بلال». و

أخرجه الترمذي و ابن ماجة من حديث حماد بن سلمة به‏

و قال الترمذي حسن صحيح. و قال محمد بن إسحاق: و حدب على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عمه أبو طالب و منعه و قام دونه، و مضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على أمر اللَّه مظهرا لدينه لا يرده عنه شي‏ء، فلما رأت قريش أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يعتبهم من شي‏ء أنكروه عليه من فراقهم و عيب آلهتهم، و رأوا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه و قام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب، عتبة و شيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، و أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، و أبو البختري- و اسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، و الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، و أبو جهل- و اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، و الوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤيّ، و نبيه و منبه، ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة ابن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ، و العاص بن وائل بن سعيد بن سهم.

قال ابن إسحاق أو من مشى منهم فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، و عاب ديننا و سفه أحلامنا، و ضلل آباءنا، فاما أن تكفه عنا و أما أن تخلى بيننا و بينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه؟ فقال لهم أبو طالب: قولا رفيقا، و ردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه و مضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ما هو عليه، يظهر دين اللَّه و يدعو اليه، ثم سرى الأمر بينهم و بينه حتى تباعد الرجال و تضاغنوا. و أكثرت قريش ذكر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بينها فتذامروا فيه و حض بعضهم بعضا عليه، ثم أنهم مشوا الى أبى طالب مرة أخرى. فقالوا: يا أبا طالب ان لك سنا و شرفا و منزلة فينا و إنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، و انا و اللَّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، و تسفيه أحلامنا، و عيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله و إياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين- أو كما قالوا- ثم انصرفوا عنه فعظم على أبى طالب فراق قومه و عداوتهم و لم يطب نفسا بإسلام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لا خذلانه.

48

قال ابن إسحاق: و حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث‏

أن قريشا حين قالوا لأبى طالب هذه المقالة بعث إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له: يا ابن أخى إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا و كذا الّذي قالوا له، فابق عليّ و على نفسك و لا تحملني من الأمر ما لا أطيق، قال فظن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قد بدا لعمه فيه بدو و انه خاذله و مسلمه، و انه قد ضعف عن نصرته و القيام معه قال فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «يا عم و اللَّه لو وضعوا الشمس في يميني، و القمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه، أو أهلك فيه ما تركته» قال ثم استعبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب. فقال: أقبل يا بن أخى، فاقبل عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقال: اذهب يا بن أخى فقل ما أحببت فو اللَّه لا أسلمتك لشي‏ء أبدا.

قال ابن إسحاق. ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إسلامه و اجماعه لفراقهم في ذلك و عداوته مشوا اليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له- فيما بلغني-: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش و أجمله، فخذه فلك عقله و نصره، و اتخذه ولدا فهو لك؟ و أسلم إلينا ابن أخيك هذا الّذي قد خالف دينك و دين آبائك، و فرق جماعة قومك، و سفه أحلامنا فنقتله فإنما هو رجل برجل! قال:

و اللَّه لبئس ما تسوموننى؟ أ تعطونني ابنكم أغذوه لكم، و أعطيكم ابني فتقتلونه! هذا و اللَّه ما لا يكون أبدا. قال فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: و اللَّه يا أبا طالب لقد أنصفك قومك و جهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا؟ فقال أبو طالب للمطعم: و اللَّه ما أنصفونى، و لكنك قد أجمعت خذلاني و مظاهرة القوم على فاصنع ما بدا لك- أو كما قال- فحقب الأمر، و حميت الحرب، و تنابذ القوم، و نادى بعضهم بعضا. فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي و يعم من خذله من بنى عبد مناف و من عاداه من قبائل قريش، و يذكر ما سألوه و ما تباعد من أمرهم:

ألا قل لعمرو و الوليد و مطعم‏* * * ألا ليت حظي من حياطتكم بكر

من الخور حبحاب كثير رغاؤه‏* * * يرش على الساقين من بوله قطر

تخلف خلف الورد ليس بلاحق‏* * * إذ ما علا الفيفاء قيل له وبر

أرى أخوينا من أبينا و أمنا* * * إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر

بلى لهما أمر و لكن تحرجما* * * كما حرجمت من رأس ذي علق الصخر

أخص خصوصا عبد شمس و نوفلا* * * هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر

هما أغمزا للقوم في أخويهما* * * فقد أصبحا منهم أكفهما صفر

هما أشركا في المجد من لا أبا له‏* * * من الناس إلا أن يرس له ذكر

49

و تيم و مخزوم و زهرة منهم‏* * * و كانوا لنا مولى إذا بغى النصر

فو اللَّه لا تنفك منا عداوة* * * و لا منكم ما دام من نسلنا شفر

قال ابن هشام: و تركنا منها بيتين أقذع فيهما [ (1)].

فصل في مبالغتهم في الاذية لآحاد المسلمين المستضعفين‏

قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم و يفتنونهم عن دينهم، و منع اللَّه منهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعمه أبى طالب. و قد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بنى هاشم و بنى عبد المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و القيام دونه فاجتمعوا اليه و قاموا معه و أجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبى لهب عدو اللَّه. فقال في ذلك يمدحهم و يحرضهم على ما وافقوه عليه من الحدب و النصرة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر* * * فعبد مناف سرها و صميمها

و إن حصلت أشراف عبد منافها* * * ففي هاشم اشرافها و قديمها

و إن فخرت يوما فان محمدا* * * هو المصطفى من سرها و كريمها

تداعت قريش غثها و سمينها* * * علينا فلم تظفر و طاشت حلومها

و كنا قديما لا نقر ظلامة* * * إذ ما ثنوا صعر الرقاب نقيمها

و تحمى حماها كل يوم كريهة* * * و نضرب عن أحجارها من يرومها

بنا انتعش العود الزواء و إنما* * * باكنافنا تندى و تنمى أرومها

فصل‏

فيما اعترض به المشركون على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و ما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات و خرق العادات على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدى و الرشاد. فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا و لا ما اليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا و شاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم‏

____________

[ (1)] في هذا القطعة اختلاف بين الأصلين و بينهما مع ابن إسحاق و قد اجتهدنا أن يكون الأصل النسخة الحلبية الا ما كان خطأ فنعتمد فيه على ابن إسحاق فالبيت الخامس منها أثبتناه كما في الأصلين و في ابن إسحاق جرجما. و جرجمت (بالجيم) و أنكر السهيليّ ان تكون الرواية كما عنده (ذي علق صخر)

50

يعمهون، و لظلوا في غيهم و ضلالهم يتردون. قال اللَّه تعالى: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَ ما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ نَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى‏ وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ‏.

و قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ‏. و قال تعالى: وَ ما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَ آتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَ ما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً. و قال تعالى‏ وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً، أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى‏ فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا و قد تكلمنا على هذه الآيات و ما يشابهها في أماكنها في التفسير و للَّه الحمد. و قد

روى يونس و زياد عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم- و هو شيخ من أهل مصر يقال له محمد بن أبى محمد- عن سعيد بن جبير و عكرمة عن ابن عباس. قال:

اجتمع علية من أشراف قريش- و عدّد أسماءهم- بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه، و خاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا اليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سريعا و هو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بدء، و كان حريصا يحب رشدهم و يعز عليه عنتهم، حتى جلس اليهم. فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، و إنا و اللَّه لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، و عبت الدين، و سفهت الأحلام، و شتمت الآلهة و فرقت الجماعة، و ما بقي من قبيح إلا و قد جئته فيما بيننا و بينك. فان كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، و إن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، و إن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، و إن كان هذا الّذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك- و كان يسمون التابع من الجن الرئى- فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «ما بى ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، و لا الشرف فيكم، و لا الملك عليكم، و لكن اللَّه بعثني إليكم رسولا، و انزل على كتابا، و أمرنى أن أكون لكم بشيرا و نذيرا، فبلغتكم رسالة ربى و نصحت لكم، فان تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا و الآخرة، و إن تردوه على أصبر لأمر اللَّه حتى يحكم اللَّه بيني و بينكم»- أو كما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- فقالوا يا محمد فان كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك‏